وإن كان له أم وجد أبو الأب وهما موسران فالنفقة على الجد لان له ولادة
وتعصيبا فقدم على الام كالاب، وان كانت له بنت وابن بنت ففيه قولان
(أحدهما)
أن النفقة على البنت لانها أقرب
(والثانى)
أنها على ابن البنت لانه أقوى وأقدر على النفقة بالذكورية، وإن كانت له بنت وابن ابن فالنفقة على ابن الابن، لان له ولادة وتعصيبا، فقدم كما قدم الجد على الام.
وان كان له أم وبنت كانت النفقة على البنت، لان للبنت تعصيبا وليس للام تعصيب، وان كان له أم أم وأبو أم فهما سواء، لانهما يتساويان في القرب وعدم التعصيب، وإن كان له أم أم وأم أب ففيه وجهان
(أحدهما)
أنهما سواء لتساويهما في الدرجة
(والثانى)
أن النفقة على أم الاب لانها تدلى بالعصبة (الشرح) حديث عائشة أن هندا بنت عتبة ألخ أخرجه البخاري في النفقات عن محمد بن مقاتل وعن محمد بن يوسف، وفي الايمان والنذور عن يحيى بن بكير وفي الاحكام عن محمد بن كثير، وفي المظالم عن أبى اليمان، وفي البيوع عن أبى نعيم وفي صحيح مسلم في الاحكام عن على بن حجر وعن عبد بن حميد، وفي الاقضية عن زهير بن حرب، وأخرجه أبو داود في البيوع عن خشيش بن أصرم وعن أحمد بن يونس.
وأخرجه النسائي في القضاء عن إسحاق بن ابراهيم وابن ماجه في التجارات عن أبى بكر وعلى بن محمد وأبى عمر الضرير أما الاحكام فإن كان هناك قريب يستحق النفقة واجتمع قريبان موسران كانت نفقته عليهما أو على الاقرب منهما على ما سنوضحه، فإن كان هناك ولد صغير فقير وله أبوان موسران كانت نفقته على الاب لقوله تعالى (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) فجعل أجرة الرضاع على الاب، ولقوله ﷺ لهند امرأة أبى سفيان " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " ولانهما تساويا في الولادة وانفرد الاب بالتعصيب فقدم على الام، فإن اجتمع الاب والجد وهما موسران واجمتعت الام وأمها أو الام وأم الاب وهما
موسرتان قدم الاب على الجد، وقدمت الام على أمها وأم الاب لانها أقرب.
стр. 2592
وإن اجتمعت الام والجد أبو الأب وهما موسران كانت النفقة على الجد دون الام، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حنيفة: ينفقان عليه على قدر ميراثهما، فيكون على الام ثلث النفقة وعلى الجد الثلثان.
دليلنا أنه أجتمع عصبة مع ذات رحم بنفق كل واحد منهما على الانفراد، فقدم العصبة كالاب إذا اجتمع مع الام، فإن اجتمع الجد أبو الأب وإن علا مع الجد أبى الام وهما موسران وحيث النفقة على الجد أبى الاب، لان الجد يقدم على الام، فلان يقدم على أبى الام أولى.
وان اجمتعت أم الام وأبوالام وهما موسران كانت النفقة عليهما نصفين لانهما متساويان في الدرجة ولا مزية لاحدهما على الآخر في التعصيب فاستويا في الانفاق.
وإن اجتمعت أم الام وأم الاب وهما موسرتان ففيه وجهان
(أحدهما)
تجب النفقة عليهما نصفين وهو الاصح لانهما مستويتان في الدرجة ولا مزية لاحداهما على الاخرى بالتعصيب
(والثانى)
تجب النفقة على أم الاب لانها تدلى بعصبة، ولان الاب لو اجمتع هو والام لقدم الاب في إيجاب النفقة فقدم من يدلى بها على من يدلى بها وهكذا الوجهان إذا اجتمعت أم الاب وأبوالام، فإن اجتمعت الام وأم الاب وهما موسرتان، قال الشيخ أبو حامد - فإن قلنا - إن أم الام وأم الاب إذا اجتمعتا - تقدم أم الاب لانها تدلى بعصبة قدمت ههنا أم الاب على الام لانها كالعصبة، وإن قلنا هناك: إنهما سواء، قدمت الام على أم الاب لانها أقرب منها.
(فرع)
وإن كان الرجل فقيرا زمنا وله أب وابن موسران ففيه ثلاثة أوجه
(أحدها) تجب نفقته على الاب لان وجوب النفقة على الاب منصوص عليها في القرآن، ووجوب النفقة على الابن مجتهد فيها
(والثانى)
أن نفقته على الابن لانه أقوى تعصيبا من الاب (والثالث) تجب نفقته عليهما لانهما متساويان بالدرجة منه والتعصيب.
فإذا قلنا بهذا فهل يجب عليهما نصفين أو تعتبر بميراثهما منه؟ فيه وجهان.
قال العمرانى " الاصح أنهما عليهما نصفان "
стр. 2593
وان اجتمع ابن وجد فمن أصحابنا من قال: هو كما لو اجتمع الابن والاب.
ومنهم من قال تجب على الابن وجها واحدا لانه أقرب، وان كان فقيرا زمنا وله إبنان موسران وبنتان موسرتان وجبت نفقته بينهما نصفين، لانه لامزية لاحدهما على الآخر.
وإن كان له ابن وابنة موسرة فقال الماوردى، قال أصحابنا البغداديون تجب جميع النفقة على الابن، لانهما متساويان في الدرجة، وللابن مزية بالتعصيب فقدم في وجوب النفقة عليه كالاب إذا اجتمع مع الام.
وقال الخراسانيون من أصحابنا تجب النفقة عليهما؟ فيه وجهان
(أحدهما)
قال المسعودي وهو الاصح تجب عليهما نصفين، وبه قال أبو حنيفة
(والثانى)
تجب عليهما على قدر ميراثهما، فيجب على الابن ثلثا النفقة وعلى الابنة ثلثها، وبه قال أحمد إذا ثبت هذا فذكر ابن الصباغ إذا كان له ابن ذكر وخنثى مشكل موسران فإن النفقة على الابن لان الخنثى يجوز أن تكون أنثى فلا تجب عليه النفقة.
فإن بان الخنثى رجلا رجع عليه ابن بنصف ما أنفق، لانه بان أنه كان مستحقا عليه وهذا على طريقة أصحابنا البغداديين.
فأما على طريقة الخراسانيين فكم يجب على الخنثى؟ فيه وجهان
أحدهما النصف وهو الاصح، فعلى هذا لافرق بين أن يبين أنه رجل أو امرأة والثانى يجب عليه بمقدار ميراثه، فعلى هذا يجب عليه الثلث وعلى الذكر النصف ويبقى سدس النفقة.
فإن قال أحدهما أدفع السدس لارجع به على من بان أنه عليه: جاز.
وان يدفعه أحدهما برضاه دفعاه بينهما نصفين، فإذا حال الخنثى رجع من بان أنه غير مستحق عليه بما دفع منه.
قال ابن الصباغ، وان كان له بنت وخنثى مشكل ففيه وجهان.
أحدهما تجب النفقة على الخنثى لجواز ان يكون رجلا، فإذا أنفق ثم بان أنه رجل لم يرجع على أخته بشئ، وان بان أنه أنثى رجعت على أختها بنصف ما أنفقت.
والثانى ان النفقة بينهما نصفان، قال وهو الاقيس، لانا لا نعلم كونه رجلا فإن بان أنه ذكر رجعت عليه البنت بما أنفقت، وان بان أنه أنثى لم ترجع عليها
стр. 2594
أختها بشئ.
وهذا على طريقة أصحابنا البغداديين.
وأما على طريقة الخراسانيين فعلى أصح الوجهين تجب النفقة عليهما نصفين، ولا يرجع الخنثى بما أنفق على أخته بشى، سواء بان رجلا أو امرأة، وعلى الوجه الذي يقول يجب النفقة عليهما على قدر ميراثهما يجب على كل منهما ثلث النفقة ويبقى الثلث.
فإن اختار أحدهما أن ينفقه ليرجع به على من بان عليه جاز، وان لم يختر أحدهما دفعه دفعاه بينهما، فيدفع كل منهما نصف النفقة، فإن بان الخنثى امرأة لم ترجع إحداهما على الاخرى بشى، وإن بان رجلا رجعت عليه المرأة بثلث ما دفعت (فرع)
وإن كان له ثلاثة أولاد: ذكر وخنثيان، فعلى طريقة أصحابنا البغداديين تجب النفقة على الذكر، فإن بان الخنثيان امرأتين لم يرجع عليهما بشئ وإن بانا رجلين رجع على كل واحد منهما بثلث ما أنفق، وإن بان أحدهما
رجلا والآخر امرأة رجع على الرجل بنصف ما أنفق، وعلى طريقة الخراسانيين تجب النفقة على الجميع، وكيف تجب عليه.
فيه وجهان أحدهما - وهو الاصح عندهم - تجب بينهم بالسوية، فعلى هذا لا تراجع بينهم بحال.
والثانى تجب بينهم على قدر مواريثهم، فعلى هذا يجب على الرجل ثلث النفقة، وعلى كل واحد من الخنثيين خمس النفقة لان ذلك هو اليقين.
قال القاضى أبو الفتوح من أصحابنا ونقله صاحب البيان: ويبقى من الفقة ربعها تفريض عليهم، قال وهذا غلط بل تبقى من النفقة أربعة أسهم من خمسة عشر سهما.
فإن قال أحدهم: أدفعها على أن أرجع بها على من بانت عطيه عنده ودفعها، كان له الرجوع على من بانت عنده: وإن لم يرض أحدهم بدفعها قسمت عليهم أثلاثا فتقسم النفقة على خمسة وأربعين سهما فيدفع الذكر منها سبعة عشر سهما ويدفع كل خنثى ثلاثة عشر سهما.
فإن بانا امرأتين رجعا على الذكر بتمام النصف، فترجع عليه كل واحدة منهما بسهم وثلاثة أرباع سهم مما دفعت، وان بانا رجلين رجع الذكر على كل واحد منهما بسهمين وهو تمام الثلث.
وإن بان أحدهما ذكرا والآخر امرأة رجعت المرأة على الذي بان رجلا بأربعة أسهم ورجع الذكر عليه بسهم
стр. 2595
(فرع)
فإن كان لرجل بنت وولدان خنثيان مشكلان فعلى طريقة أصحابنا البغداديين في النفقة وجهان.
(أحدهما)
أن جميع النفقة على الخنثيين، فإن بانا رجلين فلا رجوع لهما وإن بانا امرأتين رجعتا كل واحدة منهما على أختها التي لم تنفق معها ثلث ما أنفقت.
وإن بان أحدهما رجلا والآخر امرأة رجعت التي بانت امرأة على الذي بان رجلا بجميع ما أنفقت
والوجه الثاني: أن النفقة تجب عليهم أثلاثا - فإن بانا امرأتين فلا تراجع وإن بانا رجلين رجعت البنت بما أنفقت عليهما نصفين، وإن بان أحدهما رجلا والآخر امرأة رجع المرأتان على الذي بان رجلا بجميع ما أنفقاه.
وعلى طريقة الخراسانيين يقول العمرانى في البيان والماوردي في الحاوى وابن الصباغ في الشامل يكون في النفقة أيضا وجهان.
أحدهما - وهو الاصح عندهم - أن النفقة تجب على الجميع بالسوية.
فعلى هذا لا تراجع بينهم بحال
(والثانى)
تجب بينهم على قدر مواريثهم، فعلى هذا تجب على البنت خمس النفقه وهي أربعة من عشرين، وعلى كل واحد من الخنثيين ربع النفقه وهو خمسة من عشرين، لان هذا هو اليقين وتبقى ستة أسهم إن دفعها أحدهم ليرجع بها على من بانت عنده جاز والا قسمت عليهم أثلاثا، فإن بانا امرأتين رجع كل واحد من الخنثيين على البنت بثلث سهم.
وإن بانا رجلين رجعت البنت على كل واحد منهما بسهم وإن بان أحدهما رجلا والآخر أمرأة رجعت البنت الاصلية عليه بسهم ورجعت عليه البنت الخنثى بسهمين، والمشهور طريقة البغداديين (فرع)
وان كان له بنت وابن بنت موسران فحكى الشيخ المصنف هنا أن فيه قولين، وحكاهما ابن الصباغ عن القاضى أبى حامد وجهين
(أحدهما)
تجب النفقه على البنت لانهما يستويان في عدم التعصيب والبنت أقرب فكانت أولى بالايجاب عليها.
(والثانى)
تجب على ابن البنت لانه أقدر على النفقه بالذكوريه، وان كان له بنت ابن وابن بنت ففيه ثلاثة أوجه حكاها ابن الصباغ (أحدها) تجب النفقه على بنت الابن لانها تدلى بعصبة وقد تكون عصبه مع أختها
стр. 2596
(والثانى)
تجب النفقة على ابن البنت لانه أقوى على النفقة بالذكورية
(والثالث) تجب النفقة عليهما بالسوية لانهما متساويان في الدرجة وعدم التعصيب.
وإن كان له أم وبنت موسرتان كانت النفقة عليهما بالسوية لانهما متساويان في الدرجة وعدم التعصيب، وإن كان له أم وبنت موسرتان كانت النفقة على البنت.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يكون على الام ربع النفقة والباقى على البنت.
(فرع)
وإن كان له قريبان موسران أحدهما أبعد من الآخر فحضر الابعد وغاب الاقرب - قال المسعودي - وجب على الحاضر أن ينفق، فإذا حضر الاقرب فهل يرجع عليه بما أنفق؟ فيه وجهان الاصح له أن يرجع عليه، وهذا إذا لم يوجد للغائب مال ينفق عليه منه.
وإن كان له مال حاضر أنفق عليه منه، وإن لم يكن له مال - وأمكن أن يقترض الحاكم عليه من بيت المال أو من إنسان - اقترض عليه ووجب عليه القضاء إذا حضر، وإن لم يمكن كان على الحاضر أن ينفق فإن بان أن الغائب كان معسرا أو ميتا وقت النفقة لم يرجع عليه بشئ بل تكون نفقته على الحاضر.
وهكذا إن كان له ابنان موسران فحضر أحدهما وغاب الآخر كان على الحاضر نصف الفقة، فإن كان للغائب مال أنفق منه نصف النفقة، وإن لم يكن له مال وأمكن أن يفترض عليه من بيت المال أو من إنسان افترض عليه الحاكم.
وإن لم يمكن ذلك قال ابن الصباغ لزم الحاضر أن يفترض لان نفقته عليه إذا انفرد
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن كان الذي تجب عليه النفقة يقدر على نفقة قريب واحد وله أب وأم يستحقان النفقة ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أن الام أحق لما روى " أن رجلا قال يارسول الله من أبر؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أباك "
ولانها تساوى الاب في الولادة وتنفرد بالحمل والوضع والرضاع والتربية (والثاني) أن الاب أحق لانه يساويها في الولادة وينفرد بالتعصيب.
стр. 2597
ولانهما لو كانا موسرين والابن معسرا قدم الاب في وجوب النفقة عليها فقدم في النفقة له.
(والثالث) أنهما سواء، لان النفقة بالقرابه لا بالتعصيب، وهما في القرابة سواء، وإن كان له أب وابن ففيه وجهان، أحدهما أن الابن أحق لان نفقته ثبتت بنص الكتاب.
والثانى أن الاب أحق لان حرمته آكد، ولهذا لايقاد بالابن ويقاد به الابن، وإن كان له ابن وابن ابن أو أب وجد، ففيه وجهان
(أحدهما)
أن الابن أحق من ابن الابن والاب أحق من الجد لانهما أقرب، ولانهما لو كانا موسرين وهو معسر كانت نفقته على أقربهما، فكذلك في نفقته عليهما
(والثانى)
أنهما سواء لان النفقة بالقرابه، ولهذا لا يسقط أحدهما بالآخر إذا قدر على نفقتهما.
(فصل)
ومن وجبت عليه نفقته بالقرابه وجبت نفقته على قدر الكفايه لانها تجب للحاجة فقدرت بالكفاية، وان احتاج إلى من يخدمه وجبت نفقه خادمه، وان كانت له زوجة وجبت نفقة زوجته، لان ذلك من تمام الكفايه وان مضت مدة ولم ينفق على من تلزمه نفقته من الاقارب لم يصر دينا عليه، لانها وجبت عليه لنزجية الوقت ودفع الحاجه، وقد زالت الحاجة لما مضى فسقطت.
(الشرح) الحديث أخرجه أحمد والبخاري ومسلم مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بلفظ " قال رجل: يارسول الله أي الناس أحق منى بحسن الصحبه؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك: قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال
أبوك " ولمسلم في روايه " من أبر؟ قال أمك " وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي عن بَهْزَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قال " قلت يارسول الله من أبر؟ قال أمك قال قلت ثم من؟ قال أمك: قال قلت يارسول الله ثم من؟ قال أمك: قال قلت ثم من؟ قال أباك ثم الاقرب فالاقرب " وأخرجه أيضا الحاكم وحسنه أبو داود عن بهز أيضا، ويؤخذ على المصنف قوله " لما روى " لما لم يسم فاعله وهي صيغة
стр. 2598
التمريض التي أخذها عليه النووي وأخذناها عليه اتباعا للنووي في غير ما موضع من المجموع لان الحديث متفق عليه ولا يسوغ التعبير عنه يروى أما الاحكام فإن كان من تجب عليه النفقة له قريبان معسران فإن فضل عن قوت يومه وليلته وما يكفيهما لزمه أن ينفق عليهما، وإن لم يفضل عن قوته إلا ما يكفى أحدهما بأن كان له أبوان معسران ولا يجد إلا نفقة أحدهما ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) تقدم الام لحديث أبى هريرة وبهز بن حكم الذي ساقه المصنف في الفصل وقد كرر الام ثلاثا وقال في الرابعة أباك، ولان الام عورة ليس لها بطش والاب ليس بعورة فكان تقديم الام أولى
(والثانى)
أن الاب يقدم لانهما متساويان في الولادة وانفرد الاب بالتعصيب فكان أولى، كما لو تقدم بدرجة، ولانهما لو كانا موسرين وهو معسر لكانت نفقته على الاب فوجب أن يقدم الاب في وجوب تقديم نفقته، كما يقدم في وجوب نفقة الابن عليه (والثالث) أنهما سواء فيسقط ذلك بينهما لاسوائهما في الولادة والادلاء (فرع)
وإن كان له أب وابن معسران ولا يقدر على نفقة أحدهما، فاختلف أصحابنا، فقال الشيخ أبو حامد: إن كان الابن طفلا أولى بالتقديم لانه ناقص الخلقة والاحكام، والاب إما أن يكون زمنا أو مجنونا فيكون ناقص
الخلقة أو ناقص الاحكام دون الخلقة، فإن تساويا بأن يكون بالغا زمنا فيكون ناقص الخلقة دون الاحكام أو مراهقا صحيحا فيكون ناقص الخلقة والاب زمن أو مجنون ففيه وجهان
(أحدهما)
أن الابن أحق بالتقديم، لان وجوب نفقة الابن ثبت بنص القرآن، ووجوب نفقة الاب على الابن مجتهد فيه
(والثانى)
أن الاب مقدم لان حرمته آكد من حرمة الابن، بدليل أن الاب لايقاد من ابنه والابن يقاد بالاب، قال الشيخ أبو إسحاق: فيه وجهان من غير تفصيل.
أحدهما الابن أولا.
والثانى الاب أولا.
وذكر العمرانى وجها ثالثا أنهما سواء فقسم بينهما لاستوائهما في الدرجة (فرع)
وان كان له أب وجد معسران ولا يقدر على نفقة أحدهما ففيه وجهان
стр. 2599
(أحدهما)
يقدم الاب لانه أقرب، ولانه يقدم في وجوب النفقة عليه فقدم في وجوب النفقة له
(والثانى)
أنهما سواء فيقسم بينهما لان الاب لايمنع وجوب نفقة الجد وضاق ما في يد الجد عن نفقتها فيقسم ما بينهما كالدينين، وهكذا إذا اجتمع ابن وابن ابن أو أم وأم أم ولم يقدر إلا على نفقة أحدهما فعلى وجهين (مسألة) قوله: ومن وجبت عليه نفقته بالقرابة الخ - فجملة ذلك أنه إذا وجبت عليه نفقة القريب فإنها تجب غير مقدرة، بل يجب له ما يكفيه لانها تجب للحاجة فتقدرت بالكفاية، وان احتاج القريب إلى من يخدمه وجبت عليه نفقة خادمه، وإن كانت له زوجة وجبت عليه نفقتها، لان ذلك من تمام الكفاية.
ويجب عليه الكسوة لان كل من وجبت عليه نفقة شخص وجبت عليه كسوته كالزوجة، وإن احتاج إلى مسكن وجب عليه سكناه لانه عليه كفايته، وذلك من
كفايته، وإن مضت مدة ولم ينفق فيها على قريبه سقطت بمضي الزمان لانها تجب للحاجة وقد زالت الحاجة.
(فرع)
وإن وجبت عليه نفقة زوجته أو قريبه فامتنع من إخراجها أو هرب فإن الحاكم ينظر في ماله - فإن كان فيه من جنس النفقة - دفع النفقة منه.
وان كان من غير جنس النفقه - فإن كانت الدراهم والدنانير اشترى منها الحاكم الطعام والادام وصرفه إلى من وجبت نفقته، وان وجد له متاعا باعه عليه.
وقال أبو حنيفة: لا يباع عليها المتاع والعقار الا في موضع واحد.
وهو إذا جاء الرجل إلى الحاكم وقال: ان لفلان الغائب عندي سلعة أو عقارا وهذه زوجته لم ينفق عليها - فإن الحاكم يبيع عليه السلعة والعقار وينفق على زوجته من ثمن ذلك.
دليلنا أن ما جاز بيع الناض فيه بغير اذن من عليه الحق جاز بيع المتاع والعقار فيه بغير اذنه كنفقة الزوجه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان كان له أب فقيرا مجنونا أو فقيرا زمنا، واحتاج إلى
стр. 2600
الاعفاف وجب على الولد إعفافه على المنصوص، وخرج أبو علي بن خيران قولا آخر أنه لا يجب لانه قريب يستحق النفقة، فلا يتسحق الاعفاف كالابن والمذهب الاول، لانه معنى يحتاج الاب إليه ويلحقه الضرر بفقده، فوجب كالنفقة، وإن كان صحيحا قويا وقلنا إنه تجب نفقه وجب إعفائه وإن قلنا لا تجب نفقته ففي إعفافه وجهان
(أحدهما)
لا يجب، لانه لا تجب نفقه فلا يجب إعفافه
(والثانى)
وهو قول أبى إسحاق أنه يجب إعفافه، لان نفقته ان لم تجب
على القريب أنفق عليه من بيت المال، والاعفاف لا يجب في بيت المال فوجب على القريب.
ومن وجب عليه الاعفاف فهو بالخيار بين أن يزوجه بحرة وبين أن يسريه بجارية، ولايجوز أن يزوجه بأمة لانه بالاعفاف يستغنى عن نكاح الامة، ولا يعفه بعجوز ولا بقبيحة، لان الاصل من العفة هو الاستمتاع، ولا يحصل ذلك بالعجوز ولا القبحة، فإن زوجه بحرة أو سراه بجارية ثم استغنى لم يلزمه مفارقة الحرة، ولا رد الجارية، لان ما استحق للحاجة لم يجب رده بزوال الحاجة، كما لو قبض نفقة يوم ثم أيسر وإن أعفه بحرة فطلقها أو سراه بجارية فأعتقها لم يجب عليه بدلها، لان ذلك مواساة لدفع الضرر، فلو أوجبا البدل خرج من حد المواساة وأدى إلى الضرر والضرر لا يزال بالضرر.
إن ماتت عنده ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجب البدل لانه يخرج عن حد المواساة
(والثانى)
يجب لانه زال ملكه عنها بغير تفريط فوجب بدله، كما لو دفع إليه نفقة يوم فسرقت منه
(فصل)
وان احتاج الولد إلى الرضاع وجب على القريب ارضاعه، لان الرضاع في حق الصغير كالنفقة في حق الكبير، ولا يجب الا في حولين كاملين، لقول تعالى " والولدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " فإن كان الولد من زوجته وامتنعت من الارضاع لم تجبر.
وقال أبو ثور: تجبر لقوله تعالى " والولدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " وهذا خطأ لانها إذا لم تجبر على نفقة الولد مع وجود الاب لم تجبر على الرضاع، وإن أرادت ارضاعه كره للزوج منعها، لان لبنها
стр. 2601
أوفق له، وان أراد منعها منه كان له ذلك، لانه يستحق الاستمتاع بها في كل وقت الا في وقت العبادة، فلا يجوز لها تقويته عليه بالرضاع وان رضيا بإرضاعه
فهل تلزمه زيادة على نفقتها؟ فيه وجهان
(أحدهما)
تلزمه، وهو قول أبى سعيد وأبى اسحاق، لانها تحتاج في حال الرضاع إلى أكثر مما تحتاج في غيره
(والثانى)
لا تلزمه الزيادة على نفقتها في النفقة، لان نفقتها مقدرة فلا تجب الزيادة لحاجتها، كما لا تجب الزيادة في نفقة الاكولة لحاجتها، وان أرادت ارضاعه بأجرة ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز، وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفرايبنى رحمة الله عليه، لان أوقات الرضاع مستحقة لاستتمتاع الزوج ببدل وهو النفقة، فلا يجوز أن تأخذ بدلا آخر
(والثانى)
أنه يجوز، لانه عمل يجوز أخذ الاجرة عليه بعد البينونة، فجاز أخذ الاجرة عليه قبل البينونة كالنسج وان بانت لم يملك اجارها على ارضاعه كما لا يملك قبل البينونة، فان طلبت أجرة المثل على الرضاع ولم يكن للاب من يرضع بدون الاجرة كانت الام أحق به، لقوله تعالى " فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " وان طلبت أكثر من أجرة المثل جاز انتزاعه منها.
وتسليمه إلى غيرها لقوله تعالى " وان تعاسرتم فسترضع له أخرى " ولان ما يوجد بأكثر من عوض المثل كالمعدوم، ولهذا لو وجد الماء بأكثر من ثمن المثل جعل كالعدوم في الانتقال إلى التيمم فكذلك ههنا وان طلبت أجرة المثل وللاب من يرضعه بغير عوض أو بدون أجرة المثل، ففيه قولان: أحدهما: أن الام أحق بأجرة المثل، لان الرضاع لحق الولد، ولان لبن الام أصلح له وأنفع، وقد رضيت بعوض المثل فكان أحق والثانى: أن الاب أحق، لان الرضاع في حق الصغير كالنفقة في حق الكبير ولو وجد الكبير من يتبرع بنفقته لم يستحق على الاب النفقة، فكذلك إذا وجد من يتبرع بإرضاعه لم تستحق على الاب أجرة الرضاع، وان ادعت المرأة
أن الاب لا يجد غيرها فالقول قول الاب: لانها تدعي استحقاق أجرة المثل والاصل عدمه.
стр. 2602
(الشرح) الاحكام: إذا وجبت على الولد نفقة الاب والجد قبل الاب أو من قبل الام واحتاج الاب أو الجد إلى الاعفاف بزوجة وجب على الولد أن يعفقه بذلك إذا قدر على ذلك.
قال ابن خيران: وفيها قول آخر أنه لا يجب عليه ذلك، وبه قال أبو حنيفة لانه قريب فلم يستحق الاعفاف كالابن، والاول أصح لانه معنى يحتاج إليه، ويستضر بفقده فلزمه كالنفقة والكسوة، ويخالف الابن فإن الاب آكد حرمة منه فوجب له مالا يجب له، وإن كان الوالد معسرا صحيحا غير مكتسب - فإن قلنا تجب نفقته على الولد - وجب عليه إعفافه، وإن قلنا لا تجب نفقته عليه ففي إعفائه وجهان
(أحدهما)
لا يجب عليه إعفافه لانه لا يجب عليه نفقته فلم يجب عليه إعفافه كالموسر.
(والثانى)
يجب عليه إعفافه لان نفقته يمكن إيجابها في بيت المال بخلاف الاعفاف، وإذا وجب على الولد الاعفاف فهو بالخيار بين أن يملكه جارية يحل له وطؤها أو يدفع إليه مالا يشترى به جارية أو يشتريها له بإذنه، وفي عصرنا هذا لم يبق الا وجه واحد وهو أن يدفع إليه مالا ليتزوج به أو يتزوج له بإذنه، ولايجوز أن يزوجه أمة لانه صار مستغنيا به، ولا يعفه بقبيحة ولا بعجوز لااستمتاع بها، لانه لا يحصل المقصود بذلك، فإن ملكه جارية أو دفع إليه مالا فتزوج به أمرأة ثم أيسر الاب لم يلزمه رد ذلك، لانه قبض ذلك وهو يستحقه، فإن طلق الزوجة أو أعتق الامة لم يلزم الولد أن يعفه ثانيا، لانه
فوت ذلك على نفسه، وان ماتت الزوجة أو الامة ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يلزمه اعفافه ثانيا، لانه انما يجب عليه اعفافه مرة وقد فعل
(والثانى)
يلزمه وهو الاصح لانه لاصنع له في تفويت ذلك (مسألة) قوله: وإن احتاج الولد إلى الرضاع الخ، فجملة ذلك أنها إذا ولدت ولدا وجب عليها أن تسقيه اللبا حتى يروى، لانه لا يعيش الا بذلك، فإن كان للطفل مال وجبت أجرة رضاعة في ماله كما تجب نفقته إذا كان كبيرا في ماله، وان لم يكن له مال وجبت ارضاعه على من تجب عليه نفقته لو كان كبير لقوله تعالى
стр. 2603
فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " ولا يجب ارضاعه الا في حولين، لقوله تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " وان كان الولد من زوجته والاب ممن يجب عليه نفقته لم تجبر الام على ارضاعه وبه قال أبو حنيفة واحمد.
وقال أبو ثور: تجبر على ارضاعه، وعن مالك روايتين احداهما كقول أبى ثور، والثانية وهى المشهورة عنه ان كانت شريفة لم تجبر على ارضاعه وان كانت دنية أجبرت على ارضاعه.
دليلنا قوله تعالى " فان تعاسرتم فسترضع له أخرى " وإذا امتنعت فقد تعاسرت، ولانها لا تجبر على نفقة الولد مع وجود الاب فكذلك الرضاع.
إذا ثبت - فان تطوعت بإرضاعه - فالاولى للاب ألا يمنعها من ذلك، لان الرضاع حق للولد، والام أشفق عليه، ولبنها اصلح له، وهل يلزمه أن يزيدها على نفقتها؟ ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يلزمه لان نفقة الزوجة مقدرة بحال الزوج، فلو قلنا يجب عليه الزيادة لاجل الرضاع لكانت نفقتها مقدرة بحالها فلم يلزمه ذلك، كما لو كانت
رغبية في الاكل فانه لا تلزمه الزيادة في نفقتها
(والثانى)
تلزمه الزيادة على نفقتها - وهو قول أبى سعيد الاصطخرى وأبى اسحاق المروزى لقوله تعالى " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " فحص حال الولادة بذكر أيجاب النفقة ولا فائدة بذكر وجوبها في الولادة الا وجوب الزيادة، ولان العادة جرت أن المرضعة تحتاج من الطعام أكثر من غيرها فعلى هذا يبحث الحاكم في قدر الزيادة على ما يراه وان استأجر أمراته على الرضاع فهل يصح عقد الاجارة؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يصح، وبه قال أحمد، لان كل عقد صح أن يعقده الزوج مع غير الزوجة صح أن يعقده مع الزوجة كالبيع
(والثانى)
لا يصح وهو المشهور، ولم يذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ غيره، وكذلك لو استأجرها لخدمة نفسه، لان الزوج يملك الاستمتاع بها في جميع الاوقات الا في الاوقات المستحقة للعبادات.
وإذا أجرت نفسها لم تتمكن
стр. 2604
من إيفاء حقه إلا بتعطيل حقه من الاستمتاع فلم يصح، كما لو أجر العبد نفسه من سيده، فإذا قلنا بهذا واستأجرها على إرضاعه بعوض فأرضعته، فهل تستحق أجرة المثل؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ
(أحدهما)
لا تستحق ذلك لانها لو استحقت أجرة في ذلك لجاز لها عقد الاجارة لذلك
(والثانى)
تستحق أجرة المثل، لان هذه منفعة لا يجب عليها بدلها، فإذا بذلتها بعوض ولم يحصل لها العوض وجب لها عوض المثل كسائر منافعها (فرع)
وإن أبان الرجل امرأته وله منها ولد يرضع لم يملك إجبارها على ارضاعه لانه إذا لم يملك إجبارها على إرضاعه حال الزوجية لم يملك إجبارها
بعد الزوجية، فإن تطوعت بإرضاعه لم يجز للاب انتزاعه منها، لانه لاحق له في استمتاعها، وإن استأجرها على إرضاعه صح ذلك لقوله تعالى " فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " ولانه لا يملك الاستمتاع بها بخلاف ما لو استأجرها في حال الزوجية، فإن طلبت منه أجرة المثل ولا يجد الاب من يرضعه بغير أجرة أو بدون أجرة المثل وجب عليه بذل ذلك لها.
ولم يجز له انتزاعه منها لان الارضاع حق للولد، ولبن الام أنفع له من لبن غيرها، وإن طلبت منه أكثر من أجرة المثل كان له انتزاعه منها لقوله تعالى " وإن تعاسرتم فترضع له أخرى " وإذا طلبت منه أكثر من أجرة المثل فقد تعاسرت.
وان طلبت أجرة المثل ووجد الاب من يرضعه بدون أجرة المثل أو من ترضعه بغير أجرة فاختلف أصحابنا، فمنهم من قال فيه قولان
(أحدهما)
أن الام أحق برضا به بأجرة المثل لقوله تعالى " فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " ولم يفرق، ولانه روى في الحديث " الام أحق بكفالة ولدها ما لم تتزوج " ولان الرضاع حق للولد ولبن الام أنفع له وأصلح فكانت أولى
(والثانى)
أن للاب أن ينتزعه لقوله تعالى، فان تعاسرتم فسترضع له أخرى " والتعاسر هو الشدة والتضايق قال القرطبى " وإن تعاسرتم " أي في أجرة الرضاع فأبى الزوج أن يعطى الام رضاعها وأبت الام أن ترضعه فليس له إكراهها، وليستأجر مرضعة غير
стр. 2605
أمه.
وقيل معناه وان تضايقتم وتشاكستم فليسترضع لولده غيرها، وهو خبر في معنى الامر.
وقال الضحاك: ان أبت الام أن ترضع استأجر لولده أخرى، فان لم يقبل أجبرت أمه على الرضاع بالاجر.
وذكر اختلاف الفقهاء على ثلاثة أقوال: فأورد قول علمائهم من المالكية أن رضاع الولد على الزوجة مادامت الزوجية - الا لشرفها وموضعها - فعلى الاب أن رضاعه يومئذ في ماله.
والثانى قال أبو حنيفة: لا يجب على الام بحال الثالث: يجب عليها في كل حال اه قال القاضى العمرانى من أصحابنا: وإذا وجد الرجل من يرضعه بدون أجرة المثل أو بغيره أجرة وطلبت الام أجرة المثل فقد تعاسرت فكان له نزعه منها، ولان نفقة ارضاع الطفل كنفقة المراهق، ولو وجد من يتطوع بالانفاق على المراهق لم يجب على الاب نفقته، فكذلك إذا وجد من يتطوع بارضاع الطفل لا يجب عليه أجرة المثل.
وقال أبو اسحاق المروزى: للاب انتزاعه قولا واحدا، والقول الآخر لا يعرف في شئ من كتب الشافعي.
وقال أبو حنيفة: للاب انتزاعه ولكن لا يسقط حق الام من الحضانة، فتأتى المرضعة وترضعه عند الام.
دليلنا أن الحضانة تابعة للرضاع، فإذا سقط حقها من الرضاع سقط حقها من الحضانه.
إذا ثبت هذا فان ادعى الاب أنه يجد من يرضعه بغير أجرة أو بدون أجرة المثل - وقلنا له انتزاعه، فإن صدقته الام أنه يجد ذلك كان له انتزاعه منها، وان كذبته فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف انتزعه من يد الام ويسلم إلى المرضعة ولا يمنع الام من زيارته لقوله ﷺ " لاتوله والدة بولدها "
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجب على المولى نفقة عبده وأمته وكسوتهما لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ " إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: للملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل الا ما يطيق " ويجب عليه نفقته من قوت البلد لانه هو المتعارف
стр. 2606
فإن تولى طعامه استحب أن يطعمه منه لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قال قال أبو القاسم ﷺ " إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ خادمه بطعام فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين، فإنه تولى علاجه وحره " فإن كانت له جارية للتسرى أستحب أن تكون كسوتها أعلى من كسوة جارية الخدمة، لان العرف أن تكون كسوتها أعلى فوق كسوة جارية الخدمة.
(فصل)
ولا يكلف عبده وأمته من الخدمة ما لا يطيقان لقوله ﷺ " ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق ولا يسترضع الجارية إلا ما فضل عن ولدها، لان في ذلك إضرارا بولدها، وإن كان لعبده زوجة أذن له في الاستمتاع بالليل، لان إذنه بالنكاح يتضمن الاذن في الاستتماع بالليل، وإن مرض العبد أو الامة أو عميا أو زمنا لزمه نفقتهما، لان نفقتهما بالملك، ولهذا تجب مع الصغر فوجبت مع العمى والزمانة، ولايجوز أن يجبر عبده على المخارجة لانه معاوضة فلم يملك إجباره عليها كالكتابة.
وإن طلبت العبد ذلك لم يجبر المولى كما لا يجبر إذا طلب الكتابة، فإن اتفقا عليها وله كسب جَازَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حجمه أبو طيبة فأعطاه أجره، وسأل مواليه أن يخففوا من خراجه، وإن لم يكن له كسب لم يجز لانه لا يقدر على أن يدفع إليه من جهة تحل فلم يجز.
(الشرح) حديث أبى هريرة الاول أخرجه أحمد في المسند ومسلم في العتق عن حجاج، وفي الاطعمة عن حفص بن عمر، وقال " ولا يكلف من العمل ما لا يطيق " وحديث أبى هريرة الثاني أخرجه البخاري ومسلم في النذور والاطعمة وأبو داود في الاطعمة عن عبد الله بن مسلمة الفعنبى، وكذا أخرجه أحمد في مسنده وبقية أصحاب السنن بلفظ " إذا أتى أحدكم خادمة بطعامه - فإن لم يجلسه
معه - فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلفة أو أكلتين، فانه ولى حره وعلاجه.
وحديث أبى طيبة الحجام واسمه دينار وهو مولى بنى حارثة، وحديثه هذا أخرجة البخاري في البيوع عن عبد الله بن يوسف، وفي الاجازة عن محمد بن
стр. 2607
يوسف وعن آدم، وفي الطب عن محمد بن مقاتل، وأخرجه مسلم في البيوع عن أحمد بن الحسن وعن يحيى بن أيوب وقتبية على بن حجر، وعن محمد بن يحيى بن أبى عمر وأخرجه أبو داود في البيوع عن القعنبى، وأخرجه الترمذي عن علي بن حجر والطبراني في الجامع عن حميد الطويل أما اللغات فقوله " إذا أتى أحدكم خادمه " بنصب أخذكم على المفعولية ونصب خادمه على الفاعلية، والخادم يطلق على الذكر والانثى والحر والمملوك.
وقوله " علاجه " أي مزاولته لما استعصى من أموره، ويقال لجبال الرمل علاج، والحر جمع الحرة وهو الارض ذات الحجارة النخرة السواداء، وهى أثر من آثار البراكين، وهو كناية عن تحمله أموره الشاقة في أبلغ تعبير لانه يعالج له إعداد الطعام ويعالجه له ويتحمل حرارة النار في إنضاجه أما الاحكام فانه يجب على المرء نفقة خادمه وكسوته لحديث أبى هريرة في الرجل الذي قال معي دينار، قال انفقه على نفسك، قال أنفقه على نفسك، قال معي آخر، قال انفقه على ولدك قال معي آخر، قال أنفقه على أهلك، قال معى آخر، قال انفقه على خادمك.
ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال " للملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق " وهو اجماع لا خلاف فيه فان كان الخادم غير مكتسب، بأن كان صغيرا أو مريضا أو كبيرا أو زمنا فنفقته على سيده.
ويجب أن يكون طعامه من قوت أهل البلد لقوله ﷺ " أطعموهم
مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون " وإن كان الخادم يقدم الطعام لسيده يلي إعداده واصلاحه، فيستحب للسيد أن يجلسه معه ويطعمه معه منه لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال " فليجلسه معه أو يطعمه منه لقمة أو لقميتن " ولان الانسان إذا تولى طعاما اشتهى أن يأكل منه فاستحب أن يطعم منه كما يستحب لمن قسم الميراث أن يرزق من حضر القسمة منها، وأيهما أفضل؟
(أحدهما)
أن الافضل ان يجلسه معه ليأكل، لان النبي ﷺ بدأ به، لانه إذا أكل معه أكل قدر كفايته ومنهم من قال: ليس أحدهما
стр. 2608
أفضل من الآخر، بل إن شاء أجلسه معه وإن شاء أطعمه، لان النبي ﷺ خيره بين أن يجلسه معه وبين أن يغمس له لقمة أو لقمتين في الادم، والاول أصح.
هكذا أفاده أصحابنا في كتبهم، وما بقى من الفصل فعلى وجهه، وينبغى ألا يكلفه إلا ما يطيق الدوام عليه لا ما يطيق يوما أو يومين أو ثلاثة ثم يعجز هكذا قال الشافعي في الام وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(فصل)
ومن ملك بهيمة لزمه القيام بعلفها لما روى ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال " عذبت امرأة في هرة، حبستها حتى ماتت جوعا فدخلت فيها النار - فقيل لها والله أعلم - لا أنت أطعمتها وسقيتها حين حبستها، ولا أنت أرسلتها حتى تأكل من خشاش الارض حتى ماتت جوعا " ولايجوز له أن يحمل عليها ما لا تطيق، لان النبي ﷺ منع أن يكلف العبد ما لا يطيق فوجب أن تكون البهيمة مثله، ولا يجلب من لبنها إلا ما يفضل عن ولدها لانه غذاء للولد فلا يجوز منعه
(فصل)
وان امتنع من الانفاق على رقيقه أو على بهيمته أجبر عليه كما يخبر على نفقة زوجته، وان لم يكن له مال أكرى عليه أن أمكن اكراؤه، فان لم يمكن بيع عليه كما يزال الملك عنه في أمرأته إذا أعسر بنفقتهما والله أعلم (الشرح) الحديث الاول أخرجه مسلم في صحيحه عن أبى كريب في الحيوان من حديث أبى هريرة، وأخرجه أيضا في التوبة عن محمد بن رافع وعبد بن حميد من حديث أبى هريرة بلفظ المصنف مضى في الفصل قبله.
أما اللغات فقوله " من خشاش الارض " أي من حشراتها ووزغها ومادته خش، وخش في الشئ دخل فيه.
قال زهير: فخششت بها خلال الفدفد وفي حديث عبد الله بن أنيس، فخرج يمشى حتى خش فيهم، ومنه يقال لما يدخل في أنف البعير خشاش، وقال ابن شميل الخشاش حية صغيرة سمراء أصغر
стр. 2609
من الارقم.
وقال أبو خيرة، الخشاش حية بيضا قلما تؤذى، وقال أبو عبيد في حديث " أن امرأة ربطت هرة فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الارض " قال يعنى من هو ام الارض وحشراتها ودوابها وما أشبهها.
قال في النهاية في الحديث، أي هو امها وحشراتها الواحدة خشاشة، وفي رواية من خشيشها.
وهى بمعناه، ويروى بالحاء المهملة وهو يابس النبات وهو وهم.
وقيل انما هو خشيش بضم الخاء المعجمة تصغير خشاش على الحذف وخشيش من غير حذف ومنه حديث العصفور " لم ينتفع بى ولم يدعنى أخنش من الارض " أي آكل من خشاشها.
أما الاحكام فان من ملك بهيمة لزمه القيام بعلفها سواء كانت مما تؤكل أو مما لا تؤكل، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " اطلعت في النار ليلة أسرى
بى فرأيت امرأة فيها، فسألت عنها فقيل انها ربطت هرة لم تطعمها ولم تسقها، ولم تدعها تأكل من خشاش الارض حتى ماتت فعذبها الله بذلك، واطلعت في الجنة فرأيت امرأة مومسة (يعنى زانية) فسألت عنها فقيل انها مرت بكلب يلهث من العطش فأرسلت ازارها في بئر ثم عصرته في حلقه فغفر الله بذلك، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن تعذيب الحيوان.
وقال " في كل كبد حرى أجر " فلو قلنا لا يجب الانفاق عليها أسقطنا حرمتها، فان كانت في المصر لزمه الانفاق عليها، وان كان في الصحراء - فان كان بها من الكلا ما يقوم بكفايتها فخلاها للرعى - لم يجب عليه العلف لانها تجترئ على عادة أهل مصر، لان صحاريها يقل فيها العلف.
وقال الخراسانيون: ان كانت البهيمة مشقوقة الشفة العليا فإنها تجتزئ بالكلا عن العلف، وان كانت غير مشقوقة الشفة العليا فلا تجتزئ بالرعى ولا يد من علفها، وان لم يكن بها من الكلا ما يقوم بها لزمه من العلب ما يقوم بها فان لم يعلفها - فان كانت مما يؤكل - كان له أن يذبحها وله أن يبيعها، وان كانت مما لا يؤكل كان له بيعها - فان امتنع من ذلك أجبره السلطان على علفها أو بيعها أو ذبحها ان كانت مما يؤكل، ولولى الامر أن يخصص مراحا يعلفها فيه ويدواى
стр. 2610
مرضاها على نفقة صاحبها، وله أن يخصص من البياطرة من ينزعون الدواب من أيدي المقصرين في حقها وردها إليهم بعد شفائها عليهم أو أجبره على بيعها.
وقال أبو حنيفة لا يجبره على ذلك بل يأمره به كما يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ودليلنا أنها نفقة واجبة فإذا امتنع منها أجبره ولى الامر على أدائها كنفقة العبد وإن كانت للبهيمة ولد لم يجلب من لبنها إلا ما فضل من ولدها، لان لبنها غذاء
للولد فلا يجوز منعه منه كما قلنا في الجارية.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
باب الحضانة
إذا افترق الزوجان ولهما ولد بالغ رشيد فله أن ينفرد عن أبويه لانه مستغن عن الحضانة والكفالة، والمستحب أن لا ينفرد عنهما ولا يقطع بره عنهما.
وان كانت جارية كره لها أن تنفرد، لانها إذا انفردت لم يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها، وإن كان لهما ولد مجنون أو صغير لا يميز، وهو الذي له دون سبع سنين، وجبت حضانته، لانه إن ترك حضانته ضاع وهلك
(فصل)
ولا تثبت الحضانة لرقيق لانه لا يقدر على القيام بالحضانة مع خدمة المولى، ولا تثبت لمعتوه لانه لايمكل للحضانة ولا تثبت لفاسق، لانه لايوفى الحضانة حقها، ولان الحضانة إنما جعلت لحظ الولد ولا حظ للولد في حضانة الفاسق، لانه ينشأ على طريقته، ولا تثبت لكافر على مسلم.
وقال أبو سعيد الاصطخرى: تثبت للكافر على المسلم: لما روى عبد الحميد ابن سلمة (١) عن أبيه أنه قال: أسلم أبي وأبت أمي أن تسلم وأنا غلام، فاختصما
стр. 2611
إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا غلام اذهب إلى أيهما شئت، إن شئت إلى أبيك، وإن شئت إلى أمك، فتوجهت إلى أمي، فلما رأني النبي ﷺ سمعته يقول اللهم اهده فلمت إلى أبى فقعدت في حجره " والمذهب الاول،
لان الحضانة جعلت الحظ الولد ولا حظ للولد المسلم في حضانة الكافر، لانه يفتنه عن دينه وذلك من أعظم الضرر، والحديث منسوخ، لان الامة أجمعت على أنه لا يسلم الصبي المسلم إلى الكافر، ولاحضانة للمرأة إذا تزوجت، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ " أَنَّ امرأة قالت يارسول الله ان إبنى هذا كان بطني له وعاء، وثديى له سقاء، وحجرى له حواء، وان أباه طلقني وأراد أن ينزعه مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنت أحق به ما لم تنكحي " ولانها إذا تزوجت اشتغلت باستمتاع الزوج عن الحضانة.
فإن أعتق الرقيق وعقل المعتوه وعدل الفاسق، وأسلم الكافر عاد حقهم من الحضانة، لانها زالت لعلة فعادت بزوال العلة، وإذا طلقت المرأة عاد حقها من الحضانة وقال المزني أن كان الطلاق رجعيا لم يعد لان النكاح باق، وهذا خطأ لانه انما سقط حقها بالنكاح لاستغالها باستمتاع الزوج، وبالطلاق الرجعي يحرم الاستمتاع كما يحرم بالطلاق البائن، فعادت الحضانة
(فصل)
ولاحضانة لمن لا يرث من الرجال من ذوى الارحام وهم ابن البنت وابن الاخت وابن الاخ من الام وأبوالام والخال والعم من الام لان الحضانة انما تثبت للنساء لمعرفتهن بالحضانة أو لمن له قوة قرابة بالميراث من الرجال وهذا لا يوجد في ذوى الارحام من الرجال ولا يثبت لمن أدلى بهم من الذكور والاناث، لانه إذا لم يثبت لهم الضعف قرابتهم فلان لا يثبت لمن يدلى بهم أولى (الشرح) حديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان، وهو أبو الحكم الانصاري الاوسي، أخرجه أبو داود في الطلاق عن ابراهيم بن موسى الرازي والنسائي في الطلاق أيضا عن محمود بن غيلان.
ورواه أحمد بلفظ " قال أخبرني أبى عن جدى رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي ﷺ فقالت ابنتى وهي فطيم أو شبهه، وقال رافع ابنتى، فقال
стр. 2612
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقعد ناحية، وقال لها اقعدي ناحية، فأقعد الصبية بينهما ثم قال ادعوها فمالت إلى أمها، فقال النبي ﷺ : اللهم اهدها فمالت إلى أبيها فأخذها " ووقعت هذه الصيغة في رواية عند أبى داود، كما وردت بلفظ " فجاء بابن له صغير " وأخرجه بلفظ الانثى النسائي وابن ماجه والدارقطني وفي إسناده اختلاف كثير وألفاظه مختلفة مضطربة، وقد رجح ابن القطان رواية الابن.
وقال ابن المنذر: لا يثبته أهل النقل وفي إسناده مقال.
قلت: قد صححه الحاكم وذكر الدارقطني أن البنت المخيرة اسهما عميرة.
وقال ابن الجوزى: رواية من روى أنه كان غلاما أصح.
وقال ابن القطان: لو صحت رواية من روى أنها بنت لاحتمل أنهما قصتان لاختلاف المخرجين وقد اختلف انقاد في عبد الحميد بن جعفر، فقال ابن حجر في التقريب صدوق رمى بالقدر وربما وهم.
وقال الذهبي في الميزان: عبد الحميد بن جعفر عن أبيه ونافع ومحمد بن عمرو بن عطاء وعنه يحيى القطان وأبو عاصم وعدة.
قال النسائي ليس به بأس، وكذا قال أحمد.
وقال ابن معين ثقة، وقد نقم عليه الثوري خروجه مع محمد بن عبد الله.
وقال أبو حاتم لا يحتج به، وقيل كان يرى القدر والله أعلم، نعم قال على بن المدينى: كان يقول بالقدر، وهو عندنا ثقة، وكان سفيان يضعفه.
اه أما حديث عبد الله بن عمرو فقد رواه أحمد بلفظ " أن امرأة قالت يارسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجرى له حواء وثديى له سقاء وزعم أبوه أنه ينزعه منى، فقال أنت أحق به ما لم تنكحي " وأخرجه أبو داود في الطلاق عن محمد بن خالد ولكن في لفظه " وأن أباه طلقني وزعم أنه يتنزعه منى "
وأخرجه البيهقى والحاكم وصححه، وهو من حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
أما اللغات فإن الحضانة مشتقة من الحضن وهو ما دون الابط إلى الكشح.
وقيل هو الصدر والعضدان وما بينهما، والجمع أحضان ومنه الاحتضان، وهو احتمالك الشئ وجعله في حضنك، كما تحتضن المرأة ولدها فتحتمله في أحد شقيها
стр. 2613
وفي الحديث أنه خرج محتضنا أحد ابني ابنته، أي حاملا له في حضنه، والحضن الجنب وهما حضنان.
وفي حديث أسيد بن الحضير أنه قال لعامر بن الطفيل أخرج بذمتك لئلا أنفذ حضنيك، والمحتضن الحضن.
قال الكميت كما خامرت في حضنها أم عامر لدى الحبل حتى غال أوس عيالها وحضنا الليل جانباه، وحضن الجبل ما يطيف به، وفي حديث علي كرم الله وجهه " عليكم بالحضنين " يريد يجنتبى العسكر، وحضن الطائر بيضه وعلى بيضه يحضن حضنا وحضانة وحضانا وحضونا رجن عليه للتفريخ.
قال الجوهرى حضن الطائر بيضه إذا ضمنه إلى نفسه تحت جناحيه، وكذلك المرأة إذا حضنت ولدها، وحمامة حاضن بغير هاء، واسم المكان المحضن، والمحضنة المعمولة للحمامة كالقصعة الروحاء من الطين.
وحضن الصبى يحضنه حضنا رباه، والحاضن والحاضنة الموكلان بالصبى يحفظانه ويربيانه.
وفي حديث عروة بن الزبير " عجبت لقوم طلبوا العلم حتى إذا ناوا منه صاروا حضانا لاباء الملوك " أي مربين وكافلين، وحضان جمع حضان، لان المربى والكافل يضم الطفل إلى حضنه وبه سميت الحاضنة، وهى التي تربى الطفل، والحاضنة بالفتح فعلها، والحجر بمعنى وحواء أي يحويه ويحيط به.
أما الاحكام فإذا بانت الزوجة وبينهما ولد - فإن كان بالغا رشيدا لم يجبر
على الكون مع أحدهما، بل يجوز له أن ينفرد عنهما، إلا أن المستحب له أن لا ينفرد عنهما لئلا ينفطع بره وخدمته عنهما، وهل يكره له الانفراد عنهما؟ ينظر فيه - فإن كان رحلا - لم يكره له الانفراد عنهما وان كانت امرأة، فإن كانت بكرا، كره لها الانفصال عنهما لانها لم تجرب الرجال ولا يؤمن أن تخدع وإن كانت ثيبا فارقها زوجها لم يكره لها الانفراد عنهما لانها قد جربت الرجال ولا يخشى عليها أن تخدع وقال مالك يجب على الابنة أن لا تفارق أمها حتى تتزوج ويدخل بها الزوج دليلنا أنها إذا بلغت رشيدة فقد ارتفع الحجر عنها: فكان لها أن تنفرد بنفسها ولا اعتراض عليها، كما لو تزوجت ثم بانت عنه، وان كان الولد صغيرا لا يميز
стр. 2614
وهو الذي له دون سبع سنين أو كبيرا إلا أنه مجنون أو ضعيف العقل وجبت حضانته، لانه إذا ترك منفردا ضاع.
ولا تثبت الحضانة لمعتوه - وهو ناقص العقل - ولا لمجنون لانه لا يصلح للحضانة، ولا تثبت الحضانة لفاسق لانه لا يؤمن أن ينشأ الطفل على منزعه، وإن كان أحد الابوين مسلما فالولد ولا تثبت عليه الحضانة للكافر.
وقال أبو سعيد الاصطخرى تثبت الحضانة للكافر على المسلم لحديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، وقد أوردنا طرقه آنفا، وقد قال المصنف إنه منسوخ، ونقول: إن هذا الحديث استدل به القائلون بثوبت الحضانة للام الكافرة كأبى حنيفة وأصحابه وابن القاسم المالكى وأبو ثور، وذهب إلى الجمهور إلى أنه لا حضانة للكافرة على ولدها المسلم.
وأجابوا عن الحديث بما تقدم من المقال فيه وبما فيه من الاضطراب، ولكن الحديث بأسانيده وطرقه يصلح للاحتجاج به، والاضطراب ممنوع باعتبار محل
الحجة، وهو كفر الام وثبوت التخيير.
وهذا العنصران هما ما يدور حولهما الحكم.
ولعل المصنف يحتج في النسخ بأدلة عامة، كقوله تَعَالَى " وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سبيلا " وبنحو " الاسلام يعلو " وقد استدل ابن القيم بقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارا " على أن المراعى أولا في التخيير أو الاستهام بالقرعة ما هو أصلح للصغير، وأن أيا ما كان الامر من التخيير أو التعيين أو الاقتراع، فإن أولئك مقيد بقوله تعالى " قوا أنفسكم وأهليكم نارا " وحكى عن شيخه ابن تيمية أنه قال: تنازع أبوان صبيا عند الحاكم فخير الولد بينهما فاختار أباه، فقالت أمه سله لاى شئ يختاره؟ فسأله فقال: أمي تبعثني كل يوم للكاتب والفقيه يضرباني وأبى يتركني ألعب مع الصبيان فقضى به للام.
ورجح هذا ابن تيمية فإذا كانت روح الشرع تقضى بمراعاة صالح الصغير.
فإن مما لا شك فيه أن إلقاءه في أحضان قضاء على صلاحه دنيا وأخرى.
ومن ثم يتعين خطا أبى سعيد الاصطخرى وأبى حنيفة وأصحابه وابن القاسم وأبى ثور
стр. 2615
وقال العمرانى ان الحضانة لحظ الولد ولاحظ له في حضانة الكافر، لانه لا يؤمن أن يفتن عن دينه.
ثم قال: أما الحديث فغير معروف عند أهل النقل وإن صح فيحتمل أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ علم أنه يختار أباه، فلهذا خيره، فيكون ذلك خاصا لذلك الولد دون غيره اه (فرع)
وإذا تزوجت المرأة سقطت حقها من الحضانة، وبه قال مالك وابو حنيفة وقال الحسن البصري لا يسقط حقها لقولها تعالى " وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم " ولان النبي ﷺ تزوج أم سلمة ومعها بنتها زينب
فكانت عندها.
وروى ابن عباس أن عليا وجعفر ابني أبى طالب وزيد بن حارثة تنازعوا في حضانة ابنة حمزة بن عبد المطلب، واختصموا إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ جعفر أنا أحق بها أنا ابن عمها وخالتها تحتي، وقال على أنا أحق بها أنا ابن عمها وإبنة رسول الله ﷺ تحتي - يعنى إبنة ابن عمها.
وقال زيد أنا أحق بها لانها إبنة أخى - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخى بين زيد بن حارثة - فقضى رسول الله ﷺ لخالتها وقال الخالة أم.
فقضى بها للخالة وهى مزوجة ودليلنا ماروى عبد الله بن عمرو " أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ وقالت يارسول الله ان ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجرى له حواء، وثديى له سقاء، وإن أباه طلقني ويرد أن ينزعه منى، فقال ﷺ أنت أحق به ما لم تنكحي " وروى أبو هريرة النبي ﷺ قال " الام أحق بولدها ما لم تتزوج " ولانها إذا تزوجت استحق الزوج الاستمتاع بها إلا في وقت العبادة، فلا تقوم بحضانة الولد.
وأما الآية فالمراد بها إذا لم يكن هناك أب أو كان ورضى وأما زينب وابنة حمزة فلانه لم يكن هناك من النساء من تستحق الحضانة خالية من الازواج.
إذا ثبت هذا فإن طلقت الزوجة طلاقا بائنا أو رجعيا عاد حقها من الحضانة وقال مالك لا يعود حقها من الحضانة بحال
стр. 2616
وقال أبو حنيفة والمزنى: ان كان الطلاق بائنا عاد حقها، وإن كان رجعيا لم يعد حقها، لان الزوجية باقية بينهما، ودليلنا أن حقها إنما سقط لاشتغالها عن
الحضانة باستمتاع الزوج، ولا يملك الزوج الاستمتاع بها بعد الطلاق البائن والرجعى، فعاد حقها من الحضانة.
وإن أعتق الرقيق، أو عقل المجنون والمعتوه، أو عدل الفاسق، أو أسلم الكافر عاد حقهم من الحضانة، لان الحضانة زالت بمعنى، وقد زال المعنى فعادت الحضانة.
(مسألة) قوله " ولاحضانة لمن لا يرث من الرجال من ذوى الارحام " وهذا صحيح مثل ابن الاخت وابن الاخ للام وأبى الام والخال وابن العم لانه ذكر لا يرث فأشبه الأجنبي.
وقال المصنف هنا: ولا تثبت الحضانة لابن البنت وهذا الذى قال لا يتصور في حضانة الصغير، وإنما يتصور في الكبير والمجنون لانا قد قلنا يجب حضانتة الصغير، ولا تثبت الحضانة لمن أدلى من النساء والرجال بهولاء الرجال، لان الحضانة إذا لم تثبت لهم بأنفسهم لم تثبت لمن أدلى بهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن اجتمع النساء دون الرجال وهن من أهل الحضانة فالام أحق من غيرها، لما روى عبد الله بن عمر بْنِ الْعَاصِ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " أنت أحق به ما لم تنكحي " ولانها أقرب إليه وأشفق عليه، ثم تنتقل إلى من يرث من أمهاتها، لمشاركتهن الام في الولادة والارث، ويقدم الاقرب فالاقرب، ويقدمن على أمهات الاب، وإن قربن لتحقق ولادتهن، ولانهن أقوى في الميراث من أمهات الاب، لانهن لا يسقطن بالاب، وتسقط أمهات الاب بالام، فإذا عدم من يصلح للحضانة من أمهات الام ففيه قولان.
قال في القديم تنتق إلى الاخت والخالة، ويقدمان على أم الاب، لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قضى في بنت حمزة لخالتها وقال
الخالة بمنزلة الام " ولان الخالة تدلى بالام، وأم الاب تدلى بالاب، والام تقدم
стр. 2617
على الاب فقدم من يدلى بها على من يدلى به، ولان الاخت ركضت مع الولد في الرحم، ولم تركض أم الاب معه في الرحم، فقدمت عليها، فعلى هذا تكون الحضانة للاخت من الاب والام، ثم الاخت من الام ثم الخالة ثم لام الاب ثم للاخت من الاب ثم للعمة وقال في الجديد: إذا عدمت أمهات الام انتقلت الحضانة إلى أم الاب وهو الصحيح، لانها جدة وارثة فقدمت على الاخت والخالة كأم الام.
فعلى هذا تكون الحضانة لام الاب ثم لامهاتها وان علون، الاقرب فالاقرب، ويقدمن على أم الجد كما يقدم الاب على الجد، فإن عدمت أمهات الاب انتقلت إلى أمهات الجد ثم إلى أمهاتها وان علون، ثم تنتقل إلى أمهات أب الجد، فإذا عدم أمهات الابوين انتقلت إلى الاخوات ويقدمن على الخالات والعمات، لانهن راكضن الولد في الرحم وشاركنه في النسب، وتقدم الاخت من الاب والام ثم الاخت للاب ثم الاخت للام.
وقال أبو العباس ابن سريج، تقدم الاخت للام على الاخت للاب، لان إحداهما تدلى بالام والاخرى تدلى بالاب، فقدم المدلى بالام على المدلى بالاب كما قدمت الام على الاب، وهذا خطأ لان الاخت من الاب أقوى من الاخت من الام في الميراث والتعصيب مع البنات، ولان الاخت من الاب تقوم مقام الاخت من الاب والام في الميراث، فقامت مقامها في الحضانة.
فإن عدمت الاخوات انتقلت إلى الخالات، ويقدمن على العمات، لان الخالة تساوى العمة في الدرجة وعدم الارث وتدلى بالام والعمة تدلى بالاب: والام تقدم على الاب فقدم من يدلى بها، وتقدم الخالة من الاب والام على الخالة من الاب، ثم الخالة
من الاب ثم الخالة من الام، ثم تنتقل إلى العمات لانهن يدلين بالاب، وتقدم العمة من الاب والام ثم العمة من الاب ثم العمة من الام، وعلى قياس قول المزني وأبى العباس تقدم الخالة والعمة من الام على الخالة والعمة من الاب (الشرح) حديث عبد الله بن عمرو مضى تخريجه آنفا.
أما حديث البراء بن عازب فقد أخرجه البخاري في الحج وفيه " اعتمر النبي ﷺ في
стр. 2618
ذى القعدة قبل أن يحج وفيه قوله لجعفر " أشبهت خلقي وخلقي " وفيه صلح المشركين يوم الحديبية، وأخرجه في الجزية عن أحمد بن عثمان بن حكيم، وفي الصلح عن عبيد الله بن موسى وعن محمد بن بشار.
وأخرجه مسلم في المغازى عن محمد بن المثنى ومنمد بن بشار وعن عبيد الله بن معاذ وعن إسحاق بن ابراهيم وأحمد ابن خباب وأبو داود في الحج عن أحمد بن حنبل والترمذي في الحج عن عباس ابن محمد الدوري وفي البر عن سفيان بن وكيع وعن محمد بن أحمد بن بدوية وفي المناقب عن محمد بن.
اسماعيل البخاري.
ورواه أحمد من حديث على وفيه " والجارية عند خالتها فإن الخالة والدة " وأخرجه عن على أبو داود والحاكم والبيهقي بمعناه واللفظ المتفق عليه في رواية أحمد والبخاري ومسلم " أن إبنة حمزة اختصم فيها على وجعفر وزيد، فقال على أنا أحق بها هي إبنة عمى، وقال جعفر بنت عمى وخالتها تحتي، وقال زيد إبنه أخى، فقضى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لخالتها وقال " الخالة بمنزلة الام " قوله " وخالتها تحتي " يعنى أسماء بنت عميس وقد طعن ابن حزم في حديث البراء في كتابه وقال في إسناده اسرائيل وقد ضعفه على بن المدينى، وقد رد عليه بأنه قد وثقه سائر أهل الحديث، ولا يضره أن ينفرد ابن المدينى بتضعيفه وقد تعجب أحمد بن حنبل من حفظه وقال ثقة
وقال أبو حاتم هو أتقن أصحاب أبى إسحاق، وكفى باتفاق الشيخين على إخراج هذا الحديث دليلا أما الاحكام فإذا اجتمع النساء من القرابة وهن يصلحن للحضانة، أو لا رجل معهن وتنازعن في حضانة المولود قدمت الام على غيرها لقوله ﷺ " الام أحق بولدها ما لم تتزوج " ولانها أقرب إليه وأشفق عليها، فإن عدمت الام انتقلت الحضانة إلى أمها ثم إلى أم أمها وإن علت، فأما أمهات أبيها فلا مدخل لهن في الحضانة، فإن عدمت الجدات من قبل الام ففيه قولان قال في القديم تنتقل الحضانة إلى الاخوات والخالات وتقدمن على أمهات الاب لانهن يدلين بالام، وأمهات الاب يدلين بالاب، والام تقدم على الاب فقدم من يدلى بها على من يدلى بالاب، فعلى هذا تكون الحضانة للاخت للاب
стр. 2619
والام ويقدمان على الخالة لانهما أقرب لكونهما ركضا مع الولد في رحم واحد ثم ينتقل إلى الخالة لقوله ﷺ الخالة أم، فتكون الحضانة للخالة للاب والام ثم للخالة للاب، فإذا عدمت الاخوات للاب والام أو للام والخالات انتقلت الحاضنة إلى أم الاب ثم إلى أمهاتها ثم تنتقل إلى الاخت للاب ثم إلى العمة، ويقدمان على أمهات الجد، لان الاب أقرب من الجد فتقدم من يدلى به على من يدلى بالجد.
ثم تنتقل إلى أمهات الجد الوارثات الاقرب فالاقرب وكذا ذكر الشيخ أبو إسحاق هنا.
قال الشوكاني في النيل، واستشكل كثير من الفقهاء وقوع القضاء منه ﷺ لجعفر وقالوا ان كان القضاء له فليس بمحرم لها، وهو وعلى سواء في قرابتها، وان كان القضاء للخالة فهي مزوجة والزواج مسقط لحقها من الحضانة فسقوط حق الخالة بالزواج أولى.
وأجيب عن ذلك بأن القضاء للخالة والزواج لا يسقط حقها من الحضانة مع رضا الزوج كما ذهب إليه أحمد والحسن البصري والامام يحيى وابن حزم.
وقيل ان النكاح إنما يسقط حضانة الام وحدها حيث كان المنازع لها الاب.
ولا يسقط حق غيرها ولاحق الام حيث كان المنازع لها غير الاب.
وبهذا يجمع بين حديث البراء وحديث عبد الله بن عمرو.
اه قال ابن الصباغ والطبري تقدم الاخت للاب على الاخت للام على هذا أيضا وقال في الجديد إذا عدم من يصلح للحضانة من أمهات الام انتقلت الحضانة إلى أمهات الاب الوارثات.
فإن عدم من يصلح لها من أمهات الاب انتقلت إلى أمهات الجد ثم إلى أمهات أبى الجد، فإن عدم من يصلح لها من والجدات من قبل الاب انتقلت إلى الاخوات.
وبه قال أبو حنيفة - وهو الاصح - لانهن جدات وارثات فقدمن على الاخوات كالجدات من قبل الام، ويقدم الاخوات على الخالات والعمات لانهن أقرب فتكون الحضانة للاخت للاب والام ثم الاخت للاب ثم للاخت للام لانهن أقرب وقال أبو حنيفة والمزنى وأبو العباس بن سريج تقدم الاخت للام على الاخت للاب لانها تدلى بالام، والاخت للاب تدلى بالاب، فقدم من تدلى بالام على
стр. 2620
من تدلى بالاب، كما تقدم الام على الاب والمذهب الاول، لان الاخت للاب تقوم مقام الاخت للاب والام في التعصيب فقامت مقامها في الحضانة، ثم تنتقل إلى الخالات ويقدمن على العمات لانهن يدلين بالام فتكون الحضانة للخالة للاب والام ثم للخالة للاب ثم للخالة للام ثم للعمة للاب والام ثم للعمة للاب ثم للعمة للام.
وعلى قول من قدم الاخت للام على الاخت للاب تقدم الخالة والعمة للام على الخالة والعمة للاب.
والذى يقتضى المذهب أن الحضانة لا تنتقل إلى
الخالات إلا بعد عدم بنات الاخ وبنات الاخت لانهن أقرب، ولا تنتقل الحضانة إلى العمات إلا بعد عدم بنات الخالات
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن اجتمع الرجال وهم من أهل الحضانة وليس معهم نساء قدم الاب، لان له ولادة وفضل شفقة، ثم تنتقل إلى آبائه الاقرب فالاقرب لمشاركتهم الاب في الولادة والتعصيب، فإن عدم الاجداد انتقلت إلى من بعدهم من العصبات.
ومن أصحابنا من قال لا يثبت لغير الآباء والاجداد من العصبات لانه لا معرفة لهم في الحضانة ولا لهم ولاية بأنفسهم فلم تكن لهم حضانة كالاجانب والمنصوص هو الاول.
والدليل عليه ماروى البراء بن عازب رضى الله عنه " أنه اختصم في بنت حمزه على وجعفر وزيد بن حارثة رضى الله عنهم، فقال على ﵇ أنا أحق بها وهى بنت عمى.
وقال جعفر ابنة عمى وخالتها عندي وقال زيد بنت أخى، فقضى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لخالتها، وقال الخالة بمنزلة الام " ولو لم يكن ابن العم من أهل الحضانة لانكر النبي ﷺ على جعفر، وعلى على رضى الله عنهما ادعاءهما الحضانة بالعمومة، ولان له تعصيبا بالقرابة فثبتت له الحضانة كالاب والجد، فعلى هذا تنتقل إلى الاخ من الاب والام، ثم إلى الاخ من الاب، ثم إلى ابن الاخ من الاب والام، ثم إلى ابن الاخ من الاب، ثم إلى العم من الاب والام، ثم إلى العم من الاب ثم إلى ابن العم من الاب والام، ثم إلى ابن العم من الاب، لان الحضانة تثبت لهم قوة قرابتهم بالارث فقدم من تقدم في الارث
стр. 2621
(الشرح) الاحكام إذا اجتمع الرجال ولانساء معهم وهم من أهل الحضانة قدم الاب على غيره من الرجال لان له ولاية عليه ثم تنتقل إلى آبائه الوارثين
الاقرب فالاقرب: لانهم يلون عليه بأنفسهم فقاموا مقام الاب، وهل تثبت الحضانة لغيرهم من العمات؟ فيه وجهان.
من أصحابنا من قال لا تثبت لهم الحضانة لانه لا معرفة لهم في الحضانة ولا يلون عن ماله بأنفسهم فلم يكن لهم حق الحضانة كالاجانب إلا أن لهم تأديب الولد وتعليمه.
ومنهم من قال تثبت لهم الحضانة وهو المنصوص، لان عليا وجعفر ادعيا حضانة ابنة حمزة بكونهما ابني عم بحضرة النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ النبي ﵇ عليهما دعواهما بذلك وروى عمارة الجرمى قال " خيرنى علي رضى الله عنه بين عمى وأمى " ولان له تعصيبا بالقرابة فثبتت له الحضانة كالاب والجد، فعلى هذا إذا عدم الاجداد - قال المصنف - انتقلت الحضانة إلى الاخ للاب والام ثم إلى الاخ للاب ثم إلى ابن الاخ للاب والام ثم إلى ابن الاخ للاب ثم إلى العم للاب والام ثم إلى العم للاب ثم إلى ابني العم وقال الصباغ: تنتقل إلى الاخ للاب والام ثم إلى الاخ للاب ثم إلى الاخ للام.
قال وعلى قول أبى العباس حيث قدم الاخت للام على الاخت للاب يكون ههنا وجهان: أحدهما لا يقدم الاخ للام على الاخ للاب لانه ليس من أهل الحضانة بنفسه وإنما يستحق بقرابته بالام والاخ للاب أقوى فقدم عليه والثاني يقدم لادلائه بالام وهى أقرب من الاب فقدم من يدلى به على من يدلى بالاب ثم بنوه الاخوة وإن سفلوا ثم العم ثم بنو العم ثم عم الاب ثم بنوه
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن اجتمع الرجال والنساء والجميع من أهل الحضانة نظرت: فإن اجمتع الاب مع الام كانت الحضانة للام، لان ولادتها متحققة وولادة
الاب مظنونة، ولان لها فضلا بالحمل والوضع ولها معرفة بالحضانة فقدمت على
стр. 2622
الاب، فإن اجتمع مع أم الام وان علت كان الحضانة لام الام لانها كالام في تحقق الولادة والميراث ومعرفة الحضانة، وان اجتمع مع أم نفسه أو مع الاخت من الاب أو مع العمة قدم عليهن لانهن يدلين به فقدم عليهن، وان اجمتع الاب مع الاخت من الام أو الخالة ففيه وجهان
(أحدهما)
أن الاب أحق، وهو ظاهر النص، لان الاب له ولادة وارث فقدم على الاخت والخالة كالام.
(والثانى)
وهو قول أبى سعيد الاصطخرى أنه يقدم الاخت والخالة على الاب لانهما من أهل الحضانة والتربية ويدليان بالام فقدمتا على الاب كأمهات الام.
وان اجتمع الاب وأم الاب والاخت من الام أو الخالة بنينا على القولين في الاخت من الام والخالة إذا اجتمعا مع أم الاب، فإن قلنا بقوله القديم ان الاخت والخالة يقدمان على أم الاب، قدمت الاخت والخالة على الاب وأم الاب، وان قلنا بقوله الجديد ان أم الاب تقدم على الاخت والخالة، بنينا على الوجهين في الاب إذا اجتمع مع الاخت من الام أو الخالة، فإن قلنا بظاهر النص أن الاب يقدم عليهما كانت الحضانه للاب لانه يسقط الاخت والخالة وأم نفسه فانفرد بالحضانة، وإن قلنا با وجه الآخر ان الحضانة للاخت والخالة ففي هذه المسألة وجهان.
(أحدهما)
أن الحضانة للاخت والخالة، لان أم الاب تسقط بالاب، والاب يسقط بالاخت والخالة
(والثانى)
أن الحضانة للاب، وهو قول أبى سعيد الاصطخرى رحمة الله عليه لان الاخت والخالة يسقطان بأم الاب ثم تسقط أم الاب بالاب فتصير
الحضانة للاب، ويجوز أن يمنع الشخص غيره من حق ثم لا يحصل له ما منع منه غيره كالاخوين مع الابوين فإنهما يحجبان الام من الثلث إلى السدس ثم لا يحصل لهما ما منعاه بل يصير الجميع للاب وإن اجتمع الجد أب الاب مع الام أو مع الام وإن علت قدمت عليه كما تقدم على الاب، وإن اجتمع مع أم الاب قدمت عليه لانها تساويه في الدرجة وتنفرد بمعرفة الحضانة فقدمت عليه كما قدمت الام على الاب
стр. 2623
وان اجتمع مع الخالة أو مع الاخت من الام ففيه وجهان، كما لو اجمتعنا مع الاب، وإن اجتمع مع الاخت من الاب ففيه وجهان
(أحدهما)
أن الجد أحق لانه كالاب في الولادة والتعصيب، فكذلك في التقدم على الاخت
(والثانى)
أن الاخت أحق لانها تساويه في الدرجة وتنفرد بمعرفة الحضانة (الشرح) قال الشافعي رضى الله عنه: ولاحق لاحد مع الاب غير الام وأمهاتها.
وجملة ذلك أنه إذا اجتمع الرجال والنساء وهم من أهل الحضانة نظرت - فان اجتمع الاب والام - قدمنا الام على الاب لما روى عبد الله بن عمرو " أن امرأة قالت يارسول الله إن إبنى هذا كان بطني له وعاء وحجرى له حواء وثديى له سقاء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه منى، فقال ﷺ : أنت أحق به ما لم تنكحي " ولان الام أشفق عليه، وولادتها له من طريق القطع فقدمت عليه، وان اجتمع الاب مع أم الام وان علت قدمن على الاب لانهن يقمن مقام الام في تحقق الولادة ومعرفة الحضانة فقدمن على الاب كالام، فإن امتنعت الام من الحضانة ولها أم ففيه وجهان أحدهما - وهو قول ابن الحداد - أن الحضانة تنتقل إلى الاب ولا تنتقل
إلى أم الام، لانه لا حق لام الام مع بقاء الام، فلم تنتقل إليها، كالولي إذا عضل عن النكاح فإن الولاية لا تنتقل إلى من دونه من الاولياء
(والثانى)
أن الحضانة تكون لام الام، وهو اختيار القاضى أبى الطيب وابن الصباغ، لانه لاحق للاب في الحضانة مع وجود أم الام، فإذا امتنعت الام من الحضانه انتقلت إلى أمها كما لو ماتت أو فسقت أو جنت، ويخالف ولاية النكاح فإن الحاكم يقوم مقام العاضل، وههنا لامدخل للحاكم في الحضانة بنفسه فلم يقم مقام غيره.
وان اجتمع الاب وأم نفسه قدم الاب.
ومن أصحابنا من قال: تقدم أم الاب وأمهاتها عليه (أفاده في البيان) لان حضانة النساء أصلح للصغير وأوفق له وقال القاضى أبو الطيب: وهذا يقتضى أن تكون حضانة الاخوات والخالات
стр. 2624
والعمات أولى من الاب، وهو خلاف النص، لان الشافعي قال: ولا حق لاحد من الاب غير الام وأمها، ولانها تدلى به فلم تقدم عليه.
وإن اجتمع للاب مع الاخت للام أو مع الخالة ففيه وجهان
(أحدهما)
يقدمان على الاب، وهو قول أبى العباس بين سريج وأبى سعيد الاصطخرى وأبى حنيفة، لان لها معرفة بالحضانة ويدليان بالام فقدمتا على الاب كأمهات الام
(والثانى)
وهو المنصوص، أن الاب يقدم عليهما، لان له ولادة وإذنا فقدم عليهما كالام.
(فرع)
وان اجتمع الاب وأم الاب والاخت للام أو الخالة - فإن قلنا بقوله القديم إن أمر الاب يسقط بالاخوات أو الخالات بنينا ههنا على الوجهين في الاب هل يسقط الاخت للام والخالة؟ فإن قلنا إنه يسقطها كانت الحضانة
للاب.
وان قلنا إنهما يتقدمان عليه كانت الحضانة للاخت للام ثم للخالة ثم للاب ثم لامه وان قلنا بقوله الجديد وأن أم الاب تسقط الاخوات والخالات بينا على الوجهين أيضا في الاب إذا اجتمع مع الاخت للام أو الخالة.
فإن قلنا بالمنصوص أن الاب يسقطها كانت الحضانة للاب لانه يسقطهما ويسقط أم نفسه فكانت الحضانة له.
وإن قلنا بقول أبى العباس وأبى سعيد أنهما يسقطان الاب فههنا وجهان.
قال أبو سعيد الاصطخرى، تكون الحضانة للاب، لان الاخت والخالة تسقطان بأم الاب، وأم الاب تسقط بالاب، فصارت الحضانة له، وقد يحجب الشخص غيره من شئ ثم يحصل ذلك الشئ لغير الشخص الحاجب، كما يحجب الاخوان الام من الثلث إلى السدس ويكون للاب وقال أبو العباس تكون الحضانة للاخت أو للخالة، لان الاب يسقط أم نفسه والاب يسقط بالاخت أو بالخالة فبقيت الحضانة لها.
وان اجتمع الاب والاخت للاب والام - فإن قلنا ان الاب يقدم على الخالة - قدم الاب على الاخت للاب والام.
وان قلنا ان الخالة تقدم على الاب فههنا وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد عن أبى سعيد الاصطخرى
стр. 2625
(أحدهما)
أن الاخت أحق لان الاخت تسقط الخالة، والخالة تسقط الاب فإذا سقط الاب مع من تسقطه الاخت فلان لا يسقط معها أولى.
(والثانى)
وهو الاصح أن الاب أحق، لان الاخت تدلى به فلا يجوز أن يكون المدلى به (١) ، وان اجتمع أب وأخت لاب وخالة، فان قلنا إن الاب يسقط الخالة، كان الحضانة للاب، وإن قلنا: إن الخالة تسقط الاب ففيه ثلاثة أوجه.
(أحدها) أن الحضانة للاخت، لان الاخت تسقط الخالة، والاب يسقط بالخالة، فإذا أسقطت الخالة، فلان يسقطه من يسقط الخالة أولى.
(والثانى)
أن الحضانة للاب لان الاخت تسقط الخالة والاخت تسقط بالاب لانها تدلى به فتصير الحضانة للاب، ويمتنع أن يسقط الشخص غيره من شئ ثم يحصل ذلك الشئ بغيره، كما قلنا في حجب الاخوين للام عن الثلث إلى السدس.
(والثالث) أن الحضانة للخاله، لان الخاله تسقط الاب والاب يسقط الاخت، وإذا سقطا بقيت الحضانة للخاله، فإن لم يكن أب واجتمع الجد والام وأم الام وان علت قد من على الجد كما يقد من على الاب، وإن اجتمع الجد وأم الاب قدمت عليه لانها تساويه في الدرجة، ولها ولادة، فقدمت كما قدمت الام على الاب، وان اجتمع الجد والاخت للام أو الخالة فيه وجهان كما لو اجتمع مع الاب، وان اجتمع الجد والاخت للام أو الخالة ففيه وجهان كما لو اجتمع مع الاب، وان اجتمع الجد والاخت للاب ففيه وجهان
(أحدهما)
يقدم عليها، لان له ولادة وتعصيبا فقدم عليها كالاب
(والثانى)
تقدم عليه لانها تساويه في الولادة وتنفرد بمعرفة الحضانة فقدمت عليه كما تقدم الام على الاب.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
وإن عدم الامهات والآباء ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أن النساء أحق بالحضانة من العصبات، فتكون الاخوات والخالات ومن أدلى
стр. 2626
بهن من البنات أحق من الاخوة وبينهم، والاعمام وبنيهم لاختصاصهن بمعرفة الحضانة والتربية.
(والثانى)
أن العصبات أحق من الاخوات والخالات والعمات ومن يدلى بهن لاخصتاصهم بالنسب، والقيام بتأديب الولد (والثالث) أنه إن كان العصبات أقرب قدموا، وإن كان النساء أقرب قدمن وإن استويا في القرب قدمت النساء لاختصاصهن بالتربية.
وإن استوى إثنان في القرابة والادلاء كالاخوين أو الاختين أو الخالتين أو العمتين أقرع بينهما لانه لا يمكن اجتماعهما على الحضانة، ولا مزية لاحداهما على الاخرى فوجب التقديم بالقرعة.
وإن عدم أهل الحضانة من العصبات والنساء وله أقارب من رجال ذوى الارحام ومن يدلى بهم ففيه وجهان
(أحدهما)
أنهم أحق من السلطان لان لهم رحما فكانوا أحق من السلطان كالعصبات
(والثانى)
أن السلطان أحق بالحضانة لانه لاحق لهم مع وجود غيرهم فكان السلطان أحق منهم كما قلنا في الميراث.
وإن كان للطفل أبوان فتثبت الحضانة للام فامتنعت منها فقد ذكر أبو سعيد الاصطخرى فيه وجهين
(أحدهما)
أن الحضانة تنتقل إلى أم الام كما تنتقل إليها بموت الام أو جنونها أو فسقها أو كفرها
(والثانى)
أنها تكون للاب، لان الام لم يبطل حقها من الحضانة، لانها لو طالبت بها كانت أحق فلم تنتقل إلى من يدلى بها (الشرح) الاحكام: ان اجتمع رجل من العصبات غير لاب والجد مع من يساويه في الدرجة من النساء، كالاخ والاخت والعم والعمة وابن العم وابنة العمة، وقلنا إن لهم حقا في الحضانة فأيهما أحق بالتقديم؟ فيه وجهان
(أحدهما)
أن الرجل أحق بالحضانة لانه أحق بتأديبه وتعليمه، فكان أحق بحضانته
(والثانى)
أن المرأة أحق بالحضانة، لانها تساويه في الدرجة وتنفرد بمعرفة الحضانة فقدمت عليه كما قدمت الام على الاب، وان اجتمع شخصان في درجة واحدة كالاختين أقرع بينهما لانه لا مزية لاحداهما على الاخرى
стр. 2627
والرجال من ذوى الارحام كالخال والاخ من الام وأبى الام وابن الاخت لا حضانة لهم مع وجود أحد من أهل الحضانة سواهم، لانه ليس بامرأة يتولى الحضانة وليس له قوة قرابة كالعصبات، ولاحضانة إلا بمن يدلى بهم كأم أبى الام وإبنة الاخال وإبنة الاخ من الام لانهن يدلين بمن لاحضانة له، فإذا لم تثبت للمدى فللمدلين به أولى، فإن لم يكن هناك غيرهم فعلى وجهين
(أحدهما)
هم أولى لان لهم رحما وقرابة يرثون بها عند عدم من هو أدنى منهم كذلك الحضانة تكون لهم عند عدم من هو أولى بها منهم
(والثانى)
لاحق لهم في الحضانة وينتقل الامر إلى الحاكم.
وقد رحج أصحاب أحمد بن حنبل الوجه الاول وان كان الوجهان محتملين عندهم، وإن كان فيمن عليه النفقة خنثى مشكل فالنفقة عليه بقدر ميراثه، فإن انكشف بعد ذلك حاله فبان أنه أنفق أكثر من الواجب عليه رجع بالزيادة على شريكه في الانفاق: وان بان أنه أنفق أقل رجع عليه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان افترق الزوجان ولهما ولد له سبع سنين أو ثمان سنين وهو مميز وتنازعا كفالته خير بينهما لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالت: يارسول الله ان زوجي يريد أن يذهب بابنى، وقد سقاني من بئر أبى عنبة وقد نفعي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به " فإن اختارهما أقرع بينهما، لانه لا يمكن اجمتاعهما على كفالته، ولا مزية لاحدهما على الآخر فوجب التقديم بالقرعة، وان لم يختر واحدا منهما أقرع بينهما لانه لا يمكن تركه وحده ما لم يبلغ لانه يضيع، ولا مزية لاحدهما على
الآخر فوجبت القرعه، وإن اختار أحدهما نظرت - فإن كان ابنا فاختار الام كان عندها بالليل، ويأخذه الاب بالنهار ويسلمه في مكتب أو صنعة لان القصد حظ الولد، وحظ الولد فيما ذكرناه، وان اختار الاب كان عنده بالليل والنهار ولا يمنعه من زيارة أمه لان المنع من ذلك إغراء بالعقوق وقطع الرحم.
فإن
стр. 2628
مرض كانت الام أحق بتمريضه، لان المرض صار كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره، فكانت الام أحق به، وإن كانت جارية فاختارت أحدهما كانت عنده بالليل والنهار ولا يمنع الاخر من زيارتها من غير إطالة وتبسط، لان الفرقة بين الزوجين تمنع من تبسط أحدهما في دار الاخر، وإن مرضت كانت الام أحق بتمريضها في بيتها.
وإن مرض أحد الابوين والولد عند الاخر لم يمنع من عيادته وحضوره عند موته لما ذكرناه، وإن اختار أحدهما فسلم إليه ثم اختار الاخر حول إليه، وإن عاد فاختار الاول أعيد إليه لان الاختيار إلى شهوته وقد يشتهى المقام عند أحدهما في وقت وعند الاخر في وقت فاتبع ما يشتهيه كما يتبع ما يشتهيه من مأكول ومشروب.
وإن لم يكن له أب وله أم وجد خير بينهما، لان الجد كالاب في الحضانة في حق الصغير فكان كالاب في التخيير في الكفالة، فإن لم يكن له أب ولا جد - فإن قلنا إنه لاحق لغير الاب والجد في الحضانة - ترك مع الام إلى أن يبلغ، وإن قلنا بالمنصوص إن الحضانة تثبت للعصبة، فإن كانت العصبة محرما كالعم والاخ وابن الاخ خير بينهم وبين الام، لما روى عامر ابن عبد الله قال " خاصم عمى أمي وأراد أن يأخذني فأختصما إلى علي بن أبى طالب كرم الله وجهه، فخيرني على ثلاث مرات فاخترت أمي، فدفعني إليها " فإن كان العصبة ابن عم.
فإن كان الولد إبنا خير بينه وبين الام، وإن كانت بنتا كانت عند الام إلى أن تبلغ، ولاتخير بينهما، لان ابن العم ليس بمحرم لها ولايجوز
أن تسلم إليه.
(الشرح) حديث أبى هريرة باللفظ الذي ساقه المصنف رواه النسائي وأخرجه أبو داود بلفظ فيه زياده فقال استهما عليه " ولاحمد معناه لكنها قال فيه " جاءت امرأة قد طلقها زوجها " ولم يذكر فيه قولها " قد سقاني من بئر أبى عنبة وقد نفعني " ورواه أحمد وأبن ماجه والترمذي وصححه مختصرا بلفظ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ غلاما بين أبيه وأمه، ورواه بلفظ المصنف أيضا بقية أهل السنن وابن أبى شيبة وصححه الترمذي وابن حبان وأما خبر عامر بن عبد الله فقد أخرجه الشافعي في الام في باب أي الوالدين
стр. 2629
أحق بالولد " أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا ابن عيينة عن يونس بن عبد الله الجرمى عن عمارة قال: خيرنى علي بين أمي وعمى، ثم قال لاخ لى أصغر منى: وهذا أيضا لو قد بلغ مبلغ هذا خيرته " وأخرجه من طريق ابراهيم بن محمد عن يونس بن عبد الله عن عمارة " خيرنى علي بين أمي وعمى وقال لاخ لى أصغر منى وهذا لو بلغ مبلغ هذا خيرته " قال ابراهيم: وفي الحديث " وكنت ابن سبع أو ثمان سنين " ومن ثم تدرك أن الرواية ليست عن عامر بن عبد الله وإنما هي عن عمارة، وقد أخرجه البيهقى في السنن الكبرى وقال: عمارة الجذامي، والصواب ما في الام.
أما اللغات، فبئر أبى عنبة على ميل من المدينة.
قال ابن الجوزى: أبو عنبة عبد الله بن عنبه من الصحابة ليس فيهم أبو عنبة غيره.
قال في المؤتلف والمختلف: أبو عنبة الخولانى له صحبة.
وفي الاستيعاب: قيل انه ممن صلى القبلتين، قديم الاسلام، وقيل إنه ممن أسلم قبل موت النبي ﷺ ولم يصحبه، وانه صحب معاذ بن جبل وسكن الشام، روى
عنه محمد بن زياد الالهانى وبكر بن زرعة وشريح بن مسروق وقوله " في مكتب أو صنعة " قال الجوهرى: الكتاب والمكتب واحد، والجمع الكتاتيب والمكاتب وهو موضع تعليم الكتابة.
وقوله " أغراء بالعقوق " من غرى غرى من باب تعب أولع به من حيث لا يحمله عليه فإذا تعدى بالهمز فقيل أغريته به اغراء فأغرى به بالبناء للمفعول والاسم الغراء بالفتح والمد والغراء مثل كتاب ما يلصق به، فكأنه يقول أغراه بالعقوق كأنه لصقه بالغراء فجعله سببا لوقوع العقوق ولصوقا به.
وقوله " وتبسط " التبسط والانبساط ترك الاحتشام، وتبسط في البلاد سافر فيها طولا وعرضا، وأصله السعة وذلك محرم على من طلق أما الاحكام.
فإن الشافعي رضى الله عنه يقول: فإذا افترق الابوان وهما في قرية واحدة فالام أحق بولدها ما لم تتزوج وما كانوا صغارا، فإذا بلغ أحدهم سمعا أو ثمانى سنين وهو يعقل خير بين أبيه وأمه وكان عند أيهما اختار، فإن اختار أمه فعلى أبيه نفقته ولا يمنع من تأديبه، قال وسواء في ذلك الذكر والانثى
стр. 2630
ويخرج الغلام إلى الكتاب والصناعة إن كان من أهلها ويأوى عند أمه وعلى أبيه نفقته، وإن اختار أباه لم يكن لابيه منعه من أن يأتي أمه وتأتيه في الايام وإن كانت جارية لم تمنع أمها من أن تأتيها، ولا أعلم على أبيها إخراجها إليها إلا من مرض فيؤمر بإخراجها عائدة.
قال وإن ماتت البنت لم تمنع الام من أن تليها حتى تدفن، ولا تمنع في مرضها من أن تلى تمريضها في منزل أبيها.
قال وإن كان الولد مخبولا فهو كالصغير، وكذلك إن كان غير مخبول ثم خبل فهو كالصغير الام أحق به ولا يخير أبدا.
قال وإنما أخير الولد بين أبيه وأمه إذا كانا معا ثقة للولد، فإن كان أحدهما ثقة
والآخر غير ثقة فالثقة أولاهما به بغير تخيير.
قال وإذا خبر الولد فاختار أن يكون عند أحد الابوين ثم عاد فاختار الاخر حول إلى الذي اختار بعد اختياره الاول، قال وإذا نكحت المرأة فلا حق لها في كينونة ولدها عندها صغيرا كان أو كبيرا، ولو اختارها ما كانت ناكحا، فإذا طلقت طلاقا يملك فيه الزوج الرجعة أو لا يملكها رجعت على حقها فيهم اه إذا ثبت هذا فإن الغلام إذا بلغ سبعا وليس بمعتوه خير بين أبويه إذا تنازعا فيه، فمن اختاره منهما فهو أولى به، قضى بذلك عمر وعلى شريح، وهو مذهب أحمد، وقال مالك وابو حنيفة: إذا استقل بنفسه، فأكل بنفسه ولبس بنفسه فالاب أحق به.
ومالك يقول الام أحق به.
قالا وأما التخيير فلا يصح لان الغلام لا قول له ولا يعرف حظه، وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه ويمكنه من شهواته فيؤدى إلى فساده، ولانه دون البلوغ فلم يخير كمن دون السبع وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خير غلاما بين أبيه وأمه " وفي لفظ " جاءت امرأة إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يارسول الله ان زوجي يريد أن يذهب بابنى وقد سقاني من بئر أبى عنبة وقد نفعني، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به " ولانه اجماع الصحابة كما أوضحنا ذلك عن علي وعمر ولا معارض فإذا بلغ الغلام حدا يعرب عن نفسه ويميز بين الاكرام وضده فمال إلى أحد