← Фикх шафии

Фикх шафии · id 1026

تكملة المطيعي على المجموع شرح المهذب - ط السلفية

محمد نجيب المطيعي

Полный текст (3 572 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

من عقد الزوج الثاني انتفى عنهما، لانه لا يمكن أن يكون من واحد منهما، وإن وضعته لاربع سنين فما دونها من طلاق الاول، ولستة أشهر فصاعدا من عقد الزوج الثاني عرض على القافة، لانه يمكن أن يكون من كل واحد منهما، فإن ألحقته بالاول لحق به وانتفى عن الزوج بغير لعان، وإن ألحقته بالزوج لحق به ولا ينتفى عنه إلا باللعان، وان لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها ترك إلى أن يبلغ وقت الانتساب، فإن انتسب إلى الاول انتفى عن الزوج بغير لعان، وإن انتسب إلى الزوج لم ينتف عنه إلا باللعان: وإن لم يعرف وقت طلاق الاول ووقت نكاح الزوج فالقول قول الزوج مع يمينه أنه لا يعلم أنها ولدته على فراشه، لان الاصل عدم الولادة وانتفاء النسب، فإن حلف سقطت دعواها وانتفى النسب بغير لعان، لانه لم يثبت ولادته على فراشه، وإن نكل رددنا اليمين عليها، وإن حلفت لحق النسب بالزوج ولا ينتفى إلا باللعان، لانه ثبتت ولادته على فراشه وإن نكلت فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبى فيحلب ويثبت نسبه، فيه وجهان بناء على القولين في رد اليمين على الجارية المرهونة إذا أحبلها الراهن وادعى أن المرتهن أذن له في وطئها وأنكر المرتهن ونكلا جميعا عن اليمين (أحدهما) لا ترد اليمين، لان اليمين حق للزوجة، وقد أسقطته بالنكول، فلم يثبت لغيرها. (والثانى) ترد لانه يتعلق بيمينها حقها وحق الولد، فإذا أسقطت حقها لم يسقط حق الولد. (فصل) وإن جاءت امرأة ومعها ولد وادعت أنه ولدها منه وقال الزوج ليس هذا منى ولا هو منك بل هو لقيط أو مستعار لم يقبل قولها أنه منها من غير بينة لان اولادة يمكن إقامة البينة عليها والاصل عدمها فلم يقبل قولها من غير بينة، فإن قلنا ان الولد يعرض مع الام على القافة في أحد الوجهين عرض على القافة، فإن لحقته بالام لحق بها وثبت نسبه من الزوج لانها أتت به على فراشه ولا ينتفى عنه الا باللعان وان قلنا ان الولد لا يعرض مع الام على القافة. أو لم تكن قافة. أو كانت وأشكل عليها فالقول قول الزوج مع يمينه انه لا يعلم أنها ولدته على فراشه. فإذا

стр. 2242

حلف انتفى النسب من غير لعان، لانه لم تثبت ولادته على فراشه. وان نكل رددنا اليمين عليها فإن حلفت لحقه نسبه ولا ينتفى عنه الا باللعان. وان نكلت فهل توقب اليمين على بلوغ الولد ليحلب؟ على ما ذكرناه من الوجهين في الفصل قبله. (الشرح) ان غاب عن زوجته سنين فبلغتها وفاته فاعتدت ونكحت نكاحا صحيحا في الظاهر ودخل بها الثاني وأولدها أولادا ثم قدم الاول فسخ نكاح الثاني وردت إلى الاول وتعتد من الثاني ولها عليه صداق مثلها والاولاد له لانهم ولدوا على فراشه. روى ذلك عن على ﵇. وبه قال الثوري وأهل العراق وابن أبى ليلى ومالك وأهل الحجاز وأحمد واسحاق وأبو يوسف وغيرهم من أهل العلم الا أبا حنيفة فإنه قال الولد للاول لانه صاحب الفراش لان نكاحه صحيح ثابت ونكاح الثاني غير ثابت فأشبه الأجنبي دليلنا أن الثاني انفرد بوطئها في نكاح يلحق النسب في مثله فكان الولد له دون غيره. كولد الامة من زوجها يلحقه دون سيدها. وفارق الأجنبي فإنه ليس له نكاح. (فرع) إذا ولدت المرأة فأنكر زوجها الولد فلا حد عليه لان هذا ليس بقذف لاحتمال أن يكون مراده انه لا يشبهه في خلقه أو خلقه. وان قال وطئت بشبهة والولد من الواطئ فلا حد عليه لانه لم يقذفها ولم يقذف واطئها. وان قال أكرهت على الزنا فهل عليه اللعان؟ فمذهب أحمد وأبى حنيفة أنه لا حد عليه ولا لعان لانه لم يقذفها ومن شرط اللعان القذف ويلحقه نسب الولد. ومذهبنا أن له اللعان لانه محتاج إلى نفى الولد بخلاف ما إذا قال وطئت بشبهة فإنه يمكن نفى النسب بعرض الولد على القافة فيستغنى بذلك عن اللعان فلا يشرع كما لا يشرع لعان أمته لما أمكن نفى نسب ولدها بدعوى الاستبراء فإن قال وطئك فلان بشبهة وأنت تعلمين الحال فليس هذا بلعان وليس له نفيه باللعان لانه يمكنه نسبه بالقافة فأشبه ما لو قال واشتبه عليك أيضا. وقدا اختار هذا بعض أصحاب أحمد

стр. 2243

وقال ابن قدامة: إنه يدخل في قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " فملك اللعان ونفى الولد، لانه قد لا يوجد قافة، وقد لا يعترف الرجل بما نسب إليه، أو يغيب أو يموت فلا ينتفى الولد. (فرع) وإن أتت بولد فادعى أنه من زوج قبله نظرت - فإن كانت تزوجت بعد انقضاء العدة - لم يلحق بالاول بحال، وان كان بعد أربع سنين منذ بانت من الاول لم يلحق به أيضا. وإن وضعته لاقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني لم يلحق به وينتفى عنهما. وإن كان لاكثر من ستة أشهر فهو ولده، وان كان لاكثر من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني ولاقل من أربع سنين من طلاق الاول ولم يعلم انقضاء العدة عرض على القافة وألحق بمن ألحقته به منهما، فإن ألحقته بالاول انتفى عن الزوج بغير لعان، وإن ألحقته بالزوج انتفى عن الاول ولحق الزوج، ولا ينتفى عنه الا باللعان، وهذا احدى الروايتين عن أحمد (رض) (مسألة) إذا تزوج رجلان أختين فغلط بهما عند الدخول فزفت كل واحدة منهما إلى زوج الاخرى فوطئها وحملت منه لحق الولد بالواطئ لانه وطئ يعتقد حله فلحق به النسب كالوطئ في نكاح فاسد وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب أحمد: لا يكون الولد للواطئ وانما يكون للزوج. وهذا الذى يقتضيه أصل أبى حنيفة لان الولد للفراش. دليلنا أن الواطئ انفرد بوطئها فيما يلحق به النسب فلحق به، كما لو لم تكن ذات زوج، وكما لو تزوجت امرأة المفقود عند الحكم بوفاته ثم بان حيا، والخبر مخصوص بهذا فنقيس عليه ما كان في معناه وان وطئت امرأة بشبهة في طهر لم يصبها فيه، فاعتزلها حتى أتت بولد لستة أشهر من حين الوطئ لحق الواطئ وانتفى عن الزوج من غير لعان. وعلى قول أبى حنيفة وبعض أصحاب أحمد: يلحق الولد الزوج، لان الولد للفراش. وان أنكر الواطئ الوطئ فالقول قوله بغير يمين ويحلق نسب الولد بالزوج، لانه لا يمكن إلحاقه بالمنكر، ولا تقبل دعوى الزوج في قلع نسب الولد. وان أتت بالولد لدون ستة أشهر من حين الوطئ لحق الزوج بكل حال لاننا نعلم أنه ليس

стр. 2244

من الواطئ. وان اشتركا في وطئها في طهر فأتت بولد يمكن أن يكون منهما لحق الزوج لان الولد للفراش وقد أمكن كونه منه وان ادعى الزوج أنه من الواطئ فقال بعض أهل العلم: يعرض على القافة معهما فيلحق بمن ألحقته منهما، فإن ألحقته بالزوج لحق ولم يملك نفيه باللعان، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ﵁ ولنا أنه يمكن الاستعانة بالطب الشرعي في تحليل فصائل دم كل من الرجلين والام فإن تشابهت فصائل الدم عندهما أخذ بالقافة وان اختلفت فإن كان أحدهما (ا) والآخر (ب) والام (و) فإن جاء الولد (و) رجعنا إلى القافة. وان جاء (ا) كان لمن فصيلته (ا) وان جاء (ب) كان كذلك، وان جاء (اب) رجعنا إلى القافة، ويحتمل أن يلحق الزوج لان الفراش دلالته أقوى فهو مرجح لاحد الاحتمالين فيلحق بالزوج، ويمكن أن يلحق بهما ولم يملك الواطئ نفيه عن نفسه، وللزوج أن ينفيه باللعان. وهذا احدى الروايتين عن أحمد (رض) وان لم توجد القافة أو أنكر الواطئ الوطئ أو اشتبه على الطب الشرعي أو القافة ترك إلى أن يكبر إلى وقت الانتساب فإن انتسب إلى الزوج والا نفاه باللعان (مسألة) إذا قال: ما ولدته وانما التقطته أو استعرته، فقالت بل هو ولدى منك لم يقبل قول المرأة الا ببينة، وهذا هو قول احمد وابى ثور واصحاب الرأى لان الولادة يمكن اقامة البينة عليها، والاصل عدمها فلم تقبل دعواها من غير بينة كالدين، فإن قلنا بأحد الوجهين ان الولد يعرض مع الام على القافة أو على الطب الشرعي، فإن ألحقاه بالام لحق بها وثبت نسبه من الزوج لانه لم يأت الا على فراشه، وليس له ان ينفيه باللعان، لانه لم يقذفها بالزنا، وانما ادعى نفى الولادة. وان قلنا بالوجه الآخر بعدم العرض على القافة كان القول قوله مع يمينه انه لا يعلم انها ولدته على فراشه، وكذلك إذا أشكلت القافة حين عرض عليها أو تشابهت فصائل الدم، واحتمل ان يكون من غيرها، أو كانت فصيلته مشابهة للزوج ويحتمل ان يكون من غيره فإن القول قول الزوج مع يمينه، فإن حلف فلا لعان وانتفى نسبه منه، وان نكل رددناه عليها وبحلفها يلحقه الولد،

стр. 2245

وليس له أن يلاعنها، فإن نكلت هي أيضا فعلى ما ذكره المصنف في الفصل قبله من الوجهين من وقوف اليمين حتى يبلغ الولد قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا تزوج امرأة وهى وهو ممن يولد له ووطئها، ولم يشاركه أحد في وطئها بشبهة ولا غيرها، وأتت بولد لستة أشهر فصاعدا لحقه نسبه، ولا يحل له نفيه لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال حين نزلت آية الملاعنة: أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه وفضحه الله على رءوس الاولين والآخرين " وإن أتت امرأته بولد يلحقه في الظاهر بحكم الامكان وهو يعلم أنه لم يصبها، وجب عليه نفيه باللعان، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ، ولن يدخلها الله تعالى جنته " فلما حرم النبي صلى الله عليه سلم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم، دل على أن الرجل مثلها، ولانه إذا لم ينفه جعل الأجنبي مناسبا له ومحرما له ولاولاده ومزاحما لهم في حقوقهم. وهذا لا يجوز، ولا يحوز أن يقذفها لجواز أن يكون من وطئ شبهة أو من زوج قبله. (فصل) وإن وطئ زوجته ثم استبرأها لحيضة وطهرت ولم يطأها وزنت وأتت بولد لستة أشهر فصاعدا من وقت الزنا لزمه قذفها ونفى النسب لما ذكرناه وان وطئها في الطهر الذى زنت فيه فأتت بولد وغلب على ظنه أنه ليس منه، بأن علم أنه كان يعزل منها أو رأى فيه شبها بالزانى لزمه نفيه باللعان، وان لم يغلب على ظنه أنه ليس منه لم ينفه لقوله ﷺ " الولد للفراش وللعاهر الحجر " (الشرح) عمد المصنف إلى حديث أبى هريرة فجزأه جزأين مما أوهم أنهما حديثان، وكان يمكنه سوق الحديث برمته والاستدلال به في الموضعين بغير تجزئه ولا تكرار، فالحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في المستدرك وابن أبى شيبة عن ابى هريرة رضى الله عنه مرفوعا " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ، وأيما رجل جحد

стр. 2246

ولده وهو ينظر إليه احتجب الله تعالى منه، وفضحه على رءوس الاولين والآخرين يوم القيامة " وفى رواية ابن ماجه " ألحقت بقوم " أما أحكام الفصلين فإنه يحرم على الرجل قذف زوجته، وقد جعله القرآن الكريم من الكبائر قال تعالى " ان الذين يرمون المحصنات الغافلات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم " ولقوله ﷺ " أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رءوس الاولين والآخرين " قوله " ينظر إليه " يعنى يراه منه، فكما حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم حرم على الرجل جحد ولده، ولا يجوز قذفها بخبر من لا يوثق بخبره لانه غير مأمون على الكذب عليها، ولا برؤيته رجلا خارجا من عندها من غير أن يستفيض زناها لانه يجوز أن يكون دخل سارقا أو هاربا أو لحاجة. كما قررنا ذلك في صدر هذا البحث (فرع) اللعان واجب إذا رأى امرأته تزني في طهر لم يطأها فيه فإنه يلزمه اعتزالها حتى تنتهى عدتها، فإذا أتت بولد لستة أشهر من حين الزنا فأكثر لزمه قذفها ونفى ولدها لان ذلك يجرى مجرى اليقين في ان الولد من الزانى، فإذا لم ينفه لحقه الولد. وورثه وورث أقاربه وورثوا منه. ونظر إلى بنانه واخواته. وليس ذلك بجائز وسيحمل هو وزره فيجب نفيه لازالة ذلك وإذا أقرت له بالزنا وقع في قلبه صدقها فهو كما لو رآها. وكذلك إذا غلب على ظنه زناها في طهر وطئها فيه ثم اتت بولد فرأى ملامح الزانى ومخايله واضحة في الوليد. أو كان يطؤها ويعزل عنها ثم ولدت لستة اشهر من حين العزل فصاعدا لزمه نفيه ايضا باللعان. فإن لم يوقن أو يظن ظنا قويا انه ليس منه لم ينفه لحديث ابى هريرة رضى الله عنه الذى اخرجاه الشيخان واصحاب السنن الا ابا داود عن النبي ﷺ " الولد للفراش وللعاهر الحجر " وما رواه الشافعي بسنده عن ابن عمر " ان عمر قال: ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يعتزلونهن. لا تأتيني وليدة يعترف سيدها ان قد ألم بها الا ألحقت به ولدها. فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا "

стр. 2247

ومقتضى هذا أن الولد يلحق الاب بعد ثبوت الفراش، وهو لا يثبت إلا بعد إمكان الوطئ في النكاح الصحيح أو الفاسد، وإلى ذلك ذهب جمهور الفقهاء، وقال أبو حنيفة: إنه يثبت بمجرد ال؟ قد، واستدل له بأن مجرد المظنة كافية، ورد بمنع حصولها بمجرد العقد، بل لابد من إمكان الوطئ، ولا شك أن اعتبار مجرد العقد في ثبوت الفراش جمود ظاهر وحكى ابن القيم عن ابى حنيفة أنه يقول بأن نفس العقد وإن علم أنه لم يجتمع بها بل لو طلقها عقبه في المجلس تصير الزوجة به فراشا، وكذلك قوله بأن العقد يثبت به الفراش ولحوق النسب، ولو كانت بينهما م؟ افة طويلة لا يمكن وصوله إليها في مقدار مدة الحمل، وهذا كله لا دليل عليه قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن أتت امرأته بولد أسود وهما أبيضان، أو بولد أبيض وهما أسودان ففيه وجهان: (أحدهما) أن له أن ينفيه لما روى ابن عباس رضى الله عنه في حديث هلال ابن أمية إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الاليتين فهو للذى رميت به، فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الاليتين، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لولا الايمان لكان لى ولها شأن " فجعل الشبه دليلا على أنه ليس منه (والثانى) أنه لا يجوز نفيه لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بنى فزارة فقال " إن امرأتي جاءت بولد أسود ونحن أبيضان، فقال هل لك من إبل؟ قال نعم، قال ما ألوانها؟ قال حمر. قال هل فيها من أورق؟ قال إن فيها لورقا. قال فأنى ترى ذلك؟ قال عسى أن يكون نزعه عرق، قال وهذا عسى أن يكون نزعه عرق " (الشرح) حديث ابن عباس رواه أحمد وأبو داود وهو مطول عنده، وفى إسناده عباد بن منصور فيه مقال معروف. وحديث أبى هريرة أخرجه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الاربعة والدارقطني ولفظه " جاء رجل من بنى فزارة

стр. 2248

إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال: ولدت امرأتي غلاما أسود، وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ لك من ابل؟ قال نعم، قال فما ألوانها؟ قال حمر، قال هل فيها من اورق؟ قال ان فيها لورقا، قال فأنى أتاها ذلك؟ قال عسى أن يكون نزعه عرق، قال فهذا عسى أن يكون نزعه عرق ولم يرخص له في الانتفاء منه " ولابي داود في رواية " إن امرأتي ولدت غلاما أسود وانى أنكره " قوله " هلال بن أمية " هو أحد الثلاثة الذين خلفوا. قوله " جاء رجل " اسمه ضمضم بن قتادة أما اللغات فالاورق الاسمر، وفى المصباح ما كان لونه كلون الرماد، والاسم الورقة كالحمرة والخضرة والصفرة. والجعد ضد السبط وقد مضى. وقال الهروي يكون مدحا وذما، فالمدح؟ بعنيين، أحدهما أن يكون معضوب الخلق شديد الاسر، والثانى أن يكون شعرا جعدا، والذم بمعنيين. أحدهما أن يكون قصيرا مترددا، والثانى أن يكون نحيلا، يقال رجل جعد اليدين وجعد الاصابع أي مقبضها، والجمالى بضم الجيم، الضخم الاعضاء التام الاوصال، هكذا قال ابن بطال، وقال في المصباح: عظيم الخلق، وقيل طويل الجسم اه. قالوا ناقة جمالية من بدانتها، قال الشاعر: جمالية لم يبق سيرى ورحلتي * على ظهرها من نيها غير محفدى وخدلج الساقين أي عريض صدر القدمين خفاق القدم، وسابغا الاليتين أي كامل واف، ومنه الدرع السابغة أما الاحكام فإن حديث ابن عباس دليل على أنه يجوز للاب. أن ينفى ولده بمجرد كونه مخالفا لهما في اللون، وبهذا قال القاضى وأبو الخطاب من الحنابلة، وهو أحد الوجهين عند أصحابنا، وحديث أبى هريرة دليل على أنه لا يجوز له أن ينفى ولده بمجرد كونه مخالفا لهما في اللون وقد حكى القرطبى وابن رشد الاجماع على ذلك وتعقبهما الحافظ بن حجر بأن الخلاف في ذلك ثابت عند الشافعية فقالوا: ان لم ينضم إلى المخالفة في اللون قرينة زنا لم يجز النفى، فإن اتهمها فأتت بولد على لون الرجل الذى اتهمها به جاز

стр. 2249

النفى على الصحيح عندهم. وعند الحنابلة يجوز النفى مع القرينة مطلقا. وقال ابن قدامة: لا يجوز النفى بمخالفة الولد لون والديه أو شبههما، ولا لشبهه بغير والديه لما روى أبو هريرة (وساق حديث الفزارى) (قلت) ولان الناس كلهم لآدم وحواء وألوانهم وخلقهم مختلفة، فلولا مخالفتهم شبه والديهم لكانوا على خلفة واحدة، ولان دلالة الشبه ضعيفة، ودلالة ولادته على الفراش قوية فلا يجوز ترك القوى لمعارضة الضعيف، ولذلك لما تنازع سعد بن أبى وقاص وعبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة ورأى النبي ﷺ فيه شبها بينا بعتبة ألحق الولد بالفراش وترك الشبه، وهذا اختيار أبى عبد الله ابن حامد من أصحاب أحمد. وهو الوجه الآخر لاصحاب الشافعي قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن أتت امرأته بولد وكان يعزل عنها إذا وطئها لم يجز له نفيه، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله إنا نصيب السبايا ونحب الاثمان أفنعزل عنهن؟ فَقَالَ ﷺ " أَنَّ اللَّهَ إذا قضى خلق نسمة خلقها " ولانه قد يسبق من الماء مالا يحس به فتعلق به، وإن أتت بولد وكان يجامعها فيما دون الفرج ففيه وجهان (أحدهما) لا يجوز له النفى لانه قد يسبق الماء إلى الفرج فتعلق به (والثانى) أن له نفيه لان الولد من أحكام الوطئ، فلا يتعلق بما دونه كسائر الاحكام. وإن أتت بولد وكان يطؤها في الدبر ففيه وجهان (أحدهما) لا يجوز له نفيه، لانه قد يسبق من الماء إلى الفرج ما تعلق به. (والثانى) له نفيه لانه موضع لا يبتغى منه الولد. (فصل) إذا قذف زوجته وانتفى عن الولد - فإن كان حملا - فله أن يلاعن وينفى الولد، لان هلال بن أمية لاعن على نفى الحمل، وله أن يؤخره إلى أن تضع، لانه يجوز أن يكون ريحا أو غلظا فيؤخر ليلاعن على يقين، وإن كان الولد منفصلا ففى وقت نفيه قولان (أحدهما) له الخيار في نفيه ثلاثة

стр. 2250

أيام، لانه قد يحتاج إلى الفكر والنظر فيما يقدم عليه من النفى، فجعل الثلاث حدا لانه قريب، ولهذا قال الله " يا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب " ثم فسر القريب بالثلاث، فقال " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب " (والثانى) وهو المنصوص في عامة الكتب أنه على الفور، لانه خيار غير مؤد لدفع الضرر، فكان على الفور كخيار الرد بالعيب، فإن حضرت الصلاة فبدأ بها أو كان جائعا فبدأ بالاكل، أو له مال غير محرز واشتغل بإحرازه، أو كان عادته الركوب واشتغل بإسراج المركوب، فهو على حقه من النفى، لانه تأخير لعذر. وان كان محبوسا أو مريضا أو قيما على مريض أو غائبا لا يقدر على المسير وأشهد على النفى فهو على حقه وان لم يشهد مع القدرة على الاشهاد سقط حقه، لانه لما تعذر عليه الحضور للنفي أقيم الاشهاد مقامه إلى أن يقدر كما أقيمت الفيئة باللسان مقام الوطئ في حق المولى إذا عجز عن الوطئ إلى أن يقدر (الشرح) حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بألفاظ مختلفة كلها تؤدى معنى ما ساقه المصنف هنا، وقد مضى الكلام على طرقه وأقوال العلماء فيه في أحكام العزل من كتاب النكاح فليراجع. وروى معناه عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وأسامة بن زيد وغيرهم رضى الله عنهم أجمعين. فإذا أتت بولد وكان يعزل عنها لم يجز له نفيه لحديث ابى سعيد، ولانه قد يسبق من الماء مالا يحس به فتعلق. وأما ان كان لا يطؤها الا دون الفرج أو في الدبر فأتت بولد، فذكر أصحابنا فيه وجهين (أحدهما) انه ليس له نفيه لانه لا يأمن ان يسبق الماء إلى الفرج فيعلق به، وبه قال احمد. وقال ابن قدامة: هو بعيد لانه من أحكام الوطئ في الفرج فلا يتعلق بما دونه كسائر الاحكام، ودلالة عدم الوطئ في الفرج على انتفاء الولد أشد من دلالة مخالفة الولد لون أبيه اه. وهذا هو الوجه الثاني عندنا وبشجب ابن قدامة لما قاله أصحابه يكون في مذهب احمد في المسألة قولان

стр. 2251

وقال أبو حنيفة لا يلاعن وبناه على أصله في أن اللواط لا يوجب الحد. وهذا فاسد لان الرمى به معرة، وقد دخل تحت عموم قوله تعالى (والذين يرمون أزواجهم) وقد حقق القرطبى في تفسير سورتي الاعراف والمؤمنون انه يجب الحد. وقالت المالكية: يلاعن إذا انتفى من الحمل بشرطه (مسألة) إذا ظهر بامرأته حمل فله أن ينفيه وله أن يؤجل نفيه إلى أن تضع واختلف أصحاب أحمد فيما إذا لاعن امرأته حاملا ونفى حملها في لعان. فقال الخرقى وجماعة: لا ينتفى الحمل بنفيه قبل الوضع، ولا ينتفى حتى يلاعنها بعد الوضع وينتفى الولد فيه. وهذا قول ابى حنيفة وجماعة من أهل الكوفة، لان الحمل غير مستيقن يجوز أن يكون ريحا أو غيرها فيصير نفيه مشروطا بوجوده ولا يجوز تعليق اللعان بشرط ولنا أنه يصح نفى الحمل وينتفى عنه. دليلنا حديث هلال بن أمية وأنه نفى حملها فنفاه عنه النبي ﷺ وألحقه بالاول، ولا خفاء بأنه كان حملا وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " انظروها فإن جاءت به " كذا وكذا قال ابن عبد البر: الآثار الدالة على صحة هذا القول كثيرة - إلى أن قال - ولان الحمل مظنون بأمارات تدل عليه، ولهذا ثبتت للحامل أحكام تخالف بها الحائل من النفقة والفطر في الصيام وترك إقامة الحد عليها وتأخير القصاص عنها مما يطول ذكره. اه وقالت المالكية: إذا ظهر بامرأته حمل فترك أن ينفيه لم يكن له نفيه بعد سكوته، لان سكوته بعد العلم به رضا به، كما لو أقر به ثم ينفيه فانه لا يقبل منه فان قال رجوت أن يكون ريحا ينفش أو تسقطه فأستريح من السقط، أو يكون من أمراض النساء كالاورام الليفية التى تبدو معها المرأة كأنها حامل في الشهر التاسع، وهى في حاجة إلى استئصال هذا الورم، فهل لنفيه بعد وضعه مدة ما؟ فإذا جاوزها لم يكن له ذلك، فقد اختلف في ذلك على قولين (أحدهما) إذا لم يكن له عذر في سكوته ح؟ ؟ مضت ثلاثة أيام فهو راض به ليس له نفيه. وبهذا قال المالكية وقالت الحنابلة: إذا ولدت ولدا فسكت عن نفيه مع امكانه لزمه نسبه

стр. 2252

ولم يكن له نفيه بعد ذلك، ومدة الثلاث فرصة كافيه لانعام النظر واعمال الفكر والتدبر في الامر، فقد يكون في التريث أمن من الندم، ومدة الثلاث حكمها شائع في خيار البيع وفى اختبار المصراة، وقد جاء في تأويل قوله تعالى " قال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام " أنها توضيح لمبهم " قريب " في آية الناقة من وعيدهم بالعذاب. (والثانى) وهو المنصوص، وهو قول ابى بكر من اصحاب احمد رضى الله عنه: لا يتقدر ذلك بثلاث، بل هو على ما جرت به العادة ان كان ليلا، فحتى يصبح وينتشر في الناس، وان كان جائعا أو ظمآن فحتى يأكل أو يشرب، أو ينام ان كان ناعسا، أو يلبس ثيابه ويسرج دابته ويركب ويصلى ان حضرت الصلاة، ويحرز ماله ان كان غير محرز، وأشباه ذلك من أشغاله، فان أخره بعد هذا كله لم يمكن له نفيه. وقال ابو حنيفة: له تأخير نفيه يوما ويومين استحسانا، لان النفى عقيب الولادة يشق فقدر باليومين لقلته. وقال ابو يوسف ومحمد يتقدر بمدة النفاس لانها جارية مجرى الولادة في الحكم. وحكى عن عطاء ومجاهد أن له نفيه ما لم يعترف به فكان له نفيه كحالة الولادة. ووجه القول الاول انه خيار لدفع الضرر المتحقق فكان على الفور كخيار الشفعة. وقول النبي ﷺ " الولد للفراش " عام خرج منه ما اتفقنا عليه مع السنة الثابتة، فما عداه يبقى على عموم الحديث. وما ذكره ابو حنيفة يبطل بخيار الرد بالعيب والاخذ بالشفعة، وتقديره بمدة النفاس تحكم لا دليل عليه، وكذلك يرد هذا على ما قال عطاء، ولا يلزم القصاص لانه لاستيفاء حق لا لدفع ضرر ولا الحمل لانه لم يتحقق ضرره. وقالت المالكية: ان الايام الثلاثة آخر حد القلة وأول حد الكثرة (فرع) ان كان له عذر يمنعه من الحضور لنفيه كالمرض والحبس، أو الاشتغال بحفظ مال يخاف ضيعته أو بملازمة غريم يخالف فوته أو غيبته نظرت - فان كانت مدة ذلك قصيرة فأخره إلى الحضور ليزول عذره - لم يبطل نفيه لانه بمنزلة من علم ذلك ليلا فأخره إلى الصبح وان كانت تطاول فأمكنه التنفيذ إلى الحاكم ليبعث إليه من يستوفى عليه اللعان

стр. 2253

والنفى فلم يفعل سقط نفيه، فإن لم يمكنه أشهد على نفسه أنه ناف لولد امرأنه، فإن لم يفعل بطل خياره، لانه إذا لم يقدر على نفيه كان الاشهاد قائما مقامه كما يقيم المريض الفيئة بقوله في الايلاء بدلا عن الفيئة بالجماع قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وإن ادعى أنه لم يعلم بالولادة فإن كان في موضع لا يجوز أن يخفى عليه ذلك من طريق العادة، بأن كان معها في دار أو محلة صغيرة لم يقبل، لانه يدعى خلاف الظاهر، وإن كان في موضع يجوز أن يخفى عليه كالبلد الكبير، فالقول قوله مع يمينه، لان ما يدعيه ظاهر وإن قال علمت بالولادة إلا أنى لم أعلم أن لى النفى - فإن كان ممن يخالط أهل العلم - لم يقبل قوله، لانه يدعى خلاف الظاهر، وإن كان قريب عهد بالاسلام أو نشأ في موضع بعيد من أهل العلم قبل قوله، لان الظاهر أنه صادق فيما يدعيه وإن كان في بلد فيه أهل علم إلا أنه من العامة ففيه وجهان (أحدهما) لا يقبل كما لا يقبل قوله إذا ادعى الجهل برد المبيع بالعيب. (والثانى) يقبل لان هذا لا يعرفه إلا الخواص من الناس بخلاف رد المبيع بالعيب، فإن ذلك يعرفه الخاص والعام. (فصل) وإن هنأه رجل بالولد فقال: بارك الله لك في مولودك وجعله الله لك خلفا مباركا وأمن على دعائه، أو قال استجاب الله دعاءك سقط حقه من النفى لان ذلك يتضمن الاقرار به، وإن قال أحسن الله جزاءك، أو بارك الله عليك أو رزقك الله مثله، لم يسقط حقه من النفى، لانه يحتمل أنه قال له ذلك ليقابل التحية بالتحية. (فصل) وإن كان الولد حملا فقال أخرت النفى حتى ينفصل ثم ألاعن على يقين فالقول قوله مع يمينه لانه تأخير لعذر يحتمله الحال. وان قال أخرت لانى قلت لعله يموت فلا أحتاج إلى اللعان، سقط حقه من النفى، لانه ترك النفى من غير عذر.

стр. 2254

(الشرح) إذا ثبت ما قدمنا من شرح الفصول فهل يتقدر الخيار في النفى بمجلس العلم؟ أو بإمكان النفى؟ على وجهين بناء على المطالبة بالشفعة، فإن أخر نفيه عن ذلك ثم ادعى أنه لا يعلم بالولادة وأمكن صدقه بأن يكون في موضع يخفى عليه ذلك، مثل أن يكون في محلة أخرى فالقول قوله مع يمينه لان الاصل عدم العلم، وان لم يمكن - مثل أن يكون معها في الدار - لم يقبل لان ذلك لا يكاد يخفى عليه. وإن قال علمت ولادته ولم أعلم أن لى نفيه، أو علمت ذلك ولم أعلم انه على الفور وكان ممن يخفى عليه ذلك كعامة الناس قبل منه، لان هذا مما يخفى عليهم فأشبه ما لو كان حديث عهد بإسلام. وان كان فقيها لم يقبل منه وقال بعض الحنابلة يحتمل أن يقبل منه لان الفقيه يخفى عليه كثير من الاحكام أفاده ابن قدامة. وقال أكثرهم كقولنا لا يقبل ذلك من الفقيه ويقبل من الناشئ وحديث العهد بالاسلام. وهل يقبل من سائر العامة؟ على وجهين ذكرهما المصنف (فرع) إذا قال لم أصدق الخبر عنه نظرت - فإن كان مستفيضا وكان المخبر مشهور العدالة - لم يقبل والا قبل. وان قال لم أعلم أن على ذلك قبل قوله لانه مما يخفى، وان علم وهو غائب فأمكنه السير فاشتغل به لم يبطل خياره. وان كانت له حاجة تمنعه من السير فهو على ما ذكرنا من قبل، وان أخر نفيه لغير عذر وقال: أخرت نفيه رجاء أن يموت فأستر عليه وعلى بطل خياره، لانه أخر نفيه مع الامكان لغير عذر (مسألة) قوله " وان هنأه رجل بالولد الخ " فجملة ذلك انه إذا هنئ به فأمن على الدعاء لزمه في قولهم جميعا. وان قال أحسن الله جزاءك أو بارك الله عليك أو رزقك الله مثله فانه لا يلزمه لانه جازاه على قصده وليس ذلك اقرارا ولا متضمنا له. وقال أحمد وأصحابه وأبو حنيفة: يلزمه الولد، لان ذلك جواب الراضي في العادة فكان اقرارا كالتأمين على الدعاء، وان سكت كان اقرارا. هكذا أفاده ابن قدامة، قال لان السكوت صلح دال على الرضى في حق البكر وفى مواضع أخرى، فههنا أولى وهذا وما بقى من فروع في الفصول فقد مضى لنا بحثها في الفصول قبله

стр. 2255

قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) إذا أتت امرأته بولدين توأمين وانتفى عن أحدهما وأقر بالآخر أو ترك نفيه من غير عذر، لحقه الولدان لانهما حمل واحد فلا يجوز أن يلحقه أحدهما دون الآخر، وجعلنا ما انتفى منه تابعا لما أقر به، ولم نجعل ما أقر به تابعا لما انتفى منه، لان النسب يحتاط لاثباته ولا يحتاط لنفيه، ولهذا إذا أتت بولد يمكن أن يكون منه ويمكن أن لا يكون منه ألحقناه به احتياطا لاثباته، ولم ننفه احتياطا لنفيه. وإن أتت بولد فنفاه باللعان ثم أتت بولد آخر لاقل من ستة أشهر من ولادة الاول لم ينتف الثاني من غير اللعان، لان اللعان يتناول الاول، فإن نفاه باللعان انتفى، وإن أقر به أو ترك نفيه من غير عذر لحقه الولدان لانهما حمل واحد وجعلنا ما نفاه تابعا لما لحقه، ولم نجعل ما لحقه تابعا لما نفاه، لما ذكرناه في التوأمين. وإن أتت بالولد الثاني لستة أشهر من ولادة الاول انتفى بغير لعان لانها علقت به بعد زوال الفراش. (فصل) وان لاعنها على حمل فولدت ولدين بينهما دون ستة أشهر، لم يلحقه واحد منهما لانهما كانا موجودين عند اللعان فانتفيا به، وإن كان بينهما أكثر من ستة أشهر انتفى الاول باللعان، وانتفى الثاني بغير لعان، لانا تيقنا بوضع الاول براءة رحمها منه وأنها علقت بالثاني بعد زوال الفراش (فصل) وإن قذف امرأته بزنا أضافه إلى ما قبل النكاح - فإن لم يكن نسب - لم يلاعن لاسقاط الحد لانه قذف غير محتاج إليه فلم يجز تحقيقه باللعان كقذف الاجنبية، وإن كان هناك نسب يلحقه فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ انه لا يلاعن لانه قذف غير محتاج إليه، لانه كان يمكنه أن يطلق ولا يضيفه إلى ما قبل العقد (وَالثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أن له أن يلاعن لانه نسب يلحقه من غير رضاه لا ينتفى بغير لعان فجاز له نفيه باللعان.

стр. 2256

(الشرح) إذا ولدت امرأته توأمين - وهو أن يكون بينهما دون ستة أشهر - فاستلحق أحدهما ونفى الآخر لحقا به، ولا عبرة بنفيه، لان الحمل الواحد لا يجوز أن يكون بعضه منه وبعضه من غيره، فإذا ثبت نسب أحدهما منه ثبت نسب الآخر ضرورة فجعلنا ما نفاه تابعا لما استلحقه، ولم نجعل ما أقر به واستلحقه تابعا لما نفاه، لان النسب يحتاط لاثباته لا لنفيه، ولهذا لو أتت امرأته بولد يمكن كونه منه ويمكن أن يكون من غيره ألحقناه به احتياطا، ولم نقطعه عنه احتياطا لنفيه، ولان الشارع الحكيم يتشوف إلى ثبوت النسب مهما أمكن ولا يحكم بانقطاع النسب الا حيث يتعذر اثباته، ولهذا ثبت بالفراش، وبالدعوى وبالانساب التى بمثلها لا يثبت نتاج الحيوان، ولان اثبات النسب فيه حق لله تعالى وحق للولد وحق للاب، ويترتب عليه من الاحكام في الوصل بين العباد ما به قوام مصالحهم، فأثبته الشرع بأنواع الطرق التى لا يثبت بمثلها نتاج الحيوان، ولهذا لو أتت امرأته بولد يمكن كونه منه ويمكن كونه من غيره ألحقناه به احتياطا ولم نقطعه عنه احتياطا لنفيه. فلو قذف أمهما فطالبته بالحد فليس له اسقاطه باللعان، لانه باستلحاقه اعترف بكذبه في قذفه فلم يسمع منه انكاره بعد ذلك. وقالت الحنابلة: له اسقاطه باللعان. وحكى ابن قدامة قولا آخر للقاضى منهم انه يحد ولا يملك اسقاطه باللعان. ووجه المذهب عندنا ظاهر. أما وجه المسألة عندهم فإنه لا يلزم من كون الولد منه انتفاء الزنا عنها كما لا يلزم من الولد وجود الزنا منها كون الولد منه. ولذلك لو أقرت بالزنا أو قامت به بينة لم ينتف الولد عنه، فلا تنافى بين لعانه وبين استلحاقه للولد. (فرع) إذا استلحق أحد الولدين وسكت عن الآخر لحقه، لانه لو نفياه للحقه، فإذا سكت عنه كان أولى، ولان امرأته متى أتت بولد لحقه ما لم ينفه عنه باللعان. وان نفى أحدهما وسكت عن الاخر نفيناه. وقال أصحاب أحمد لحقاه جميعا، لان لحوق النسب مبنى على التغليب وهو يثبت بمجرد الامكان. وان كان لم يثبت الوطئ، ولا ينتفى الامكان للنفي فافترقا

стр. 2257

ولنا أنهما كانا موجودين عند اللعان فانتفيا به. وإن أتت بولد فنفاه ولاعن لنفيه ثم ولدت آخر لاقل من ستة أشهر انتفى الثاني باللعان الاول وقال الحنابلة لم ينتف لان اللعان تناول الاول وحده، ويحتاج في نفى الثاني إلى لعان ثان. ولنا أنهما حمل واحد وقد لاعن لنفيه مرة فلا يحتاج إلى لعان ثان فأما إن نفى الولد باللعان ثم أتت بولد آخر بعد ستة أشهر فهذا من حمل آخر، فإنه لا يجوز أن يكون بين ولدين من حمل واحد مدة الحمل وينتفى الثاني بغير لعان، لانها بولادتها للاول تبينا براءة رحمها، فيكون حملا آخر. وقال الحنابلة لا ينتفى بغير اللعان لانه حمل منفرد، فإن استلحقه أو ترك نفيه لحقه وإن كانت قد بانت باللعان لانه يمكن أن يكون قد وطئها بعد وضع الاول دليلنا أنها بانت باللعان فحرم عليه وطؤها فلا يكون ولده وإنما يكون من سفاح لاسيما وأنه جاء بعد براءة الرحم وانقضاء العدة بوضع الاول فكان حملها الثاني في غير نكاح فلم يحتج إلى نفيه لكونها أجنبية كسائر الاجنبيات. وقال في الام: إذا لاعن امرأته بولد فنفيناه عنه ثم جاءت بولد آخر فنفيناه عنه ثم جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر، وما يلزم به نسب ولد المبتوتة فهو ولده إلا أن ينفيه بلعان فإن نفاه فذلك له. (فرع) إذا مات أحد التوأمين أو ماتا معا فله أن يلاعن لنفى نسبهما. وبهذا قال أحمد. وقال أبو حنيفة يلزمه نفى الحى ولا يلاعن إلا لنفى الحى، لان الميت لا يصح نفيه باللعان، فإن نسبه قد انقطع بموته فلا حاجة إلى نفيه باللعان، كما لو ماتت امرأته فإنه لا يلاعنها بعد موتها لقطع النكاح، لكونه قد انقطع، وإذا لم ينتف الميت لم ينتف الحى لانهما حمل واحد. دليلنا أن الميت ينسب إليه فيقال ابن فلان ويلزمه تجهيزه وتكفينه فكان له نفى نسبه وإسقاط مؤنته كالحى، وكما لو كان للميت ولد. (فرع) إذا قذف امرأته بالزنا قبل زواجه منها لم يكن له أن يلاعن، لانه يأتي باللعان على غير ما ورد به القرآن والسنة، لانه كمن يلاعن أجنبية عنه فلم يصح ويقام عليه الحد. وهل له أن يلاعن إذا جاءت بولد ينتسب إليه؟ وجهان قال أبو إسحاق المروزى: لا يلاعن لامكان أن يطلقها من غير حاجة إلى إضافة

стр. 2258

ولدها لما قبل العقد إذ هو المفرط بنكاح حامل بالزنا فلا يشرع له نفيه. وبهذا قال أحمد وأصحابه. (والثانى) قول أبى على بن أبى هريرة، لنفى ما عساه يلحقه من نسب لا يرضاه وليس من فراشه ولا ينتفى إلا باللعان فجاز له وقال مالك وأبو ثور وأحمد: إن قذفها بزنا أضافه إلى ما قبل النكاح حد ولم يلاعن سواء كان ثم ولد أو لم يكن، وروى ذلك عن سعيد بن المسيب والشعبى وقال الحسن وزرارة بن أبى أوفى وأصحاب الرأى: له أن يلاعن لانه قذف امرأته فيدخل في عموم قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " ولانه قذف امرأته فأشبه ما لو قذفها ولم يضفه إلى ما قبل النكاح. وحكى الشريف أبو جعفر عن أحمد رواية أخرى. قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وإن أبانها ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال النكاح - فان لم يكن نسب - لم يلاعن لدرء الحد لانه قذف غير محتاج إليه، وإن كان هناك نسب - فإن كان ولدا منفصلا - فله أن يلاعن لنفيه لانه يحتاج إلى نفيه باللعان، وأن كان حملا فقد روى المزني في المختصر أن له أن ينفيه. وروى في الجامع أنه لا يلاعن حتى ينفصل الحمل واختلف أصحابنا فيه، فقال أبو إسحاق لا يلاعن قولا واحدا، وما رواه المزني في المختصر أراد إذا انفصل، وقد بين في الام، فإنه قال لا يلاعن حتى ينفصل، ووجهه أن الحمل غير متحقق لجواز أن يكون ريحا فينفش، ويخالف إذا قذفها في حال الزوجية، لان هناك يلاعن لدرء الحد فتبعه نفى الحمل، وههنا ينفرد الحمل باللعان فلم يجز قبل أن يتحقق ومن أصحابنا من قال في قولان: أحدهما لا يلاعن حتى ينفصل، لما ذكرناه والثانى يلاعن، وهو الصحيح، لان الحمل موجود في الظهار ومحكوم بوجوده، ولهذا أمر بأخذ الحامل في الديات ومنع من أخذها في الزكاة، ومنعت الحامل إذا طلقت أن تتزوج حتى تضع، وهذه الطريقة هي الصحيحة، لان الشافعي

стр. 2259

رحمه الله نص في مثلها على قولين وهى في نفقة المطلقة الحامل فقال فيها قولان (أحدهما) تجب لها النفقة يوما بيوم (والثانى) لا تجب حتى ينفصل (فصل) وإن قذف امرأته وانتفى عن حملها وأقام على الزنا بينة سقط عنه الحد بالبينة، وهل له أن يلاعن لنفى الحمل قبل أن ينفصل؟ على ما ذكرناه من الطريقين في الفصل قبله. (الشرح) إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا يا زانية في فراشي نظرت - فإن كان هناك نسب يريد أن ينفيه، ولا يتحقق هذا إلا إذا انفصل الولد عنها - لاعن، لانه محتاج إلى نفيه، وبه قال مالك وأحمد، حيث نقل منها قال: سألت أحمد عن رجل قال لامرأته أنت طالق يا زانية ثلاثا، فقال يلاعن. قلت إنهم يقولون يحد ولا يلزمها إلا واحدة. قال بئس ما يقولون، فهذا يلاعن لانه قذفها قبل الحكم ببينونتها فأشبه القذف، فإن كان بينهما ولد فإنه يلاعن لنفيه وإلا حد ولم يلاعن، لانه يتعين إضافة القذف إلى حال الزوجية لاستحالة الزنا منها بعد طلاقه لها فصار كأنه قال لها بعد ابانتها: زنيت ان كنت زوجتى، على ما قررناه، وبه قال مالك. وقال عثمان البتى: لا يلاعن بأى حال لانها ليست بزوجة. وقال أبو حنيفة في الوجهين لا يلاعن - يعنى في حال نفى النسب والحمل - لانها ليست زوجة، وينتقض عليها هذا القذف قبل الزوجية، كما ذكرنا آنفا، بل هذا أولى، لان النكاح قد تقدم وهو يريد الانتفاء من النسب وتبرئته من ولد يلحق به فلابد من اللعان، فإن كان هناك حمل يرجى فقد روى المزني في المختصر أن له أن ينفيه وروى رواية أخرى أنه لا يلاعن حتى ينفصل الحمل. فاختلف أصحابنا فيه، فقال أبو إسحاق المروزى: لا يلاعن قولا واحدا، وأول ما رواه المزني في المختصر أن الامام الشافعي أراد إذا انفصل قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ: ولو قال رجل لامرأته أنت طالق ثلاثا

стр. 2260

أو طالق واحدة لم يبق له عليها من الطلاق الا هي أو طالق ولم يدخل، أو أي طلاق ما، كان لا رجعة عليها بعده وأتبع الطلاق مكانه يا زانية، حد ولا لعان الا أن يكون ينفى به ولدا أو حملا فيلاعن للولد يوقف للحمل فإذا ولدت التعن، فإن لم تلد حد ولو بدأ فقال يا زانية أنت طالق ثلاثا التعن، لان القذف وقع وهى أمرأته، ولو قال: أنت طالق ثلاثا يا زانية حد ولا لعان، الا أن ينفى ولد افيلاعن به ويسقط الحد. ثم قال رضى الله عنه " ولو قذف رجل امرأته فصدقته ثم رجعت فلا حد ولا لعان الا أن ينفى ولدا فيلاعن به ويسقط الحد، ولو قذف رجل امرأته فصدقته ثم رجعت فلا حد ولا لعان الا أن ينفى ولدا فلا ينفى الا بلعان، ولو قذف رجل امرأته ثم زنت بعد القذف أو وطئت وطئا حراما فلا حد ولا لعان الا أن ينفى ولدا أو يريد أن يلتعن فيثبت عليها الحد ان لم يلتعن، وإذا قذف رجل امرأته فارتدت عن الاسلام وطلبت حدها لاعن أو حد، لان القذف كان وهى زوجة مسلمة. اه فهذا القول من الشافعي قاطع في أنه يلاعن لنفى الحمل بعد أن يوقف إلى أن تلد. قال المصنف الصحيح أن يلاعن وهى حامل لان الحمل موجود في الظاهر ومحكوم بوجوده، ويترتب على هذا الحمل أحكام في مواطن كثيرة فمثلا لا تعطى الحامل من الارقاء في الدية ولا تؤخذ البهيمة الحامل في الزكاة، ولا يحل زواج الحامل حيت تضع، فكيف ينتظر من وجد امرأته حاملا من غيره حتى تضع فيلاعنها وقد غاظته بهذا الزنا في فراشه، ويمكن حمل قول الشافعي على ما إذا اشتبه عليه الحمل ولم يتحقق وتردد فيه، أو كان محتملا أن يكون انتفاخا أو مرضا من أمراض النساء فلا يلاعن حتى تلد. ويمكن حمل قوليه في النفقة على ما إذا كان حملها غير مقطوع به فتجب نفقتها حتى تلد. أما إذا كان حملها مقطوعا به فقد وجب لها يوما بيوم، وسنأتي على هذا في كتاب النفقات ان شاء الله. على أن قول الشافعي يوقف حتى تلد إذا قصد به الحمل المقطوع به كان مخالفا لحديث " ان جاءت به كذا فهو لابيه، وان جاءت به كذا فهو لفلان " فجاءت به على النعت المكروه، فإذا اعتمدنا أصله " إذا صح الحديث

стр. 2261

فهو مذهبي، حملنا قوله على ما إذا كان الحمل غير متيقن، بدليل قوله فإن لم تلد حد. ومن ثم يكون الحمل محتملا. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن قذف امرأته في نكاح فاسد - فإن لم يكن نسب - لم يلاعن لدرء الحد، لانه قذف غير محتاج إليه، وإن كان هناك نسب - فإن كان ولدا منفصلا - فله أن يلاعن لنفيه، لانه ولد يلحقه بغير رضاه لا ينتفى عنه بغير اللعان، فجاز نفيه باللعان كالولد في النكاح الصحيح، وإن كان حملا فعلى ما ذكرناه من الطريقين. (فصل) وإن ملك أمة لم تصر فراشا بنفس الملك، لانه قد يقصد بملكها الوطئ، وقد يقصد به التمول والخدمة والتجمل، فلم تصر فراشا، فإن وطئها صارت فراشا له، فإن أتت بولد لمدة الحمل من يوم الوطئ لحقه، لان سعدا نازع عبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة فقال عبد: هو أخى وابن وليدة أبى ولد على فراشه، فقال النبي ﷺ " هو لك، الولد للفراش وللعاهر الحجر " وروى ابن عمر رضى الله عنه أن عمر رضى الله عنه قال " ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يعزلونهن، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها، فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا " وإن قذفها وانتفى عن ولدها فقد قال أحمد: أما تعجبون من أبى عبد الله يقول بنفى ولد الامة باللعان، فجعل أبو العباس هذا قولا، ووجهه أنه كالنكاح في لحوق النسب، فكان كالنكاح في النفى باللعان ومن أصحابنا من قال لا يلاعن لنفيه قولا واحدا لانه يمكنه نفيه بغير اللعان وهو بأن يدعى الاستبراء ويحلف عليه، فلم يجز نفيه باللعان بخلاف النكاح، فإنه لا يمكنه نفى الولد فيه بغير لعان، ولعل أحمد أراد بأبى عبد الله غير الشافعي رحمة الله عليهما. (فصل) إذا قذف امرأته بزناءين وأراد اللعان كفاه لهما لعان واحد، لانه في أحد القولين يجب حد واحد، فكناه في إسقاطه لعان واحد، وفى القول

стр. 2262

القول الثاني يجب حدان، إلا أنهما حقان لواحد فاكتفى فيهما بلعان واحد، كما يكتفى في حقين لواحد بيمين واحد. وإن قف أربع نسوة أفرد كل واحدة منهم بلعان، لانها أيمان فلم تتداخل فيها حقوق الجماعة، كالايمان في المال. وإن قذفهن بكلمات بدأ بلعان من بدأ بقذفها لان حقها أسبق. وإن قذفهن بكلمة واحدة وتشاححن في البداية أقرع بينهن، فمن خرجت لها القرعة بدأ بلعانها. وإن بدأ بلعان إحداهن من غير قرعة جاز، لان الباقيات يصلن إلى حقوقهن من اللعان من غير نقصان (الشرح) خبر تنازع سعد وعبد بن زمعة أخرجه أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن خلا الترمذي. عن عائشة قالت " اختصم سعد بن أبى وقاص وعبد بن زمعة إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال سعد: يا رسول الله ابن أخى عتبة ابن أبى وقاص عهد إلى أنه ابنه أنظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخى يا رسول الله ولد على فراش ابى، فنظر رسول الله إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة، قال فلم ير سودة قط " وفى رواية أبى داود وأخرى للبخاري " هو أخوك يا عبد " عبد بن زمعة أخو سودة أم المؤمنين. وقوله " الولد للفراش وللعاهر الحجر " سبق القول بتواتره أما خبر ابن عمر فقد رواه الشافعي في الام ولم أره في مسنده في اللعان " ولم يعزه في المنتقى إلى غيره. ومن هذا الحديث يتضح أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ ألحق الولد بزمعة لانه صاحب الفراش، ودليله أقوى من دليل الشبه، وقد ذهب بعضهم إلى أن قوله هو لك يا عبد بن زمعة، أن " لك " للتمليك، فكأنه لم يلحقه به أخا وإنما ملكه له، بدليل أنه أمر سودة بالاحتجاب منه، فلو كان أخا لها لم تؤمر بالاحتجاب منه. وفى رواية: احتجبي منه فإنه ليس بأخ لك. ويجاب على ذلك بأن اللام للاختصاص لا للتمليك.

стр. 2263

ويؤيد ذلك ما في رواية " هو أخوك يا عبد " أما أمره لسودة بالاحتجاب فذلك على سبيل الاحتياط والورع والصيانة لامهات المؤمنين لما رآه من الشبه بعتبة بن أبى وقاص كما في حديث " كيف وقد قيل؟ " أو يكون ذلك مراعاة للشيئين وإعمالا للدليلين، فإن الفراش دليل لحوق النسب، والشبه بغير صاحبه دليل نفيه فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدعى، وأعمل الشبه بعتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة. قال ابن القيم: وهذا من أحسن الاحكام وأبينها وأوضحها، ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه. وأما الرواية التى فيها " احتجبي منه فإنه ليس بأخ لك " فقد طعن البيهقى في إسنادها. وقال فيها جرير وقد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وفيها يوسف مولى آل الزبير وهو غير معروف. أما الاحكام فإنه إذا نكح امرأة نكاح فاسدا ثم قذفها، وبينهما ولد يريد نفيه فله أن يلاعن لنفيه ولا حد عليه، وإن لم يكن يينهما ولد حد ولا لعان بينهما. وبهذا قال أحمد. وقال أبو حنيفة: يلحقه الولد وليس له نفيه ولا اللعان لانها أجنبية فأشبهت سائر الاجنبيات أو إذا لم يكن بينهما ولد. وهذا فاسد لان الولد يلحقه بحكم عقد النكاح فكان له نفيه كما لو كان النكاح صحيحا، ويفارق إذا لم يكن ولد فإنه لا حاجة إلى القذف لكونها أجنبية. ويفارق سائر الاجنبيات لانه لا يلحقه ولدهن فلا حاجة به إلى قذفهن. ويفارق الزوجة فإنه يحتاج إلى قذفها مع عدم الولد لكونها خانته وغاظته وأفسدت فراشه، فإذا كان له منها ولد فالحاجة موجودة فيهما، وإذا لاعن سقط الحد، لانه لعان مشروع لنفى الحد، فأسقط الحد كاللعان في النكاح الصحيح، وهل يثبت التحريم المؤبد؟ وجهان سيأتي بيانهما وقالت المالكية يلاعن في النكاح الفاسد زوجته لانها صارت فراشا له. أما إذا كانت حاملا فعلى ما مضى من النكاح الصحيح أما حكم قوله " يعترف سيدها أن قد ألم بها " فيه تقوية لمذهب الجمهور من أنه لا يشترط في فراش الامة الدعوة، بل يكفى مجرد ثبوت الفراش

стр. 2264

وقول الامام أحمد رضى الله عنه: أما تعجبون من قول أبى عبد الله فإن كان يقصد بنسبة مقول القول إلى الامام الشافعي كانت تلك رواية أخرى لم تعرف عن الشافعي إلا عن أحمد متفردا بها، والقاعدة ان في رواية الشيخ عن شيخه مخالفا للاقران غرابة، وقد أخذ بعض أصحابنا بصحة نسبة القول إلى الشافعي كأبى العباس ابن سريج فاعتبره قولا ووجهه أنه كالنكاح وقال المصنف: ولعل أحمد أراد بأى عبد الله غير الشافعي - وهذا أحسن ما أجيب به. (مسألة) إذا قذف امرأته قذفين بزناءين فليس عليه إلا حد واحد، ويكفيه لعان واحد لانه يمين، فإذا كان الحقان لواحد كفته يمين واحدة في أحد القولين، والثانى يجب حدان لانهما حقان، وإن لم يلزمه إلا لعان واحد، ومقتضى القول الاول أنه يكفيه أن يقول: أشهد بالله إنى لمن الصادقين فيما رميتها به من الزناءين وفارق ما إذا قذف زوجتين حيث لا يكفيه لعان واحد، لان اليمين وجبت لكل واحد منهما فلا تتداخل كسائر الايمان. وإن أقام البينة بالاول سقط عنه موجب الثاني لانه زال إحصانها ولا لعان إلا أن يكون فيه نسب يريد نفيه، وإن أقامها بالثاني لم يسقط الحد الاول وله إسقاطه باللعان الا على قول القاضى، فإنه يسقط بإقامة البينة على الثاني وان قذفها في الزوجية ولاعنها ثم قذفها بالزنا الاول فلا حد عليه لانه قد حققه بلعانه، ومقتضى القول الثاني أن يحد، كما لو قذفها به أجنبي، ولو قذفها به أجنبي أو بزنا غيره فعليه الحد في قول عامة أهل العلم. منهم ابن عباس والزهرى والشعبى والنخعي وقتادة وأحمد وأبو عبيد. وذكر أبو عبيد عن أصحاب الرأى أنهم قالوا: ان لم ينف بلعانها ولدا حد قاذفها، وان نفاه فلا حد على قاذفها لانه منتف عن زوجها بالشرع (فرع) إذا قذف امرأته وأجنبية أو أجنبيا بكلمتين فعليه حدان لهما، فيخرج من حد الاجنبية بالبينة خاصة، ومن حد الزوجة بالبينة أو اللعان، وان قذفهما بكلمة واحدة الا أنه إذا لم يلاعن ولم تقم بينة فهل يحد لهما حدا واحدا أو حدين؟ على قولين. قال في القديم: يحد حدا واحدا، وبه قال أبو حنيفة وزاد، سواء

стр. 2265

كان بكلمة أو كلمات، لانهما حدود من جنس فوجب أن تتداخل كحدود الزنا وقال أحمد في احدى روايتيه بقول الشافعي في القديم، والثانى يقام لكل واحد حد بكل حال لانها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون. وقال أحمد في الرواية الاخرى: إذا طالبوا مجتمعين فحد واحد، وان طالبوا متفرقين فلكل واحد حد لانهم إذا اجتمعوا في الطلب أمكن ايفاؤهم بالحد الواحد، وإذا تفرقوا لم يمكن جعل الحد الواحد ايفاء لمن لم يطالب، لانه لا يجوز اقامة الحد له قبل المطالبة منه ولنا أنه إذا قذفهما بكلمة واحدة لا يجزئ حد واحد، لان لكل واحد حقا فوجب لكل واحد حد، كما لو قذف الثاني بعد حد الاول، وهكذا الحكم فيما إذا قذف أجنبيين أو أجنبيات فالتفصيل فيه على ما ذكرناه. وان قذف أربع نسائه فالحكم في الحد كذلك، وان أراد اللعان فعليه أن يلاعن لكل واحدة لعانا مفردا، ويبدأ بلعان التى تبدأ بالمطالبة، فان طالبن جميعا وتشاححن بدأ باحداهن بالقرعة، وان لم يتشاححن بدأ بلعان من شاء منهن. ولو بدأ بواحدة منهن من غير قرعة من المشاحة صح، ويحتمل أن يجزئه لعان واحد فيقول: أشهد بالله انى لمن الصادقين فيما رميت به كل واحدة من زوجائى هؤلاء الاربع من الزنا، وتقول كل واحدة أشهد بالله انه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، لانه يحصل المقصود بذلك، والاول أصح لان اللعان أيمان فلا تتداخل لجماعة كالايمان في الديون (فرع) إذا أقام البينة على زناها فقذفها آخر فلا حد عليه لانه قد زال احصانها، ولان هذا القذف لم يدخل المعرة عليها، وانما دخلت المعرة بقيام البينة ولكنه يعزر تعزير السب والاذى، وهكذا كل من قامت البينة بزناه لا حد على قاذفه، وبه قال أحمد وأصحاب الرأى، ولكنه يعزر تعزير السب والاذى، ولا يملك الزوج اسقاطه عن نفسه باللعان لما قدمناه وان قذف زوجته ولاعنها ثم قذفها بزنا آخر فعليه الحد لانها بانت منه باللعان وصارت أجنبية الا أن يضيف الزنا إلى حال الزوجية، فعند ذلك ان كان ثم نسب يريد نفيه فله الملاعنة لنفيه والا لزمه الحد ولا لعان بينهما، والله تعالى أعلم بالصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل

стр. 2266

قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب من يصح لعانه وكيف اللعان وما يوجبه من الاحكام) يصح اللعان من كل زوج بالغ عاقل مختار، مسلما كان أو كافرا، حرا كان أو عبدا، لقوله " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين " ولان اللعان لدرء العقوبة الواجبة بالقذف ونفى النسب، والكافر كالمسلم، والعبد كالحر في ذلك، فأما الصبى والمجنون فلا يصح لعانهما لانه قول يوجب الفرقة فلم يصح من الصبى والمجنون كالطلاق. وأما الاخرس فإنه ان لم يكن له اشارة معقولة ولا كتابة مفهومة لم يصح لعانه لانه في معنى المجنون، وان كانت له اشارة معقولة أو كتابة مفهومة صح لعانه لانه كالناطق في نكاحه وطلاقه، فكان كالناطق في لعانه. وأما من اعتقل لسانه فإنه ان كان مأيوسا منه صح لعانه بالاشارة كالاخرس، وان لم يكن مأيوسا منه ففيه وجهان: (أحدهما) لا يصح لعانه لانه غير مأيوس من نطقه فلم يصح لعانه بالاشارة كالساكت (والثانى) يصح، لان أمامة بنت أبى العاص رضى الله عنها أصمتت فقيل لها الفلان كذا ولفلان كذا؟ فأشارت أي نغم، فرفع ذلك فرؤيت أنها وصية، ولانه عاجز عن النطق يصح لعانه بالاشارة كالاخرس (فصل) وان كان أعجميا، فإن كان يحسن بالعربية فيه وجهان (أحدهما) يصح لعانه بلسانه لانه يمين فصح بالعجمية مع القدرة على العربية كسائر الايمان (والثانى) لا يصح لان الشرع ورد فيه بالعربية فلم يصح بغيرها مع القدرة كأذكار الصلاة، فإن لم يحسن بالعربية لاعن بلسانه لانه ليس بأكثر من اذكار الصلاة واذكار الصلاه تجوز بلسانه إذا لم يحصن بالعربية فكذلك اللعان. وان كان الحاكم لا يعرف لسانه أحضر من يترجم عنه. وفى عدده وجهان بناء على القولين في الشهادة على الاقرار بالزنا (أحدهما) يحتاج إلى أربعة (والثانى) يكفيه اثنان

стр. 2267

(الشرح) يستفاد من هذين الفصلين أحكام مسائل وفروع، منها أن اللعان يصح من كل زوجين، سواء كانا مسلمين أو كافرين، عاقلين بالغين، حرين أو عبدين. وقال أحمد في احدى الروايتين رواها ابن منصور: جميع الازواج يلتعنون، الحر من الحرة والامة إذا كانت زوجة. وكذلك المسلم من اليهودية والنصرانية. وقال سعيد ابن المسيب وسليمان بن يسار والحسن وربيعة ومالك واسحاق: يصح من كل زوجين مكلفين. مسلمين أو كافرين. عدلين أو فاسقين أو محدودين في قذف أو كان أحدهما كذلك. وقال أحمد في روايته الاخرى: لا يصح اللعان الا من زوجين مسلمين عدلين حرين غير محدودين في قذف وروى هذا عن الزهري والثوري والاوزاعي وحماد وأصحاب الرأى، ومأخذ القولين أن اللعان يجمع وصفين اليمين والشهادة، وقد سماه القرآن شهادة وسماه الرسول ﷺ يمينا في حديث " لولا الايمان لكان لى ولها شأن " فمن غلب حكم الايمان قال: يصح من كل من يصح يمينه. وهذا مذهبنا ومذهب فقهاء الامصار كافة الا أبا حنيفة، واحدى روايتي أحمد والزهرى والثوري والاوزاعي وحماد فإنهم اعتبروه شهادة دليلنا قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " وأنه قد سماه النبي ﷺ يمينا. ولانه يفتقر إلى اسم الله والى ذكر القسم المؤكد وجوابه، ولانه يستوى فيه الذكر والانثى - بخلاف الشهادة - ولو كان شهادة لما تكرر لفظه بخلاف اليمين فإنه قد يشرع فيها التكرار كأيمان القسامة، ولان حاجة الزوج التى لا تصح منه الشهادة إلى اللعان ونفى الولد كحاجة من تصح شهادته سواء، والامر الذى نزل به مما يدعو إلى اللعان، كالذى ينزل بالعدل الحر، والشريعة الغراء لا ترفع ضرر أحد النوعين وتجعل له مخرجا مما نزل به، وتدع النوع الآخر في الآصار والاغلال، فلعله يكون صادقا فنقضي عليه بأن يكون تيسا أو ديوثا، ولا فرج له ما نزل به ولا مخرج ولا مهرب وأما احتجاج أبى حنيفة وأصحابه ومن قال بقوله من الفقهاء ممن ذكرنا آنفا

стр. 2268

فاستدلوا بقوله تعالى " ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " - " فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله " فاستثنى أنفسهم من الشهداء، فلا يقبل إلا من ليس من أهل الشهادة، فردنا عليهم أن الله تعالى سماه شهادة لقوله في يمينه " أشهد بالله " فسمى ذلك شهادة وإن كان يمينا. كما قال تعالى " إذا جاء المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله " اعتبارا بلفظها، وكيف وهو مصرح فيه بالقسم وجوابه. وكذلك لو قال أشهد بالله انعقدت يمينه بذلك، سواء نوى اليمين أو أطلق، والعرب تعد ذلك يمينا في لغتها واستعمالها. قال قيس بن الملوح الشهير بالمجنون: فأشهد عند الله أنى أحبها * فهذا لها عندي فما عندها ليا؟ قال ابن القيم في الهدى: وفى هذا البيت حجة لمن قال: ان قوله أشهد تنعقد به اليمين، ولو لم يقل بالله، كما هو احدى الروايتين عن أحمد. والثانية لا يكون يمينا الا بالنية، وهو قول الاكثرين. كما أن قوله أشهد بالله يمين عند الاكثرين بمطلقه. وأما استثناؤه سبحانه أنفسهم من الشهداء فيقال أولا الا ههنا صفة بمعنى غير، والمعنى ولم يكن لهم شهداء غير أنفسهم، فإن غير وإلا يتعاوضان الوصفية والاستثناء، فيستثنى بغر حملا على الا، ويوصف بإلا، حملا على غير، ويقال ان أنفسهم مستثنين من الشهداء ولكن يجوز أن يكون منقطعا على لغة تميم فإنهم يبدلون في المنقطع كما يبدل الحجازيون في المتصل. وكذلك استثنى أنفسهم من الشهداء لانه نزلهم منزلتهم في قبول قولهم. وهذا قوى جدا على قول من يرجم المرأة بالتعان الزوج إذا نكلت وهو الصحيح كما سيأتي وكما مضى بعضه. والصحيح أن لعانهم يجمع الوصفين اليمين والشهادة، فهو شهادة مؤكدة بالقسم والتكرار، ويمين مغلظة بلفظ الشهادة والتكرار لاقتضاء الحال تأكيد الامر. (فرع) إذا كان زائل العقل لجنون فلا حكم لقذفه لان القلم عنه مرفوع، فإذا أتت امرأته بولد فنسبه لاحق لامكانه، ولا سبيل إلى نفيه مع زوال عقله، فإذا عقل فله نفيه حينئذ واستلحاقه، وان ادعى انه كان ذاهب العقل حين قذفه - وأنكرت ذلك - فالحكم لصاحب البينة منهما، والا فالقول قوله (مسألة) الاخرس والخرساء ان كانا معلومى الاشارة والكتابة فهما كالناطقين في القذف واللعان.

стр. 2269

وحكى ابن المنذر عن أحمد وأبى عبيد وأصحاب الرأى: إذا كانت المرأة خرساء لم تلاعن لانه لا تعلم مطالبتها قال ابن قدامة: وينبغى أن يكون ذلك في الاخرس، وذلك لان اللعان يفتقر إلى الشهادة فلم يصح من الاخرس كالشهادة الحقيقية، ولان الحد يدرأ بالشبهات، والشهادة صريحة كالنطق، فلا يخلو من احتمال وتردد فلا يجب الحد بها كما لا يجب على أجنبي بشهادته. وقال القاضى وأبو الخطاب كقولنا: هو كالناطق في قذفه ولعانه، ويفارق الشهادة لانه يمكن حصولها من غيره فلم تدع الحاجة إلى الاخرس. وفى اللعان لا يحصل الا منه فدعت الحاجة إلى قبوله منه كالطلاق (فرع) إذا قذف الاخرس أو لاعن ثم تكلم فأنكر القذف واللعان لم يقبل انكاره للقذف لانه قد تعلق به حق لغيره بحكم الظاهر فلا يقبل انكاره، ويقبل انكاره اللعان فيما عليه فيطالب بالحد ويلحقه النسب ولا تعود الزوجية. فإن قال أنا ألاعن للحد ونفى النسب كان له ذلك لانه انما لزمه باقراره أنه لم يلاعن، فإذا أراد أن يلاعن كان له ذلك فإذا قذفها وهو ناطق ثم خرس وأيسنا من نطقه فحكمه حكم الاصلى، وان رجى عود نطقه وزوال خرسه انتظر به، ويرجع في معرفة ذلك إلى قول طبيبين عدلين من المختصين بالصحة النفسية والعصبية. وقال بعض الاصحاب: انه لا يلاعن في الحالين بالاشارة، لان أمامة بنت أبى العاص أصمتت، فقيل لها لفلان كذا ولفلان كذا؟ فأشارت أن نعم، فرأوا أنها وصية والصحيح الاول. وعند أصحاب أحمد على وجهين. ذكره أبو الخطاب (مسألة) إذا كان أحد الزوجين غير مكلف فلا لعان بينهما لانه قول تحصل به الفرقة ولا يصح من غير المكلف كسائر الايمان، ولا يخلو غير المكلف من أن يكون الزوج أو الزوجة أو هما، وقد مضى لنا في الفصول قبله بحث السن والبلوغ والامكان. فليراجع والخلاصة أن كل موضع لا لعان فيه فالنسب لا حق فيه، ويجب بالقذف موجبه من الحد والتعزير الا أن يكون القاذف صبيا أو مجنونا فلا ضرب فيه

стр. 2270

ولا لعان، كذلك قال الثوري ومالك وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأى وابن المنذر وقال: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم (مسألة) إذا كان الزوجان يعرفان العربية لم يجز أن يلتعنا بغيرها، لان اللعان ورد في القرآن بلفظ العربية، وإن كانا لا يحسنان ذلك جاز لهما الالتعان بلسانهما لموضع الحاجة، فان كان الحاكم يحسن لسانهما أجزأ ذلك، وإن لم يكن يعرف لسانهما فلابد من ترجمان، وفى العدد المجزى للترجمة قولان (أحدهما) يجزئ إثنان عدلان، وهو ظاهر قول الخرقى من الحنابلة لانه قال ولا يقبل في الترجمة عن أعجمى حاكم إليه إذا لم يعرف لسانه أقل من عدلين يعرفان لسانه. وذكر أبو الخطاب رواية أخرى عند الحنابلة أنه يجزئ ترجمان واحد، وهو قول أبى حنيفة (الثاني) لا يجزئ أقل من أربعة، بناء على الشهادة في الاقرار بالزنا ففيها هذان القولان (فرع) لو شهد شاهد أنه أقر بالعربية أنه قذفها، وشهد آخر أنه أقر ذلك بالعجمية، فإذا قلنا ان الشاهدين يجزئان تمت الشهادة، وان شهد شاهدان أحدهما أنه قذفها يوم الخميس وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة لم تتم الشهادة، وان شهد أحدهما أنه قذفها بالعربية وشهد الآخر أنه قذفها بالعجمية لم تتم الشهادة. وان شهد أحدهما أنه قذفها بالعربية والعجمية وشهد الآخر أنه قذفها بالعربية فقط فقد اكتملت الشهادة إذا قلنا باجزاء الشاهدين لاتفاقهما في لغة واحدة. وعند أصحاب أحمد فيمن شهد أحدهما بالقذف يوم الخميس والآخر بالقذف يوم الجمعة أو شهد أحدهما بالقذف بالعربية والآخر أنه بالعجمية وجهان (أحدهما) تكمل الشهادة، وهو قول أبى بكر ومذهب أبى حنيفة، لان الوقت ليس ذكره شرطا في الشهادة بالقذف وكذلك اللسان، فلم يؤثر الاختلاف كما لو شهدا أحدهما أنه قذفها يوم الخميس بالعربية، وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة بالعجمية (الثاني) لا تكمل الشهادة ولنا أنهما قذفان لم تتم الشهادة على واحد منهما فلم تثبت، كما لو شهد أحدهما

стр. 2271

أنه تزوجها يوم الخميس وشهد الآخر أنه تزوجها يوم الجمعة، وفارق الاقرار بالقذف فإنه يجوز أن يكون المقر به واحدا أقر به في وقتين بلسانين. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يصح اللعان إلا بأمر الحاكم لانه يمين في دعوى فلم يصح إلا بأمر الحاكم كاليمين في سائر الدعاوى، فإن كان الزوجان مملوكين جاز للسيد أن يلاعن بينهما، لانه يجوز أن يقيم عليهما الحد فجاز أن يلاعن بينهما كالحاكم. (فصل) واللعان هو أن يقول الزوج أربع مرات " أشهد بالله إنى لمن الصادقين " ثم يقول " وعلى لعنة الله إن كنت من الكاذبين " وتقول المرأة أربع مرات " أشهد بالله إنه لمن الكاذبين " ثم تقول " وعلى غضب الله إن كان من الصادقين " والدليل عليه قوله " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين " فإن أخل أحدهما بأحد هذه الالفاظ الخمسة لم يعتد به، لان الله علق الحكم على هذه الالفاظ، فدل على أنه لا يتعلق بما دونها، ولانه بينة يتحقق بها الزنا فلم يجز النقصان عن عددها كالشهادة. وإن أبدل لفظ الشهادة بلفظ من ألفاظ اليمين بأن قال: أحلف أو أقسم أو أولى فيه وجهان. (أحدهما) يجوز لان اللعان يمين فجاز بألفاظ اليمين (والثانى) أنه لا يجوز لانه أخل باللفظ المنصوص عليه. وإن أبدل لفظ اللعنة بالابعاد أو لفظ الغضب بالسخط، ففيه وجهان. أحدهما يجوز لان معنى الجميع واحد، والثانى لا يجوز لانه ترك المنصوص عليه، وان أبدلت المرأة لفظ الغضب بلفظ اللعنة لم يجز، لان الغضب أغلظ، ولهذا خصت المرأة به، لان المعرة بزناها أقبح، وإثمها بفعل الزنا أعظم من إثمه بالقذف وإن أبدل الرجل لفظ اللعنة بلفظ الغضب فيه وجهان (أحدهما) يجوز،

стр. 2272

لان الغضب أغلظ (والثانى) لا يجوز لانه ترك المنصوص عليه. وان قدم الرجل لفظ اللعنة على لفظ الشهادة أو قدمت المرأة لفظ الغضب على لفظ الشهادة ففيه وجهان (أحدهما) يجوز، لان القصد منه التغليظ وذلك يحصل مع التقديم. (والثانى) لا يجوز لانه ترك المنصوص عليه (الشرح) الاحكام. لا يصح اللعان إلا بأمر الحاكم أو من يقوم مقامه، وهذا مذهب أحمد رضى الله عنه، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ هلال بن أمية أن يستدعى زوجته إليه ولاعن بينهما، ولانه إما يمين واما شهادة، فأيهما كان فمن شرطه الحاكم. وان تراضى الزوجان بغير الحاكم يلاعن بينهما لم يصح ذلك لان اللعان مبنى على التغليظ والتأكيد فلم يجز بغير الحاكم كالحد، هذا إذا كانا حرين، وساوى أحمد بين الحرين والعبدين في وجوب اللعان بمحضر من الحاكم أو من ينوب عنه. أما ألفاظه فقد مضى بيانها وهى هنا على وجهها قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) والمستحب أن يكون اللعان بحضرة جماعة، لان ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد رضى الله عنهم حضروا اللعان بحضرة النبي صلى الله عليه على حداثة سنهم والصبيان لا يحضرون المجالس الا تابعين للرجال، فدل على أنه قد حضر جماعة من الرجال فتبعهم الصبيان، ولان اللعان بنى على التغليظ للردع والزجر وفعله في الجماعة أبلغ في الردع. والمستحب أن يكونوا أربعة لان اللعان سبب للحد ولا يثبت الحد الا بأربعة، فيستحب أن يحضر ذلك العدد، ويستحب ان يكون بعد العصر لا اليمين فيه أغلظ. والدليل عليه قوله " تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله " قيل هو بعد العصر. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " ثَلَاثَةٌ لَا يكلمم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولهم عذاب اليم، رجل حلف يمينا على مال مسلم فاقتطعه، ورجل حلف يمينا بعد صلاة العصر لقد اعطى بسلعته اكثر

стр. 2273

مما أعطى وهو كاذب، ورجل منع فضل الماء، فإن الله يقول: اليوم أمنعك فضلى كما منعت فضل ماء لم تعمله يداك " ويستحب أن يتلاعنا من قيام، لما روى ابن عباس رضى الله عنه في حديث هلال بن أمية " فأرسل اليهما فجاءا فقام هلال فشهد، ثم قامت فشهدت، لان فعله من قيام أبلغ في الردع. واختلف قوله في التغليظ بالمكان فقال في أحد القولين إنه يجب لانه تغليظ ورد به الشرع فأشبه التغليظ بتكرار اللفظ، وقال في الآخر يستحب كالتغليظ في الجماعة والزمان، والتغليظ بالمكان أن يلاعن بينهما في أشرف موضع من البلد الذى فيه اللعان، فإن كان بمكة لاعن بين الركن والمقام، لان اليمين فيه أغلظ. والدليل عليه ما روى أن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ رأى قوما يحلفون بين الركن والمقام، فقال أعلى دم؟ قالوا لا، قال أفعلى عظيم من المال؟ فقالوا لا، فقال لقد خشيت أن يبهأ الناس بهذا المقام. وإن كان في المدينة لاعن في المسجد لانه أشرف البقاع بها، وهل يكون على المنبر أو عند المنبر؟ اختلفت الرواية فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ حلف عند منبرى على يمين آثمة ولو على سواك من رطب وجبت له النار وروى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: من حلف على منبرى هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار، فقال ابو إسحاق ان كان الخلق كثيرا لاعن على المنبر ليسمع الناس، وان كان الخلق قليلا لاعن عند المنبر مما يلى قبر النبي ﷺ وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يلاعن على المنبر، لان ذلك علو وشرف والملاعن ليس في موضع العلو والشرف، وحمل قوله على منبرى أي عند منبرى لان حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وان كان ببيت المقدس لاعن عند الصخرة لانها أشرف البقاع به وإن كان في غيرها من البلاد لاعن في الجامع، إن كانت المرأة حائضا لاعنت على باب المسجد، لانه أقرب إلى الموضع الشريف.

стр. 2274

وإن كان يهوديا لاعن في الكنيسة، وإن كان نصرانيا لاعن في البيعة، وان كان مجوسيا لاعن في بيت النار، لان هذه المواضع عندهم كالمساجد عندنا (الشرح) حديث أبى هريرة الاول أخرجه الشيخان في صحيحيهما. قال العزيزي في السراج المنير " والذين لا يكلمهم الله يوم القيامة لا ينحصرون في الثلاثة، والعدد لا ينفى الزائد " اه وقوله " بعد العصر " خصه لشرفه لانه آخر النهار وقرب أفول الشمس، فينبغي أن لا يكون آخر أعمال المرء سوءا وأشرا. لاسيما وهو وقت اجتماع ملائكة الليل والنهار ورفع الاعمال فيه فغلظت العقوبة وقوله " منع فضل مائه " الحاصل أنه إذا حفرها في موات بقصد الاحياء لنفسه، أي لينتفع بمائها لم يلزمه إلا بذل ما زاد على حاجته، وان حفرها بقصد نفع المسلمين فليس له المنع إلا إذا كان يملكه أما حديث أبى هريرة الثاني فقد أخرجه أبو داود والامام أحمد وابن ماجة بلفظ " لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار " ورجاله ثقات وإسناده صحيح. هكذا في زوائد ابن ماجه لابن حجر. وحديث جابر أخرجه مالك في موطئه في باب ما جاء في الحنث على منبر النبي ﷺ من كتاب الاقضية، وفيه أن زيد بن ثابت وابن مطيع اختصما في دار كانت بينهما إلى مروان بن الحكم - وهو أمير على المدينة - فقضى مروان على زيد باليمين على المنبر، فقال زيد أحلف له مكاني، فقال مروان " لا والله إلا عند مقاطع الحقوق " قال فجعل زيد يحلف ان حقه لحق ويأبى أن يحلف على المنبر، فجعل مروان يعجب من ذلك قال مالك لا أرى أحدا يحلف على المنبر على أقل من ربع دينار وذلك ثلاثة دراهم. اه - وروى حديث جابر أبو داود في الايمان والنذور " باب ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر النبي ﷺ " وأحمد بن حنبل في مسنده، وأخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وله شاهد عن أبى أمامة ابن ثعلبة مرفوعا عند النسائي أيضا

стр. 2275

أما الاحكام فإنه يستحب أن يكون اللعان بمحضر جماعة من المسلمين صغارا كانوا أو كبارا، فقد رويت أخبار المتلاعنين بحضرة النبي ﷺ عن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد رواية من حضروها وسمعوا تفصيلاتها وكانوا حدثاء السن، فإن عبد الله بن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة إذ تُوُفِّيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . هَذَا قول الواقدي والزبير بن بكار. قال أهل السير: ولد عبد الله بن عباس في الشعب قبل خروج بنى هاشم منه وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين وروينا من وجوه عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قال تُوُفِّيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم - يعنى المفصل - هذه رواية أبى بشر عن سعيد بن جبير، وقد روى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قال قبض رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ختين، أو قال مختون. قال ابن عبد البر ولا يصح وقال عبد الله بن أحمد، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة عن ابن اسحاق قال سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال، تُوُفِّيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابن خمس عشرة سنة. قال عبد الله بن أحمد قال أبى وهذا هو الصواب. قال أبو عمر بن عبد البر وما قاله أهل السير والعلم بأيام الناس عندي أصح والله أعلم - وهو قولهم ان ابن عباس كان ابن ثلاث عشرة سنة يوم تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ومات ابن عباس سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير وكان قد أخرجه من مكة إلى الطائف فمات بها وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه محمد ابن الحنفية وكبر عليه أربعا وقال اليوم مات ربانى هذه الامة وضرب على قبره فسطاطا. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ وجوه كثيرة قوله له اللهم علمه الحكمة. اللهم علمه التأويل. اللهم فقهه في الدين أما عبد الله بن عمر فقد أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم. وقيل انه

стр. 2276

أسلم قبل أبيه ولا يصح. وأصح من ذلك أن هجرته كانت قبل هجرة أبيه، واجتمعوا أنه لم يشهد بدرا. واختلف في شهوده أحدا، والصحيح أن أول مشاهده الخندق. وقال الواقدي كان ابن عمر يوم بدر ممن لم يحتلم فاستصغره رسول الله ﷺ ورده، وأجازه يوم أحد. وعن نافع أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رده يوم أحد لانه كان ابن أربع عشرة سنة، وأجازه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة وقد عرف عنه رضى الله عنه الاتباع وشدة التحرى والاحتياط والتوقى في فتواه ويقولون انه من أعلم الصحابة بمناسك الحج، وقد كان مولعا به حتى في أيام الفتنة حيث كان يحج كل عام. أما سهل فهو ابن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة الساعدي الخزرجي الانصاري يكنى أبا العباس. روى ابن عبد البر بإسناده إلى محمد بن اسحاق عن الزهري قال قلت لسهل بن سعد " ابن كم كنت يومئذ - يعنى يوم المتلاعنين؟ - قال ابن خمس عشرة. وروى بإسناده عن الزهري عن سهل أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ توفى وهو ابن خمس عشرة سنة، وعمر سهل حتى أدرك الحجاج وامتحن به، وتوفى سنة ثمان وثمانين وهو ابن ست وتسعين، وقد بلغ المائة، ويقال انه آخر من بقى بالمدينة مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حكى ابن عيينة عن ابى حازم، سمعت سهل بن سعد يقول " لو مت لم تسمعوا أحدا يَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قرر هذا فإن هؤلاء الصبيان انما كانوا يحضرون تبعا للرجال، ولان اللعان مبنى على التغليظ والمبالغة في الردع به والزجر، فإن فعله في الجماعة أبلغ في ذلك، ويستحب أن يكون ذلك بعد العصر لتعرض من يحلف كاذبا منهما لغضب الله لحديث " ثلاثة لا يكلمهم الله " الذى ساقه المصنف، كما يستحب أن لا ينقصوا عن أر؟ ؟ ة، لان بينة الزنا الذى شرع اللعان من أجل الرمى به أربعة، وليس شئ من هذا واجبا، كما يستحب أن يتلاعنا قياما، فيبدأ بالزوج حيث يلتعن وهو قائم، فإذا فرغ قامت المرأة فالتمنت وهى قائمة، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ انه قال لهلال بن أمية " قم فاشهد اربع شهادات " ولانه إذا قام شاهده الناس

стр. 2277

فكان أبلغ في شهرته فاستحب كثرة الجمع وليس ذلك واجبا. وبهذا كله قال أحمد وأبو حنيفة. قال ابن قدامة ولا أعلم فيه مخالفا. قلت إلا فيما يتعلق بالزمان فقد خالفنا فيه أصحاب أحمد وأبو حنيفة. قالوا لان الله تعالى أطلق الامر بذلك ولم يقيده بزمن ولا مكان فلا يجوز تقييده إلا بدليل، ولان النبي ﷺ أمر الرجل بإحضار امرأته ولم يخصه بزمن، ولو خصه بذلك لنقل ولم يهمل، وخالفهم في ذلك أبو الخطاب من الحنابلة فقال بقولنا ولنا أنه يستحب أن يتلاعا في الازمان والاماكن التى تعظم، ولان حديث " ثلاثة لا يكلمهم الله " وقت في الوعيد على من حلف بعد العصر، فاسب أن يراعى هذا استكمالا لكل معاني الردع والزجر. أما المكان ففيه قولان (أحدهما) أن التغليظ به مستحب كالزمان (والثانى) أنه واجب، لان النبي ﷺ لاعن عند المنبر فكان فعله بيانا للعان، ومعنى التغليظ بالمكان أنهما إذا كانا بمكة لاعن بينهما بين الركن والمقام فإنه أشرف البقاع، وإن كانا في المدينة فعند منبر النبي ﷺ ، وإن كان ببيت المقدس فعند الصخرة، وان كان في سائر البلدان ففى مساجدها، وان كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذى يعتقدان تعظيمه، وان كانا يهوديين أو نصرانيين فالكنيسة، وان كانا غير ذلك - قال القرطبى ان كانا مجوسيين ففى بيت النار، وان كانا وثنيين أو لا دين لهما ففى مجلس حكمه. وان كانت المسلمة حائضا وقلنا ان اللعان بينهما يكون في المسجد وقفت على بابه ولم تدخله، لان ذلك أقرب المواضع إليه. وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يصعد الملاعن على المنبر إذ لا يليق بالمنبر أن يصعد عليه ملاعن لشرف المنبر وعلو مكانته، وبكل ما قررنا قال الائمة كافة ولم أعلم لهم مخالفا. قال الشافعي في الام في باب " أين يكون اللعان " فإذا لاعن الحاكم بين الزوجين بمكة لاعن بينهما بين المقام والبيت - إلى أن قال - وكذلك يلاعن بين كل زوجين في مسجد كل بلد، ويبدأ فيقيم الرجل قائما وامرأة جالسة، فيلتعن ثم يقيم المرأة قائمة فتلتعن، إلا أن يكون بأحدهما علة لا يقدر على القيام معها

стр. 2278

فيلتعن جالسا أو مضطجعا إذا لم يقدر على الجلوس. وان كانت المرأة حائضا التعن الزوج في المسجد والمرأة على باب المسجد. وان كان الزوج مسلما والزوجة مشركة التعن الزوج في المسجد والزوجة في الكنيسة وحيث تعظم، وان شاءت الزوجة المشركة أن يحضر الزوج المسلم في المساجد كلها حضرته الا أنها لا تدخل المسجد الحرام لقوله تَعَالَى " إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الحرام بعد عامهم هذا " ثم قال رضى الله عنه " وان أخطأ الامام بمكة أو المدينة أو غيرهما فلاعن بين الزوجين في غير المسجد لم يعد اللعان عليهما لانه قد مضى اللعان عليهما ولانه حكم قد مضى بينهما وكذلك ان لاعن ولم يحضر أحدهما الآخر، قال وإذا كان الزوجان مشركين لاعن بينهما معا في الكنيسه وحيث يعظمان. وإذا كانا مشركين لا دين لهما تحاكما الينا لاعن بينهما في مجلس الحكم. اه قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وإذا أرادا اللعان فالمستحب للحاكم أن يعظهما لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال والله لقد صدقت عليها، فقالت كذب، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لاعنوا بينهما " وان كانت المرأة غير برزة بعث إليها الحاكم من يستوفى عليها اللعان، ويستحب أن يبعث معه أربعة (فصل) ويبدأ الزوج ويأمره أن يشهد، لان الله تعالى بدأ به وبدأ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في لعان هلال بن أمية، ولان لعانه بينة لاثبات الحق، ولعان المرأة بينة الانكار، فقدمت بينة الاثبات فإن بدأ بلعان المرأة لم يعتد به لان لعانها اسقاط الحد، والحد لا يجب الا بلعان الزوج فلم يصح لعانها قبله، والمستحب إذا بلغ الزوج إلى كلمة اللعنة والمرأة إلى كلمة الغضب أن يعظهما. لما روى ابن عباس رضى الله عنه قال " لما كان في الخامسة قيل يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وان هذه الموجبة التى توجب عليك العذاب. فقال والله لا يعذبنى الله عليها كما لم

стр. 2279

يحلدنى عليها فشهد الخامسة، فلما كانت الخامسة قيل لها اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التى توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة ثم قالت والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين " ويستحب أن يأمر من يضع يده على فيه في الخامسة، لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر رجلا أن يضع يده على فيه عند الخامسة يقول إنها موجبة " (فصل) وإن لاعن وهى غائبة لحيض أو موت قال أشهد بالله إنى لمن الصادقين فيما رميت به زوجتى فلانة، ويرفع في نسبها حتى تتميز. وإن كانت حاضرة ففيه وجهان أحدهما يجمع بين الاشارة والاسم، لان مبنى اللعان على التأكيد، ولهذا تكرر فيه لفظ الشهادة، وإن حصل المقصود بمرة والثانى أنه تكفيه الاشارة لانها تتميز بالاشارة كما تتميز في النكاح والطلاق (فصل) وإن كان القذف بالزنا كرره في الالفاظ الخمسة، فإن قذفها بزناءين ذكرهما في الالفاظ الخمسة، لانه قد يكون صادقا في أحدهما دون الآخر فإن سمى الزانى بها ذكره في اللعان في كل مرة، لانه ألحق به المعرة في إفساد الفراش فكرره في اللعان كالمرأة. فإن قذفها بالزنا وانتفى من الولد قال في كل مرة وأن هذا الولد من زنا وليس منى، فإن قال هذا الولد ليس منى ولم يقل من زنا لم ينتف لانه يحتمل أن يريد أنه ليس منى في الخلق أو الخلق. وان قال هذا الولد من زنا ولم يقل وليس منى ففيه وجهان (أحدهما) وهو قول القاضى أبى حامد المروروذى أنه ينتفى منه لان ولد الزنا لا يلحق به (والثانى) وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفراينى أنه لا ينتفى لانه قد يعتقد أن الوطئ في النكاح بلا ولى زنا على قول أبى بكر الصيرفى فوجب أن يذكر أنه ليس منى لينتفي الاحتمال (الشرح) قال الشافعي رضى الله عنه: ويبدأ الرجل باللعان حتى يكمله، فإذا أكمله خمسا التعنت المرأة، وإن أخطأ الحاكم فبدأ بالمرأة فالتعنت ولو لم يبق من

стр. 2280

لعان الرجل إلا حرف واحد من قبل أن الله بدأ بالرجل في اللعان فلا يجب على المرأة لعان حتى يكمل الرجل اللعان، لانه لا معنى لها في اللعان الا إذا رفع الحد عن نفسها، والحد لا يجب حتى يلتعن الرجل ثم يجب لانها تدفع الحد عن نفسها وإلا حدت. وإذا بدأ الرجل فالتعن قبل أن يأتي الحاكم أو بعدما أتاه قبل أن يأمره بالالتعان أو المرأة أو هما أعاد أيهما بدأ قبل امر الحاكم إياه بالالتعان، لان ركانة أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بطلاق امرأته البتة وحلف له فأعاد النبي صلى الله عليه اليمين على ركانة ثم رد إليه امرأته بعد حلفه بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يرد امرأته إليه قبل حلفه بأمره. اه إذا تقرر هذا فإن ألفاظه خمسة في حق كل واحد منهما، وصفته أن الامام يبدأ بالزوج فيقيمه ويقول له: قل أربع مرات ويلقنه الصيغة التى مضى ذكرها ثم يشير إليها ويشير إلى نسبها وتسميتها، وان كانت غائبة أسماها ونسبها فقال، امرأتي فلانة بنت فلان ويرفع في نسبها حتى ينفى المشاركة بينها وبين غيرها، فإذا شهد أربع مرات وقفه الحاكم وقال له: اتق الله فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وكل شئ أهون من لعنة الله، ويأمر رجلا فيضع يده على فيه حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة، ثم يأمر الرجل فيرسل يده عن فيه فإن رآه يمضى في ذلك قال له: قل وأن لعنة الله على ان كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتى هذه من الزنا، ثم يأمر المرأة بالقيام ويقول لها: قولى أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتشير إليه، وان كان غائبا أسمته ونسبته، فإذا كررت ذلك أربع مرات وقفها ووعظها كما ذكرنا في حق الزوج، ويأمر امرأة فتضع يدها على فيها، فإن رآها تمضى على ذلك قال لها قولى وأن غضب الله عليها إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنا. وسئل أحمد بن حنبل رضى الله عنه: كيف يلاعن؟ قال على ما في كتاب الله ثم ذكر ما قررناه من صفة اللعان، فإن أبدل لفظا منها فظاهر كلام الاصحاب أن فيه وجهين (أحدهما) أنه يعتد به، وهو ما ذهب إليه الخرقى من الحنابلة
следующие страницы →