وإن قال أمسكتك ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو قول ابى سعيد الاصطخرى انه يصح لانه ورد به القرآن، وهو قوله " فأمسكوهن بمعروف "
(والثانى)
انه لا يصح، لان الرجعة رد، والامساك يستعمل في البقاء والاستدامة دون الرد.
وإن قال تزوجتك أو نكحتك ففيه وجهان
(أحدهما)
يصح لانه إذا صح به النكاح وهو ابتداء الاباحة فلان تصح به الرجعة وهو إصلاح ما تشعث منه أولى
(والثانى)
لا يصح لانه صريح في النكاح، ولا يجوز أن يكون صريحا في حكم آخر من النكاح، كالطلاق لما كان صريحا في الطلاق لم يجز أن يكون صريحا في الظهار.
وإن قال راجعتك للمحبه وقال أردت به مراجعتك لمحبتي لك صح.
وان قال راجعتك لهوانك وقال أردت به أنى راجعتك لاهينك بالرجعة صح، لانه أتى بلفظ الرجعة وبين سبب الرجعة وإن قال لم أرد الرجعة وانما أردت أنى كنت احبك قبل النكاح، أو كنت أهينك قبل النكاح فرددتك بالرجعة إلى المحبه التى كانت قبل النكاح: أو الاهانة التى كانت قبل النكاح، قبل قوله لانه يحتمل ما يدعيه.
(الشرح) تصح الرجعة من غير ولى وبغير رضاها وبغير عوض لقوله تعالى " وبعولتهن أحق بردهن في ذلك " فجعل الزوج احق بردها، فلو افتقر إلى رضاها لكان الحق لهما، ولا تصح الرجعة الا بالقول من القادر عليه.
أو بالاشارة من الاخرس.
فأما إذا وطئها أو قبلها أو لمسها فلا يكون ذلك رجعه، سواء نوى به الرجعة أو لم ينو.
وبه قال ابو قلابة وابو ثور، وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري وابن سيرين والاوزاعي وابن ابى ليلى وابو حنيفة واصحابه وبعض اصحاب احمد: تصح الرجعة بالوطئ، سواء نوى به الرجعة أو لم ينو وقال ابو حنيفة: إذا قبلها بشهوة أو لمسها أو نظر إلى فرجها بشهوة وقعت به الرجعة، وقال مالك وإسحاق: إذا وطئها ونوى به الرجعة كان رجعه.
وان لم ينو به الرجعة لم يكن رجعه، دليلنا انها جاريه إلى بينونه فلم يصح امساكها بالوطئ كما لو أسلم احد الحربيين وجرت إلى بينونه فلم يصح امساكها بالوطئ، ولان
стр. 2102
استباحة بضع مقصود يصح بالقول فلم يصح بالفعل مع القدرة على القول كالنكاح فقولنا بضع مقصود، احتراز ممن باع جارية ووطئها في مدة الخيار.
وقولنا يصح بالقول احتراز من السبى، فإنه لا يصح بالقول وإنما يصح بالفعل وقولنا ممن يقدر عليه احتراز ممن يكون أخرس إذا ثبت هذا وقال رددتك صح، لقوله ﷺ لعمر " مر ابنك فليراجعها " وهل من شرطه أن يقول إلى النكاح؟ فيه وجهان حكاهما المسعودي المشهور أن ذلك ليس بشرط، وانما هو تأكيد وإن قال أمسكتك - قال الشيخ ابو حامد: - فهل ذلك صريح في الرجعة أو كناية؟ فيه وجهان، وحكاهما القاضى ابو الطيب قولين
(أحدهما)
انه صريح
في الرجعة، لان القرآن ورد به، وهو قوله تعالى " فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف " وأراد به الرجعة
(والثانى)
انه ليس بصريح إنما هو كناية لانه استباحة بضع مقصود في عينه فلم يصح الا بلفظتين كالنكاح.
وأما المصنف فقد جعل صحة الرجعة به على وجهين ولم يذكر الصريح ولا الكناية وإن قال تزوجتك أو نكحتك أو عقد عليها النكاح فهل يصح؟ فيه وجهان:
(أحدهما)
لا يصح لان عقد الرجعة لا يصح بالكنايه والنكاح كنايه.
ولان النكاح لا يعرى عن عوض والرجعة لا تتضمن عوضا فلم ينعقد أحدهما بلفظ الآخر كالهبة لا تنعقد بلفظ البيع.
(والثانى)
يصح، لان لفظ النكاح والتزويج آكد من الرجعة لانه تستباح به الأجنبية، فإذا استباح بضعها بلفظ الرجعة ففى لفظ النكاح والتزويج أولى.
بيد اننى رأيت ان الرجعة اسم اشتهر بين اهل العرف كاشتهار اسم الطلاق فيه، فانهم يسمونها رجعة والمرأة رجعيه، ويتخرج ان يكون لفظها هو الصريح وحده والله أعلم (فرع)
فان قال راجعتك أمس كان إقرارا برجعتها وهو يملك الرجعة قبل إقراره فيها.
وان قال راجعتك للمحبه أو للاهانة سئل عن ذلك.
فإن قال أردت بقولى للمحبة لانى كنت أحبها في النكاح فراجعتها إلى النكاح لاردها إلى تلك المحبة، أو كنت أهينها في النكاح فراجعتها إلى النكاح والى تلك الاهانة أو ألحقتها
стр. 2103
بالطلاق إهانه فراجعتها إلى النكاح لارفع عنها تلك الاهانة، صحت الرجعة لانه قد راجعها وبين العلة التى راجعها لاجلها.
وإن قال لم أرد الرجعة إلى النكاح وانما أردت أنى كنت أحبها قبل النكاح فلما نكحتها بغضتها فرددتها بالطلاق إلى تلك المحبه قبل النكاح، أو كنت أهينها
قبل النكاح فلما نكحتها زالت تلك الاهانة، فرددتها بالطلاق إلى تلك الاهانة، لم تصح الرجعة، لانه اخبر انه لم يردها إلى النكاح، وانما المعنى الذى لاجله طلقها، وان ماتت قبل ان يبين حكم بصحة الرجعة لانه يحتمل الامرين، والظاهر أنه اراد الرجعة إلى النكاح لاجل المحبه أو لاجل الاهانة، وهذا هو مذهب احمد بن حنبل رضى الله عنه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وهل يجب الاشهاد عليها؟ فيه قولان
(أحدهما)
يجب لقوله " فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوى عدل منكم " ولانه استباحة بضع مقصود فلم يصح من غير اشهاد كالنكاح
(والثانى)
انه مستحب لانه لا يفتقر إلى الولى فلم يفتقر إلى الاشهاد كالبيع
(فصل)
ولا يجوز تعليقها على شرط، فإن قال راجعتك ان شئت فقالت شئت لم يصح، لانه استباحة بضع فلم يصح تعليقه على شرط كالنكاح، ولا يصح في حال الردة.
وقال المزني: انه موقوف فإن أسلمت صح، كما يقف الطلاق والنكاح على الاسلام.
وهذا خطأ لانه استباحة بضع فلم يصح الردة كالنكاح، ويخالف الطلاق، فإنه يجوز تعليقه على الشرط، والرجعه لا يصح تعليقها على الشرط وأما النكاح فانه يقف فسخه على الاسلام وأما عقده فلا يقف والرجعه كالعقد فيجب أن لا تقف على الاسلام
(فصل)
وان اختلف الزوجان فقال الزوج: راجعتك وأنكرت المرأة فان كان ذلك قبل انقضاء العدة فالقول قول الزوج، لانه يملك الرجعة فقبل اقراره فيها كما يقبل قوله في طلاقها حين ملك الطلاق، وان كان بعد انقضاء العدة
стр. 2104
فالقول قولها لان الاصل عدم الرجعة ووقوع البينونة، وإن اختلفا في الاصابة فقال الزوج أصبتك فلى الرجعة وأنكرت المرأة فالقول قولها لان الاصل عدم الاصابة ووقوع الفرقة.
(الشرح) قوله: وهل تصح الرجعة من غير شهادة الخ، فجملة ذلك أنه فيه قولان
(أحدهما)
لا تصح الرجعة إلا بحضور شاهدين لقوله تعالى " فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوى عدل منكم " فأمر بالاشهاد على الرجعة والامر يقتضى الوجوب، ولانه استباحة بضع مقصود فكانت الشهادة شرطا فيه كالنكاح، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد (والقول الثاني) تصح من غير شهادة، وهو اختيار أبى بكر من الحنابلة وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول مالك وأبى حنيفة، لانها لا تفتقر إلى قبول فلم تفتقر إلى شهادة كسائر حقوق الزوج، ولان النبي ﷺ أمر عمر أن يأمر ابنه بمراجعتها ولم يأمره بالاشهاد، فلو كان شرطا لامر به، ولانه لا يفتقر إلى الولى فلم يفتقر إلى الاشهاد كالبيع والهبة وعكسه النكاح.
والآية محمولة على الاستحباب قال ابن قدامة من الحنابله: ولا خلاف بين أهل العلم في أن السنة الاشهاد.
فإن قلنا هي شرط فإنه يعتبر وجودها حال الرجعة، فإن ارتجع بغير شهادة لم يصح لان المعتبر وجودها في الرجعة دون الاقرار بها، إلا أن يقصد بذلك الاقرار الارتجاع فيصح.
(مسألة) قوله: ولا يجوز تعليقها على شرط الخ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ: وإن قال: راجعتك إن شئت فقالت في الحال شئت، لم تصح الرجعة، لانه عقد يستبيح به البضع فلم يصح تعليقه على صفة كالنكاح.
وقال أيضا: وإن قال لها كلما طلقتك فقد راجعتك لم تصح الرجعة، لانه علق الرجعة
على صفة فلم تصح، كما لو قال راجعتك إذا قدم زيد، ولانه راجعها قبل أن يملك الرجعة عليها فلم يصح، كما لو قال لاجنبية طلقتك إذا نكحتك.
وإن طلق الرجل امرأته طلاقا رجعيا فارتدت المرأة ثم راجعها الزوج في
стр. 2105
حال ردتها لم تصح الرجعة، فإن انقضت عدتها قبل أن ترجع إلى الاسلام بانت باختلاف الدين.
وإن رجعت إلى الاسلام قبل انقضاء عدتها افتقر إلى استئناف الرجعة.
وقال المزني: تكون الرجعة موقوفة كما لو طلقها في الردة.
وهذا خطأ لانه عقد استباحة بضع مقصود فلم يصح في حال الردة كالنكاح.
ويخالف الطلاق فإنه يصح تعليقه على الحظر والغرر، وكما أنه لا تصح الرجعة في ردتها فكذلك لا تصح في ردته كالنكاح، لان الرجعة تقرير للنكاح، والردة تنافى ذلك، فلم يصح اجتماعهما.
(مسألة) إذا قال الزوج راجعتك وأنكرت المرأة، فان كان قبل انقضاء عدتها فالقول قول الزوج، لانه يملك الرجعة فملك الاقرار بها كالزوج إذا أقر بطلاق زوجته.
وان انقضت عدتها فقال الزوج: كنت راجعتك قبل انقضاء عدتك.
وقالت الزوجة بل انقضت عدتي قبل ان يراجعني - ولا بينة للزوج - فقد نص الشافعي على أن القول قول الزوجة مع يمينها.
وكذا قال في الزوج إذا ارتد بعد الدخول ثم رجع إلى الاسلام، وقال رجعت إلى الاسلام قبل انقضاء عدتك، وقالت: بل انقضت عدتي قبل أن يرجع إلى الاسلام، فالقول قول الزوجة، وقال في نكاح المشركات: إذا أسلمت الزوجة بعد الدخول وتخلف الزوج ثم أسلم، فقال الزوج: أسلمت قبل انقضاء عدتك، وقالت الزوجه: بل أسلمت بعد انقضاء عدتي فالقول قول الزوج
واختلف أصحابنا في هذه المسائل على ثلاث طرق، فمنهم من قال: في الجميع قولان.
وهو اختيار القاضيين أبى حامد وأبى الطيب، أحدهما القول قول الزوج لان الزوجة تدعى أمرا يرفع النكاح، والزوج ينكره فكان القول قوله، لان الاصل بقاء النكاح.
والثانى أن القول قول الزوجه، لان الظاهر حصول البينونه وعدم الرجعة والاسلام.
والطريق الثاني: ان أظهر الزوج أولا الرجعة أو الاسلام ثم قالت الزوجه بعد ذلك: قد كانت عدتي انقضت قبل ذلك، فالقول قول الزوج، لانها ما دامت لم تظهر انقضاء العدة فالظاهر أن عدتها لم تنقض.
стр. 2106
وإن أظهرت الزوجة انقضاء العدة أولا ثم قال الزوج كنت راجعتك وأسلمت قبل انقضاء العدة فالقول قولها، لانها إذا أظهرت انقضاء عدتها في وقت يمكن انقضاؤها فيه فالظاهر أنها بانت، فإذا ادعى الزوج الرجعة والاسلام قبله كان القول قولها لان الاصل عدم ذلك.
وإن أظهر الزوج الرجعة أو الاسلام في الوقت الذى أظهرت فيه انقضاء العدة ولم يستو أحدهما مع الآخر ففيه وجهان من أصحابنا من قال يقرع بينهما لاستوائهما في الدعوى.
ومنهم من قال لا يقرع بينهما بل لا تصح الرجعة ولا يجمع بينهما في النكاح، لانه يمكن تصديق كل واحد منهما بأن يكون قد راجعها أو أسلم في الوقت الذى انقضت فيه عدتها، فلم يصح اجتماعهما على النكاح، كما لو قال لامرأته: إن مت فأنت طالق فانها لا تطلق بموته، والطريق الثالث وهو اختيار أبى على الطبري أن قول كل واحد منهم مقبول فيما اتفقا عليه.
فان اتفقا أنه راجع أو أسلم في رمضان فقالت الزوجة إلا أن عدتي انقضت في شعبان وأنكرها الزوج فالقول قول الزوج، لان الاصل بقاء العدة
وإن اتفقا أن عدتها انقضت في رمضان إلا أن الزوج ادعى أنه كان راجعها أو أسلم في شعبان وأنكرت الزوجة ذلك فالقول قولها، لان الاصل عدم الرجعة والاسلام، وإذا ادعت انقضاء عدتها في أقل من شهر لم يقبل قولها في أقل من اثنين وثلاثين يوما ولحظتين.
ولا يقبل في أقل من ذلك بحال، لانه لا يتصور عندنا أقل من ذلك.
وعند أحمد وأصحابه لا يقبل قولها في أقل من شهر إلا ببينة.
لان شريحا قال: إذا ادعت أنها حاضت ثلاث حيض في شهر واحد وجاءت ببينة من النساء العدول من بطانة أهلها ممن يرضى صدقه وعدله أنها رأت ما يحرم عليها الصلاة من الطمث وتغتسل عند كل قرء وتصلى فقد انقضت عدتها والا فهى كاذبة.
وقال له على بن أبى طالب " قالون " ومعناه بالرومية أصبت أو أحسنت، فأخذ أحمد بشهر على في الشهر فان ادعت ذلك في أكثر من شهر صدقها على حديث " ان المرأة أؤتمنت على فرجها " ولان حيضها في الشهر ثلاث حيض يندر جدا فرجح ببينة، ولا يندر
стр. 2107
فيما زاد على الشهر كندرته فيه فقبل قولها من غير بينة، وقال أبو حنيفة: لا نصدق في أقل من ستين يوما.
وقال صاحباه: لا تصدق في أقل من تسعة وثلاثين يوما، لان أقل الحيض عندهم ثلاثة أيام، فثلاث حيض تسعة أيام وطهران ثلاثون يوما، والخلاف في هذا ينبنى على الخلاف في أقل الحيض وأقل الطهر.
وان ادعت انقضاء عدتها بوضع الحمل فلا يخلو إما أن تدعى وضع الحمل التام أو أنها أسقطته لم يقبل قولها في أقل من ثمانين يوما من حين إمكان الوطئ بعد عقد النكاح، لان أقل سقط تنقضي به العدة ما أتى عليه ثمانون يوما، لانه
يكون نطفة أربعين يوما ثم يصير مضغة بعد الثمانين ولا تنقضي به العدة قبل أن يصير مضغة بحال، وهذا قول أحمد بن حنبل وأصحابه (فرع)
إذا طلق امرأته طلقة أو طلقتين فقال: طلقتك بعد أن أصبتك فعليك العدة ولى عليك الرجعة ولك السكنى والنفقة وجميع المهر.
وقالت الزوجة بل طلقني قبل الاصابة، فالقول قول الزوجة مع يمينها، لان الظاهر وقوع الفرقة بالطلاق والاصل عدم الاصابة.
إذا ثبت هذا فإنها إذا حلفت فلا عدة عليها ولا رجعة، ولا يجب لها نفقة ولا سكنى، لانها لا تدعى ذلك، وان كان مقرا لها به.
وأما المهر فإن كان في يد الزوج لم تأخذ الزوجة منه الا النصف لانها لا تدعى أكثر منه، وان كان الزوج مقرا بالجميع.
وان كان الصداق في يد الزوجة لم يرجع الزوج عليها بشئ لانه لا يدعيه وان نكلت عن اليمين فحلف ثبت له الرجعة عليها.
فأما النفقة والسكنى فالذي يقتضى المذهب أنها لا تستحقه لانها لا تدعيه.
وإن قال الزوج طلقتك قبل الاصابة فلا رجعة لى عليك ولا نفقة ولا سكنى لك ولك نصف المهر.
وقالت المرأة بل طلقتني بعد الاصابة فلك الرجعة ولى عليك النفقة والسكنى وجميع المهر، فالقول قول الزوج مع يمينه، لان الاصل عدم الاصابة.
إذا ثبت هذا فانه لا رجعة له عليها، سواء حلف أو لم يحلف، لانه
стр. 2108
أقر بأنه لا يستحق ذلك، ويجب عليها العدة لانها مقرة بوجوبها عليها، وأما النفقة والسكنى - فان حلف أنه طلقها قبل الاصابة - لم تستحق عليه النفقة والسكنى، وإن نكل عن اليمين فحلفت استحقت ذلك عليه، وأما المهر فإن حلف لم يستحق عليه إلا نصفه سواء كان بيده أو بيدها، وإن نكل عن اليمين وحلفت استحقت جميع المهر، وهذا إذا لم يثبت بالبينة أو بإقرار الزوج انه قد
خلا بها.
وأما إذا ثبتت بالبينة أو بإقرار انه قد كان خلا بها فعلى القول الجديد لا تأثير للخلوة.
وقال في القديم: للخلوة تأثير، فمن أصحابنا من قال: أراد انه يرجح بها قول من ادعى الاصابة منهما.
ومنهم من قال: بل الخلوة كالاصابة، وقد مضى بيان ذلك.
(فرع)
قال في الام: إذا قال قد أخبرتني بانقضاء عدتها ثم قالت بعد هذا ما كانت عدتي منقضية فالرجعة صحيحة لانه لم يقر بانقضاء العدة، وإنما أخبر عنها، فإذا أنكرت ذلك فقد كذبت نفسها وكانت الرجعة صحيحة،
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
فإن طلقها طلقة رجعية وغاب الزوج وانقضت العدة وتزوجت ثم قدم الزوج وادعى أنه راجعها قبل انقضاء العدة، فله أن يخاصم الزوج الثاني وله أن يخاصم الزوجة، فإن بدأ بالزوج نظرت فإن صدقه سقط حقه من النكاح ولا تسلم المرأة إليه، لان إقراره يقبل على نفسه دونها، وان كذبه فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل عدم الرجعة، فان حلف سقط دعوى الاول، وان نكل ردت اليمين عليه، فان حلف وقلنا إن يمينه مع نكول المدعى عليه كالبينة حكمنا بأنه لم يكن بينهما نكاح، فان كان قبل الدخول لم يلزمه شئ، وإن كان بعد الدخول لزمه مهر المثل وان قلنا انه كالاقرار لم يقبل إقراره في اسقاط حقها، فان دخل بها لزمه المسمى، وان لم يدخل بها لزمه نصف المسمى.
ولا تسلم المرأة إلى الزوج الاول على القولين، لانا جعلناه كالبينة أو كالاقرار في حقه دون حقها.
وإن بدا بخصوصة الزوجة فصدقته لم تسلم إليه، لانه لا يقبل
стр. 2109
إقرارها على الثاني كما لا يقبل إقراره عليها، ويلزمها المهر لانها أقرت أنها
حالت بينه وبين بضعها، فان زال حق الثاني بطلاق أو فسخ أو وفاة ردت إلى إلى الاول لان المنع لحق الثاني وقد زال.
وان كذبته فالقول قولها، وهل تحلف على ذلك؟ فيه قولان:
(أحدهما)
لا تحلف لان اليمين تعرض عليها لتخاف فتقر.
ولو أقرت لم يقبل إقرارها فلم يكن في تحليفها فائدة
(والثانى)
تحلف لان في تحليفها فائدة، وهو أنها ربما أقرت فيلزمها المهر وإن حلفت سقطت دعواه، وإن نكلت ردت اليمين عليه، فإذا حلف حكم له بالمهر.
(فصل)
إذا تزوجت الرجعية في عدتها وحبلت من الزوج ووضعت وشرعت في إتمام العدة من الاول وراجعها صحت الرجعة لانه راجعها في عدته فان راجعها قبل الوضع ففيه وجهان: أحدهما لا يصح لانها في عدة من غيره فلم يملك رجعتها، والثانى يصح بما بقى عليها من عدته لانه حكم الزوجية باق وانما حرمت لعارض فصار كما لو أحرمت (الشرح) تصح الرجعة من غير علم الزوجة، لان ما لا يفتقر إلى رضاها لم تفتقر صحته إلى علمها كالطلاق.
إذا ثبت هذا فان انقضت عدتها فتزوجت بآخر وادعى الزوج الاول أنه كان راجعها قبل انقضاء العدة منه، وقال الزوج الثاني بل انقضت عدتها قبل ان يراجعها نظرت فان أقام الزوج الاول بينة أنه راجعها قبل انقضاء عدتها منه حكم بتزويجها للاول وبطل نكاح الثاني، سواء دخل بها أو لم يدخل وبه قال على بن ابى طالب وأكثر الفقهاء.
وقال مالك: ان دخل بها الثاني فهو أحق بها، وان لم يدخل بها الثاني ففيه روايتان، احداهما أنه أحق بها، والثانى أن الاول أحق بها.
وروى ذلك عن
عمر رضى الله عنه، دليلنا قوله تعالى (حرمت عليكم أمهاتكم - إلى قوله تعالى - والمحصنات من النساء " والمحصنة من لها زوج، وهذه لها زوج وهو الاول،
стр. 2110
فلم يصح نكاح الثاني.
إذا ثبت هذا - فإن كان الثاني لم يدخل بها - فرق بينهما ولا شئ عليه، وإن دخل بها فرق بينهما وعليه مهر مثلها وعليها العدة، لانه وطئ شبهة، ولا تحل للاول حتى تنقضي عدتها من الثاني، وإن لم يكن مع الاول بينة فله أن يخاصم لزوج الثاني، وله أن يخاصم الزوجة الاولى أو يبتدئ بخصومة الثاني لانه أقرب، فإن بدأ بخصومة الثاني نظرت في الثاني فإن أنكر وقال لم يراجعها إلا بعد انقضاء عدتها فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عدم رجعة الاول، وكيف يحلف؟ قال الشيخ أبو حامد في التعليق: يحلف أنه لم يراجعها في عدتها.
وقال ابن الصباغ في الشامل: يحلف أنه لم يعلم أنه راجعها في عدتها، لانه يحلف على نفى فعل غيره، وهذا أقيس، فان حلف الثاني سقطت دعوى الاول عنه، وإن نكل الثاني عن اليمين ردت اليمين على الاول، فان حلف أنه راجعها قبل انقضاء عدتها منه سقط حق الثاني من نكاحها، لان يمين الاول كبينة أقامها في أحد القولين.
أو كإقرار الثاني بصحة رجعة الاول، وذلك يتضمن إسقاط حق الثاني منهما فان صدقت الزوجة الاول على صحة رجعته سلمت إليه، فان كان الثاني لم يدخل بها فلا شئ عليه وتسلم الزوجة في الحال.
وإن كان الثاني دخل بها استحقت عليه مهر مثلها ولا تسلم إلى الاول الا بعد انقضاء عدتها من الثاني.
وإن أنكرت الزوجة صحة الرجعة من الاول - فان قلنا إن يمين الاول كبينة أقامها الاول - كان كأن لم يكن بين الثاني وبينها نكاح، فان كان قبل الدخول فلا شئ لها عليه، وان كان بعد الدخول فلها عليه مهر مثلها
وان قلنا إن يمين الاول يكذبه إقرار الثاني فلا يقبل إقراره في إسقاط حقها بل إن كان قبل الدخول لزمه نصف مهرها المسمى، وإن كان بعد الدخول لزمه جميع المسمى، ولا تسلم المرأة إلى الاول على القولين، لان يمين الاول كبينة أقامها أو كإقرار الثاني في حق الثاني لا في حقها.
وإن صدق الثاني الاول أنه راجعها قبل انقضاء عدته - فإن صدقته المرأة أيضا كان كما لو أقام الاول البينة، فان كان قبل الدخول فلا شئ لها على الثاني، وتسلم الزوجة إلى الاول في الحال، وان كان بعد الدخول فلها على الثاني مهر مثلها
стр. 2111
وله عليها العدة ولا تسلم إلى الاول إلا بعد انقضاء عدتها من الثاني، وإن أنكرت الزوجة صحة رجعة الاول بعد أن صدقه الثاني فالقول قولها مع يمينها، لان الاصل عدم الرجعة، ويحكم بانفساخ نكاح الثاني، لانه أقر بتحريمها، فإن كان قبل الدخول لزمه نصف المسمى، وان كان بعد الدخول لزمه جميع المسمى، وان بدأ الزوج الاول بالخصومه مع الزوجه نظرت فإن صدقته لم يقبل إقرارها لتعلق حق الثاني بها - وهل يلزمها المهر للاول؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ.
(أحدهما)
لا يلزمها له شئ، للان إقرارها لم يقبل بحق الثاني، فلم يلزمها غرم كما لو ارتدت أو قتلت نفسها
(والثانى)
ولم يذكر المحاملى والشيخ أبو إسحاق هنا غيره أنه يلزمها للاول المهر لانها فوتت بضعها عليه بالنكاح الثاني، فهو كما لو شهد عليه شاهدان أنه طلقها ثم رجعا عن شهادتهما فإنه يجب عليهما، فكذلك هذا مثله، وان أنكرت فالقول قولها لان الاصل عدم الرجعة، وهل يلزمها أن تحلف؟ قال الشيخان أبو حامد وأبو إسحاق: فيه قولان
(أحدهما)
لا يلزمها أن تحلف، لان اليمين انما تعرض لتخاف فتقر، ولو
أقرت لم يقبل إقرارها للاول بحق الثاني فلا فائدة في ذلك
(والثانى)
يلزمها أن تحلف، لانه ربما خافت من اليمين فأقرت بصحة رجعة الاول فلزمها له المهر.
قال ابن الصباغ.
يبنى على الوجهين، إذا أقرت للاول، فان قلنا هناك يلزمها له المهر لزمها أن تحلف له لجواز أن تخاف فتقر فيلزمها المره.
وان قلنا لا يلزمها المهر لم يلزمها أن تحلف لانه لا فائدة في ذلك، فان قلنا لا يمين عليها فلا كلام.
وان قلنا عليها اليمين، فان حلفت سقطت دعوى الزوج عنها، وان نكلت ردت اليمين على الاول، فإذا حلف احتمل أن يبنى على القولين في يمين المدعى مع نكول المدعى عليه.
فان قلنا انها كالبينه لزمها المهر للاول، وان قلنا انها كالاقرار فهل يلزمها المهر للاول؟ على الوجهين اللذين حكاهما ابن الصباغ، ولا تسلم الزوجه إلى الاول مع انكار الثاني على القولين، لانها كالبينه أو كالاقرار في حق المدعيين وهما الزوج الاول والزوجة لا في حق الثاني وكل موضع قلنا لا تسلم المرأة إلى
стр. 2112
الاول إذا أقرت له بحق الثاني فزالت زوجية الثاني بموته أو طلاقه، وسلمت إلى الاول بعد انقضاء عدة الثاني منها، لان المنع من تسليمها إلى الاول لحق الثاني وَقَدْ زَالَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(فصل)
إذا طلق الحر امرأته ثلاثا أو طلق العبد امرأته طلقتين حرمت عليه ولا يحل له نكاحها حتى تنكح زوجا غيره ويطأها.
والدليل عليه قوله (فإن طلقها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زوجا غيره) وروت عائشة رضى الله عنها أن رفاعة القرظى طلق امرأته بت طلاقها فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير فجاءت النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ الله انى كنت عند رفاعة
وطلقني ثلاث تطليقات فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وإنه والله ما معه يا رسول الله إلا مثل هذه الهدبة، فَتَبَسَّمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لعلك تريدين ان ترجعي إلى رفاعة، لا والله تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك: ولا تحل إلا بالو طء في الفرج، فإن وطئها فيما دون الفرج، أو وطئها في الموضع المكروه لم تحل، لان النبي ﷺ علق على ذوق العسيلة، وذلك لا يحصل الا بالوطئ في الفرج، وأدنى الوطئ أن يغيب الحشفة في الفرج لان أحكام الوطئ تتعلق به ولا تتعلق بما دونه، فإن أولج الحشفة في الفرج من غير انتشار لم تحل لان النبي ﷺ علق الحكم بذوق العسيلة، وذلك لا يحصل من غير انتشار.
وإن كان بعض الذكر مقطوعا فعلى ما ذكرناه في الرد بالعيب في النكاح.
وإن كان مسلولا أحل بوطئه، لانه في الوطئ كالفحل وأقوى منه ولم يفقد الا الانزال، وذلك غير معتبر في الاحلال.
وان كان مراهقا أحل لانه كالبالغ في الوطئ، وإن وطئت وهى نائمة أو مجنونة، أو استدخلت هي ذكر الزوج وهو نائم أو مجنون، أو وجدها على فراشه فظنها غيرها فوطئها حلت لانه وطئ صادف النكاح.
стр. 2113
(فصل)
فإن رآها رجل أجنبي فظنها زوجته فوطئها أو كانت أمة فوطئها مولاها لم تحل لقوله حتى تنكح زوجا غيره، وإن وطئها الزوج في نكاح فاسد كالنكاح بلا ولى ولا شهود أو في نكاح شرط فيه أنه إذا أحلها للزوج الاول فلا نكاح بينهما ففيه قولان
(أحدهما)
أنه لا يحلها لانه وطئ في نكاح غير صحيح فلم تحل كوطئ الشبهة
(والثانى)
أنه يحلها لما روى عبد الله إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
لعن الله المحلل والمحلل له.
فسماه محللا، ولانه وطئ في نكاح فأشبه الوطئ في النكاح الصحيح.
(فصل)
وإن كانت المطلقة أمة فملكها الزوج قبل أن ينكحها زوجا غيره فالمذهب أنها لا تحل لقوله عزوجل: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زوجا غيره ولان الفرج لا يجوز أن يكون محرما عليه من وجه مباحا من وجه.
ومن أصحابنا من قال يحل وطؤها لان الطلاق يختص بالزوجية فآثر التحريم في الزوحية
(فصل)
وإن طلق امرأته ثلاثا وتفرقا ثم ادعت المرأة أنها تزوجت بزوج أحلها جاز له أن يتزوجها لانها مؤتمنة فيما تدعيه من الاباحة، فإن وقع في نفسه أنها كاذبة فالاولى أن لا يتزوجها احتياطا (الشرح) حديث عائشة أخرجه الشيخان وأصحاب السنن وأحمد في مسنده بلفظ " جاءت امرأة رفاعة القرظى إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وانما معه مثل هدبة الثوب، فقال أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " وعند أبى داود من غير تسمية الزوجين واللفظ بمعناه وقد أخرج نحوه أيضا ابو نعيم في الحليه.
قال الهيثمى في مجمع الزوائد: فيه أبو عبد الملك لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح، ولهذا الحديث متابعات، منها ما رواه أحمد والنسائي عن ابن عمر قال " سئل نبى الله ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا ويتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخى الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل تحل للاول؟ قال لا حتى يذوق العسيلة " وهذا
стр. 2114
الحديث من رواية سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن رزين بن سليمان الاحمري عن ابن عمر.
وروى أيضا من طريق شعبة عن علقمة بن مرثد عن سالم بن رزين عن سالم ابن عبد الله عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
قال النسائي: والطريق الاول أولى بالصواب.
قال الحافظ بن حجر: وإنما قال ذلك لان الثوري أتقن وأحفظ من شعبه، وروايته أولى بالصواب من وجهين
(أحدهما)
أن شيخ علقمه هو رزين بن سليمان كما قال الثوري لا سالم بن رزين كما قال شعبه، فقد رواه جماعه عن شعبه كذلك منهم غيلان بن جامع أحد الثقات (ثانيهما) أن الحديث لو كان عند سعيد بن المسيب عن ابن عمر مرفوعا لم يخالفه سعيد ويقول بغيره اه وعن عائشة عند أبى داود بنحو حديث ابن عمر، وعند النسائي عن ابن عباس بنحوه أيضا، وعن أبى هريرة عند الطبراني وابن أبى شيبة بنحوه.
وكذلك أخرجه الطبراني عن أنس والبيهقي عنه.
وأخرج الطبراني حديثا آخر عن عائشة بإسناد رجاله ثقات " أن عمرو بن حزم طلق العميصاء فنكحها رجل فطلقها قبل أن يمسها، فسألت النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا، حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته ".
أما أمرأة رفاعة فقد قيل في اسمها: تميمة.
وقيل سهيمة.
وقيل أميمة.
والقرظى بضم القاف وفتح الراء نسبة إلى بنى قريظه.
وعبد الرحمن بن الزبير بفتح الزاى وليس بالتصغير كما في الزبير بن العوام.
بل هو كأمير وهو ابن باطا.
وقوله " هدبة الثوب " بفتح الهاء وسكون المهملة بعدها باء موحدة مفتوحة هي طرف الثوب الذى لم ينسج، مأخوذ من هدب العين وهو شعر الجفن، هكذا أفاده ابن حجر.
وفى المصباح هدب العين ما نبت من الشعر على أشفارها والجمع أهداب مثل قفل وأقفال: ورجل أهدب طويل الاهداب.
وهدبة الثوب طرءته مثال غرفة
وضم الدال للاتباع لغة والجمع هدب مثل غرفة وغرف.
وفى القاموس الهدب بالضم وبضمتين شعر أشفار العين وخمل الثوب واحدهما بهاء.
وكذا في مجمع
стр. 2115
البحار نقلا عن النووي أنها بضم هاء وسكون دال: ومرادها أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار وقوله " حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " العسيلة مصغرة في الموضعين واختلف في توجيه فقيل هون تصغير العسل، لان العسل مؤنث.
جزم بذلك القزاز.
قال وأحسب التذكير لغة وقال الازهرى يذكر ويؤنث وقبل لان العرب إذا حقرت الشئ أدخلت فيه هاء التأنيث.
وقيل المراد قطعة من العسل والتصغير للتقليل أشارة إلى أن القدر القليل كاف في تحصيل ذلك بأن يقع تغييب الحشفة في الفرج وقيل: معنى العسيلة النطفة، وهذا يوافق قول الحسن البصري.
وقال جمهور العلماء: ذوق العسيلة كناية عن الجماع.
وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة.
أما حديث " لعن الله المحلل والمحلل له " ففى الترمذي ومسند أحمد من حديث عبد الله بن مسعود.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفى المسند مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مرفوعا وإسناده حسن، وفيه عن على ﵇ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ وفى سنن ابن ماجه من حديث عقبه ابن عامر قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم " ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله.
قال هو المحلل.
لعن الله المحلل والمحلل له.
فهؤلاء الاربعة من سادات الصحابة رضى الله عنهم وقد شهدوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بلعنه أصحاب التحليل وهم المحلل والمحلل له.
قال ابن القيم: وهذا إما خبر عن الله فهو خبر صدق وإما دعاء فهو مستجاب قطعا.
وهذا يفيد انه من الكبائر الملعون فاعلها أما أحكام هذين الفصلين، فإنه إذا طلق الحر امرأته ثلاثا، أو طلق العبد امرأته طلقتين بانت منه وحرم عليه استمتاعها والعقد عليها حتى تنقضي عدتها عنه بتزوج غيره ويصيبها ويطلقها، أو يموت عنها وتنقضي عدتها منه، وبا قال الفقهاء كافة إلا سعيد بن المسيب فإنه قال: إذا تزوجها وفارقها حلت للاول وان لم يصيبها الثاني فقد قال ابن المنذر: اجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للاول إلا
стр. 2116
سعيد بن المسيب.
ثم ساق بسنده الصحيح عنه ما يدل على ذلك.
قال ولا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج.
ولعله لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن.
وقد نقل أبو جعفر النحاس في معاني القرآن وعبد الوهاب الملكى في شرح الرسالة عن سعيد بن جبير مثل قول سعيد بن المسيب وحكى ابن الجوزى عن داود أنه وافق في ذلك سعيدا.
قال القرطبى: ويستفاد من الحديث على قول الجمهور أن الحكم يتعلق بأقل ما ينطلق عليه الاسم خلافا لمن قال لا بد من حصول جميعه.
واستدل بإطلاق الذوق لهما على اشتراط علم الزوجين به حتى لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم يكف ذلك ولو أنزل هو.
ونقل ذلك ابن المنذر عن جميع الفقهاء ويستدل من حديث عائشة وابن عمر وغيرهما على جواز رجوعها إلى زوجها الاول إذا حصل الجماع من الثاني ويعقبه الطلاق منه، لكن شرط المالكية ونقل عن عثمان وزيد بن ثابت أن لا يكون في ذلك مخادعة من الزوج الثاني، ولا إرادة تحليلها للاول.
وقال الاكثر من الفقهاء: ان شرط ذلك في العقد فسد وإلا فلا.
قال في البيان في حديث عائشة: وانما أراد ﷺ بذلك - يعنى بالعسيلة - لذة الجماع، وسماه العسيلة.
فثبت نكاح الثاني بالآية " فإن طلقها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زوجا غيره " وثبتت الاصابة بالسنة، وهو إجماع الصحابة، لانه روى عن عمر وعلى وابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة، ولا يعرف لهم مخالف اه إذا ثبت هذا فإن أقل الوطئ الذى يتعلق به الاحلال للاول أن تغيب الحشفة في الفرج، لان أحكام الوطئ من الغسل والحدود وغيرهما تتعلق بذلك.
ولا يتعلق بما دونه، فأن أولج الحشفة في الفرج وواقعها وتجاوت معه باللذة وأنزل فقد حصل الاحلال وزيادة، وإن غيب الحشفه في الفرج من غير انتشار أو غيبه في الموضع المكروه أو وطئها فيما دون الفرج لم يتعلق به الاحلال.
لان النبي ﷺ علقه على ذوق العسيلة، وذلك لا يحصل بما ذكرناه.
(فرع)
وإن تزوجها صبى فجامعها - فإن كان صبيا غير مراهق كابن سبع
стр. 2117
سنين فما دون - لا يحكم بمجامعته ولم يحللها للاول، لان هذا الجماع لا يلتذ به فهو كما لو أدخل أصبعه في فرجها، وإن كان مراهقا ينتشر عليها أحلها للاول، وقال مالك لا يحللها دليلنا أنه جماع ممن يجامع مثله فأحلها للاول كالبالغ، وإن كان مشكول الانثيين فغيب الحشفة في الفرج أحلها للاول، لانه جماع يلتذ به فهو كغيره وإن كان مقطوع الذكر من أصله لم تحل للاول بجماع لانه لا يوجد منه الجماع، وإن قطع بعضه - فإن بقى من ذكره قدر الحشفة واولجه - أحلها للاول، وإن كان الذى بقى منه أو الذى أولج فيها دون الحشفة لم يحلها للاول لانه لا يلتذ به.
وينسحب هذا الحكم على العبد والامة لان الحديث لم يفرق بين الحر والعبد
ولا بين الحرة والامة.
(فرع)
وإن أصابها الزوج الثاني وهى محرمة لحج أو عمرة أو صائمة أو حائض أحلها للاول، وقال مالك: لا يحلها.
دَلِيلُنَا قَوْلُهُ ﷺ " لَا حتى تذوق العسيلة " ولم يفرق، ولانها إصابة يستقر بها المهر المسمى، فوقعت بها الاباحة للاول كما إذا وطئها محلة مفطرة طاهرة واشترط أصحاب أحمد أن يكون الوطئ حلالا، فإن وطئها في حيض أو نفاس أو إحرام من أحدهما أو منهما، أو وأحدهما صائم فرضا لم تحل، لانه وطئ حرام لحق الله تعالى فلم يحصل به الاحلال كوطئ المرتدة، وقد خالفهم ابن قدامة منهم فقال: وظاهر النص حلها، وهو قوله تعالى " حتى تنكح زوجا غيره " وهذه قد نكحت زوجا غيره، وأيضا قَوْلِهِ ﷺ " حَتَّى تَذُوقِي عسيلته ويذوق عسيلتك " وهذا قد وجد ولانه وطئ في نكاح صحيح في محل الوطئ على سبيل التمام فأحلها كالوطئ الحلال.
وكما لو وطئها وقد ضاق وقت الصلاة أو وطئها وهى مريضة يضرها الوطئ وهذا أصح إن شاء الله.
وهو مذهب أبى حنيفة والشافعي.
وأما وطئ المرتدة فلا يحلها، سواء وطئها في حال ردتهما أو ردتهما، أو وطئ المرتد المسلمة، لانه ان لم يعد المرتد منهما إلى الاسلام تبين أن الوطئ في غير
стр. 2118
نكاح.
وإن عاد إلى الاسلام في العدة فقد كان الوطئ في نكاح غير تام، لان سبب البينونة حاصل فيه.
وهكذا لو أسلم أحد الزوجين فوطئها الزوج قبل اسلام الآخر لم يحلها لذلك.
(فرع)
وان طلق مسلم ذمية ثلاثا فتزوجت بذمي وأصابها ثم فارقها حلت للمسلم.
وقال مالك: لا تحل.
دليلنا أنه اصابة من زوج في نكاح صحيح فحلت
للاول كما لو تزوجها مسلم.
وان تزوجها الثاني فجن فأصابها في حال جنونه، أو جنت فأصابها في حال جنونها أو وجدها الزوج على فراشه فظنها أجنبية فوطئها فبان أنها زوجته حلت للاول بعد مفارقة الثاني، لانه ايلاج تام صادف زوجية ولم يفقد الا القصد، وذلك غير معبتر في الاصابة كما قلنا في استقرار المسمى (مسألة) قال الشافعي رضى الله عنه: وان كانت الاصابة بعد ردة أحدهما ثم رجع المرتد منهما لم تحلها الاصابة لانها محرمة في تلك الحال.
وجملة ذلك أن المطلقة ثلاثا إذا تزوجت بآخر ثم ارتد أحدهما أو ارتدا ووطئها في حال الردة لم يحلها للاول، لان الوطئ انما ينتج إذا حصل في نكاح صحيح تام، والزوجية ههنا متشعثة بالردة.
وقال المزني: هذه المسألة محال لانهما ان ارتدا أو ارتد أحدهما قبل الدخول انفسخ النكاح بنفس الردة، وإن ارتد أو ارتد أحدهما بعد الدخول فقد حصل الاحلال بالوطئ قبل الردة فلا تؤثر الردة.
قال أصحابنا: ليس بمحال، بل تتصور على قوله القديم الذى يقول: إن الخلوة كالاصابة، فإذا خلا بها ثم ارتدا أو أحدهما فعليها العدة، فما دامت في العدة فالزوجية قائمة وتتصور على قوله الجديد بأن يطأها فيما دون الفرج فسبق الماء إلى الفرج أو تستدخل ماءه ثم يرتد أحدهما فيجب عليها العدة أو؟ طأها في الموضع المكروه فيرتدان أو أحدهما فيجب عليها العدة، فيتصور هذا في هذه المواضع الثلاثة.
(مسألة) إذا طلقها ثلاثا فانقضت عدتها منه فوجدها رجل على فراشه فظنها
стр. 2119
زوجته أو أمته فوطئها، أو كانت أمة الآخر فوطئها سيدها لم تحل للاول لقوله
تعالى " حتى تنكح زوجا غيره " هذا ليس بزوج.
وإن اشتراها زوجها قبل أن تنكح زوجا غيره فهل يحل له وطؤها بالملك؟ فيه وجهان: أحدهما يحل له وطؤها لان الطلاق من خصائص الزوجية فأثر في تحريم الوطئ بالزوجية دون ملك اليمين.
والثانى لا تحل له وهو المذهب لقوله تعالى " حتى تنكح زوجا غيره " ولم يفرق، ولان كل امرأة يحرم عليه نكاحها لم يجز له وطؤها بملك اليمين كالملاعنة وإن نكحها رجل نكاحا فاسدا ووطئها فهل تحل للاول؟ فيه قولان
(أحدهما)
لا يحلها لانه وطئ في نكاح فاسد فهو كوطئ الشبهة
(والثانى)
يحلها لقوله ﷺ " لعن الله المحلل والمحلل له " فسماه محللا، ولانه وطئ في نكاح فأشبه النكاح الصحيح.
قال في الاملاء: وإذا طلق الرجل امرأته طلاقا رجعيا فانقضت عدتها فجاءها رجل فقال: توقفي فلعل زوج قد راجعك لم يلزمها التوقف لان انقضاء العدة قد وجد في الظاهر، والرجعة أمر محتمل فلا يترك الظاهر للمحتمل.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وان تزوجت المطلقة ثلاثا بزوج وادعت عليه أنه أصابها وأنكر الزوج لم يقبل قولها على الزوج الثاني في الاصابة ويقبل قولها في الاباحة للزوج الاول لانها تدعى على الزوج الثاني حقها وهو استقرار المهر ولا تدعى على الاول شيئا وانما تخبره عن أمر هي فيه مؤتمنه فقبل، وان كذبها الزوج الاول فيما تدعيه على الثاني من الاصابة ثم رجع فصدقها جاز له أن يتزوجها لانه قد لا يعلم أنه أصابها ثم يعلم بعد ذلك.
وان ادعت على الثاني أنه طلقها وأنكر الثاني للاول نكاحها لانه ادا لم يثبت الطلاق فهى باقية على نكاح الثاني فلا يحل للاول نكاحها، ويخالف إذا
اختلفا في الاصابة بعد الطلاق لانه ليس لاحد حق في بضعها فقبل قولها
(فصل)
إذا عادت المطلقة ثلاثا إلى الاول بشروط الاباحة ملك عليها
стр. 2120
ثلاث تطليقات، لانه قد استوفى ما كان يملك من الطلاق الثلاث، فوجب أن يستأنف الثلاث، فإن طلقها طلقة أو طلقتين فتزوجت بزوج آخر فوطئها ثم أبانها رجعت إلى الاول بما بقى من عدد الطلاق.
لانها عادت قبل استيفاء العدد فرجعت بما بقى، كما لو رجعت قبل أن تنكح زوجا غيره.
(الشرح) إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا فجاءت إلى الذى طلقها وادعت أن عدتها منه قد انقضت وأنها قد تزوجت بآخر وأصابها وطلقها الثاني وانقضت عدتها، وكان قد مضى من يوم الطلاق زمان يمكن صدقها فيه.
جاز للاول أن يتزوجها لانها مؤتمنه فيما تدعيه من ذلك، فإن وقع في نفس الزوج كذبها فالورع له أن لا يتزوجها، فإن نكحها جاز لان ذلك مما لا يتوصل إلى معرفته إلا من جهتها، وان كانت عنده صادقة لم يكره له تزويجها، ويستحب له أن يبحث عن ذلك ليعرف به صدقها، فإن لم يبحث عن ذلك جاز، فإن رجعت المرأة عما أخبرت به نظرت - فإن كان قبل أن يعقد عليها الاول - لم يجز له العقدة عليها وان كان بعد ما عقد عليها لم يقبل رجوعها، لان في ذلك ابطالا للعقد الذى لزمها في الظاهر.
(فرع)
وان طلق امرأته ثلاثا فتزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها وطلقها الثاني فادعت الزوجة على الثاني أنه طلقها بعد أن أصابها وأنكر الثاني الاصابة، فالقول قوله مع يمينه أنه ما أصابها، لان الاصل عدم الاصابة ولا يلزمه الا نصف المسمى ويلزمها العقد للثاني لانها مقرة بوجوبها، فإن صدقها الاول أن الثاني قد أصابها في النكاح، هل له أن يتزوجها؟ لان قولها مقبول في اباحتها
للاول، وان لم يقبل على الثاني.
فإن قال الاول: أنا أعلم أن الثاني لم يصبها لم يجز له أن يتزوجها، فإن عاد وقال علمت أن الثاني أصابها، حل له أن يتزوجها لانه قد يظن أنه لم يصبها ثم يعلم أنه أصابها فحلت له.
(مسألة) الفرقة التى يقع بها التحريم بين الزوجين على أربعة أضرب: (الاول) فرقة يقع بها التحريم، ويرتفع ذلك التحريم بالرجعة وهو الطلاق
стр. 2121
الرجعى على ما مضى وهذا أخفها (والضرب الثاني) فرقة يرتفع بها التحريم بعقد نكاح مستأنف قبل زوج، وهو أن تطلق غير المدخول بها طلقة أو طلقتين أو تطلق المدخول بها طلقة أو طلقتين بغير عوض ولا يسترجعها حتى تنقضي عدتها أو يطلقها طلقة أو طلقتين بعوض أو يجد أحدهما بالآخر عيبا فيفسخ النكاح، أو بعسر الزوج بالمهر والنفقة فتفسخ الزوجة النكاح فلا رجعة للزوج في هذا كله وانما يرتفع التحريم بعقد نكاح مستأنف ولا يشترط أن يكون ذلك بعد زوج واصابة، وهذا الضرب أغلظ من الاول.
(الضرب الثالث) فرقة يقع بها التحريم ولا يرتفع ذلك التحريم الا بعقد مستأنف بعد زوج واصابه.
وهو أن يطلق الرجل أمرأته ثلاثا، سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها، فيحرم عليه العقد عليها الا بعد زوج واصابه على ما سبق.
وهذا أغلظ من الاوليين (والضرب الرابع) فرقة يقع بها التحريم على التأبيد لا يرتفع بحال، فهى الفرقة باللعان على ما يأتي في اللعان.
وهذا أغلظ الفرق إذا ثبت هذا فإن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا في عدتها، فانها تكون عنده على ما بقى له من عدد الطلاق، وان طلق امرأته ثلاثا ثم تزوجها بعد زوج
فانه يملك عليها ثلاث طلقات.
وهذا اجماع لا خلاف فيه، وان أبان امرأته بدون الثلاث حتى انقضت عدتها ثم تزوجها قبل أن تتزوج زوجا غيره فانها تكون عنده ما بقى من عدد الثلاث.
وهذا أيضا لا خلاف فيه.
وان تزوجها بعد أن تزوجت غيره فانها تعود إليه عندنا على ما بقى من عدد الثلاث لا غير.
وبه قال في الصحابة عمر وعلى وأبو هريرة.
ومن الفقهاء مالك والاوزاعي والثوري وابن أبى ليلى ومحمد بن الحسن وزفر.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تعود إليه بالثلاث.
وقال ابن عباس بمثل ذلك.
دليلنا أن اصابة الزوج ليست شرطا في الاباحه للاول فلم تؤثر في الطلاق كإصابة الشبهه.
والله تعالى أعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل
стр. 2122
قال المصنف رحمه الله تعالى:
كتاب الايلاء
يصح الايلاء من كل زوج بالغ عاقل قادر على الوطئ، لقوله " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر " وأما الصبى والمجنون فلا يصح الايلاء منهما لقوله ﷺ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حتى يفيق " ولانه قول يختص بالزوجية فلم يصح من الصبى والمجنون كالطلاق.
وأما من لا يقدر على الوطئ، فإن كان بسبب يزول كالمريض والمحبوس صح إيلاوه.
وان كان بسبب لا يزول كالمجبون والاشل ففيه قولان
(أحدهما)
يصح ايلاؤه لان من صح ايلاؤه إذا كان قادرا على الوطئ صح ايلاؤه إذا لم يقدر كالمريض والمحبوس
(والثانى)
قاله في الام لا يصح ايلاؤه لانه يمين على ترك ما لا يقدر عليه
بحال فلم يصح، كما لو حلف لا يصعد السماء.
ولان القصد بالايلاء أن يمنع نفسه من الجماع باليمين.
وذلك لا يصح ممن لا يقدر عليه، لانه ممنوع من غير يمين، ويخالف المريض والمحبوس لانهما يقدران عليه إذا زال المرض والحبس، فصح منهما المنع باليمين، والمجبوب والاشل لا يقدران بحال.
(الشرح) قوله تعالى " للذين يؤلون من نسائهم " الآ يه، معناه يحلفون، والمصدر ايلاء وألية وألوة وألوة وإلوة، وقرأ أبى وابن عباس: للذين يقسمون ومعلوم أن يقسمون تفسير يؤلون، وقرئ " للذين آلوا " يقال: آلى يؤلى ايلاء وتألى تأليا وائتلى ائتلاء أي حلف.
ومنه " ولا يأتل أولو الفضل منكم " كذا أفاده القرطبى وقال طرفة ابن العبد: فآليت لا ينفك كشحى بطانة
* لعضب رقيق الشفرتين مهند وقال في الجمع: قليل الالايا حافظ ليمينه
* وان سبقت منه الالية برءت
стр. 2123
وقال آخر: فأليت لا أنفك أحدو قصيدة
* تكون واياها بها مثلا بعدى وفى الحديث " ومن يتأل على الله يكذبه " وقال ابن عباس: كان ايلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك يقصدون بذلك ايذاء المرأة عند المساءة، فوقت لهم أربعة أشهر.
وقد آلى النبي ﷺ عندما سأله نساؤه النفقه مما ليس عنده.
كذا في الصحيحين وفى سنن الترمذي وابن ماجه " أن زينب ردت عليه هديته فغضب ﷺ فآلى منهن " ويلزم الايلاء كل من يلزمه الطلاق، فالحر والعبد والسكران يلزمه الايلاء وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا عاقلا.
وكذلك الخصى إذا لم يكن مجبوبا
والشيخ إذا كان فيه بقية رمق ونشاط وجملة ذلك انه يصح الايلاء من كل زوج مكلف قادر على الوطئ.
وأما الصبى والمجنون فلا يصح ايلاؤهما، لان القلم مرفوع عنهما، ولانه قول تجب بمخالفته كفارة أو حق فلم ينعقد منهما كالنذر وأما العاجز عن الوطئ فإن كان لعارض مرجو زواله كالمرض والحبس صح ايلاؤه لانه يقدر على الوطئ فصح منه الامتناع منه، وان كان غير مرجو الزوال كالجب والشلل لم يصح ايلاؤه لانها يمين على ترك مستحيل فلم تنعقد، كما لو حلف أن لا يقلب الحجارة ذهبا، ولان الايلاء اليمين المانعة من الوطئ وهذا لا يمنعه يمينه فانه متعذر منه ولا تضر المرأة يمينه.
واختلف قول الشافعي في المجبوب فقال: ولا يلزم الايلاء الا زوجا صحيح النكاح.
فأما فاسد النكاح فلا يلزمه ايلاء.
وقال: وإذا آلى الخصى غير المجبوب من امرأته فهو كغير الخصى.
وهكذا لو كان مجبوبا قد بقى له ما يبلغ به من المرأة ما يبلغ الرجل حتى تغيب حشفته كان كغير الخصى في جميع أحكامه.
وأما إذا آلى الخصى المجبوب من أمرأته قيل له: فئ بلسانك لا شئ عليه غيره لانه ممن لا يجامع مثله، وانما الفئ الجماع، وهو ممن لا جماع عليه.
قال: ولو تزوج رجل
стр. 2124
امرأة ثم آلى منها ثم خصى ولم يجب كان كالفحل، ولو جب كان له الخيار مكانها في المقام معه أو فراقة، فإن اختارت المقام معه قيل له: إذا طلبت الوقف ففئ بلسانك لانه ممن لا يجامع اه.
قال الربيع: إن اختارت فراقه فالذي أعرف للشافعي أنه يفرق بينهما، وإن اختارت المقام معه فالذي أعرف للشافعي أن امرأة العنين إذا اختارت المقام معه بعد الاجل أنه لا يكون لها خيار ثانية.
والمجبوب عندي مثله اه
قال القرطبى من المالكية وهو صاحب الجامع لاحكام القرآن: والاصح والاقرب إلى الكتاب والسنة القول بأنه لا يصح ايلاؤه، فإن الفئ، هو الذى يسقط اليمين: الفئ بالقول لا يسقطها والى عدم إيلائه ذهب المالكية والحنابله إلا أبا الخطاب فإنه قال: يحتمل أن يصح الايلاء منه قياسا على العاجز بمرض أو حبس.
وقال ابن قدامة: فأما الخصى الذى سلت بيضتاه أو رضت فيمكن منه الوطئ وينزل ماء رقيقا فيصح ايلاؤه.
وكذلك المجبوب الذى بقى من ذكره ما يمكن الجماع به وقالت الحنفية: إن عجز عن وطئها لجبة صح ايلاؤه، وفيؤه ان يقول: فئت إليها.
قال المصنف رحمه تعالى:
(فصل)
ولا يصح الايلاء بالله عزوجل، وهل يصح بالطلاق والعتاق والصوم والصلاة وصدقة المال، فيه قولان: قال في القديم: لا يصح لانه يمين بغير الله عزوجل، فلم يصح به الايلاء كاليمين بالنبي ﷺ والكعبة وقال في الجديد يصح وهو الصحيح لانه يمين يلزمه بالحنث فيها حق، فصح به الايلاء كاليمين بالله عزوجل، فإذا قلنا بهذا فقال: ان وطئك فعبدي حر فهو مول.
وان قال: ان وطئتك فلله على أن أعتق رقبة فهو مول، وان قال: ان وطئتك فأنت طالق، أو امرأتي الاخرى طالق فهو مول وان قال ان وطئتك فعلى أن أطلقك أو أطلق امرأتي الاخرى لم يكن موليا، لانه لا يلزمه بالوطئ شئ وان قال: ان وطئتك فأنت زانية لم يكن موليا لانه لا يلزمه بالوطئ حق
стр. 2125
لانه لا يصير بوطئها قاذذفا، لان القذف لا يتعلق بالشرط، لانه لا يجوز أن تصير زانية بوطئ الزوج كما لا تصير زانيه بطلوع الشمس، وإذا لم يصر قاذفا لم
يلزمه بالوطئ حق فلم يجز أن يكون موليا.
وان قال ان وطئتك فلله على صوم هذا الشهر لم يكن موليا، لان المولى هو الذى يلزمه بالوطئ بعد أربعة أشهر حق أو يلحقه ضرر، وهذا يقدر على وطئها بعد أربعة أشهر من غير ضرر يلحقه ولا حق يلزمه، لان صوم شهر مصى لا يلزمه، كما لو قال: ان وطئتك فعلى صوم أمس وان قال: ان وطئتك فسالم حر عن ظهارى وهو مظاهر فهو مول.
وقال المزني لا يصير موليا لان ما وجب عليه لا يتعين بالنذر، كما لو قال: ان وطئتك فعلى أن أصوم اليوم الذى على من قضاء رمضان في يوم الاثنين ا، وهذا خطأ لانه يلزمه بالوطئ حق وهو اعتاق هذا العبد وأما الصوم فقد حكى أبو على بن أبى هريرة فيه وجها آخر أنه يتعين بالنذر كالعتق.
والذى عليه أكثر اصحابنا وهو المنصوص في الام أنه لا يتعين.
والفرق بينهما أن الصوم الواجب لا تتفاضل فيه الايام، والرقاب تتفاضل أثمانها.
وان قال ان وطئتك فعبدي حر عن ظهارى ان ظاهرت، لم يكن موليا في الحال لانه يمكنه أن يطأها في الحال ولا يلزمه شئ، لانه يقف العتق بعد الوطئ على شرط آخر، فهو كما لو قال: ان وطئتك ودخلت الدار فعبدي حر، وان ظاهر منها قبل الوطئ صار موليا، لانه لا يمكه أن يطأها في مدة الايلاء الا بحق يلزمه فصار كما لو قال: ان وطئتك فعبدي حر
*
*
* (الشرح) من شروط الايلاء التى لا يصح الا بها أن يحلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته: ولا خلاف بين أهل العلم في أن الحلف بذلك ايلاء، لقوله ﷺ " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " فأما ان حلف على ترك الرطء بغير هذا، مثل ان حلف بطلاق أو عتاق
стр. 2126
أو صدقة المال أو الحج أو الظهار، فعلى قوله في القديم (١) لا يكون موليا للحديث، وفى إحدى الروايتين عن أحمد كذلك، وقال ابن عباس: كل يمين منعت جماعا فهى إيلاء.
وهو قولها الشافعي في الجديد والرواية الاخرى عن أحمد، وذلك قال الشعبى والنخعي ومالك وأهل الحجاز والثوري وأبو حنيفة وأهل العراق وأبو ثور وابو عبيد وابن المنذر والقاضى ابو بكر بن العربي، لانها يمين منعت جماعها فكانت إيلاء كالحلف بالله ولان تعليق الطلاق والعتاق على وطئها حلف بدليل انه لو قال: متى حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: إن وطئتك فأنت طالق، طلقت في الحال.
وقال أبو بكر: كل يمين من حرام أو غيرها يجب بها كفارة يكون الحالف بها موليا.
وأما الطلاق والعتاق فليس الحلف به إيلاء لانه يتعلق به حق آدمى وما أوجب كفارة تعلق بها حق الله تعالى، والرواية الاولى هي المشهورة، لان إيلاء المطلق إنما هو القسم، ولهذا قرأ أبى وابن عباس، يقسمون " مكان يولون.
وروى عن ابن عباس في تفسير يولون قال " يحلفون بالله " قال ابن قدامة: والتعليق بشرط ليس بقسم، ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم ولا يجاب بجوابه ولا يذكره أهل العربية في باب القسم فلا يكون إيلاء، وإنما يسمى حلفا تجوزا لمشاركته القسم في المعنى المشهور وهو الحث على الفعل أو المنع منه أو توكيد الخبر، والكلام عند إطلاقه لحقيقته، ويدل على هذا قول الله تعالى " فإن فاءوا فان الله غفور رحيم " وإنما يدخل الغفران في اليمين بالله.
قلت: فإذا قلنا بقوله في الجديد أو بالرواية الاخرى لاحمد بن حنبل أو بما ثبت عن مالك قولا واحدا فلانه لا يكون موليا إلا أن يحلف بما يلزمه بالحنث
стр. 2127
فيه حق.
كقوله: إن وطئتك فأن طالق أو فأنت على كظهر أمي أو فأنت على حرام أو فلله على صوم سنة أو الحج أو صدقة فهذا يكون ايلاء، لانه يلزمه بوطئها حق يمنعه من وطئها خوفه من وجوبه وان قال: إن وطئتك فأنت زانية لم يكن موليا لانه لا يلزمه بالوطئ حق، ولا يصير قاذقا بالوطئ، لان القذف لا يتعلق بالشرط، ولا يجوز بالشرط أن تصير زانية بوطئها لها كما لا زانية بطلوع الشمس.
وان قال: ان وطئتك فلله على صوم هذا الشهر لم يكن موليا لانه لو وطئها بعد مضيه لم يلزمه حق، فان صوم هذا الشهر لا يتصور بعد مضية فلا يلزم بالنذر كما لو قال: ان وطئتك فلله على صوم أمس.
وان قال: ان وطئتك فلله على أن أصلى عشرين ركعة كان موليا.
وقال أبو حنيفة: لا يكون موليا لان الصلاة لا يتعلق بها مال ولا تتعلق بمال فلا يكون الحالف بها موليا، كما لو قال: ان وطئتك فلله على أن أمشى في السوق.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ: وإذا قال لامرأته مالى في سبيل الله تعالى أو على مشى إلى بيت الله أو على صوم كذا أو نحر كذا أو من الابل ان قربتك فهو مول لان هذا اما لزمه واما لزمته به كفارة يمين ثم قال: وان قال والكعبة أو عرفة أو والمشاعر أو وزمزم أو والحرم أو والمواقف أو الخنس أو والفجر أو والليل أو والنهار أو وشئ مما يشبه هذا لا أقر بك، لم يكن موليا، لان كل هذا خارج من اليمين، ولا يتبرر ولا حق
لآدمي يلزم حتى يلزمه القائل له نفسه.
(فرع)
قال الشافعي رضى الله عنه: وان قال: ان قربتك فأنت زانيه فليس بمول إذا قربها، وإذا قربها فليس بقاذف يحد حتى يحدث لها قذفا صريحا يحد به أو يلاعن، وهكذا ان قال: ان قربتك ففلانة - لامرأة له أخرى - زانية وقال رضى الله عنه: وان قال لامرأته: ان قربتك فعبدي فلان حر عن ظهارى - فان كان متظهرا - فهو مول ما لم يمت العبد أو يبعه أو يخرجه ملكه وان كان غير متظهر فهو مول في الحكم، لان ذلك اقرار منه بأنه متظهر.
стр. 2128
وإن وصل الكلام فقال: إن قربتك فعبدي فلان حر عن ظهارى ان تظهرت لم يكن موليا (١) حتى يتظهر، فإذا تظهر والعبد في ملكه كان موليا لانه حلف حينئذ بعتقه.
اه (فرع)
قال الشافعي رضى الله عنه: ولو كان عليه صوم يوم فقال: لله على أن أصوم يوم الخميس عن اليوم الذى على لم يكن عليه صومه، لانه لم ينذر فيه بشئ يلزمه، وأن صوم يوم لازم له فأى يوم صامه أجزأ عنه، ولو صامه بعينه أجزأ عنه من الصوم الواجب لا من النذر.
هذا هو قول الشافعي الذى أشار إليه المصنف وعليه أكثر أصحابنا خلافا لها حكاه أبو على بن أبى هريرة وجها آخر انه يتعين بالنذر كالعتق.
وإن قال: إن وطئتك فأنت على كظهر أمي فإنه لا يقربها حتى يكفر.
وهكذا نص أحمد بن حنبل في تحريمها قبل التكفير.
وعليه أن يتربص مدة الايلاء، لانه لا يمكنه أن يطأها قبل مضى المدة ولو أدى كفارة الظهار وقال أحمد إذا واطأ في الايلاء زال حكم الايلاء وثبت الظهار وقد نوزع في هذا إذ كيف يكون مظاهر من واطأ قبل الكفارة وأجيب بأنه إذا وطئ ههنا صار مظاهرا
من زوجته وزال حكم الايلاء، ويحتمل انه أراد إذا وطئها مرة فقد ثبت الظهار فلا يطؤها مرة أخرى حتى يكفر لكونه صار بالوطئ مظاهر، إذ لا يصح تقدم الكفارة على الظهار لانه سببها، ولا يجوز تقديم الحكم على سببه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يصح الايلاء إلا على ترك الوطئ في الفرج، فإن قال والله لا وطئتك في الدبر لم يكن موليا، لان الايلاء هو اليمين التى يمنع بها نفسه من الجماع، والوطئ في الدبر ممنوع منه غير يمين، ولان الايلاء هو اليمين التى يقصد بها الاضرار بترك الوطئ، الذى يلحق الضرر بتركه هو الوطئ في الفرج.
стр. 2129
وإن قال: والله لا وطئتك فيما دون الفرج لم يكن موليا، لانه لا ضرر في ترك الوطئ فيما دون الفرج،
(فصل)
وإن قال والله لا أنيكك في الفرج، أو والله لا أغيب ذكرى في فرجك، أو والله لا أفتضك بذكرى، وهى بكر، فهو مول في الظاهر والباطن لانه صريح في الوطئ في الفرج وان قال: والله لا جامعتك أو لا وطئتك فهو مول في الحكم لان اطلاقه في العرف يقتضى الوطئ في الفرج.
وان قال أردت بالوطئ وطئ القدم وبالجماع الاجتماع بالجسم دين فيه لانه يحتمل ما يدعيه.
وان قال والله لا أفتضك ولم يقل بذكرى ففيه وجهان:
(أحدهما)
أنه صريح كالقسم الاول
(والثانى)
انه صريح في الحكم كالقسم الثاني، لانه يحتمل الافتضاض بغير ذكره
وإن قال والله لا دخلت عليك، أو لا تجتمع رأسي ورأسك، أو لا جمعنى وإياك بيت فهو كناية، فإن نوى به الوطئ في الفرج فهو مول، وان لم تكن له نية فليس بمول، لانه يحتمل الجماع وغيره، فلم يحمل على الجماع من غير نية كالكنايات في الطلاق.
وان قال والله لا باشرتك ولا مسستك أو لا أفضى اليك ففيه قولان، قال في القديم هو مول لانه ورد به القرآن بهذه الالفاظ والمراد بها الوطئ، فان نوى به غير الوطئ دين لانه يحتمل ما يدعيه.
وقال في الجديد: لا يكون موليا الا بالنية لانه مشترك بين الوطئ وغيره فلم يحمل على الوطئ من غير نية، كقوله لا اجتمع رأسي ورأسك.
واختلف أصحابنا في قوله لا أصيبك أو لا لمستك أو لا غشيتك أو لا باضعتك فمنهم من قال هو كقوله لا باشرتك أو لا مسستك فيكون على قولين.
ومنهم من قال: هو كقوله: لا اجتمع رأسي ورأسك، فإن نوى به الوطئ في الفرج فهو مول، وان لم يكن له نيه فليس بمول.
وان قال: والله لا غيبت الحشفة في الفرج فهو مول، لان تغييب ما دون الحشفة ليس بجماع ولا يتعلق به أحكام الجماع، فصار كما لو قال والله لا وطئتك وان قال: والله لا جامعتك الا جماع سوء، فان أراد به لا جامعتك الا في الدبر
стр. 2130
أو فيما دون الفرج فهو مول، لانه منع نفسه من الجماع في الفرج في مدة الايلاء وإن أراد به لا جامعتك إلا جماعا ضعيفا لم يكن موليا، لان الجماع الضعيف كالقوى في الحكم فكذلك في الايلاء (الشرح) قوله: لا اقتضك بالقاف هو جماع البكر والقضة بالكسر جماع الجارية، أفاده ابن بطال.
وقال في المصباح شرح غريب الجامع الكبير للرافعي: قضضت الخشبة قضا من باب قتل ثقبتها.
ومنه القضة بالكسر وهى البكارة.
يقال اقتضضتها إذا أزلت قضتها، ويكون الاقتضاض قبل البلوغ وبعده.
وأما ابتكرها واختصرها وابتسرها بمعنى الاقتضاض، فالثلاثة مختصة بما قبل البلوغ، وكما هو معروف من اللغة من حيث تقارب المعنى حين تتقارب مخارج الحروف وتتجاور في نطقها رأينا أن الافتضاض بالفاء كالاقتضاض بالقاف من فصضت الحتم فضا من باب قتل كسرته، وفضضت البكارة أزلتها على التشبيه بالختم.
قال الفرزدق: فبتن بجانبى مصرعات
* وبت أفض أغلاق الختام مأخوذ فضضت اللؤلوة إذا خرقتها، وفض الله فاه نثر أسنانه، وفضضت الشئ فضا فرقته فانقض، وفى التنزيل " لا نفضوا من حولك " وقوله " لا باضعتك " قال ابن الصابغ: قال أبو حنيفة: هو مشتق من البضع وهو الفرح فيكون صريحا، ويحتمل أن يكون من النقاء البضعة من البدن بالبضعة منه، والبضعة القطعة من اللحم.
ومنه الحديث: فاطمة بضعة منى، وقيل البضع هو الاسم من باضع إذا جامع أما الاحكام فقد قال الشافعي رضى الله عنه: ولا يلزمه الايلاء حتى يصرح بأحد أسماء الجماع التى هي صريحة.
وذلك: والله لا أطؤك، أو والله لا أغيب ذكرى في فرجك، أو لا أدخله في فرجك، أو لا أجامعك.
أو يقول إن كانت عذراء: والله لا أقتضك (بالقاف) أو لافتضك (بالفاء) أو ما في هذا المعنى.
فإن قال هذا فهو مول في الحكم، وإن قال لم أرد به الجماع نفسه كان مدينا بينه وبين الله تعالى ولم يدين في الحكم.
стр. 2131
قال الشافعي رضى الله عنه: وان قال والله لا أباشرك أو والله لا أباضعك
أو والله لا ألامسك أو لا أرشفك أو ما أشبه هذا، فإن أراد الجماع نفسه فهو مول، وان لم يرده فهو مدين في الحكم والقول فيه قوله، ومتى قلت: القول قوله فطلبت يمينه أحلفته لها فيه اه قلت: مقتضى هذا أنه إذا قال: والله لا وطئتك في الدبر لم يكن موليا لانه لم يترك الوطئ الواحب عليه، ولا تتضرر المرأة بتركه، وانما هو وطئ محرم، وقد أكد منع نفسه منه بيمينه.
وان قال: والله لا وطئتك دون الفرج لم يكن موليا لانه لم يحلف على الوطئ الذى يطالب به في الفيئة ولا ضرر على المرأة في تركه.
وان قال والله لا جامعتك الا جماع سوء، فقد قال الشافعي رضى الله عنه ولو قال والله لا أجامعك إلا جماع سوء، فإن قال عنيت لا أجامعك الا في دبرك فهو مول والجماع نفسه في الفرج لا في الدبر.
ولو قال عنيت لا أجامعك الا بأن لا أغيب فيك الحشفة فهو مول، لان الجماع الذى له الحكم انما يكون بتغييب الحشفة.
وان قال عنيت لا أجامعك الا جماعا قليلا أو ضعيفا أو متقطعا أو ما أشبه هذا فليس بمول اه إذا ثبت هذا فانه إذا قال: والله لا جامعتك الا جماع سوء سئل عما أراد، فان قال أردت الجماع في الدبر فهو مول، لانه حلف على ترك الوطئ في الفرج، وكذلك إذا قال أردت أن لا أطأها الا دون الفرج.
وان قال أردت جماعا ضعيفا لا يزيد على النقاء الختانين لم يكن موليا، لانه يمكنه الوطئ الواجب عليه في الفيئة بغير حنث.
وان قال: أردت وطئا لا يبلغ التقاء الختانين فهو مول، لانه يمكنه الوطئ الواجب عليه في الفيئة بغير حنث، وان لم تكن له نية فليس بمول، لانه محتمل فلا يتعين ما يكون به موليا وان قال والله لا جامعتك جماع سوء فقد قال الشافعي رضى الله عنه: وان قال والله لا أجامعك في دبرك فهو محسن غير مول لان الجماع
في الدبر لا يجوز، وكذلك ان قال والله لا أجامعك في كذا من جسدك غير
стр. 2132
الفرج لا يكون موليا إلا بالحلف على الفرج، أو الحلف مبهما فيكون ظاهره الجماع على الفرج اه وجملة ذلك انه إذا قال: والله لا جامعتك جماع سوء لم يكن موليا بحال لانه لم يحلف على ترك الوطئ وإنما حلف على ترك صفته المكروهة، إذا ثبت هذا فإن الالفاظ التى يكون بها موليا تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الاول ما هو صريح في الحكم والباطن جميعا، وهو ألفاظ ثلاث وهى: والله لا أنيك، ولا أدخل أو لا أغيب أو لا أولج ذكرى في فرجك، ولا اقتضضتك للبكر خاصة، فهذه صريحة، ولا يدين فيها لانها لا تحتمل غير الايلاء.
أما إذا قال للثيب: والله لا أقتضك بالقاف ولم يقل بذكرى ففيه وجهان:
(أحدهما)
أنه صريح كالقسم الاول هذا، والثانى أنه صريح في الحكم كالقسم الثاني، وسيأتى.
القسم الثاني: صريح في الحكم ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، وهو عشرة ألفاظ: لا وطئتك، ولا جامعتك، ولا أصبتك، ولا باشرتك، ولا مسستك ولا قربتك، ولا أتيتك، ولا باضعتك، ولا باعلنك، ولا اغتسلت منك، فهذه صريحة في الحكم لانها تستعمل في العرف في والوطئ، وقد ورد القرآن ببعضها فقال تعالى " ولا تقربوهن حتى يطهرهن، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ " وقال " ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد " وقال " من قبل أن تمسوهن " وأما الجماع والوطئ فهما أشهر الالفاظ في الاستعمال، فلو قال أردت بالوطئ الوطئ بالقدم، وبالجماع أجتماع الاجسام، وبالاصابة الاصابة باليد، دين فيما
بينه وبين الله تعالى ويقبل في الحكم، لانه خلاف الظاهر والعرف، وقد أختلف قول الشافعي فيما عدا الوطئ والجماع من هذه الالفاظ، يقال في الجديد ليس بصريح في الحكم لانه حقيقة في غير الجماع وقال في قوله: لا باضعتك ليس بصريح لانه يحتمل أن يكون من التقاء البضعتين، البضعة من البدن بالبضعة منه، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " فاطمة بضعة منى " وقال في القديم: هو مول لانها الفاظ وردت في القرآن مرادا بها الجماع.
стр. 2133
قال أصحاب أحمد: انه مستعمل في الوطئ عرفا، وقد ورد به القرآن والسنة فكان صريحا كلفظ الوطئ والجماع.
وكونه حقيقة في غير الجماع يبطل بلفظ الوطئ والجماع، وكذلك قوله باضعتك فإنه مشتق من البضع في غير الوطئ فهو أولى أن يكون صريحا من سائر الالفاظ لانها تستعمل في غيره، وبهذا قال أبو حنيفة.
القسم الثالث: ما لا يكون أيلاء الا بالنية وهو ما عدا هذه الالفاظ مما يحتمل الجماع كقوله: والله لا يجمع رأسي ورأسك شئ، لا ساقف رأسي رأسك، لاسوءنك، لاغيظنك، لطولن غيبني عنك، لا مس جلد جلدك، لا قربت فراشك، لا أويت معك، لا نمت عندك، فهذه ان أراد بها الجماع واعترف بذلك كان مؤليا وإلا فلا، لان هذه الالفاظ ليست ظاهرة في الجماع كظهور التى قبلها ولم يرد النص باستعمالها فيه، إلا أن هذه الالفاظ منقسمة إلى ما يفتقر فيه إلى نية الجماع والمدة معا.
وهى قوله لاسوأنك أو لاغيظنك أو لتطولن غيبتى عنك فلا يكون موليا حتى ينوى ترك الجماع في مدة تزيد على أربعة أشهر، لان غيظها يكون بترك الجماع فيما دون ذلك، وفى سائر هذه الالفاظ يكون موليا بنية الجماع فقط.
وإن قال: والله ليطولن تركي لجماعك أو لوطئك أو لاصابتك فهذا صريح في ترك الجماع وتعتبر نية المدة دون نية الوطئ على ما سيأتي.
وأن قال: والله لا أدخلت جميع ذكرى في فرجك لم يكن موليا، لان الوطئ الذى بحصل به الفئ يحصل بدون إيلاج جميع الذكر.
وإن قال والله لا أولجت حشفتي في فرجك كان موليا، لان الفيئة لا تحصل بدون ذلك.
قال الشافعي رضى الله عنه: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريح عن عطاء قال: الايلاء أن يحلف بالله على الجماع نفسه، وذلك أن يحلف لا يمسها فأما أن يقول: لا أمسك ولا يحلف، أو يقول قولا غليظا ثم يهجرها فليس ذلك بإيلاء.
стр. 2134
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يصح الايلاء إلا في مدة تزيد على أربعة أشهر حرا كان الزوج أو عبدا، حرة كانت الزوجة أو أمة، فإن آلى على ما دون أربعة أشهر لم يكن موليا لقوله عزوجل: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فدل على أنه لا يصير بما دونه موليا، ولان الضرر لا يتحقق بترك الوطئ فيما دون أربعه أشهر، والدليل عليه ما روى أن عمر رضى الله عنه كان يطوف ليلة في المدينة فسمع امرأة تقول: ألا طال هذا الليل وازور جانبه
* وليس إلى جنبى حليل ألاعبه فو الله لولا الله لا شئ غيره
* لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربى والحياء يكفنى
* وأكرم بعلى أن تغال مراكبه فسأل عمر رضى الله عنه النساء كم تصبر المرأة عن الزوج؟ فقلن شهرين وفى الثالث يقل الصبر وفى الرابع يفقد الصبر، فكتب عمر إلى أمراء الاجناد أن
لا تحبسوا الرجل عن امرأته أكثر من أربعة أشهر.
وإن آلى على أربعة أشهر لم يكن موليا، لان المطالبة بالفيئة أو الطلاق بعد أربعة أشهر، فإذا آلى على أربعة أشهر لم يبق بعدها إيلاء فلا تصح المطالبة من غير إيلاء
(فصل)
وإن قال: والله لا وطئتك فهو مول، لانه يقتضى التأبيد.
وإن قال والله لا وطئتك مدة، أو والله ليطولن عهدك بجماعي، فإن أراد مدة تزيد على أربعة أشهر فهو مول، وإن لم يكن له نية لم يكن موليا، لانه يقع على القليل والكثير فلا يجعل موليا من غير نية.
وان قال: والله لا وطئتك خمسة أشهر فإذا مضت فو الله لا وطئتك سنة: فهما ايلاءان في زمانين لا يدخل أحدهما في الآخر فيكون موليا في كل واحد منهما لا يتعلق أ؟ ؟ هما بالاخر في حكم من أحكام الايلاء، وإذا تقضى حكم أحدهما بقى حكم الاخر لانه أفردت كل واحد منهما في زمان فانفرد كل واحدة منهما عن الاخر؟ ؟ ؟ ؟ وان قال: والله لا وطئتك خمسة أشهر، ثم قال والله لا وطئتك سنة دخلت المدة الاولى في الثانية، كما إذا قال: له على مائه ثم قال: له على ألف دخلت
стр. 2135
المائه في الالف فيكون ايلاء واحدا إلى سنة بيمين، فيضرب لهما مدة واحدة، ويوقف لهما وقفا واحدا، فإن وطئ بعد الخمسة الاشهر حنث في يمين واحدة فيجب عليه كفارة واحدة، وان وطئ في الخمسة الاشهر حنث في يمينين فيجب عليه في أحد القولين كفارة، وفى الثاني كفارتان وان قال والله لا وطئتك أربعة أشهر فإذا مضت فو الله لا وطئتك أربعة أشهر.
ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو الصحيح انه ليس بمول، لان كل واحد من الزمانين أقل من مدة الايلاء
(والثانى)
انه مول لانه منع نفسه من وطئها ثمانية أشهر فصار كما لو جمعها في يمين واحدة
(الشرح) قوله تعالى " تربص أربعة أشهر " التربص التأني والتأخر مقلوب التصبر.
قال الشاعر: تربص بها ريب المنون لعلها
* تطلق يوما أو يموت حليلها قال القرطبى: وأما فائدة توقيت الاربعة الاشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية (وقد تقدم قوله في أول هذه الفصول) فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر، لقوله تعالى " واهجروهن في المضاجع " وقد إلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أزواجه شهرا تأديبا لهن، وقد قيل الاربعة الاشهر هي التى لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها، وقد رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد - ثم ساق القصة التى أوردها المصنف.
ولا أرى لهذه القصة سندا قويا، ولان هذا من الامور التى تعم بها البلوى وتوقيت مدة الغزو بأربعة أشهر قد يقتضى عودة جيش برمته من جبهة العدو، وقد يكون الجيش متقدما أو في حالة التحام واشتباك، الامر الذى لا يمكن معه نفاذ هذا العمل واجراؤه، ثم انه لو أجرى عمر هذا لصار من سنن الجهاد وآدبه لان اقرار الصحابة له اجماع متبع، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أو التابعين من العمال والولاة والخلفاء من صنع هذا، الا أن هذا الاثر قد اشتهر عند الفقهاء فقد أورده ابن قدامه من الحنابله، وأورده القرطبى من المالكية في تفسيره،
стр. 2136
كما أورده المصنف هنا، إلا أنه لم يورده أصحاب الصحاح ولا السنن، ويبدو أن مصدره أصحاب المغازى وليسوا بثقات أما الاحكام فإن هذا شرط من شروط الايلاء وهو أن يحلف على ترك الوطئ أكثر من أربعة أشهر، وهذا قول ابن عباس وطاوس وسعيد بن جبير
ومالك والاوزاعي وأحمد بن حنبل وأبى ثور وأبى عبيد وقال عطاء والثوري وأصحاب الرأى: إذا حلف على أربعة أشهر فما زاد كان موليا.
وحكى ذلك القاضى أبو الحسين رواية عن احمد، لانه ممتنع من الوطئ باليمين أربعة أشهر فكان مؤليا، كما لو حلف على ما زاد.
وقال النخعي وقتادة وحماد وابن ابى ليلى وأسحاق: من حلف على ترك الوطئ في قليل من الاوقات أو كثير وتركها أربعة أشهر فهو مول، لقوله تعالى " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر " وهذا مؤل، فإن الايلاء الحلف وهذا حالف دليلنا أنه لم يمنع نفسه الوطئ باليمين أكثر من أربعة أشهر فلم يكن مؤليا، كما لو حلف على ترك قبلتها والآية حجة عليهم لانه جعل له لتربص أربعة أشهر فإذا حلف على اربعة أشهر أو ما دونها فلا معنى للتربص لان مدة الايلاء تنقضي قبل ذلك ومع انقضائه تقدير التربص بأربعة أشهر يقتضى كونه في مدة تناولها الايلاء، ولان المطالبة إنما تكون بعد أربعة أشهر، فإذا انقضت المدة بأربعة فما دون لم تصح المطالبة من غير إيلاء، وأبو حنيفة ومن وافقه بنوا ذلك على قولهم في الفيئة إنها تكون في مدة الاربعة اشهر، وظاهر الايه خلافه، لقوله تعالى " تربص أربعة أشهر فإن فاءوا " فعقب الفئ عقيب التربص بفاء التعقيب فيدل على تأخرها عنه.
إذا ثبت هذا فقد حكى عن ابن عباس أن المؤلى من يحلف على ترك الوطئ أبدا أو مطلقا، لانه إذا حلف على ما دون ذلك أمكنه التخلص بغير حنث فلم يكن مؤليا، كما لو حلف لا وطئها في مدينة بعينها.
ولنا أنه لا يمكنه التخلص بعد التربص من يمينه بغير حنث فأشبه المطلقة، بخلاف اليمين على مدينه معينة فإنه يمكن التخلص بغير حنث قال الشافعي رضى الله عنه: وكذلك لو قال لها: والله لا أقربك خمسة أشهر
стр. 2137
ثم قال في يمين اخرى: لا اقربك ستة أشهر وقف وقفا واحدا وحنث إذا بجميع الايمان.
وإن قال والله لا أقربك اربعة اشهر أو اقل ثم قال: والله لا اقربك خمسة اشهر كان موليا بيمينه لا يقربها خمسة اشهر وغير مول باليمين التى دون اربعة اشهر، واربعة اشهر وقال الشافعي: ولو كانت يمينه على اكثر من اربعة اشهر واربعة اشهر وتركت وقفه عند الاولى والثانية، كان لها وقفه ما بقى عليه من الايلاء شئ.
لانه ممنوع من الجماع بعد اربعة اشهر بيمين.
قال: ولو قال لها: لا اقربك خمسة اشهر ثم قال: غلامي حر إن قربتك إذا مضت الخمسة الاشهر، فتركته حتى مضت خمسة اشهر أو اصابها فيها، خرج من حكم الايلاء، فيها، فإن طلبت الوقف لم يوقف لها حتى تمضى الخمسة الاشهر من الايلاء الذى اوقع آخرا ثم اربعة اشهر بعده ثم يوقف.
اه (مسأله) فإن قال: والله لا وطئتك فهو ايلاء، لانه قول يقتضى التأبيد.
وان قال: والله لا وطئتك مدة أو ليطولن تركي لجماعك - ونوى مدة تزيد على اكثر من اربعة اشهر فهو ايلاء، لان اللفظ يحتمله فانصرف إليه بنيته، وان نوى مدة قصيرة لم يكن ايلاء لذلك، وان لم ينو شيئا لم يكن إيلاء لانه يقع على القليل والكثير فلا يتعين للكثير.
فإن قال: والله لا وطئتك اربعة اشهر فإذا مضت فو الله لا وطئتك اربعة اشهر، أو فإذا مضت فو الله لا وطئتك شهرين أو لا وطئتك شهرين فإذا مضت فو الله لا وطئتك أربعة أشهر فقيه وجهان
(أحدهما)
ليس بمول لانه حالف بكل يمين على مدة ناقصة عن مدة الايلاء فلم يكن موليا، كما لو لم ينو إلا مدتهما ولانه يمكنه الوطئ بالنسبه إلى كل يمين عقيب مدتها من غير حنث فيها فأشبه ما لو اقتصر عليها قال المصنف: وهذا الوجه هو الصحيح
(والثانى)
يصير موليا لانه منع نفسه من الوطئ بيمينه أكثر من أربعة أشهر متواليه فكان موليا، كما لو منعها بيمين واحدة، ولانه لا يمكنه الوطئ بعد المدة الا بحنث في يمينه فأشبه ما لو حلف على ذلك بيمين واحدة، ولم يكن
стр. 2138
هذا إيلاء أفضى إلى أن يمنع من الوطئ طول دهره باليمنى، فلا يكون موليا، وهذا الحكم في كل مدتين متوليتين يزيد في مجموعها على أربعة كثلاثة أشهر وثلاثة أو ثلاثة وشهرين لما ذكرنا من التعليلين، وبكل ما قلنا قال أحمد وأصحابنا.
(فرع)
فإن قال: والله لا وطئتك عاما ثم قال: والله لا وطئك عاما.
فهو إيلاء واحد حلف عليه يمينين، إلا أن ينوى عاما آخر سواه وإن قال: والله لا وطئتك عام ثم قال: والله لا وطئتك نصف عام، أو قال: والله لا وطئتك نصف عام ثم قال: والله لا وطئتك عام دخلت المدة القصيرة في الطويلة لانها بعضها، ولم يجعل إحداهما بعد الاخرى، فأشبه ما لو أقر بدينار ثم أقر بنصف دينار، أو أقر بنصف دينار ثم أقر بدينار فيكون إيلاء واحدا لهما وقت واحد وكفارة واحدة.
وإن نوى بإحدى المدتين غير الاخرى في هذه أو في التى قبلها، أو قال والله لا وطئتك عام ثم قال: والله لا وطئتك عاما آخر أو نصف عام آخر، فهما أيلاءان في زمانين لا يدخل حكم أحدهما في الاخر، أحدهما منجز والاخر متأخر، فإذا مضى حكم أحدهما بقى حكم الاخر لانه أفرد كل واحد منهما بزمن غير زمن صاحبه، فيكون له حكم ينفرد به (فرع)
فإن قال في المحرم: لا وطئتك هذا العام، ثم قال: والله لا وطئتك عاما من رجب إلى تمام اثنى عشر شهر أو قال في المحرم: والله لا وطئتك عاما، ثم قال في رجب: والله لا وطئتك عاما فهما ايلاءان في مدتين بعض احداهما
داخل في الاخرى، فإن فاء فاء في رجب أو فيما بعده من بقية العام الاول حنث في اليمينين وتجزئه كفارة واحدة وينقطع حكم الايلاءين وان فاء قبل رجب أو بعد العام الآول حنث في احدى اليمينين دون الاخرى، وان فاء في الموضعين حنث في اليمينين وعليه كفارتان.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان قال ان وطئتك فو الله لا وطئتك، ففيه قولان: قال في القديم: يكون موليا في الحال، لان المولى هو الذى يمتنع من الوطئ خوف
стр. 2139
الضرر، وهذا يمتنع من الوطئ خوفا من أن يطأها فيصير موليا، فعلى هذا إذا وطئها صار موليا وذلك ضرر.
وقال في الجديد: لا يكون موليا في الحال، لانه يمكنه أن يطأها من غير ضرر يلحقه في الحال فلم يكن موليا، فعلى هذا إذا وطئها صار موليا لانه يبقى يمين يمنع الوطئ على التأبيد.
وإن قال والله لا وطئتك في السنة إلا مرة صار موليا في قوله القديم، ولا يكون موليا في الحال في قوله الجديد، فإن وطئها نظرت - فإن لم يبق من السنة أكثر من أربعة أشهر - لم يكن موليا، وإن بقى أكثر من أربعة أشهر صار موليا، (الشرح) فإن قال: والله لا وطئتك، لم يكن موليا في الحال على قوله في الجديد لانه لا يلزمه بالوطئ حق، لكن إن وطئها صار مولى لانها تبقى يمينا تمنع الوطئ على التأبيد، وبهذا قال أحمد وأصحابه، لان يمينه معلقة بشرط ففيما قبله ليس بحالف فلا يكون موليا، ولانه يمكنه الوطئ من غير حنث فلم يكن موليا كما لو لم يقل شيئا وكونه يصير موليا لا يلزمه به شئ، وإنما يلزمه بالحنث ولو قال: والله لا وطئتك في السنة إلا مرة لم يصر موليا في الحال، لانه
يمكنه الوطئ متى شاء بغير حنث فلم يكن ممنوعا من الوطئ بحكم يمينه، فإذا وطئها وقد بقى من السنة أكثر من أربعة اشهر صار موليا.
وهذا قول أبى ثور وأصحاب الرأى، وظاهر مذهبه في القديم يكون موليا في الابتداء، وكذلك في التى قبلها يكون موليا من الاول، لانه لا يمكنه الوطئ الا بأن يصير موليا فيلحقه بالوطئ ضرر.
وكذلك على هذا القول ان قال: إن وطئتك فو الله لا دخلت الدار كان موليا من الاول، فان وطئها انحل الايلاء، لانه لم يبق ممتنعا من وطئها بيمين ولا غيرها، وإنما بقى ممتنعا باليمين من دخول الدار، وقد سبق أن أجبنا على ذلك بقوله في الجديد.
وإن قال: والله لا وطئتك سنة إلا يوما فهو مثله، وبهذا قال أبو حنيفة، لان اليوم منكسر فلم يختص يوما دون يوم.
ولذلك لو قال: صمت رمضان إلا يوما، لم يختص اليوم الآخر.
стр. 2140
ولو قال لا أكلمك في السنة الا يوما لم يختص يوما منها، وعلى القول الاخر عندنا - وهو وجه عند الحنابلة - أنه يصير موليا في الحال، وهو قول زفر، لان اليوم المستثنى يكون من آخر المدة كالتأجيل ومدة الخيار، بخلاف قوله: لا وطئتك في السنة إلا مرة، فان المرة لا تختص وقتا بعينه، ومن نصر القول الاول فرق بين هذا وبين التأجيل ومدة الخيار من حيث ان التأجيل ومدة الخيار تجب الموالاة فيهما، ولا يجوز أن يتخللهما يوم لا أجل فيه ولا خيار، لانه لو جازت له المطالبة في أثناء الاجل لزم قضاء الدين فيسقط التأجل بالكلية، ولو لزم العقد في أثناء مدة الخيار لم يعد إلى الجواز فتعين جعل اليوم المستثنى من آخر المدة بخلاف ما نحن فيه، فان جواز الوطئ في يوم من أول السنة أو أوسطها لا يمنع ثبوت حكم اليمين فيما بقى من المدة، فصار كقوله: لا وطئتك في
السنة إلا مرة، وقد حدد الشافعي في قوله الجديد المدة الباقية إذا وطئها ولم يبق من السنة أكثر من أربعة أشهر لم يكن موليا والا صار موليا
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان علق الايلاء على شرط يستحيل وجوده - بأن يقول: والله لا وطئتك حتى تصعدى إلى السماء أو تصافحي الثريا - فهو مول، لان معناه لا وطئتك أبدأ.
وان على ما لا يتيقن أنه لا يوجد إلا بعد أربعة أشهر، مثل أن يقول: والله لا وطئتك إلى يوم القيامة، أو إلى أن أخرج من بغداد إلى الصين وأعود، فهو مول، لان القيامة لا تقوم الا في مدة تزيد على أربعة أشهر، لان لها شرائط تتقدمها، ونتيقن أنه لا يقدر أن يخرج من بغداد إلى الصين ويعود الا في مدة تزيد على أربعة أشهر وان علق على شرط الغالب على الظن أنه لا يوجد الا في الزيادة على أربعة أشهر، مثل أن يقول: والله لا وطئتك حتى يخرج الدجال، أو حتى يجئ زيد من خراسان.
ومن عادة زيد ان لا يجئ الا مع الحاج، وقد بقى على وقت عادته زيادة عن أربعة أشهر، فهو مول لان الظاهر أنه لا يوجد شئ من ذلك الا في مدة تزيد على أربعة أشهر.