Полный текст (3 572 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
كفارة، فأسقطوا الكفارة إذا صرح بتعظيم الاسلام، وأثبتوها إذا لم يصرح قال ابن دقيق العيد: الحلف بالشئ حقيقة هو القسم به وادخال بعض حروف القسم عليه كقوله والله، وقد يطلق على التعليق بالشئ يمين كقولهم من حلف بالطلاق، فالمراد تعليق الطلاق، وأطلق عليه الحلف لمشابهته لليمين في اقتضاء الحنث أو المنع، وإذا تقرر ذلك فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثاني لقوله كاذبا والكذب يدخل القضية الاخبارية التي يقع مقتضاها تارة، ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا والله ما أشبهه، فليس الاخبار بها عن أمر خارجي، بل هي لانشاء القسم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين
(أحدهما)
أن تتعلق بالمستقبل، كقوله ان فعل كذا فهو يهودى.
(والثاني) تتعلق بالماضي كقوله ان كان كاذبا فهو يهودى، وقد يتعلق بهذا من لم ير فيه الكفارة بل جعل المرئب على كذبه، قال ولا يكفر في صورة الماضي الا ان قصدا التعظيم، وفيه خلاف عند الحنفية لكونه تنجيز معنى، فصار كما لو قال هو يهودي، ومنهم من قال: إذا كان لا يعلم أنه يمين لم يكفر، وان كان يعلم أنه يكفر بالحنث به كفر لكونه رضى بالكفر حيث أقدم على الفعل.
وقال بعض أصحابنا: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبا، والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وان قصد حقيقة التعليق فينظر - فإن كان أراد أن يكون متصفا بذلك كفر - لان ارادة الكفر كفر وان أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيها؟ الثاني هو المشهور، وقوله في حديث بريدة، فإن كان كاذبا زاد في البخاري ومسلم " متعمدا " قال القاضي عياض: تفرد بهذه الزيادة سفيان الثوري وهى زيادة حسنة يستفاد منها أن الحالف متعمدا ان كان مطمئن القلب بالايمان وهو كاذب في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه لم يكفر، وان قاله معتقدا لليمين بتلك الملة لكونه حقا كفر، وان قالها لمجرد التعظيم لها احتمل.
قال الحافظ وينقدح بأن يقال ان أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النسخ لم يكفر أيضا، قال ودعواه أن سفيان تفرد بها ان أراد بالنسبة إلى رواية مسلم
стр. 2312
فعسى أنه أخرجها من طريق شعبة عن أيوب وسفيان عن خالد الحذاء جميعا عن أبى قلابة، وقوله في الحديث " فهو كما قال ".
قال الحافظ في الفتح: يحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم كأنه قال: فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال ونظيره " من ترك الصلاة فقد كفر " أي استوجب عقوبة من كفر.
وقال ابن المنذر:
ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر، بل المراد أنه كاذب كذب المعظم لتلك الجهة اه.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وتجوز اليمين بأسماء وصفاته، فإن حلف من أسمائه بالله انعقدت يمينه، لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: والله لاغزون قريشا، والله لاغزون قريشا: والله لاغزون قريشا، ثم قال إن شاء " وإن حلف بالرحمن، أو بالاله أو بخالق الخلق أو بيازى النسمة أو بالحى القيوم، أن بالحى الذي لا يموت، أو برب السموات والارضين، أو بمالك يوم الدين، أو برب العالمين، وما أشبه ذلك من الاسماء التي لا يشاركه فيها أحد، انعقدت يمينه، لانه لا يسمى بها غيره ولا يوصف بها سواه، فصار كما لو قال والله، فإن حلف بالرحيم والرب والقادر والقاهر والملك والجبار والخالق والمتكبر، ولم ينوبه غير الله انعقدت به يمينه، لانه لا تطلق هذه الاسماء الا عليه، وان نوى به غيره لم ينعقد، لانه قد تستعمل في غيره مع التقييد، لانه يقال، فلان رحيم القلب، ورب الدار، وقادر على المشي، وقاهر للعدو، وخالق للكذب، ومالك للبلد، وجبار متكبر، فجاز أن تصرف إليه بالنية.
فإن قال: والحى والموجود والعالم والمؤمن والكريم لم تنعقد يمينه الا أن ينوى به الله تعالى، لان هذه الاسماء مشتركة بين الله تعالى وبين الخلق مستعملة في الجميع استعمالا واحدا، فلم تنصرف إلى الله تعالى من غير نية كالكنايات في الطلاق، وان حلف بصفة من صفاته نظرت - فإن حلف بعظمة الله أو بعزته
стр. 2313
أو بكبريائه أو بجلاله أو ببقائه أو بكلامه - انعقدت يمينه، لان هذه الصفات
للذات لم يزل موصوفا بها، ولايجوز وصفه بضدها، فصار كاليمين بأسمائه وان قال الله وعلم الله ولم ينوبه المعلوم أو بقدرة الله ولم ينو به المقدور انعقدت يمينه، لان العلم والقدرة من صفات الذات لم يزل موصوفا بهما، ولايجوز وصفه بضدهما، فصارا كالصفات الستة، فإن نوى بالعلم المعلوم أو بالقدرة المقدور لم ينعقد يمينه، لانه قد يستعمل العلم في المعلوم، والقدرة في المقدور، ألا ترى أنك تقول اغفر لنا علمك فينا، وتريد المعلوم، وتقول انظروا إلى قدرة الله، وتريد به المقدور، فانصرف إليه بالنية.
فإن قال وحق الله وأراد به العبادات لم ينعقد يمينه، لانه يمين بمحدث، وان لم ينو العبادات انعقدت يمينه، لان الحق يستعمل فيما يستحق من العبادات ويستعمل فيما يستحقه الباري من الصفات وذلك من صفات الذات، وقد انضبم إليه العرف في الحلف به فانعقدت به اليمين من غير نية.
(فصل)
وان قال على عهد الله وميثاقه وكفالته وأمانته، فإن أراد به ما أخذ علينا من العهد في العبادات فليس بيمين لانه يمين بمحدث، وان أراد بالعهد استحقاقه ما تعبدنا به فهو يمين لانه صفة قديمة، وان لم يكن له نية ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه يمين، لان للعادة الحلف بها والتغليظ بألفاظها كالعادة بالحلف بالله والتغليظ بصفاته كالطالب الغالب والمدرك المهلك (والثاني) ليس بيمين لانه يحتمل العبادات، ويحتمل ما ذكرناه من استحقاقه ولم يقترن بذلك عرف عام وانما يحلف به بعض الناس وأكثرهم لا يعرفونه فلم يجعل يمينا.
(الشرح) حديث ابن عباس: أخرجه أبو داود عن عكرمة عنه، قال أبو داود انه قد أسنده غير واحد عن عكرمة عن أبن عباس، وقد رواه البيهقى موصولا ومرسلا.
قال ابن أبى حاتم الاشبه ارساله.
وقال ابن حبان في الضعفاء رواه مسعر وشريك أرسله مرة ووصله أخرى.
أما اللغات: فقوله " أو ببارئ النسمة " أي خالق الانسان، والبارئ هو الذي خلق الخلق لا عن مثال.
قال في النهاية: ولهذه اللفظة من الاختصاص
стр. 2314
بخلق الحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السموات والارض اه والنسمة: النفس والروح، وكل دابة فيها روح فهى نسمة وإنما يريد الناس ومنه حديث على " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة " أي خلق ذات الروح، وكثيرا ما كان يقولها إذا اجتهد في يمينه، وقوله " خالي للكذب " يقال: خلق الافك واختلقه وتخلقه أي افتراه، ومنه قوله تعالى " وتخلقون إفكا " و " إن هذا إلا اختلاق " وأما الخالق بالالف واللام فإنها صفة لا تجوز لغير الله تعالى وأصل الخلق التقدير يقال: خلفت الاديم للسقاء إذا قدرته له، وخلق الرجل القول خلقا افتراه واختلقه مثله، والجبار الذي يقتل على الغصب.
وقال الخطابى: الجبار الذى جبر خلقه على ما أراد من أمره ونهيه، يقال: جبره السلطان وأجبره بمعنى ورأيت في بعض التفاسير عند قوله تعالى " وما أنت عليهم بجبار " أن الثلاثي لغة حكاها الفراء وغيره واستشهد لصحتها بما معناه أنه لايبنى فعال إلا من فعل ثلاثى نحو الفتاح والعلام، ولم يجئ من أفعل بالالف إلا دراك، فإن حمل جبار على هذا المعنى فهو وجه، والمقصود هنا عند المصنف من يقتل من غضب والمتكبر المتعظم، والكبر العظمة، وكذلك الكبرياء، والمؤمن سمى مؤمنا لانه آمن عباده من أن يظلمهم، ذكره الجوهرى في الصحاح وقوله " بعظمة الله أو بعزته أو بكبريائه أو بجلاله " العزة القوة والغلبة عن عز إذا غلب، ومنه " فعززناهما بثالث " أي قويناهما، وعز الشئ يعز من باب ضرب لم يقدر عليه.
وقوله " من صفات الذات " الذات حقيقة الشئ، والذات الالهية الحقيقة الثابتة بالربوبية والالوهيه اعتقادا بلا كيف ولا تشبيه ولا تجسيم.
أما الاحكام، ففي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ان لله تسعه وتسعين اسما من أحصاها - وفي لفظ من حفظها - دخل الجنه " وقد ساق الترمذي وابن حبان الاسماء.
قال الحافظ في بلوغ المرام: والتحقيق أن سردها من بعض الرواة.
وقال
стр. 2315
الصنعانى: اتفق الحفاظ من أئمه الحديث أن سردها ادراج من بعض الرواة.
وظاهر الحديث أن أسماء الله الحسنى منحصره في هذا العدد بناء على القول بمفهوم العدد، ويحتمل أنه حصر لها باعتبار ما ذكر بعده من قوله " من أحصاها دخل الجنة " وهو خبر المبتدأ، فالمراد أن هذه التسعة والتسعين تختص بفضيلة من بين سائر أسمائه تعالى، وهو أن احصاءها سبب لدخول الجنة، والى هذا ذهب الاكثرون.
وقال النووي: ليس في الحديث حصر أسمائه تعالى.
وليس معناه أنه ليس له اسم غير التسعة والتسعين.
ويدل عليه ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان من حديث ابن مسعود مرفوعا " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك " فإنه دل على أن له تعالى أسماء لم يعرفها أحد من خلقه بل استأثر بها ودل على أنه قد يعلم بعض عباده بعض أسمائه.
ولكنه يحتمل أنه من التسعة والتسعين.
وقد جزم بالحصر فيما ذكر أبو محمد بن حزم فقال: قد صح أن أسماءه لا تزيد على تسعه وتسعين شيئا لقوله ﷺ " مائة الا واحدا " فنفى الزيادة وأبطلها.
ثم قال: وجاءت أحاديث في أحصاء التسعة والتسعين اسما مضطربة
لا يصح منها شئ أصلا.
وانما تؤخذ من نص القرآن، وَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ سرد أربعة وثمانين اسما استخرجها من القرآن والسنه.
وقال الشارح تبعا لكلام المصنف في التلخيص: انه ذكر ابن حزم أحدا وثمانين اسما.
والذى رأيناه في كلام ابن حزم أربعة وثمانون وقد استخرج الحافظ بن حجر من القرآن فقط تسعه وتسعين اسما وسردها في التلخيص وغيره وذكر السيد محمد بن ابراهيم الوزير في ايثار الحق أنه تتبعها من القرآن فبلغت مائة وثلاثة وسبعين اسما.
وان قال صاحب الايثار مائة وسبعه وخمسين فإنا عددناها فوجدناها كما قلنا أولا.
وقد عرفت من كلام الحافظ ان حجر أن سرد الاسماء الحسنى المعروفة مدرج عند المحققين وأنه ليس من كلامه ﷺ ، وذهب كثيرون إلى أن عددها مرفوع
стр. 2316
وقال ابن حجر: بعد نقله كلام العلماء في ذكر عدد الاسماء والاختلاف فيها ما لفظه: ورواية الوليد بن مسلم عن شعيب هي أقرب الطرق الواضحة، وعليها عول غالب من شرح الاسماء الحسنى ثم سردها على رواية الترمذي، وذكر اختلافا في بعض ألفاظها وتبديلا في إحدى الروايات للفظ بلفظ ثم قال: واعلم أن الاسماء الحسنى على أربعة أقسام.
(الاول) العلم وهو الله.
(والثاني) ما يدل على الصفات الثابته للذات كالعلم والقدير والسميع والبصير (والثالث) ما يدل على إضافة أمر إليه كالخالق والرازق.
(والرابع) ما يدل على سلب شئ عنه كالعلي والقدوس.
واختلف العلماء هل هي توقيفيه، يعنى أنه لا يجوز لاحد أن يشتق من الافعال الثابتة لله تعالى
اسما بل لا يطلق عليها إلا ما ورد به نص الكتاب والسنه؟ قال الفخر الرازي المشهور عن أصحابنا أنها توفيقيه.
وقالت المعتزلة والكراميه إذا دل العقل على أن معنى اللفظ ثابت في حق الله جاز إطلاقه عليه.
وقال القاضى ابن العربي والغزالي الاسماء توقيفيه دون الصفات قال الغزالي: وكما أنه ليس لنا أن نسمى النبي ﷺ باسم لم يسمه به أبوه ولا أمه، ولا سمى به نفسه كذلك في حق الله تعالى، واتفقوا على أنه لا يجوز أن يطلق عليه تعالى اسم أو صفة توهم نقصا، فلا يقال: ماهد ولا زارع ولا فالق: وان جاء في القرآن " فنعم الماهدون " " أم نحن الزراعون " " فالق الحب والنوى " ولايقال ماكر ولابناء: وإن ورد " ومكروا ومكر الله " " والسماء بنيناها ".
وقال القشيرى: الاسماء تؤخذ توقيفا من الكتاب والسنة فكل اسم ورد فيها وجب إطلاقه وما لم يرد لم يجز ولو صح معناه (قلت) من أمثلة الاسماء التي يخترعها العامه وأنصاف المتعلمين ما سمعت بعضهم وقد وقع في محنه مما يمتحن بها أهل العزائم ينادى قائلا " يامهون " وكنت أعترض على هذه التسميه لله تعالى وان كان الله تعالى قادرا على أن يهون علينا مصائب الدنيا والآخرة، إذا تقرر
стр. 2317
هذا فان اليمين تنعقد بالحلف بالله تعالى أو باسم، أجمع أهل العلم على أن من حلف بالله فقال: والله أو بالله أو تالله فحنث أن عليه الكفارة.
وقال ابن المنذر: وكان مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأى يقولون: من حلف باسم من أسماء الله تعالى فحنث أن عليه الكفارة ولا نعلم في هذا خلافا إذا كان من أسماء الله التي لا يسمى بها سواه، وأسماء الله تعالى أربعة أقسام كما مضى نقلنا عن أصحابنا، وهى من حيث انعقاد الحلف بها
في الاستعمال تنقسم إلى ثلاثة أقسام، فأولها هو العلم وما يجرى مجراه ممالا يسمى به غير الله تعالى مثل الله والرحمن، والاول الذى ليس قبله شئ والآخر الذي ليس بعده شئ، ورب العالمين، مالك يوم الدين، ورب السموات والارضين والحى الذي لا يموت ونحو هذا فالحلف بهذا يمين بكل حال، وان نوى غيره والثاني: ما يسمى به غير الله تعالى مجازا، واطلاقه ينصرف إلى الله تعالى مثل الخالق والرازق والرب والرحيم والقادر والقاهر والملك والجبار ونحوه، فهذا مما يشترك الله تعالى في التسمى به مع غير من مخلوقاته، ويطلق على غير الله مجازا بدليل قوله تعالى " إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون افكا " " أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين " وقوله " ارجع إلى ربك " " واذكرني عند ربك - فأنساه الشيطان ذكر ربه " وقال " فارزقوهم منه " وقال " بالمؤمنين روءف رحيم " فهذا ان نوى به اسم الله تعالى أو أطلق كان يمينا: لانه باطلاقه ينصرف إليه.
وان نوى به غير الله تعالى لم يكن يمينا لانه يستعمل في غيره فينصرف بالنية إلى مانواه، وهذا مذهب أحمد.
وقال بعض الحنابلة: هو يمين كالاول على كل حال.
والقسم الثالث: ما يسمى به الله تعالى وغيره، ولا ينصرف إليه بإطلاقه كالحى والعالم والموجود والمؤمن والكريم والشاكر، فهذا ان قصد به اليمين باسم الله تعالى، فعندنا لا يكون يمينا.
لان اليمين انما تنعقد لحرمة الاسم ومع الاشتراك لا تكون له حرمة، والنية المجردة لا تنعقد بها اليمين وقال أحمد وأصحابه إلا القاضى أبا بكر: ان قصد به اليمين باسم الله تعالى
стр. 2318
كان يمينا، وإن أطلق أو قصد غير الله تعالى لم يكن يمينا فيختلف هذا القسم والذي قبله في حالة الاطلاق، ففي الاول يكون يمينا وفي الثاني لا يكون يمينا
(فرع)
والقسم بصفاته تعالى كالقسم بأسمائه.
وصفاته تنقسم إلى ثلاثة أقسام أولها ما هو من صفات الذات الالهية ولا يحتمل صرفا إلى غيرها كعزة الله وجلاله وعظمته وكبريائه وكلامه، فهذه تنعقد بها اليمين، وبه قال أحمد وأصحاب الرأى ومالك، لان هذه من صفات ذاته لم يزل موصوفا بها، وقد ورد الاثر بالقسم ببعضها، فروى " أن النار تقول قط قط وعزتك " رواه البخاري، والذي يخرج من النار يقول: وعزتك لا أسألك غيرها.
وفي كتاب الله تعالى " فبعزتك لاغوينهن أجمعين " (الثاني) ما هو صفة الذات ويعبر به عن غيرها مجازا كعلم الله وقدرته، فهذه صفة للذات لم يزل موصوفا بها، وقد تستعمل في المعلوم والمقدور اتساعا، كقولهم اللهم اغفر لنا علمك فينا، ويقال اللهم قد أريتنا قدرتك فأرنا عفوك ويقال انظر إلى قدرة الله، أي إلى مقدوره، فمتى أقسم بهذه الصفات مضافة إلى الله تعالى ولم ينو المعلوم أو المقدور انعقد يمينه، وبهذا قال أحمد رضى الله عنه.
وقال أبو حنيفة " إذا قال وعلم الله " لا يكون يمينا لانه يحتمل المعلوم دليلنا أن العلم من صفات الله تعالى فكانت اليمين به يمينا موجبة للكفارة كالعظمة والعزة والقدرة، وينتقض ما ذكروه بالقدرة، فإنهم قد سلموها وهى قرينها، فأما إن نوى القسم بالمقدور والمعلوم لا يكون يمينا، وهو قول أصحاب أحمد لانه نوى بالاسم غير صفة الله مع احتمال اللفظ مانواه، فأشبه ما لو نوى القسم بمحلوف في الاسماء التى يسمى بها غير الله تعالى وقد روى عن أحمد أن ذلك يكون يمينا بكل حال ولاتقبل منه نية غير صفة الله تعالى، وهو قول أبى حنيفة في القدرة، لان ذلك موضوع للصفة فلا يقبل منه غير الصفة كالعظمة.
قال ابن قدامة " وقد ذكر طلحة العاقولي في أسماء الله تعالى المعرفة بلام
التعريف كالخالق والرازق أنها تكون يمينا بكل حال، لانها لا تنصرف إلا إلى اسم الله تعالى.
كذا هذا
стр. 2319
والثالث مالا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله تعالى، لكن ينصرف بإضافته إلى الله سبحان لفظا أو نية كالعهد والميثاق والامانة ونحوه، فهذا لا يكون يمينا مكفرة إلا بإضافته أو نيته وسنذكر ذلك.
(فرع)
إذا قال وحق الله نظرت - فإن أراد بحقه ما يستحقه ﵎ من العظمة والجلال والعزة والبقاء - فهي يمين مكفرة، وإن أراد بحقه ما يستحقه من الطاعات والمفروضات لم تنعقد يمينه لانها حادثة.
وبهذا قال أحمد ومالك.
وقال أبو حنيفة لا كفارة لها، لان حق الله طاعته ومفروضاته وليست صفة له دليلنا أن الله حقوقا يستحقها لذاته هي من صفات الذات من العزة والجلال، واقترن عرف الاستعمال بالحلف بهذه الصفة فتنصرف إلى صفة الله تعالى، كقوله وقدرة الله، وإن نوى بذلك القسم بمخلوق، فالقول فيه كالقول في الحلف بالعلم والقدرة، إلا أن احتمال المخلوق بهذا اللفظ أظهر من احتماله في العلم والقدرة (مسأله) إذا قال على عهد الله وميثاقه وكفالته وأمانته فإنها لا تنعقد إلا أن ينوى الحلف بصفات الله تعالى وقال أصحاب أحمد " لا يختلف المذهب في أن الحلف بأمانة الله يمين مكفرة " وبقولهم هذا قال أبو حنيفة.
لان أمانة الله صفة له بدليل وجوب الكفارة على من حلف بها ونوى ويجب حملها على ذلك عند الاطلاق لوجوه أحدها أن حملها على غير ذلك صرف ليمين المسلم إلى المعصية أو المكروه لكونه قسما بمخلوق والظاهر من حال المسلم خلافه ثانيها أن القسم في العادة يكون بالمعظم المحترم دون غيره وصفة الله تعالى
أعظم حرمة وقدرا.
ولنا أن الامانه لا تنعقد اليمين بها.
ومثلها العهد والميثاق والكفالة.
إلا أن ينوى الحلف بسفة الله تعالى.
لان الامانه تطلق على الفرائض والودائع والحقوق وكذلك العهد والميثاق.
قال تعالى " انا عرضنا الامانه على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأسفقن منها وحملها الانسان " وقال تَعَالَى " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلى أهلها " يعنى الودائع والحقوق،
стр. 2320
وقال صلى الله عليه " وأد الامانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " وإذا كان اللفظ محتملا لم يصرف إلى أحد محتملاته إلا بنية أو دليل صارف إليه، على أنه إذا لم ينو شيئا وأطلق هل تنعقد يمينه.
؟ وجهان
(أحدهما)
تنعقد لان العادة والعرف جريا على الحلف بها، والتماس التغليظ في اليمين بالنطق بها كمن يحلف بالله تعالى والتغليظ بصفاته، وضرب له المصنف مثلا بالطالب الغالب والمدرك الملك (والثاني) لما ذكرناه من احتماله العبادات واحتماله لصفات الله تعالى إلا أن الناس لا يجرى العرف بينهم على اعتباره من صفات الله تعالى فلم يكن يمينا.
هذ فيما يتعلق بأمانة الله، أما إذا حلف بالامانة قال في المغنى - فإن نوى الحلب بأمانة الله فهو يمين مكفرة موجبة للكفارة.
وان أطلق فعلى روايتين.
أحداهما يكون يمينا لما ذكرناه من الوجوه.
والثانية لا يكون يمينا لانه لم يضفها إلى الله تعالى فيحتمل غير ذلك قال أبو الخطاب: وكذلك العهد والميثاق والجبروت والعظمة وامانات، فإن نوى يمينا كان يمينا والا فلا، وقد ذكرنا في الامانة روايتين فيخرج في سائر
ما ذكروه وجهان قياسا عليها ويكره الجلب بالامانة لما روى أبو داود عن بُرَيْدَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " مَنْ حلف بالامانة فليس منا " وروى عن زياد بن خدير أن رجلا حلف عنده بالامانة فجعل يبكى بكاء شديدا فقال له الرجل هل كان هذا يكره؟ قال نعم كان عمر ينهى عن الحلف بالامانة أشد النهى "
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان قال بالله لافعلن كذا بالباء المعجمة من تحت، فإن أراد بالله أنى أستعين بالله أو أوثق بالله في الفعل الذي أشار إليه لم يكن يمينا، لان مانواه ليس بيمين واللفظ يحتمله فلم يجعل يمينا، وان لم يكن له نية كان يمينا لان الباء من حروف القسم فحمل اطلاق اللفظ عليه وان قال تالله لافعلن كذا بالتاء المعجمة من فوق، فالمنصوص في الايمان
стр. 2321
والايلاء أنه يمين.
وروى المزني في القسامة أنه ليس بيمين، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال المذهب ما نص عليه في الايمان والايلاء لان التاء من حروف القسم، والدليل عليه قوله " وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " وقوله تعالى " تالله لقد آثرك الله علينا وان كنا لخاطئين " فصار كا لو قال والله وبالله، وما رواه المزني صحف فيه، والذي قال المزني في القسامة بالباء المعجمة من تحت وتعليله يدل عليه، فإنه قال لانه دعاء وتالله الله ليس بدعاء ومن أصحابنا من قال ان كان في الايمان والايلاء فهو يمين لانه يلزمه حق.
وان كان في القسامة لم يكن يمينا لانه يستحق به المال فلم يجعل يمينا وان قال الله لافعلن كذا فإن أراد به اليمين فهو يمين لانه قد تحذف حروف القسم، ولهذا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ أخبر النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قتل أبا جهل، فقال الله انك قتلته؟ قال الله اني قتلته " وان لم يكن له نية لم يكن يمينا لانه لم يأت بلفظ القسم.
وان قال لاها الله ونوى به اليمين فهو يعين، لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قال في سلب قتيل قتله أبو قتادة " لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن دين الله ورسوله فيعطيك سلبه، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صدق وان لم ينو اليمين لم يكن يمينا لانه غير متعارف في اليمين فلم يجعل يمينا من غيرنية.
وان قال وايم الله ونوى اليمين فهو يمين، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أسامة بن زيد " وأيم الله، انه لخليق بالامارة فإن لم يكن له نية لم يكن يمينا لانه لم يقترن به عرف ولانية (الشرح) حديث عبد الله بن مسعود أخرجه أبو داود وأحمد بمعناه.
وقال في منتفى الاخبار: وانما أدرك ابن مسعود أبا جهل وبه رمق فأجهز عليه.
وروى معنى ذلك أبو داود وغيره.
وقال في النيل شرح المنتفى: حديث ابن مسعود هو من رواية ابنه أبى عبيدة عنه ولم يسمع منه، كما تقدم غير مرة
стр. 2322
ولفظ مسند أحمد عن أبى عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود " أنه وجد أبا جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو صريع يذب السيف عنه بسيف له، فأخذه عبد الله بن مسعود فقتله به: فنقله رسول الله ﷺ بسلبه هذا وقد خرج أحمد والبخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه قال " بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني فإذا أنا بين غلامين من الانصار حديثة أسنانهما تمنيت لو كنت بين أضلع منها، فغمزني أحدهما فقال
يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخى؟ قال أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الاعجل منها.
قال فعجبت لذلك، فعمزنى الآخر فقال مثلها فلم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل يزول في الناس فقلت ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأخبراه، فقال أيكما قتله؟ فقال كل منهما أنا: فقال هل مسحتما سيفيكما؟ قالا لا: فنظر في السيفين فقال كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
والرجلان معاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء " قال في الفتح بعد أن ذكر رواية ابن اسحاق.
فهذا الذي رواه ابن اسحاق بجميع بين الاحاديث لكنه يخالف ما في الصحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف فإنه رأى معاذا ومعوذا شدا عليه جميعا حتى طرحاه.
وابن اسحاق يقول ان ابن عفراء هو معوذ والذي في الصحيح معاذ.
فيحتمل أن يكون معاذ بن عفراء شد عليه مع معاذ بن عمرو كما في الصحيح وضربه بعد ذلك معوذ حتى أثبته ثم حز رأسه ابن مسعود فتجتمع الاقوال كلها.
واطلاق كونهما قتلاه يخالف في الظاهر حديث ابن مسعود أنه وجده وبه رمق.
وهو محمول على أنهما بلغا به بضربهما اياه بسيفيهما منزلة المقتول حتى لم يبق له الا مثل حركة المذبوح.
وفي تلك الحالة لقيه ابن مسعود فضرب عنقه.
على أن الرسول ﷺ نقل ابن مسعود السيف فقط جمعا بين الاحاديث أَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فقد أخرجه أحمد والبخاري ومسلم عن أبى قتادة بلفظ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يوم حنين فلما التقينا
стр. 2323
كانت للمسلمين جولة قال فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين
فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه، وأقبل على فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت، فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب فقال ما للناس؟ فقلت أمرأته، ثم ان الناس رجعوا وجلس رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه.
قال فقمت فقلت من يشهد لى، ثم جلست ثم قال مثل ذلك.
قال فقمت فقلت من يشهد لي، ثم جلست.
ثم قال ذلك الثالثة فقمت، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مالك يا أبا قتادة؟ فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم صدق يارسول الله سلب ذلك القتيل عندي فأرضه من حقى، فقال أبو بكر الصديق لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صدق فأعطه إياه فأعطاني: قال فبعت الدرع فابتعت به مخرفا في بنى سلمة، فإنه لاول مال تأثلته في الاسلام ".
ويؤخذ على المصنف قوله " لما روى أن أبا بكر الخ " هكذا بصيغة التمريض مما لا يتناسب مع حديث متفق عليه في الصحيحين وفي غيرهما.
وأما حديث " وايم الله " ذكره الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء هكذا إسماعيل بن جعفر وان عيبنة عن عبد الله بن دينار سمع ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمر أسامة على قوم، فطعن الناس في إمارته فقال " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقا الامارة، وان كان لمن أحب الناس إلى، وإن ابنه هذا لاحب الناس إلى بعده " لفظ اسماعيل " وان ابنه لمن أحب " ابراهيم بن طهان عن موسى بن عقبه عن سالم عن أبيه فذكر نحوه وفيه " وان كان أبوه لخليقا للامارة وان كان لاحب الناس كلهم إلى " قال سالم " ما سمعت أبى يحدث بهذا الحديث قط الا قال والله ما حاشا فاطمة " انتهى.
وقد كان أسامة أسود أفطس لان أمه بركة الحبشية مَوْلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ محمد بن اسحاق حدثنا يزيد بن هرون قال حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن
стр. 2324
عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَ الافاضة من غرفة من أجل أسامة بن زيد ينتظره، فجاء غلام أسود أفطس، فقال أهل اليمن انما حبسنا من أجل هذا، قال فلذلك كفر أهل اليمن من أجل هذا.
قال يزيد بن هرون " يعني ردتهم يام أبى بكر الصديق ولما فرض عمر بن الخطاب للناس فرض لاسامة خمسة آلاف ولعبد الله بن عمر ألفين، فقال ابن عمر فضلت على أسامة وقد شهدت ما لم يشهد؟ فقال أن أسامة كان أحب إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ منك.
وأبوه كان أحب إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من أبيك أما الاحكام، فحروف القسم ثلاثة.
الباء وهى الاصل وتدخل على المظهر والمضمر جميعا، والواو وهى بدل من الباء تدخل على المظهر دون المضمر لذلك وهى أكثر استعمالا وبها جاءت أكثر الاقسام في الكتاب والسنة، وانما كانت الباء الاصل لانها الحرف الذي تصل به الافعال القاصرة عن التعدي إلى مفعولاتها والتقدير في القسم، أقسم بالله، كما قال تعالى (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) والتاء بدل من الواو، وتختص بإسم واحد من أسماء الله تعالى وهو الله ولا تدخل على غيره، فيقال تالله.
ولو قال تالرحمن أو تالرحيم لم يكن قسما، فإذا أقسم بأحد هذه الحروف الثلاثة في موضعه كان قسما صحيحا لانه موضوع له.
وقد جاء في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى (تالله لتسأل عما كنتم تفترون) (تالله لقد آثرك الله علينا) (تالله تفتؤ تذكر يوسف) (تالله لقد علمتم) (وتالله لاكيدن أصنامكم)
وقد اختلف أصحابنا فيه لما روى المزني في القسامة وما رواه الربيع في الام فرواية المزني أنه ليس بيمين، والصواب كما رواه الربيع في الام فإن قال ما أردت به القسم لم يقبل منه لانه أتى باللفظ الصريح في القسم، واقترنت به قرينة دالة، وهو الجواب بجواب القسم وان قال بالله ونوى الاستعانة بالله والتحصن بالله أو الثقة بالله لم يكن يمينا فإن أطلق كان يمينا وان لم ينو اليمين لانه يؤخذ بلفظه (فرع)
وان أقسم بغير حرف القسم فقال الله لاقومن: بالجرأو النصب،
стр. 2325
قال الشافعي لا يكون يمينا إلا أن ينوى لان ذكر اسم الله تعال بغير حرف القسم ليس بصريح في القسم فلا ينصرف إليه إلا بالنية وقال الحنابلة يكون يمينا لانه سائغ في العربية، وقد ورد به عرف الاستعمال في الشرع نوى أو لم ينو، ويجاب عن هذا بأنكم سوغتم اليمين للعامي إذا قال والله بالرفع مع عدم جوازه في العربية قسما، وهذا تناقض فكيف بلفظ لم يرد فيه حرف القسم ولم ينو به القسم، ومذهبنا أنه إذا أراد به اليمين انعقدت يمينه لان العرف لم يجر بذلك وقال امرئ القيس يمين الله أبرح قاعدا وقال فقالت: يمين الله مالك حيلة فهذا مصرح فيه بأنه يمين، فلا يقال عنه إنه لم ينوه.
ويجاب عن القسم بأربعة أحرف.
حرفان للنفي هما ما ولا، وحرفان للاثبات وهما إن واللام المفتوحة، وتقوم إن المكسورة مقام ما النافية، مثل قوله " وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى " (فرع)
وإن قال لا ها الله ونوى اليمين فهو يمين لما جاء في حديث أبى بكر رضى الله عنه حين قال في سلب قتيل أبى قتادة لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله
يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صدق " وإن لم ينو اليمين فالظاهر أنه لا يكون يمينا لانه لم يتقرن به عرف ولانية، ولا في جوابه حرف يدل على القسم، وهذا مذهب أحمد رضى الله عنه (فرع)
وإن قال وايم الله ونوى اليمين فهو يمين موجبة للكفارة، وكذلك وايمن.
وقال أصحاب أحمد هي موجبة للكفارة مطلقا وقد كان النبي ﷺ يقسم به، وقد اختلف في اشتقاقه، فقيل هو جمع يمين وحذفت فيه في البعض تخفيفا لكثرة الاستعمال.
وقيل هو من اليمين، فكأنه قال ويمين الله لافعلن وألفه ألف وصل.
وذكر القلعى أنها تخفض بالقسم، والواو واو قسم عنده.
قال ابن بطال في شرح غريب المهذب " وذاكرت جماعة من أئمة النحو والمعرفة فمنعوا من الخفض، وقال أيمن بنفسها آلة للقسم فلا يدخل على الآلة آلة هكذا ذكر لي من يسمع التاج النحوي رئيس أهل العربية بدمشق وقوله " أنه لخليق بالامارة " أي حقيق بها وجدير وقد خلق لذلك
стр. 2326
قال المصنف ﵀.
(فصل)
وإن قال لعمر الله ونوى به اليمين فهو يمين لانه قد قبل معناه بقاء الله وقيل حق الله وقيل علم الله، والجميع من الصفات التي تنعقد بها اليمين، فإن لم يكن له نية ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه يمين لان الشرع ورد به في اليمين، وهو قول الله (لعمرك انهم لفى سكرتهم يعمهون) (والثاني) أنه ليس بيمين، وهو طاهر النص لانه غير متعارف في اليمين.
(فصل)
وإن قال أقسمت بالله أو أقسم بالله لافعلن كذا ولم ينو شيئا فهو يمين لانه ثبت له عرف الشرع وعرف العادة، فالشرع قوله " فيقسمان
بالله لشهادتنا أحق من شهادهما) وقوله (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) وعرف العادة أن الناس يحلفون بها كثيرا وإن قال أردت بقولى أقسمت بالله الخبر عن يمين متقدمة، وبقولي أقسم بالله الخبر عن يمين مستأنفة، قبل قوله فيما بينه وبين الله تعالى، لان ما يدعيه يحتمله اللفظ، فأما في الحكم فالمنصوص في الايمان أنه يقبل وقال في الايلاء إذا قال لزوجته أقسمت بالله لا وطئتك، وقال أردت به في زمان متقدم أنه لا يقبل، فمن أصحابنا من قال لا يقبل قولا واحدا، وما يدعيه خلاف ما يقتضيه اللفظ في عرف الشرع، وعرف العادة - وقوله في الايمان انه يقبل أراد به فيما بينه وبين الله عزوجل.
ومنهم من قال لا يقبل في الايلاء ويقبل في غيره من الايمان، لان الايلاء يتعلق به حق المرأة فلم يقبل منه خلاف الظاهر، والحق في سائر الايمان لله فقبل قوله.
ومنهم من نقل جوابه في كل واحدة من المسئلتين إلى الاخرى وجعلهما على قولين
(أحدهما)
يقبل لان ما يدعيه يحتمله اللفظ (والثاني) لا يقبل لان ما يدعيه خلاف ما يقتضيه اللفظ في عرف الشرع وعرف العادة، فإن قال شهدت بالله أو أشهد بالله لافعلن كذا فإن نوى به اليمين
стр. 2327
فهو يمين، لانه قد يراد بالشهادة اليمين، وإن نوى بالشهادة بالله الايمان به فليس بيمين لانه قد يراد به ذلك.
وإن لم يكن له نية ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه يمين لانه ورد به القرآن، والمراد به اليمين، وهو قوله (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين) (والثاني) أنه ليس بيمين، لانه ليس في اليمين بها عرف من جهة العادة.
وأما في الشرع فقد ورد، والمراد به اليمين وورد والمراد به الشهادة، فلم يجعل يمينا
من غير نية.
وإن قال أعزم بالله لافعلن كذا - فإن أراد به اليمين - فهو يمين، لانه يحتمل أن يقول أعزم ثم يبتدئ اليمين بقوله بالله لافعلن كذا.
وإن أراد أنى أعزم بالله، أي بمعونته وقدرته لم يكن يمينا، وإن لم ينو شيئا لم يكن يمينا لانه يحتمل اليمين ويحتمل العزم على الفعل بمعونة الله فلم يجعل يمينا من غير نية ولا عرف.
وإن قال أقسم أو أشهد أو أعزم ولم يذكر اسم الله تعالى لم يكن يمينا، نوى به اليمين أو لم ينو، لان اليمين لا ينعقد إلا بإسم معظم أو صفة معظمة ليتحقق له المحلوف عليه، وذلك لم يوجد
(فصل)
وإن قال أسألك بالله أو أقسم عليك بالله لتفعلن كذا - فإن أراد به الشفاعة بالله في الفعل - لم يكن يمينا، وإن أراد أن يحلف عليه ليفعلن ذلك صار حالفا: لانه يحتمل اليمين.
وهو أن يبتدئ بقوله بالله لتفعلن كذا، وان أراد أن يعقد للمسئول بذلك يمينا لم ينعقد لواحد منهما، لان السائل صرف اليمين عن نفسه والمسؤول لم يحلف.
(فصل)
إذا قال والله لافعلن كذا ان شاء زيد أن أفعله، فقال زيد قد شئت أن يفعله انعقدت يمينه لانه علق عقد اليمين على مشيئتة وقد وجدت، ثم يقف البر والحنث على فعل الشئ وتركه، وان قال زيد لست أشاء أن يفعله لم تنعقد اليمين لانه لم يوجد شرط عقدها، وان فقدت مشيئته بالجنون أو الغيبة أو الموت لم ينعقد اليمين، لانه لم يتحقق شرط الانعقاد، ولا ينعقد اليمين به.
والله تعالى أعلم.
стр. 2328
(الشرح) إذا قال لعمر الله - فإن قصد اليمين فهى يمين، والا فلا، ولعمره الله.
اللام لام القسم على المصدر المفتوح الذي فعله عمر يعمر كقتل يقتل،
فتقول لعمرك، والمعنى وحياتك وبقائك، ومنه اشتقاق العمرى.
وقال أحمد رضى الله عنه هي يمين موجبة للكفارة مطلقا حيث أقسم بصفة من صفات الذات فكان يمينا موجبة للكفارة، كالحلف ببقاء الله، فإن معنى ذلك الحلف ببقاء الله وحياته.
وقال أبو حنيفة يقول أحمد رضى الله عنه ولنا أنها تكون يمينا إذا نوى اليمين لانها انما تكون يمينا بتقدير خبر محذوف فكأنه قال لعمر الله ما أقسم، فيكون مجازا: والمجاز لا ينصرف إليه الاطلاق.
وهذا قول هو وجه عندنا وظاهر يخالفه.
وقد ثبت في القرآن الكريم القسم به، كقوله (لعمرك انهم لفى سكرتهم يعمهون) وقال النابغة فلا لعمر الذى زرته حججا
* وما أريق على الانصاب من جسد وقال غيره، إذا رضيت كرام بنى قشير
* لعمر الله أعجبني رضاها وقال آخر: ولكن لعمر الله ما ظل مسلما
* كغر الثنايا واضحات الملاغم وان قال عمرك الله بحذف لام القسم نصب اسم الله تعالى فيه، لانه يأتي بمعنى نشدتك الله كما في قوله: أيها المنكح الثريا سهيلا
* عمرك الله كيف يلتقيان؟ وان قال لعمري أو لعمرك أو عمرك فليس بيمين خلافا لما ذهب إليه الحسن البصري حيث جعل في قوله لعمري الكفارة ولنا أنه أقسم بمخلوق فلم تلزمه الكفارة، كما لو قال وحياتي، وذلك لان هذا اللفظ يكون قسما بحياة الذي أضيف إليه العمر، فإن التقدير: لعمرك قسمي أو ما أقسم به.
(فرع)
إذا قال أقسم بالله أو أقسمت بالله لافعلن كذا كان يمينا، سواء نوى أو أطلق، وهذا قول أهل العلم كافة، لاتعلم فيه خلافا، لانه لو قال بالله ولم يقل أقسم ولم يذكر الفعل كان يمينا، وذلك بتقدير الفعل قبله، لان الباء
تتعلق بفعل مقدر على ما ذكرناه: فإذا أطلق الفعل ونطق بالمقدر كان أولى بثبوت حكمه - وقد ثبت له عرف الاستعمال - قال تعالى (فيقسمان بالله)
стр. 2329
وقال تعالى (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) وأنشد أعرابي عمر " أقسم بالله لتفعلنه " وكذلك الحكم إن ذكر الفعل بلفظ الماضي فقال أقسمت بالله أو شهدت بالله.
قال عبد الله بن رواحة أقسمت بالله لتنزلنه.
وإن أراد بقوله أقسمت بالله الخبر عن قسم ماض أو بقوله أقسم بالله عن قسم يأتي به قبل قوله فيما بينه وبين الله تعالى ولا كفارة عليه لان ما يدعيه يحتمله، وهل يقبل قوله في الحكم؟ فالذي قاله الشافعي في الايمان أنه يقبل، وبه قال أحمد وأصحابه خلا القاضى.
وقال في الايلاء في صورة مماثلة، إذا قال لزوجته أقسمت بالله لا وطئتك.
وقال أردت به في زمان متقدم أنه لا يقبل، فقد قال بعض أصحابنا لا يقبل قولا واحدا، وبه قال القاضى من الحنابلة، لان ما يدعيه خلاف ما يقتضيه اللفظ في عرف الشرع وعرف العادة أو الاستعمال، وقالوا إن قوله في الايمان انما أراد به أن يقبل فيما بينه وبين الله تعالى.
ومن أصحابنا من قال هو على حالين يقبل في الايمان ولا يقبل في الايلاء، وصرف كل قول على وجهه، لان حق المرأة لا يتعلق إلا بالظاهر فلم يقبل منه خلافه، والحق في سائر الايمان متعلق بالله تعالى فقبل قوله.
ومن اصحابنا من جعلهما قولين.
ونقل جواب كل مسألة منهما إلى الاخرى فتساويا، وأحد القولين يقبل لاحتمال اللفظ ما يدعيه (والثاني) لا يقبل لمخالفة ما يدعيه لمقتضى اللفظ والشرع والعرف والعادة والاستعمال.
(فرع)
وإن قال أشهد بالله أو شهدت بالله لافعلن كذا، فإن قصد به اليمين انعقدت ولزمته الكفارة، وإن لم يقصد اليمين بأن قال أردت به الشهادة على أني
مؤمن يشهد باوحدانية قبل منه لانه يحتمل ذلك، وقد ورد اللفظ في الكتاب الكريم بمعنى اليمين في قوله تعالى (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) كما ورد في القرآن مرادا به الشهادة، ولذا جعلنا قصده مرجحا لاحد المعنيين.
وان أطلق ولم يعن شيئا في نيته فوجهان
(أحدهما)
ينعقد يمينا لوروده في الشرع كذلك (والثاني) لا ينعقد يمينا لوروده في الشرع بمعنى الشهادة ووروده بمعنى اليمين، فلا يكون يمينا بغير نية.
стр. 2330
وقال أصحاب أحمد شهد بالله تجرى مجرى أقسم بالله.
وزعم ابن قسامة في المغنى أنه قول عامة الفقهاء، وقال لا نعلم فيه خلافا، وقال وسواء نوى اليمين أو أطلق لانه لو قال أشهد ولم يذكر الفعل كان يمينا وانما كان يمينا بتقدير الفعل قبله، وما قرره ابن قدامة من كونه قول عامة الفقهاء غير صحيح كما عرفت من مذهبنا من الفرق بين قوله أقسم بالله وقوله أشهد بالله (فرع)
وإن قال أعزم بالله لافعلن كذا وعنى به اليمين فهو يمين، لانه لو قال بالله لافعلن كذا احتمل أن يكون يمينا، فإذا قال قبل ذلك أعزم ثم ابتدأ اليمين بقوله بالله احتمل كونه.
فإذا أراد بذلك اليمين انعقد يمينا.
وان أراد به العزم بالله وعنى بمعونته وتأييده وقدرته وتوفيقه لم يكن يمينا وان أطلق لم يكن يمينا لانه خلا من النية كما خلا منه العرف والاستعمال فلم يكن يمينا.
وبه قال أحمد.
فإذا تقرر هذا فإذا قال أشهد أو أقسم أو أعزم ويذكر اسم الله تعالى لم يكن يمينا.
سواء نوى به اليمين أو لم ينو.
لان اليمين لا تنعقد بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته.
وقال ابن قدامة " وان قال أقسمت أو آليت أو حلفت أو شهدت لافعلن
ولم يذكر بالله.
فعن أحمد روايتان (إحداهما) انها يمين.
وسواء نوى اليمين أو اطلق.
وروى نحو ذلك عن عمر وابن عباس والنخعي والثوري وابى حنيفة واصحابه.
وعن احمد ان نوى اليمين بالله كان يمينا والا فلا.
وهو قول مالك واسحاق.
ابن المنذر لانه يحتمل القسم بالله وبغيره فلم تكن يمينا حتى يصرفه بنيته إلى ما تجب به الكفارة ولنا انها ليست بيمين وان نوى.
لانها عريت عن اسم الله تعالى وصفته فلم تكن يمينا كما لو قال أقسمت بالبيت أو اقسمت بالكعبة.
وروى هذا عن عطاء والحسن والزهرى وقتادة وابى عبيد.
وما بقى من الفصول فعلى وجهها وقد مضى توضيحها في الفروع آنفا.
على أن الذي تفتقر إليه هذه الفصول هو بيان احكام الحلف بالقرآن الكريم.
فنقول ان الحلف بالقرآن أو بآية منه أو بكلام الله يمين منعقدة تجب الكفارة بالحنث فيها.
وبهذا قال ابن مسعود والحسن وقتادة ومالك واحمد وابو عبيد وعامة أهل العلم
стр. 2331
قال أبو حنيفة وأصحابه: ليس بيمين ولا تجب به كفارة، فمنهم من زعم أنه مخلوق.
ومنهم من قال لا يعهد اليمين به.
والحق أن القرآن كلام الله وصفة من صفات ذاته فتنعقد اليمين به، كما لو قال وجلال الله وعظمته.
وقوله " هو مخلوق " فهذا كلام المعتزلة، وإنما الخلاف مع الفقهاء، ولاشك أن مذاهب المتكلمين لها تأثيرها على تقرير أحكام الفروع عند الفقهاء وقد روى عن ابن عمر مرفوعا أن القرآن كلام الله غير مخلوق وقال ابن عباس في قوله تعالى " قرآنا عربيا غير ذى عوج " أي غير مخلوق.
إذا ثبت هذا فإن الحلف بآية منه كالحلف بجميعه لانها من كلام الله تعالى.
وان حلف بالمصحف انعقدت بمينه، وكان قتادة يحلف بالمصحف.
وقال ابن قدامة
ولم يكره ذلك إمامنا وإسحق، لان الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه وهو القرآن، فإنه بين دفتى المصحف بإجماع المسلمين (مسألة) نص احمد رضى الله عنه على أن من حلف بحق القرآن لزمته بكل آية كفارة يمين.
وهو قول ابن مسعود والحسن (قلت) مذهبنا أن الواجب كفارة واحدة وهو قياس المذهب عند الحنابلة وأبى عبيد، لان الحلف بصفات الله كلها وتكرر اليمين بالله سبحانه لا يوجب أكثر من كفارة واحدة، فالحلف بصفة واحدة من صفاته أولى أن تجزئه كفارة واحدة ووجه الاول ما رواه مجاهد قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية كفارة يمين صبر، فمن شاء بر ومن شاء فجر " رواه الاثرم، ولان ابن مسعود قال عليه بكل آية كفارة يمين.
قال أحمد وما أعلم شيئا يدفعه قال في المغنى: ويحتمل أن كلام أحمد في كل آية كفارة على الاستحباب لمن قدر عليه، فإنه قال عليه بكل آية كفارة يمين فإن لم يمكنه فكفارة واحدة.
ورده إلى واحدة عند العجز دليل على أن ما زاد عليها غير واجب، وكلام ابن مسعود يحمل على الاختيار والاحتياط لكلام الله والمبالغة في تعظيمه، كما أن عائشة رض أعتقت أربعين رقبة حين حلفت بالعهد - وليس ذلك بواجب - ولا يجب أكثر من كفارة واحدة لقول الله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن
стр. 2332
يوأخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين " وهذه يمين فتدخل في عموم الايمان المنعقدة، لانها يمين واحده فلم توجب كفارات كسائر الايمان ولان إيجاب كفارات بعدد الآيات يفضى إلى المنع من البر والتقوى والاصلاح بين الناس، لانه من علم أنه يحنثه تلزمه هذه الكفارات كلها ترك المحلوف عليه كائنا ما كان، وقد يكون برا وتقوى وإصلاحا فتمنعه منه، وقد نهى الله تعالى عنه بقوله (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) والله تعالى أعلم بالصواب
قال المصنف رحمه الله تعالى
باب جامع الايمان
إذا حلف لا يسكن دارا وهو فيها، فخرج في الحال بنية التحويل وترك رحله فيها لم يحنث لان اليمين على سكناه وقد ترك السكنى فلم يحنث الرحل، كما لو حلف لا يسكن في بلد فخرج وترك رحله فيه، وان تردد إلى الدار لنقل الرحل لم يحنث، لان ذلك ليس بسكنى وإن حلف لا يسكنها وهو فيها، أو لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه، أو لا يركب هذه الدابة وهو راكبها فاستدام حنث، لان الاسم يطلق على حال الاستدامة، ولهذا تقول سكنت الدار شهرا ولبست الثوب شهرا وركبت الدابة شهرا.
وان حلف لا يتزوج وهو متزوج أو لا يتطهر وهو متظهر أو لا يتطيب وهو متطيب فاستدام لم يحنث، لانه لا يطلق الاسم عليه في حال الاستدامة، ولهذا تقول تزوجت من شهر وتطهرت من شهر وتطيبت من شهر، ولا تقول تزوجت شهرا وتطهرت شهرا وتطيبت شهرا وإن حلف لايدخل الدار وهو فيها فاستدام ففيه قولان: قال في الام يحنث لان استدامة الدخول كالابتداء في التحريم في ملك فكذلك في الحنث في اليمين كاللبس والركوب وقال في حرملة لا يحنث - وهو الصحيح - لان الدخول لا يستعمل في
стр. 2333
الاستدامة ولهذا تقول دخلت الدار من شهر، ولا تقول دخلتها شهرا فلم يحنث
بالاستدامة، كما لو حلف لا يتطهر أو لا يتزوج فاستدام، فإن حلف لا يسافر وهو في السفر فأخذ في العود لم يحنث، لانه أخذ في ترك السفر، وان استدام السفر حنث لانه مسافر.
(الشرح) قوله " بنية التحويل " التحويل مصدر حول تحويلا وهو يلزم ويتعدى، فيقال حولته تحويلا إذا غيرت موضعه، وحول هو تحويلا إذا انتقل من موضع إلى موضع، وقد مضى في الحوالة بحث مادته واستقاقاتها.
والرحل كل شئ بعد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للمطية وجلس ورسن وجمعه أرحل ورحال، ورحل الشخص مأواه في الحضر، ثم أطلق على أمتعة المسافر لانها هناك مأواه، وفي الحديث " صلوا في رحالكم " أي في مأواكم أما الاحكام فإن منبي اليمين على لفظ الحالف، فإذا حلف صريحة عبارته انصرفت يمينه إليها، سواء كان مانواه موافقا لظاهر اللفظ أو مخالفا، فالموافق للظاهر أن ينوى باللفظ موضوعه الاصلى مثل أن ينوى باللفظ العام العموم، وبالمطلق الاطلاق، وسائر الالفاظ ما يتبادر إلى الافهام منها أو المخالف فإنه يتنوع أنواعا: (أحدها) أن ينوى بالعام الخاص، مثل أن يحلف لا يأكل لحما ولا فاكهة ويريد لحما بعينه وفاكهة بعينها.
ومنها أن يحلف على فعل شئ أو تركه مطلقا وينوى فعله أو تركه في وقت بعينه.
مثل أن يحلف أن لا يركب السيارة، وهو يعنى الآن أو اليوم، أو يحلف لالبسن، يعنى الساعة ومنها أن يعنى بقسمه غير ما يفهمه السامع منه كالمعاريض ونحوها.
ومنها أن يريد بالخاص العام.
مثل أن يحلف لا شربت لفلان الماء من العطش، يعنى قطع كل ما له فيه منة، أو لا يأوي مع امرأته في دار يريد جفاءها بترك اجتماعها معه في جميع الدور.
في كل ما ذكرنا لا عبره عندنا بماء عساه أو نواه أو خالف لفظه، لان الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين واليمين هو اللفظ، فلو أحنثناه على ما سواه لاحنثناه
стр. 2334
على ما نوى لا على ما حلف، ولان النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين فكذلك لا يحنث بمخالفتها، وبهذا قال أبو حنيفة رضى الله عنه وقال مالك وأحمد رضى الله عنهما: إذا نوى بيمينه ما يحتمله انصرفت يمينه إليه، سواء خالف اللفظ أو وافقه، لان مبنى اليمين على النية (فرع)
إذا خلف لا يسكن دارا وهو ساكنها خرج من وقته، فإن تخلف عن الخروج وأقام بعد يمينه زمنا حنث لان استدامة السكنى كابتدائها في وقوع اسم السكنى عليها، ألا تراه يقول سكنت هذه الدار شهرا، كما يقول لبست هذا الثوب شهرا، وبهذا قال أحمد وأصحابه.
وإن أقام لنقل رحله وقماشه لم يحنث، لان الانتقال لا يكون إلا بالاهل والمال فيحتاج أن ينقل ذلك معه حتى يكون منتقلا وحكى عن مالك أنه إن أقام دون اليوم واللية لم يحنث، لان ذلك قليل يحتاج إليه في الانتقال فلم يحنث به.
وعن زفر انه قال يحنث وان انتقل في الحال لانه لابد من أن يكون ساكنا عقيب يمينه ولو لحظة فيحنث بها وليس بصحيح فإن ما لا يمكن الاحتراز منه لايراد باليمين ولا يقع عليه.
وأما إذا أقام زمنا يمكنه الانتقال فيه فإنه يحنث لانه فعل ما يقع عليه اسم السكنى فحنث به كموضع الاتفاق ألا ترى أنه لو حلف لا يركب سيارة فوقف على سلمها أو تعلق بمؤخرتها حنث وإن كان قليلا؟ (فرع)
إذا أقام على متاعه وأهله حنث، وقال أبو حنيفة واحمد لم يحنث لان الانقتال لا يكون الا بالاهل والمال ولا يمكنه التحرز من هذه الاستدامة
فلا يقع اليمين عليها.
وعلى هذا إن خرج بنفسه وترك أهله وماله في المسكن مع إمكان نقلهم عنه حنث ولنا أن لا يحنث إذا خرج بنية الانتقال، لانه إذا خرج بنية الانتقال فليس بساكن - ولانه يجوز أن يريد السكنى وحده دون اهله وماله - وعند احمد وابي حنيفة ان السكنى لا يكون الا بالاهل والمال، ولهذا يقال فلان ساكن بالبلد الفلاني وهو غائب عنه بنفسه.
وإذا نزل بلدا بأهله وماله يقال سكنه، ولو نزله نفسه لا يقال سكنه.
стр. 2335
هذا كلامهم وهو ظاهر الخطأ، لان المرء قد يموت أبواه أو ينفصل عنهما ولما يتزوج بعد ثم يسكن أنى شاء وحده، وحكى عن مالك أنه اعتبر نقل عياله دون ماله، والاولى إن شاء الله أنه إذا انتقل إلى مسكن آخر لا يحنث وإن بقى متاعه في الدار، لان مسكنه حيث حل هو، وضع في المسكن الذي نزل فيه ما يتأثث به أو لم يضع، مادام قد تحقق حلوله فيه من إجارة أو تملك أو اتهاب (فرع)
وإن أكره على المقام لم يحث، وكذلك إن كان في جوف الليل في وقت لا يجد فيه منزلا يتحول إليه، أو يحول بينه وبين المنزل أبواب مغلقة لا يمكن فتحها أو خوف على نفسه أو أهله أو ماله فأقام في طلب النقلة أو انتظارا لزوال المانع منها لم يحنث: وإن خرج طالبا للنقلة فتعذرت عليه إما لكونه لم يجد مسكنا يتحول إليه لتعذر الكراء واكتظاظ المساكن بأهلها ونذرة الخالي منها أو يوجد في مقابل مبلغ كبير لا يطيقه ولا يتيسر له أداؤه، أو لم يجد من يحمل أمتعته كسيارة أو دابة أو حمال ولا يمكنه النقلة بدونها فأقام حنث وعليه الكفارة وقال الحنابلة لم يحنث لان إقامته عن غير اختيار منه لعدم تمكنه من النقلة (فرع)
فإن حلف لا يتزوج ولا يتطيب ولا يتطهر فاستدام ذلك لم يحنث
في قولهم جميعا، لانه لا يطلق على من استدامها اسم الفعل، فلا يقال تزوجت شهرا، ولا تطيبت شهرا، وإنما يقال منذ شهر، ولم ينزل الشارع استدامة التزويج والطيب منزلة أبتدائها في تحريمه في الاحرام وإيجاب الكفارة فيه (فرع)
وان حلف لايدخل دارا هو فيها فأقام فيها ففيه قولان أصحهما ما رواه حرملة أنه لا يحنث.
وعن أحمد روايتان، إحداهما يحنث.
قال أحمد في رجل حلف على أمرأته لادخلت أنا وأنت هذه الدار وهما جميعا فيها، قال أخاف أن يكون حنث.
والثانية لا يحنث، ذكرها ابن قدامة عن القاضي واختارها أبو الخطاب.
وهو قول أصحاب الرأى، لان الدخول لا يستعمل في الاستدامة، ولهذا يقال دخلتها منذ شهر ولايقال دخلتها شهرا فجزى مجرى التزويج، ولان الدخول الانفصال من خارج إلى داخل فلا يوجد هذا المعنى في الاقامة والمكث
стр. 2336
قال ابن قدامة: ويحتمل أن من أحثه إنما كان لان ظاهر حال الحالف أنه يقصد هجران الدار ومباينتها: والاقامة فيها تخالف ذلك فجرى مجرى الحالف على ترك السكنى به أه.
(فرع)
فإن حلف لا يلبس ثوبا وهو لابسه فإن نزعه في الحال وإلا حنث وكذلك إن حلف لا يركب دابة هو راكبها - فإن نزل في أول حالة الامكان والاحنث، وبهذا قال أحمد وأصحاب الرأى.
وقال أبو ثور لا يحنث باستدامته اللبس والركوب حتى يبتدئه.
لانه لو حلف لا يتزوج ولا يتطهر فاستدام ذلك لم يحنث.
كذا ههنا دليلنا أن استدامة اللبس والركوب تسمى لبسا وركوبا، ويسمى به لابسا وراكبا.
ولذلك يقال ليست هذا الثوب شهرا، وركبت دابتي يوما فحنث
باستدامته، كما لو حلف لا يسكن فاستدام السكنى، وقد اعتبر الشرع هذا في الاحرام حيث حرم لبس المخيط فأوجب الكفارة في استدامته كما أوجبها في ابتدائه وفارق التزويح فإنه لا يطلق على الاستدامة فلا يقال تزوجت شهرا.
وانما يقال منذ شهر.
ولهذا لم تحرم استدامته في الاحرام كابتدائه (فرع)
ان حلف لا يسافر وكان في السفر فإن سدر في سفره حنث وإن أخذ في العود لم يحنث ولو كانت مسافة العود أكبر من قدر مسافة القصر.
وذلك لانه يعتبر آخذا في ترك السفر
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وان حلف لا يساكن فلانا - وهما في مسكن واحد.
ففارق أحدهما الآخر في الحال وبقي الآخر - لم يحنث لانه زالت المساكنة.
وإن سكن كل واحد منهما في بيت من خان أو دار كبيرة.
وانفرد كل واحد منهما بباب وغلق لم يحنث لانه ما ساكنه.
فإن حلف لايدخل دار فأدخل احدى الرجلين أو أدخل رأسه إليها لم يحنث، وان حلف لا يخرج من دار فأخرج احدى الرجلين أو أخرج رأسه منها لم يحنث.
لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ معتكفا وكان يدخل رأسه إلى عائشة لترجله " ولان كمال الدخول والخروج لا يحصل بذلك.
стр. 2337
(فصل)
وإن حلف لايدخل دارا فحصل في سطحها وهو غير محجر لم يحنث، وقال أبو ثور يحنث لان السطح من الدار.
وهذا خطأ لانه حاجز بين داخل الدار وخارجها فلم يصر بحصوله فيه داخلا فيها، كما لو حصل على حائط الدار وإن كان محجرا ففيه وجهان أحدهما يحنث لانه يحيط يه سور الدار والثاني لا يحنث، وهو ظاهر النص لانه لم يحصل في داخل الدار، وإن كان في
الدار نهر فطرح نفسه في الماء حتى حمله إلى داخل الدار حنث لانه دخل الدار.
وإن كان في الدار شجرة منتشرة الاغصان فتعلق بغصن منها ونزل فيها حتى أحاط به حائط الدار حنث.
وإن نزل فيه حتى حاذى السطح فإن كان غير محجر لم يحنث وإن كان محجرا فعلى الوجهين (الشرح) حديث اعتكاف الرسول فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلِيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وكان لايدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا " أما غريب الفصل فقوله " بيت من خان " قال في المصباح: والخان ما ينزله المسافرون.
والجمع خانات.
(قلت) لعله مكان كان يقوم مقام الفندق في عصرنا هذا، إلا أن الخان فيما مضى كان فيه مكان فسيح تأوى إليه الدواب، ومستودع لبضائع المسافرين وأمتعتهم.
وقوله " غير محجر " المحجر الذي عليه بناء يحيط به ومنه سميت الحجرة وسور الدار ما يحيط به.
أما الاحكام فإنه إذا حلف لا يساكن فلانا فالحكم في الاستدامة على ما ذكرنا في الحلف على السكنى.
وإن انتقل أحدهما وبقي الآخر لم يحنث لزوال المساكنة وإن سكنا في دار واحدة - وكل واحد في بيت ذى باب وقفل أو غلق - فإن كانت الدار صغيرة فهما متساكنان، لان الصغيرة مسكن واحد، وإن كانت كبيرة إلا أن أحدهما في البيت والآخر في الصفة، أو كانا في صفتين أو بينتين ليس على أحدهما غلق دون صاحبه فهما متساكنان، وإن كانا في بيتين كل واحد
стр. 2338
منهما ينفرد بمسكنه دون الآخر فأشبها المتجاورين كل واحد منهما ينفرد بمسكنه وقالت الحنابلة: انهما في دار واحدة فكانا متساكنين كالصغيرة، وفارق
المتجاورين في الدارين فإنهما ليسا متساكنين، ويمينه على نفي المساكنة لا على المجاورة.
ولو كانا في دار واحدة حالة اليمين فخرج أحدهما منها وقسماها حجرتين وفتحا لكل واحدة منهما بابا وبينهما حاجز، ثم سكن كل واحد منهما في حجرة لم يحث لانهما غير متساكنين (فرع)
إذا تشاغلا ببناء الحاجز بينهما وهما متساكنان حنث، لانهما تساكنا قبل انفراد إحدى الدارين من الاخرى، وبهذا قال أحمد وأصحاب الرأى وأهل المدينة ولا نعلم فيه خلافا (فرع)
ان حلف لا ساكنت فلانا في هذه الدار فقسماها حجريتن وبنيا بينهما حائطا وفتح كل واحد منهما لنفسه بابا ثم سكنا فيهما لم يحنث لما ذكرنا في التى قبلها.
وهذا قول أحمد وابن المنذر وأبي ثور وأصحاب الرأى.
وقال مالك: لا يعجبني ذلك لكونه عين الدار ولا ينحل بتغيرها (فرع)
إن حلف لا يخرج من دار فأخرج يده أو رجله أو رأسه لم يحنث بلا خلاف، سواء كان لحاجة أم غيرها.
أما الخروج بكل بدنه أو أَخْرَجَ رِجْلَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا وَبَقِيَ رَأْسُهُ دَاخِلَ الدار حنث، فإذا قعد معتمدا على مقعدته وأخرج رجليه مادهما إلى الخارج فلا يحنث على الصحيح لما ذكر في الاعتكاف من أن اعتكافه لا يبطل، فلم يحنث في يمينه، لان كمال الخروج والدخول لا يحصل بذلك.
(فرع)
قوله " وإن حلف لايدخل دارا فحصل في سطحها الخ " قلت، قال الشافعي لا يحنث.
ولاصحابنا فيما إذا كان محجرا وجهان، وظاهر النص أنه لا يحنث.
وقال أحمد يحنث، سواء كان السطح محجرا أم لا، بهذا قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأى - وهذا خطأ - لان السطح حاجز بين داخل الدار وخارجها، كسطح المسجد فإنه لا يعد من المسجد ولايجوز الاعتكاف فيه،
كما لا يجوز الاعتكاف في منارته على ما مضى في الاعتكاف، وعند الحنابلة يصح الاعتكاف في سطح المسجد
стр. 2339
قوله " فتعق بغصن منها ونزل الخ " وجملة ذلك أنه إن تعلق بغضن شجرة في الدار ولم يكن بين حيطانها لم يحنث، فإن نزل حنث، وفي وجه عند الحنابلة وأبى ثور وأصحاب الرأى أنه إذا تعلق بغصن شجرة في الدار وإن لم ينزل بين حيطانها لانه في هوائها، وهواؤها ملك لصاحبها فأشبه ما لو قام على سطحها لانه يحنث بصعود السطح عندهم كما ذكرنا آنفا، وكذلك إن كانت الشجرة في غير الدار فتعلق بفرع ماد على الدار في مقابلة سطحها، فإن قام على حائط الدار احتمل عندهم وجهين.
أحدهما أنه يحنث لانه داخل في حدها فأشبه القائم على سطحها والوجه الثاني وهو المذهب عندنا: لا يحنث لانه لا يسمى دخولا، وإن قام في طاق الباب فكذلك لانه بمنزلة حائطها.
وإن حلف أن لا يضع قدمه في الدار فدخلها راكبا أو ماشيا منتعلا أو حافيا حنث، كما لو حلف أن لا يدخلها وبهذا قال أصحاب الرأى وأحمد.
وقال أبو ثور: إن دخلها راكبا لم يحنث لانه لم يضع قدمه فيها.
دليلنا أنه قد دخل الدار فحنث، كما لو دخلها ماشيا، ولانسلم أنه لم يضع قدمه فيها، فإن قيمه موضوعة، فإن كان في الدار نهر فدخلها في سفينة أو زورق فقدمه في الزورق أو على الدابة فأشبه ما لو دخلها منتعلا
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن حلف لايدخل دار زيد هذه فباعها ثم دخلها حنث، لان اليمين على عين مضافة إلى مالك فلم يسقط الحنث فيه بزوال الملك، كما لو حلف
لا يكلم زوجة فلان هذه فطلقها ثم كلمها وإن حلف لايدخل دار زيد فدخل دارا لزيد وعمر ولم يحنث لان اليمين معقودة على دار جميعها لزيد.
وإن حلف لايدخل دار زيد فدخل دارا يسكنها زيد بإعارة أو إجارة أو غصب - فإن أراد مسكنه - حنث لانه يحتمل ما نوى، وإن لم يكن له نية لم يحنث.
وقال أبو ثور: يحنث، لان الدار تضاف إلى الساكن، والدليل عليه قوله
стр. 2340
تعالى " لا تخرجوهن من بيوتهن " فأضاف بيوت أزواجهن اليهن بالسكنى، وهذا خطأ، لان حقيقة الاضافة تقتضي ملك العين، ولهذا لو قال: هذه الدار لزيد جعل ذلك إقرارا له بملكها
(فصل)
وإن حلف لايدخل هذه الدار فانهدتمت وصارت ساحة أو جعلت حانوتا أو بستانا فدخلها لم يحنث لانه زال عنها اسم الدار.
وإن أعيدت بغير تلك الآلة لم يحنث بدخولها لانها غير تلك الدار، وإن أعيدت بتلك الآلة ففيه وجهان، أحدهما لا يحنث، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لانها غير تلك الدار والثاني أنه يحنث لانها عادت كما كانت (الشرح) إن حلف لايدخل دار فلان فدخل دارا له يسكنها بأجرة أو عارية أو غصب لم يحنث.
وقال أحمد وأبو ثور وأصحاب الرأى يحنث، لان الدار تضاف إلى ساكنها كإضافتها إلى مالكها.
قال تعالى " لا تخرجوهن من بيوتهن " أراد بيوت أزواجهن التي يسكنها.
وقال تعالى " وقرن في بيوتكن " ولان الاضافة للاختصاص، وكذلك ساكن الدار مختص بها فكانت إضافتها إليه صحيحة، وهي مستعمله في العرف فوجب أن يحنث بدخولها كالمملوكة له ولنا أن الاضافة في الحقيقة إلى المالك بدليل أنه لو قال هذه الدار لفلان كان
مقرا له بملكها، ولو قال أردت أنه يسكنها لم يقبل لان حقيقة الاضافة تقتضي ملك العين، وأن اضافة البيت إلى ساكنه اضافة مجازية، ولو سلمنا بإحلال المجاز مكان الحقيقة لا نسلخ الناس من أيمانهم.
وان حلف لايدخل دار زيد هذه واسم الاشارة هنا ينصرف إلى عين مضافة إلى زيد حنث ولا يسقط الحنث هنا بزوال الملك.
ومثاله لو حلف لا يكلم زوجة فلان فطلقها ثم كلهما حنث (فرع)
ولو حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة أستأجرها فلان هذا فقياس المذهب أنه لا يحنث لما قررنا من أن الاضافة تقتضي حقيقة الملك، وكذلك ان ركب دابة استعارها فلان لم يحنث وعند الحنابلة أنه يحنث في الاولى
стр. 2341
ولم يحنث في الثانية، وكذلك القول فيما إذا اغتصبها فإنه لا يحنث في قول الجميع.
وما بقى من الفصلين فعلى وجهه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن حلف لايدخل هذه الدار من هذا الباب فقلع الباب ونصبه في مكان آخر وبقى الممر الذي كان عليه الباب فدخلها من الممر حنث.
وإن دخلها من الموضع الذى نصب فيه الباب لم يحنث.
ومن أصحابنا من قال: إن دخل من الممر الذي كان فيه الباب لم يحنث لانه لم يدخل من ذلك الباب، لان الباب نقل وهذا خطأ لان الباب هو الممر الذي يدخل ويخرج منه دون المصراع المنصوب والممر الاول باق فتعلق به الحنث وإن حلف لايدخل هذه الدار من بابها أو لايدخل من باب هذه الدار فسد الباب وجعل الباب في مكان آخر فدخلها منه ففيه وجهان أحدهما أنه لا يحنث.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وهو المنصوص في
الام، لان اليمين انعقدت على باب موجود مضاف إلى الدار، وذلك هو الباب الاول فلا يحنث بالثاني، كما لو حلف لايدخل دار زيد فباع زيد داره ثم دخلها والثاني وهو قول أبى إسحاق انه يحنث وهو الاظهر لان اليمين معقودة على بابها وبابها الآن هو الثاني فتعلق الحنث به، كما لو لايدخل دار زيد فباع زيد داره واشترى أخرى.
فإن الحنث بتعلق بالدار الثانية دون الاولى
(فصل)
وان حلف لايدخل بيتا فدخل مسجدا أو بيتا في الحمام لم يحنث لان المسجد وبيت الحمام لا يدخلان في إطلاق اسم البنت، ولان البيت اسم لما جعل للايواء والسكنى، والمسجد وبيت الحمام لم يجعل لذلك، فإن دخل بيتا من شعر أو أدم نظرت، فإن كان الحالف ممن يسكن بيوت الشعر والادم حنث وإن كان ممن لا يسكنها ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى العباس بن سريج أنه لا يحنث لان اليمين تحمل على العرف، ولهذا لو حلف لا يأكل الرموس حمل على ما يتعارف أكله منفردا وبيت الشعر والادم غير متعارف للقروى فلم يحنث به
стр. 2342
والثانى وهو قول أبى إسحاق وغيره أنه يحنث لانه بيت جعل للايواء والسكنى فأشبه بيوت المدر.
وقولهم انه غير متعارف في حق أهل القرى يبطل بالبيت من المدر فإنه غير متعارف في حق أهل البادية ثم يحنث به، وخبز الارز غير متعارف في حق غير الطبري ثم يحنث بأكله إذا حلف لا يأكل الخبز (الشرح) إن حلف لايدخل هذه الدار من بابها بهذا فدخلها من غير الباب أي من الممر بعد تجريده من الباب حنث، وإن دخلها من الممر الآخر الذي وضع فيه الباب لم يحنث، ومن أصحابنا من قال: إن دخل من الممر الذي كان فيه الباب لم يحنث لان الباب قد انتزع وهو قدحلف على الدخول منه، فإن دخل
من الممر الذي ركب فيه حنث، والى هذا ذهب أحمد وأصحابه.
وهذا خطأ، لان الباب هو الممر الذي منه الدخول والخروج، وليس هو المصراع القائم المتحرك، ولما كان الممر باقيا تعلق الحنث به وإن حلف لايدخل من باب هذه الدار فعمل لها باب آخر في مكان آخر فدخلها منه ففيه وجهان أحدهما المنصوص في الام، واليه ذهب أبو على بن أبى هريرة أنه لا يحنث لتعلق اليمين بباب قائم مضاف إلى الدار، وهو الباب الاول، فلا تنعقد اليمين على الباب الثاني.
والثاني وهو قول أبي اسحاق الاسفرايينى، وهو مذهب أحمد رضى الله عنه أنه يحنث، لانه دخلها وقد حلف أن لا يدخلها من بابها، وقد صار هذا الباب الاخير بابها فينعقد اليمين به، كما لو حلف لايدخل دار زيد فباع زيد داره واشترى أخرى، فإن الحنث يرتبط بالاخرى ارتباطه بالاولى قبل بيعها، ولا يتعلق اليمين بالاول بعد بيعها.
وان قلع الباب ونصب في دار أخرى وبقى الممر حنث بدخوله ولم يحنث بدخوله من الموضع الذي نصب فيه الباب لانها دار أخرى: لان الدخول من الممر لا من المصراع (مسألة) إذا حلف أن لايدخل بيتا فدخل مسجدا أو حماما عاما، ومثل ذلك ما صنع على الشواطئ من أكشاك الاستراحة وخلع الملابس فإنه
стр. 2343
لا يحنث بدخولها.
وإن كان من أهل الحضر فحلف أن لايدخل بيتا فدخل خباء من الشعر أو الوبر فإنه لا يحنث في وجه قال به أبن سريج ويحنث في وجه قال به أبو إسحق الاسفرايينى وغيره، لان وظيفة البيت الايواء، وبه قال أحمد بن حنبل وأكثر الفقهاء ومنهم أصحاب أحمد أنه لا يحنث لانه لا يسمى بيتا في العرف
ورجح ابن قدامة أن المذهب الحنث لانهما بيتان حقيقة لقوله تعالى " في بيوت أذن الله أن ترفع " وقال " إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا " وروى " بئس البيت الحمام " وقوله ﷺ " ستفتح لكم بلاد الروم وستجدون فيها بيوتا تسمى الحمامات، فإذا دخلتموها فائتزروا بالمآزر " وقالوا: إذا دخل الحضرى بيتا من الشعر أو غيره حنث، سواء كان الحالف حضريا أو بدويا لقوله تعالى " والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم " فأما ما لا يسمى بيتا في العرف كالخمية والكشك فالاظهر أن لا يحنث بدخوله من لا يسميه بيتا لان يمينه لا تنصرف إليه قوله " في حق غير الطبري " قلت نسبة إلى طبرستان بفتح الباء وكسر الراء لالتقاء الساكنين وسكون السين اسم بلاد بالعجم، وهى مركبة من كلمتين واليها ينسب أبو على الطبري وابن جرير المفسر وجماعة من أصحابنا.
وأما طبرية وهى مدينة من أعمال فلسطين - أعادها الله إلى الاسلام من يد اليهود - فإن النسبة إليها طبراني على غير قياس - واليها ينسب صاحب المعاجم الثلاثة ﵀ وأهل طبرستان كانوا يصنعون الخبز من الارز، ومراد المصنف أن غير الطبري إذا حلف أن لا يأكل الخبز فإنه يحنث إذا أكل خبز الارز وقوله " المصراع " هو الشطر وهما مصراعان أي لوحان.
وقوله " القروى " نسبة إلى القرية وهى الضيعة وقال في كفاية المتحفظ: القرية كل مكان اتصلت به الابنية واتخذ قرارا.
وتقع على المدن وغيرها والجمع قرى على غير قياس.
قال بعضهم: لان ما كان على فعلة من المعتل فبابه أن يجمع على فعال بالكسر مثل ظبية وظباء، وركوة وركاء والنسبة إليها قروى بفتح الراء على غير قياس
стр. 2344
وقال ابن بطال: القرية سميت بذلك لانها تجمع الناس من قرى إذا جمع ويقال قرية لغة يمانية ولعلها جمعت على قرى مثل لحية ولحى.
وقوله " بيوت المدر " والمدر جمع مدرة مثل قصب وقصبة، وهو التراب المتلبد.
قال الازهرى: المدر قطع الطين وبعضهم يقول: الطين العلمك الذي لا يخالطه رمل.
والعرب تسمى القرية مدرة، لان بنيانها غالبا من المدر وفلان سيد مدرته، أي قريته، ومدرت الحوض مدرا من باب قتل، أصلحته بالمدر وهو الطين.
(فرع)
إذا حلف أن لايدخل البيت فوقف في الدهليز أو الفناء أو الصفة هل يحنث؟ وجهان.
الاول لا يحنث، واليه ذهب أحمد، لانه لا يسمى بيتا، حيث يقال ما دخلت البيت إنما وقفت في الدهليز أو الصحن أو الفناء.
الثاني: يحنث لانه يمكن أن يقال: أمان أهل مكة أن من دخل بيت أبى سفيان فهو آمن، ويشمل ذلك من كان في الفناء أو الصحن أو الصفة - وبهذا قال أبو حنيفة لان جميع الدار بيت.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وان حلف لا يأكل هذه الحنطه فجعلها دقيقا، أو لا يأكل هذا الدقيق فجعله عجينا، أو لا يأكل هذا العجين فجعله خبزا لم يحنث بأكله وقال أبو العباس يحنث لان اليمين تعلقت بعينه فتعلق الحنث بها.
وان زال الاسم، كما لو حلف لا يأكل هذا الحمل فذبحه وأكله، والمذهب الاول، لانه علق اليمين على العين والاسم ثم لا يحنث بغير العين، فكذلك لا يحنث بغير الاسم ويخالف الحمل لانه لا يمكن أكله حيا، والحنطة يمكن أكلها حبا، ولان الحمل.
ممنوع من أكله في حال الحياة من غير يمين فلم يدخل في اليمين، والحنطة غير ممنوع
من أكلها فتعلق بها اليمين.
وان حلف لا يأكل هذا الرطب فأكله وهو تمر، أو لا يأكل هذا الحمل فأكله وهو كبش، أو لا يكلم هذا الصبي فكلمه وهو شيخ، ففيه وجهان
стр. 2345
(أحدهما)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إنه لا يحنث كما لا يحنث في الحنطة إذا صارت دقيقا فأكله.
(والثاني) أنه يحنث لان الانتقال حدث فيه من غير صنعة، وفي الحنطة الانتقال حدث فيها بصنعة، وهذا لا يصح لانه يبطل به إذا حلف لا يأكل هذا البيض فصار فرخا، أو لا يأكل هذا الحب فصار زرعا فإنه لا يحنث.
وإن كان الانتقال حدث فيه من غير صنعة وإن حلف لا يشرب هذا العصير فصار خمرا، أو لا يشرب هذا الخمر فصار خلا فشربه لم يحنث كما قلنا في الحنطة إذا صارت دقيقا.
وإن حلف لا يلبس هذا الغزل فنسج منه ثوبا حنث بلبسه، لان الغزل لا يلبس إلا منسوجا فصار كما لو حلف لا يأكل هذا الحيوان فذبحه وأكله.
(فصل)
وإن حلف لا يشرب هذا السويق فأستفه، أو لا يأكل هذا الخبز فدقه وشربه أو ابتلعه من غير مضغ لم يحنث، لان الافعال أجناس مختلفة كالاعيان، ثم لو حلف على جنس من الاعيان لم يحنث بجنس آخر، فكذلك إذا حلف على جنس من الافعال لم يحنث بجنس آخر وإن حلف لا يذوق هذا الطعام فذاقه ولفظه ففيه وجهان.
احدهما لا يحنث لانه لا يوجد حقيقة الذوق ما لم يزدرده، ولهذا لا يبطل به الصوم.
والثاني أنه يحنث لان الذوق معرفة الطعم وذلك يحصل من غير ازدراد، وإن حلف لا يذوقه فأكله أو شربه حنث لانه قد ذاق وزاد عليه.
وإن حلف لا يأكل ولا يشرب
ولا يذوق فأوجر في حلقه حتى وصل إلى جوفه لم يحنث، لانه لم يأكل ولم يشرب ولم يذق.
وان قال: والله لاطعمت هذا الطعام فأوجر في حلقه حنث، لان معناه لاجعلته لى طعاما وقد جعله طعاما له.
(الشرح) ان حلف على شئ بعينه وصفته فتغيرت صفته تبعا لتغير هيئته كمن حلف لا يأكل هذه الحنطة فطحنها دقيقا، فإنها سميت دقيقا، أو حلف لا يأكل هذا الدقيق فعجنه عجينا، أو لا يأكل هذا العجين في التنور خبزا.
стр. 2346
كل هذه الصور لم يحنث بأكلها، لان اليمين تعلقت على العين والصفة، فكما أنه لا يحنث بغير العين فكذلك لا يحنث بغير الصفة.
وقال أبو العباس بن سريج: يحنث لان اليمين تنعقد على العين والعين باقية وزوال الصفة لا يؤثر في جوهرها، كما لو حلف لا يأكل هذا الحمل فذبجه وأكله فإنه يحنث، والى هذا ذهب أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، والمذهب الاول لما قررنا من اجتماع العين والاسم، ويفارق الحمل لان أكله حيا ممنوع بالشرع وممنوع بالعرف بغير يمين (فرع)
" وان حلف لا يأكل هذا الرطب الخ " إذا تغيرت حقيقة الشئ بصنعتة فلا يتعلق الحنث به.
أما إذا تغير بغير صنعة كمن حلف لا يأكل الرطب فأكله تمرا، أو لا يأكل هذا الحمل فأكله كبشا أو لا يكلم هذا الصبي فكلمه شيخا ففيه وجهان.
ذهب أبو على بن أبى هريرة إلى أنه لا يحنث كما قلنا في الحنطة صارت دقيقا (والثاني) أنه يحث لما ذكره المصنف.
وذهب أصحاب الرأى وأحمد بن حنبل إلى أنه لا يحنث، لانه إذا لم يعنى المحلوف عليه ولم ينو بيمينه ما يخالف ظاهر اللفظ ولا صرفه السبب عنه تعلقت يمينه بما تناوله الاسم الذي علق عليه
يمينه ولم يتجاوزه، فإذا حلف لا يأكل رطبا لم يحنث إذا أكل تمرا ولا بسرا ولا بلحا ولا سائر ما لا يسمى رطبا: وهذا في قول أكثر الفقهاء وقال ابن قدامة ولا نعلم فيه خلافا.
ولو حلف لا يأكل عنبا فأكل زبيبا أو دبسا أو خلا أو ناطقا أو لا يكلم شابا فكلم شيخا، أولا يشترى جديا فاشترى تيسا، أو لا يضرب عبدا فضرب عتيقا لم يحنث بغير خلاف لان اليمين تعلقت بالصفة دون العين ولم توجد الصفة فجرى مجرى قوله: لا أكلت هذه التمرة فأكل غيرها.
(فرع)
فإن حلف لا يأكل رطبا فأكل منصفا - وهو الذي بعضه بسر وبعضه تمر - أو مذنبا - وهو الذي بدأ الارطاب فيه من ذنبه وباقيه بسر - أو حلف لا يأكل بسرا فأكل مذنبا ففيه وجهان.
(أحدهما)
وهو الاظهر أنه يحنث، لانه أكل رطبا وبسرا فحنث، كما لو أكل نصف رطبة ونصف بسرة منفردتين.
وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد ومحمد
стр. 2347
ابن الحسن (والثاني) لا يحنث، لانه لا يسمى رطبا ولا تمرا، وهو قول أبى يوسف وبعض أصحابنا (مسألة) قوله " فاستقه " من سقفت الدواء وغيره من كل يابس إذا أخذته غير ملتوت، وكل دواء غير مذاب أو معجون فهو سفوف.
والازدراء الالتقام والبلغ من غير مضغ ولا لوك.
أما جملة الفصل أن من حلف لا يأكل شيئا فشربه أولايشربه فأكله أو سفه فإنه لا يحنث، وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأى، لان الافعال أنواع كالاعيان.
وكما لو حلف على نوع من الاعيان لم يحث بغيره فكذلك الافعال، وهي إحدى الروايتين عن أحمد رواها منها فيمن خلف لا يشرب النبيذ فأكله لا يحنث
لانه لا يسمى شربا وفي رواية الخرقي أنه يحنث، لان اليمين على أكل شئ أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشي فحملت اليمين عليه إلا أن ينوى.
ولو قال طبيب لمريض لا تأكل العسل لكان نهيا عن شربه وإن حلف لا يشرب شيئا فمصه ورمى له لا يحنث، وقد روى عن أحمد فيمن حلف لا يشرب فمص قصب السكر لا يحنث.
وهذا قول أصحاب الرأى، فإنهم قالوا إذا حلف لا يشرب فمص حب الرمان ورمى بالتفل لا يحنث، لان ذلك ليس بأكل ولا شرب، ويجئ على قول الخرقى أنه يحنث لانه قد تناوله ووصل إلى بطنه وحقله فإنه يحنث على ما قالوا فيمن حلف لا يأكل شيئا فشربه أو لا يشربه فأكله، فإن حلف لا يأكل سكرأ في فيه حتى ذاب فابتلعه فإنه لا يحنث ويتخرج عند أحمد وأصحابه على الروايتين، فإن حلف لا يأكله أولايشربه فذاقه لم يحنث في قولهم جميعا، وإن حلف لا يذوقه فذاقه ولفظه فعلى وجهين
(أحدهما)
لا يحنث، لان التذوق لا يتحقق إلا بالازدراد، ولهذا لم يبطل الصوم به إلا إذا ازدرده (والثاني) يحنث وبه قال أحمد (فرع)
إذا حلف لا يذوقه، فأكله أو شربه أو سفه حنث في قولهم جميعا لانه ذوق وزيادة.
وإن مضغه ورمى به فعلى ما أسلفنا من الوجهين.
وإن حلف لا يأكل ولا يشرب ولا يذوق فأوجر - والوجوه بفتح والواو وزان رسول
стр. 2348
الدواء يصب في الحلق، وأوجرت المريض ايجازا فعلت به ذلك، ووجرته أجره من باب وعد لغة، فإن وجره بنحو منقطة أو قطنارة فإنه لم يحنث لانه لم يفعل شيئا مما حلف عليه.
فإن قال لاطعمت هذا الطعام فأوجره أو سفه أو شربه أو ازدرده أو التقمه
حنث لان ذلك كله يسمى طعاما، وقد سمى النبي ﷺ اللبن طعاما في حديث " إنما يخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم " وفي الماء وجهان
(أحدهما)
هو طعام لقوله تعالى " ان الله مبتليكم بنهر فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يطعمه فإنه منى " (والثاني) ليس بطعام لانه لا يسمى طعاما ولا يفهم من اطلاق اسم الطعام ولهذا يعطف عليه فيقال طعام وشراب.
وحديث ابن ماجه يقول صلى الله عليه " لاأعلم ما يجزى من الطعام والشراب الا اللبن " ويقال باب الاطعمة والاشربة (فرع)
إذا أكل دواء فالمذهب أنه يحنث لانه يطعم حال الاختيار، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة، والثاني لا يحنث لانه لايدخل في اطلاق اسم الطعام ولا يؤكل الا عند الضرورة، فإن أكل من نبات الارض ما جرت العادة بأكله حنث بأكله.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وان حلف لا يأكل اللحم حنث بأكل لحم كل ما يؤكل لحمه من النعم والوحش والطير، لان أسم اللحم يطلق على الجميع، ولا يحنث بأكل السمك لانه لا يطلق عليه اسم اللحم، وهل يحنث بأكل لحم ما لا يؤكل لحمه؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يحنث لانه يطلق عليه اسم اللحم وان لم يحل، كما أطلق على اللحم المغصوب وان لم يحل (والثاني) لا يحنث لان القصد باليمين أن يمنع نفسه مما يستبيحه، ولحم ما لا يؤكل لحمه ممنوع من أكله من غير يمين، فلم يدخل في اليمين، وان حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم لم يحنث، وان حلف لا يأكل الشحم فأكل اللحم لم يحنث لانهما جنسان مختلفان في الاسم والصفة، وان حلف على اللحم فأكل سمين الظهر
стр. 2349
والجنب وما يعلو اللحم ويتخلله من البياض حنث لانه لحم سمين، وإن حلف على الشحم فأكل ذلك لم يحنث لانه ليس بشحم، وان حلف على اللحم أو الشحم فأكل الكبد أو الطحال أو الرئة أو الكرش أو المخ لم يحنث لانه مخالف للحم والشحم في الاسم والصفة.
وإن حلف على اللحم فأكل لحم الخد أو لحم الرأس أو اللسان ففيه وجهان أحدهما يحنث لانه لحم، والثاني لا يحنث لان اللحم لا يطلق إلا على لحم البدن واختلف أصحابنا في الالية، فمنهم من قال هو شحم يحنث به في اليمين على الشحم ولا يحنث به في اليمين على اللحم لانه يشبه الشحم في بياضه ويذوب كما يذوب الشحم، ومنهم من قال هو لحم فيحنث به في اليمين على اللحم ولا يحنث به في اليمين على الشحم لانه نابت في اللحم ويشبهه في الصلابة.
ومنهم من قال ليس بلحم ولا شحم ولا يحنث به في اليمين على واحد منهما، لانه مخالف للجميع في الاسم والصفة فصار كالكبد والطحال وإن حلف على اللحم فأكل شحم العين لم يحنث لانه مخالف للحم في الاسم والصفة، وان حلف على الشحم فأكله ففيه وجهان أحدهما يحنث به بدخوله في اسم الشحم، والثاني لا يحنث به لانه لايدخل في إطلاق اسمه، كما لايدخل لحم السمك في إطلاق اليمين على اللحم، ولا التمر الهندي في اليمين على التمر.
(الشرح) قوله " كل ما يؤكل لحمه من النعم والوحش والطير " احترز به عما لا يؤكل لحمه ككل ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ من الطير والخنزير والميتة وجملة ذلك أن الحالف على ترك أكل اللحم لا يحنث بأكل ما ليس بلحم من الشحم والمخ، وهو الذي في العظام، والدماغ وهو الذي في الرأس في قحفه ولا الكبد والطحال والرئة والقلب والكرش والمصران والقانصة ونحوها، وبهذا قال أحمد
وقال أبو حنيفة ومالك، يحنث بأكل هذا كله لانه لحم حقيقة، ويتخذ منه ما يتخذ من اللحم فأشبه لحم الفخذ دليلنا أنه لا يسمى لحما وينفرد عنه باسمه وصفته، ولو أمر وكيله بشراء لحم
стр. 2350
فاشترى هذا لم يكن ممتثلا لامره ولا ينفذ الشراء للموكل، وقد سألت القصاب يوما هل عندك لحم؟ فقال لا، عندي حوائج - يعنى الكبد والقلب والكلية - وقد دل على أن الكبد والطحال ليستا بلحم قوله ﷺ " أحلت لكم ميتتان ودمان " أما الدمان فالكبد والطحال، ولانسلم أنه لحم حقيقة، بل هو من الحيوان مع اللحم كالعظم والدم فإذا ثبت هذا فإنه إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل من لحم الانعام أو الصيد أو الطائر من مأكولة اللحم فإنه يحنث في قول علماء الامصار.
وأما السمك فإنه لا يحنث بأكله، وبه قال أبو حنيفة وأبو تور، والظاهر من مذهب أحمد ومالك وأبى يوسف وأبى ثور وقتادة أنه يحنث وقال ابن أبى موسى في الارشاد لا يحنث به الا أن ينويه ودليلهم قوله تعالى " الله الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا " وقال " ومن كل تأكلون لحما طريا " ولانه من جسم حيوان ويسمى لحما ودليلنا أنه لا ينصرف إليه اطلاق اسم اللحم، ولو وكل وكيلا في شراء اللحم فاشترى سمكا لم يلزمه، ثم إنه يصح أن ينفى عنه اسم اللحم عرفا واستعمالا فتقول ما أكلت لحما وانما أكلت سمكا، فلم يتعلق به الحنث عند الاطلاق، كما لو حلف لاقعدت تحت سقف، فإنه لا يحنث تحت السماء، مع أن الله تعالى سماها سقفا فقال " وجعلنا السماء سقفا محفوظا " فإطلاق اسم اللحم على لحم السمك مجاز في القرآن واليمين إنما ينصرف إلى الحقيقة
(فرع)
أما في غير مأكول اللحم كالميتة والخنزير والمغصوب فهل يحنث بأكل لحمه؟ وجهان عندنا (الاول) لا يحنث بأكل المحرم بأصله لان يمينه تنصرف إلى ما يحل لا إلى ما يحرم فلم يحنث بما لا يحل، كما لو حلف لايبع فباع بيعا فاسدا لم يحنث (والثاني) وبه قال أحمد وأبو حنيفة يحنث، لان الله تعالى سماه لحما فقال " ولحم الخنزير " ولانه لو حلف أن لا يلبس ثوبا فلبس ثوب بحرير حنث، وأما البيع الفاسد فلا يحنث به لانه ليس بيعا في الحقيقة (فرع)
ان حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم لم يحنث، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ.
وَقَالَ
следующие страницы →