قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان قال: ان كلمتك أو دخلت دارك فأنت طالق، طلقت بكل واحدة من الصفتين، وان قال ان كلمتك ودخلت دارك فأنت طالق لم تطلق الا بوجودهما، سواء قدم الكلام أو الدخول، لان الواو تقتضي الجمع دون الترتيب.
وان قال: ان كلمتك فدخلت دارك فأنت طالق، لم تطلق الا بوجود الكلام والدخول.
والتقديم للكلام على الدخول، لان الفاء في العطف للترتيب فيصير كما لو قال: ان كلمتك ثم دخلت دارك فأنت طالق: وان قال: ان كلمتك وان دخلت دارك فأنت طالق طلقت بوجود كل واحدة منهما طلقة، لانه كرر حرف الشرط فوجب لكل واحدة منهما جزاء وان قال لزوجتين ان دخلتما هاتين الدارين فأنتما طالقان، فدخلت احداهما
احدى الدارين دخلت الثانية الدار الاخرى ففيه وجهان
(أحدهما)
تطلقان لان دخول الدارين وجد منهما
(والثانى)
لا تطلقان وهو الصحيح: لانه علق طلاقه بدخول الدارين فلا تطلق واحدة منهما بدخول احدى الدارين، كما لو علق طلاق كل واحدة منهما بدخول الدارين بلفظ مفرد.
وان قال: ان أكلتما هذين الرغيفين فأنتما طالقان، فأكلت كل واحدة منهما رغيفا فعلى الوجهين
(فصل)
وان قال أنت طالق ان ركبت ان لبست لم تطلق الا باللبس والركوب، ويسميه أهل النحو اعتراض الشرط على الشرط، فإن لبست ثم ركبت طلقت، وان ركبت ثم لبست لم تطلق لانه جعل اللبس شرطا في الركوب فوجب تقديمه.
وان قال أنت طالق إذا قمت إذا قعدت لم تطلق حتى يوجد القيام والقعود، ويتقدم القعود على القيام لانه جعل القعود شرطا في القيام.
وان قال ان أعطيتك ان وعدتك ان سألتنى فأنت طالق لم تطلق حتى يوجد السؤال ثم الوعد ثم العطيه لانه شرط في العطيه الوعد، وشرط في الوعد السؤال، وكأن معناه ان سألتنى شيئا فوعدتك فأعطيتك فأنت طالق.
وان قال ان سألتنى ان أعطيتك ان وعدتك
стр. 2067
فأنت طالق لم تطلق حتى تسأل ثم يعدها ثم يعطيها، لان معناه إن سألتنى فأعطيتك إن وعدتك فأنت طالق
(فصل)
وإن قال أنت طالق أن دخلت الدار، بفتح الالف أو أنت طالق أن شاء الله بفتح الالف، وممن يعرف النحو طلقت في الحال، لان معناه أنت طالق لدخولك الدار أو لمشيئة الله طلاقك.
وان قال أنت طالق إذ دخلت الدار، وهو ممن يعرف النحو طلقت في الحال لان إذ لما مضى (الشرح) إن قال لها: إن كلمتك أو دخلت دارك فأنت طالق، فإن كلمها أو
دخل دارها طلقت، وان قال ان كلمتك ودخلت دارك فأنت طالق لم تطلق إلا بالدخول والكلام، سواء تقدم الدخول أو الكلام، لان الواو تقتصى الجمع دون الترتيب.
وان قال: ان كلمتك فدخلت دارك فأنت طالق لم تطلق حتى يكلمها ويدخل دارها، ويكون دخوله الدار عقيب كلامها.
لان حكم الفاء في العطف الترتيب والتعقيب.
وإن قال لها أنت طالق أن كلمتك ثم دخلت دارك لم تطلق حتى يكلمها ويدخل دارها بعد كلامها بمدة، سواء طالت المدة أو لم تطل، لان ثم تقتضي الترتيب والمهلة.
وان قال: ان كلمتك وان دخلت دارك فأنت طالق طلقت بكل واحد منهما طلقة، لانه كرر حرف الشرط فكان لكل واحد منهما جزاؤه (فرع)
وان قال لامرأتين له ان دخلتما هاتين الدارين فأنتما طالقان، فإن دخلت كل واحدة منهما الدار طلقتا، وان دخلت احداهما احدى الدارين والاخرى الدار الاخرى ففيه وجهان
(أحدهما)
يطلقان لانهما دخلتا الدارين
(والثانى)
لا تطلق واحدة منهما لانه يقتضى دخول كل واحدة منهما الدارين.
وان قال لهما: أنتما طالقتان ان ركبتما هاتين السيارتين فركبت كل واحدة منهما سيارة، فعلى الوجهين في الاولة.
وان قال: ان أكلتما هذين الرغيفين فأنتما طالقان، فأكلت كل واحدة منهما رغيفا.
قال الشيخ أبو إسحاق: فيه وجهان كالدارين قال ابن الصباغ: وينبغى أن يقع الطلاق ههنا وجها واحدا، لان اليمين لا تنعقد على أن تأكل كل واحدة
стр. 2068
منهما الرغيفين بخلاف دخول الدارين.
وان قال لها أنت طالق ان أكلت هذا الرغيف وأنت طالق ان أكلت نصفه، وأنت طالق ان أكلت ربعه.
فإن أكلت جميع الرغيف طلقت ثلاثا.
قال الصيمري وان أكلت نصفه طلقت ثلاثا، ولم يذكر وجهه، فيحتمل أنه أراد لانه وجد بأكل نصفه ثلاث صفات: أكل نصفه وأكل ربعه وأكل ثلثه، الا أن حرف " ان " لا يقتضى التكرار، ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق ان أكلت ربعه فأكلت نصفه لم تطلق الا واحدة، فينبغي أن لا تطلق الا طلقتين لانه وجد صفتان، وهو أكل ربعه وأكل نصفه (فرع)
قال ابن الصباغ: إذا قال ان دخلت الدار وان دخلت هذه الاخرى فأنت طالق لم تطلق الا بدخولهما، لانه علق الطلاق بدخولهما.
وان قال أنت طالق ان دخلت هذه الدار وان دخلت الاخرى طلقت بدخول كل واحدة منهما ويفارق الاولى.
لانه جعل جوابا لدخولهما.
(مسألة) قوله: وان قال أنت طالق ان ركبت ان لبست لم تطلق الا باللبس والركوب الخ، فمثاله إذا قال: أنت طالق ان كلمت زيدا ان كلمت عمرا ان ضربت بكرا، لم تطلق حتى تضرب بكرا أولا.
ثم تكلم عمرا ثم تكلم زيدا، لان الشرط دخل على الشرط فتعلق الاول بالثاني، كقوله تعالى " ولا ينفعكم نصحي ان أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم " وتقديره ان كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي ان أردت أن انصح لكم.
وان قال: ان أكلت ان دخلت الدرا فأنت طالق، أو أنت طالق ان أكلت متى دخلت الدار أو متى أكلت متى دخلت الدار لم تطلق حتى تدخل الدار أولا ثم تأكل لما ذكرناه، فكذلك إذا قال لها أنت طالق ان ركبت ان ليست لم تطلق حتى تلبس ثم تركب.
وان قال أنت طالق إذا قمت إذا قعدت لم تطلق حتى تقعد أولا ثم تقوم.
وان قال: أنت طالق ان أعطيتك ان وعدتك ان سألتنى لم تطلق حتى تسأله ثم يعدها ثم يعطيها، ويسميه النحويون اعتراض الشرط على الشرط فيقتضى
تقديم المتأخر وتأخير المتقدم لانه جعل الثاني في اللفظ شرطا للذى قبله.
стр. 2069
(مسألة) قوله: وان قال أنت طالق أن دخلت الدار الخ فجملة ذلك أن الذى ذكره الشيخ أبو حامد أنه إن لم يكن الحالف من أهل الاعراب كان ذلك بمنزلة قوله: إن بكسر الهمزة، وان كان من أهل الاعراب وقع الطلاق في الحال لان أن المفتوحة ليست للشرط، وإنما هي للتعليل، كأنه قال: أنت طالق لانك دخلت الدار أو لانك كلمتني إذا قال أنت طالق أن كلمتني.
وقد جاءت أن للتعليل في القرآن في مواضع كثيرة منها على سبيل المثال قوله تعالى " يمنون عليك أن أسلموا " " وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا " " وتخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم " وقال القاضى أبو الطيب: يقع الطلاق في الحال إلا إن كان الحالف من غير أهل الاعراب وقال: أردت به الشرط فيقبل، لان الظاهر أنه إذا لم يكن من أهل الاعراب أنه لا يفرق بين المفتوحة والمكسورة.
قال ابن الصباغ: وهذا أولى، لانه قبل أن يتبين لنا مراده يجب حمل اللفظة على مقتضاه في اللغة، فلا يكون عدم معرفته بالكلام بصارف عما يقتضيه بغير قصده.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وإن قال إن دخلت الدار أنت طالق بحذف الفاء لم تطلق حتى تدخل الدار لان الشرط ثبت بقوله: إن دخلت الدار، ولهذا لو قال أنت طالق إن دخلت الدار ثبت الشرط، وان لم يأت بالفاء.
وان قال: ان دخلت الدار فأنت طالق.
وقال أردت ايقاع الطلاق في الحال قبل من غير يمين لانه اقرار على نفسه.
وان قال أردت أن أجعل دخولها الدار وطلاقها شرطين لعتق أو طلاق آخر ثم سكت عن الجزاء قبل قوله مع اليمين،
لانه يحتمل ما يدعيه.
وان قال أردت الشرط والجزاء وأقمت الواو مقام الفاء قبل قوله مع اليمين لانه يحتمل ما يدعيه وان قال: وان دخلت الدار فأنت طالق.
وقال أردت به الطلاق في الحال قبل قوله من غير يمين لانه اقرار بالطلاق.
وان قال أردت تعليق الطلاق بدخول الدار قبل قوله مع يمينه، لانه يحتمل ما يدعيه.
стр. 2070
(فصل)
إذا قال لزوجته وأجنبية احداكما طالق، ثم قال أردت به الاجنبية قبل قوله مع اليمين، وان كانت له زوجة اسمها زينب وجارة اسمها زينب، فقال زينب طالق، وقال أردت بها الجارة لم يقبل، والفرق بينهما أن قوله احداكما طالق صريح فيهما، وانما يحمل على زوجته بدليل، وهو أنه لا يطلق غير زوجته فإذا صرفه إلى الاجنبية فقد صرفه إلى مالا يقتضيه تصريحه فقبل منه، وليس كذلك قوله زينب طالق، لانه ليس بصريح في واحدة منهما، وانما يتناولهما من جهة الدليل وهو الاشتراك في الاسم، ثم يقابل هذا الدليل دليل آخر وهو أنه لا يطلق غير زوجته، فصار اللفظ في زوجته أظهر فلم يقبل خلافه.
(فصل)
وان كانت له زوجتان اسم احداهما حفصه واسم الاخرى عمرة فقال يا حفصة فأجابته عمرة، فقال لها أنت طالق، ثم قال أردت طلاق حفصة وقع الطلاق على عمرة بالمخاطبة وعلى حفصة باعترافه بأنه أراد طلاقها.
وان قال ظننتها حفصة فقلت أنت طالق طلقت عمرة ولم تطلق حفصه لانه لم يخاطبها ولم يعترف بطلاقها، وان رأى امرأة اسمها حفصة فقال: حفصة طالق ولم يشر إلى التى رآها وقع الطلاق على زوجته حفصة ولم يقبل قوله لم أردها، لان الظاهر أنه أراد طلاق زوجته، ولم يعارض هذا الظاهر غيره (الشرح) قال أبو العباس بن سريج: وان قال ان دخلت الدار أنت طالق
(بحذف الفاء) لم تطلق حتى تدخل الدار.
وقال محمد بن الحسن يقع الطلاق في الحال.
دليلنا أن الشرط يثبت بقوله ان دخلت الدار.
ولهذا لو قال: أنت طالق ان دخلت الدار ثبت الشرط وان لم يأت بالفاء..وان قال.
ان دخلت الدار وأنت طالق، سئل فإن قال: أردت الطلاق في الحال قبل قوله من غير يمين لانه أقر بما هو أغلظ عليه.
وان قال: أردت دخولها الدار وطلاقها شرطين لعتق أو طلاق غيرها.
وهو أنى أردت ان أقول ان دخلت الدار وانت طالق فامرأتي الاخرى طالق أو عبدى حر، ثم سكت عن طلاق الاخرى عن عتق العبد قبل قوله مع يمينه، لانه يحتمل ما يدعيه.
وان قال: اردت ان اقول: ان دخلت الدار فأنت طالق وأقمت الواو مقام
стр. 2071
القاف قبل قوله مع يمينه، لانه يحتمل ما يدعيه.
(مسألة) ان قال لامرأته وأجنبيه إحداكما طالق سئل عن ذلك، فإن قال أردت به الزوجة قبل.
وان قال: أردت به الأجنبية وقالت الزوجة بل أردتني فالقول قوله مع يمينه أنه ما أرادها وإنما أراد الاجنبية لان الطلاق إنما يقع على امرأته بأن يشير إليها أو يصفها.
وقوله: إحداكما، ليس بإشارة إليها ولا بصفة لها فلم يقع عليها الطلاق، وان كانت له زوجه اسمها زينب وجارة اسمها زينب فقال زينب طالق، وقال أردت الجارة.
وقالت زوجته بل أردتني، فهل يقبل قوله في الحكم مع يمينه؟ اختلف أصحابنا فيه، فقال القاضى ابو الطيب: يقبل قوله مع يمينه، كما لو قال لزوجته وأجنبية إحداكما طالق.
وقال أكثر أصحابنا: لا يقبل لان هذا الاسم يتناول زوجته وجارته تناولا واحدا، فإذا أوقع الطلاق على من هذا اسمها كان منصرفا في الظاهر إلى زوجته
ويخالف قوله إحداكما لانه لا يتناول زوجته والاجنبية تناولا واحدا، وانما يتناول إحداهما دون الاخرى، فإذا أخبر انه أراد به الاجنبية دون زوجته قبل منه لان دعواه لا تخالف الظاهر.
(مسألة) وان كان له زوجتان زينب وعمرة، فقال يا زينب فأجابته عمرة فقال أنت طالق سئل عن ذلك فإن قال: علمت أن التى أجابتني عمرة، ولكني لم أرد طلاقها وانما أردت طلاق زينب، طلقت زينب ظاهرا وباطنا، لانه اعترف انه طلقها.
وطلقت عمرة في الظاهر لانه خاطبها بالطلاق، فالظاهر انه أراد طلاقها ويدبن فيما بينه وبين الله تعالى، لان ما قاله يحتمل ذلك.
وان قال: ان التى أجابتني عمرة بل ظننتها زينب وأنا طلقت، قال الشيخ ابو حامد فالحكم فيها كالاولة وهو أن زينب تطلق ظاهرا وباطنا لاعترافه بذلك، وتطلق عمرة في الظاهر دون الباطن لانه واجهها بالخطاب بالطلاق وان قال: طلقت التى أجابتني ولكن ظننتها زينب طلقت عمرة ولم تطلق زينب لانه أشار إلى عمرة، وان ظنها زينب فهو كما لو قال لاجنبية أنت طالق وقال ظننتها زوجتى لم تطلق زوجته لان الطلاق انصرف بالاشارة إلى التى أشار
стр. 2072
إليها دون التى ظنها.
وإن قال أردت عمرة وإنما ناديت زينب لآمرها بحاجة طلقت عمرة لانه خاطبها ولا تطلق زينب لان النداء لا يدل على الطلاق.
وان قال يا زينب أنت طالق وأشار إلى عمرة سئل عن ذلك، فإن قال قد علمت أن التى أشرت إليها عمرة، ولكني لم أردها بالطلاق وانما أردت طلاق زينب طلقت زينب ظاهرا وباطنا لاعترافه بذلك.
وطلقت عمرة في الظاهر لاشارته بالطلاق إليها، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، لان الحال يحتمل ما يدعيه.
وإن قال لم أعلم أن هذه التى أشرت إليها عمرة بل ظننتها زينب، ولم أرد بالطلاق إلا هذه
التى أشرت إليها طلقت عمرة ولا تطلق زينب لانه قد أشار بالطلاق إليها ولم يرد به غيرها، واعتقاده أن هذه المشار إليها زينب لا يضر، كما لو قال لاجنبية أنت طالق وقال ظننتها زوجتى، فان زوجته لا تطلق (فرع)
وإن كان له زوجتان زينب وعمرة، فقال كلما ولدت إحداكما ولدا فأنتما طالقان، فولدت زينب يوم الخميس ولدا ثم ولدت عمرة يوم الجمعة وقع على كل واحدة منهما طلقة ثانية، فلما ولدت زينب يوم السبت وقع على عمرة طلقة ثالثة، ولم يقع على زينب بذلك طلاق لان عدتها انقضت بوضعه إلا على الحكاية التى حكاها ابن خيران، فلما ولدت عمرة يوم الاحد انقضت عدتها به.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
إذا قال لامرأته: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال لها أنت طالق، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يقع عليها طلقة بقوله أنت طالق ولا يقع من الثلاث قبلها شئ، كما إذا قال لها: إذا انفسخ نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثا ثم ارتدت انفسخ نكاحها ولم يقع من الثلاث شئ ومنهم من قال يقع بقوله: أنت طالق طلقة وطلقتان من الثلاث وهو قول أبى عبد الله الخن لانه يقع بقوله أنت طالق طلقه ويقع ما بقى بالشرط وهو طلقتان ومنهم من قال لا يقع عليها بعد هذا القول طلاق، وهو قول أبى العباس بن سريج وابى بكر بن الحداد المصرى والشيخ أبى حامد الاسفراينى والقاضى أبى الطيب الطبري.
وهو الصحيح عندي
стр. 2073
والدليل عليه أن إيقاع الطلاق يؤدى إلى إسقاطه، لانا إذا أوقعنا عليها طلقة لزمنا أن نوقع عليها قبلها ثلاثا بحكم الشرط.
وإذا وقع قبلها الثلاث لم تقع الطلقه وما أدى ثبوته إلى نفيه سقط.
ولهذا قال الشافعي ﵀ فيمن زوج عبده
بحرة بألف درهم وضمن صداقها، ثم باع العبد منها بتلك الالف قبل الدخول أن البيع لا يصح لان صحته تؤدى إلى إبطاله، فإنه إذا صح البيع انفسخ النكاح بملك الزوج، وإذا انفسخ النكاح سقط المهر، لان الفسخ من جهتها، وإذا سقط المهر سقط الثمن، لان الثمن هو المهر، وإذا سقط الثمن بطل البيع.
فأبطل البيع حين أدى تصحيحه إلى إبطاله فكذلك ههنا.
ويخالف الفسخ بالردة فإن الفسخ لا يقع بإيقاعه وإنما تقع الردة والفسخ من موجباتها.
والطلاق الثلاث لا ينافى الردة، فصحت الردة وثبت موجبها وهو الفسخ، والطلاق يقع بإيقاعه، والثلاث قبله تنافيه فمنع صحته فعلى هذا إن حلف على امرأته بالطلاق الثلاث أنه لا يفعل شيئا وأراد أن يفعله ولا يحنث فقال: إذا وقع على امرأتي طلاقي فهى طالق قبله ثلاثا ففيه وجهان
(أحدهما)
يحنث إذا فعل المحلوف عليه لان عقد اليمين صح فلا يملك رفعه
(والثانى)
لا يحنث، لانه يجوز أن يعلق الطلاق على صفة ثم يسقط حكمه بصفة أخرى.
والدليل عليه أنه إذا قال: إذا دخل رأس الشهر فأنت طالق ثلاثا صحت هذه الصفة ثم يملك إسقاطها بأن يقول أنت طالق قبل انقضاء الشهر بيوم (الشرح) إذا قال لامرأته: متى وقع عليك طلاقي أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال لها: أنت طالق، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يقع عليها الطلاق الذى باشر ايقاعه، وحكاه القاضى أبو الطيب عن أبى العباس بن سريج، وحكاه العمرانى عن ابن القاص (١) وقال: هو اختيار
стр. 2074
ابن الصباغ، لانه زوج مكلف أوقع الطلاق مختارا فوجب أن يقع، ولا يقع الثلاث قبله، لان وقوعها يوجب ارتفاع الطلاق المباشر، ولا يصح رفع طلاق واقع، ولانه لو قال لها: إذا انفسخ نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثا ثم ارتد أو أحدهما أو اشتراها لوقع الفسخ ولم تطلق الثالث قبله كذلك هذا مثله.
وقال أبو عبد الله الخنن الاسماعيلي: يقع الطلقه التى باشر إيقاعها، ويقع تمام الثلاث من الثلاث المعلقة بالصفة، وبه قال أصحاب أبى حنيفة وقال أكثر أصحابنا: لا يقع عليها الطلاق المباشر ولا الطلاق بالصفة، بل هذا حيلة لمن أراد أن لا يقع على امرأته بعد ذلك الطلاق.
وبه قال المزني والشيخان أبو حامد وأبو إسحاق والقفال وابن الحداد، والقاضى أبو الطيب والمحاملى والصيدلانى وهو ما صححه وأخذ به المصنف وتابعه العمرانى في البيان قالوا لانه لو وقع الطلاق الذى باشر إيقاعه لوقع قبله الثلاث بالصفة، ولو وقع الثلاث قبله لم يقع الطلاق المباشر.
وما أدى إثباته إلى إسقاطه سقط قياسا على ما قال الشافعي رضى الله عنه فيمن زوج عبده بحرة بألف في الذمة وضمنها السيد عنه، ثم باع السيد منها زوجها بالالف قبل الدخول أن البيع لا يصح: لان إثبات البيع يؤدى إلى إسقاطه فسقط اثباته، لانها إذا ملكت بفسخ النكاح وإذا انفسخ النكاح سقط المهر، لان الفسخ من جهتها.
وإذا سقط المهر سقط الثمن.
وإذا سقط الثمن بطل البيع.
وأما الجواب عما ذكره الاول فمنتقض بالثلاث المعلقة بالصفة، فإنه قد أوقعها وهو زوج مكلف مختار وأما الفسخ فإنما وقع لان اثباته لا يؤدى إلى اسقاطه بخلاف الطلاق.
إذا ثبت هذا فقد ذكر أصحابنا في طلاقي التنافى مسائل إحداهن المسألة التى مضت والثانية ذكرها المزني في المنثور، إذا قال لها: إذا طلقتك طلاقا أملك به عليك الرجعة فأنت طالق قبله ثلاثا، فإن طلق المدخول بها طلقه أو طلقتين بغير عوض لم يقع عليها طلاق، لانه لو وقع عليها ذلك لملك عليها الرجعة، ولو ملك عليها الرجعة لوقع الثلاث قبله، ولو وقع الثلاث قبله لم يقع ما بعده وان أوقع عليها الثلاث أو ما دون الثلاث بعوض، أو كانت غير مدخول بها وقع عليها الطلاق
стр. 2075
المباشر لانه لا يملك به الرجعة عليها فلا توجد صفة الثلاث قبله الثالثة: إذا قال لها: إذا طلقتك ثلاثا فأنت طالق قبله ثلاثا، فإن طلقها ثلاثا ان طلقتك غدا، فإن طلقها غدا لم يقع عليها طلاق، وإن طلقها بعد غد وقع عليها ما أوقعه الرابعة: إذا قال لغير المدخول بها أنت طالق طلقة قبلها طلقه فهل يقع عليها طلقه فيه وجهان لما ذكرناه.
الخامسة: رجل قال لامرأته: ان لم أحج في هذه السنة فأنت طالق ثلاثا.
ثم قال لها قبل أن يحنث: إن حنثت في هذه اليمين فأنت طالق ثلاثا قبل حنثى.
قال القاضى أبو الطيب: وهذه تعرف بالعمانية ثم أثيرت في بغداد، واختلف فيها القائلون بأن طلاق التنافى لا يقع، فمنهم من قال: لا تنحل اليمين الاولة.
فإن لم يحج في سنته طلقت، لان عقد اليمين قد صح فلم يرتفع.
ومنهم من قال تنحل اليمين الاولة قال القاضى أبو الطيب: وأجبت بذلك وبه عمل، لانه يعد هذا القول كقوله قبله، فلو وقع الطلاق بالحنث لوقع الثلاث قبلها، ولو وقع الثلاث قبلها لم يقع الطلاق بالحنث، والقول الاول أن عقد اليمين لم يرتفع لا يصح لانه يجوز أن يعلق الطلاق بصفة ثم يسقط حكمه بصفة أخرى بأن يقول: إذا جاء
رأس الشهر فأنت طالق ثلاثا، ثم يقول أنت طالق طلقه.
السادسة: إذا قال لزوجته متى دخلت جاريتي الدار وأنت زوجتى فهى حرة ومتى عتقت فأنت طالق ثلاثا قبل عتقها بثلاثة أيام.
ثم دخلت الامة الدار لم تعتق الامة ولم تطلق المرأة، لانا لو أعتقناها لوجدت الصفة بالطلاق والثلاث لانها عتقت، وقد قال لها: إذا عتقت فأنت طالق قبله بثلاثة أيام، وإذا وقع الطلاق الثلاث قبله لم تكن له زوجة في حال دخولها الدار، وإذا لم توجد صفة الحرية لم تعتق، وان لم تعتق لم يقع الطلاق.
السابعة: قال ابن الحداد: إذا كان عبد بين شريكين فقال أحدهما للآخر: متى أعتقت نصيبك منه فنصيبي منه حر قبل عتقك إياه بثلاثة أيام وهما موسران فأمهل المقول له ثلاثا فأكثر ثم أعتق نصيبه لم يعمل عتقه، لانه لو عمل لدل
стр. 2076
على وقوع عتق صاحبه قبله.
ولو وقع عتق صاحبه قبل عتقه لما وقع عتقه.
وإذا لم يقع عتقه لم توجد الصفة في وقوع عتق الذى خاطبه.
قال القاضى أبو الطيب: لا يحتاج إلى قوله بثلاث، بل يكفى قوله قبل عتقك ولا يحتاج إلى يسار المقول له، وانما يحتاج إلى يسار القائل وحده.
فإذا أعتق المقول له نصيبه لم يعتق لانه لو عتق نصيبه لعتق نصيب القائل قبله، ولو عتق نصيب القائل لسرى إلى نصيب المقول له، لانه موسر، وإذا سرى إلى نصيبه لم يصح اعتاقه لنصيبه فكأن إثبات عتق نصيبه يؤدى إلى اسقاطه فسقط حكم إثباته وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
إذا علق طلاق امرأته على صفة من يمين أو غيرها ثم بانت منه ثم تزوجها قبل وجود الصفة ففيه ثلاثة أقوال:
(أحدها) لا يعود حكم الصفه في النكاح الثاني، وهو اختيار المزني لانها صفة علق عليها الطلاق قبل النكاح فلم يقع بها الطلاق، كما لو قال لاجنبيه: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم تزوجها ودخلت الدار
(والثانى)
أنها تعود ويقع بها الطلاق وهو الصحيح، لان العقد والصفه وجدا في عقد النكاح فأشبه إذا لم يتخللهما بينونه.
(والثالث) أنها ان بانت بما دون الثلاث عاد حكم الصفه، وان بانت بالثلاث لم تعد، لان بالثلاث انقطعت علائق الملك، وبما دون الثلاث لم تنقطع علائق الملك ولهذا بنى أحد العقدين على الآخر في عدد الطلاق فيما دون الثلاث ولا يبنى بعد الثلاث.
وان علق عتق عبده على صفة ثم باعه ثم اشتراه قبل وجود الصفه ففيه وجهان
(أحدهما)
أن حكمه حكم الزوجه إذا بانت بما دون الثلاث، لانه يمكنه أن يشتريه بعد البيع كما يمكنه أن يتزوج البائن بما دون الثلاث
(والثانى)
أنه كالبائن بالثلاث، لان علائق الملك قد زالت بالبيع كما زالت في البائن بالثلاث
(فصل)
وان علق الطلاق على صفه ثم أبانها ووجدت الصفه في حال البينونه انحلت الصفه، فإن تزوجها لم يعد حكم الصفه.
وكذلك إذا علق عتق
стр. 2077
عبده على صفة ثم باعه ووجدت الصفة قبل أن يشتريه انحلت الصفة، فإن اشتراه لم يعد حكم الصفة.
وقال أبو سعيد الاصطخرى ﵀: لا تنحل الصفه لان قوله إن دخلت الدار فأنت طالق مقدر بالزوجة.
وقوله إن دخلت الدار فأنت حر مقدر بالملك لان الطلاق لا يصح في غير الزوجية والعتق لا يصح في غير ملك فيصير كما لو قال: إن دخلت الدار وأنت زوجتى فأنت طالق، وان دخلت الدار وأنت مملوكي فأنت حر، والمذهب الاول.
لان اليمين إذا علقت على عين تعلقت بها، ولا
نقدر فيها الملك، والدليل عليه أنه لو قال: ان دخلت هذه الدار فأنت طالق، والدار في ملكه فباعها ثم دخلها وقع الطلاق، ولا يجعل كما لو قال: ان دخلت هذه الدار وهى في ملكى فأنت طالق، فكذلك ههنا.
والله أعلم (الشرح) قوله: إذا علق طلاق امرأته على صفة الخ، فجملة ذلك أنه إذا علق طلاقها على صفة فبانت منه قبل وجود الصفة ثم تزوجها ثم وجدت الصفة في النكاح الثاني فهل يعود حكم الصفة وتطلق؟ فيه قولان: قال في القديم: إن أبانها بدون الثلاث عاد حكم الصفه قولا واحدا.
وإن أبانها بالثلاث فهل يعود حكم الصفه؟ فيه قولان وقال في الجديد: إن أبانها بالثلاث ثم تزوجها فإن حكم الصفة لا يعود قولا واحدا، وان أبانها بدون الثلاث فهل يعود حكم الصفه؟ فيه قولان، فالقديم أقرب إلى عود الصفه، فحصل في المسألتين ثلاثة أقوال (أحدها) لا يعود حكم الصفه سواء بانت بالثلاث أو بما دونها، وهو اختيار المزني وأبى إسحاق المروزى لقوله ﷺ " لا طلاق قبل نكاح " فلو قلنا يعود حكم الصفة لكان هذا طلاقا قبل نكاح، لانه عقد قبل هذا النكاح فلم يحكم بوقوعه، كما لو قال لاجنبية: ان دخلت الدار فأنت طالق ثم تزوجها ثم دخلت الدار
(والثانى)
يعود حكم الصفة سواء بانت بالثلاث أو بما دونها، وبه قال أحمد قال الشيخ أبو إسحاق هنا والمحاملى: وهو الصحيح، لان عقد الطلاق والصفه وجدا في ملك فهو كما لو لم يتحللها بثبوته
стр. 2078
(والثالث) ان بانت بما دون الثلاث ثم تزوجها عاد حكم الصفة.
وإن بانت بالثلاث لم يعد حكم الصفه، وبه قال مالك وابو حنيفة، لانها إذا بانت بما دون الثلاث، فإن أحد النكاحين بائنا على الآخر في عدد الطلاق، فكذلك في حكم
الصفة، وإذا بانت بالثلاث فإن أحدهما لا يبين على الآخر في عدد الطلاق فكذلك في حكم الصفة، وإذا بانت بالثلاث فإن أحدهما لا يبين على الآخر في عدد الطلاق فكذلك في حكم الصفه.
(فرع)
وان قال لعبده: ان دخلت الدار فأنت حر فباعه ثم اشتراه ثم دخل الدار ففيه وجهان، من أصحابنا من قال: حكمه حكم الزوجة إذا بانت بما دون الثلاث، لانه يمكنه أن يسترده بعد أن باعه كما يمكنه أن يتزوج البائن بما دون الثلاث قبل زوج، فعلى حكم الصفه على قولين.
ومنهم من قال حكمه حكم الزوجه إذا بانت بالثلاث، لان علائق الملك قد زالت بالبيع كما زالت بالبينونة بالثلاث فعلى هذا لا يعود حكم الصفة على القول الجديد قولا واحدا، وعلى القول القديم على قولين.
(فرع)
وان علق طلاق امرأته على صفة بحرف لا يقتضى التكرار، مثل ان قال: ان كلمت زيدا فأنت طالق ثلاثا فأبانها قبل كلامها لزيد فكلمت زيدا في حال البينونة ثم تزوجها، فإن حكم الصفه لا يعود، فإن كلمته بعد النكاح لم تطلق، وهذه حيلة في ابطال تعليق الطلاق الثلاث بصفة بأن يخالعها بما دون الثلاث - أو بلفظ الخلع - إذا قلنا انه فسخ - ثم تؤخذ الصفه في حال البينونة فإن خالف ووطئها تعلق به حكم الوطئ المحرم وانحلت الصفه، وكذلك إذا قال لعبده: ان دخلت الدار فأنت حر فباعه ثم دخل الدار ثم اشتراه فإن حكم الصفه لا يعود.
وقال أبو سعيد الاصطخرى يعود حكم الصفه، وبه قال أحمد ومالك لان عقد الصفه مقدر بالملك فصار كما لو قال: ان دخلت الدار وأنت زوجتى فأنت طالق أو قال لعبده: ان دخلت الدار وأنت عبدى فأنت حر.
قال في البيان: وهذا غلط، لان اليمين إذا علقت بصفة فإنها تتعلق بالصفة التى علق بها اللفظ، لا تعتبر صفه أخرى لم يتلفظ بها، كما لو قال لها: ان دخلت هذه
стр. 2079
الدار فأنت طالق، فباع الدار ودخلتها، وإن كان بحرف يقتضى التكرار بأن قال لها: كلما دخلت الدار فأنت طالق فأبانها ودخلت الدار في حال البينونة ثم تزوجها ودخلت الدار في النكاح الثاني لم تطلق بدخولها الدار في حال البينونة، وهل تطلق بدخولها الدار بعد النكاح الثاني؟ على الاقوال الثلاثة في التى قبلها، والله تعالى الموفق للصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قال المصنف ﵀:
باب الشك في الطلاق واختلاف الزوجين فيه
إذا شك الرجل هل طلق امرأته أم لا لم تطلق؟ لان النكاح يقين واليقين لا يزال بالشك.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عن الرجل يخيل إليه أنه يحد الشئ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صوتا أو يجد ريحا.
والورع أن يلتزم الطلاق لقوله ﷺ " دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ " فإن كان بعد الدخول راجعها وان كان قبل الدخول جدد نكاحها، وإن لم يكن له فيها رغبة طلقها لتحل لغيره بيقين، وإن شك في عدده بنى الامر على الاقل، لما روى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أواحدة صلى أو اثنتين فليبن على واحدة، وان لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فليبنى على اثنتين، وإن لَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ على ثلاث، ويسجد سجدتين قبل أن يسلم " فرد إلى الاقل.
ولان الاقل يقين والزيادة مشكوك فيها فلا يزال اليقين بالشك، والورع أن يلتزم الاكثر، فإن كان الشك الثلاث وما دونها طلقها ثلاثا حتى تحل لغيره بيقين.
(فصل)
وإن كانت له امرأتان فطلق احداهما بعينها ثم نسيها أو خفيت
عليه عينها، بأن طلقها في ظلمة أو من وراء حجاب، رجع إليه في تعيينها لانه هو المطلق، ولا تحل له واحدة منهما قبل أن يعين ويؤخذ بنفقتهما إلى أن يعين لانهما محبوستان عليه، فإن عين الطلاق في إحداهما فكذبتاه حلف للاخرى:
стр. 2080
لان المعينة لو رجع في طلاقها لم يقبل.
وإن قال طلقت هذه لا بل هذه طلقتا في الحكم، لانه أقر بطلاق الاولى ثم رجع إلى الثانية، فقبلنا إقراره بالثانية ولم يقبل رجوعه في الاولى، وإن كان ثلاثا فقال: طلقت هذه لا بل هذه لا بل هذه طلقن جميعا.
وإن قال طلقت هذه أو هذه لا بل هذه طلقت الثالثة وواحدة من الاوليين وأخذ بتعيينها لانه أقر أنه طلق إحدى الاوليين، ثم رجع إلى أن المطلقة هي الثالثة فلزمه ما رجع إليه ولم يقبل رجوعه عما أقر به.
وإن قال طلقت هذه لا بل هذه أو هذه طلقت الاولى وواحدة من الاخريين.
وإن قال طلقت هذه أو هذه وهذه أخذ ببيان الطلاق في الاولى والاخريين، فإن عين في الاولى بقيت الاخريان على النكاح.
وإن قال لم أطلق الاولى طلقت الاخريان، لان الشك في الاولى والاخريين فهو كما لو قال: طلقت هذه أو هاتين، ولا يجوز له أن يعين بالوطئ، فإن وطئ إحداهما لم يكن ذلك تعيينا للطلاق في الاخرى، فيطالب بالتعيين بالقول، فإن عين الطلاق في الموطوءة لزمه مهر المثل، وإذا عين وجبت العدة من حين الطلاق
(فصل)
وان طلق احدى المرأتين بغير عينها أخذ بتعيينها ويؤخذ بنفقتهما إلى أن يعين، وله أن يعين الطلاق فيمن شاء منهما.
فإن قال هذه لا بل هذه طلقت الاولى ولم تطلق الاخرى لان تعيين الطلاق إلى اختياره وليس له أن يختار: لا واحدة، فإذا اختار إحداهما لم يبق له اختيار، وهل له أن يعين الطلاق بالوطئ
فيه وجهان
(أحدهما)
لا يعين بالوطئ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لان إحداهما محرمة بالطلاق فلم يتعين بالوطئ كما لو طلق احداهما بعينها ثم أشكلت فعلى هذا يؤخذ بعد الوطئ بالتعيين بالقول، فإن عين الطلاق في الموطوءة لزمه المهر
(والثانى)
يتعين.
وهو قول أبى اسحاق واختيار المزني وهو الصحيح لانه اختيار شهوة، والوطئ قد دل على الشهوة.
وفى وقت العدة وجهان
(أحدهما)
من حين يلفظ بالطلاق، لانه وقت وقوع الطلاق
(والثانى)
من حين التعيين، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رحمه الله تعالى، لانه وقت تعيين الطلاق.
стр. 2081
(فصل)
وإن ماتت الزوجتان قبل التعيين وبقى الزوج وقف من مال كل واحدة منهما نصف الزوج، فإن كان قد طلق إحداهما بعينها فعين الطلاق في إحداهما أخذ من تركة الاخرى ما يخصه، وإن كذبه ورثتها فالقول قوله مع يمينه وان كان قد طلق إحداهما بغير عينها فعين الطلاق في إحداهما دفع إليه من مال الاخرى ما يخصه، وإن كذبه ورثها فالقول قوله من غير يمين، لان هذا اختيار شهوة.
وقد اختار ما اشتهى.
وإن مات الزوج وبقيت الزوجتان وقف لهما من ماله نصيب زوجة إلى أن يصطلحا لانه قد ثبت إرث إحداهما بيقين، وليست إحداهما بأولى من الاخرى فوجب أن يوقف إلى أن يصطلحا، لانه قد ثبت إرث إحداهما بيقين، فإن قال وارث الزوج أنا أعرف الزوجة منهما ففيه قولان
(أحدهما)
يرجع إليه لانه لما قام مقامه في استلحاق النسب قام مقامه في تعيين الزوجة
(والثانى)
لا يرجع إليه، لان كل واحدة منهما زوجة في الظاهر، وفى الرجوع إلى بيانه اسقاط وارث مشارك، والوارث لا يملك اسقاط من يشاركه
في الميراث.
واختلف أصحابنا في موضع القولين فقال أبو إسحاق: القولان فيمن عين طلاقها ثم أشكلت، وفيمن طلق احداهما من غير تعيين.
ومنهم من قال: القولان فيمن عين طلاقها ثم أشكلت لانه اخبار فجاز أن يخبر الوارث عن الموروث.
وأما إذا طلق احداهما من غير تعيين فإنه لا يرجع إلى الوارث قولا واحدا لانه اختيار شهوة، فلم يقم الوارث فيه مقام الموروث كما لو أسلم تحته أكثر من أربع نسوة ومات قبل أن يختار أربعا منهن.
(الشرح) حديث عبد الله بن زيد، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ أبو محمد الانصاري النجارى المازنى عم عباد بن تميم وحديثه هذا أخرجه البخاري في الطهارة عن على بن عبد الله وعن أبى الوليد وفى البيوع عن أبى نعيم، وأخرجه مسلم في الطهارة عن زهير بن حرب وعمر والناقد وأبو داود فيه عن قتيبة ومحمد ابن أحمد بن أبى خلف، وعند النسائي فيه عن قتيبة وعند ابن ماجه فيه عن محمد ابن الصباح.
وأما حديث " دع ما يريبك إلى مالا يريبك " فقد أخرجه أحمد في مسنده عن أنس، والنسائي عن الحسن بن على الطبراني عن وابصة بن معبد
стр. 2082
والخطيب البغدادي عن ابن عمر وأخرج بن قانع في معجمه عن الحسن بن على مرفوعا " دع ما يريبك إلى مالا يريبك فإن الصدق ينجى " وأخرج أحمد في مسنده والترمذي وابن حبان عن الحسن بن على مرفوعا " دع ما يريبك إلى مالا يريبك فان الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة " وقال في النهاية " يريبك " يروى بالفتح وضمها قال المناوى: وفتحها أكثر.
وأما حديث عبد الرحمن بن عوف فقد رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وقد أخرجه مسلم عن أبى سعيد الخدرى، ورواه البخاري عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مسعود بنحوه، أما الشك فإنه التجويز المرجوح والظن
هو التجويز الراجح، والوهم هو تردد الخاطر بين الظن والشك، وأما اليقين فهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع فهذه هي مراتب العلم وما يعتورها من حديث النفس أما الاحكام: فإذا شك الرجل هل طلق إمرأته أم لا لم يلزمه الطلاق وهو إجماع، لان الاصل بقاء النكاح وعدم الطلاق.
قال الشافعي رضى الله عنه: والورع والاحتياط أن يحدث نفسه.
فان كان يعرف من عادته أنه إذا طلق إمرأته طلق واحدة أو اثنتين راجعها.
وإن كان يعرف من عادته أنه يطلق الثلاث طلقها ثلاثا لتحل لغيره بيقين، وان تيقن أنه طلق إمرأته وشك هل طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا؟ لم يلزمه إلا الاقل، والورع أن يلتزم الاكثر وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وأحمد بن حنبل وقال مالك وأبو يوسف: يلزمه الاكثر.
دليلنا: أن ما زاد على القدر الذى يتيقنه طلاق مشكوك فيه فلم يلزمه، كما لو شك في أصل الطلاق، (مسألة) إذا كان تحته زوجتان فطلق إحداهما وجهلها نظرت، فان طلق إحداهما بعينها ثم نسيها، أو رأى شخصها في كلة (١) أو سمع كلامها فقال لها: أنت طالق ولم يدر أيتهما هي فانه يتوقف عن وطئهما حتى يتبين عين المطلقة منهما لانه قد تحقق التحريم في إحداهما فلم يحل له وطؤ واحدة منهما قبل البيان كما لو اختلطت إمرأته بأجنبية فلم يعرفها، ويرجع في البيان إليه لانه هو المطلق،
стр. 2083
فكان أعرف بعين من طلقها، وليس البيان إلى شهوته وهو أن يعين الطلاق فيمن يشتهى منها، وإنما يرجع إلى نفسه ويتذكر من التى طلقها منهما، ويستدل على ذلك من نفسه، فيخبر عنها، ويؤخذ بنفقتهما لانهما محبوستان عليه.
فان
قال: طلقت هذه حكم عليها بالطلاق من حين طلق، ويكون ابتداء عدتها من ذلك الوقت، لا من حين عين، لانه أخبر عن عين المطلقة منهما وقت طلاقه فان كذبته المعينة لم يفد تكذيبها له، وإن كذبته الاخرى وادعت أنها هي المطلقة حلف لها، لان الاصل عدم طلاقها، وان أقر أن التى طلقها هي الثانية بعد الاولة حكم بطلاقهما بإقراره، فإن قال: طلقت هذه، لا: بل هذه طلقتا جميعا في الحكم لانه أقر بطلاق الاوله فقبل ثم رجع عن ذلك وأخبر بطلاق الثانية فلزمه حكم اقراره الثاني ولم يقبل رجوعه عن طلاق الاوله.
وان قال: لم أطلق هذه - قال الشيخ أبو حامد: - حكم عليه بطلاق الاخرى لانا قد تيقنا أنه طلق احداهما، فإذا قال: لم أطلق هذه، كان اعترافا منه بأن التى طلقها هي الاخرى.
(فرع)
وان كن ثلاث زوجات فطلق واحدة بعينها وأشكلت فقال: طلقت هذه، لا: بل هذه، أو طلقت هذه، بل هذه هذه، طلقن جميعا، لانه أقر بطلاق الاوله ثم رجع عن طلاقها وأقر بطلاق الثانية ثم رجع عن طلاقها وأقر بطلاق الثالثة فلزمه حكم اقراره، ولم يقبل رجوعه كما لو قال: على درهم بل دينار بل ثوب.
وان قال: طلقت هذه بل هذه أو هذه، طلقت الاوله وواحدة من الاخريين ولزمه أن يعين الطلاق في احدى الاخريين، وان قال: طلقت هذه أو هذه لا بل هذه طلقت الثالثة واحدى الاولتين، ويلزمه التعيين في احدى الاولتين.
وان قال طلقت هذه وهذه أو هذه طلقت الاولتان أو الثالثة، ولزمه البيان.
وان قال: هذه أو هذه وهذه، طلقت الاوله أو الاخريان ويلزمه البيان.
وقال أبو العباس بن سريج: تطلق الثالثه.
واحدى الاولتين لانه عدل عن لفظ الشك إلى واو العطف، فينبغي أن لا تشاركها في الشك فتكون معطوفة
стр. 2084
على الجملة، وإن كن أربعا فقال طلقت هذه أو هذه بل هذه أو هذه طلقت إحدى الاولتين وإحدى الاخرتين وأخذ ببيانهما.
وان قال: هذه ثم قال بعد ذلك: لا أدرى أن التى عينتها هي المطلقة أو غيرها لزمه الطلاق في التى عينها ووقف عن وطئ الباقيات إلى أن يبين أن التى طلقها هي التى عين أو غيرها وان قال: التى عينتها ليست المطلقة لم يقبل رجوعه عن طلاقه ولزمه أن يعين واحدة من الباقيات للطلاق، لان هذا يضمن الاقرار بأن واحدة من الباقيات مطلقة فلزمه بيانها، وان وطئ احداهن لم يكن ذلك تعيينا للطلاق في عين الموطوءة، لان الطلاق لا يقع بالفعل فكذلك لا يقع بالفعل ويؤخذ بالبيان، فان عين الطلاق في عين الموطوءة علمنا أنه انما وطئ زوجته، وان عين الطلاق في الموطوءة، وجب عليه لها مهر المثل للوطئ بعد الطلاق لانه وطئ شبهة، وأما إذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها بأن قال: احداكن طالق ولم يعين بقلبه واحدة بعينها منهن وقع الطلاق على واحدة منهن لا بعينها، لان الطلاق يقع مع الجهاله.
وقال مالك: يقع على جميعهن: دليلنا أنه أضاف الطلاق إلى واحدة فلم يقع على الجماعة كما لو عينها.
إذا ثبت هذا: فإنه يوقف عن وطئهن حتى يعين المطلقة منهن لانا نتحفق التحريم في واحدة منهن لا بعينها، فوقف عن وطئهن كما لو طلق واحدة بعينها وأنسيها ويوجد تعيين المطلقة منهن لتتميز المطلقة من غير المطلقة وله أن يعين الطلاق فيمن اشتهى منهن لانه أوقع الطلاق على واحدة لا بعينها فكان له التعيين فيمن اختار بخلاف الاولة، فإنه أوقع الطلاق على واحدة بعينها، وانما أشكلت فكذلك قلنا: لا بعينها فيمن اشتهى منهن.
إذا ثبت هذا: فإن قال: طلقت هذه تعين فيها الطلاق، وان قال: هذه التى لم أطلقها وكانتا اثنتين طلقت الاولة، فإن ذلك اخبار منه عمن طلقها بعينها، فإذا أخبر بطلاق واحدة ثم رجع عنها إلى الثانيه لزمه حكم اقراره في الثانيه، ولم يقبل رجوعه عن الاوله، وان وطئ احداهما، فهل يكون وطوءه لها بيانا لامساكها واختيار الطلاق في الاخرى إذا كانتا اثنتين؟ فيه وجهان.
стр. 2085
(أحدهما)
لا يكون تعيينا لانه وطئ فلم تتعين به المطلقة، كما لو طلق واحدة بعينها وجهلهما أو أنسيها.
(والثانى)
يكون تعيينا وهو الاصح، لان هذا اختيار شهرة فوقع بالوطئ كما لو وطئ البائع الجارية المبيعة في حال الخيار.
وقال أحمد بن حنبل: لا تتعين المطلقة بالقول ولا بالوطئ، وإنما تتعين بالقرعة.
دليلنا أن القرعة لا مدخل لها في الزوجات في أصل الشرع.
إذا ثبت هذا: وعين الطلاق في واحدة فمتى وقع عليها الطلاق؟ فيه وجهان
(أحدهما)
أنه يقع عليها من حين ايقاعه لان الطلاق لا يجوز أن يكون في الذمة وانما لم يتعين، فإذا عينها تبينا أن الطلاق وقع من حين الايقاع، فعلى هذا يكون ابتداء عدتها من ذلك الوقت
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنه وقع عليها من حين التعيين، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
لان الطلاق لم يوقعه على واحدة منهن، بدليل أن له أن يختار التعيين.
فعلى هذا يكون ابتداء عدتها من وقت التعيين.
وحكى عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قال: وقع الطلاق من حين الايقاع، الا أن العدة من وقت التعيين، كما نقول فيمن نكح امرأة نكاحا فاسدا ووطئها (فرع)
إذا كان له زوجات فقال: زوجتى طالق ولم يعين واحدة بقلبه وقع
الطلاق على واحدة منهن لا بعينها وبه قال عامة العلماء، وقال أحمد: يقع الطلاق على جميعهن، وحكى ذلك عن ابن عباس.
دليلنا أنه أوقع الطلاق على واحدة فلا يقع على جميعهن، كما لو قال: احدى نسائى طالق.
إذا ثبت هذا: فانه يرجع في البيان إليه على ما سبق أن قررنا أما معرفة وارت الزوج لاحدى الزوجتين، واخبار الوارت عن الموروت فسنتناول ذلك في الفصل بعده ان شاء الله خشية التكرار.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان طالق احدى زوجتيه ثم مات احداهما ثم مات الزوج قبل البيان عزل من تركة الميتة قبله ميرات زوج لجواز أن تكون هي الزوجة،
стр. 2086
ويعزل من تركة الزوج ميراث زوجة لجواز أن تكون الباقية زوجة، فإن قال وارت الزوج: الميتة قبله مطلقه فلا ميراث لى منها والباقيه زوجه فلها الميراث معى، قبل لانه اقرار على نفسه بما يضره.
فإن قال الميتة هي الزوجه فلى الميرات من تركتها، والباقيه هي المطلقة فلا ميرات لها معى - فان صدق على ذلك - حمل الامر على ما قال، فان كذب بأن قال وارت الميته انها هي المطلقة فلا ميرات لك منها، وقالت الباقيه: أنا الزوجه فلى معك الميرات، ففيه قولان
(أحدهما)
يرجع إلى بيان الوارت فيحلف لورثة الميته أنه لا يعلم أنه طلقها ويستحق من تركتها ميرات الزوج، ويحلف للباقيه أنه طلقها ويسقط ميراثها من الزوج
(والثانى)
لا يرجع إلى بيان الوارت، فيجعل ما عزل من ميرات الميته موقافا حتى يصطلح عليه وارث الزوج ووارت الزوجه، وما عزل من ميرات الزوج موقوفا حتى تصطلح عليه الباقيه ووارت الزوج.
(فصل)
وان كانت له زوجتان حفصة وعمرة فقال: يا حفصه ان كان أول ولد تلدينه ذكرا فعمرة طالق، وان كان أنثى فأنت طالق، فولدت ذكرا وأنثى واحدا بعد واحد وأشكل المتقدم منهما، طلقت احداهما بعينها، وحكمها حكم من طلق احدى المرأتين بعينها ثم أشكلت عليه، وقد بيناه (الشرح) الاحكام: إذا طلق احدى امرأتيه ثلاثا وجهلها أو نسيها أو طلق احداهما لا بعينها وماتت احداهما قبل التعيين لم يتعين الطلاق في الاخرى، بل له أن يعين الطلاق في احداهما بعد الموت.
وقال أبو حنيفة يتعين الطلاق في الباقيه.
دليلنا أنه يملك تعيين الطلاق قبل موتها فملك بعده كما لو كانتا باقيتين.
إذا ثبت هذا فإنه يوقف له من مال الميتة منهما ميرات، وهو النصف مع عدم الولد وولد الولد.
أو الربع مع وجود الولد أو ولد الولد، لانا نعلم أن احداهما زوجته يرث منها، والاخرى أجنبيه لا يرت منها فلم يجز أن يدفع إلى ورثة كل واحدة منهما الا ما يتيقن أنهم يستحقونه، ونحن لا نعلم أنهم يستحقون
стр. 2087
قدر ميرات الزوج منها فوقف، فيقال له.
بين المطلقة منهما، فإن كان قد طلق واحدة منهما بعينها ثم جهلها أو نسيها ثم قال: التى كنت طلقتها فلانة وهى الميتة دفع ما عزل من تركة الميتة إلى باقى ورثتها.
وإن قال التى طلقتها هي الثانية دفع إليه ما عزل له من تركة الميتة، وإن ماتتا قبل التعيين عزل من تركة كل واحدة منهما ميرات زوج.
ثم يقال له: عين المطلقة منهما، فإن قال: التى طلقتها فلانة دفع ما عزل له من تركتها إلى باقى ورثتها لانه أقر أنه لا يرثها ودفع إليه ما عزل إليه من تركة الاخرى، لانه أخبر أنها زوجته فإن كذبه ورثتها وقالوا بل هي التى كنت طلقت فالقول قوله مع يمينه لان الاصل
بقاء نكاحها وعدم طلاقه لها إلى الموت.
فإن حلف فلا كلام، وان نكل عن اليمين فحلف ورثتها أنها هي التى طلقها سقط ميراثه عن الاولة بإقراره، وعن الثانية بنكوله وأيمان ورثتها.
وإن كان قد طلق إحداهما لا بعينها فعين الطلاق في إحداهما دفع ما عزل له من تركة المعينة للطلاق إلى باقى ورثتها ودفع ما عزل له من تركة الاخرى إلى الزوج، فان كذبه ورثتها فلا يمين على الزوج، لان هذا اختيار شهوة هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي: إذا طلق إحداهما لا بعينها فهل له أن يعينها بعد الموت؟ فيه وجهان، بناء على أن الطلاق يقع من وقت التعيين أو من وقت الايقاع.
فان قلنا وقت الايقاع كان له، وان قلنا يقع وقت التعيين لم يكن له.
فان مات الزوج وهما باقيتان قبل أن يعين الطلاق في إحداهما - فان قال وارت الزوج: لا أعلم المطلقة منهما - وقف من مال الزوج ميرات زوجه وهو الربع مع عدم الولد وولد الولد، والثمن مع وجود أحدهما لا يتيقن أن إحداهما وارثته بيقين، فلا يدفع إلى باقى ورثته الا ما يتيقن استحقاقهم له، ويوقف ذلك بين الزوجين إلى أن يصطلحا عليه.
وإن قال وارت الزوج.
أنا أعرف المطلقة منهما، فهل يرجع إلى بيانه؟ فيه قولان.
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: هما وجهان
(أحدهما)
يرجع إلى بيان الوارت لانه يقوم مقام الزوج في الملك والرد بالعيب.
وفى استحقاق
стр. 2088
النسب بالاقرار، فقام مقامه في تعيين المطلقة.
فعلى هذا إذا قال: المطلقة فلانة دفع ما عزل من تركة الزوج إلى الآخر، وان كذبته المطلقة حلف لها.
(والثانى)
لا يقوم مقامه، لان في ذلك إسقاط حق وارث معه في الظاهر
بقوله.
واختلف أصحابنا في موضع القولين، فقال أبو إسحاق: القولان فيمن طلق إحداهما بعينها وفيمن طلق إحداهما لا بعينها.
ومنهم من قال القولان فيمن طلق احداهما بعينها ثم جهلها أو نسيها.
فأما إذا طلق احداهما لا بعينها لا يقوم مقام المورث قولا واحدا، لانه يمكنه التوصل إلى العلم بالمطلقة منهما إذا وقع الطلاق بواحدة بعينها بسماع من الزوج، فإذا طلق واحدة منهما لا بعينها، فتعيين المطلقة إلى شهوة الزوج فلا يقوم وارثه مقامه كما لو أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه، فمات قبل أن يختار - فان كانت بحالها وماتت واحدة منهما ثم مات الزوج قبل البيان وبقيت الاخرى عزل من تركة الزوج ميرات زوجة لجواز أن تكون الباقية زوجته، وعزل من تركة الميتة قبله ميراث زوج لجواز أن تكون الميتة هي زوجته فان قال وارث الزوج الميتة قبل الزوج هي المطلقة، قبل قوله، لان في ذلك إضرارا عليه من جهة أنه لا يرت من الميته وترت معه الباقيه وان قال بل الميتة قبل الزوج هي الزوجه والباقيه هي المطلقة، فان صدقته الباقية وورث الاولة ورت ميرات الزوج من الاولة ولم ترت معه الباقيه، وان كذبته فهل يقبل قول الوارت؟ فيه قولان وقد مضى توجيههما، والذى يقتضى المذهب أن يكون في موضع وجهان فإذا قلنا لا يقبل قول وارت الزوج كان ما عزل من تركة الميت قبل الزوج موقوفا حتى يصطلح عليه وارت الزوج والزوجه الباقيه.
فإذا قلنا يقوم مقام الزوج، فان كان الزوج قد أوقع الطلاق في إحداهما بعينها ثم نسيها أو جهلها، فان وارت الزوج يحلف لورثة الميته ما يعلم أنه طلقها لانه يحلف على نفى فعل غيره على القطع.
وان كان الزوج طلق احداهما لا بعينها، وقلنا يقبل قول وارت الزوج فيها،
فلا يمين على وارث الزوج، كما لا يمين على الزوج في ذلك
стр. 2089
وجملة ما تقدم أنه قد نص أحمد بن حنبل أنه إذا طلق واحدة من نسائه وأنسيها أخرجت بالقرعة فإن مات قبل ذلك أقرع الورثة وكان الميراث للبواقي وقال أبو حنيفة: يقسم الميراث بينهن كلهن لانهن تساوين في احتمال استحقاقه ولا يخرج الحق عنهن.
وقال الشافعي: يوقف الميراث المختص بهن حتى يصطلحن عليه لانه لا يعلم المستحق منهن، وذلك نص أحمد على أنه إذا كان له أربع نسوة فطلق إحداهن ثم نكح أخرى بعد قضاء عدتها ثم مات ولم يعلم أيتهن طلق فللتى تزوجها ربع ميراث النسوة.
وقال ابن قدامة: ثم يقرع بين الاربع فأيتهن خرجت قرعتها خرجت وورث الباقيات.
نص عليه أحمد.
وذهب الشعبى والنخعي وعطاء الخراساني وأبو حنيفة إلى أن الباقي بين الاربع.
وزعم أبو عبيد أنه قول أهل الحجاز وأهل العراق جميعا، وقال الشافعي: يوقف الباقي بينهن حتى يصطلحن ووجه الاقوال ما تقدم.
وقال أحمد في رواية بن منصور في رجل له أربع نسوة طلق واحدة منهن ثلاثا وواحدة اثنتين وواحدة واحدة ومات على أثر ذلك ولا يدرى أيتهن طلق ثلاثا وأيتهن طلق اثنتين وأيتهن واحدة يقرع بينهن، فالتى أبانها تحرج ولا ميراث لها.
هذا فيما إذا مات في عدتهن وكان طلاقه في صحته فإنه لا يحرم الميراث الا المطلقة ثلاثا، فالباقيتان رجعيتان يرثنه في العدة ويرثهن من انقضت عدتها منهن لم ترثه ولم يرثها، ولو كان طلاقه في مرضه الذى مات فيه لورثه الجميع في العدة.*
*
*
(مسألة) ان كانت له زوجتان فقال: يا حفصة ان كان أول ولد تلدينه ذكرا فعمرة طالق، وان كان أنثى فأنت طالق، فان ولدت ذكرا وأنثى أحدهما بعد الآخر وأشكل المقدم منهما علمنا أن إحداهما قد طلقت بعينها وهى مجهولة، فيرجع إلى بيانه، كما لو أشرعت إحداهما من موضع فقال: هذه طالق ولم يعرفها فإنه يرجع إلى بيانه، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
стр. 2090
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن قال: إن كان هذا الطائر غرابا فنسائي طوالق، وإن لم يكن غرابا فإمائى حرائر، ثم قال: كان هذا الطائر غرابا طلقت النساء، فان كذبه الاماء حلف لهن، فان حلف ثبت رقهن، وإن نكل ردت اليمين عليهن، فان حلفن ثبت طلاق النساء بإقراره وعتق الاماء بنكوله ويمينهن، فإن صدقنه ولم يطلبن إحلافه ففيه وجهان
(أحدهما)
يحلف لما في العتق من حق الله
(والثانى)
لا يحلف لانه لما أسقط العتق بتصديقهن سقط اليمين بترك مطالبتهن.
وإن قال كان هذا الطائر غير غراب عتق الاماء، فإن كذبته النساء حلف لهن وإن نكل عن اليمين ردت عليهن، فإن حلفن ثبت عتق الاماء بإقراره وطلاق النساء بيمينهن ونكوله.
(فصل)
وان رأى طائرا فقال: ان كان هذا الطائر غرابا فنسائي طوالق وإن كان حماما فإمائى حرائر ولم يعرف لم تطلق النساء ولم تعتق الاماء، لجواز أن يكون الطائر غيرهما، والاصل بقاء الملك والزوجية فلا يزال بالشك وإن قال: ان كان هذا غرابا فنسائي طوالق، وان كان غير غراب فإمائى حرائر: ولم يعرف منع من التصرف في الاماء والنساء، لانه تحقق زوال الملك في أحدهما،
فصار كما لو طلق إحدى المرأتين ثم أشكلت ويؤخذ بنفقة الجميع إلى أن يعين، لان الجميع في حبسه ويرجع في البيان إليه لانه يرجع إليه في أصل الطلاق والعنق فكذلك في تعيينه، فإن امتنع من التعيين مع العلم به حبس حتى يعين وان لم يعلم لم يحبس ووقف الامر إلى أن يتبين، وان مات قبل البيان فهل يرجع إلى الورثة فيه وجهان
(أحدهما)
يرجع إليهم لانهم قائمون مقامه
(والثانى)
لا يرجع لانهم لا يملكون الطلاق فلم يرجع إليهم في البيان، ومتى تعذر البيان أقرع بين النساء والاماء، فان خرجت القرعة على الاماء عتقن وبقى النساء على الزوجية، وان خرجت القرعه على النساء رق الاماء ولم تطلق النساء.
وقال أبو ثور: تطلق النساء بالقرعة كما تعتق الاماء.
وهذا خطأ لان القرعة
стр. 2091
لها مدخل في العتق دون الطلاق، ولهذا لو طلق إحدى نسائه لم تطلق بالقرعة.
ولو أعتق أحد عبيده عتق بالقرعة، فدخلت القرعة في العتق دون الطلاق كما يدخل الشاهد والمرأتان في السرقة لاثبات المال دون القطع، ويثبت للنساء الميراث لانه لم يثبت بالقرعة ما يسقط الارث.
(فصل)
وإن طار طائر فقال رجل: إن كان هذا الطائر غرابا فعبدي حر وقال الآخر: إن لم يكن غرابا فعبدي حر ولم يعرف الطائر لم يعتق واحد من العبدين، لانا نشك في عتق كل واحد منهما، ولا يزال يقين الملك بالشك، وإن اشترى أحد الرجلين عبد الآخر عتق عليه، لان إمساكه للعبد إقرار بحرية عبد الآخر، فإذا ملكه عتق عليه، كما لو شهد بعتق عبد ثم اشتراه.
(الشرح) إن رأى رجلا طائرا فقال: إن كان هذا الطائر غرابا فنسائي طوالق، وان كان غير غراب فإمائى حرائر، فطار الطائر ولم يعرف هل هو غراب أو غير غراب، فقد علم أنه حنث في الطلاق أو العتق، لانه لا يخلو إما
أن يكون غرابا أو غير غراب، فيوقف عن وطئ الجميع وعن التصرف في الاماء لانا نتحقق التحريم إما في الزوجات وإما في الاماء.
وإن جهلنا عين المحرم منهما فوقف عن الجميع تغليبا للتحريم، ويؤخذ بالبيان لانه هو الحالف، ويجوز ان يكون عنده علم، فإن أقر أن عنده علما وامتنع عن البيان حبس وعزر إلى أن يتبين، وعليه نفقة الجميع إلى ان يتبين لانهن في حبسه فإن قال كان الطائر غرابا طلقت النساء، سواء صدقته أو كذبنه، فإن صدقته الاماء على أنه كان غرابا فلا يمين عليه، وان قلن ما كان غرابا فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل بقاء الملك عليهن، فإن طلبن يمينه فحلف لهن لم يعتقن، وإن كذبنه ولم يطلبن إحلافه ففيه وحهان
(أحدهما)
يحلفه الحاكم كما في العتق لانه حق الله تعالى
(والثانى)
لا يحلفه لان العتق سقط بتصديقهن أن الطائر كان غرابا فسقطت يمينه بتركه مطالبتهن، وإن نكل فحلفن عتقن بأيمانهن ونكوله وطلقت النساء
стр. 2092
بإقراره السابق.
وان قال ابتداء كان الطائر غير غراب، عتقت الاماء صدقنه أو كذبنه، فان صدقته النساء أنه لم يكن غرابا فلا كلام.
وان قالت النساء كان غرابا فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل بقاء النكاح، فان حلف بقين على الزوجية.
وان نكل فحلفن طلقن بنكوله وأيمانهن.
وعتقت الاماء بإقراره.
وان قال لا أعلم هل كان غرابا أو غير غراب، فان صدقته النساء والاماء أنه لا يعلم بقين على الوقف.
وان كذبنه وقلن بل هو يعلم حلف لهن أنه لا يعلم وبقين على الوقف.
وان نكل عن اليمين حلف من ادعى منهن أنه يعلم أنه حنث في يمينه فيه، وكان كما لو أقر فإن مات قبل البيان فهل يرجع إلى الورثة؟ فيه وجهان حكاهما الشيخ
المصنف وابن الصباغ في الشامل، ونبه أن يكونا مأخوذين من القولين في التى قبلها
(أحدهما)
يرجع إليهم في البيان، لان الورثة يقومون مقامه في الملك والرد بالعيب، فكذلك في بيان المطلقات والمعتقات
(والثانى)
لا يرجع إليهم في البيان لان ذلك يؤدى إلى اسقاط بعض الورثة لقول البعض.
وعندي أن الوجهين انما هما إذا قال الورثة كان الطائر غرابا ليطلق النساء ولا يعتق الاماء.
فأما إذا كان الطائر غير غراب فانه يقبل قوله وجها واحدا، لانه أقر بما فيه تغليظ عليه من جهتين
(أحدهما)
أن الاماء تعتق عليه (والثانيه) أن الزوجات يرثن معه.
إذا ثبت هذا فان قال الوارث: لا أعلم هل كان غرابا أو غير غراب، أو قال الوارث: كان الطائر غرابا ولم تصدقه النساء والاماء، وقلنا لا يقبل قوله فانه يقرع بين النساء والاماء لتمييز العتق لا لتمييز الطلاق، فيجعل الزوجات جزءا والاماء جزءا ويضرب عليهن بسهم حنث وسهم بر، فان خرج سهم الحنث على الاماء عتقن ولم تطلق النساء، وان خرج سهم الحنث على النساء لم يطلقن ولا تعتق الاماء.
وقال أبو ثور: تطلق النساء كما تعتق الاماء.
وهذا خطأ عندنا، كما هو منصوص في الام.
وعلى ذلك الاصحاب كافة، لان الاصل عندنا أن القرعة
стр. 2093
لا مدخل لها في الطلاق، ولهذا لو طلق إحدى امرأتيه ولم يقبل أن يعين المطلقة منهما لم يقرع بينهما.
ولو أعتق عبديه في مرض موته ولم يحتملهما الثلث أقرع بينهما، فإن خرجت قرعة الحنث على الاماء حكم بعتقهن من رأس المال إن كان قال ذلك في الصحة.
ومن الثلث إن قاله في المرض الذى مات فيه، ولا يحكم
بطلاق النساء، بل تكون عدتهن بعدة الوفاة.
وتكون للزوجات الميراث إلا أن يكن قد ادعين الطلاق، وكان الطلاق مما لا يرثن معه، ولو ثبت لا يرثن، لانهن أقررن أنهن لسن بوارثات وإن خرجت القرعة حنثا على الزوجات فقد ذكرن أنهن لا يطلق.
قال الشافعي رضى الله في الام في باب الشك واليقين في الطلاق: وإن مات قبل أن يحلف أقرع بينهم، فإن وقعت القرعه على الرقيق عتقوا من رأس المال وإن وقعت على النساء لم نطلقهن بالقرعة ولم نعتق الرقيق وورثه النساء، لان الاصل أنهن أزواج حتى يستيقن بأنه طلقهن، ولم يستيقن، والورع أن يدعن ميراثه، وان كان ذلك وهو مريض وقال في موضع آخر: والورع لهن أن يدعن الميراث، لان الظاهر بخروج الحنث عليهن أنه طلقهن إلا ان القرعة ليس لها مدخل في الطلاق على ما مضى اه وهل تزول الشبهة في ملك الاماء؟ ويكون الملك ثابتا عليهن ظاهرا وباطنا، فخروج قرعة الحنث على النساء فيه وجهان
(أحدهما)
لا تزول الشبهة لان القرعة إنما لم تؤثر في حنث النساء، لانه لا مدخل لها فيهن في أصل الشرع، ولها مدخل في أصل الشرع في العتق، فعلى هذا يكون ملك الورثة ثابتا على الاماء بلا شبهة وعلى الوجهين بصدد تصرف الورثة فيهن بالبيع والاستمتاع وغيره، إلا أن في الاول يصح تصرفه مع الشك وعلى الثاني من غير شك.
(فرع)
وان قال: ان كان هذا الطائر غرابا فنساؤه طوالق، وان كان حماما فإماؤه حرائر فطار ولم يعلم لم يحكم عليه بطلاق ولا عتق لجواز أن لا يكون غرابا ولا حماما.
وان ادعى النساء أنه كان غرابا وادعى الاماء أنه كان حماما ولا بينة حلف أنه ليس بغراب يمينا وأنه ليس بحمام يمينا، لان الاصل بقاء النكاح والملك.
стр. 2094
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا اختلف الزوجان فادعت المرأة على الزوج أنه طلقها وأنكر الزوج فالقول قوله مع يمينه لان الاصل بقاء النكاح وعدم الطلاق، وان اختلفا في عدده فادعت المرأة أنه طلقها ثلاثا.
وقال الزوج طلقتها طلقه، فالقول قول الزوج مع يمينه، لان الاصل عدم ما زاد على طلقه
(فصل)
وإن خيرها ثم اختلفا فقالت المرأة اخترت، وقال الزوج ما اخترت، فالقول قول الزوج مع يمينه، لان الاصل عدم الاختيار وبقاء النكاح، وان اختلفا في النية، فقال الزوج ما نويت وقالت المرأة نويت، ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو قول أبى سعيد الاصطخرى ﵀: ان القول قول الزوج، لان الاصل عدم النية وبقاء النكاح، فصار كما لو اختلفا في الاختيار.
(والثانى)
وهو الصحيح أن القول قول المرأة، والفرق بينه وبين الاختلاف في الاختيار أن الاختيار يمكن إقامة البينه عليه، فكان القول فيه قوله.
كما لو علق طلاقها بدخول الدار فادعت أنها دخلت وأنكر الزوج، والنيه لا يمكن اقامة البينة عليها، فكان القول قولها، كما لو علق الطلاق على حيضها فادعت أنها حاضت وأنكر.
(فصل)
وان قال لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق.
وادعى أنه أراد التأكيد وادعت المرأة أنه أراد الاستئناف، فالقول قوله مع يمينه، لانه أعرف بنيته وان قال الزوج أردت الاستئناف، وقالت المرأة أردت التأكيد فالقول قول الزوج لما ذكرناه ولا يمين عليه، لان اليمين تعرض ليخاف فيرجع، ولو رجع لم يقبل رجوعه، فلم يكن لعرض اليمين معنى
(فصل)
وان قال أنت طالق في الشهر الماضي، وادعى أنه أراد من زوج
غيره في نكاح قبله، وأنكرت المرأة أن يكون قبله نكاح أو طلاق، لم يقبل قول الزوج في الحكم حتى يقيم البينه على النكاح والطلاق، فإن صدقته المرأة على ذلك لكنها أنكرت أنه أراد ذلك فالقول قوله مع يمينه، فإن قال: أردت أنها طالق في الشهر الماضي بطلاق كنت طلقتها في هذا النكاح وكذبته المرأة فالقول قوله
стр. 2095
مع يمينه، والفرق بينه وبين المسألة قبلها أن هناك يريد أن يرفع الطلاق، وههنا لا يرفع الطلاق، وإنما ينقله من حال إلى حال.
(الشرح) وإن ادعت المرأة على زوجها أنه طلقها فأنكر.
أو ادعت أنه طلقها ثلاثا فقال بل طلقتها واحدة أو اثنتين ولا بينة فالقول قول الزوج مع يمينه لقوله ﷺ : البينة على المدعى واليمين على من أنكر " ولان الاصل عدم الطلاق وعدم ما زاد على ما أقر به الزوج، وبه قال أحمد وأصحابه قال في المغنى: وان اختلفا في عدد الطلاق فالقول قوله لما ذكرناه، فإذا طلق ثلاثا وسمعت ذلك وأنكر أو ثبت ذلك عندها بقول عدلين لم يحل لها تمكينه من نفسها، وعليها أن تفر منه ما استطاعت، وتمتنع منه إذا أرادها، وتفتدى منه إن قدرت.
قال أحمد.
لا يسعها أن تقيم معه وتفتدى منه بكل ما يمكن.
وقال جابر بن زيد وحماد بن ابى سليمان وابن سيرين بهذا، وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف وابو عبيد: تفر منه.
وقال مالك لا تتزين له ولا تبدى له شيئا من شعرها ولا زينتها ولا يصيبها إلا وهى مكرهة.
وقال الحسن والزهرى والنخعي: يستحلف ثم يكون الاثم عليه.
(فرع)
وإن خيرها الزوج فقالت قد اخترت وقال ما اخترت.
فالقول قول الزوج، لان الاصل عدم الاختيار، والذى يقتضى المذهب أنه يحلف
ما يعلم أنها اختارت، لانه يحلف على نفى فعل غيره، وان ادعت أنها نوت الطلاق، وقال الزوج ما نويت ففيه وجهان
(أحدهما)
القول قول الزوج مع يمينه، لان الاصل عدم النية
(والثانى)
القول قولها مع يمينها لانهما اختلفا في نيتها ولا يعلم ذلك إلا من جهتها، فقيل قولها مع يمينها: كما لو علق الطلاق على حيضها وإن قال: أنت طالق، أنت طالق، وادعى انه أراد التأكيد، وادعت انه أراد الاستئناف، فالقول قوله مع يمينه، لانه أعلم بإرادته.
وإن قال أردت الاستئناف وقالت بل أردت التأكيد لزمه حكم الاستئناف.
لانه أقر بالطلاق فلزمه ولا يمين عليه، لانه لو رجع لم يقبل رجوعه فلا يعرض اليمين
стр. 2096
قال المصنف ﵀:
باب الرجعة
إذا طلق الحر امرأته بعد الدخول طلقة أو طلقتين، أو طلق العبد امرأته بعد الدخول طلقه، فله أن يراجعها قبل انتهاء العدة، لقوله " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف " والمراد به إذا قاربن أجلهن.
وروى ابن عباس رضى الله عنه عن عُمَرُ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طلق حفصة وراجعها " وروى ان ابن عمر رضى الله عنه طلق امرأته وهى حائض، فقال النبي ﷺ لعمر: من ابنك فليراجعها فإن انقضت العدة لم يملك رجعتها، لقوله " وإذا طلقتم النساء فبلغ أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " فلو ملك رجعتها لما نهى الاولياء عن عضلهن عن النكاح، فإن طلقها قبل الدخول لم يملك الرجعة لقوله عزوجل: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف، فعلت الرجعة
على الاجل، فدل على أنها لا تجوز من غير أجل، والمطلقة قبل الدخول لا عدة عليها لقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن عدة تعتدونها "
(فصل)
ويجوز أن يطلق الرجعية ويلاعنها ويولى منها ويظاهر منها.
لان الزوجية باقية، وهل له أن يخالعها؟ فيه قولان: قال في الام: يجوز لبقاء النكاح.
وقال في الاملاء: لا يجوز لان الخلع للتحريم وهى محرمة، فإن مات أحدهما ورثه الآخر لبقاء الزوجية إلى الموت، ولا يجوز ان يستمتع بها لانها معتدة فلا يجوز وطؤها كالمختلعة، فإن وطئها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها لزمه المهر، لانه وطئ في ملك قد تشعث فصار كوطئ الشبهة.
وان راجعها بعد الوطئ فقد قال في الرجعة: عليه المهر.
وقال في المرقد إذا وطئ امرأته في العدة ثم أسلم أنه لا مهر عليه.
واختلف أصحابنا فيه فنقل ابو سعيد الاصطخرى الجواب في كل واحدة منهما إلى الاخرى وجعلهما
стр. 2097
على قولين
(أحدهما)
يجب المهر لانه وطئ في نكاح قد تشعث
(والثانى)
لا يجب لان بالرجعة والاسلام قد زال التشعث، فصار كما لو لم تطلق ولم يرتد.
وحمل ابو العباس وابو إسحاق المسألتين على ظاهرهما فقالا في الرجعة: يجب المهر، وفى المرتد لا يجب، لان بالاسلام صار كأن لم يرتد، وبالرجعة لا يصين كأن لم تطلق لان ما وقع من الطلاق لم يرتفع، ولان أمر المرتد مراعى، فإذا رجع إلى الاسلام تبينا أن النكاح بحاله، ولهذا لو طلق وقف طلاقه، فإن أسلم حكم بوقوعه، وإن لم يسلم لم يحكم بوقوعه، فاختلف أمرها في المهر بين أن يرجع إلى الاسلام وبين أن لا يرجع، وأمر الرجعية غير مراعى، ولهذا لو طلق لم يقف طلاقه على الرجعة، فلم يختلف أمرها في المهر بين أن يراجع وبين أن لا يراجع
فإذا وطئها وجب عليها العدة لانه كوطئ الشبهة.
ويدخل فيه بقية العدة الاولى لانهما من واحد.
(الشرح) أخرج ابو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله تعالى " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " الآيه.
وذلك ان الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وان طلقها ثلاثا فنسخ ذلك: الطلاق مرتان وفى إسناده على بن الحسين بن واقد وفيه مقال وقال الشافعي رضى الله عنه في قوله تعالى " إن أرادوا إصلاحا " فقال: إصلاح الطلاق الرجعة والله أعلم، فمن أراد الرجعة فهى له لان الله ﵎ جعلها له قال الشافعي: فأيما زوج حر طلق امرأته بعدما يصيبها واحدة أو اثنتين فهو أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها بدلالة كتاب الله ثم سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَإِنْ ركانة طلق امرأته البتة ولم يرد الا واحدة، فردها إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وذلك عندنا في العدة اه وقوله " قد تشعث " مأخوذ من شعث الشعر وبابه تعب أي تغير وتلبد لقلة تعهده بالدهن.
والشعث أيضا الوسخ.
وهو أشعث أغبر، أي من غير استحداد ولا تنظف.
والشعث أيضا الانتشار والتفرق، وفى الدعاء " لم الله شعثكم " أي جمع أمركم.
стр. 2098
إذا ثبت هذا فإذا طلق الرجل المدخول بها ولم يستوف ما يملكه عليها من عدد الطلاق، وكان الطلاق بغير عوض، فله أن يراجعها قبل انقضاء عدتها.
والاصل فيه قوله تعالى " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء - إلى قوله - وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا.
فقوله: بردهن، يعنى برجعتهن.
وقوله " ان أرادوا اصلاحا " أي اصلاح ما تشعب من النكاح بالرجعة
وقوله تعالى " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " فأخبر أن من طلق طلقتين فله الامساك وهو الرجعة وله التسريح وهى الثالثة.
وقوله تعالى " فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف - إلى - لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " والامساك هو الرجعة وقوله " لعله الله يحدث بعد ذلك أمرا " يعنى الرجعة، وقد طلق النبي صلى الله عليه حفصة ثم راجعها، وطلق ابن عمر امرأته وهى حائض فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يراجعها.
وروينا أن ركانة بن عبد يزيد قال: يا رسول الله إنى طلقت امرأتي سهيمة البتة.
والله ما أردت الا واحدة، فقال النبي ﷺ والله ما أردت الا واحدة؟ فقال ركانه ما أردت الا واحدة، فردها النبي ﷺ عليه.
والرد هو الرجعة.
وقد أجمعت الامه على جواز الرجعة في العدة.
إذا ثبت هذا فقد قال الله تعالى في آية " فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن " وقال في آية اخرى " فإذا بلغن اجلهن فلا تعضلوهن ان ينكحن أزواجهن " وحقيقة البلوغ هو الوصول إلى الشئ، إلا ان سياق الكلام يدل على اختلاف البلوغين في الاثنتين، فالمراد بالبلوغ بقوله تعالى " فإذا بلغن اجلهن فأمسكوهن بمعروف " أي إذا قاربن البلوغ، فسمى المقاربة بلوغ مجازا، لانه يقل: إذا قارب الرجل بلوغ بلد بلغ فلان بلد كذا مجازا أو بلغها إذا وصلها حقيقة والمراد بالآية الاخرى " إذا بلغن اجلهن فلا تعضلوهن ان ينكحن ازواجهن " إذا انقضى اجلهن.
وان انقضت عدتها لم تصح الرجعة لقوله تعالى: وبعولتهن احق بردهن في ذلك ان ارادوا اصلاحا.
أي في وقت عدتهن، وهذا ليس بوقت عدتهن.
وقوله تعالى " فإذا بلغن اجلهن فلا تعضلوهن ان ينكحن ازواجهن " فنهى
стр. 2099
الاولياء عن عضلهن عن النكاح، فلو صحت رجعتهن لما نهى الاولياء عن عضلهن عن النكاح.
وإن طلق امرأته قبل الدخول لم يملك الرجعة عليها لقوله تعالى " وبعولتهن أحق بردهن في ذلك " فخص الرجعة بوقت العدة.
ومن لم يدخل بها فلا عدة عليها فلم يملك عليها الرجعة.
(مسألة) وللزوج أن يطلق الرجعية في عدتها ويولى منها ويظاهر.
هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي: هل يصح إيلاؤه من الرجعية؟ فيه وجهان.
وهل له أن يخالعها؟ فيه قولان
(أحدهما)
يصح لبقاء أحكام الزوجية بينهما
(والثانى)
لا يصح لان الخلع للتحريم وهى محرمة عليه.
وإن مات أحدهما قبل انقضاء العدة ورثه الآخر لبقاء أحكام الزوجية بينهما وهذا من أحكامها، ويحرم عليه وطؤها والاستمتاع بها والنظر إليها بشهوة وغير شهوة.
وبه قال عطاء ومالك وأكثر الفقهاء.
وقال ابو حنيفة وأصحابه يجوز له وطؤها.
وعن احمد روايتان إحداهما كقولنا والاخرى كقول ابى حنيفه، دليلنا ما رواه مسلم وغيره أن ابن عمر طلق امرأته وكان طريقه إلى المسجد على مسكنها، فكان يسلك طريقا آخر حتى راجعها، ولانه سبب وقعت به الفرقة فوقع به التحريم كالفسخ والخلع والطلاق قبل الدخول.
فإن خالف ووطئها لم يجب عليهما الحد، سواء علما تحريمه أو لم يعلما، لانه وطئ مختلف في إباحته فلم يجب به الحد، كما لو تزوج امرأة بغير ولى ولا شهود ووطئها.
وأما التعزير - فإن كانا عالمين بتحريمه بأن كانا شافعيين يعتقدان تحريمه عزرا لانهما أتيا محرما مع العلم بتحريمه.
وإن كانا غير عالمين بتحريمه بأن كانا حتفيين أو كانا جاهلين لا يعتقدان تحريمه أو لا يريان تحريمه لم يعزرا.
وإن كان أحدهما عالما بتحريمه والآخر جاهلا بتحريمه عزر العالم بتحريمه دون الجاهل به.
وإن اتت
منه بولد لحقه نسبه بكل حال للشبهة.
وأما مهر المثل فهل يلزمه؟ ينظر فيه فإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها فلها عليه مهر المثل بكل حال.
وكذلك إذا اسلم أحد الحربيين بعد الدخول فوطئها الزوج في عدتها فانقضت عدتها قبل اجتماعهما على الاسلام فلها عليه مهر مثلها
стр. 2100
لهذا الوطئ، لان العدة لما انقضت قبل اجتماعهما على النكاح تبينا أنه وطئ أجنبية منه، فهو كما لو وطئ أجنبية بشبهة، وإن راجعها قبل انقضاء العدة أو اجتمعا على الاسلام قبل انقضاء العدة فقد قال الشافعي: إن للرجعية مهر مثلها وقال في الزوجية: إذا أسلم أحدهما ووطئها قبل انقضاء عدتها وقبل الاسلام ثم أسلم الآخر قبل انقضاء العدة أنه لا مهر لها، وكذا قال في المرتد: إذا وطئ امرأته في العدة ثم أسلم قبل انقضاء العدة لا مهر عليه، واختلف أصحابنا فيه.
فمنهم من قال في الجميع قولان
(أحدهما)
يجب عليه مهر مثله لانه وطئ في نكاح قد تشعث، فهو كما لو لم يراجعها ولم يجتمعا على الاسلام.
(والثانى)
لا يجب عليه، لان الشعث زال بالرجعة والاسلام، ومنهم من حملها على ظاهرها، فإن راجعها في الردة من أحدهما فالصحيح من مذهبنا أنه لا يصح، وبه قال أحمد وأصحابه، لانه استباحة بضع مقصود فلم يصح مع الردة كالنكاح، ولان الرجعة تقرير للنكاح والردة تنافى ذلك فلم يصح اجتماعهما، وقال المازنى ما حاصله: إن قلنا تتعجل الفرقة بالردة لم تصح الرجعة لانها قد بانت بها، وإن قلنا لا تتعجل الفرقة فالرجعة موقوفة إن أسلم المرتد منهما في العدة صحت الرجعة: لاننا تبينا أن الفرقة وقعت قبل الرجعة.
وهذا قول أصحاب احمد واختيار أبى حامد الاسفرايينى من أصحابنا.
وهكذا ينبغى ان يكون فيما إذا راجعها
بعد إسلام أحدهما.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وتصح الرجعة من غير رضاها لقوله " وبعولتهن أحق بردهن في ذلك " ولا تصح الرجعة إلا بالقول، فإن وطئها لم يكن ذلك رجعه لاستباحة بضع مقصود يصح بالقول، فلم يصح بالفعل مع القدرة على القول كالنكاح وإن قال: راجعتك أو ارتجعتك صح، لانه وردت به السنه، وهو قوله ﷺ " مر ابنك فليراجعها " فان قال رددتك صح.
لانه ورد به القرآن وهو قوله " وبعولتهن أحق بردهن في ذلك "
стр. 2101
وإن قال أمسكتك ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو قول ابى سعيد الاصطخرى انه يصح لانه ورد به القرآن، وهو قوله " فأمسكوهن بمعروف "
(والثانى)
انه لا يصح، لان الرجعة رد، والامساك يستعمل في البقاء والاستدامة دون الرد.
وإن قال تزوجتك أو نكحتك ففيه وجهان
(أحدهما)
يصح لانه إذا صح به النكاح وهو ابتداء الاباحة فلان تصح به الرجعة وهو إصلاح ما تشعث منه أولى
(والثانى)
لا يصح لانه صريح في النكاح، ولا يجوز أن يكون صريحا في حكم آخر من النكاح، كالطلاق لما كان صريحا في الطلاق لم يجز أن يكون صريحا في الظهار.
وإن قال راجعتك للمحبه وقال أردت به مراجعتك لمحبتي لك صح.
وان قال راجعتك لهوانك وقال أردت به أنى راجعتك لاهينك بالرجعة صح، لانه أتى بلفظ الرجعة وبين سبب الرجعة وإن قال لم أرد الرجعة وانما أردت أنى كنت احبك قبل النكاح، أو كنت أهينك قبل النكاح فرددتك بالرجعة إلى المحبه التى كانت قبل النكاح: أو الاهانة التى كانت قبل النكاح، قبل قوله لانه يحتمل ما يدعيه.
(الشرح) تصح الرجعة من غير ولى وبغير رضاها وبغير عوض لقوله تعالى " وبعولتهن أحق بردهن في ذلك " فجعل الزوج احق بردها، فلو افتقر إلى رضاها لكان الحق لهما، ولا تصح الرجعة الا بالقول من القادر عليه.
أو بالاشارة من الاخرس.
فأما إذا وطئها أو قبلها أو لمسها فلا يكون ذلك رجعه، سواء نوى به الرجعة أو لم ينو.
وبه قال ابو قلابة وابو ثور، وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري وابن سيرين والاوزاعي وابن ابى ليلى وابو حنيفة واصحابه وبعض اصحاب احمد: تصح الرجعة بالوطئ، سواء نوى به الرجعة أو لم ينو وقال ابو حنيفة: إذا قبلها بشهوة أو لمسها أو نظر إلى فرجها بشهوة وقعت به الرجعة، وقال مالك وإسحاق: إذا وطئها ونوى به الرجعة كان رجعه.
وان لم ينو به الرجعة لم يكن رجعه، دليلنا انها جاريه إلى بينونه فلم يصح امساكها بالوطئ كما لو أسلم احد الحربيين وجرت إلى بينونه فلم يصح امساكها بالوطئ، ولان
стр. 2102
استباحة بضع مقصود يصح بالقول فلم يصح بالفعل مع القدرة على القول كالنكاح فقولنا بضع مقصود، احتراز ممن باع جارية ووطئها في مدة الخيار.
وقولنا يصح بالقول احتراز من السبى، فإنه لا يصح بالقول وإنما يصح بالفعل وقولنا ممن يقدر عليه احتراز ممن يكون أخرس إذا ثبت هذا وقال رددتك صح، لقوله ﷺ لعمر " مر ابنك فليراجعها " وهل من شرطه أن يقول إلى النكاح؟ فيه وجهان حكاهما المسعودي المشهور أن ذلك ليس بشرط، وانما هو تأكيد وإن قال أمسكتك - قال الشيخ ابو حامد: - فهل ذلك صريح في الرجعة أو كناية؟ فيه وجهان، وحكاهما القاضى ابو الطيب قولين
(أحدهما)
انه صريح
في الرجعة، لان القرآن ورد به، وهو قوله تعالى " فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف " وأراد به الرجعة
(والثانى)
انه ليس بصريح إنما هو كناية لانه استباحة بضع مقصود في عينه فلم يصح الا بلفظتين كالنكاح.
وأما المصنف فقد جعل صحة الرجعة به على وجهين ولم يذكر الصريح ولا الكناية وإن قال تزوجتك أو نكحتك أو عقد عليها النكاح فهل يصح؟ فيه وجهان:
(أحدهما)
لا يصح لان عقد الرجعة لا يصح بالكنايه والنكاح كنايه.
ولان النكاح لا يعرى عن عوض والرجعة لا تتضمن عوضا فلم ينعقد أحدهما بلفظ الآخر كالهبة لا تنعقد بلفظ البيع.
(والثانى)
يصح، لان لفظ النكاح والتزويج آكد من الرجعة لانه تستباح به الأجنبية، فإذا استباح بضعها بلفظ الرجعة ففى لفظ النكاح والتزويج أولى.
بيد اننى رأيت ان الرجعة اسم اشتهر بين اهل العرف كاشتهار اسم الطلاق فيه، فانهم يسمونها رجعة والمرأة رجعيه، ويتخرج ان يكون لفظها هو الصريح وحده والله أعلم (فرع)
فان قال راجعتك أمس كان إقرارا برجعتها وهو يملك الرجعة قبل إقراره فيها.
وان قال راجعتك للمحبه أو للاهانة سئل عن ذلك.
فإن قال أردت بقولى للمحبة لانى كنت أحبها في النكاح فراجعتها إلى النكاح لاردها إلى تلك المحبة، أو كنت أهينها في النكاح فراجعتها إلى النكاح والى تلك الاهانة أو ألحقتها
стр. 2103
بالطلاق إهانه فراجعتها إلى النكاح لارفع عنها تلك الاهانة، صحت الرجعة لانه قد راجعها وبين العلة التى راجعها لاجلها.
وإن قال لم أرد الرجعة إلى النكاح وانما أردت أنى كنت أحبها قبل النكاح فلما نكحتها بغضتها فرددتها بالطلاق إلى تلك المحبه قبل النكاح، أو كنت أهينها
قبل النكاح فلما نكحتها زالت تلك الاهانة، فرددتها بالطلاق إلى تلك الاهانة، لم تصح الرجعة، لانه اخبر انه لم يردها إلى النكاح، وانما المعنى الذى لاجله طلقها، وان ماتت قبل ان يبين حكم بصحة الرجعة لانه يحتمل الامرين، والظاهر أنه اراد الرجعة إلى النكاح لاجل المحبه أو لاجل الاهانة، وهذا هو مذهب احمد بن حنبل رضى الله عنه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وهل يجب الاشهاد عليها؟ فيه قولان
(أحدهما)
يجب لقوله " فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوى عدل منكم " ولانه استباحة بضع مقصود فلم يصح من غير اشهاد كالنكاح
(والثانى)
انه مستحب لانه لا يفتقر إلى الولى فلم يفتقر إلى الاشهاد كالبيع
(فصل)
ولا يجوز تعليقها على شرط، فإن قال راجعتك ان شئت فقالت شئت لم يصح، لانه استباحة بضع فلم يصح تعليقه على شرط كالنكاح، ولا يصح في حال الردة.
وقال المزني: انه موقوف فإن أسلمت صح، كما يقف الطلاق والنكاح على الاسلام.
وهذا خطأ لانه استباحة بضع فلم يصح الردة كالنكاح، ويخالف الطلاق، فإنه يجوز تعليقه على الشرط، والرجعه لا يصح تعليقها على الشرط وأما النكاح فانه يقف فسخه على الاسلام وأما عقده فلا يقف والرجعه كالعقد فيجب أن لا تقف على الاسلام
(فصل)
وان اختلف الزوجان فقال الزوج: راجعتك وأنكرت المرأة فان كان ذلك قبل انقضاء العدة فالقول قول الزوج، لانه يملك الرجعة فقبل اقراره فيها كما يقبل قوله في طلاقها حين ملك الطلاق، وان كان بعد انقضاء العدة
стр. 2104
فالقول قولها لان الاصل عدم الرجعة ووقوع البينونة، وإن اختلفا في الاصابة فقال الزوج أصبتك فلى الرجعة وأنكرت المرأة فالقول قولها لان الاصل عدم الاصابة ووقوع الفرقة.
(الشرح) قوله: وهل تصح الرجعة من غير شهادة الخ، فجملة ذلك أنه فيه قولان
(أحدهما)
لا تصح الرجعة إلا بحضور شاهدين لقوله تعالى " فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوى عدل منكم " فأمر بالاشهاد على الرجعة والامر يقتضى الوجوب، ولانه استباحة بضع مقصود فكانت الشهادة شرطا فيه كالنكاح، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد (والقول الثاني) تصح من غير شهادة، وهو اختيار أبى بكر من الحنابلة وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول مالك وأبى حنيفة، لانها لا تفتقر إلى قبول فلم تفتقر إلى شهادة كسائر حقوق الزوج، ولان النبي ﷺ أمر عمر أن يأمر ابنه بمراجعتها ولم يأمره بالاشهاد، فلو كان شرطا لامر به، ولانه لا يفتقر إلى الولى فلم يفتقر إلى الاشهاد كالبيع والهبة وعكسه النكاح.
والآية محمولة على الاستحباب قال ابن قدامة من الحنابله: ولا خلاف بين أهل العلم في أن السنة الاشهاد.
فإن قلنا هي شرط فإنه يعتبر وجودها حال الرجعة، فإن ارتجع بغير شهادة لم يصح لان المعتبر وجودها في الرجعة دون الاقرار بها، إلا أن يقصد بذلك الاقرار الارتجاع فيصح.
(مسألة) قوله: ولا يجوز تعليقها على شرط الخ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ: وإن قال: راجعتك إن شئت فقالت في الحال شئت، لم تصح الرجعة، لانه عقد يستبيح به البضع فلم يصح تعليقه على صفة كالنكاح.
وقال أيضا: وإن قال لها كلما طلقتك فقد راجعتك لم تصح الرجعة، لانه علق الرجعة
على صفة فلم تصح، كما لو قال راجعتك إذا قدم زيد، ولانه راجعها قبل أن يملك الرجعة عليها فلم يصح، كما لو قال لاجنبية طلقتك إذا نكحتك.
وإن طلق الرجل امرأته طلاقا رجعيا فارتدت المرأة ثم راجعها الزوج في
стр. 2105
حال ردتها لم تصح الرجعة، فإن انقضت عدتها قبل أن ترجع إلى الاسلام بانت باختلاف الدين.
وإن رجعت إلى الاسلام قبل انقضاء عدتها افتقر إلى استئناف الرجعة.
وقال المزني: تكون الرجعة موقوفة كما لو طلقها في الردة.
وهذا خطأ لانه عقد استباحة بضع مقصود فلم يصح في حال الردة كالنكاح.
ويخالف الطلاق فإنه يصح تعليقه على الحظر والغرر، وكما أنه لا تصح الرجعة في ردتها فكذلك لا تصح في ردته كالنكاح، لان الرجعة تقرير للنكاح، والردة تنافى ذلك، فلم يصح اجتماعهما.
(مسألة) إذا قال الزوج راجعتك وأنكرت المرأة، فان كان قبل انقضاء عدتها فالقول قول الزوج، لانه يملك الرجعة فملك الاقرار بها كالزوج إذا أقر بطلاق زوجته.
وان انقضت عدتها فقال الزوج: كنت راجعتك قبل انقضاء عدتك.
وقالت الزوجة بل انقضت عدتي قبل ان يراجعني - ولا بينة للزوج - فقد نص الشافعي على أن القول قول الزوجة مع يمينها.
وكذا قال في الزوج إذا ارتد بعد الدخول ثم رجع إلى الاسلام، وقال رجعت إلى الاسلام قبل انقضاء عدتك، وقالت: بل انقضت عدتي قبل أن يرجع إلى الاسلام، فالقول قول الزوجة، وقال في نكاح المشركات: إذا أسلمت الزوجة بعد الدخول وتخلف الزوج ثم أسلم، فقال الزوج: أسلمت قبل انقضاء عدتك، وقالت الزوجه: بل أسلمت بعد انقضاء عدتي فالقول قول الزوج
واختلف أصحابنا في هذه المسائل على ثلاث طرق، فمنهم من قال: في الجميع قولان.
وهو اختيار القاضيين أبى حامد وأبى الطيب، أحدهما القول قول الزوج لان الزوجة تدعى أمرا يرفع النكاح، والزوج ينكره فكان القول قوله، لان الاصل بقاء النكاح.
والثانى أن القول قول الزوجه، لان الظاهر حصول البينونه وعدم الرجعة والاسلام.
والطريق الثاني: ان أظهر الزوج أولا الرجعة أو الاسلام ثم قالت الزوجه بعد ذلك: قد كانت عدتي انقضت قبل ذلك، فالقول قول الزوج، لانها ما دامت لم تظهر انقضاء العدة فالظاهر أن عدتها لم تنقض.