Полный текст (3 572 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته، وقد أعله أبو داود بالارسال.
أما خولة بنت مالك فقد وقع في تفسير أبى حاتم خولة بنت الصامت.
قال الحافظ بن حجر وهو وهم، والصواب زوج ابن الصامت.
ورجح غير واحد أنها خولة بنت الصامت ابن ثعلبة، وروى الطبراني في الكبير والبيهقي من حديث ابن عباس أن المرأة خولة بنت خويلد، وفى إسناده ابو حمزة اليماني، وهو ضعيف.
وقال يوسف بن عبد الله بن سلام: انها خويلة، وروى أنها بنت دليح، كذا في الكاشف، وفى رواية لعائشة " والعرق ستون صاعا " تفرد بها معمر عن عبد الله بن حنظلة، قال الذهبي: لا يعرف، ووثقه ابن حبان، وفيها أيضا محمد بن إسحاق وقد عنعن.
والمشهور عرفا أن العرق خمسة عشر صاعا، كما روى ذلك الترمذي بإسناد صحيح من حديث سلمة، وأحكام هذه الفصول على وجهها على أن تراجع مقدمتنا على كتاب العتق في الجزء الخامس عشر
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن لم يجد رقبة وقد رعى الصوم لزمه أن يصوم شهرين متتابعين لقوله " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين " فإن دخل فيه في أول الشهر
صام شهرين بالاهلة، لان الاشهر في الشرع بالاهلة والدليل عليه قوله " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج " فإن دخل فيه وقد مضى من الشهر خمسة أيام صام ما بقى وصام الشهر الذى بعده، ثم يصوم من الشهر الثالث تمام ثلاثين يوما، لانه تعذر اعتبار الهلال في شهر فاعتبر بالعدد كما يعتبر العدد في الشهر الذى غم عليهم الهلال في صوم رمضان وإن أفطر في يوم منه من غير عذر لزمه أن يستأنف، وإن جامع بالليل قبل أن يكفر أثم لانه جامع قبل التكفير، ولا يبطل التتابع لان جماعه لم يؤثر في الصوم فلم يقطع التتابع كالاكل بالليل.
وأن كان الفطر لعذر نظرت فإن كانت امرأة فحاضت في صوم كفارة للقتل أو الوطئ في كفارة رمضان لم ينقطع التتابع لانه لا صنع لها في الفطر: ولانه لا يمكن حفظ الشهرين من الحيض إلا بالتأخير إلى أن تيأس من الحيض،
стр. 2207
وفى ذلك تغرير بالكفارة لانها ربما ماتت قبل الاياس فتفوت.
وإن كان الفطر بمرض ففيه قولان: أحدهما يبطل التتابع لانه أفطر باختياره فبطل التتابع، كما لو أجهده الصوم فأفطر.
والثانى لا يبطل لان الفطر بسبب من غير جهته فلم يقطع التتابع كالفطر بالحيض.
وإن كان بالسفر ففيه طَرِيقَانِ: مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ كالفطر بالمرض، لان السفر كالمرض في إباحة الفطر، فكان كالمرض في قطع التتابع.
والثانى: أنه يقطع التتابع قولا واحدا لان سببه من جهته.
وإن انقطع الصوم بالاغماء فهو كما لو أفطر بالمرض.
وإن أفطرت الحامل أو المرضع في كفارة القتل أو الجماع في رمضان خوفا على ولديهما ففيه طريقان، أحدهما انه على قولين، لانه فطر لعذر فهو كالفطر
بالمرض، والثانى انه ينقطع التتابع قولا واحدا لان فطرهما لعذر في غيرهما فلم يلحقا بالمريض، ولهذا يجب عليهما الفدية مع القضاء في صوم رمضان، ولا يجب على المريض.
وإن دخل في الصوم فقطعه بصوم رمضان أو يوم النحر لزمه أن يستأنف، لانه ترك التتابع بسبب لا عذر فيه (الشرح) إن لم يجد المظاهر رقبة تفضل عن كفايته، أو كان العرف القائم يمنع الاسترقاق كهو في عصرنا، وكان قادرا على الصيام لزمه ان يصوم شهرين متتابعين لقوله تعالى " والذين يظاهرون من نسائهم. الآية " ولما ذكرناه من حديثى أوس بن الصامت وسلمة بن صخر إذا ثبت هذا فإن إجماع أهل العلم على أن المظاهرة فرضه صيام شهرين متتابعين وذلك لقوله تعالى " فمن لم يحد فصيام شهرين متتابعين من قبل ان يتماسا " فإن صام من الكفارة أول ليلة من الشهر كان عليه ان يتابع الصوم شهرين هلاليين متتابعين سواء كانا تامين أو ناقصين، لان الله أوجب عليه صوم شهرين، واطلاق الشهر ينصرف إلى الشهر الهلالي لقوله تعالى " يسئلونك عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ "
стр. 2208
وَرَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " الشهر هكذا وهكذا، وأوما بأصابع يديه وحبس إبهام يده في الثالثة كأنه يعد خمسين " وروى أنه قال " قد يكون الشهر هكذا وهكذا وحبس إبهامه في الثالثة " وإن ابتدأ بالصوم وقد مضى من الشهر يوم أو أكثر صام ما بقى من هذا الشهر بالعدد وصام الشهر الذى بعده بالهلال تاما أو ناقصا وتم عدد الاول من الثالث ثلاثين يوما تاما كان الاول أو ناقصا، لانه لما فاته شئ من الشهر الاول لم يصمه لم يمكن اعتباره بالهلال فاعتبر بالعدد، واعتبر الثاني بالهلال لانه أمكنه ذلك
(فرع)
وإن أفطر في يوم أثناء الشهرين - فإن كان أفطر لغير عذر - انقطع تتابعه ولزمه أن يستأنف صوم شهرين متتابعين لقوله تعالى " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين " ومعنى التتابع أن يوالى بالصوم أيامهما ولا يفطر فيهما لغير عذر ولم يفعل ذلك فصار كما لو لم يصم وأن جامع في ليلة في أثناء الشهرين عامدا عالما بالتحريم أثم بذلك ولا ينقطع تتابعه، وإن وطئها بالنهار ناسيا لم يفسد صومه ولم ينقطع تتابعه، وبه قال أبو يوسف، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ مَالِكٌ وأبو حنيفة: ينقطع تتابعه بذلك، إلا أن مالكا يقول: إذا وطئها بالنهار ناسيا فسد صومه، وأبو حنيفة يقول: لا يفسد إلا أن ينقطع التتابع.
دليلنا على انه لا ينقطع التتابع أنه وطئ لم يفسد به الصوم، فلم ينقطع التتابع كما لو وطئ امرأة أخرى، وإن كان الفطر بعذر نظرت، فإن كان العذر حيضا، ولا يتصور ذلك في كفارة الظهار، وإنما يتصور ذلك في كفارة القتل والجماع في رمضان، إذا قلنا تجب عليه الكفارة، فإن التتابع لا ينقطع، لان زمن الحيض مستحق للفطر فهو كليالى الصوم، ولان الحيض حصل بغير اختيارها ولا يمكنها الاحتراز منه.
فلو قلنا إنه ينقطع التتابع لادى إلى أن المرأة لا يمكنها أن تكفر بالصوم إلا بعد الاياس من الحيض، وفى ذلك تأخيرها عن وقت وجوبها، وربما بانت قبل الاياس، فلذلك قلنا لا يقطع التتابع.
وإن أفطرت للنفاس احتمل أن يكون فيه وجهان كما قلنا في الايلاء.
стр. 2209
وإن كان الفطر للمرض ففيه قولان.
قال في القديم لا ينقطع التتابع وبه قال مالك وأحمد، لان سبب الفطر حدث بغير اختياره فهو كالحيض، ولانا لو قلنا
انه ينقطع بالفطر في المرض لادى ذلك إلى أن يتسلسل، لانه لا يأمن وقوع المرض إذا استأنف بعد البرء.
وقال في الجديد ينقطع تتابعه، وبه قال ابو حنيفة، لانه أفطر باختياره، فهو كما لو أفطر بغير المرض.
وان أفطر بالسفر - فإن قلنا ان المرض إذا أفطر قطع التتابع فالسفر أولى، وان قلنا ان أفطر بالمرض لا ينقطع ففى السفر قولان.
أحدهما لا ينقطع التتابع لان السفر عذر يبيح الفطر فهو كالمرض، والثانى أنه ينقطع التتابع لانه حدث بسبب الفطر وهو السفر.
وإن نوى الصوم من الليل ثم أغمى عليه في أثناء النهار فهل يبطل صومه؟ فيه طريقان مضى ذكرهما في الصوم وأبانهما الامام النووي رضى الله عنه، فإن قلنا لا يبطل لم ينقطع التتابع بذلك، وان قلنا يبطل صومه قال الشيخ ابو اسحاق والمحاملى: هو كالفطر بالمرض على قولين، قال العمرانى وفيه نظر، لانه لم يفطر باختياره بخلاف الفطر بالمرض فإنه أفطر باختياره آه وان أفطرت المرضع والحامل في أثناء الشهرين، فإن كان خوفا على انفسهما فهو كالفطر للمرض، وان كان خوفا على ولديهما فهل ينقطع التتابع؟ فِيهِ طَرِيقَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قولان كالفطر للمرض.
ومنهم من قال يقطع التتابع قولا واحدا لانهما أفطرتا لحق غيرهما بخلاف المرض (فرع)
وان صام في أثناء الشهرين تطوعا أو عن نذر أو قضاء انقطع تتابعه بذلك.
لان ذلك لا يقع عن الشهرين فانقطع تتابعه به كما لو أفطر، فإن صام بعض الشهرين ثم تخللها زمان لا يجرى صومه عن كفارته مثل رمضان أو عيد الاضحى انقطع تتابعه، لان رمضان مستحق لصومه، وعيد الاضحى مستحق للفطر، وقد يمكنه أن يبتدئ صوما لا يقطعه ذلك، فإن لم يفعل ذلك فقد فرط
كما لو أفطر في أثناء الشهرين بغير عذر، ولا يجئ أن يقال تخللهما عيد الفطر ولا أيام التشريق، لان عيد الفطر يتقدمه رمضان، وأيام التشريق يتقدمها عيد
стр. 2210
الاضحى.
فأما إذا ابتدأ الصوم عن الشهرين في رمضان لم يصح صومه عن رمضان لانه لم ينو الصيام عنه ولا عن الشهرين، لان الزمان مستحق لصوم رمضان فلا يقع عن غيره.
وإن ابتدأ صوم الشهرين يوم عيد الفطر لم يصح لانه مستحق للفطر ويصح صومه باقى الشهرين، وإن ابتدأ الصوم أيام التشريق، فإن قلنا بقوله الجديد وأن صومها لا يصح عن صوم التمتع، أو قلنا بقوله القديم أنه يصح صومها عن صوم التمتع، وقلنا بأحد الوجهين على القديم لا يصح صومها عن التمتع لم يصح صومه عن الشهرين، وإن قلنا يصح صومها عن التطوع صح صومها عن الشهرين
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن دخل في الصوم ثم وجد الرقبة لم يبطل صومه، وقال المزني يبطل كما قال في المتيمم إذا رأى الماء في الصلاة، وقد دللنا عليه في الطهارة، والمستحب أن يخرج من الصوم ويعتق، لان العتق أفضل من الصوم لما فيه من نفع الآدمى، ولانه يخرج من الخلاف.
(فصل)
وإن لم يقدر على الصوم لكبر لا يطيق معه الصوم أو لمرض لا يرجى برؤه منه لزمه أن يطعم ستين مسكينا للآية، والواجب أن يدفع إلى كل مسكين مدا من الطعام، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ في حديث الجماع في شهر رمضان " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال له: أطعم ستين مسكينا.
قال لا أجد، قال فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِعِرْقٍ من تمر فيه خمسة عشر صاعا فقال خذه وتصدق به " وإذا ثبت هذا بالجماع بالخبر ثبت في المظاهر بالقياس عليه
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أصله في الصحيحين بلفظين عن أبى هريرة، ورواه أبو داود وفى إسناده رجل فيه مقال، ورواه البيهقى وغيره مختصرا مرسلا ومتصلا، وقد مضى الكلام عليه في الصوم أما الاحكام فإنه مما يتسق مع ما قلناه في مقدمة كتاب العتق أن الشرع الحكيم جعل العتق هو الكفارة الاصلية، وأن الصوم بدل من الكفارة إذا لم يجد الرقبة حتى لقد جعل الصوم يبطل في قول المزني وأبى حنيفة إذا وجد الرقبة التى يعتقها
стр. 2211
كفارة.
وجملة ما في الفصل أنه إذا دخل في الشهرين بالصوم ثم أيسر وقدر على الرقبة لم يجب عليه الانتقال إلى الرقبة، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ والمزنى يلزمه الانتقال، ودليل المذهب أنه وجد المبدل بعد شروعه في البدل فلم يلزمه الانتقال إليه، كما لو وجد الهدى بعد شروعه في صوم السبع، وقال الامام الشافعي رضى الله عنه: ولو أعتق كان أفضل لانه الاصل وليخرج بذلك من الخلاف (قلت) ولان في ذلك نفعا للآدمي بفك اساره من الرق كما أفاده المصنف.
(فرع)
ولا يجزيه الصوم عن الكفارة حتى ينوى الصوم كل ليلة لقوله ﷺ " لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ الليل " فهذا عام في كل صوم، وقد وافقنا أبو حنيفة على ذلك.
وهل يلزمه نية التتابع؟ فيه ثلاثة أوجه (أحدها) يلزمه نية التتابع كل ليلة، لان التتابع واجب كالصوم، فلما وجب عليه نية الصوم كل ليلة فكذلك نية التتابع
(والثانى)
يلزمه التتابع أول ليلة من الشهر لان الفرص تبيين هذا الصوم عن غيره بالتتابع، وذلك يحصل بالنية أولى ليلة منه (والثالث) لا يجب عليه نية التتابع وهو الاصح، لان التتابع شرط في العبادة
وعلى الانسان أن ينوى فعل العبادة دون نية شروطها، كما قال العمرانى في الصلاة أن ينوى فعل الصلاة دون نية شرطها.
(مسألة) قوله: وان لم يقدر على الصوم لكبر الخ، فجملة ذلك أنه إذا عجز لعلة تلحقه من الجوع والظمأ وكان قادرا على الاطعام لزمه الانتقال إلى الاطعام لقوله تعالى " فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا " ولما ذكرناه من حديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر.
إذا ثبت هذا فعليه أن يطعم ستين مسكينا، كل مسكين مدا من طعام، ولا يجرز أن ينقص من عدد المساكين ولا من ستين مدا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أعطى الطعام كله مسكينا واحدا في ستين يوما جاز.
دليلنا قوله تعالى " فإطعام ستين مسكينا، وقوله " اطعام " مصدر يتعدى بأن والفعل، وهذا
стр. 2212
وهذا لا يجيز الاقتصار على دون الستين، ولانه مسكين استوفى قوت يوم من كفارة، فإذا دفع إليه غيره منها لم يجزه، كما لو دفع إليه في يوم واحد (فرع)
ويجب أن يدفع إلى كل مسكين مدا في جميع الكفارات إلا كفارة الاذى فأنه يدفع إليه مدين سواء كفر بالتمر أو الزبيب أو البر أو الشعير أو الذرة وبه قال ابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة والاوزاعي.
وقال أبو حنيفة: إن كفر بالتمر أو الشعير لزمه لكل مسكين صاع، والصاع أربعة أمداد والمد عنده رطلان.
وإن كفر بالبر لزمه لكل مسكين نصف صاع، وفى الزبيب عنه روايتان (إحداهما) أنه كالتمر والشعير
(والثانى)
أنه كالبر وقال مالك في كفارة اليمين والجماع في رمضان كقولنا في كفارة الظهار يطعم كل مسكين مدا بمد هشام، وهو مد وثلث بمد النبي ﷺ .
وقيل بل هو مدان.
وقال أحمد من البر مد ومن التمر والشعير مدان
دليلنا ما روى أبو هريرة أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يضرب خده وينتف شعره، فقال يا رسول الله هلكت، قَالَ وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي في نهار رمضان.
قال اعتق رقبة، قال لا أجد، قال صم شهرين متتابعين قال لا أستطيع، قال أطعم ستين مسكينا، قال لا أستطيع، ثُمَّ جَلَسَ فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِعِرْقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا، فَقَالَ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ثم قال: اذهب أطعمه أهلك " فإذا ثبت هذا في المجامع في رمضان قسنا سائر الكفارات عليها.
فأما خبر سلمة بن صخر حيث أمره النبي ﷺ بوسق من تمر من صدقة بنى زريق فمحمول على الجواز، وأن ما زاد على خمسة عشر صاعا تطوع بدليل هذا الخبر.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجب ذلك من الحبوب والثمار التى تجب فيها الزكاة لان الابدان بها تقوم، ويجب من غالب قوت بلده.
قال القاضى أبو عبيد بن حربويه: يجب
стр. 2213
من غالب قوته، لان في الزكاة الاعتبار بمال فكذلك ههنا، والمذهب الاول لقوله تعالى " فإطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم " والاوسط الاعدل، وأعدل ما يطعم أهله قوت البلد، ويخالف الزكاة فإنها تجب من المال والكفارة تجب في الذمة، فإن عدل إلى قوت بلد آخر، فإنك كان أجود من غالب قوت بلده الذى هو فيه جاز لانه زاد خيرا، فإن لم يكن أجود، فإن كان مما يجب فيه زكاة ففيه وجهان.
(أحدهما)
يجزئه لانه قوت تجب فيه الزكاة فأشبه قوت البلد
(والثانى)
لا يجزئه وهو الصحيح لانه دون قوت البلد، فإن كان في موضع قوتهم الاقط ففيه قولان
(أحدهما)
تجزئه لانه مكيل مقتات فأشبه قوت البلد
(والثانى)
لا يجزئه لانه يجب فيه الزكاة فلم يجزئه كاللحم، وان كان لحما أو سمكا أو جرادا ففيه طَرِيقَانِ، مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ كالاقط.
ومنهم من قال لا يجزئه قولا واحدا، ويخالف الاقط لانه يدخله الصاع، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا قُوتَ فِيهِ وجب من غالب قوت أقرب البلاد إليه
(فصل)
ولا يجوز الدقيق السويق والخبز، ومن أصحابنا من قال يجزئه لانه مهيا للاقتيات مستغنى عن مؤنته، وهذا فاسد، لانه ان كان قد هيأه لمنفعة فقد فوت فيه وجوها من المنافع، ولا يجوز إخراج القيمة لانه أخذ ما يكفر به فلم يجز فيه القيمة كالعتق
(فصل)
ولا يجوز أن يدفع الواجب إلى أقل من ستين مسكينا للآية والخبر فإن جمع ستين مسكينا وغداهم وعشاهم لما عليه من الطعام لم يجزه، لان ما وجب للفقراء بالشرع وجب فيه التمليك كالزكاة، ولانهم يختلفون في الاكل ولا يتحقق أن كل واحد منهم يتناول قدر حقه وإن قال لهم ملكتكم هذا بينكم بالسوية ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجزئه.
وهو قول أبى سعيد الاصطخرى لانه يلزمهم مؤنة في قسمته فلم يجزه، كما لو سلم إليهم الطعام في السنابل
(والثانى)
أنه يجزئه وهو الاظهر لانه سلم إلى كل واحد منهم قدر حقه والمؤنة في قسمته قليلة، فلا يمنع الاجزاء
стр. 2214
(الشرح) الاحكام: اختلف أصحابنا في هل يلزمه أن يخرج من غالب قوته أو من غالب قوت البلد؟ على وجهين.
قال أبو عبيد بن حربويه يلزمه من غالب قوته وهو اختيار الشيخ أبى حامد، لان الزكاة زكاتان، زكاة المال وزكاة النفس، فلما
كانت زكاة النفس يجب إخراجها من غالب قوت البلد لقوله تعالى " من أوسط ما تطعمون أهليكم " والاوسط الاعدل، وأعدل ما يطعم أهله قوت البلد، فإن عدل عن قوته وقت بلده إلى قوت بلد آخر، فإن كان أعلى منها وجب عليه إخراجه، بأن عدل عن الذرة والشعير إلى البر، أو كان في مصر وأخرج زبيبا أجزأه لانه أعلى مما وجب عليه، وإن كان دون ذلك بأن عدل عن البر إلى الذرة والشعير فهل يجزئه؟ فيه قولان حكاهما الشيخ أبو حامد، وحكاهما المصنف في المهذب هنا وجهين.
(أحدهما)
يجزئه لانه قوت تجب فيه الزكاة
(والثانى)
لا تجزئه وهو الاصح لانه دون ما وجب عليه، وإن أخرج من قوت لا تجب فيه الزكاة - فإن كان غير الاقط - لم يجزه، وإن كان من الاقط ففيه وجهان كما قلنا في زكاة الفطر، وان كان في بلد لا قوت لهم تجب فيه الزكاة وجب من قوت أقرب بلد إليه، وله يجزئه اخراج الخبز والدقيق والسويق؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يجزئه لانه مهيأ للاقتيات
(والثانى)
لا يجزئه وهو الاصح لانه قد فوت فيه وجوها من المنفعة.
وان أخرج القيمة لم يجزه كما قلنا في الزكاة وأكثر أهل المدن يقلدون من يجيز اخراج القيمة بيد أن الاولى عندنا والاقرب إلى المذهب أن يشترى دقيقا يخرجه منه، وهو وجه صحيح عندنا، وان كان الاصح غيره كما تقدم.
(مسألة) قوله " ولا يجوز أن يدفع الواجب إلى أقل من ستين مسكينا الخ " فجملة ذلك أنه إذا دفع إلى مائة وعشرين مسكينا ستين مدا لكل مسكين نصف مد لم يجزه ذلك.
وقيل له اختر له منهم ستين مسكينا وادفع إلى كل واحد منهم نصف مد، لانه لا يجوز أن يدفع إلى كل واحد منهم أقل من مد، فإن دفع إلى ستين مسكينا ستين مدا إلى كل واحد منهم مدا دفعة واحدة أو في أوقات متفرقة
أجزأه لقوله تعالى " فإطعام ستين مسكينا " فعم ولم يخصص.
стр. 2215
وان دفع إلى ثلاثين مسكينا ستين مدا إلى كل واحد مدين لم يجزه الا ثلاثون لانه لم يطعم ستين مسكينا، وعليه أن يطعم ثلاثين مسكينا ثلاثين مدا أخرى لكل واحد مد، وهل له أن يرجع على كل واحد من الثلاثين بما زاد على المد؟ ينظر فيه فإن بين أن ذلك عن كفارة واحدة كان له أن يرجع به، لان ما زاد على المدعى الكفارة لا يجزئ دفعه إلى واحد، وان أطلق لم يرجع لان الظاهر أن ذلك تطوع وقد لزم بالقبض.
وان وجب عليه كفارتان من جنس أو جنسين، فدفع إلى كل مسكين مدين أجزأه لانه لم يدفع إليه عن كل كفارة أكثر من مد، ويجوز الدفع إلى الكبار من المساكين والى الصغار منهم لقوله تعالى " فإطعام ستين مسكينا " ولم يفرق ولكن يدفع مال الصغير إلى وليه، فإن دفع إلى الصغير لم يجزه لانه ليس من أهل القبض، ولهذا لو كان له عليه دين فأقبضه اياه لم يبرأ بذلك (فرع)
والدفع المبرئ له هو أن يدفع إلى كل مسكين مدا يقول خذه أو كله أو ألحقه لك وان قدم ستين مدا إلى ستين مسكينا وقال خذوا أو كلوا أو أبحته لكم لم يجزه ذلك، لان عليه أن يوصل إلى كل واحد منهم مدا، وهذا لم يفعل ذلك.
وان قال ملكتكم هذا بينكم بالسوية أو قبضتكم اياه فقبضوه فَفِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ لَا يجزيه لان عليهم مشقة في القسمة فلم يجزه، كما لو دفع إليهم الطعام في سنابله.
وقال أبو إسحاق يجزيه.
وهو الاصح.
لانه قد ملكهم اياه، ولا يلحقهم في قسمته كبير مشقة، ويمكن كل واحد منهم بيع نصيبه مشاعا، فإن جمع ستين
مسكينا وغداهم وعشاهم لم يجزه لاختلاف كل منهم عن الآخر في القدر الذى تناوله من الطعام وتعاطاه.
وقال أبو حنيفة يجزيه.
دليلنا أن الواجب عليه دفع الحب وهذا لم يدفع الحب، ولانه لا يتحقق أن كل واحد منهم أكل قدر حقه وهو يشك في اسقاط الفرض عن ذمته والاصل بقاؤه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يجوز أن يدفع إلى مكاتب لانها تجب لاهل الحاجة والمكاتب
стр. 2216
مستغن بكسبه إن كان له كسب، أو بأن يفسخ الكتابة ويرجع إلى مولاه إن لم يكن له كسب، ولا يجوز أن يدفع إلى كافر لانها كفارة فلا يجوز صرفها إلى كافر كالعتق، ولا يجوز دفعها إلى من تلزمه نفقته من زوجة أو والد أو ولد، لانه مستغن بالنفقة، فإن دفع بعض ما عليه من الطعام ثم قدر على الصيام لم يلزمه الانتقال إلى الصوم، كما لا يلزمه الانتقال إلى العتق إذا وجد الرقبة في أثناء الصوم والافضل أن ينتقل إليه لانه أصل
(فصل)
ولا يجوز أن يكفر عن الظهار قبل أن يظاهر، لانه حق يتعلق بسببين فلا يجوز تقديمه عليهم كالزكاة قبل أن يملك النصاب، ويجوز أن يكفر بالمال بعد الظهار وقبل العود لانه حق مال يتعلق بسببين، فإذا وجد أحدهما جاز تقديمه على الآخر كالزكاة قبل الحول، وكفارة اليمين قبل الحنث
(فصل)
ولا يجوز شئ من الكفارات إلَّا بِالنِّيَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ " إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى " ولانه حتى يجب على سبيل الطهرة فافتقر إلى النية كالزكاة، ولا يلزمه في النية تعيين سبب الكفارة، كما لا يلزمه في الزكاة تعيين المال الذى يزكيه.
فإن كفر بالصوم لزمه أن ينوى كل ليلة أنه صائم غدا عن الكفارة.
وهل يلزمه نية التتابع؟ فيه ثلاث أوجه
(أحدها) يلزمه أن ينوى كل ليلة، لان التتابع واجب فلزمه نيته كالصوم.
(والثانى)
يلزمه أن ينوى ذلك في أوله لانه يتميز بذلك عن غيره (والثالث) وهو الصحيح أنه لا تلزمه نية التتابع، لان العبادة هي الصوم، والتتابع شرط في العبادة فلم تجب نيته في أداء العبادة، كالطهارة وستر العورة لا يلزمه نيتهما في الصلاة.
(فصل)
وان كان المظاهر كافرا كفر بالعتق أو الطعام لانه يصح منه العتق والاطعام في غير الكفارة فصح منه في الكفارة، ولا يكفر بالصوم لانه لا يصح منه الصوم في غير الكفارة فلا يصح منه في الكفارة، فإن كان المظاهر عبدا فقد ذكرناه في باب المأذون فأغنى عن الاعادة، وبالله التوفيق (الشرح) حديث انما الاعمال بالنيات قال فيه الحافظ بن حجر حديث عزيز وقال فيه الشافعي انه نصف الدين.
قلت: ولهذا زعم بعض المشتغلين بالفتيا
стр. 2217
والدعوة والارشاد من الازهريين انه متواتر وصححنا لهم هذا الفهم بما كتبناه في مجلة الازهر في حينه.
لان الحديث آحادى من طرفه الاول، إذ لم يروه من الصحابة الا عمر، ومع أن عمر خطب به على المنبر فإنه لم يروه عنه سوى علقمة ابن وقاص الليثى، ولم يروه عن علقمة سوى محمد بن ابراهيم التيمى، ولم يروه عن التيمى سوى يحيى بن سعيد الانصاري.
وفى هذا الاسناد نكتة قلما تتوفر لغيره من الاحاديث، وهى أن كلا من علقمة الليثى والتيمي والانصاري تابعيون متعاصرون أقران، ولم يشترك اثنان منهما في سماع الحديث من الثالث أو من عمر أما الاحكام فإنه لا يجوز دفع الكفارة إلى عبد ولا كافر ولا إلى من يلزمه نفقته لما ذكره النووي في كتاب الزكاة، ولا يجوز دفعها إلى مكاتب.
وان جاز دفع الزكاة إليه، لان القصد بالكفارة المواساة المحضة، والمكاتب مستغن عن
ذلك، لانه ان كان له كسب فنفقته في كسبه.
وان لم يكن له كسب فيمكنه أن يعجز نفسه وتكون نفقته على السيد (فرع)
وان أطعم بعض المساكين ثم قدر على الصيام لم يلزمه الصيام كما قلنا فيمن قدر على العتق بعد الشروع في الصيام.
وان وطئها في خلال الاطعام أثم بذلك ولا يلزمه الاستئناف وقال مالك يلزمه.
دليلنا أن الوطئ لا يبطل ما فعله من الاطعام فلم يلزمه الاستئناف كما لو وطئ غيرها (فرع)
ولا يجزيه الاطعام إلَّا بِالنِّيَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ " إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوى " متفق عليه.
وهل يجب أن تكون النية مقارنة للدفع؟ أم يجوز تقديمها على الدفع؟ فيه وجهان مضى ذكرهما في الزكاة وأما التتابع فقد مضى كلامنا في نيته في هذا الباب قبل هذه الفصول بقليل (فوائد) لو أن المظاهر أدى الكفارة بإطعام المساكين فأحضرهم وأطعم كل واحد مدا لم يجزئه ذلك الا أن يملكه اياه.
هذا هو مذهبنا به قال أحمد في احدى روايتيه.
والاخرى أنه يجزئه إذا أطعمهم القدر الواجب لهم.
وهو قول النخعي وأبى حنيفة.
وأطعم أنس في فدية الصيام.
قال أحمد أطعم شيئا كثيرا وصنع الجفان.
وذكر حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس.
وذلك لقول
стр. 2218
الله تعالى " فإطعام ستين مسكينا " وهذا قد أطعمهم فينبغي أن يجزئة، ولانه أطعم المساكين فأجزأه كما لو ملكهم ولنا أن المنقول عن الصحابة إعطاؤهم، ولانه مال وجب للفقراء شرعا فوجب تمليكهم إياه كالزكاة قلنا: إنه لا يجب التتابع في الاطعام وبه قال أحمد، فلو أطعم واحد اليوم
والثانى بعد يومين والثالث بعد كذا حتى يستكمل الستين صح.
وذلك لان الله تعالى لم يشترط التتابع فيه كما قاله في الصوم.
ولو وطئ في أثناء الاطعام لم تلزمه إعادة ما مضى منه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
وقال مالك: يستأنف لانه وطئ في أثناء كفارة الظهار فوجب الاستئناف كالصيام.
دليلنا انه وطئ في أثناء ما لا يشترط التتابع فيه فلم يوجب الاستئناف كوطئ غير المظاهر منها أو كالوطئ في كفارة اليمين، وبهذا فارق الظهار إذا أعطى مسكينا مدين من كفارتين في يوم واحد أجزأه وهو إحدى الروايتين عن أحمد والاخرى لا يجزئه، وهو قول أبى حنيفة لانه استوفى قوت يوم من كفارة فلم يجزئه الدفع إليه ثانيا في يومه كما لو دفعهما إليه من كفارة واحدة والقيمة في الكفارة لا تجزئ عندنا ولا عند أحمد ونظرا لان الشارع الحكيم شرع الدين للسواد من الناس وأكثر الناس أهل قرى وبادية وأقلهم يسكنون المدائن لذلك كان الحب هو المشروع، ويجوز إخراج الدقيق على قول صحيح والاصح الحب، وإذا كان أهل المدائن أنفع لهم أن يعطوا الدقيق كان الدقيق أولى لانه بالنسبة لهم هو حال الكمال وتيسير المنفعة.
أما أهل القرى فحال الكمال وتيسير المنفعة لهم هو الحب فلا يعطوا الدقيق.
والله أعلم
стр. 2219
قال المصنف رحمه الله تعالى:
كتاب اللعان
إذا علم الزوج أن امرأته زنت - فإن رآها بعينه وهى تزني ولم يكن نسب يلحقه - فله أن يقذفها، وله أن يسكت لما روى علقمة عن عبد الله " أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يا رسول الله إن رجل وجد مع امرأته رجلا ان تكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه أو سكت سكت على غيظ، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم اللهم افتح، وجعل يدعو فنزلت آية اللعان " والذى يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء الا أنفسهم.
الآية " فذكر أنه يتكلم أو يسكت ولم ينكر النبي ﷺ كلامه ولا سكوته.
وان أقرت عنده بالزنا فوقع في نفسه صدقها أو أخبره بذلك ثقة أو استفاض أن رجلا يزنى بها ثم رأى الرجل يخرج من عندها في أوقات الريب فله أن يقذفها وله أن يسكت، لان الظاهر أنها زنت فجاز له القذف والسكوت.
وأما إذا رأى رجلا يخرج من عندها ولم يستفض أنه يزنى بها لم يجز أن يقذفها، لانه يجوز أن يكون قد دخل إليها هاربا أو سارقا، أو دخل ليراودها عن نفسها ولم تمكنه، فلا يجوز قذفها بالشك.
وان استفاض أن رجلا يزنى بها ولم يجده عندها ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز قذفها لانه يحتمل أن يكون عدو قد أشاع ذلك عليهما
(والثانى)
يجوز.
لان الاستفاضة أقوى من خبر الثقة.
ولان الاستفاضة تثبت القسامة في القتل فثبت بها جواز القذف (الشرح) قصة الملاعن التى ساقها المصنف هنا رويت من طرق وبأسانيد مختلفة.
منها ما رواه الشيخان وأحمد في مسنده عن سعيد بن جبير أنه قال لعبد الله ابن عمر " يا أبا عبد الرحمن المتلاعنان أيفرق بينهما؟ قال سبحان الله.
نعم.
ان أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان.
قال يا رسول الله أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ ان تكلم تكلم بأمر عظيم وان سكت سكت
стр. 2220
على مثل ذلك.
قال فسكت النبي ﷺ فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذى سألتك عنه ابتليت به، فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء " فتلاهن عليه
ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقال لا والذى بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقالت: لا والذى بعثك بعثك بالحق انه لكاذب فبدأ الرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ثم فرق بينهما " وعند الشيخين وأحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي عن سهل بن سعد " أن عويمر العجلاني أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فيقتلونه، أم كيف يفعل؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ نزل فيك وفى صاحبتك فاذهب فائت بها، قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع الناس عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فلما فرغ قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين " وفى رواية الشيخين وأحمد " ذاكم التفريق بين كل متلاعنين " وفى لفظ لاحمد ومسلم " وكان فراقه إياها سنة في المتلاعنين " أما اللغات فاللعان مصدر لاعن يلاعن لعانا وملاعنة، كقاتل يقاتل قتالا ومقاتلة، أي لعن كل واحد الآخر، ولاعن الرجل زوجته قذفها بالفجور.
وقال ابن دريد كلمة إسلامية في لغة فصيحة.
وقال في الفتح: اللعان مأخوذ من اللعن، لان الملاعن يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
واختير لفظ اللعن دون الغضب في التسمية لانه قول الرجل، وهو الذى بدئ به في الآية، وهو أيضا يبدأ به وقيل سمى لعانا لان اللعن الطرد والابعاد وهو مشترك بينهما، وإنما خصت
المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها
стр. 2221
قوله " واستفاض " أي شاع.
قوله " في أوقات الريب " أي الشك في سبب دخوله لماذا دخل إليها.
وقد اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلا وتحقق وجود الفاحشة منهما فقتله، هل يقتل به أم لا؟ فمنع الجمهور الاقدام، وقالوا يقتص منه إلا أن يأتي ببينة الزنا، أو يعترف المقتول بذلك بشرط أن يكون محصنا.
وقيل بل يقتل به لانه ليس له أن يقيم الحد بغير اذن الامام.
وقال بعض السلف: لا يقتل أصلا، ويعذر فيما فعله إذا ظهرت أمارات صدقه.
وشرط أحمد واسحاق ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك ووافقهم ابن القاسم وابن حبيب من المالكية، لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن.
وعند الامام الهادى من العترة أنه يجوز للرجل أن يقتل من وجده مع زوجته وأمته وولده حال الفعل، وأما بعده فيقاد به ان كان بكرا.
ولنعد إلى ما في الفصل.
قال في البيان.
اللعان مشتق من اللعن وهو الطرد والابعاد فسمى المتلاعنان بذلك لان في الخامسة اللعنة.
ولما يتعقب من المأثم والطرد، لانه لابد أن يكون أحدهما كاذبا فيكون ملعونا اه إذا ثبت هذا فإن رأى الرجل امرأته تزني أو أقرت عنده بالزنا أو أخبره بذلك ثقة واستفاض في الناس أن رجلا زنا بها ثم وجده عندها ولم يكن هناك نسب يلحقه من هذا الزنا فله أن يقذفها بالزنا، لانه إذا رآها فقد تحقق زناها.
وإذا أقرت عنده أو أخبره ثقة أو استفاض في الناس ووجد الرجل عندها غلب على ظنه زناها فجاز له قذفها.
ولا يجب عليه قذفها لما روى أَنَّ رَجُلًا قَالَ
" يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ امرأتي لا ترد يد لامس " تعريضا منه بزناها.
فقال النبي ﷺ طلقها.
فقال إنى أحبها.
فقال أمسكها.
وللاحاديث التى سقناها في صدر هذا البحث إذ أذن النبي ﷺ للملاعن أن يتكلم أو يسكت حيث لم ينكر عليه أيهما.
فأما إذا لم يظهر على المرأة الزنا ببينة ولا سبب حرم عليه قذفها لقوله تعالى " إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم - إلى قوله تعالى - سبحانك هذا بهتان عظيم " ولقوله صلى الله عليه وسلم
стр. 2222
" من قذف محصنة أحبط الله عمله ثمانين عاما " وإن أخبر بزناها من لا يثق بقوله حرم عليه قذفها، لانه لا يغلب على الظن إلا قول الثقة، وإن وجد عندها رجلا ولم يستفض في الناس أنه زنا بها حرم عليه قذفها لجواز أن يكون دخل إليها هاربا أو لحاجة أو لطلب الزنا ولم تجبه، فلا يجوز قذفها بأمر محتمل وإن استفاض في الناس أن فلانا زنى بها ولم يجده عندها فهل يجوز له أن يقذفها؟ فيه وجهان حكاهما المصنف
(أحدهما)
يجوز له قذفها لان الاستفاضة أقوى من خبر الثقة، والقسامة تثبت بالاستفاضة فيثبت بها جواز القذف.
(والثانى)
لا يجوز له قذفها، ولم يذكر في التعليق والشامل غيره لجواز أن يكون أشاع ذلك عدو لها.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
ومن قذف امرأته بزنا يوجب الحد أو تعزير القذف، فطولب بالحد أو بالتعزير فله أن يسقط ذلك بالبينة، لقوله " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " فدل على أنه إذا أتى بأربعة شهداء لم يجلد.
ويجوز أن يسقط باللعان، لما روى ابن عباس رضى الله عنه " أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: البينة أو الحد في ظهرك، فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: البينة وإلا حد في ظهرك.
فقال هلال: والذى بعثك بالحق إنى لصادق، ولينزلن الله في أمرى ما يبرئ ظهرى من الحد، فنزلت: والذين يرمون أزواجهم " ولان الزوج يبتلى بقذف امرأته لنفى العار والنسب الفاسد، ويتعذر.
عليه إقامة البينة فجعل اللعان بينة له، ولهذا لما نزلت آية اللعان قال النبي ﷺ " أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا.
قال هلال قد كنت أرجو ذلك من ربى " فإن قدر على البينة ولاعن جاز لانهما بينتان في اثبات حق، فجاز إقامة كل واحدة منهما مع القدرة على الاخرى، كالرجلين، والرجل والمرأتين في المال.
стр. 2223
وان كان هناك نسب يحتاج إلى نفيه لم ينتف بالبينة، ولا ينتفى الا باللعان، لان الشهود لا سبيل لهم إلى العلم بنفى النسب.
وان أراد أن يثبت الزنا بالبينة ثم يلاعن لنفى النسب جاز، وان أراد أن يلاعن ويثبت الزنا وينفى النسب باللعان جاز.
(الشرح) حديث ابن عباس أخرجه احمد والبخاري وابو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني ولفظه " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ البينة أو حد في ظهرك.
فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول البينة والا حد في ظهرك، فقال هلال والذى بعثك بالحق انى لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهرى من الحد، فنزل جبريل وأنزل الله عليه (والذين يرمون أزواجهم) فقرأ حتى بلغ (ان كان من الصادقين) فانصرف النبي ﷺ فأرسل اليهما فجاء هلال فشهدوا النبي ﷺ
يقول ان الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت، فلما كان عند الخامسة وقفوها فقالوا انها موجبة فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال النبي ﷺ انظروها فإن جاءت به أكحل العينين سابع الاليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ لولا ما مضى من كتاب الله لكان لى ولها شأن " قوله " البينة أو حد في ظهرك " فيه دليل على أن الزوج إذا قذف امرأته بالزنا وعجز عن اقامة البينة وجب عليه حد القاذف.
وإذا وقع اللعان سقط وهو قول الجمهور.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن اللازم بقذف الزوج انما هو اللعان فقط، ولا يلزمه الحد، والحديث وما في معناه حجة عليه قوله فنزلت " والذين يرمون أزواجهم " فيه التصريح بأن الآية نزلت في شأن هلال.
وقد تقدم الخلاف في ذلك.
وفى الحديث مشروعية تقديم الوعظ للزوجين قبل اللعان وقد أخرج هذا الحديث احمد ومسلم والنسائي عن أنس بلفظ " ان هلال بن
стр. 2224
أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا لبراء بن مالك لامه، وكان أول رجل لاعن في الاسلام.
قال فتلاعنا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطا قضئ العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء.
قال فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين " وفى رواية أن أول لعان كان في الاسلام أن هلال بن أمية قذف شريك بن السحماء بامرأته، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بذلك، فقال النبي ﷺ
أربعة شهداء وإلا حد في ظهرك، يردد ذلك عليه مرارا، فقال له هلال: والله يا رسول الله إن الله ليعلم انى لصادق ولينزلن الله عليك ما يبرئ ظهرى من الحد فبينما هم كذلك إذ نزلت عليه آية اللعان (والذين يرمون أزواجهم) إلى آخر الآية وذكر الحديث.
رواه النسائي ورجاله رجال الصحيح وقوله " قضئ العينين " بفتح فكسر بعدها همزة على وزن حذر، وهو فاسد العينين، والجعد خلاف السبط ويسميه عوام المصريين (أكرت) قوله " حمش الساقين " أي دقيق الساقين.
ورواه أحمد وابو داود مطولا وفى إسناده عباد بن منصور وقد تكلم فيه غير واحد.
وقيل فيه إنه كان قدريا داعية أما الاحكام فإنه إذا قدف الرجل رجلا محصنا أو امرأة أجنبية منه محصنة وجب عليه حد القذف وحكم بفسقه وردت شهادته.
فإن أقام القاذف بينة على زنا المقذوف سقط عنه الحد وزال التفسيق وقبلت شهادته ووجب على المقذوف حد الزنا لقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " الآية وإن قذف الرجل امرأته وجب عليه حد القذف إن كانت محصنة، والتعزير إن كانت غير محصنة وحكم بفسقه، فإن طولب بالحد أو التعزير فله أن يسقط ذلك عن نفسه بإقامة البينة على الزنا، وله ان يسقط ذلك باللعان، فإن لاعن والا أقيم عليه الحد أو التعزير.
هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذا قذف الرجل امرأته لم يجب عليه الحد بقذفها وإنما يجب عليه اللعان فإن لاعن وإلا حبس حتى يلاعن.
стр. 2225
دليلنا قوله تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " الآية.
وهذا عام في الازواج وغير الازواج، فأخبر الازواج بأن
لعانهم يقوم مقام شهادة أربعة غيرهم بقوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء الا أنفسهم " الآية.
وحديث ابن عباس الذى ساقه المصنف في الفصل في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن السحماء، فقال النبي ﷺ " البينة أو حد في ظهرك " فقال والذى بعثك بالحق انى لصادق ولينزلن الله في امرى ما يبرئ ظهرى من الحد، فأنزل الله تعالى (والذين يرمون أزواجهم) الآية، فدعاه النبي ﷺ وقال " أبشر يا هلال قد جعل الله لك فرجا مخرجا " فقال قد كنت أرجو ذلك من ربى وحديث عويمر العجلاني الذى مضى في اول هذا البحث وفيه: قد انزل الله فيك وفى صاحبتك اذهب فأت بها، فأتى بها فتلاعنا.
فيكون المعنى قد انزل الله فيك وفى صاحبتك، أي ما انزل في هلال بن امية وامرأته لانها عامة، ويجوز ان تكون الآية نزلت في الجميع، والمشهور هو الاول، وإنما خص الازواج باللعان بقذف الزوجات، لان الأجنبي لا حاجة به إلى القذف فغلظ عليه ولم يقبل منه في اسقاط الحد عنه الا بالبينة.
وإذا زنت الزوجة فقد أفسدت على الزوج فراشه وخانته فيما ائتمنها عليه، وألحقته من الغيظ مالا يلحق الأجنبي، وربما ألحقت به نسبا ليس منه، فاحتاج إلى قذفها لنفى ذلك النسب عنه، فخفف عنه بأن جعل لعانه يقوم مقام شهادة أربعة.
وان قدر الزوج على البينة واللعان فله أن يسقط الحد عن نفسه بأيهما شاء.
وقال بعض الناس ليس له ان يلاعن.
دليلنا انهما بينتان في اثبات حق فجاز له اقامة كل واحدة منهما مع القدرة على الاخرى، كالرجلين في الشهادة في المال والرجل والمرأتين (فرع)
وسواء قال الزوج رأيتها تزني أو قذفتها بزنى ولم يضف ذلك إلى رؤيته فله ان يلاعن لاسقاط الحد عنه.
وبه قال ابو حنيفة.
وقال مالك ليس له
أن يلاعن الا إذا قال رأيتها تزني، لان آية اللعان نزلت في هلال بن امية وكان
стр. 2226
قال رأيت بعينى وسمعت بأذنى.
دليلنا قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " الآية.
ولم يفرق بين أن يقول رأيت بعين أو أطلق ولانه معنى يخرج به من القذف المضاف إلى المشاهدة، فصح الخروج به من القذف المطلق كالبينة (فرع)
وإن كان هناك ولد يريد نفيه لم ينتف بالبينة وإنما ينتفى باللعان، لان الشهود لا سبيل لهم إلى ذلك.
وإن أراد أن يثبت الزنا بالبينة ويلاعن لنفى النسب أو يلاعن لهما جاز له ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن عفت الزوجة عن الحد أو التعزير - ولم يكن نسب - لم يلاعن، ومن أصحابنا من قال له أن يلاعن لقطع الفراش، والمذهب الاول، لان المقصود باللعان درء العقوبة الواجبة بالقذف ونفى النسب لما يلحقه من الضرر بكل واحد منهما، وليس ههنا واحد منهما، وأما قطع الفراش فإنه غير مقصود ويحصل له ذلك بالطلاق فلا يلاعن لاجله وإن لم تعف الزوجة عن الحد أو التعزير ولم تطالب به فقد روى المزني أنه ليس عليه أن يلاعن حتى تطلب المقذوفة حدها.
وروى فيمن قذف امرأته ثم جنت أنه إذا التعن سقط الحد، فمن أصحابنا من قال لا يلاعن لانه لا حاجة به إلى اللعان قبل الطلب.
وقال ابو إسحاق: له أن يلاعن لان الحد قد وجب عليه فجاز أن يسقطه من غير طلب، كما يجوز أن يقضى الدين المؤجل قبل الطلب.
وقوله: ليس عليه أن يلتعن، لا يمنع الجواز وإنما يمنع الوجوب
(فصل)
وإن كانت الزوجة أمة أو ذمية أو صغيرة يوطأ مثلها فقذفها عزر وله أن يلاعن لدرء التعزير لانه تعزير قذف، وإن كانت صغيرة لا يوطأ مثلها فقذفها عزر ولا يلاعن لدرء التعزير، لانه ليس بتعزير قذف، وإنما هو تعزير على الكذب لحق الله تعالى.
وإن قذف زوجته ولم يلاعن فحد في قذفها ثم قذفها بالزنا الذى رماها به عزر
стр. 2227
ولا يلاعن لدرء التعزير لانه تعزير لدفع الاذى، لانا قد حددناه للقذف، فإن ثبت بالبينة أو بالاقرار أنها زانية ثم قذفها فقد روى المزني انه لا يلاعن لدرء التعزير.
وروى الربيع انه يلاعن لدرء التعزير.
واختلف أصحابنا فيه على طريقين، فقال ابو اسحاق: المذهب ما رواه المزني وما رواه الربيع من تخريجه لان اللعان جعل لتحقيق الزنا وقد تحقق زناها بالاقرار أو البينة، ولان القصد باللعان إسقاط ما يجب بالقذف، والتعزير ههنا على الشتم لحق الله تعالى لا على القذف، لانه بالقذف لم يلحقها معرة.
وقال ابو الحسن بن القطان وأبو القاسم الداركى: وهى على قولين
(أحدهما)
لا يلاعن لما ذكرناه
(والثانى)
يلاعن لانه إذا جاز أن يلاعن لدرء التعزير فيمن لم يثبت زناها، فلان يلاعن فيمن ثبت زناها أولى.
(الشرح) درء العقوبة دفعها وإزالتها، وبابه نفع، ودارأته دافعته، وفى الحديث " ادرءوا الحدود بالشبهات " وفى الكتاب " ويدرءون بالحسنة السيئة " وقال تعالى (فادارأتم فيها) أي تماريتم وتدافعتم، والمدارأة بالهمز المدافعة.
قال الشاعر بلسان ناقته: تقول وقد درأت لها وضينى
* أهذا دينه أبدا وديني؟ أكل الدهر حل وارتحال؟
* فما تبقى على ولا تقيني
والمداراة بغير همز الاخذ بالرفق أو المخاتلة.
يقال داريته إذا لاينته، ودريته إذا ختلته.
ومنه: فإن كنت لا أدرى الظباء فانني
* أدس لها تحت التراب الدواهيا أما الاحكام فإن حد القذف حق للمقذوف، فإن عفا عنه سقط وان مات قبل أن يستوفيه ورث عنه، وقال أبو حنيفة: وهو حق لله لا حق للمقذوف فيه، فإن عفا عنه لم يسقط، وان مات لم يورث عنه.
ووافقنا أنه لا يستوفى الا بمطالبته.
دليلنا قوله ﷺ " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام " فأضاف العرض الينا كإضافة الدم والمال، فوجب أن يكون ما في مقابلته
стр. 2228
للمقذوف كالدم والمال، ولانه حق على البدن إذا ثبت بالاعتراف لم يسقط بالرجوع فكان للآدمي كالقصاص، ففى قولنا إذا ثبت بالاعتراف لم يسقط بالرجوع، احتراز من حد الزنا والخمر والقطع في السرقة.
إذا ثبت هذا فقذف زوجته ثم عفت عما وجب لها من الحد أو التعزير ولم يكن هناك ولد لم يكن له أن يلاعن، لانه يلاعن لاسقاط الحد عنه، وقد سقط بالعفو.
ومن أصحابنا من قال: له أن يلاعن لانه يستفيد به قطع الفراش والفرقة المؤبدة.
والمذهب الاول لان الفرقة يمكنه إحداثها بالطلاق الثلاث.
وان كان هناك ولد فله أن يلاعن لنفيه، وان لم تطالبه بالحد ولم تعف عنه، فإن كان هناك نسب فله يلاعن لنفيه عنه، وان لم يكن هناك نسب فليس له أن يلاعن.
ومن أصحابنا من قال: له أن يلاعن لقطع الفراش، والمذهب الاول، لانه انما يلاعن لنفى النسب أو لاسقاط الحد عنه، وليس هناك أحدهما، وقطع الفراش يمكنه بالطلاق الثلاث.
وجملة ما تقدم انه لا يتعرض له بإقامة الحد عليه ولا طلب اللعان منه حتى
تطالبه زوجته بذلك، فإن ذلك حق لها فلا يقام من غير طلبها كسائر حقوقها، وليس لوليها المطالبة عنها ان كانت مجنونة أو محجورا عليها، ولا لولى الصغيرة وسيد الامة المطالبة بالتعزير من أجلهما، لان هذا حق ثبت للتشفي فلا يقوم غير المستحق فيه مقام المستحق كالقصاص فإن أراد الزوج اللعان من غير مطالبة نظرنا فإن لم يكن هناك نسب يريد نفيه لم يكن له أن يلاعن، وكذلك كل موضع سقط فيه الحد، مثل أن أقام البينة بزناها أو أبرأته من قذفها أو حد لها ثم أراد لعانها ولا نسب هناك ينفى فإنه لا يشرع اللعان، وهذا قول أكثر اهل العلم، ولا نعلم فيه مخالفا الا بعض أصحابنا الذين قالوا: له الملاعنة لازالة الفراش، ولكن الصحيح عندنا مثل قول سائر الفقهاء لان ازالة الفراش تمكنه بالطلاق، والتحريم المؤبد ليس بمقصود يشرع اللعان لاجله، وانما حصل ذلك ضمنا.
أفاده ابن قدامة في المغنى فإذا قذف امرأته ثم جنت، أو قذفها في حال جنونها بزنا أضافه إلى حال الصحة، فإنه لا يجب عليه الحد بذلك، وانما يجب عليه التعزير، وان أراد الولى
стр. 2229
أن يطالب بما وجب لها من الحد أو التعزير لم يكن له ذلك، لان طريقة التشفي من القاذف بإقامة الحد عليه فلم يكن له ذلك كالقصاص، فإن التعن الزوج منها فقد قال الشافعي رضى الله عنه: وقعت الفرقة واختلف أصحابنا فيه على وجهين، فمنهم من قال إن كانت حاملا فللزوج أن يلاعن لان اللعان يحتاج إليه لنفى الولد عنه.
وإن كانت حائلا لم يكن له أن يلاعن لان اللعان يراد لاسقاط الحد أو لنفى الولد ولا ولد ههنا فتحتاج إلى نفيه، ولا يجب عليه الحد إلا بمطالبتها ولا مطالبة لها قبل الافاقة، فلم يكن له أن يلاعن.
وقال أبو إسحاق المروزى: له أن يلاعن سواء كانت حاملا أو حائلا، لانها إن كانت حاملا احتاج إلى اللعان لنفى الولد، وإن كانت حائلا احتاج إلى اللعان
لاسقاط الحد الواجب عليه في الظاهر كمن وجب عليه دين إلى أجل فله أن يدفعه قبل حلول الاجل، والاول أصح لان الشافعي قال " ليس على الزوج أن يلتعن حتى تطالب المقذوفة بحدها.
(مسألة) وإن قذف زوجته الصغيرة - فإن كانت لا يوطأ مثلها - كإبنة سبع سنين يعلم يقينا أنها لا توطأ وأنه كاذب ويجب عليه التعزير للكذب، وليس له أن يلاعن لاسقاط هذا التعزير لانا نتحقق كذبه فلا معنى للعان.
قال الشيخ أبو حامد ولا يقام عليه التعزير إلا بعد بلوغها، لانه لا يصح مطالبتها ولا ينوب عنها الولى في المطالبة.
وإن كانت صغيرة يوطأ مثلها كإبنة تسع سنين فما زاد صح قذفه، لان ما قاله يحتمل الصدق والكذب، ولا يجب عليه الحد بقذفها لانها ليس بمحصنة، وإنما يجب عليها التعزير، وهل للزوج أن يلاعن لاسقاط التعزير؟ فيه وجهان.
من أصحابنا من قال ليس له أن يلاعن، لان اللعان يراد لنفى النسب أو لاسقاط ما وجب عليه من الحد أو التعزير بقذفها، وذلك لا يجب قبل مطالبتها.
وقال أبو إسحاق، له أن يلاعن لاسقاط ما وجب عليه من التعزير في الظاهر وإن لم تطالب به كما يجوز أن يقدم ما وجب عليه من الدين المؤجل قبل حلوله.
وإن كانت له زوجة كتابية فقذفها لم يجب عليه الحد لانها ليست بمحصنة، ويجب عليه التعزير، وحكمه حكم الحد الذى يجب عليه بقذف المحصنة يسقط عنه
стр. 2230
بإقامة البينة على زناها أو باللعان، لانه إذا سقط عنه الحد الكامل بذلك فلان يسقط ما هو دونه بذلك أولى.
وإن كانت الزوجة أمة فقذفها لم يجب عليه الحد لانها ليست بمحصنة، ويجب عليه التعزير، وليس للسيد أن يطالب به لانه ليس بمال ولا له بدل هو مال،
وحق السيد إنما يتعلق بالمال أو بما بدله المال، فإن طالبته الامة به كان له أن يسقط ذلك بالبينة أو باللعان كما قلنا في الحد الذى يجب عليه بقذف المحصنة.
وإن عفت الامة عما وجب لها من التعزير سقط لانه لا حق للسيد فيه (مسألة) إذا قامت البينة على امرأة بالزنا أو أقرت بذلك ثم قذفها الزوج أو أجنبي بذلك الزنا أو بغيره لم يجب عليه حد القذف لقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات " الآية.
وهذه ليست بمحصنة، ولان القذف هو ما احتمل الصدق والكذب.
فأما ما احتمل أحدهما فإنه لا يكون قذفا، ألا ترى أنه لو قذف الصغيرة التى لا يوطأ مثلها في العادة.
أو قال الناس كلهم زناة لم يكن قذفا ولان الحد إنما جعل دفعا للعار عن نسب المقذوفة، وهذه لا عار عليها بذلك القذف، لان زناها قد ثبت ويجب عليه التعزير لانه أذاها وسبها وذلك محرم فعزر لاجله، فإن كان المؤذى لها بذلك أجنبيا لم يسقط عنه ببينة ولا بغيرها، لان هذا تعزير أذى وليس بتعذير قذف.
وإن كان المؤذى لها بذلك زوجها فهل له إسقاطه باللعان.
نقل المزني ليس له إسقاطه باللعان.
ونقل الربيع أن له إسقاطه باللعان، فاختلف أصحابنا في ذلك، فقال ابو اسحاق الصحيح ما نقله المزني، وما نقله الربيع غلط، لان اللعان إنما يراد لتحقيق الزنا والزنا هنا متحقق فلا فائدة في اللعان.
ولان اللعان إنما أسقط حق المقذوفة، وأما حق الله فلا يسقط، وهذا التعزير لحق الله تعالى فلم يجز إسقاطه باللعان، كما قلنا فيمن قذف صغيرة لا يوظأ مثلها فإن قيل لو كان هذا التعزير لحق الله تعالى لما كان يفتقر إلى مطالبتها، كما لو قال، الناس كلهم زناة، فإن الامام يعزره من غير مطالبة.
قلنا انما افتقر إلى مطالبتها لانه يتعلق بحق امرأة بعينها.
وقال أبو الحسين ابن القطان وابو القاسم الداركى هي على قولين
стр. 2231
(أحدهما)
لا يلاعن لما ذكرناه
(والثانى)
يلاعن، لانه إذا جاز أن يلاعن لدرء التعزير فيمن لم يثبت زناها فلان يلاعن فيمن ثبت زناها أولى.
ومنهم من قال ليست على قولين.
وإنما هي على اختلاف حالين، فالموضع الذى قال لا يلاعن إذا كان قد رماها بالزنا مضافا إلى ما قبل الزوجية، مثل ان رماها بالزنا وهما أجنبيان فأقام عليها البينة بذلك ثم تزوجها ورماها بذلك الزنا لانه كان في الاصل لا يجوز له اللعان لاجله فكذلك في الثاني، والموضع الذى قال: له أن يلاعن إذا رماها بالزنا في حال الزوجية، فحققه عليها بالبينة ثم رماها به ثانيا فله أن يلاعن لانه كان في الاصل له إسقاط حده باللعان قبل البينة فكذلك بعد البينة (فرع)
وإن قذف امرأته بالزنا ولم يقم عليها البينة ولم يلاعن فحد ثم رماها بذلك الزنا فإنه لا يجب عليه الحد، لان القذف هو ما احتمل الصدق والكذب وهذا لا يحتمل إلا الكذب، ولان الحد إنما يراد لدفع العار عن نسب المقذوفة وقد دفع عنه العار بالحد الاول فلا معنى لاقامة الحد ثاينا، ويجب عليه التعزير لانه آذاها بذلك، والاذى بذلك محرم ولا يلاعن لاسقاط هذا التعزير، لانه تعزير أذى فهو كالتعزير لاذى الصغيرة التى لا يوطأ مثلها وإن قذف أجنبي أجنبية بالزنا ولم يقم البينة على الزنا فحد القاذف ثم رماها القاذف بذلك ثانيا فإنه لا يجب عليه الحد وإنما يجب عليه التعزير للاذى.
وقال بعض الناس يجب عليه حد القذف دليلنا ما روى أن أبا بكرة شهد هو ورجلان معه على المغيرة بن شبعة بالزنا فحدهم عمر رضى الله عنه.
ثم قال أبو بكرة للمغيرة: قد كنت زنيت، فهم عمر بجلده فقال له على رضى الله عنه: إن كنت تريد أن تحده فارجم صاحبك، فأدرك عمر معنى قول على ﵇: إن كنت تجعل هذا قذفا ثانيا فقد تمت الشهادة على
المغيرة.
وإن كان هو القذف الاول فقد حددته.
(فرع)
قال ابن الصباغ في الشامل: إذا قذف الرجل امرأته وثبت عليها الحد بلعانه نظرت - فإن لاعنته - فقد عارض لعانه لعانها فلا يثبت عليها الزنا ولا يجب عليها الحد ولا تزول حصانتها.
ومتى قذفها هو أو غيره وجب عليه حد القذف.
وإن قذفها ولاعنها ولم تلاعن هي فقد وجب عليها الحد ويسقط احصانها
стр. 2232
في حق الزوج.
وهل تسقط حصانتها في حق الأجنبي؟ فيه وجهان
(أحدهما)
تسقط حصانتها لانه قد ثبت زناها بلعان الزوج فلا يسقط احصانها لان اللعان حجة تختص بالزوج، ولهذا لا يسقط عن الأجنبي حد القذف به فلا يسقط احصانها به في حقه.
وذكر الشيخ أبو إسحاق أن الزوج إذا قذفها وتلاعنا، ثم قذفها بذلك الزنا الذى تلاعنا عليه لم يجب عليه الحد.
وان قذفها بزنا آخر ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجب عليه الحد، لان اللعان لا يسقط الا ما يجب بالقذف في الزوجية لحاجته إلى القذف.
وقد زالت الزوجية فزالت الحاجة إلى القذف.
وان تلاعنا ثم قذفها أجنبي حد، فكل موضع قلنا لا يجب على الزوج الحد بقذفها بعد الزوجية فإنه يجب عليه التعزير لانه أذاها والاذى محرم، ولا خلاف أنه لا يسقط هذا التعزير ولا الحد الذى يجب عليه إذا قذفها برنا آخر باللعان، لان اللعان انما يكون بين الزوجين وهما أجنبيان.
هذا مذهبنا وقال أبو حنيفة إذا قذفها أجنبي فإن كان الزوج لاعنها ونفى حملها وكان الولد حيا فعلى الأجنبي الحد، وان كان لم ينف حملها، أو نفاه وكان الولد ميتا فإنه لا حد على الأجنبي.
دليلنا ما رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لاعن بين هلال بن أمية
وامرأته ففرق بينهما وقضى بأن لا يدعى الولد لاب، وأنها لا ترمى ولا ولدها فمن رماها أو ولدها فعليه الحد ولم يفرق وهذا حجة لما قال ابن الصباغ فإنها أجابته باللعان وقال ﷺ " فمن رماها أو ولدها فعليه الحد " ولم يفرق بين الزوج وغيره.
والله تعالى أعلم بالصواب
стр. 2233
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
بَابُ مَا يلحق من النسب وما لا يلحق وما يجوز نفيه باللعان وما لا يجوز
إذا تزوج امرأة وهو ممن يولد لمثله، وأمكن اجتماعهما على الوطئ، وأتت بولد لمدة يمكن أن يكون الحمل فيها لحقه في الظاهر لقوله ﷺ " الولد للفراش " ولان مع وجود هذه الشروط يمكن أن يكون الولد منه، وليس ههنا ما يعارضه ولا ما يسقطه، فوجب أن يلحق به
(فصل)
وإن كان الزوج صغيرا لا يولد لمثله لم يلحقه، لانه لا يمكن أن يكون منه وينتفى عنه من غير لعان، لان اللعان يمين واليمين جعلت لتحقيق ما يجوز أن يكون، ويجوز أن لا يكون فيتحقق باليمين أحد الجائزين، وههنا لا يجوز أن يكون الولد له فلا يحتاج في نفيه إلى اللعان.
واختلف أصحابنا في السن التى يجوز أن يولد له، فمنهم من قال يجوز أن يولد له بعد عشر سنين، ولا يجوز أن يولد له قبل ذلك، وهو ظاهر النص.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ " مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في المضاجع " ومنهم من قال يجوز أن يولد له بعد تسع سنين ولا يجوز أن يولد له قبله،
لان المرأة تحيض لتسع سنين فجاز أن يحتلم الغلام لتسع، وما قاله الشافعي ﵀ أراد على سبيل التقريب لانه لابد أن يمضى بعد التسع إمكان الوطئ وأقل مدة الحمل وهو ستة أشهر، وذلك قريب من العشرة وإن كان الزوج مجبوبا فقد روى المزني أن له أن يلاعن، وروى الربيع أنه ينتفى من غير لعان.
واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق إن كان مقطوع الذكر والانثيين انتفى من غير لعان لانه يستحيل أن ينزل مع قطعهما، وإن قطع أحدهما لحقه، ولا ينتفى إلا بلعان، لانه إذا بقى الذكر أولج وأنزل، وإن بقى الانثيان ساحق وأنزل، وحمل الروايتين على هذين الحالين
стр. 2234
قال القاضى أبو حامد: في أصل الذكر ثقبان إحداهما للبول والاخرى للمنى فإذا انسدت ثقبة المنى انتفى الولد من غير لعان لانه يستحيل الانزال، وإن لم تنسد لم ينتف إلا باللعان، لانه يمكن الانزال.
وحمل الروايتين على هذين الحالين (الشرح) حديث " الولد للفراش " رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن إلا أبا داود، وقد عده السيوطي في الاحاديث المتواترة.
وقال الحافظ بن حجر: هذا الحديث رواه بضعة وعشرون نفسا (قلت) ورد هذا الحديث عن أبى هريرة وعائشة وعثمان وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وأبى أمامة وعمرو بن خارجة وابن الزبير وابن مسعود وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وقاص والبراء بْنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَعَبْدِ اللَّهِ بن عباس والحسن بن على ﵉ وعبادة بن الصامت وواثلة بن الاسقع ومعاوية بن عمرو وأنس وعبد الله بن حذافة السهمى وسودة بنت زمعة وأبى مسعود البدرى وزينب بنت جحش.
وعن التابعين مرسلا سعيد بن المسيب وعبيد بن عمر والحسن البصري.
وفى لفظ للبخاري " الولد لصاحب الفراش ".
أما حديث " مروهم بالصلاة " أخرجه
أبو داود والترمذي وغيرهما من حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ومن حديث سبرة بن معبد الجهنى.
قال الترمذي هو حديث حسن ولفظ رواية عمرو بن شعيب " مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في المضاجع " أما اللغات، فقوله " ما يلحق من النسب " فهو من باب تعب ومصدره لحاق بالفتح أي أدرك وألحق مثله: وألحقت زيد بعمرو أتبعته إياه فلحق به وألحق أيضا.
وفى الدعاء " ان عذابك بالكفار ملحق " يجوز اسم فاعل بالكسر أي لاحق وبالفتح اسم مفعول لان الله ألحقه وألحق القائف الولد بأبيه واستلحقت الشئ ادعيته.
ولحقه الثمن لحوقا لزمه، فاللحوق اللزوم واختلف في معنى الفراش فذهب الاكثر إلى أنه اسم للمرأة، وقد يعبر به عن حالة الافتراش.
وقيل انه اسم للزوج.
روى ذلك عن أبى حنيفة.
وأنشد بن الاعرابي مستدلا على هذا المعنى قول جرير.
باتت تعانقه وبات فراشها
стр. 2235
وفى القاموس: إن الفراش زوجة الرجل.
قيل ومنه " وفرش مرفوعة " والجارية يفترشها الرجل.
اه والعاهر الزانى، يقال " عهر " أي زنى.
قيل ويختص ذلك بالليل.
قال في القاموس: عهر المرأة كمنع عهرا ويكسر ويحرك، وعهارة بالفتح وعهورة، وعاهرها عهارا أتاها ليلا للفجور أو نهارا.
اه ومعنى له الحجر أي الخيبة أو لا شئ له في الولد، والعرب تقول: له الحجر وبفيه الترب، يريدون ليس له إلا الخيبة، وقيل المراد بالحجر أنه يرجم بالحجارة إذا زنى، ولكنه يرد على هذا أنه لا يرجم كل من زنى بل المحصن فقط
أما الاحكام فإنه يمهد لذلك بأنه لا فرق أولا بين كون الزوجة مدخولا بها أو غير مدخول بها في أنه يلاعنها.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من علماء الامصار، منهم عطاء والحسن والشعبى والنخعي وعمرو بن دينار وقتادة وَمَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَهْل الْعِرَاقُ وَالشَّافِعِيُّ، فإن كانت غير مدخول بها فقد قال أحمد وسعيد بن جبير وقتادة ومالك: لها نصف الصداق، فإن كان أحد الزوجين غير مكلف فلا لعان بينهما على ما سيأتي بيانه، فإن كان غير المكلف الزوج فله حالان
(أحدهما)
أن يكون طفلا
(والثانى)
أن يكون بالغا زائل العقل، فإن كان طفلا - فإن أتت امرأته بولد نظرنا - فإن كان لدون عشر سنين، وهى السن التى يؤيدها ظاهر النص والحديث " اضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع " وإن ذهب بعض الاصحاب إلى ما دون ذلك، فإن كان لدون عشر سنين لم يلحقه الولد ويكون منفيا عنه، لان العلم يحيط به بأنه ليس منه، فإن الله لم يجر العادة بأن يولد له لدون ذلك فينتفى عنه، كما لو أتت به المرأة لدون ستة أشهر منذ تزوجها كما سيأتي، ولان الولد لا يخلق الا من ماء الرجل والمرأة ولو أنزل لبلغ.
والصحيح أنه إذا تحقق إمكان الانزال فقد ثبت البلوغ وألحق به الولد.
وهذا ظاهر مذهب أحمد، لان الولد يلحق بالامكان، وإن خالف الظاهر.
فإذا ولدت ولدا يمكن كونه منه فهو ولده في الحكم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 2236
" الولد للفراش " ولا ينتفى عنه إلا بنفيه باللعان من الزوج وحده.
وقال أحمد أن يوجد اللعان منهما جميعا.
ولنا أن نفى الولد إنما كان بيمينه والتعانه هو لا بيمين المرأة على تكذيبه، ولا معنى ليمين المرأة في نفى النسب وهى تثبته وتكذب قول من ينفيه، وإنما لعانها لدرء الحد عنها، كما قال تعالى " ويدرأ عنها العذاب أن
تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين " وقال أحمد وأصحابه: لا يكون اللعان تاما إلا إذا التعنا جميعا، وأن تكمل ألفاظ اللعان منهما جميعا، وأن يبدأ بلعان الزوج قبل المرأة، فإن بدأ بلعان المرأة لم يعتد به، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ مالك وأصحاب الرأى ان فعل أخطأ السنة والفرقة جائزة وينتفى الولد عنه، لان الله تعالى عطف لعانها على لعانه بالواو وهى لا تقتضي ترتيبها، ولان اللعان قد وجد منهما جميعا فأشبه ما لو رتبت، وعندنا لا يتم اللعان إلا بالترتيب إلا أنه يكفى عندنا لعان الرجل وحده لنفى الولد، وذلك حاصل مع إخلاله بالترتيب وعدم كمال ألفاظ اللعان من المرأة.
ومن شروطه أن يذكر نفى الولد في اللعان.
وهذا هو ظاهر مذهب الحنابلة.
وقد خالف القاضى ابو بكر منهم فقال انه لا يحتاج إلى ذكر الولد ونفيه، وينتفى بزوال الفراش، ولان حديث سهل الذى وصف فيه اللعان لم يذكر فيه الولد وقال فيه ففرق الرسول ﷺ بينهما وقضى أن لا يدعى ولدها لاب ولا يرمى ولدها.
رواه أبو داود وغيره.
وفى حديث مسلم عن عبد الله أن رجلا لاعن امرأته عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ففرق النبي ﷺ بينهما وألحق الولد بأمه.
دليلنا أن من سقط حقه باللعان كان ذكره شرطا، ولان غاية ما في اللعان أن يثبت زناها وذلك لا يوجب نفى الولد، كما لو أقرت به أو قامت به بينة فأما حديث سهل بن سعد فقد روى فيه - وكانت حاملا فأنكر حملها - من رواية البخاري وروى ابن عمر أن رجلا لاعن امرأته فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وانتفى من ولدها ففرق رسول الله ﷺ بينهما وألحق الولد بالمرأة، والزيادة من الثقة مقبولة
стр. 2237
فعلى هذا لابد من ذكر الولد في كل لفظة ومع اللعن في الخامسة لانها من لفظات اللعان.
(مسألة) قال بعض أصحابنا يجوز أن يولد لهما لتسع سنين، ونصف السنة وهى مدة الحمل، لان الجارية قد تحيض لتسع فكذلك الغلام.
وقد عرفنا أن عمرو بن العاص كان بينه وبين إبنه عبد الله إثنا عشر عاما ولنا أن الزمن الذى يمكن البلوغ فيه والاحتلام منه يلحقه الولد فيه.
وأما قياس الغلام على الجارية فغير صحيح، لاننا نعلم أنه لا يمكنه الاستمتاع لتسع (فرع)
قال أصحابنا: إن ولدت امرأة مقطوع الذكر والانثيين لم يلحق نسبه به في قول عامة أهل العلم، لانه يستحيل منه الايلاج والانزال.
وإن قطعت أنثياه دون ذكره فكذلك لانه لا ينزل ما يخلق منه الولد.
وقال بعضهم يلحقه النسب لانه يتصور منه الايلاج وينزل ماء رقيقا أو منيا من ثقبة المنى.
وبهذا قال القاضى أبو حامد المروروذى من أصحابنا وقال أبو إسحاق إن هذا لا يخلق منه ولد عادة ولا وجد ذلك.
وبه قال أكثر أصحاب أحمد رضى الله عنه.
فأما ان قطع ذكره وحده فإنه يلحقه الولد لانه يمكن أن يساحق فينزل ماء يخلق منه الولد.
وقال ابن اللبان لا يلحقه الولد في هاتين الصورتين في قول الجمهور ولاصحاب أحمد اختلاف في ذلك على نحو ما ذكرنا من الخلاف عندنا، وهو الخلاف الناشئ من روايتي الربيع والمزنى، وقد حمل أصحابنا الروايتين على الحالين اللذين أتينا عليهما.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن لم يمكن اجتماعهما على الوطئ بأن تزوجها وطلقها عقيب
العقد أو كانت بينهما مسافة لا يمكن معها الاجتماع انتفى الولد من غير لعان، لانه لا يمكن أن يكون منه.
(فصل)
وإن أتت بولد لدون ستة أشهر بولد من وقت العقد انتفى عنه من غير لعان، لانا نعلم أنها علقت به قبل حدوث الفراش، وإن دخل بها ثم طلقها وهى
стр. 2238
حامل فوضعت الحمل ثم أتت بولد آخر لستة أشهر لم يلحقه، وانتفى عنه من غير لعان، لانا قطعنا ببراءة رحمها بوضع الحمل، وأن هذا الولد الآخر علقت به بعد زوال الفراش.
وإن طلقها وهى غير حامل واعتدت بالاقراء ثم وضعت ولدا قبل أن تتزوج بغيره لدون ستة أشهر لحقه، لانا تيقنا أن عدتها لم تنقض، وإن أتت به لستة أشهر أو أربع سنين أو ما بينهما لحقه.
وقال أبو العباس بن سريج لا يلحقه لانا حكمنا بانقضاء العدة وإباحتها للازواج وما حكم به يجوز نقضه لامر محتمل، وهذا خطأ لانه يمكن أن يكون منه، والنسب إذا أمكن إثباته لم يجز نفيه، ولهذا إذا أتت بولد بعد العقد لستة أشهر لحقه.
وإن كان الاصل عدم الوطئ وبراءة الرحم فإن وضعته لاكثر من أربع سنين نظرت - فإن كان الطلاق بائنا - انتفى عنه بغير لعان، لان العلوق حادث بعد زوال الفراش، وإن كان رجعيا ففيه قولان
(أحدهما)
ينتفى عنه بغير لعان لانها حرمت عليه بالطلاق تحريم المبتوتة، فصار كما لو طلقها طلاقا بائنا (والقول الثاني) يلحقه لانها في حكم الزوجات في السكنى والنفقة والطلاق والظهار والايلاء، فإذا قلنا بهذا فإلى متى يلحقة ولدها؟ فيه وجهان، قال أبو إسحاق يلحقه أبدا، لان العدة يجوز أن تمتد لان أكثر الطهر لا حد له، ومن أصحابنا من قال يلحقه إلى أربع سنين من وقت انقضاء العدة، وهو الصحيح
لان العدة إذا انقضت بانت وصار كالمبتوتة (الشرح) إذا تزوج رجل امرأة في مجلس ثم طلقها فيه قبل غيبته عنهم، ثم أتت امرأته بولد لستة أشهر من حين العقد، أو تزوج مشرقي بمغربية ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد لم يلحقه، وبذلك قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة يلحقه نسبه لان الولد انما يلحقه بالعقد ومدة الحمل، ألا ترى أنكم قلتم إذا مضى زمان الامكان لحق الولد، وان علم انه لم يحصل منه الوطئ دليلنا انه لم يحصل امكان الوطئ بهذا العقد فلم يلحق به الولد، كزوجة ابن سنة أو كما لو ولدته لدون ستة أشهر، وفارق ما قاسوا عليه، لان الامكان إذا
стр. 2239
وجد لم يعلم أنه ليس منه قطعا لجواز أن يكون وطئها من حيث لا يعلم، ولا سبيل لنا إلى معرفة حقيقة الوطئ، فعلقنا الحكم على إمكانه في النكاح، ولم يجز حذف الامكان عن الاعتبار، لانه إذا انتفى حصل اليقين بانتفائه عنه، فلم يجز إلحاقة به مع يقين كونه ليس منه.
ومن ولدت امرأته ولدا لا يمكن كونه منه في النكاح لم يلحقه نسبه ولم يحتج إلى نفيه لانه يعلم أنه ليس منه فلم يلحقه، كما لو أتت به عقيب نكاحه لها، وذلك مثل أن تأتى به لدون ستة أشهر من حين تزوجها فلا يلحق به في قول كل من علمنا قوله من أهل العلم لاننا نعلم أنها علقت به قبل أن يتزوجها (فرع)
إذا طلق امرأته وهى حامل فوضعت ولدا ثم ولدت آخر قبل مضى ستة أشهر فهما من الزوج لاننا نعلم أنهما حمل واحد، فإذا كان أحدهما منه فالآخر منه، وإن كان بينهما أكثر من ستة أشهر لم يلحق الزوج وانتفى عنه من غير لعان لانه لا يمكن أن يكون الولدان حملا واحدا وبينهما مدة الحمل، فعلم أنها علقت به بعد زوال الزوجية وانقضاء العدة: وكونها أجنبية فهى كسائر الاجنبيات،
وإن طلقها فاعتدت بالاقراء ثم ولدت ولدا قبل مضى ستة أشهر من آخر أقرائها لحقه لاننا تيقنا أنها لم تحمله بعد انقضاء عدتها ونعلم أنها كانت حاملا به في زمن رؤية الدم فيلزم أن لا يكون الدم حيضا فلم تنقض عدتها به، وإن أتت به لاكثر من ذلك إلى أربع سنين لحقه.
وقال أبو العباس بن سريج لا يلحقه لانها أتت به بعد الحكم بانقضاء عدتها في وقت يمكن أن لا يكون منه فلم يلحقه، كما لو انقضت عدتها بوضع الحمل، وإنما يعتبر الامكان مع بقاء الزوجية أو العدة، وأما بعدهما فلا يكتفى بالامكان للحاقه، وإنما يكتفى بالامكان لنفيه، لان الفراش سبب، ومع وجود السبب يكتفى بإمكان الحكمة واحتمالها، فإذا انتفى السبب وآثاره فينتفى الحكم لانتفائه ولا يلتفت إلى مجرد الامكان، وبهذا قال أحمد وأصحابه.
وهذا خطأ لانه يمكن أن يكون منه لان الاصل أن الولد يلحق بالامكان فلحق به (فرع)
إذا وضعته قبل انقضاء العدة لاقل من أربع سنين لحق بالزوج ولم ينف عنه إلا باللعان، وإن وضعته لاكثر من أربع سنين من حين الطلاق وكان
стр. 2240
بائنا انتفى عنه بغير لعان لاننا علمنا أنها علقت به بعد زوال الفراش، وان كان رجعيا فوضعته لاكثر من أربع سنين منذ انقضت العدة فكذلك لانها علقت به بعد البينونة، وان وضعته لاكثر من أربع سنين منذ الطلاق ولاقل منها منذ انقضت العدة ففيه قولان
(أحدهما)
لا يلحقه لانها لم تعلق به قبل طلاق فأشبهت البائن
(والثانى)
يلحقه لانها في حكم الزوجات في السكنى والنفقة والطلاق والظهار والايلاء، وبهذا الذى قلناه عندنا فمثله عند أحمد رضى الله عنه، فالقولان عندنا روايتان له أفادهما ابن قدامة.
قال المصنف رحمة الله تعالى
(فصل)
وان كانت له زوجة يلحقه ولدها ووطئها رجل بالشبهة وادعى الزوج أن الولد من الواطئ عرض معهما على الفافة ولا يلاعن لنفيه لانه يمكن نفيه بغير لعان وهو القافة فلا يجوز نفيه باللعان، فإن لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها ترك حتى يبلغ السن الذى ينتسب فيه إلى أحدهما، فإن بلغ وانتسب إلى الواطئ بشبهة انتفى عن الزوج بغير لعان، وان انتسب إلى الزوج لم ينتف عنه الا باللعان لانه لا يمكن نفيه بغير اللعان فجاز نفيه باللعان وان قال زنى بك فلان وأنت مكرهة والولد منه ففيه قولان
(أحدهما)
لا يلاعن لنفيه لان أحدهما ليس بزان فلم يلاعن لنفى الولد كما لو وطئها رجل بشبهة وهى زانية
(والثانى)
أن له أن يلاعن وهو الصحيح، لانه نسب يلحقه من غير رضاه لا يمكن نفيه بغير اللعان فجاز نفيه باللعان كما لو كانا زانيين
(فصل)
وان أتت امرأته بولد فادعى الزوج انه من زوج قبله، وكان لها زوج قبله، نظرت فإن وضعته لاربع سنين فما دونها من طلاق الاول، ولدون ستة أشهر من عقد الزوج الثاني فهو للاول، لانه يمكن ان يكون منه، وينتفى عن الزوج بغير لعان لانه لا يمكن أن يكون منه وان وضعته لاكثر من أربع سنين من طلاق الاول ولاقل من ستة أشهر
стр. 2241
من عقد الزوج الثاني انتفى عنهما، لانه لا يمكن أن يكون من واحد منهما، وإن وضعته لاربع سنين فما دونها من طلاق الاول، ولستة أشهر فصاعدا من عقد الزوج الثاني عرض على القافة، لانه يمكن أن يكون من كل واحد منهما، فإن ألحقته بالاول لحق به وانتفى عن الزوج بغير لعان، وإن ألحقته بالزوج لحق به
ولا ينتفى عنه إلا باللعان، وان لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها ترك إلى أن يبلغ وقت الانتساب، فإن انتسب إلى الاول انتفى عن الزوج بغير لعان، وإن انتسب إلى الزوج لم ينتف عنه إلا باللعان: وإن لم يعرف وقت طلاق الاول ووقت نكاح الزوج فالقول قول الزوج مع يمينه أنه لا يعلم أنها ولدته على فراشه، لان الاصل عدم الولادة وانتفاء النسب، فإن حلف سقطت دعواها وانتفى النسب بغير لعان، لانه لم يثبت ولادته على فراشه، وإن نكل رددنا اليمين عليها، وإن حلفت لحق النسب بالزوج ولا ينتفى إلا باللعان، لانه ثبتت ولادته على فراشه وإن نكلت فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبى فيحلب ويثبت نسبه، فيه وجهان بناء على القولين في رد اليمين على الجارية المرهونة إذا أحبلها الراهن وادعى أن المرتهن أذن له في وطئها وأنكر المرتهن ونكلا جميعا عن اليمين
(أحدهما)
لا ترد اليمين، لان اليمين حق للزوجة، وقد أسقطته بالنكول، فلم يثبت لغيرها.
(والثانى)
ترد لانه يتعلق بيمينها حقها وحق الولد، فإذا أسقطت حقها لم يسقط حق الولد.
(فصل)
وإن جاءت امرأة ومعها ولد وادعت أنه ولدها منه وقال الزوج ليس هذا منى ولا هو منك بل هو لقيط أو مستعار لم يقبل قولها أنه منها من غير بينة لان اولادة يمكن إقامة البينة عليها والاصل عدمها فلم يقبل قولها من غير بينة، فإن قلنا ان الولد يعرض مع الام على القافة في أحد الوجهين عرض على القافة، فإن لحقته بالام لحق بها وثبت نسبه من الزوج لانها أتت به على فراشه ولا ينتفى عنه الا باللعان وان قلنا ان الولد لا يعرض مع الام على القافة.
أو لم تكن قافة.
أو كانت وأشكل عليها فالقول قول الزوج مع يمينه انه لا يعلم أنها ولدته على فراشه.
فإذا
стр. 2242
حلف انتفى النسب من غير لعان، لانه لم تثبت ولادته على فراشه.
وان نكل رددنا اليمين عليها فإن حلفت لحقه نسبه ولا ينتفى عنه الا باللعان.
وان نكلت فهل توقب اليمين على بلوغ الولد ليحلب؟ على ما ذكرناه من الوجهين في الفصل قبله.
(الشرح) ان غاب عن زوجته سنين فبلغتها وفاته فاعتدت ونكحت نكاحا صحيحا في الظاهر ودخل بها الثاني وأولدها أولادا ثم قدم الاول فسخ نكاح الثاني وردت إلى الاول وتعتد من الثاني ولها عليه صداق مثلها والاولاد له لانهم ولدوا على فراشه.
روى ذلك عن على ﵇.
وبه قال الثوري وأهل العراق وابن أبى ليلى ومالك وأهل الحجاز وأحمد واسحاق وأبو يوسف وغيرهم من أهل العلم الا أبا حنيفة فإنه قال الولد للاول لانه صاحب الفراش لان نكاحه صحيح ثابت ونكاح الثاني غير ثابت فأشبه الأجنبي دليلنا أن الثاني انفرد بوطئها في نكاح يلحق النسب في مثله فكان الولد له دون غيره.
كولد الامة من زوجها يلحقه دون سيدها.
وفارق الأجنبي فإنه ليس له نكاح.
(فرع)
إذا ولدت المرأة فأنكر زوجها الولد فلا حد عليه لان هذا ليس بقذف لاحتمال أن يكون مراده انه لا يشبهه في خلقه أو خلقه.
وان قال وطئت بشبهة والولد من الواطئ فلا حد عليه لانه لم يقذفها ولم يقذف واطئها.
وان قال أكرهت على الزنا فهل عليه اللعان؟ فمذهب أحمد وأبى حنيفة أنه لا حد عليه ولا لعان لانه لم يقذفها ومن شرط اللعان القذف ويلحقه نسب الولد.
ومذهبنا أن له اللعان لانه محتاج إلى نفى الولد بخلاف ما إذا قال وطئت بشبهة فإنه يمكن نفى النسب بعرض الولد على القافة فيستغنى بذلك عن اللعان فلا يشرع كما لا يشرع
لعان أمته لما أمكن نفى نسب ولدها بدعوى الاستبراء فإن قال وطئك فلان بشبهة وأنت تعلمين الحال فليس هذا بلعان وليس له نفيه باللعان لانه يمكنه نسبه بالقافة فأشبه ما لو قال واشتبه عليك أيضا.
وقدا اختار هذا بعض أصحاب أحمد
стр. 2243
وقال ابن قدامة: إنه يدخل في قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " فملك اللعان ونفى الولد، لانه قد لا يوجد قافة، وقد لا يعترف الرجل بما نسب إليه، أو يغيب أو يموت فلا ينتفى الولد.
(فرع)
وإن أتت بولد فادعى أنه من زوج قبله نظرت - فإن كانت تزوجت بعد انقضاء العدة - لم يلحق بالاول بحال، وان كان بعد أربع سنين منذ بانت من الاول لم يلحق به أيضا.
وإن وضعته لاقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني لم يلحق به وينتفى عنهما.
وإن كان لاكثر من ستة أشهر فهو ولده، وان كان لاكثر من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني ولاقل من أربع سنين من طلاق الاول ولم يعلم انقضاء العدة عرض على القافة وألحق بمن ألحقته به منهما، فإن ألحقته بالاول انتفى عن الزوج بغير لعان، وإن ألحقته بالزوج انتفى عن الاول ولحق الزوج، ولا ينتفى عنه الا باللعان، وهذا احدى الروايتين عن أحمد (رض) (مسألة) إذا تزوج رجلان أختين فغلط بهما عند الدخول فزفت كل واحدة منهما إلى زوج الاخرى فوطئها وحملت منه لحق الولد بالواطئ لانه وطئ يعتقد حله فلحق به النسب كالوطئ في نكاح فاسد وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب أحمد: لا يكون الولد للواطئ وانما يكون للزوج.
وهذا الذى يقتضيه أصل أبى حنيفة لان الولد للفراش.
دليلنا أن الواطئ انفرد بوطئها فيما يلحق به النسب فلحق به، كما لو لم تكن ذات زوج،
وكما لو تزوجت امرأة المفقود عند الحكم بوفاته ثم بان حيا، والخبر مخصوص بهذا فنقيس عليه ما كان في معناه وان وطئت امرأة بشبهة في طهر لم يصبها فيه، فاعتزلها حتى أتت بولد لستة أشهر من حين الوطئ لحق الواطئ وانتفى عن الزوج من غير لعان.
وعلى قول أبى حنيفة وبعض أصحاب أحمد: يلحق الولد الزوج، لان الولد للفراش.
وان أنكر الواطئ الوطئ فالقول قوله بغير يمين ويحلق نسب الولد بالزوج، لانه لا يمكن إلحاقه بالمنكر، ولا تقبل دعوى الزوج في قلع نسب الولد.
وان أتت بالولد لدون ستة أشهر من حين الوطئ لحق الزوج بكل حال لاننا نعلم أنه ليس
стр. 2244
من الواطئ.
وان اشتركا في وطئها في طهر فأتت بولد يمكن أن يكون منهما لحق الزوج لان الولد للفراش وقد أمكن كونه منه وان ادعى الزوج أنه من الواطئ فقال بعض أهل العلم: يعرض على القافة معهما فيلحق بمن ألحقته منهما، فإن ألحقته بالزوج لحق ولم يملك نفيه باللعان، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ﵁ ولنا أنه يمكن الاستعانة بالطب الشرعي في تحليل فصائل دم كل من الرجلين والام فإن تشابهت فصائل الدم عندهما أخذ بالقافة وان اختلفت فإن كان أحدهما (ا) والآخر (ب) والام (و) فإن جاء الولد (و) رجعنا إلى القافة.
وان جاء (ا) كان لمن فصيلته (ا) وان جاء (ب) كان كذلك، وان جاء (اب) رجعنا إلى القافة، ويحتمل أن يلحق الزوج لان الفراش دلالته أقوى فهو مرجح لاحد الاحتمالين فيلحق بالزوج، ويمكن أن يلحق بهما ولم يملك الواطئ نفيه عن نفسه، وللزوج أن ينفيه باللعان.
وهذا احدى الروايتين عن أحمد (رض) وان لم توجد القافة أو أنكر الواطئ الوطئ أو اشتبه على الطب الشرعي أو
القافة ترك إلى أن يكبر إلى وقت الانتساب فإن انتسب إلى الزوج والا نفاه باللعان (مسألة) إذا قال: ما ولدته وانما التقطته أو استعرته، فقالت بل هو ولدى منك لم يقبل قول المرأة الا ببينة، وهذا هو قول احمد وابى ثور واصحاب الرأى لان الولادة يمكن اقامة البينة عليها، والاصل عدمها فلم تقبل دعواها من غير بينة كالدين، فإن قلنا بأحد الوجهين ان الولد يعرض مع الام على القافة أو على الطب الشرعي، فإن ألحقاه بالام لحق بها وثبت نسبه من الزوج لانه لم يأت الا على فراشه، وليس له ان ينفيه باللعان، لانه لم يقذفها بالزنا، وانما ادعى نفى الولادة.
وان قلنا بالوجه الآخر بعدم العرض على القافة كان القول قوله مع يمينه انه لا يعلم انها ولدته على فراشه، وكذلك إذا أشكلت القافة حين عرض عليها أو تشابهت فصائل الدم، واحتمل ان يكون من غيرها، أو كانت فصيلته مشابهة للزوج ويحتمل ان يكون من غيره فإن القول قول الزوج مع يمينه، فإن حلف فلا لعان وانتفى نسبه منه، وان نكل رددناه عليها وبحلفها يلحقه الولد،
стр. 2245
وليس له أن يلاعنها، فإن نكلت هي أيضا فعلى ما ذكره المصنف في الفصل قبله من الوجهين من وقوف اليمين حتى يبلغ الولد
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا تزوج امرأة وهى وهو ممن يولد له ووطئها، ولم يشاركه أحد في وطئها بشبهة ولا غيرها، وأتت بولد لستة أشهر فصاعدا لحقه نسبه، ولا يحل له نفيه لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال حين نزلت آية الملاعنة: أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه وفضحه الله على رءوس الاولين والآخرين " وإن أتت امرأته بولد يلحقه في الظاهر بحكم الامكان وهو يعلم أنه لم يصبها،
وجب عليه نفيه باللعان، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ، ولن يدخلها الله تعالى جنته " فلما حرم النبي صلى الله عليه سلم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم، دل على أن الرجل مثلها، ولانه إذا لم ينفه جعل الأجنبي مناسبا له ومحرما له ولاولاده ومزاحما لهم في حقوقهم.
وهذا لا يجوز، ولا يحوز أن يقذفها لجواز أن يكون من وطئ شبهة أو من زوج قبله.
(فصل)
وإن وطئ زوجته ثم استبرأها لحيضة وطهرت ولم يطأها وزنت وأتت بولد لستة أشهر فصاعدا من وقت الزنا لزمه قذفها ونفى النسب لما ذكرناه وان وطئها في الطهر الذى زنت فيه فأتت بولد وغلب على ظنه أنه ليس منه، بأن علم أنه كان يعزل منها أو رأى فيه شبها بالزانى لزمه نفيه باللعان، وان لم يغلب على ظنه أنه ليس منه لم ينفه لقوله ﷺ " الولد للفراش وللعاهر الحجر " (الشرح) عمد المصنف إلى حديث أبى هريرة فجزأه جزأين مما أوهم أنهما حديثان، وكان يمكنه سوق الحديث برمته والاستدلال به في الموضعين بغير تجزئه ولا تكرار، فالحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في المستدرك وابن أبى شيبة عن ابى هريرة رضى الله عنه مرفوعا " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ، وأيما رجل جحد
следующие страницы →