← Фикх шафии

Фикх шафии · id 1026

تكملة المطيعي على المجموع شرح المهذب - ط السلفية

محمد نجيب المطيعي

Полный текст (3 572 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

كل هذه الصور لم يحنث بأكلها، لان اليمين تعلقت على العين والصفة، فكما أنه لا يحنث بغير العين فكذلك لا يحنث بغير الصفة. وقال أبو العباس بن سريج: يحنث لان اليمين تنعقد على العين والعين باقية وزوال الصفة لا يؤثر في جوهرها، كما لو حلف لا يأكل هذا الحمل فذبجه وأكله فإنه يحنث، والى هذا ذهب أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، والمذهب الاول لما قررنا من اجتماع العين والاسم، ويفارق الحمل لان أكله حيا ممنوع بالشرع وممنوع بالعرف بغير يمين (فرع) " وان حلف لا يأكل هذا الرطب الخ " إذا تغيرت حقيقة الشئ بصنعتة فلا يتعلق الحنث به. أما إذا تغير بغير صنعة كمن حلف لا يأكل الرطب فأكله تمرا، أو لا يأكل هذا الحمل فأكله كبشا أو لا يكلم هذا الصبي فكلمه شيخا ففيه وجهان. ذهب أبو على بن أبى هريرة إلى أنه لا يحنث كما قلنا في الحنطة صارت دقيقا (والثاني) أنه يحث لما ذكره المصنف. وذهب أصحاب الرأى وأحمد بن حنبل إلى أنه لا يحنث، لانه إذا لم يعنى المحلوف عليه ولم ينو بيمينه ما يخالف ظاهر اللفظ ولا صرفه السبب عنه تعلقت يمينه بما تناوله الاسم الذي علق عليه يمينه ولم يتجاوزه، فإذا حلف لا يأكل رطبا لم يحنث إذا أكل تمرا ولا بسرا ولا بلحا ولا سائر ما لا يسمى رطبا: وهذا في قول أكثر الفقهاء وقال ابن قدامة ولا نعلم فيه خلافا. ولو حلف لا يأكل عنبا فأكل زبيبا أو دبسا أو خلا أو ناطقا أو لا يكلم شابا فكلم شيخا، أولا يشترى جديا فاشترى تيسا، أو لا يضرب عبدا فضرب عتيقا لم يحنث بغير خلاف لان اليمين تعلقت بالصفة دون العين ولم توجد الصفة فجرى مجرى قوله: لا أكلت هذه التمرة فأكل غيرها. (فرع) فإن حلف لا يأكل رطبا فأكل منصفا - وهو الذي بعضه بسر وبعضه تمر - أو مذنبا - وهو الذي بدأ الارطاب فيه من ذنبه وباقيه بسر - أو حلف لا يأكل بسرا فأكل مذنبا ففيه وجهان. (أحدهما) وهو الاظهر أنه يحنث، لانه أكل رطبا وبسرا فحنث، كما لو أكل نصف رطبة ونصف بسرة منفردتين. وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد ومحمد

стр. 2347

ابن الحسن (والثاني) لا يحنث، لانه لا يسمى رطبا ولا تمرا، وهو قول أبى يوسف وبعض أصحابنا (مسألة) قوله " فاستقه " من سقفت الدواء وغيره من كل يابس إذا أخذته غير ملتوت، وكل دواء غير مذاب أو معجون فهو سفوف. والازدراء الالتقام والبلغ من غير مضغ ولا لوك. أما جملة الفصل أن من حلف لا يأكل شيئا فشربه أولايشربه فأكله أو سفه فإنه لا يحنث، وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأى، لان الافعال أنواع كالاعيان. وكما لو حلف على نوع من الاعيان لم يحث بغيره فكذلك الافعال، وهي إحدى الروايتين عن أحمد رواها منها فيمن خلف لا يشرب النبيذ فأكله لا يحنث لانه لا يسمى شربا وفي رواية الخرقي أنه يحنث، لان اليمين على أكل شئ أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشي فحملت اليمين عليه إلا أن ينوى. ولو قال طبيب لمريض لا تأكل العسل لكان نهيا عن شربه وإن حلف لا يشرب شيئا فمصه ورمى له لا يحنث، وقد روى عن أحمد فيمن حلف لا يشرب فمص قصب السكر لا يحنث. وهذا قول أصحاب الرأى، فإنهم قالوا إذا حلف لا يشرب فمص حب الرمان ورمى بالتفل لا يحنث، لان ذلك ليس بأكل ولا شرب، ويجئ على قول الخرقى أنه يحنث لانه قد تناوله ووصل إلى بطنه وحقله فإنه يحنث على ما قالوا فيمن حلف لا يأكل شيئا فشربه أو لا يشربه فأكله، فإن حلف لا يأكل سكرأ في فيه حتى ذاب فابتلعه فإنه لا يحنث ويتخرج عند أحمد وأصحابه على الروايتين، فإن حلف لا يأكله أولايشربه فذاقه لم يحنث في قولهم جميعا، وإن حلف لا يذوقه فذاقه ولفظه فعلى وجهين (أحدهما) لا يحنث، لان التذوق لا يتحقق إلا بالازدراد، ولهذا لم يبطل الصوم به إلا إذا ازدرده (والثاني) يحنث وبه قال أحمد (فرع) إذا حلف لا يذوقه، فأكله أو شربه أو سفه حنث في قولهم جميعا لانه ذوق وزيادة. وإن مضغه ورمى به فعلى ما أسلفنا من الوجهين. وإن حلف لا يأكل ولا يشرب ولا يذوق فأوجر - والوجوه بفتح والواو وزان رسول

стр. 2348

الدواء يصب في الحلق، وأوجرت المريض ايجازا فعلت به ذلك، ووجرته أجره من باب وعد لغة، فإن وجره بنحو منقطة أو قطنارة فإنه لم يحنث لانه لم يفعل شيئا مما حلف عليه. فإن قال لاطعمت هذا الطعام فأوجره أو سفه أو شربه أو ازدرده أو التقمه حنث لان ذلك كله يسمى طعاما، وقد سمى النبي ﷺ اللبن طعاما في حديث " إنما يخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم " وفي الماء وجهان (أحدهما) هو طعام لقوله تعالى " ان الله مبتليكم بنهر فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يطعمه فإنه منى " (والثاني) ليس بطعام لانه لا يسمى طعاما ولا يفهم من اطلاق اسم الطعام ولهذا يعطف عليه فيقال طعام وشراب. وحديث ابن ماجه يقول صلى الله عليه " لاأعلم ما يجزى من الطعام والشراب الا اللبن " ويقال باب الاطعمة والاشربة (فرع) إذا أكل دواء فالمذهب أنه يحنث لانه يطعم حال الاختيار، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة، والثاني لا يحنث لانه لايدخل في اطلاق اسم الطعام ولا يؤكل الا عند الضرورة، فإن أكل من نبات الارض ما جرت العادة بأكله حنث بأكله. قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وان حلف لا يأكل اللحم حنث بأكل لحم كل ما يؤكل لحمه من النعم والوحش والطير، لان أسم اللحم يطلق على الجميع، ولا يحنث بأكل السمك لانه لا يطلق عليه اسم اللحم، وهل يحنث بأكل لحم ما لا يؤكل لحمه؟ فيه وجهان (أحدهما) يحنث لانه يطلق عليه اسم اللحم وان لم يحل، كما أطلق على اللحم المغصوب وان لم يحل (والثاني) لا يحنث لان القصد باليمين أن يمنع نفسه مما يستبيحه، ولحم ما لا يؤكل لحمه ممنوع من أكله من غير يمين، فلم يدخل في اليمين، وان حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم لم يحنث، وان حلف لا يأكل الشحم فأكل اللحم لم يحنث لانهما جنسان مختلفان في الاسم والصفة، وان حلف على اللحم فأكل سمين الظهر

стр. 2349

والجنب وما يعلو اللحم ويتخلله من البياض حنث لانه لحم سمين، وإن حلف على الشحم فأكل ذلك لم يحنث لانه ليس بشحم، وان حلف على اللحم أو الشحم فأكل الكبد أو الطحال أو الرئة أو الكرش أو المخ لم يحنث لانه مخالف للحم والشحم في الاسم والصفة. وإن حلف على اللحم فأكل لحم الخد أو لحم الرأس أو اللسان ففيه وجهان أحدهما يحنث لانه لحم، والثاني لا يحنث لان اللحم لا يطلق إلا على لحم البدن واختلف أصحابنا في الالية، فمنهم من قال هو شحم يحنث به في اليمين على الشحم ولا يحنث به في اليمين على اللحم لانه يشبه الشحم في بياضه ويذوب كما يذوب الشحم، ومنهم من قال هو لحم فيحنث به في اليمين على اللحم ولا يحنث به في اليمين على الشحم لانه نابت في اللحم ويشبهه في الصلابة. ومنهم من قال ليس بلحم ولا شحم ولا يحنث به في اليمين على واحد منهما، لانه مخالف للجميع في الاسم والصفة فصار كالكبد والطحال وإن حلف على اللحم فأكل شحم العين لم يحنث لانه مخالف للحم في الاسم والصفة، وان حلف على الشحم فأكله ففيه وجهان أحدهما يحنث به بدخوله في اسم الشحم، والثاني لا يحنث به لانه لايدخل في إطلاق اسمه، كما لايدخل لحم السمك في إطلاق اليمين على اللحم، ولا التمر الهندي في اليمين على التمر. (الشرح) قوله " كل ما يؤكل لحمه من النعم والوحش والطير " احترز به عما لا يؤكل لحمه ككل ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ من الطير والخنزير والميتة وجملة ذلك أن الحالف على ترك أكل اللحم لا يحنث بأكل ما ليس بلحم من الشحم والمخ، وهو الذي في العظام، والدماغ وهو الذي في الرأس في قحفه ولا الكبد والطحال والرئة والقلب والكرش والمصران والقانصة ونحوها، وبهذا قال أحمد وقال أبو حنيفة ومالك، يحنث بأكل هذا كله لانه لحم حقيقة، ويتخذ منه ما يتخذ من اللحم فأشبه لحم الفخذ دليلنا أنه لا يسمى لحما وينفرد عنه باسمه وصفته، ولو أمر وكيله بشراء لحم

стр. 2350

فاشترى هذا لم يكن ممتثلا لامره ولا ينفذ الشراء للموكل، وقد سألت القصاب يوما هل عندك لحم؟ فقال لا، عندي حوائج - يعنى الكبد والقلب والكلية - وقد دل على أن الكبد والطحال ليستا بلحم قوله ﷺ " أحلت لكم ميتتان ودمان " أما الدمان فالكبد والطحال، ولانسلم أنه لحم حقيقة، بل هو من الحيوان مع اللحم كالعظم والدم فإذا ثبت هذا فإنه إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل من لحم الانعام أو الصيد أو الطائر من مأكولة اللحم فإنه يحنث في قول علماء الامصار. وأما السمك فإنه لا يحنث بأكله، وبه قال أبو حنيفة وأبو تور، والظاهر من مذهب أحمد ومالك وأبى يوسف وأبى ثور وقتادة أنه يحنث وقال ابن أبى موسى في الارشاد لا يحنث به الا أن ينويه ودليلهم قوله تعالى " الله الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا " وقال " ومن كل تأكلون لحما طريا " ولانه من جسم حيوان ويسمى لحما ودليلنا أنه لا ينصرف إليه اطلاق اسم اللحم، ولو وكل وكيلا في شراء اللحم فاشترى سمكا لم يلزمه، ثم إنه يصح أن ينفى عنه اسم اللحم عرفا واستعمالا فتقول ما أكلت لحما وانما أكلت سمكا، فلم يتعلق به الحنث عند الاطلاق، كما لو حلف لاقعدت تحت سقف، فإنه لا يحنث تحت السماء، مع أن الله تعالى سماها سقفا فقال " وجعلنا السماء سقفا محفوظا " فإطلاق اسم اللحم على لحم السمك مجاز في القرآن واليمين إنما ينصرف إلى الحقيقة (فرع) أما في غير مأكول اللحم كالميتة والخنزير والمغصوب فهل يحنث بأكل لحمه؟ وجهان عندنا (الاول) لا يحنث بأكل المحرم بأصله لان يمينه تنصرف إلى ما يحل لا إلى ما يحرم فلم يحنث بما لا يحل، كما لو حلف لايبع فباع بيعا فاسدا لم يحنث (والثاني) وبه قال أحمد وأبو حنيفة يحنث، لان الله تعالى سماه لحما فقال " ولحم الخنزير " ولانه لو حلف أن لا يلبس ثوبا فلبس ثوب بحرير حنث، وأما البيع الفاسد فلا يحنث به لانه ليس بيعا في الحقيقة (فرع) ان حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم لم يحنث، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. وَقَالَ

стр. 2351

أبو حنيفة ومالك يحنث. دليلنا أنه لا يسمى لحما وينفرد عنه باسمه وصفته، ولو أمر وكيله بشراء لحم، فأشترى شحما لم يكن ممتثلا لامره ولا ينفذ الشراء للموكل فلم يحنث بأكله كالبقل فإذا حلف لا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث قولا واحدا لانهما جنسان مختلفان اسما وصفة. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن: إذا حلف لا يأكل شحما فأكل لحما حنث لان اللحم لا يخلو من شحم، ولا يكاد اللحم يخلو من شئ منه وإن قل فيحنث به. وذهب بعض أصحاب أحمد إلى مخالفة الخرقى إلى أنه لا يحنث. قال ابن قدامة وهو الصحيح، لانه لا يسمى شحما ولا يظهر فيه طعمه ولا لونه، والذى يظهر في المرق قد فارق اللحم فلا يحنث بأكل اللحم الذي كان فيه. (فرع) إذا حلف على اللحم فأكل لحم الخد أو لحم الرأس أو اللسان فوجهان (أحدهما) يحنث لانه لحم حقيقة - وبه قال أحمد في لحم الخد - وحكى عن أبى موسى من أصحاب أحمد أنه لا يحنث إلا أن ينويه باليمين. وقال أصحاب أحمد في اللسان وجهان كاوجهين عندنا وفي لحم الرأس والاكارع روى عن أحمد ما يدل على أنه لا يحنث، لان من حلف لا يشترى لحما فاشترى رأسا أو كارعا لا يحنث إلا أن ينوى أن لا يشترى من الشاة شيئا، لان إطلاق اسم اللحم لا يتناول الرؤوس والاكارع، ولو وكله في شراء لحم فاشترى رأسا أو كارعا لم يلزمه والوجه الثاني لا يحنث لما ذكره المصنف، واختلف أصحابنا في الالية، فمنهم من جعلها من الشحم، فلو حلف على الشحم فأكلها حنث، لانها تشبه الشحم في ذوبها وشكلها، فلو حلف لا يأكل لحما فأكلها لم يحنث، وممن قال هي شحم أبو يوسف ومحمد. ومن أصحابنا من قال هو لحم لانها نابتة في اللحم وتشبهه في الصلابة. قال ابن قدامة وليس بصحيح لانها لا تسمى لحما ولا يقصد بها ما يقصد به، وتخالفه في اللون والذوب والطعم فلم يحنث بأكلها كشحم البطن. (فرع) كل ما كان مقيدا بالنعت أو بالاضافة لا ينصرف إليه اليمين إذا أطلق كمن حلف لا يأكل تمرأ فإنه لا يتناول التمر الهندي أو الشحم فلا يتناول الشحم

стр. 2352

المعدني الذي تشحم به محركات السيارات والطيارات، وإنما يتناول الشحم الحيواني ويحتمل أن لا يحنث إلا بأكله لان الحقيقة العرفية في عصرنا حصرت اسم الشحم على ماكان معدنيا، ولايقال للادهان المأكولة شحم لا بين العوام ولاغيرهم من الخواص. قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وان حلف لا يأكل الرؤوس ولم يكن له نية حنث برؤوس الابل والبقر والغنم، لانها تباع مفردة وتؤكل مفردة عن الابدان، ولا يحنث برؤوس الطير فإنها لاتباع مفردة ولا تؤكل مفردة، فإن كان في بلد يباع فيه رءوس الصيد ورؤوس السمك مفردة حنث بأكلها، لانها تباع مفردة فهى كرءوس الابل والبقر والغنم. وهل يحنث بأكلها في سائر البلاد؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يحنث لانه لا يطلق عليها اسم الرموس إلا في البلد الذي يباع فيه ويعتاد أكله. (والثاني) يحنث بها، لان ما ثبت له العرف في مكان وقع الحنث به في كل مكان كخبز الارز. (فصل) وان حلف لا يأكل البيض حنث بأكل كل بيض يزايل بائضه في الحياة، كبيض الدجاجة والحمامة والنعامة، لانه يؤكل منفردا ويياع منفردا، فيدخل في مطلق اليمين، ولا يحنث بما لايزايل بائضه كبيض السمك والجراد، لانه لا يباع منفردا ولا يؤكل منفردا، فلم يدخل في مطلق اليمين (الشرح) إذا حلف لا يأكل الرؤوس، والمحلوف عليه هنا عام يتناول أنواعا منها ما جرى العرف ببيعه منفصلا عن البدن، كرءوس الضأن والمعز والبقر: ومنها ما لا ينفصل عن البدن ولا يباع واحده كرءوس الدجاج والحمام والارانب لم يحنث الا فيما تنفصل عن أبدانها وتعرض للبيع وهي بهيمة الانعام دون غيرها وقال أبو حنيفة " لا يحنث بأكل رءوس الابل لان العادة لم تجر بيعها منفردة " وقال محمد وأبو يوسف لا يحنث الا بأكل رءوس الغنم لانها التي تباع في الاسواق - أي على عهدهما - دون غيرهما فيمينه تنصرف إليها

стр. 2353

وقال أحمد بن حنبل: يحنث بأكل رأس كل حيوان من النعم والصيود والطيور والحيتان والجراد. ووجهه أن هذه الرؤوس حقيقة عرفية مأكولة فحنث بأكلها كما لو حلف لا يأكل لحما فأكل من لحم النعام والزرافة وما يندر وجوده وبيعه وعندنا أنها لو صارت حقيقة عرفية وكان الحالف في بلد تباع فيه رءوس الصيود أو الاسماك منفردة حنث بأكلها. وفي سريان الحنث على أكلها في بلد آخر وجهان (أحدهما) لا يحنث لان الحقيقة العرفية في إطلاق اسم الرؤوس وبيعها لا توجد إلا في البلد الذي تباع فيه الرؤوس ويعتاد أكلها (والثاني) يحنث لان ما ثبت به في بلد يقع به الحنث في كل مكان آخر كخبز الارز الذي لا يصنع إلا في طبرستان، وقد مضى توضيحه (فرع) إذا حلف لا يأكل البيض وقلنا أن البيض نوعان. نوع يزايل بائضه في الحياة كبيض الدجاج والحمام والنعام، والآخر لايزايل بائضه كبيض السمك والجراد، فإن الحنث لا يتعلق إلا بالنوع الاول، لانه يؤكل منفردا ويياع منفردا، سواء كثر وجوده كبيض الدجاج أو قل وجوده كبيض النعام، وبهذا قال أحمد، وقال أصحاب الرأى لا يحنث بأكل بيض النعام. وقال أبو ثور لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج وما يباع في السوق ولنا أن هذا كله بيض حقيقة وعرفا وهو مأكول فيحنث بأكله كبيض الدجاج، ولانه لو حلف لا يشرب ماء فشرب ماء البحر حنث أو ماء نجسا، أو لا يأكل خبزا فأكل خبز الارز أو الذرة أو البتاو، وهو خبز أهل الصعيد، ويصنع من الذرة الصفراء أو القيظى مع قليل من الحلبة، وهو يختلف عن خبز المدن، فإذا حلف أن لا يأكل خبزا فأكل البتاو في مكان لم يعتد فيه أكله حنث لانه خبز ولافرق بينه وبين الفنيو وأما أكل بيض السمك أو الجراد فكما تقرر لا يحث إلا بأكل بيض يزايل بائضه في الحياة، وبهذا قال أبو ثور وأصحاب الرأى وأبو الخطاب من الحنابلة وأكثر العلماء، لان هذا لا يفهم من إطلاق اسم البيض، ولا يذكر إلا مضافا إلى بائضه، ولا يحنث بأكل شئ يسمى بيضا غير بيض الحيوان ولا بأكل شئ يسمى رأسا غير رءوس الانعام إلا فيما فيه الاوجه المذكورة آنفا

стр. 2354

قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وإن حلف لا يأكل اللبن حنث بأكل لبن الانعام ولبن الصيد، لان اسم اللبن يطلق على الجميع، وان كان فيه ما يقل أكله لتقذره، كما يحنث في اليمين على اللحم بأكل لحم الجميع، وإن كان فيه ما يقل أكله لتقذره، ويحنث بالحليب والرائب وما جمد منه، لان الجميع لبن، ولا يحنث بأكل الجبن واللور واللبا والزبد والسمن والمصل والاقط وقال أبو علي بن أبى هريرة: إذا حلف على اللبن حنث بكل ما يتخذ منه لانه من اللبن والمذهب الاول، لانه لا يطلق عليه اسم اللبن فلم يحنث به، وان كان منه. كما لو حلف لا يأكل الرطب فأكل التمر. أو لا يأكل السمسم فأكل الشيرج فإنه لا يحنث. وإن كان التمر من الرطب والشيرج من السمسم (فصل) وإن حلف لا يأكل السمن فأكله مع الخبز أو أكله في العصيدة وهو ظاهر فيها حنث. وان حلف لا يأكل اللبن فأكله في طبيخ وهو ظاهر فيه أو حلف لا يأكل الخل فأكله في طبيخ وهو ظاهر فيه حنث. وقال أبو سعيد الاصطخرى " إذا أكله مع غيره لم يحنث لانه لم يفرده بالاكل فلم يحنث. كما لو حلف لا يأكل طعاما اشتراه زيدا فأكل طعاما اشتراه زيد وعمرو والمذهب الاول لانه فعل المحلوف عليه وأضاف إليه غيره فحنث. كما لو حلف لايدخل على زيد فدخل على جماعة وهو فيهم. (الشرح) الحليب فعيل بمعنى مفعول، والحلب بفتحتين يطلق على المصدر كالفتح فالسكون. وعلى اللبن المحلوب. فيقال لبن حلب ولين حليب. وهو أول ما يخرج عند الحلب. والرائب اسم فاعل من راب يروب رؤبا إذا خثر والروبة بالضم خميرة تلقى في اللبن ليروب ويثخن. والجبن معروف يعقد من اللبن بالانفحة واللور بضم اللام هو الجبن يؤكل قبل أن يشتد وهو مرحلة بعد وضع الانفحة في اللبن وقبل أن يصير جبنا، وكانت العرب تأتدم به وتأكله مع التمر. ويعمل من الحليب الذي يكون بعد اللبا. واللبا مقصور ومهموز هو لبن البهيمة عند

стр. 2355

اول ما تنتج يترك على النار فينعقد، ويسمونه في ديارنا المصرية (السرسوب) والمصل فهو الذي يسمونه في ديارنا (الشرش) وهو ماء الجبن فإذا تعتق قيل له (المش) والاقط اللبن المجفف، وقد يغلى ماء الجبن مع الاقط ثم يصفى ثم يعصر فيوضع على الخريطة شئ ثقيل حتى يذهب ما فيه من الماء ثم يملح بالملح ثم يجعل أقراصا أو حلقا. قال ابن بطال " والشيراز هو أن يؤخذ اللبن الخاثر، وهو الرائب فيجعل في كيس حتى ينزل ماؤه ويضرب " هذا الذي قصده صاحب الكتاب. ثم قال وقد يعمل الشيراز أيضا بأن يترك الرائب في وعاء ويوضع فوقه الابازير وشئ من المحرمات ثم يؤكل ويترك فوقه كل يوم لبن حليب. اه أما الاحكام فإنه لو حلف لا يأكل لبنا، فأكل من لبن الانعام أو الصيود أو لبن آدمية حنث، لان اسم اللبن يتناوله حقيقة وعرفا، وسواء كان حليبا أو رائبا أو مائعا أو مجمدا، لان الجميع البن. وإن كان فيه ما يقل أكله لعدم استساغته أو تقذره، كما لو حلف على اللحم حنث بأكل أي لحم مما مضى تفصيله وإن كان فيه ما يستقذر، ولا يحنث بأكل الجبن والسمن والمصل والاقط والكشك، وبهذا قال العلماء كافة وقال أبو على بن أبى هريرة " إذا حلف على اللبن حنث بكل ما يتخذ منه لانه من اللبن - وليس بمذهب - والمذهب أنه لا يحنث لانه لا يطلق عليه اسم اللبن، وإن كان منه كالرطب والتمر والسمسم والشيرج (فرع) وإن حلف لا يأكل السمن فأكله مع الخبز أو أكله في العصيدة وكان السمن ظاهرا فيها حنث، والعصيدة من قولك عصدت الشئ عصدا إذا لويته. قال الجوهرى والعصيدة التى تعصدها بالمسواط فتمرها به فتنقلب ولا يبقى في الاناء منها شئ إلا انقلب. وفي حديث خولة فقربت له عصيدة - هو دقيق يلت بالسمن ويطبخ - يقال عصدت العصيدة وأعصدتها، أي اتخذتها، وعصد البعير عنقه لواه نحو حاركه للموت يعصده عصودا فهو عاصد، وكذلك الرجل، يقال عصد فلان يعصد عصودا مات. وأنشد شمر على الرحل مما منه السير عاصد "

стр. 2356

وقال الليث " العاصد ههنا الذي يعصد العصيدة " أي يديرها ويقلبها بالمعصدة شبه الناعس به لخفقان رأسه. وقال أحمد " ان حلف لا يأكل زبدا فأكل سمنا أو لبنا لم يظهر فيه الزبد لم يحنث، وان كان الزبد ظاهرا فيه حنث. اه وإن حلف لا يأكل سمنا فأكل زبدا أو لبنا أو شيئا مما يصنع من اللبن سوى السمن لم يحنث، وإن أكل السمن منفردا أو في عصيدة أو حلواء أو طبيخ فظهر فيه طعمه حنث، ولذلك إذا حلف لا يأكل لبنا فأكل طبيخا فيه لبن، أو لا يأكل خلا فأكل (سلطة) فيها خل يظهر طعمه فيه حنث. وبهذا قال أحمد وأصحابه. وقال بعض أصحابنا لا يحنث لانه لم يفرده بالاكل، وهذا لا يصح لانه أكل المحلوف عليه وأضاف إليه غيره فحنث، كما لو أكله ثم أكل غيره قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وإن حلف لا يأكل أدما فأكل اللحم حنث لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " سيد الادام اللحم " ولانه يؤتدم به في العادة فحنث به كالخل والمرى، فإن أكل التمر ففيه وجهان (أحدهما) لا يحنث لانه لايؤتدم به في العادة، وإنما يؤكل قوتا أو حلاوة (والثاني) أنه يحنث بِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " أعطى سائلا خبزا وتمرا وقال هذا أدم هذا " (فصل) وان حلف لا يأكل الفاكهة فأكل الرطب أو العنب أو الرمان أو الاترنج أو التوت أو النبق حنث، لانها ثمار أشجار فحنث بها، كالتفاح والسفرجل: وإن أكل البطيخ أو الموز حنث، لانه يتفكه به كما يتفكه بثمار الاشجار. وإن أكل الخيار أو القثاء لم يحنث لانهما من الخضراوات (فصل) وان حلف لا يأكل بسرا ولا رطبا فأكل منصفا حدث في اليمين لانه أكل البسر والرطب، وإن حلف لا يأكل بسرة ولا رطبة فأكل منصفا لم يحنث لانه لم يأكل بسرة ولا رطبة (فصل) وإن حلف لا يأكل قوتا فأكل التمر أو الزبيب أو اللحم وهو

стр. 2357

ممن يقتات ذلك حنث، وهل يحتسب به غيره؟ على ما ذكرناه من الوجهين في بيوت الشعر ورؤوس الصيد. (الشرح) حديث " سيد الادام اللحم " هو من حديث أخرجه الطبراني في الاوسط وأبو نعيم في الطب والبيهقي في الشعب عن بريدة ولفظه " سيد الادام في الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدينا والآخرة الفاغية " ضعفه السيوطي وقال حسن لغيره. قلت ولعله يريد بغيره حديث " سيد طعام أهل الجنة اللحم " رواه بن حبان عن أبى الدرداء مرفوعا. قال الشوكاني (١) في إسناده سليمان بن عطاء يروى الموضوعات عن شيخه مسلمة بن عبد الله اجهنى. وقال ابن حجر: لم يتبين لى الحكم على هذا المتن بالوضع وأن مسلمة غير مجروح وسليمان بن عطاء ضعيف. قال في التعليق: رواه سليمان عن مسلمة عن أبى مشجعة عن أبى الدرداء، وأبو مشجعة ومسلمة لم يجرحا ولم يوثقا فهما مجهولا الحال. وسليمان قال البخاري في حديثه مناكير. وقال أبو زرعة منكر الحديث وقال ابن جهان " يروى عن مسلمة بن عبد الله الجهنى عن عمه أبى مشجعة بن ربعى أشياء موضوعة لاتشبه حديث الثقات " اه. ورواه العقيلى من حديث ربيعة بن كعب مرفوعا " أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحم " وقال هذا حديث غير محفوظ. وقال ابن حبان: عمرو بن بكر المذكور في إسناده يروى عن الثقات الطامات. ورواية البيهقى في الشعب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه من طريق أحمد بن مبيع، ثنا بن بكار ثنا أبو هلال الراسبى عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رفعه. قال السيوطي في اللآلئ، قال البيهقى ورواه جماعة عن أبى هلال الراسبى تفرد به أبو هلال ثم قال السيوطي: وهو من رجال الاربعة ووثقه أبو داود قال العلامة المعلمى: أقول إذا كان رواه جماعة عن أبى هلال فالظاهر ان يسوق البيهقى الطرق. وهذه الطريق التى ساقطة البتة، فإن العباس بن بكار

стр. 2358

كذاب يضع. وإذا كانت هذه أقوى الطرف فما ظنك بالباقي؟ وقد أخرجه الطبراني في الاوسط ثنا محمد بن شعيب ثنا سعيد بن عتبة القطان ثنا أبو عبيدة الحداد ثنا أبو هلال - فذكره ثم قال - ولم يروه عن ابن بريدة إلا أبو هلال ولا عنه إلا أبو عبيدة تفرد به سعيد. وقال في مجمع الزوائد (٥ - ٢٥) فيه سعيد بن عبية (كذا) القطان ولم أعرفه. أقول أحسبه سعيد بن عنبسة الرازي الخزاز فإنه يروى عن أبى عبيدة الحداد، ولعله كان يبيع القطن مع الخز فقال الرواى عنه القطان. ومحمد بن شعيب ليس هو بن سابور، فإن الطبراني لم يدركه، فينظر من هو؟ وسعيد بن عنبسة كذاب. أما رواية أنس عند البيهقى أيضا فهى من طريق هشام بن سلمان عن يزيد الرقاشى، وهشام قال ابن عدى أحاديثه عن يزيد غير محفوظة، ويزيد ليس بشئ. ورواية أبى نعيم إنما هي من حديث علي رضى الله عنه، وهى من نسخة عبد الله بن أحمد بن عامر الموضوعة. وقال الشوكاني وليس في شئ من هذه الطرق ما يوجب الحكم بالوضع. أما حديث " هذا أدم هذا " أخرجه أبو داود عن يوسف عن عبد الله بن سلام قَالَ " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وضع تمرة على كسرة وقال هذه إدام هذه، وذكره الامام أحمد في مسنده والمرى بتشديد الراء والياء وكأنه منسوب إلى المرارة، قال ابن بطال والعامة تخففه وصفته أن يوخذ الشعير فيقلى ثم يطحن ويعجن ويخمر ثم يخلط بالماء فيستخرج منه خل يضرب لونه إلى الحمرة يؤتدم به ويطبخ به، والاترنج والاترج والاترجة والترنجة والترنج قال في القاموس " حامضة مسكن غلمة النساء ويجلو اللون والكلف. وقشره في الثياب يمنع السوس اه وقد ثبت فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الاترجة طعمها طيب وريحها طيب " والتوت شجر معروف يعلف به دود القز له ثم أحمر، والنبق ثمار النذر، وفي الحديث في سدرة

стр. 2359

المنتهى " نبقها مثل قلال هجر " والريحان الفارسى ويسميه عوام اليمن الشقر والبنفسج والياسمين معروفان أما الاحكام فإنه ان حلف لا يأكل أدما حنث بأكل كل ما جرت العادة بأكل الخبر به لان هذا معنى التأدم، وسواء في هذا ما يصطبغ كالطيخ والمرق والخل والزيت والسمن والشيرج واللبن قال تعالى في الزيت " تنبت بالدهن وصبغ للآكلين " وقال ﷺ " نعم الادام الخل " وقال " ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " أخرجه ابن ماجه: أو من الجامدات كالشواء والجبن والباقلاء والزيتون والبيض. وبهذا قال أحمد وأبو ثور وقال أبو حنيفة: ما لا يصطبغ به فليس بأدم، لان كل واحد منهما يرفع إلى الفم منفردا. دليلنا ماروى عن النبي ﷺ " سيد الادام اللحم " وقال " سيد الادام الملح " رواه ابن ماجه، لانه يؤكل به الخبز عادة، فكان أدما كالذى يصطبغ به، ولان كثيرا مما ذكرنا لا يؤكل في العادة وحده إنما يعد للتأدم به وأكل الخبز به فكان أدما كالخل واللبن. وقول أبى حنيفة انه يرفع إلى الفم وحده مفردا، يجاب عنه بجوابين (أحدهما) أن منه ما يرفع مع الخبز كالملح ونحوه، (والثاني) أنهما يجتمعان في الفم والمضغ والبلع الذي هو حقيقة الاكل فلا يضر افتراقهما قبله. فأما التمر ففيه وجهان (أحدهما) هو أدم لما روى أبو داود عن عبد الله بن سلام قَالَ " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وضع تمرة على كسرة وقال: هذه إدام هذه " (والثاني) ليس بأدم لانه لايؤتدم به عادة إنما يؤكل قوتا أو حلوى (فرع) فإن حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل كل ما يسمى فاكهة وهى كل ثمرة تخرج من الشجرة يتفكه بها من العنب والرطب والرمان والسفرجل والتفاح والكمثرى والخوخ والمشمش والاترج والتوت والنبق والموز والجميز، وبهذا قال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، وقال أبو حنيفة وأبو ثور لا يحنث بأكل ثمرة النخل والرمان لقوله تعالى (فيهما فاكهة ونخل ورمان) والمعطوف

стр. 2360

يغاير المعطوف عليه. دليلنا أنها ثمرة شجرة يتفكه بهما فكانا من الفاكهة كسائر ما ذكرنا، ولانهما في عرف الناس فاكهة ويسمى بائعهما فاكيها، وموضع بيعهما سوق الفاكهة، والاصل في العرف الحقيقة والعطف لشرفهما وتخصيصهما كَقَوْلِهِ تَعَالَى " مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ ورسله وجبريل وميكال " وهما من الملائكة. (فرع) القثاء والخيار والفرع والباذنجان من الخضر وليس من الفاكهة وبهذا قال أحمد. أما البطيخ فإنه من الفاكهة على ما ذكره المصنف، وهو أحد الوجهين عند أصحاب أحمد ذكره القاضى وبه قال أبو ثور، لانه ينضج ويحلو، أشبه ثمر الشجر. والثاني عندهم: ليس من الفاكهة، لانه ثم بقلة أشبه الخيار والقثاء، وأما ما يكون في الارض كالجزر واللفت والفجل والقلقاس والسوطل ونحوه، فليس شئ من ذلك فاكهة، لانه لا يسمى بها ولا في معناها دليلنا أن البطيخ وإن كان يشبه في شجرة النباتات الزاحفة كالباذنجان والقرع والقثاء والخيار، إلا أنه ثمر حلو يفارق ما ذكرنا في الطعم وفي طريقة الاكل إذ تلك الانواع تصطبغ وتطبخ وتملح وليس كذلك البطيخ والشمام ولانها فاكهة في حقيقتها العرفية عند الناس على أختلاف أقاليمهم وأجناسهم. (فرع) إذا حلف لا يأكل رطبا فأكل منصفا - وهو الذي بعضه بسر وبعضه تمر أو مذنبا - وهو الذي بدأ فيه الارطاب من ذنبه وباقيه بسر، أو حلف لا يأكل بسرا فأكل ذلك حنث، وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل. وقال أبو يوسف وبعض أصحابنا: لا يحنث لانه لا يسمى رطبا ولا تمرا، والصحيح أنه أكل رطبا وبسرا فحنث، كما لو أكل نصف رطبة ونصف بسرة منفردتين، وما ذكروه لا يصح، فإن القدر الذى أرطب رطب والباقي بسر، ولو أنه حلف لا يأكل البسر فأكل البسر الذي في النصف حنث، وإن أكل البسر من يمينه على الرطب وأكل الرطب من يمينه على البسر لم يحنث واحد منهما وإن حلف واحد ليأكلن رطبا وآخر ليأكلن بسرا فأكل الحالف على أكل

стр. 2361

الرطب ما في النصف من الرطبة وأكل الآخر باقيها برا جميعا، وإن حلف ليأكلن رطبة أوبسرة أو لا يأكل ذلك فأكل منصفا لم يبر ولم يحنث لانه ليس فيه رطبة ولابسرة (فرع) إذا حلف لا يأكل قوتا فأكل خبزا أو تمرا أوزيبا أو لحما أو لبنا حنث لان لك واحد من هذه يقتات في بعض البلدان، ويحتمل أن لا يحنث إلا بأكل ما يقتاته أهل بلده، لان يمينه تنصرف إلى القوت المتعارف عندهم في بلدهم ولاصحاب أحمد وجهان كالوجهين عندنا، وإن أكل حبا يقتات خبزه حنث لانه يسمى قوتا، لان النبي صلى الله عليه ولم " كان يدخر قوت عياله لسنة " وإنما يدخل الحب. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن حلف لا يأكل طعاما حنث بأكل كل ما يطعم من قوت وأدم وفاكهة وحلاوة، لان اسم الطعام يقع على الجميع، والدليل عليه قوله تَعَالَى " كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا ما حرم إسرائيل على نفسه وهل يحنث بأكل الدواء؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يحنث لانه لايدخل في إطلاق اسم الطعام (والثاني) يحنث لانه يطعم في حال الاختيار، ولهذا يحرم فيه الربا (فصل) وإن حلف لا يشرب الماء فشرب ماء البحر احتمل عندي وجهين (أحدهما) يحنث لانه يدخل في اسم الماء المطلق، ولهذا تجوز به الطهارة. (والثاني) لا يحنث لانه لا يشرب، وإن حلف لا يشرب ماء فراتا فشرب ماء دجلة أو غيره من الماء العذبة حنت، لان الفرات هو الماء العذب، والدليل عليه قوله تعالى (وأسقيناكم ماء فراتا) وأراد به العذب، وان حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من ماء دجلة لم يحنث، لان الفرات إذا عرف بالالف واللام فهو النهر الذي بين العراق والشام (فصل) وإن حلف لا يشم الريحان فشم الضميران - وهو الريحان الفارسى - حنت، وإن شم ما سواه كالورد والبنفسج والياسمين والزعفران لم يحنث لانه

стр. 2362

لا يطلق اسم الريحان الا على الضميران وماواه لا يسعى إلا بأسمائها. وان حلف لا يشم المشموم حنث بالجميع، لان الجميع مشموم، وان شم الكافور أو المسك أو العود أو الصندل لم يحنث لانه لا يطلق عليه اسم المشموم. وان حلف لا يشم الورد والبنفسج فشم دهنهما لم يحنث لانه لم يشم الورد والبنفسج، وان جف الورد والبنفسج فشمهما ففيه وجهان (أحدهما) لا يحنث، كما لا يحنث إذا حلف لا يأكل الرطب فأكل التمر (والثاني) يحنث لبقاء اسم الوردة والبنفسج.* * * (الشرح) في قوله تَعَالَى " كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ " الآية، هو يعقوب ﵇. روى الترمذي عن ابن عباس " أن اليهود قالوا للنبى ﷺ : أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال كان يسكن البدو فاشتكى عرق النساء فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم الابل وألبانها فلذلك حرمها، قالوا " صدقت " وذكر الحديث. وقال ابن عباس ومجاهد وقتاده والسدى: أقبل يعقوب ﵇ من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيصو، وكان رجلا بطشا قويا، فلقيه ملك فظن يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه، فغمز الملك فخذ يعقوب ﵇ ثم صعد الملك إلى السماء ويعقوب ينظر إليه، فهاج عليه عرق النسا ولقى من ذلك بلاء شديدا، فكان لاينام الليل من الوجع ويببت وله زقاء - أي صياح - فحلف يعقوب ﵇ ان شفاه الله ألايأكل عرقا، ولا يأكل طعاما فيه عرق فرحمها على نفسه، فجعل بنوه يتبعون بعد ذلك العروق فيخرجونها من اللحم واختلف هل كان التحريم من يعقوب باحتهاده أم بإذن الله تعالى؟ والصحيح الاول لان الله تعالى أضاف التحريم إليه بقوله " إلا ما حرم " وأن النبي إذا أداه اجتهاده إلى شئ كان دينا يلزمنا اتباعه لتقرير الله إياه على ذلك، وكما يوحى إليه

стр. 2363

ويلزم اتباعه. كذلك يؤذن له ويجتهد، ويتعين موجب اجتهاده إذا قدر عليه. وقد حرم نبينا ﷺ العسل على الرواية الصحيحة، أو خادمه مارية فلم يقر الله تحريمه ونزل " لم تحرم ما أحل لله لك " قال الكيا الطبري فيمكن أن يقال مطلق قوله تعالى " لم تحرم ما أحل الله " يقتضى ألا يختص بمارية، وقد رأى الشافعي أن وجوب الكفارة في ذلك غير معقول المعنى، فجعلها مخصوصا بموضع النص، وأبو حنيفة رأى ذلك أصلا في تحريم كل بماح وأجراه مجرى اليمين. هكذا أفاده القرطبى أما قوله تعالى " وأسقيناكم ماء فراتا " فالفرات أشد الماء عذوبة. وقال تعالى " هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج " وقد فرت الماء يفرت فرته إذا عذب فهو فرات. وقال ابن الاعرابي، فرت الرجل إذا ضعف عقله بعد مسكه، والفراتان الفرات ودجيل. أما الاحكام: فإذا حلف لا يأكل طعاما فأكل ما يسمى طعاما من قوت وأدم وحلواء وتمر جامد ومائع حنث لقوله تَعَالَى " كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ " وقوله تعالى " ويطعمون الطعام على حبه " يعنى على محبتهم للطعام لحاجتهم إليه، وقيل على حب الله تعالى، وقال تعالى " قل لا أجد فيما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لحم خنزير " وسمى النبي ﷺ اللبن طعاما وقال " انما تحزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم " وفي الماء عند الحنابلة وجهان (أحدهما) هو طعام لقوله تعالى " ان الله مبتليكم بنهر فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، وَمَنْ لَمْ يطعمه فإنه منى " والطعام ما يطعم، ولان النبي ﷺ سمى اللبن طعاما وهو مشروب فكذلك الماء (والثاني) ليس بطعام لانه لا يسمى طعاما ولا يفهم من اطلاق اسم الطعام ولهذا يعطف عليه، فيقال طعام وشراب، والمعطوف يغاير المعطوف عليه، وقال ﷺ " إنى لاأعلم ما يجزئ من الطعام والشراب الا اللبن " رواه ابن ماجه، ويقال باب الاطعمة والاشربة، ولانه أن كان طعاما في الحقيقة فليس بطعام في العرف فلا يحنث بشربه، لان مبنى الايمان على العرف، لكون الحالف على الغالب لا يريد بلفظه الا ما يعرفه، وهذا هو الاصح من اوجهين

стр. 2364

(فرع) هل يحنث بأكل الدواء كالاقراص المسكنة والفيتامينات والمركبات الاقرباذ ينية والفار ماكوبيا؟ فيه وجهان (أحدهما) يحنث لانه يطعم حال الاختيار (والثاني) لا يحنث لانه لايدخل في اطلاق اسم الطعام ولا يؤكل الا عند الضرورة، وبهذين الوجهين قال الحنابلة، ومن يراجع كتاب الربا هنا يجد أن الدواء ربوي لانه طعام وجها واحدا أما هنا فوجهان (مسألة) إذا حلف لا يشرب ماء وأطلق احتمل عند المصنف وجهين في حنثه بشرب ماء البحر - وهو الابيض المتوسط أو الاحمر أو المحيط الهندي أو الاطلسي أو الاقيانوس - أو ما تفرع عنها من خلجان كالخليج العربي وخليج العقبة وما تربط من مضايق وممرات، وأحد الوجهين أنه يحنث لان ماء البحر يدخل في مطلق الماء ولذا تصح الطهارة به لانه ماء طهور. فإذا عرفت أن المياه جميعها مصدرها البحر. اما عن طريق التبخر ثم نزولها مطرا تكون منه الآبار والانهار. واما عن طريق المياه الجوفية التي تكون منها العيون وبعض الآبار. وعرفت أن الرسول ﷺ قال لمن سأله " إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الماء " قال " هو الطهور وماؤه الحل ميتته " عرفت أن الماء عند الاطلاق يتناول ماء البحر حقيقة وعرفا وشرعا والوجه الثاني أنه لا يحنث. لان ماء البحر لا يشرب ولا يساغ عادة. ولو كان يسمى ماء لما سألوا رسول الله ﷺ بقولهم " انا نركب البحر ونحمل معا القليل من الماء فإن توضأنا به لم نجد ماء نشربه أفنتوضأ بماء البحر؟ وهذا سؤال يدل بمجرده على أن ماء البحر لا يسمى ماء بلا قيد. لانه قال أفنتوضأ بماء البحر. هكذا بالاضافة (مسألة) إذا حلف على الجنس المضاف كماء دجلة أو ماء الفرات أوماء البئر فهل يحنث بشرب بعضه؟ فيه وجهان (أحدهما) يحنث بشرب بعضه لانه حلف على ما لا يمكنه فعل جميعه فتناولت يمينه بعضه منفردا. وبهذا قال أحمد وأبو حنيفة (والثاني) لا يحنث. لانه إذا حلف على الجنس كالناس والماء والخبز والتمر

стр. 2365

حنث بفعل البعض، لان يمينه تناولت الجميع فلم يحنث بفعل البعض، فألحق به اسم الجنس المضاف، وأما غير المضاف فليس فيه الوجهان، لانه إذا حلف ليفعلن شيئا لم يبر إلا بفعل جميعه وان حلف لاشربت من الفرات فشرب من مائه حنث، سواء كرع فيه أو اغترف منه ثم شرب، وبهذا قال أحمد وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يحنث حتى يكرع فيه، لان حقيقة ذلك الكرع فلم يحنث بغيره، كما لو حلف لاشربت من هذا الاناء فصب منه في غيره وشرب ولنا أن معنى يمينه أن لا يشرب من ماء الفرات: لان الشرب يكون من مائها. ومنها الغرف فحملت اليمين عليه، كما لو حلف لاشربت من هذه البئر ولا أكلت من هذه الشجرة ولا شربت من لبن هذه الشاة، ويفارق الكوز فإن الشرب في العرف منه، لانه آلة للشرب بخلاف النهر. وما ذكروه يبطل بالبئر والشاة والشجرة، وقد سلموا أنه لو استقى من البئر أو احتلب لبن الشاة أو التقط من الشجرة وشرب وأكل حنث فكذا في مسألتنا هنا (فرع) وان حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من نهر يأخذ منه حنث لانه من ماء الفرات، ولو حلف لا يشرب من نهر الفرات فشرب من نهر يأخذ منه ففيه وجهان (أحدهما) يحنث لان معنى الشرب منه الشرب من مائه فحنث، كما لو حلف لاشربت من مائه. وهذا أحد الاحتمالين لاصحاب أحمد (والثاني) لا يحنث. وهو قول أبى حنيفة وأصحابه الا أبا يوسف فإن عنه رواية أنه يحنث، وانما قلنا لا يحنث، لان ما أخذه النهر يضاف إلى ذلك النهر لا إلى الفرات، ويزول بإضافته إليه عن اضافته إلى الفرات فلا يحنث به كغير الفرات، ومن حلف لا يشرب من نهر النيل فشرب من ترعة النوبارية أو ترعة المحمودية فإن اضافتها إلى الترعة لايمنع العلم بكونها احدى روافد النيل فيحنث، كما لو شرب من فرع رشيد أو فرع دمياط أما إذا حلف لا يشرب من نهر الاردن فشرب من بحيرة الحولة لم يحنث لانهما وان اتصل ماؤهما فلكل منهما اسمه وموقعه. وكذلك يقال في بانياس

стр. 2366

والحصبائى والليطانى والمزهرانى واليرموك وبحيرة طبرية من أنهار الشام أنقذها وأقالها من عثرتها وأهلك الطامعين فيها. (فرع) إذا حلف لا يشم الريحان فإنه لا يحنث الا بشم الريحان الفارسى كالضميران: لان الحالف لا يريد بيمينه في الظاهر سواه فلا يحنث بشم النبت أو الزهر الطيب الريح كالورد والبنفسج والنرجس والياسمين والزعفران، لان هذه كلها وان كانت رياحين الا أن كلا منها له اسم يعرف به فلم يحنث بشمها. وقال أبو الخطاب من الحنابلة يحنث بشم ما يمسى في الحقيقة ريحانا لان الاسم يتناوله حقيقة، ولا يحنث بشم الفاكهة وجها واحدا لانها لا تسمى ريحانا حقيقة ولا عرفا. ومن هذا لو حلف لا يشم وردا ولا بنفسجا فشم دهن البنفسج وماء الورد فإنه لا يحنث لانه لم يشم وردا ولا بنفسجا وقال أبو حنيفة: يحنث بشم دهن البنفسج لانه يسمى بنفسجا ولا يحنث بشم ماء الورد لانه لا يسمى وردا. وهل يحنث بشم الورد والبنفسج البابس؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يحنث كما لو حلف لا يأكل رطبا فأكل تمرا (والثاني) يحنث لان حقيقته باقية فحنث به كما لو حلف لا يأكل لحما فأكل لحما قديدا أو محفوظا، وفارق ما ذكر في الوجه الاول فإن التمر ليس رطبا، وبهذا قال أحمد وأصحابه وأصحاب الرأى وان حلف لا يشم المشموم حنث بكل ما ذكرنا ما عدا الكافور والمسك والعود والصندل والجاوى، لانه لا يطلق عليه اسم المشموم. وانما يقال التجمير والتبخير أو التعطير للمسك قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وان حلف لا يلبس شيئا فلبس درعا أو جوشنا أو خفا أو نعلا ففيه وجهان، أحدهما يحنث لانه لبس شيئا. والثاني لا يحنث لان اطلاق اللبس لا ينصرف إلى غير الثياب (فصل) وان كان معه رداء فقال: والله لا لبست هذا الثوب وهو رداء فارتدى به أو تعمم به أو اتزر به حنث لانه لبسه وهو رداء. فإن جعله قميصا أو

стр. 2367

سراويل ولبسه لم يحنث لانه لم يلبسه وهو رداء. فإن قال والله لالبست هذا الثوب ولم يقل وهو رداء فارتدى به أو تعمم به أو اتزر به أو جعله قميصا أو سراويل ولبسه حنث. ومن أصحابنا من قال لا يحنث لانه حلف على لبسه وهو على صفة فلم يحنث بلبسه على غير تلك الصفة، والصحيح هو الاول لانه حلف على لبسه ثوبا فحمل على العموم، كما لو قال والله لالبست ثوبا (فصل) وان إحلف لا يلبس حليا فلبس خاتما من ذهب أو فضة أن مخنفة من لؤلؤ أو غيره من الجواهر حنث لان الجميع حلى، والدليل عليه قوله (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير) وإن لبس شيئا من الخرز أو السبج، فإن كان ممن عادته التحلى به كأهل السواد حنث لانهم يسمونه حليا. وهل يحنث به غيرهم؟ على ما ذكرناه من الوجهين في بيوت الشعر ورؤوس الصيد. وإن تقلد سيفا محلى لم يحث، لان السيف ليس بحلى. وإن لبس منطقة محلاة ففيه وجهان (أحدهما) يحنث لانه من حلى الرجال (والثاني) لا يحنث، لانه ليس من الآلات المحلاة فلم يحنث به كالسيف وإن حلف لا يلبس خاتما فلبسها في غير الخنصر، أو حلف لا يلبس قميصا فارتدى به أو لا يلبس قلنسوة فلبسها في رجله لم يحنث، لان اليمين يقتضى لبسا متعارفا وهذا غير متعارف (فصل) وإن من عليه رجل فحلف لا يشرب له ماء من عطش فأكل له خبزا أو لبس له ثوبا أو شرب له ماء من غير عطش لم يحنث، لان الحنث لا يقع إلا على ما عقد عليه اليمين، والذي عقد عليه اليمين شرب الماء من عطش، فلو حنثاه على سواه لحنثناه على ما نوى لا على ما حلف عليه. وإن حلف لا يلبس له ثوبا فوهب له ثوبا فلبسه لم يحنث لانه لم يلبس ثوبه (الشرح) الدرع الحديد مؤنثة في الاكثر وتصغر على دريع بغير هاء على غير قياس. وجاز أن يكون التصغير على لغة من ذكر، وربما قيل دريعة بالماء وجمعها أدرع ودروع وأدراع.

стр. 2368

قال ابن الاثير وهى الزردية، ودرع المرأة قميصها مذكر. وقال في اللسان: الدرع لبوس الحديد تذكر وتؤنث. قال الاخرر مقلصا بالدرع ذى التقضن يمشى العرضي في الحديد المتقن والجمع في القليل أدرع وأدراع وفي الكثير دروع. وفي حديث خالد " أدراعه وأعتده حبسا في سبيل الله " والجوشن الصدر، وقيل ما عرض من وسط الصدر وجوشن الجرادة صدرها وجوشن الليل وسطه وصدره، والجوشن الذي يلبس من السلاح. قال ذو الرمة يصف ثورا طعن كلابا بروقيه في صدرها فكر يمشق طعنا في جواشنها كأنه الاجر في الاقبال يحتسب والمخنقة القلادة الواقعة على المخنق، والسبخ خرز والواحدة سبجة مثل قصب وقصبة، وسواد العراق سمى كذلك لخضرة أشجاره وزروعه، والعرب تسمى الاخضر أسود لانه يرى كذلك على بعده وكل شخص من إنسان وغيره يسمى سوادا، وجمعه أسودة، مثل جناح وأجنحة، ومتاع وأمتعة، وسواد المسلمين جماعتهم. أما الاحكام: فان حلف لا يلبس شيئا حنث بكل ما يلبس من الثياب وغيرها كالدرع والجوشن والنعل والخف في أحد الوجهين، وبه قال أحمد لانه ملبوس حقيقة وعرفا فحنث به كالثياب، وقد استدل على هذا الوجه بحديث " أن النجاشي أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ خفين فلبسهما " وقيل لابن عمر انك تلبس النعال، فقال إنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يلبسهما فإذا أدخل يده في الخف أو النعل أو الدرع والجوشن في رجليه لم يحنث، لان ذلك ليس بلبس لهما (واوجه الثاني) لا يحنث. لان اللبس عند الاطلاق لا ينصرف إلا إلى الثياب. (فرع) ان حلف لا يلبس هذا الثوب وهو رداء، فارتدى به أو ائتزر أو اعتم به حنث، لان ما فعله يطلق عليه اسم اللبس فحنث به. وبهذا قال أحمد وأصحابه، لانه لبسه وهو رداء، فإن غيره عن كونه رداء ولبسه ولم يحنث لان اليمين وقعت على ترك لبس رداء. فإن حلف لا يلبس هذا الثوب - وكان رداء في حال حلفه - لم يقل

стр. 2369

وهو رداء كالتي قلها - فارتدى به أو ائتزر أو اعتم به أو جعله قميصا أو سراويل أو قباء ولبسه حنث على الصحيح من المذهب لانه قد لبسه فحمل على عموم اللبس كما لو قال والله لالبست ثوبا، فإنه يحنث بلبس أي ثوب على أي نحو مما قررنا (فرع) إذا حلف ليلبسن هو أو ليلبسن أمراته حليا فلبس هو أو ألبس امرأته خاتما من فضة أو مخنقة من لؤلؤ أو جوهر وحده بر في يمينه، وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة لايبر لانه ليس بحلى. وإذا حلف لا يلبس - بالنفى - حليا فلبس خاتما من فضة أو وضع دبوسا في صدره أو زرارا معدنيا في كم قميصه حنث لان ذلك من وسائل الزينة في عصرنا هذا كالخرز والسبج عند أهل السواد في عصر المصنف، فإن كان ممن يلبس الجبة والقفطان فوضع دبوسا في صدره مما يوضع حلية من يلبس الملابس الافرنجية ففيه وجهان كالوجهين في بيوت الشعر ورؤوس الصيد وقال الحنابلة: إن لبس عقيقا أو سبجا، ولو كان من أهل السواد لا يحنث لانه ليس بحلى كالودع وخرز الزجاج، وإن كان لا يلبس حليا فلبس دراهم أو دنانير في مرسلة ففيه وجهان (أحدهما) لا يحنث لانه ليس بحلى إذا لم يلبسه فكذلك إذا لبسه (والثاني) يحنث لانه ذهب وفضة لبسه فكان حليا كالسوار والخاتم (فرع) إذا حلف لا يلبس حليا فتقلد سيفا محلى بالذهب لا يحنث، لان الشرع لم يعتبره حليا، وإن لبس حزاما محلى ففيه وجهان (أحدهما) يحنث لانه مما يتحلى به الرجال، وبه قال أحمد رضى الله عنه (والثاني) لا يحنث لانه آلة محلاة فأشبه السيف. وإن حلف لا يلبس خاتما فلبسها في غير مكانها من الخنصر بل جعلها في الوسطى أو السبابة لم يحنث كما لو حلف لا يلبس قميصا فارتدى به، أولا يلبس قلنسوة فلبسها في رجله لم يحنث لمخالفة ذلك للعرف (مسألة) إذا أراد أن يقطع منة عليه لرجل فإن يمينه لا تتعدى ما انعقد عليه لفظه. وقال أحمد: إن الاسباب معتبرة في الايمان فيتعدى الحكم بتعديها، فإذا امتن عليه بثوب فحلف أن لا يلبسه لتنقطع المنة به حنث بالانتفاع به في

стр. 2370

غير اللبس من أخذ ثمنه، لانه نوع انتفاع به يلحق المنة به، وان لم يقصد قطع المنة ولا كان سبب يمينه يقتضى ذلك لم يحنث إلا بما تناولته يمينه، وهو لبسه خاصة فلو أبدله بثوب غيره ثم لبسه أو انتفع به في غير اللبس أو باعه وأخذ ثمنه لم يحنث لعدم تناول اليمين له لفظا ونية وسببا ولنا أننا لو أحنثناه هنا لاحنثناه على ما نوى لا على ما حلف عَلَيْهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ حلف لا يضرب امرأته فضربها ضربا غير مؤلم حنث لانه يقع عليه اسم الضرب، وان عضها أو خنقها أو نتف شعرها لم يحنث، لان ذلك ليس بضرب، وان لكمها أو لطمها أو رفسها ففيه وجهان. أحدهما يحنث لانه ضربها والثاني لا يحنث لان الضرب المتعارف ما كان يؤلم وإن حلف ليضرب عبده مائة سوط فشد مائة سوط فضربه بها ضربة واحدة فإن تيقن أنه أصابه المائة بر في يمينه لانه ضربه مائة سوط. وان تيقن أنه لم يصبه بالمائة لم يبر لانه ضربه دون المائة. وإن شك هل أصابه بالجميع أو لم يصبه بالجميع فالمنصوص أنه يبر وقال المازنى. لايبر، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِيمَنْ حَلَفَ ليفعل كذا في وقت إلا أن يشاء فلان: فمات فلان حنث، وإذا لم نجعله بارا للشك في المشيئة وجب أن لا نجعله بارا للشك في الاصابة، والمذهب الاول، لان أيوب ﵇ حلف ليضربن امرأته عددا فقال " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " ويخالف ماقاله الشافعي ﵀ في المشيئة لانه ليس الظاهر وجود المشيئة، فإذا لم تكن مشيئة حنث بالمخالفة، والظاهر إصابته بالجميع فبر. وان حلف ليضربنه مائة مرة فضربه بالمائة المشدودة لم يبر لانه لم يضربه إلا مرة، فإن حلف ليضربه مائة ضربة، فضربه بالمائة المشدودة دفعة واحدة فأصابه الجميع ففيه وجهان: (أحدهما) لايبر لانه ما ضربه الا ضربة، ولهذا لو رمى بسبع حصيات دفعة واحدة إلى الجمرة لم يحتسب له سبعا

стр. 2371

(والثاني) أنه يبر لانه حصل بكل سوط ضربة، ولهذا لو ضرب به في حد الزنا حسب بكل سوط جلدة (الشرح) قوله: فقال الله " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " ذهب المفسرون في تفسير هذه الآية مذهب الاسرائيليات التي تغفل السياق ومواقع الكلم. وحكموا في ذلك أحاديث بعضها موقوف وبعضها مرفوع لم يصح منها سوى حديث " بينا أيوب يغتسل إذ خر عليه رجل من جراد من ذهب " الحديث. وإذ لم يصح عنه فيه إلا ما ذكر القرآن فإنا ذاكروا ماقاله ابن العربي لموافقته مذهبنا في تأويلها. قال ما ذكره المفسرون من أن إبليس كان له مكان في السماء السابعة من العام فقول باطل، لانه أهبط منها بلغنة وسخط إلى الارض فكيف يرقى إلى محل الرضا ويحول في مقامات الانبياء ويخترق السموات العلى، إن هذا لخطب من الجهالة عظيم، إلى أن قال: وأما قولهم: إنه قال لزوجته أنا إله الارض، ولو تركت ذكر الله وسجدت أنت لى لعافيته، فاعلموا وإنكم لتعلمون أنه لو عرض لاحدكم وبه ألم وقال هذا الكلام ما جاز عنده أن يكون إلها في الارض وأنه يسجد له وأنه يعافى من البلاء فكيف أن تستريب زوجة نبى؟ ولو كانت زوجة سوادى أو قدم برجوى ما ساغ لك عندها وأما تصويره الاموال والاهل في واد فذلك ما يقدر عليه إبليس بحال، ولا هو في طريق السحر، فيقال إنه من جنسه. إلى أن قال: والذي جرأهم على ذلك وتذرعوا به إلى ذكر هذا قوله تعالى " إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب " انتهى. قلت: الذى يتفق مع نظام الذكر الحكيم والتذكير المتين أن الله تعالى أراد أن يسلى نبيه محمدا ﷺ بجهاد الانبياء قبله وصبرهم على الضرر والبلاء فليس من المناسب أن يقول له: اذكر عبدنا أيوب كيف حلف أن يضرب امرأته مائة سوط، فقلنا له خذ عرجونا به مائة شمراخ فاضربها به ولا تحنث انا وجدناه صابرا نعم العبد انه أواب.

стр. 2372

ان هذا كلام عجيب وفهم للآيات غريب، وان الذي يناسب مقام النبوة أن يكون أبوب ﵇ بعث في قوم كان الشيطان يعبث بعقولهم، فكان كلما آمن به فريق منهم ارتد وانحاز إلى الضلالة فشكا لربه هذا العناء " انى مسنى الشيطان بنصب وعذاب " فقال له ربه " ثبت قدمك على دعوتنا وتقدم بخطى سريعة ثابتة إلى الامام، وهذا هو الذي يفيده معنى الركض بالرجل. ففى هذا ازالة لما يمسك من لغوب ونصب وتنقية لما تعانيه من عناد قومك من وساوس الشيطان، وشراب هنئ لك يشرح صدرك، ويجلو عنك الضيق والحرج وخذ بيدك غصنا فلوح به على وجوه الناس ولا تأثم ولا تغلظ، لان الحنث هو الاثم. قال تعالى " وكانوا يصرون على الحنث العظيم " ومما استقر في الفطر وارتكز في الطباع أن الغصن الرطب كغصن الزيتون مثلا يضرب به المثل في الامم بالسلام. والله أعلم. أما أحكام الفصل فإنه لا يجوز أن يضرب الرجل امرأته فوق حد الادب، لقوله ﷺ " واضربوهن ضربا غير مبرح " وقد اختلف الفقهاء في هذا الحكم الذي فهموه من الآتة، هل هو عام أو خاص بأيوب وحده؟ فروى عن مجاهد أنه عام وحكى عن القشيرى أن ذلك خاص بأيوب. وحكى المهدوى عن عطاء بن أبى رباح أن ذلك حكم باق، وأنه أذا ضرب بمائة قضيب ونحوه ضربة واحدة بر وروى نحوه الشافعي رضى الله عنه. وروى نحوه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي المقعد الذي حملت منه الوليدة. وأمر أن يضرب بعثكول فيه مائة شمراخ ضربة واحدة. وقال القشيرى وقيل العطاء هل يعمل بهذا اليوم؟ فقال ما أنزل القرآن الا ليعمل به ويتبع. وروى عن عطاء أنها لايوب خاصة. وكذلك روى أبو زيد عن ابن القاسم عن مالك " من حلف ليضربن عبده مائة فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبر وقال القرطبى، وقال بعض علمائنا - يريد مالك - قوله تعالى " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " أي ان ذلك منسوخ بشريعتنا

стр. 2373

قال ابن المنذر وقد روينا عن على أنه جلد الوليد بن عقبه بسوط له طرفان أربعين جلدة، وأنكر مالك هذا وتلا قوله تعالى " فاجلدوا كل واحد منها مائة جلدة " وهذا مذهب أصحاب الرأى. اه وقد احتج الشافعي رضى الله عنه بحديث خرجه أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن أبن شهاب أخبرني أبو أسامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ من الانصار " أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم، فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال: استفتوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فإنى قد وقعت على جارية دخلت على، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه اليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة ". قال الشافعي: إذا حلف ليضربن فلانا مائة جلدة أو ضربا ولم يقل: ضربا شديدا ولم ينو ذلك بقلبه يكفيه مثل هذا الضرب المذكور في الآية ولا يحنث، وقال ابن المنذر: إذا حلف الرجل ليضربن عبده مائة فضربه ضربا خفيفا فهو بار عند الشافعي وأبى ثور وأصحاب الرأى وقال مالك ليس الضرب إلا الضرب الذي يؤلم. (تنبيه) قال القرطبى في جامع أحكام القرآن ج ١٥ ص ٢١٥. استدل بعض جهال المنزهدة، وطعام المتصوفة بقوله تعالى لايوب " اركض برجلك " على جواز الرقص، قال أبو الفرج الجوزى: وهذا احتجاج بارد، لانه لو كان أمر بضرب الرجل فرحا كان لهم فيه شبهة، وإنما أمر بضرب الرجل لينبع الماء إعجازا من الرقص، ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوام دلالة على جواز الرقص في الاسلام جاز أن يجعل قوله سبحانه " اضرب بعصاك الحجر " جوازا على ضرب المحاد بالقضبان نعوذ بالله من التلاعب بالشرع، وقد احتج بعض قاصريهم بِأَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لعلى " أنت منى وأنا منك "

стр. 2374

فخجل، وقال لجعفر " أشبهت خلقي وخلقي " فحجل، وقال لزيد " أنت أخونا ومولانا " فخجل، ثم ذكر قصة زفن الحبشة والنبي ﷺ ينظر إليهم وأجاب على كل ذلك. (فرع) إذا حلف أن يضربها عشرة أسواط فجمعها وضربها بها ضربة واحدة بر في يمينه إذا علم أنها مستها كلها، وإن علم أنها لم تمسها لم يبر، وقال أحمد: إن حلف أن يضربه عشرة فجمعها فضربه بها لم يبر في يمينه، وبهذا قال مالك وأصحاب الرأى. وقال ابن حامد من الحنابلة يبر، لان أحمد قال في المريض عليه الحد، يضرب بعثكال النخل فيسقط عنه الحد. (فرع) وإن حلف أن يضرب امرأته في غد فمات الحالف من يومه فلا حنث عليه، لان الحنث إنما يحصل بفوات المحلوف عليه في وقته وهو الغد، والحالف قد خرج عن أن يكون من أهل التكليف قبل الغد فلا يمكن حنثه، وكذلك إن جن الحالف في يومه فلم يفق إلا بعد خروج الغد، لانه خرج عن كونه من أهل التكليف. قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وإن حلف لا يهب له فأعمره أو أرقبه أو تصدق عليه حنث لان الهبة تمليك العين بغير عوض: وإن كان لكل نوع منها اسم. وإن وقف عليه وقلنا إن الملك ينتقل إليه حنث، لانه ملكه العين من غير عوض. وإن باعه وحاباه لم يحنث، لانه ملكه بعوض، وإن وصى له لم يحنث، لان التمليك بعد الموت والميت لا يحنث. (فصل) وإن حلف لا يتكلم فقرا القرآن لم يحنث: لان الكلام لا يطلق في العرف الا على كلام الآدميين. وان حلف لا يكلم فلانا فسلم عليه حنث، لان السلام من كلام الآدميين، ولهذا تبطل به الصلاة، فإن كلمه وهو نائم أو ميت أو في موضع لا يسمع كلامه لم يحنث، لانه لا يقال في العرف كلمه. وان كلمه في موضع يسمع الا أنه لم يسمع لاشتغاله بغيره حنث، لانه كلمه. ولهذا يقال كلمه فلم يسمع

стр. 2375

وان كلمه وهو أصم فلم يسمع للصم فقيه وجهان. أحدهما يحنث لانه كلمه وان لم يسمع فحنث، كما لو كلمه فلم يسمع لاشتغاله بغيره. والثاني لا يحنث وهو الصحيح لانه كلمه وهو لا يسمع، فأشبه إذا كلمه وهو غائب، وان كاتبه أو راسله ففيه قولان: قال في القديم يحنث. وقال في الجديد لا يحنث. وأضاف إليه أصحابنا: إذا أشار إليه، فجعلوا الجميع على قولين، أحدهما يحنث. والدليل عليه قوله " وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا " فاستثنى الوحى وهو الرسالة من الكلام فدل على أنها منه. وقوله " قال آيتك أن لاتكلم الناس ثلاثة أيام الا رمزا " فاستثنى الرمز وهو الاشارة من الكلام، فدل على أنها منه، ولانه وضع لافهام الآدميين فأشبه الكلام. والقول الثاني أنه لا يحنث لقوله " فإما ترين من البشر أحدا فقولي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ انسيا " ثم قال " يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا، فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا " فلو كانت الاشارة كلاما لم تفعله، وقد نذرت أن لاتكلم. ولان حقيقة الكلام ما كان باللسان، ولهذا يصح نفيه عما سواء بأن نقول: ماكلمته وانما كاتبته أو راسلته أو أشرت إليه، ويحرم على المسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، لقوله ﵇ " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، والسابق أسبقهما إلى الجنة " وان كاتبه أو راسله ففيه وجهان (أحدهما) لا يخرج من مأثم الهجران، لان الهجران ترك الكلام فلا يزول الا بالكلام (وَالثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه يخرج من مأثم الهجران، لان القصد بالكلام ازالة ما بينهما من الوحشة، وذلك يزول بالمكاتبة والمراسلة (الشرح) قوله تعالى " وما كان لبشر أن يكلمه الله الاوحيا " سبب ذلك أن اليهود قالوا للنبى ﷺ : ألا تكلم الله وتنظر إليه ان كنت نبيا

стр. 2376

كما كلمه موسى ونظر إليه، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنَّ مُوسَى لن ينظر إليه، فنزل قوله تعالى " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " ذكره النقاش والواحدي والثعلبي. وقد احتج بهذه الآية الشافعي في القديم فيمن حلف ألا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا أنه حانث، لان المرسل قد سمى فيها مكلما للمرسل إليه، إلا أن ينوى الحالف المواجهة بالخطاب قال ابن المنذر: واختلفوا في الرجل يحلف أن لا يكلم فلانا فكتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا، فقال الثوري الرسول ليس بكلام. وقال الشافعي في الجديد: لا يبين أن يحنث. وقال النخعي: والحكم في الكتاب يحنث. وقال مالك يحنث في الكتاب والرسول وقال مرة: الرسول أسهل من الكتاب. وقال أبو عبيد: الكلام سوى الخط والاشارة وقال أبو ثور " لا يحنث في الكتاب " وقال ابن المنذر لا يحنث في الكتاب والرسول. وقال القرطبى وهو قول مالك أما قوله تعالى قال آيتك أن لاتكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا " قال أبو الشعثاء جابر بن زيد رضى الله عنه، إن زكريا ﵇ لما حملت زوجه منه بيحيى أصبح لايستطيع أن يكلم أحدا، وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله تعالى، فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقه (قلت) والرمز في اللغة الايماء بالشفتين، وقد يستعمل في الايماء بالحاجبين والعينين واليدين، وأصله الحركة. وقيل طلب تلك الآية زيادة طمأنينة. المعنى تم النعمة بأن تجعل لى آية، وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة، فقيل له " آيتك أن لاتكلم الناس ثلاثة أيام " أي تمتنع من الكلام ثلاث ليال. وقال النحاس، قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول مرغوب عنه، لان الله لم يخبرنا أنه أذنب ولا أنه نهاه عن هذا، اه ثم إن في هذه الاية دليلا على أن الاشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة. وآكد الاشارات ماحكم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أمر الجارية حين قال لها أين الله؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقال اعتقها فإنها مؤمنة فأجاز الاسلام بالاشارة الذي هو أصل الديانة الذي يمنع الدم والمال وتستحق

стр. 2377

به الجنة وينجى به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك، فوجب أن تكون الاشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء وروى ابن القاسم عن مالك أن الاخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالاخرس في الرجعة والطلاق وقال أبو حنيفة ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهى باطل، وليس ذلك بقياس وإنما هو استحسان. وقال القرطبى والقياس في هذا كله أنه باطل لانه لا يتكلم ولا يعقل اشارته قال أبو الحسن بن بطال، وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السنن التى جاءت بجواز الاشارات في أحكام مختلفة في الديانة، ولعل البخاري حاول بترجمته " باب الاشارة في الطلاق والامور " الرد عليه وقال عطاء أراد بقوله ألا تكلم الناس، صوم ثلاثه أيام، وكانوا إذا صاموا لا يتكلمون إلا رمزا، وهذا فيه بعد. أفاده القرطبى (قلت) وعندي أن زكريا سأل الله تعالى أن يجعل له آية، فقال أيتك أنى أجعلك لا تستطيع الكلام ثلاثة أيام إلا إشارة. وهذه أعظم آية بظهرها الله تعالى لزكريا في ذات نفسه أما قوله تعالى " فإما ترين من البشر أحدا " الاصل في ترين ترأيين بوزن تمنعين قبل التوكيد ودخول الجازم، فحذفت الهمزة كما حذفت من ترى، ونقلت فتحتها إلى الراء فصار تريين ثم قبلت الياء الاولى ألفا لتحركها وانتفاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان الالف المنقلبة عن الياء وياء التأنيث لالتقاء الساكنين، لان النون المثقلة يمنزلة نونين، الاولى ساكتة فصار ترين. وعلى هذا النحو قول دريد بن الصمة إما ترى رأسي حاكى لونه طرة صبح تحت أديال الدجى وقول الافوه العبدى إما ترى أزرى به مأس زمان ذى انتكاس مئوس قال ابن عباس وأنس، إذا سألك أحد عن ولدك فقولي إنى نذرت للرحمن

стр. 2378

صوما. أي صمتا، وفي قراءة أبى بن كعب (إنى نذرت للرحمن صوما صما) والذى تتابعت به الاخبار عن أهل الحديث أن الصوم هو الصمت، لان الصوم إمساك عن الاكل، والصمت إمساك عن الكلام وقوله تعالى (فأشارت إليه) دليل عليه أن مريم التزمت ما أمرت به من ترك الكلام. ولم يرد في هذه الآية أنها نطفت ب (إنى نذرت للرحمن صوما) وإنما ورد بأنها أشارت، فيقوى بهذا قول من قال إن أمرها ب (قولى) إنما أريد به الاشارة. أما حديث (لا يحل لمسلم) الخ فقد أخرجه البخاري في الادب عن أبي أيوب الانصاري من طريق عبد الله بن يوسف، وفي الاستئذان عن على عند مسلم، وفي الادب عن أبى أيوب من طريق بن يحيى بن يحيى في سنن أبي داود، وعن أبى أيوب عند الترمذي في البر من طريق محمد بن يحيى وفي الموطأ عن أبي أيوب من طريق ابن شهاب. أما الاحكام فقد اختلف علماء الشرع فيمن حلف ألا يكلم إنسانا فكتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا، فقال مالك إنه يحنث الا أن ينوى مشافهته، ثم رجع فقال لا ينوى في الكتاب ويحنث الا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله قال ابن القاسم: إذا قرأ كتابه حنث، وكذلك لو قرأ الحالف كتاب المحلوف عليه. وقال أشهب، لا يحنث إذا قرأه الحالف، وهذا بين، لانه لم يكلمه ولا ابتدأه بكلام. الا أن يريد ألا يعلم معنى كلامه فإنه يحنث، وعليه يخرج قول ابن القاسم هكذا قال المالكية. فإن حلف ليكلمنه لم يبر الا بمشافهته وقال ابن الماجشون: وان حلف لئن علم كذا ليعلمنه أو ليخبرنه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولا بر ولو علماه جميعا لم يبر حتى يعلمه، لان علمهما مختلف. واتفق مالك والشافعي وأهل الكوفة أن الاخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه. وقال الكوفيون الا أن يكون رجل أصمت أياما فكتب لم يجز من ذلك شئ. قال الطحاوي، الاخرس مخالف للصمت العارض، كما أن العجز عن الجماع

стр. 2379

العارض لمرض ونحوه يوما أو نحوه مخالف للعجز المأيوس منه الجماع نحو الجنون في باب خيار المرأة في الفرقة واتفق أكثر أصحابنا على أنه إذا حلف ألا يكلمه فأرسل إليه رسولا أو كتب إليه حنث، الا إذا أراد لا يشافهه وقد روى الاثرم وغيره عن أحمد في رجل حلف ألا يكلم رجلا فكتب إليه كتابا. قال وأى شئ كان سبب ذلك انما ينظر إلى سبب يمينه ولم حلف؟ ان الكتاب قد يجرى مجرى الكلام، والكتاب قد يكون بمنزلة الكلام في بعض الحالات الا أن يكون قاصدا هجرانه وترك صلته والا لم يحنث بكتاب ولا رسول لان ذلك ليس بتكلم في الحقيقة، وهذا يصح نفيه، فيقال ما كلمته وانما كاتبته أو راسلته، ولذلك قال تعالى (تلك الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ الله) وقال (يا موسى ان اصطفتيك على الناس برسالاتى وبكلامي) وقال (وكلم الله موسى تكليما) ولو كانت الرسالة تكليما لشارك موسى غيره من الرسل ولم يختص بكونه كليم الله ونجيه وقد قال أحمد حين مات بشر الحافي، لقد كان فيه أنس وما كلمته قط، وكانت بينهما مراسلة. وممن قال لا يحنث بهذا الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر والشافعي في الجديد واحتجوا جميعا بقوله تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى) فاستثنى الرسول من التكلم، والاصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، ولانه وضع لافهام الآدميين أشبه الخطاب، والصحيح أن هذا ليس بتكلم، وهذا الاستثناء من غير الجنس كما قال في الاية الاخرى (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) والرمز ليس بتكلم، لكن ان نوى ترك مواصلته أو كان سبب يمينه يقتضى هجرانه حنث لذلك. ولذلك قال أحمد وغيره، ان الكتاب ينزل منزلة الكلام فلم يجعلوه كلاما، انما قالوا هو بمنزلته في بعض الحالات

стр. 2380

(فرع) إذا كلم غير المحلوف عليه بقصد إسماع المحلوف عليه فإنه يحنث. وبهذا قال أحمد، لانه قد أراد تكليمه، ويرد عليه ماروينا عن أبى بكرة رضى الله عنه أنه كان قد حلف ألا يكلم أخاه زيادا، فلما أراد زياد الحج جاء أبو بكرة إلى قصر زياد فدخل فأخذ بنيا لزياد صغيرا في حجره ثم قال: يا أبن أخى إن أباك يريد الحج ولعله يمر بالمدينة فيدخل على أم حبيبة زوج رسول الله ﷺ بهذا النسب الذي أدعاه - وهو يعلم أنه ليس بصحيح - وأن هذا لا يحل له، ثم قام فخرج وهذا يدل على أنه لم يعتقد ذلك تكليما. ووجه الاول أنه أسمعه كلامه قاصدا لاسماعه فأشبه ما لو خاطبه كما قال الشاعر اياك أعنى فاسمعي يا جارة فإن ناداه بحيث يسمع فلم يسمع لتشاغله أو غفلته حنث، وقد سئل أحمد عن رجل حلف ألا يكلم فلانا، فناداه والمحلوف عليه لا يسمع قال " يحنث " لانه قد أراد تكليمه، وهذا لكون ذلك يسمى تكليما، يقال كلمته فلم يسمع، وان كان ميتا أو غائبا أو مغمى عليه أو أصم لا يعلم بتكليمه اياه لم يحنث

стр. 2381

وقال بعض أصحاب أحمد كالقاضي أبى بكر: إنه يحنث بنداء الميت، لان النبي ﷺ كلهم وناداهم وقال " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ". ويرد على هذا قوله تعالى " وما أنت يسمع من في القبور " ولانه قد بطلت حواسه وذهبت نفسه، فكان أبعد من السماع من الغائب البعيد لبقاء الحواس في حقه، وإنما كان ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أمرأ اختص به فلا يقاس عليه غيره. قال المصنف ﵀: (فصل) وإن حلف لا يسلم على فلان فسلم على قوم هو فيهم ونوى السلام على جميعهم حنث، لانه سلم عليه، وإن استثناه بقلبه لم يحنث لان اللفظ، وان كان عاما إلا أنه يحتمل التخصيص فجاز تخصيصه بالنية، وإن أطلق السلام من غيرنية ففيه قولان. (أحدهما) أنه يحنث لانه سلم عليهم، فدخل كل واحد منهم فيه. (والثاني) أنه لا يحنث لان اليمين يحمل على المتعارف، ولايقال في العرف لمن سلم على الجماعة وفيهم فلان: إنه كلم فلانا وسلم على فلان، وإن حلف لايدخل على فلان في بيت فدخل على جماعة في بيت هو فيهم - ولم يستثنه بقلبه - حنث بدخوله عليهم، وان استثنى بقلبه عليهم ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا يحنث كما لو حلف لا يسلم عليه فسلم عليهم واستثناه بقلبه (والثاني) أنه يحنث لان الدخول فعل لا يتميز فلا يصح تخصيصه بالاستثناء، والسلام قول فجاز تخصيصه بالاستثناء، ولهذا لو قال سلام عليكم إلا على فلان صح، وإن قال دخلت عليكم إلا على فلان لم يصح. (فصل) وإن حلف لا يصوم أو لا يصلى فدخل فيهما حنث، لانه بالدخول فيهما سمى صائما ومصليا، وان حلف لايبع أو لا يتزوج أو لا يهب لم يحنث إلا بالايجاب والقبول ومن أصحابنا من قال يحنث في الهبة بالايجاب من غير قبول، لانه يقال

стр. 2382

وهب له ولم يقبل، والصحيح هو الاول، لان الهبة عقدتمليك فلم يحنث فيه من غير ايجاب وقبول كالبيع والنكاح ولا يحنث الا بالصحيح، فأما إذا باع بيعا فاسدا أو نكاح نكاحا فاسدا أو وهب هبة فاسدة لم يحنث، لان هذه العقود لا تطلق في العرف والشرع إلا على الصحيح. (الشرح) إذا حلف لا يكلم فلانا فسلم عليه أو لا يسلم عليه فسلم على جماعة هو فيهم حنث لان السلام كلام تبطل الصلاة به، فإن قصد المحلوف عليه مع الجماعة حنث لانه كلمه، وان قصدهم دونه لم يحنث، وهو مذهب أحمد رضى الله عنه لان اللفظ العام يحتمل التخصيص، فإن أطلق السلام من غيرنية ففيه قولان (أحدهما) يحنث، وبه قال الحسن وأبو عبيد ومالك وأبو حنيفة وأحمد لانه مكلم لجميعهم، لان مقتضى اللفظ العموم فيحمل على مقتضاه عند الاطلاق (والثاني) لا يحنث، لان العام يصلح للخصوص فلا يحنث بالاحتمال، ووجه القول الاول أن هذا الاحتمال مرجوح فيتعين العمل بالراجح، كما احتمل اللفظ المجاز الذى ليس بمشتهر، فإنه لايمنع حمله على الحقيقة عند الاطلاق، فإن لم يعلم أن المحلوف عليه فيهم ففيه وجهان (أحدهما) لا يحنث، لانه لم يرده فأشبه مالو استثناه، وهو احدى الروايتين عن أحمد (والثاني) يحنث لانه قد أرادهم بسلامه، وهو منهم وهذا بمنزلة الناسي. (فرع) إذا صلى بالمحلوف عليه اماما ثم سلم من الصلاة حنث، لانه شرع له أن ينوى السلام على الحاضرين، وقال أحمد وأبو حنيفة لا يحنث، لانه قول مشروع في الصلاة فلم يحنث به كتكبيرها وليست نية الحاضرين بسلامة واجبة في السلام وان أرتج عليه في الصلاة ففتح عليه الحالف لم يحنث لان ذلك كلام الله وليس بكلام الآدميين. (مسألة) إذا حلف لا يتكلم فقرأ لم يحنث، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ قرأ في الصلاة لم يحنث، وان قرأ خارجا منها حنث لانه يتكلم بكلام الله، وان ذكر الله تعالى لم يحنث، ومقتضى مذهب أبى حنيفة أنه يحنث لانه كلام، قال تعالى " وألزمهم كلمة التقوى ".

стр. 2383

وقال النبي ﷺ " أفضل الكلام أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا الله والله أكبر " وقال " كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم " دليلنا أن الكلام في العرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين، ولهذا لما قَالَ النَّبِيِّ ﷺ " إنَّ اللَّهَ يحدث عن أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لا تكلموا في الصلاة " لم يتناول المختلف فيه. وقال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت " وقوموا لله قانتين " فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، وقال تعالى " آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أياما إلا رمزا، واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والابكار " فأمره بالتسبيح مع قطع الكلام عنه، ولان ما لا يحنث به في الصلاة لا يحنث به خارجا منها كالاشارة، وما ذكروه يبطل بالقراءة والتسبيح في الصلاة، وذكر الله المشروع فيها، وان استأذن عليه إنسان فقال (ادخلوها بسلام آمنين) يقصد القرآن لم يحنث وان قصد التعبير بالآية عن الاذن حنث. (فرع) إذا حلف لايدخل على فلان فدخل على جماعة هو فيهم يقصد الدخول عليه معهم حنث، وان استثناه بقلبه ففيه وجهان. (أحدهما) يحنث لان الدخول فعل لا يتميز فلا يصح تخصيصه بالقصد، وقد وجد في حق الكل على السواء وهو فيهم فحنث به كما لو لم يقصد استثناءه، وفارق السلام فإنه قول يصح تخصيصه بالقصد، ولهذا يصح أن يقال: السلام عليكم الا فلانا، ولا يصح أن يقال: دخلت عليكم الا فلانا، ولان السلام قول يتناول ما يتناوله الضمير في عليكم، والضمير يصح أن يراد به الخاص، فصح أن يراد به من سواها، والفعل لا يتأتى هذا فيه، وان دخل بيتا لا يعلم أنه فيه فوجده فيه فهو كالدخول عليها ناسيا. (والثاني) لا يحنث كما لو حلف أن يسلم عليه فسلم على جماعة هو فيهم يقصد بقلبه السلام على غيره، فإن قلنا، لا يحنث بذلك فخرج جبن علم بها لم يحنث، وكذلك ان حلف لايدخل عليها فدخلت هي عليه فخرج في الحال

стр. 2384

لم يحنث، وإن أقام فهل يحنث؟ على وجهين بناء على من حلف لايدخل دارا هو فيها فاستدام المقام بها فهل يحنث؟ وجهين (مسألة) كل عمل يتوقف حدوثه على شخص الحالف حنث بفعله له كالصلاة والصوم، أما إذا كان العمل لا يتحقق تنفيذه إلا بشخصين كطرفي التعاقد في البيع والشراء والزواج والهبة والعمرى والرقبي، فإنه لا يحنث إلا بالايجاب والقبول، فإن حلف لا يبيع فباع بيعا فيه الخيار ففيه وجهان (أحدهما) يحنث لانه بيع شرعى صحيح فيحنث به كالبيع اللازم، لان بيع الخيار يثبت الملك به بعد الخيار بالاتفاق وهو سبب له. وهذا هو قول أحمد وأصحابه (والثاني) لا يحنث لان الملك لا يثبت في مدة الخيار فأشبه البيع الفاسد وهذا هو قول أبي حنيفة فإن حلف لا يبيع أو لا يتزوج، فأوجب البيع والنكاح ولم يقبل المزوج والمشتري لم يحنث، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، ولا نعلم فيه خلافا، لان البيع والنكاح عقدان لا يتمان إلا بالقبول، فلم يقع الاسم على الايجاب بدونه، فلم يحنث به. وإن حلف لا يهب ولا يعير فأوجب ذلك ولم يقبل الآخر، فقال القاضى من الحنابلة وأبو حنيفة وأبو العباس بن سريح من أصحابنا " يحنث " لان الهبة والعارية لاعوض فيهما فكان مسماهما الايجاب، والقبول شرط لنقل الملك وليس هو من السبب فيحنث بمجرد الايجاب فيهما كالوصية، والمذهب عندنا وهو ما صححه المصنف أنه لا يحنث بمجرد الايجاب لانه عقد لايتم إلا بالقبول فلم يحنث فيه بمجرد الايجاب كالنكاح والبيع (فرع) إذا حلف لا يتزوج حنث بمجرد الايجاب والقبول الصحيح، لا نعلم فيه خلافا لان ذلك يحصل به المسمى الشرعي فتناولته يمينه، وإن حلف ليتزوجن بر بذلك، سواء كانت له امرأة أو لم يكن، وسواء تزوج نظيرتها أو دونها أو أعلى منها. إذا ثبت هذا فإنه لا يحنث بالنكاح الفاسد ولا يحنث بالبيع الفاسد، وقد روى عن أحمد في البيع الفاسد روايتان، والماضي والمستقبل في ذلك سواء إلا عند محمد بن الحسن فإنه قال، إذا حلف ما صليت ولا تزوجت ولا بعت وكان قد فعله فاسدا حنث لان الماضي لا يقصد منه إلا الاسم، والاسم يتناوله

стр. 2385

والمستقبل بخلافه فإنه يراد بالنكاح والبيع الملك وبالصلاة القربة. ودليلنا أن ما لا يتناوله الاسم في المستقبل لا يتناوله في الماضي كالايجاب وغير المسمى، وما ذكروه لا يصح لان الاسم لا يتناول الا الشرعي (فرع) الوصيه قد يتبادر إلى الخاطر أنها تنزل منزلة الهبة والبيع وما فيه إيجاب وقبول فإننا قد علمنا قول المذهب في الهبة ولكن الوصية يقع عليها الاسم بدون القبول، ولهذا لما قال الله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين " انما أراد الايجاب دون القبول، ولان الوصية صحيحة قبل موت الموصى ولا قبول لها حينئذ، وإذا كان الشافعي رضى الله عنه يقول " إذا صح الحديث فهو مذهبي " فإنه - لاشك - أن مذهبه في الوصية هو ما ذهبنا إليه المفهوم من الآية بناء على أصله وإذا حلف لا يهب له فأهدى إليه أو أعمره حنث وان أعطاه من الصدقة الواجبة أو نذر كفارة حنث. ولاصحاب أحمد قولان (أحدهما) لا يحنث. وهو قول أصحاب الرأى لانهما يختلفان اسما فاختلفا حكما، بِدَلِيلِ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " هو عليه صدقة ولنا هدية " وكانت الصدقة محرمة عليه والهدية حلال له، وكان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة: فمع هذا الاختلاف لا يحنث في أحدهما بفعل الآخر. دليلنا أنه تبرع بعين في الحياة فحنث به كالهدية، ولان الصدقة تسمى هبة فلو تصدق بدينار قيل وهب دينارا وتبرع بدينار. واختلاف التسمية لكون الصدقة نوعا من الهبة فيختص باسم دونها، كاختصاص الهدية والعمرى بإسمين ولم يخرجهما ذلك عن كونهما هبة. وكذلك اختلاف الاحكام فإنه قد يثبت للنوع ما لا يثبت للجنس، كما يثبت للآدمي من الاحكام ما لا يثبت لمطلق الحيوان فإن وصى له لم يحنث، لان الهبة تمليك في الحياة، والوصية انما تملك بالقبول بعد الموت، فإن أعاره لم يحنث لان الهبة تمليك الاعيان وليس في العارية تمليك عين ولان المستعير لا يملك المنفعة وانما يستبيحها، ولهذا يملك المعير الرجوع فيها، ولا يملك المستعير اجارتها ولا اعارتها. (مسألة) إذا حلف لاصليت صلاة حنث بتكبيرة الاحرام وفي الصيام حنث
следующие страницы →