← Фикх шафии

Фикх шафии · id 1026

تكملة المطيعي على المجموع شرح المهذب - ط السلفية

محمد نجيب المطيعي

Полный текст (3 572 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

بهن من البنات أحق من الاخوة وبينهم، والاعمام وبنيهم لاختصاصهن بمعرفة الحضانة والتربية. (والثانى) أن العصبات أحق من الاخوات والخالات والعمات ومن يدلى بهن لاخصتاصهم بالنسب، والقيام بتأديب الولد (والثالث) أنه إن كان العصبات أقرب قدموا، وإن كان النساء أقرب قدمن وإن استويا في القرب قدمت النساء لاختصاصهن بالتربية. وإن استوى إثنان في القرابة والادلاء كالاخوين أو الاختين أو الخالتين أو العمتين أقرع بينهما لانه لا يمكن اجتماعهما على الحضانة، ولا مزية لاحداهما على الاخرى فوجب التقديم بالقرعة. وإن عدم أهل الحضانة من العصبات والنساء وله أقارب من رجال ذوى الارحام ومن يدلى بهم ففيه وجهان (أحدهما) أنهم أحق من السلطان لان لهم رحما فكانوا أحق من السلطان كالعصبات (والثانى) أن السلطان أحق بالحضانة لانه لاحق لهم مع وجود غيرهم فكان السلطان أحق منهم كما قلنا في الميراث. وإن كان للطفل أبوان فتثبت الحضانة للام فامتنعت منها فقد ذكر أبو سعيد الاصطخرى فيه وجهين (أحدهما) أن الحضانة تنتقل إلى أم الام كما تنتقل إليها بموت الام أو جنونها أو فسقها أو كفرها (والثانى) أنها تكون للاب، لان الام لم يبطل حقها من الحضانة، لانها لو طالبت بها كانت أحق فلم تنتقل إلى من يدلى بها (الشرح) الاحكام: ان اجتمع رجل من العصبات غير لاب والجد مع من يساويه في الدرجة من النساء، كالاخ والاخت والعم والعمة وابن العم وابنة العمة، وقلنا إن لهم حقا في الحضانة فأيهما أحق بالتقديم؟ فيه وجهان (أحدهما) أن الرجل أحق بالحضانة لانه أحق بتأديبه وتعليمه، فكان أحق بحضانته (والثانى) أن المرأة أحق بالحضانة، لانها تساويه في الدرجة وتنفرد بمعرفة الحضانة فقدمت عليه كما قدمت الام على الاب، وان اجتمع شخصان في درجة واحدة كالاختين أقرع بينهما لانه لا مزية لاحداهما على الاخرى

стр. 2627

والرجال من ذوى الارحام كالخال والاخ من الام وأبى الام وابن الاخت لا حضانة لهم مع وجود أحد من أهل الحضانة سواهم، لانه ليس بامرأة يتولى الحضانة وليس له قوة قرابة كالعصبات، ولاحضانة إلا بمن يدلى بهم كأم أبى الام وإبنة الاخال وإبنة الاخ من الام لانهن يدلين بمن لاحضانة له، فإذا لم تثبت للمدى فللمدلين به أولى، فإن لم يكن هناك غيرهم فعلى وجهين (أحدهما) هم أولى لان لهم رحما وقرابة يرثون بها عند عدم من هو أدنى منهم كذلك الحضانة تكون لهم عند عدم من هو أولى بها منهم (والثانى) لاحق لهم في الحضانة وينتقل الامر إلى الحاكم. وقد رحج أصحاب أحمد بن حنبل الوجه الاول وان كان الوجهان محتملين عندهم، وإن كان فيمن عليه النفقة خنثى مشكل فالنفقة عليه بقدر ميراثه، فإن انكشف بعد ذلك حاله فبان أنه أنفق أكثر من الواجب عليه رجع بالزيادة على شريكه في الانفاق: وان بان أنه أنفق أقل رجع عليه قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان افترق الزوجان ولهما ولد له سبع سنين أو ثمان سنين وهو مميز وتنازعا كفالته خير بينهما لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالت: يارسول الله ان زوجي يريد أن يذهب بابنى، وقد سقاني من بئر أبى عنبة وقد نفعي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به " فإن اختارهما أقرع بينهما، لانه لا يمكن اجمتاعهما على كفالته، ولا مزية لاحدهما على الآخر فوجب التقديم بالقرعة، وان لم يختر واحدا منهما أقرع بينهما لانه لا يمكن تركه وحده ما لم يبلغ لانه يضيع، ولا مزية لاحدهما على الآخر فوجبت القرعه، وإن اختار أحدهما نظرت - فإن كان ابنا فاختار الام كان عندها بالليل، ويأخذه الاب بالنهار ويسلمه في مكتب أو صنعة لان القصد حظ الولد، وحظ الولد فيما ذكرناه، وان اختار الاب كان عنده بالليل والنهار ولا يمنعه من زيارة أمه لان المنع من ذلك إغراء بالعقوق وقطع الرحم. فإن

стр. 2628

مرض كانت الام أحق بتمريضه، لان المرض صار كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره، فكانت الام أحق به، وإن كانت جارية فاختارت أحدهما كانت عنده بالليل والنهار ولا يمنع الاخر من زيارتها من غير إطالة وتبسط، لان الفرقة بين الزوجين تمنع من تبسط أحدهما في دار الاخر، وإن مرضت كانت الام أحق بتمريضها في بيتها. وإن مرض أحد الابوين والولد عند الاخر لم يمنع من عيادته وحضوره عند موته لما ذكرناه، وإن اختار أحدهما فسلم إليه ثم اختار الاخر حول إليه، وإن عاد فاختار الاول أعيد إليه لان الاختيار إلى شهوته وقد يشتهى المقام عند أحدهما في وقت وعند الاخر في وقت فاتبع ما يشتهيه كما يتبع ما يشتهيه من مأكول ومشروب. وإن لم يكن له أب وله أم وجد خير بينهما، لان الجد كالاب في الحضانة في حق الصغير فكان كالاب في التخيير في الكفالة، فإن لم يكن له أب ولا جد - فإن قلنا إنه لاحق لغير الاب والجد في الحضانة - ترك مع الام إلى أن يبلغ، وإن قلنا بالمنصوص إن الحضانة تثبت للعصبة، فإن كانت العصبة محرما كالعم والاخ وابن الاخ خير بينهم وبين الام، لما روى عامر ابن عبد الله قال " خاصم عمى أمي وأراد أن يأخذني فأختصما إلى علي بن أبى طالب كرم الله وجهه، فخيرني على ثلاث مرات فاخترت أمي، فدفعني إليها " فإن كان العصبة ابن عم. فإن كان الولد إبنا خير بينه وبين الام، وإن كانت بنتا كانت عند الام إلى أن تبلغ، ولاتخير بينهما، لان ابن العم ليس بمحرم لها ولايجوز أن تسلم إليه. (الشرح) حديث أبى هريرة باللفظ الذي ساقه المصنف رواه النسائي وأخرجه أبو داود بلفظ فيه زياده فقال استهما عليه " ولاحمد معناه لكنها قال فيه " جاءت امرأة قد طلقها زوجها " ولم يذكر فيه قولها " قد سقاني من بئر أبى عنبة وقد نفعني " ورواه أحمد وأبن ماجه والترمذي وصححه مختصرا بلفظ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ غلاما بين أبيه وأمه، ورواه بلفظ المصنف أيضا بقية أهل السنن وابن أبى شيبة وصححه الترمذي وابن حبان وأما خبر عامر بن عبد الله فقد أخرجه الشافعي في الام في باب أي الوالدين

стр. 2629

أحق بالولد " أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا ابن عيينة عن يونس بن عبد الله الجرمى عن عمارة قال: خيرنى علي بين أمي وعمى، ثم قال لاخ لى أصغر منى: وهذا أيضا لو قد بلغ مبلغ هذا خيرته " وأخرجه من طريق ابراهيم بن محمد عن يونس بن عبد الله عن عمارة " خيرنى علي بين أمي وعمى وقال لاخ لى أصغر منى وهذا لو بلغ مبلغ هذا خيرته " قال ابراهيم: وفي الحديث " وكنت ابن سبع أو ثمان سنين " ومن ثم تدرك أن الرواية ليست عن عامر بن عبد الله وإنما هي عن عمارة، وقد أخرجه البيهقى في السنن الكبرى وقال: عمارة الجذامي، والصواب ما في الام. أما اللغات، فبئر أبى عنبة على ميل من المدينة. قال ابن الجوزى: أبو عنبة عبد الله بن عنبه من الصحابة ليس فيهم أبو عنبة غيره. قال في المؤتلف والمختلف: أبو عنبة الخولانى له صحبة. وفي الاستيعاب: قيل انه ممن صلى القبلتين، قديم الاسلام، وقيل إنه ممن أسلم قبل موت النبي ﷺ ولم يصحبه، وانه صحب معاذ بن جبل وسكن الشام، روى عنه محمد بن زياد الالهانى وبكر بن زرعة وشريح بن مسروق وقوله " في مكتب أو صنعة " قال الجوهرى: الكتاب والمكتب واحد، والجمع الكتاتيب والمكاتب وهو موضع تعليم الكتابة. وقوله " أغراء بالعقوق " من غرى غرى من باب تعب أولع به من حيث لا يحمله عليه فإذا تعدى بالهمز فقيل أغريته به اغراء فأغرى به بالبناء للمفعول والاسم الغراء بالفتح والمد والغراء مثل كتاب ما يلصق به، فكأنه يقول أغراه بالعقوق كأنه لصقه بالغراء فجعله سببا لوقوع العقوق ولصوقا به. وقوله " وتبسط " التبسط والانبساط ترك الاحتشام، وتبسط في البلاد سافر فيها طولا وعرضا، وأصله السعة وذلك محرم على من طلق أما الاحكام. فإن الشافعي رضى الله عنه يقول: فإذا افترق الابوان وهما في قرية واحدة فالام أحق بولدها ما لم تتزوج وما كانوا صغارا، فإذا بلغ أحدهم سمعا أو ثمانى سنين وهو يعقل خير بين أبيه وأمه وكان عند أيهما اختار، فإن اختار أمه فعلى أبيه نفقته ولا يمنع من تأديبه، قال وسواء في ذلك الذكر والانثى

стр. 2630

ويخرج الغلام إلى الكتاب والصناعة إن كان من أهلها ويأوى عند أمه وعلى أبيه نفقته، وإن اختار أباه لم يكن لابيه منعه من أن يأتي أمه وتأتيه في الايام وإن كانت جارية لم تمنع أمها من أن تأتيها، ولا أعلم على أبيها إخراجها إليها إلا من مرض فيؤمر بإخراجها عائدة. قال وإن ماتت البنت لم تمنع الام من أن تليها حتى تدفن، ولا تمنع في مرضها من أن تلى تمريضها في منزل أبيها. قال وإن كان الولد مخبولا فهو كالصغير، وكذلك إن كان غير مخبول ثم خبل فهو كالصغير الام أحق به ولا يخير أبدا. قال وإنما أخير الولد بين أبيه وأمه إذا كانا معا ثقة للولد، فإن كان أحدهما ثقة والآخر غير ثقة فالثقة أولاهما به بغير تخيير. قال وإذا خبر الولد فاختار أن يكون عند أحد الابوين ثم عاد فاختار الاخر حول إلى الذي اختار بعد اختياره الاول، قال وإذا نكحت المرأة فلا حق لها في كينونة ولدها عندها صغيرا كان أو كبيرا، ولو اختارها ما كانت ناكحا، فإذا طلقت طلاقا يملك فيه الزوج الرجعة أو لا يملكها رجعت على حقها فيهم اه إذا ثبت هذا فإن الغلام إذا بلغ سبعا وليس بمعتوه خير بين أبويه إذا تنازعا فيه، فمن اختاره منهما فهو أولى به، قضى بذلك عمر وعلى شريح، وهو مذهب أحمد، وقال مالك وابو حنيفة: إذا استقل بنفسه، فأكل بنفسه ولبس بنفسه فالاب أحق به. ومالك يقول الام أحق به. قالا وأما التخيير فلا يصح لان الغلام لا قول له ولا يعرف حظه، وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه ويمكنه من شهواته فيؤدى إلى فساده، ولانه دون البلوغ فلم يخير كمن دون السبع وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خير غلاما بين أبيه وأمه " وفي لفظ " جاءت امرأة إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يارسول الله ان زوجي يريد أن يذهب بابنى وقد سقاني من بئر أبى عنبة وقد نفعني، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به " ولانه اجماع الصحابة كما أوضحنا ذلك عن علي وعمر ولا معارض فإذا بلغ الغلام حدا يعرب عن نفسه ويميز بين الاكرام وضده فمال إلى أحد

стр. 2631

الابوين، دل على أنه أرفق به وأشفق عليه، فقدم بذلك، وقيدناه بالسبع لانها أول حال أمر الشرع فيها بمخاطبته بالامر بالصلاة. ومتى اختار أحدهما فسلم إليه ثم أختار الاخر رد إليه، فإن عاد فاختار الاول أعيد إليه هكذا أبدا كلما اختار أحدهما صار إليه، لانه اختيار شهوة لحظ نفسه فاتبع ما يشتهيه، وان خيرناه فلم يختر واحدا منهما أو اختارهما معا قدم أحدهما بالقرعة، لانه لا مزية لاحدهما على صاحبه، ولا يمكن اجتماعهما على حضانته فقد أحدهما بالقرعة (فرع) فإن كان الاب معدوما أو من غير أهل الحضانة وحضر غيره من العصبات كالاخ والعم وابنه قام مقام الاب، فيخير الغلام بين أمه وعصبته فأشبه الاب، وكذلك ان كانت أمه معدومه أو من غير أهل الحضانة فسلم إلى الجدة، خير الغلام بينها وبين أبيه أو من يقوم مقامه من العصبات، فإن كان الابوان معدومين أو من غير أهل الحضانة فسلم إلى امرأة كأخته وعمته أو خالته قامت مقام أمه في التخيير بينهما وبين عصيانه للمعنى الذي ذكرناه في الابوين (فرع) وان كان عند الاب كان عنده ليلا ونهارا ولا يمنع من زيارة أمه لان منعه من ذلك اغراء له بالعقوق وقطيعة الرحم، وان مرض كانت الام أحق بتمريضه في بيتها، لانه صار بالمرض كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره فكانت الام أحق به كالصغير، وان مرض أحد الابوين والولد عن الاخر لم يمنع من عيادته وحضوره عند موته، سواء كان ذكرا أو أنثى لان المرض يمنع المريض من المشى إلى ولده، فمشى ولده إليه أولى، فأما في حال الصحة فإن الغلام يزور أمه لانها عورة فسترها أولى، والام تزور ابنتها، لان كل واحدة منهما عورة تحتاج إلى صيانة - وستر الجارية أولى - لان الام قد تخرجت وعقلت بخلاف الجارية. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان افترق الزوجان ولهما ولد فأراد أحدهما أن يسافر بالولد - فإن كان السفر مخوفا أو البلد الذي يسافر إليه مخوفا - فالمقيم أحق به، فإن كان مميزا لم يخير بينهما، لان في السفر تغريرا بالولد، وان كان السفر مسافة

стр. 2632

لا تقصر فيها الصلاة كانا كالمقيمين في حضانة الصغير ويخير المميز بينهما، لانهما يستويان في انتفاء أحكام السفر من القصر والفطر والمسح، فصارا كالمقيمين في محلتين في بلد واحد، وإن كان السفر لحاجة لا لنقلة كان المقيم أحق بالولد، لانه لاحظ للولد في حمله ورده، وإن كان السفر للنقلة إلى موضع يقصر فيه الصلاة من غير خوف فالاب أحق به، سواء كان هو المقيم أو المسافر. لان في الكون مع الام حضانة، وفي الكون مع الاب حفظ النسب والتأديب، وفي الحضانة يقوم غير الام مقامها، وفي حفظ النسب لا يقوم غير الاب مقامه فكان الاب أحق. وإن كان المسافر هو الاب، فقالت الام يسافر لحاجة فأنا أحق، وقال الاب أسافر للنقلة فأنا أحق، فالقول قول الاب لانه أعرف بيته. وبالله التوفيق (الشرح) إذا أراد أحد الابوين السفر مسافة تقصر فيها الصلاة لحاجة ثم يعود، والآخر مقيم، فالمقيم أولى بالحضانة، لان في المسافرة بالولد إضرارا به، وإن كان منتقلا إلى بلد ليقيم به وكان الطريق مخوفا، أو البلد الذي ينتقل إليه مخوفا فالمقيم أولى بالحضانة، لان في السفر به خطرا عليه، ولو اختار الولد السفر في هذه الحالة لم يجب إليه لان فيه تعزيرا به. وإن كان البلد الذي ينتقل إليه آمنا وطريقه أمنا فالاب أحق به، سواء كان هو المقيم أو المنتقل، لان في كون الولد مع الاب حفظ النسب والتأديب. وإن كان السفر دون مسافة قصر الصلاة كانا كالمقيمين. وبهذا قال بعض أصحاب أحمد، والمنصوص عن أحمد سريان ما قررنا من الحكم على اطلاق السفر، سواء كان دون القصر أم لا. لان البعد الذي يمنعه من رؤيته يمنعه من تأديبه وتعليمه ومراعاة حاله. فأشبه مسافة القصر، وبما ذكرناه من تقديم الاب عند افتراق الدار بهما. قال شريح ومالك وأحمد. وقال أصحاب الرأى: إن انتقل الاب فالام أحق به، وإن انتقلت الام إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح فهى أحق، وإن انتقلت إلى غيره فالاب أحق. وحكى عن أبى حنيفة إن انتقلت من بلد إلى قرية فالاب أحق، وإن انتقلت إلى بلد آخر فهي أحق، لان في المدينة يمكن تعليمه وتخريجه

стр. 2633

(فرع) إذا اختلف الاب والام في أمر السفر فقالت الام: يسافر مشغولا بمصالحه وحاجياته فلن يلتفت إلى رعاية الولد فأنا أحق به، وقال الاب: أسافر للنقلة والاستيطان فأنا أحق كان القول قول الاب لانه أعلم بقصده والله تعالى أعلم بالصواب وهو حسبي ونعم الوكيل قال المصنف رحمه الله تعالى: كتاب الجنايات (الشرح) الجنايات جمع جناية. وفي القاموس: جنى الذنب عليه يجنيه جناية جره طلبه إليه، والثمرة اجتنها كتجناها وهو جان والجمع جناة وجنتاه وأجناء " نادر " اه. وفي اللسان قال أبو حية النميري: وان دما لو تعلمين جنيته على الحى جانى مثله غير سالم فأما قولهم في المثل " أبناؤها أجناؤها " فزعم أبو عبيد أن أبناء جمع بان وأجناء جمع جان كشاهد وأشهاد وصاحب وأصحاب. قال ابن سيده في المخصص وأراهم لم يكسروا بانيا على أبناء ولا جانيا على أجناء الا في هذا المثل، المعنى أن الذي جنى وهدم الدار هده هو الذي بناها. قال الجوهرى وأنا أظن أن المثل جنانها بناتها، لان فاعل لاتجمع على أفعال، ثم أستطرد خطأ فقال: ان اشهادا وأصحابا جمع شهد وصحب وهو خطأ فإن فعل لاتجمع على أفعال الا إذا كانت عينها واوا ياء كقول وشيخ تجمع على أقوال وأشياخ الا جمعا شاذا، وقد رأيتهم في كتب الفقه والحديث والتفسير واللغة يجمعون بحث على أبحاث فإذا جاز فهو شاذ وصوابه بحوث. وهذا المثل يضرب لمن عمل شيئا بغير روية فأخطأ فيه ثم استدركه فنقبض ما عمله. وأصله أن بعض ملوك اليمن غزا واستخلف ابنته فبنت بمشورة قوم بنيانا كرهة أبوها، فلما قدم أمر المشيرين ببنائه أن يهدموه، والمعنى أن الذين جنوا عليه هذه الدار بالهدم هم الذين بنوها، والمدينة التي هدمت اسمها براقش، ومن ثم قيل " على نفسها جنت براقش " وفي الحديث " لا يجنى جان الا على نفسه "

стр. 2634

والجناية الذنب والجرم، وما يفعله الانسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص في الدنيا والاخرة، والمعنى أنه لا يطالب بجناية غيره من أقاربه وأباعده، فإذا جنى أحدهم جناية لا يطالب بها الاخر لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) وجنى فلان على نفسه إذا جر جريرة يجئ جناية على قومه، وتجنى فلان على فلان ذنبا إذا تقوله عليه وهو برئ، وتجنى عليه وجانى ادعى جناية. قال شمر: حنيت لك وعليك ومنه قوله: جانيك من يجنى عليك وقد تعدى الصحاح - فتجرب - الجرب وجنيت الثمرة أجنيها جنى، واجتنيتها بمعنى. قال ابن سيده: جنى الثمرة ونحوها وتجناها كل ذلك تناولها من شجرتها. قال الشاعر إذا دعيت بما في البيت قالت تجن من الجذال وما جنيت قال أبو حنيفة، هذا شاعر نزل بقوم فقرؤه صمغا ولم يأتوه به ولكن دلوه على موضعه وقالوا اذهب فاجنه، فقال هذا البيت يذم به أم مثواه واستعاره أبو ذؤيب للشرف فقال وكلاهما قد عاش عيشة ماجد وجنى العلاء لو أن شيئا ينفع وفي الحديث إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ دخل بيت المال فقال يا حمراء ويابيضاء احمرى وابيضى وغرى غيرى هذا جناى وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه وأراد على أن يتمثل بهذا البيت الذي قاله في الجاهلية عمرو بن عدي اللحمى ابن أخت جذيمة. أي أنه لم يتلطخ بشئ من فئ المسلمين بل وضعه مواضعه. والجنى الثمر المجتنى مادام طريا، وفي التنزيل العزيز (تساقط عليك رطبا جنيا) وقال القائل " إنك لا تجنى من الشوك العنب " وفي حديث أبى بكر رضى الله عنه أنه رأى أبا ذر رضى الله عنه فدعاه فجنى عليه فساره. جنى عليه أكب عليه والاصل فيه من جنأ يجنا إذا مال عليه وعطف، ثم خفف. هذا بعض ما ألمت به من مادة " جناية " لغة واستعمالا، وشواهد وأمثالا، وآثارا وقرآنا تضفى على البحث كمالا، والله الموفق حالا ومآلا

стр. 2635

قال المصنف رحمه لله تعالى (باب تحريم القتل) ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب عليه القتل بغير حق حرام وهو من الكبائر العظام، والدليل عليه قوله (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال " لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " وروى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " لَوْ أَنَّ أهل السموات والارض اشتركوا في قتل مؤمن لعذبهم الله الا أن لا يشاء ذلك " (الشرح) قوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جنهم خالدا فيها) الاية. في صحيح البخاري عن أبن جبير قال، اختلف فيها أهل الكوفة فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال نزلت هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) هي آخر ما نزل وما نسخها شئ، وكذا رواه مسلم والنسائي من طرق عن شبعة به ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ في الاية فقال ما نسخها شئ وقال ابن جرير بإسناده عن يحيى الجابري عن سالم بن أبى الجعد قال " كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره فأتاه رجل فناداه يا عبد الله ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ فقال جزاؤه جهنم خالدا فيها الخ آخر الاية، قال أفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس " ثكلته أمه، وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم ﷺ يقول: ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمدا جاء يوم القيامة أخذه بيمينه أو بشماله. تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن يلزم قاتله بشماله، وبيده الاخرى رأسه يقول يا رب سل هذا فيم قتلني؟ " وايم الذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الاية فما نسخها من آية حتى قبض نبيكم ﷺ وما نزل بعدها من برهان. وقد رواه

стр. 2636

أحمد في مسنده. أما حديث " لزوال الدينا أهون على الله من قتل رجل مسلم " فإنى لم أعثر عليه من حديث أبى هريرة، ولا اتهم المصنف بالخطأ في عزوه إليه فلست أهلا لذاك، وإنما وجدت الحديث في سنن النسائي من حديث بريدة رضى الله عنه. وعنده أيضا من حديث ابن عمر ولفظه " لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " وكذلك الترمذي وعند ابن ماجه من حديث البراء. أما حديث ابن عباس فقد أخرجه الترمذي من حديث أبى سعيد وأبى هريرة بلفظ " لو أن أهل السماء والارض اشتركوا في دم مؤمن لكبهم الله في النار " في الديات. أما الاحكام فإن القتل بغير حق حرام، والاصل فيه الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقوله تعالى " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " وقوله تعالى " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطا " فأخبر أنه ليس للمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، ولم يرد بقوله " الا خطأ " أن قتله خطأ يجوز، وإنما أراد لكن إذا قتله خطأ فعليه الدية والكفارة. وقوله " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم " الآية، أما السنة فعلى ما مضى من الاحاديث، وما سيأتي بما يجاوز الحصر. وأما الاجماع فإنه لا خلاف بين الامة في تحريم القتل بغير حق. إذا ثبت هذا فمن قتل مؤمنا متعمدا بغير حق فسق واستوجب النار، الا أن يتوب. وحكى عن ابن عباس قوله " لاتقبل توبة القاتل ". ودليلنا قوله تعالى (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق - إلى قوله تعالى - الا من تاب) الآية ولقوله ﷺ " التوبة تحت ما قبلها " ولان التوبة إذا صحت من الكفر فلان تصح من القتل أولى. قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) ويجب القصاص بجناية العبد، وهو أن يقصد الاصابة بما يقتل غالبا فيقتله، والدليل عليه قوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس

стр. 2637

والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) وقوله تعالى (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد) الايه. وقوله تعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولى الالباب) وروى عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مسلم الا بإحدى ثلاث: الزانى المحصن والمرتد عن دينه وقاتل النفس، ولانه لو لم يجب القصاص أدى ذلك إلى سفك الدماء وهلاك الناس ولا يجب بجناية الخطأ، وهو أن يقصد غيره، فيصبيه فيقتله، لقوله ﵇ " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " ولان القصاص عقوبة مغلظة فلا يستحق مع الخطأ ولا يجب في عمد الخطأ، وهو أن يقصد الاصابة بما لا يقتل غالبا فيموت منه، لانه لم يقصد القتل فلا يجب عليه عقوبة القتل، كما لا يجب حد الزنا في وطئ الشبهة حيث لم يقصد الزنا. (الشرح) قوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) الخ الايات. أخرج أحمد في مسنده عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أبيه عن عبد الله بن عبد الله ابن عباس عن أبيه قال ان الله أنزل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وأولئك هم الظالمون وأولئك هم الفاسقون. أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، وكانت احدهما قد قهرت الاخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتله الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي ﷺ ، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة تطلب مائة وسق، فقالت الذليلة وهو لكان في حيين دينهما واحد ونسبهما واحد وبلدهما واحد دية بعضهم نصف دية بعض؟ انما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم. فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم، فكادت الحرب تهيج بينهما (وهما قريظه والنضير) ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله ﷺ بينهم، ثم ذكرت العزيزة فقالت والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا ما أعطونا هذا الا ضيما منا وقهرا لهم ; فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه أن أعطاكم ما تريدون

стр. 2638

حكمتموه وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه. فدسوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ناسا من المنافقين ليخيروا لهم رأى النبي ﷺ ، فلما جاءوا رسول الله ﷺ أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله تعالى (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون - إلى قوله تعالى - وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس - إلى قوله تعالى - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) وروى الامام أحمد بإسناده عن الزهري عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قرأها (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين) نصب النفس ورفع العين، وكذا رواه أبو داود والتزمذى والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله ابن المبارك. وقال الترمذي حسن غريب. وقال البخاري تفرد ابن المبارك بهذا الحديث. وقد استدل كثير ممن ذهب من الاصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكى مقررا ولم ينسخ كما هو المشهور عند الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الاسفرايينى عن نص الشافعي وأكثر الاصحاب بهذه الآية حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات. وقال الحسن البصري: هي عليهم وعلى الناس عامة. رواه ابن أبى حاتم، وقد حكى الامام النووي في كتاب الصوم من المجموع في هذه المسألة ثلاثة أوجه ثالثها: أن شرع أبراهيم حجة دون غيره وصحح منها عدم الحجية. ونقلها الشيخ أبو إسحاق الاسفراييني أقولا عن الشافعي وأكثر الاصحاب. ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا. وقد حكى الامام أبو قصر بن الصباغ في الشامل إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الاية على مادلت عليه. أما حديث عثمان رضى الله عنه فقد أخرجه أبو داود في الديات عن سليمان ابن حرب والترمذي في الفتن عن أحمد بن الضبى والنسائي في المحاربة عن ابراهيم ابن يعقوب وعن مؤمل بن إهاب وعن أبى الازهر أحمد بن الازهر وابن ماجه في الحدود عن أحمد بن عبدة، ولفظه " أن عثمان أشرف يوم الدار فقال أنشدكم الله أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإحدى ثلاث، زنا بعد إحصان، أو ارتداد بعد اسلام، أو قتل نفسا بغير حق

стр. 2639

فقتل به، فو الله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا ارتدت منذ بَايَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا قتلت النفس التي حرم الله. فيم تقتلوني؟ " قال الترمذي ورواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد فرفعه وروى يحيى بن سعيد القطان وغير واحد عن يحيى بن سعيد هذا الحديث فأوقفوه ولم يرفعوه، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مرفوعا ورواه الشيخان وأصحاب السنن وأحمد عن ابن مسعود بلفظ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يحل دم امرئ مسلم يشهد أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ الله الا بإحدى ثلاث، الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " وروى أحمد والنسائي عن عائشة مرفوعا " لا يحل دم امرئ مسلم الا من ثلاثة إلا من زنى بعد ما أحصن، أو كفر بعد ما أسلم، أو قتل نفسا فقتل بها " ورواه مسلم عنهما بمعناه. وفي لفظ رواه النسائي عنها " لا يحل قتل مسلم الا في إحدى ثلاث خصال زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلما متعمدا، ورجل يخرج من الاسلام فيحارب الله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الارض " وأخرجه بهذا اللفظ أبو داود والحاكم وصححه. أما الاحكام فإنه إذا قتل من يكأفئه عامدا - وهو أن يقصد قتله بما يقتل غالبا فيموت منه - وجب عليه القصاص لقوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس الآية. وهذه الآية حجه لنا بلا خلاف، لان من أصحابنا يقول شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يتصل به نكير. ومن قال منهم ليس بشرع لنا، فإن الشرع قد ورد به ثبوت حكم هذه الاية في حقنا، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ للربيع بنت معوذ حين كسرت سن جارية من الانصار " كتاب الله القصاص " وليس للسن ذكر في القصاص إلا في هذه الاية. وقوله تعالى (كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر، والعبد بالعبد) الاية. وقوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) ومعنى ذلك أن الانسان إذا علم أنه يقتل إذا قتل لم يقتل، فكان في ذلك

стр. 2640

حياة لهما، وكانت العرب تقول في الجاهلية القتل أنفى (١) للقتل، وكان ما ورد به القرآن أحسن لفظا وأشمل معنى. وقوله تعالى (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) والسلطان ههنا القصاص. وروى عثمان رضى الله عنه وأرضاه إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثلاث إلخ " وقد خرجناه آنفا، ولا يجب القصاص للقتل الخطأ، وهو أن يقصد غيره فيصبيه فيقتله، لِقَوْلِهِ ﷺ " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " ولا يجب القصاص في عمد الخطأ وهو أن يقصد إصابته بما لا يقبل غالبا فيموت منه، لانه لم يقصد القتل فلم تجب عليه عقوبة القتل. قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) ولا يجب القصاص على صبى ولا مجنون لقوله ﷺ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حتى يفيق " ولانه عقوبة مغلظة فلم يجب على الصبي والمجنون كالحدود والقتل بالكفر. وفي السكران طريقان، ومن أصحابنا من قال يجب عليه القصاص قَوْلًا وَاحِدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ، وقد بيناه في كتاب الطلاق (فصل) ويقتل المسلم بالمسلم، والذمى بالذمي، والحر بالحر، والعبد بالعبد، والذكر بالذكر، والانثى بالانثى، لقوله تعالى (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى) ويقتل الذمي بالمسلم، والعبد بالحر، والانثى بالذكر، لانه إذا قتل كل واحد منهم بمن هو مثله فلان يقتل بمن هو أفضل منه أولى، ويقتل الذكر بالانثى لما روى أبو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عن أبيه عن جد " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن أن الرجل يقتل بالمرأة " ولان المرأة كالرجل في حد القذف فكانت كالرجل في القصاص.

стр. 2641

(الشرح) قوله تعالى (كتب عليكم القصاص في القتلى) الآية. ذكر سبب نزولها العلامة ابن كثير في تفسيره فنقل ما رواه ابن أبي حاتم بالاسناد عن سعيد ابن جبير قال يعنى إذا كان عمدا الحر بالحر. وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الاسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والاموال فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، والمرأة منا الرجل منهم، فنزل فيهم (الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى) منها منسوخة نسختها " النفس بالنفس " أه أما حديث " رفع القلم عن ثلاثة " فقد أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم في المستدرك عن على وعمر رضى الله عنهما، وقد مضى في غير ما موضع. وأما حديث أَبِي بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عن أبيه عن جده فقد أخرجه مالك في الموطأ والشافعي أن النبي ﷺ كتب في كتابه إلى أهل اليمن أن الذكر يقتل بالانثى. وهو عندهما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عن أبيه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم أن الذكر يقتل بالانثى. ووصله نعيم بن حماد عن أبن المبارك عن معمر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أبيه عن جده، وجده محمد بن عمر بن حزم ولد فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ولكن لم يسمع منه. وكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر ومن طريقه الدارقطني. ورواه أبو داود والنسائي من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري مرسلا. ورواه أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب قال قرأت فِي كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وكان الكتاب عند أبى بكر بن حزم. ورواه النسائي وابن حبان والحاكم البيهقى موصولا مطولا من حديث الحكم ابن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود حدثنى الزهري عن أبى بكر عن أبيه عن جده، وفرقه الدرامى في مسنده عن الحكم مقطعا قال الحافظ بن حجر ; وقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث فقال أبو داود في المراسيل. قد أسند هذا الحديث ولا يصح، والذي في اسناد سليمان

стр. 2642

ابن داود وهم إنما هو سليمان بن أرقم، وقال في موضع آخر لا أحدث به، وقد وهم الحكم بن موسى في قوله سليمان بن داود، وقد حدثنى محمد بن الوليد الدمشقي أنه قرأ في أصل يحيى بن حمزة بن سليمان بن أرقم، وهكذا قال أبو زرعة الدمشقي أنه الصواب وتبعه صالح جزرة وأبو الحسن الهروي وغيرهما وقال صالح جزرة حدثنا دحيم، قال قرأت في كتاب يحيى بن حمزة حديث عمرو بن حزم فإذا هو عن سليمان بن أرقم، قال صالح كتب عني هذه الحكاية مسلم بن الحجاج. قال الحافظ: ويؤيد هذه الحكاية ما رواه النسائي عن الهيثم بن مروان عن محمد بن بكار عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم عن الزهري وقال هذا أشبه بالصواب. وقال ابن حزم في المحلى صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا تقوم بها حجة وسليمان بن داود متفق على تركه. وقال عبد الحق، سليمان بن داود الذي يروى هذه النسخة عن الزهري ضعيف، ويقال انه سليمان بن أرقم وتعقبه ابن عدى فقال، هذا خطأ إنما هو سليمان بن داود وقد جوده الحكم بن موسى. وقال أبو زرعة عرضت على أحمد فقال سليمان بن داود اليمامى ضعيف، وسليمان بن داود الخولانى ثقة، وكلاهما يروى عن الزهري ; والذي روى حديث الصدقات هو الخولانى، فمن ضعفه فإنما ظن أنه اليمامى، وقد أثنى على سليمان بن داود الخولانى هذا أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ، وصححه من حيث الشهرة لا من حيث الاسناد الامام الشافعي في رسالته حيث قال لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ ابن عبد البر هذا كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم يستغنى بشهرته عن الاسناد لانه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقى الناس له بالقبول والمعرفة. وقال يعقوب بن أبى سفيان لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم فإن الصحابة والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم.

стр. 2643

قال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وإما عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب. أما الاحكام فإنه لا يجب على الصبى والمجنون قصاص لقوله ﷺ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يفيق " ولان القصاص من حقوق الابدان، وحقوق الابدان لا تجب على الصبي والمجنون كما قلنا في الصلاة والصوم، وإن قتل السكران من يكافئه عمدا فهل يجب عليه القصاص؟ فِيهِ طَرِيقَانِ، مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يجب فيه القصاص قولا واحدا، وقد مضى ذكر ذلك في الطلاق. وان قتل رجلا وهو عاقل ثم جن أو سكر لم يسقط عنه القصاص، لان القصاص قد وجب عليه فلا يسقط بالجنون والسكر كما لا يسقط عنه ذلك بالنوم وقال الحنابلة في القصاص على السكران إذا قتل حال سكره بناء على وقوع طلاقه وفيه روايتان فيكون في وجوب القصاص عليه وجهان (أحدهما) أنه أشبه بالمجنون لزوال عقله، ولانه غير مكلف أشبه الصبى والمجنون. ورجح ابن قدامة منهم القصاص، لان الصحابة رضى الله عنهم أقاموا سكره مقام قذفه فأوجبوا عليه حد القاذف فلولا أن قذفه موجب للحد عليه لما وجب الحد بخطيئته. وإذا وجب الحد فالقصاص المتمحض حق آدمى أولى، ولانه حكم لو لم يجب القصاص والحد لافضى إلى أن من أراد أن يعصي الله تعالى شرب ما يسكره ثم يقتل ويزنى ويسرق، ولا يلزمه عقوبة ولا مأتم، ويصير عصيانه سببا لسقوط عقوبة الدنيا والآخره عنه، ولاوجه لهذا، وفارق هذا الطلاق، ولانه قول يمكن الغاؤه بخلاف القتل. فأما أن شرب أو أكل ما يزيل عقله غير الخمر على وجه محرم - فإن زال عقله بالكلية بحيث صار مجنونا فلا قصاص عليه ; وان كان يزول قريبا ويعود من غير تداو فهو كالسكر على ما فصل فيه. (مسألة) وان كان الجاني والمجني ممن يجد أحدهما بقذف الآخر فقد ذكرنا أنه يجب القصاص على الجاني فإن قتل المسلم مسلما والكافر كافرا، سواء كانا على دين واحد أو على دينين، أو قتل الرجل رجلا أو المرأة امرأة، وقتل الحر حرا

стр. 2644

أو العبد عبدا وجب القصاص على القاتل لقوله تعالى (كتب عليكم القصاص في القتلى) الخ الاية. ولان كل واحد منهما مساو لصحابه فقتل به، ويقتل الكافر بالمسلم والعبد بالحر والانثى بالذكر لقوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) ولانه إذا قتل بمن يساويه فلان يقتل بمن هو أعلا منه أولى، ويقتل الذكر بالانثى، وهو قول أكثر العلماء. وقال ابن عباس رضى الله عنهما لا يقتل بها، وقال عطاء يكون ولى المرأة بالخيار بين أن يأخذ ديتها وبين أن يقتل الرجل بها ويدفع إلى وليه نصف الدية. وروى ذلك عن على رضى الله عنه، ودليلنا قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) وقوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) وهذا عام الا فيما خصه الدليل، ولحديث أَبِي بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كتب إلى أهل اليمن بقتل الرجل بالمرأة " ولانهما شخصان يحد كل واحد منهما بقذف صاحبه فجرى القصاص بينهما كالرجلين والمرأتين، ويقتل الخنثى بالرجل والمرأة، ويقتل الرجل والمرأة بالخنثى لقوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) قال المصنف ﵀: (فصل) ولا يجب القصاص على المسلم بقتل الكافر، ولا على الحر بقتل العبد، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أنه قال: من السنة أن لا يقتل مسلم بكافر ومن السنة أن لا يقتل حر بعبد. فإن جرح ذمى ذميا ثم أسلم الجاني أو جرح عبد عبدا ثم أعتق الجاني اقتص منه لانهما متكافئان منه حال الوجوب والاعتبار بحال الوجوب لان القصاص كالحد، والحد يعتبر بحال الوجوب، بدليل أنه إذا زنى وهو بكر ثم أحصن أقيم عليه حد البكر ولو زنى وهو عبد ثم أعتق أقيم عليه حد العبد، فوجب أن يعتبر القصاص أيضا بحال الوجوب. وإن قطع مسلم يد ذمى ثم أسلم ثم مات، أو قطع حر يد عبد ثم أعتق ثم مات، لم يجب القصاص، لان التكافؤ معدوم عند وجود الجناية، فإن جرح

стр. 2645

مسلم مسلما ثم ارتد المجروح ثم أسلم ثم مات، فإن أقام في الردة زمانا يسرى الجرح في مثله لم يجب القصاص، لان الجناية في الاسلام توجب القصاص، والسراية في الردة تسقط القصاص، فغلب الاسقاط، كما لو جرح جرحا عمدا وجرحا خطئا، فإن لم يقم في الردة زمانا يسرى فيه الجرح ففيه قولان أحدهما: لا يجب فيه القصاص، لانه أتى عليه زمان لو مات فيه لم يجب القصاص فسقط، والثانى: يجب القصاص وهو الصحيح، لان الجناية والموت وجدا في حال الاسلام، وزمان الردة لم يسر فيه الجرح، فكان وجوده كعدمه وان قطع يده ثم ارتد ثم مات ففيه قولان: (أحدهما) يسقط القصاص في الطرف، لانه تابع للنفس، فإذا لم يجب القصاص في النفس لم يجب في الطرف (والثانى) وهو الصحيح أنه يجب، لان القصاص في الطرف يجب مستقرا فلا يسقط بسقوطه في النفس، والدليل عليه أنه لو قلع طرف إنسان ثم قتله من لاقصاص عليه لم يسقط القصاص في الطرف وان سقط في النفس (فصل) وان قتل مرتد ذميا ففيه قولان (أحدهما) أنه يجب القصاص، وهو اختيار المزني لانهما كافران، فجرى القصاص بينهما كالذميين (والثانى) أنه لا يجب لان حرمة الاسلام باقية في المرتد بدليل أنه يجب عليه قضاء العبادات، ويحرم استرقاقه، وان كانت امرأة لم يجز للذمي نكاحها، فلا يجوز قتله بالذمي، وان جرح مسلم ذميا ثم ارتد الجاني ثم مات المجني عليه لم يجب القصاص قولا واحدا لانه عدم التكافؤ في حال الجناية فلم يجب القصاص وإن وجد التكافؤ بعد ذلك، كما لو جرح حر عبدا ثم أعتق العبد وان قتل ذمى مرتدا فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يجب عليه القصاص إن كان القتل عمدا، والدية ان كان خطأ لان الذمي لا يقتل المرتد تدينا. وانما يقتله عنادا، فأشبه إذا قتل مسلما وقال أبو إسحاق لا يلزمه قصاص ولا دية، وهو الصحيح، لانه مباح الدم فلم يضمن بالقتل، كما لو قتله مسلم. وقال أبو سعيد الاصطخرى: ان قتله عمدا وجب القصاص لانه قتله عنادا ; وان قتله خطأ لم تلزمه الدية لانه لا حرمة له

стр. 2646

(فصل) وإن حبس السلطان مرتدا فأسلم وخلاه فقتله مسلم لم يعلم بإسلامه ففيه قولان (أحدهما) لا قصاص عليه لانه لم يقصد قتل من يكافئه (والثانى) يجب عليه القصاص، لان المرتد لا يخلى إلا بعد الاسلام، فالظاهر أنه مسلم فوجب القصاص بقتله. وإن قتل المسلم الزانى المحصن ففيه وجهان (أحدهما) يجب عليه القصاص، لان قتله لغيره فوجب عليه القصاص بقتله، كما لو قتل رجل رجلا فقتله غير ولى الدم (والثانى) لا يجب، وهو المنصوص، لانه مباح الدم فلا يجب القصاص بقتله كالمرتد. (الشرح) حديث علي كرم الله وجهه رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود والترمذي عن أبي جحيفة قال " قلت لعلى هل عندكم شئ من الوحي ما ليس في القرآن؟ فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال العقل وفكاك الاسير وأن لا يقتل مسلم بكافر. وأخرج أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم وصححه عَنْ عَلَى إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: المؤمنون تتكافا دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده. أما الاحكام فقد قال الشافعي في الام: وخطبته ﷺ يوم الفتح كانت بسبب القتيل الذي قتله خزاعة وكان له عهد، فخظب النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَوْ قتلت مسلما بكافر لقتلته به. وقال: لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده. إذا ثبت هذا فإنه لا يقتل المسلم بالكافر، سواء كان الكافر ذميا أو مستأمنا أو معاهدا، وروى ذلك عن عمر وعثمان وعلى وزيد بن ثابت ومعاوية، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز والزهري والثوري وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وعطاء وعكرمة والاوزاعي ومالك، وقال الشعبي والنخعي وأبو حنيفة يقتل المسلم بالذمي ولا يقتل بالمستأمن، وهو المشهور عن أبى يوسف، وروى عن أبي يوسف أنه قال يقتل بالمتسأمن

стр. 2647

وقال أحمد، الشعبى والنخعي قالا: دية المجوسى واليهودى كدية المسلم وان قتله يقتل به، هذا عجب: يصير اليهودي مثل المسلم؟ سبحان الله! ماهذا القول؟ واسبشعه. ودليلنا على أصحاب الرأى ماروى أبو جحيفة قال، قلت لعلى رضى الله عنه يا أمير المؤمنين هل عندكم سوداء في بيضاء ليس في كتاب الله؟ قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما علمته، إلا فهما يعطيه الله رجالا للقرآن وما في هذه الصحيفة، قلت وما في هذه الصحيفة؟ قال فيها العقل وفكاك الاسير وألا يقتل مسلم بكافر. وَعَنْ ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ، لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده. ومعنى قوله لا يقتل ذون عهد في عهده. أي لا يجوز قتل أهل الذمة، ولانه مسلم قتل كافرا فلم يقتل به كالمستأمن. (فرع) وإن قتل الكافر كافرا ثم أسلم القاتل، أو جرح الكافر كافرا فمات المجروح وأسلم الجارح قتل به. وقال الاوزاعي لا يقتل به. ودليلنا ماروى البيهقى من حديث عبد الرحمن بن اليلمانى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قتل مسلما بمعاهد وقال أنا أكرم من وفي بذمته. وتأويله أنه قتله كافرا ثم أسلم، ولان القصاص حد والاعتبار بالحد حال الوجوب دون حال الاستيفاء، بدليل أنه لوزنى وهو بكر فلم يحد حتى أحصن، أو زنى وهو عبد فلم يحد حتى أعتق اعتبر حال الوجوب، وهذا كان مكافئا له حال الوجوب فلم يتغير بما طرأ بعده وإن جرح الكافر كافرا فأسلم الجارح ثم مات المجروح ففيه وجهان (أحدهما) لاقصاص عليه لانه قد أتت عليه حالة لو قتله فيها لم يجب عليه القصاص (والثانى) يجب عليه القصاص وهو المشهور اعتبارا بحالة الاصابة، كما لو مات المجروح ثم أسلم الجارح (مسألة) ان قتل حرا عبدا لم يقتل به، سواء كان عبده أو عبد غيره. وروى ذلك عن أبى بكر وعمر وعلى وزيد بن ثابت وابن الزبير، وبه قال مالك وأحمد، والنخعي يقتل به، سواء كان عبده أم عبد غيره.

стр. 2648

وقال أبو حنيفة، يقتل بعبد غيره ولا يقتل بعبد نفسه، فإن قتل حر كافر عبدا مسلما لم يقتل به، لان الحر لا يقتل بالعبد، وإن قتل عبد مسلم حرا كافرا لم يقتل به، لان المسلم لا يقتل بالكافر، وإن قتل عبد عبدا ثم أعتق القاتل وجرح عبد عبد فمات المجروح ثم أعتق الجارح قتل به لانه كان مساويا له حال الجناية، وإن أعتق الجارح ثم مات المجروح فهل يجب عليه القصاص؟ فيه وجهان كما قلنا في الكافر إذا جرح كافرا فأسلم الجارح ثم مات المجروح. وإن قتل ذمى عبدا ثم لحق الذمي بدار الحرب وأخذه المسلمون واسترقوه لم يقتل به، لانه كان حين وجوب القصاص حرا فلم يتغير حكمه. (فرع) وإن قطع مسلم يد ذمى ثم أسلم ثم مات فلا قصاص على المسلم وكذلك إذا قطع حر يد عبد ثم أعتق العبد ثم مات فلا قصاص على الحر، لان القصاص لما سقط في القطع سقط في سرايته، ولان القصاص - معتبرا بحال الجناية - هو غير كاف له، فلم يجب عليه القصاص كما قلنا في الكافر إذا قطع يد الكافر ثم مات المقطوع وأسلم القاطع، وإن قطع مسلم يد مرتد أو يد حربى ثم أسلم المقطوع ثم مات لم يجب على القطاع قود ولا دية، لانه لم يكن مضمونا حال الجناية. ومن أصحابنا من قال يجب فيه دية مسلم لانه مسلم حال استقرار الجناية، والاول أصح وإن رمى مسلم إلى ذمى سهما فأسلم ثم وقع به السهم فمات لم يجب به القود ووجب فيه دية مسلم، وفارق جزاء الصيد لانه مال. فاعتبر فيه حال الاصابة لانه حال الاستقرار والقود ليس بمال فاعتبر فيه حال الارسال. فإذا أوجبنا الدية في المرتد والحربي إذا اسلما قبل الاصابة وبعد الارسال، فإن أبا إسحاق المروزي قال لا تجب الدية في الحربى وتجب في المرتد، لان الحربى كان له رميه والمرتد ليس له قتله وإنما قتله إلى الامام. ومن أصحابنا من قال لادية فيهما، والاول هو المنصوص. وإن قطع مسلم يد مسلم ثم ارتد المجروح ثم أسلم ثم مات من الجراحة فهل يجب على الجارح القود؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال ينظر فيه فإن أقام في الردة زمانا تسرى فيه الجراحة لم تجب وعليه القود في النفس قولا واحدا لان

стр. 2649

الجناية في الاسلام توجب القصاص والسراية في حال الردة لا توجب القصاص وقد خرجت الروح منهما فلم يجب القصاص كما لو جرحه جراحة عمدا وجراحة خطأ ومات منهما وإن أقام في الردة زمانا لاتسرى فيه الجراحة فهل يجب عليه القصاص في النفس؟ فيه قولان: أحدهما: يجب القصاص لان الجناية والسراية في حال الاسلام وزمان الردة لا تأثير له. والثانى: لا يجب القصاص لانه كما لو طلق امرأته ثلاثا في مرض موته ثم ارتدت ثم مات فإنها لا ترثه. ومن أصحابنا من قال القولان في الحالين، لان الشافعي ﵀ قال في الام: لو قطع ذمى يد مستأمن فنقض العهد في عهد المستأمن ولحق بدار الحرب ثم عاد بأمان ثم سرت إلى نفسه، فهل على القاطع القود؟ فيه قولان، ونقض المستأمن العهدة كالردة للمسلم (مسألة) وإن قتل المرتد ذميا فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان: أحدهما: يجب عليه القود، وهو اختيار الشافعي والمزنى لانهما كافران فجرى القصاص بينهما كالذميين، ولان الذمي أحسن حالا من المرتد، لانه مقر على دينه والمرتد غير مقر على دينه، فعلى هذا يجب عليه القصاص سواء رجع إلى الاسلام أو لم يرجع، لان القصاص قد وجب عليه حال الجناية فلم يسقط بالاسلام كالذمي إذا جرح ثم أسلم الجارج ثم مات. (والثانى) لا يجب عليه القصاص، لانه شخص يجب في ماله الزكاة فلم يقتل بالذمي كالمسلم، فعلى هذا يجب عليه الدية، فإن رجع إلى الاسلام تعلقت الدية بذمته. وان مات أو قتل على الردة تعلقت بماله. وإن جرح المسلم ذميا ثم ارتد الجارح ثم مات المجروح لم يجب القصاص قولا واحدا، وان قتل الذمي مرتدا فهل يجب عليه القود؟ قال الخراسانيون من أصحابنا يبنى على القولين في المرتد إذا قتل الذمي. وقال البغداديون من أصحابنا فيه ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ ابن أبى هريرة - أنه يجب عليه القود، فإن عفا عنه أو كانت الجناية خطأ وجبت فيه الدية، لان قتله بالردة بالمسلمين، فإذا قتله غيرهم وجب عليه الضمان

стр. 2650

كما لو قتل رجل رجلا فقتله غير ولى الدم (والثانى) وهو قول أبى الطيب وأبى سعيد الاصطخرى أنه يجب عليه القود، فإن عفا عنه أو كانت الجناية خطأ لم يجب عليه الدية، لان القود إنما يجب عليه لاعتقاد الذمي أنه مثله وأنه مكافئ له ولا يجب عليه الديه، لانه لا قيمة لديته (والثالث) وهو قول أبى اسحاق - وهو الاصح - أنه لا يجب عليه القود ولا الدية، لان كل من لا يضمنه المسلم بقود ولادية لم يضمنه الذمي كالحربي. وإن قتل المرتد مرتدا فهل يجب عليه القصاص فيه وجهان حكاهما الصيمري، أحدهما يجب عليه القصاص لانه ربما يسلم القاتل (مسألة) إذا حبس السلطان مرتدا فأسلم وخلاه فقتله رجل قبل أن يعلم بإسلامه فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان (أحدهما) لا يجب عليه القود لانه لم يقصد قتل من يكافئه، فعلى هذا يجب عليه دية مسلم. (والثانى) يجب عليه القود، لان الظاهر من المرتد أنه لا يخلى من حبس السلطان وفي دار الاسلام إلا بعد إسلامه، وقال الطبري: وإن اسلم الذمي وقتله المسلم قبل أن يعلم بإسلامه أو أعتق العبد فقتله حر قبل أن يعلم بعتقه فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان كالتي قبلها. وأما الزانى المحصن إذا قتله رجل بغير إذن الامام ففيه وجهان: (أحدهما) أن عليه القود لان قتل المحصن إلى الامام، فإذا قتله غيره بغير إذنه وجب عليه القود كما لو قتل رجل رجلا فقتله غير ولى الدم (والثانى) لا يجب عليه القود - وهو المنصوص - لما روى أن رجلا قال " يارسول الله وجدت مع امرأتي رجلا أفأمهله حتى أقيم البينة؟ قال نعم " فدل على أنه إذا أقام البينة لا يمهله بل له أن يقتله وروى ابن المسيب أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله فأشكل فيه الامر على معاوية رضى الله عنه فكتب في ذلك إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ فسأله أن يسأل عليا رضى الله عنه عن ذلك فقال علي رضى الله عنه: ما هذا شئ وقع بأرضنا عزمت عليك إلا أخبرتني، فقال له: كتب إلى بذلك معاوية،

стр. 2651

فقال علي: أنا أبو الحسن لها، إن أقام البينة وإلا أعطى بزمته (والزمة الحبل الذي يربط به الرجل إذا قدم للقتل) ويروى العمرانى في البيان أن رجلا على عهد عمر رضى الله عنه خرج في غزوة وترك يهوديا في بيته يخدم أمراته فلما كان في بعض الليالى خرج رجل من المسلمين في سحر فسمع اليهودي يقول: وأشعث غره الاسلام من خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويمسى على حرد … الخ ما قال فدخل عليه رجل وقتله، فأخبر بذلك عمر رضى الله عنه فأهدر دم اليهودي ولم تثبت عندي هذه الواقعة لامور كثيرة، لانه في حاجة إلى إثبات إحصان اليهودي وإن أربعة شهود على الاقرار بالشعر إذا قلنا بصحة الشهادة على الاقرار وقلنا بصحة كونه شعرا، وقلنا بعدم الرجوع إلى الامام هل يصح، وسيأتى في الحدود، وأخيرا صحة إسناد الرواية قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يجب القصاص على الاب يقتل ولده، ولا على الام بقتل ولدها، لما روى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لايقاد الاب من أبيه " فإذا ثبت هذا في الاب ثبت في الام، لانها كالاب في الولادة، ولا يجب على الجد وان علا، ولا على الجدة وان علت بقتل ولد الولد وان سفل لمشاركتهم الاب والام في الولادة وأحكامها وإن ادعى رجلان نسب لقيط ثم قتلاه قبل أن يلحق نسبة بأحدهما لم يجب القصاص لان كل واحد منهما يجوز أن يكون هو الاب، وإن رجعا في الدعوى لم يقبل رجوعهما، لان النسب حق وجب عليهما، فلا يقبل رجوعهما فيه بعد الاقرار. وإن رجع أحدهما وجب عليه القصاص، لانه ثبت الابوة للآخر وانقطع نسبه من الراجع. وان اشترك رجلان في وطئ امرأة وأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما وقتلاه قبل أن يلحق بأحدهما لم يجب القصاص، وإن أنكر أحدهما النسب

стр. 2652

لم يقبل إنكاره ولم يجب عليه القصاص، لان بإنكاره لا ينقطع النسب عنه ولا يلحق بالآخر بخلاف المسألة قبلها، فإن هناك الحق النسب بالاخر وانقطع عن الراجع، وإن قتل زوجته وله منها ابن لم يجب عليه القصاص، لانه إذا لم يجب له عليه بجنايته عليه فلا يجب له عليه بجنايته على أمه، وإن كان له إبنان أحدهما منه والآخر من غيره لم يجب عليه القصاص، لان القصاص لا يتبعض، فإذا سقط نصيب إبنه سقط نصيب الآخر، كما لو وجب لرجلين على رجل قصاص فعفا أحدهما عن حقه، وإن اشترى المكاتب أباه وعنده عبد فقتل أبوه العبد لم يجز للمكاتب أن يقتص منه، لانه إذا لم يجب له القصاص عليه بجنايته عليه لم يجب بجنايته على عبده. (فصل) ويقتل الابن بالاب لانه إذا قتل بمن يساويه فلان يقتل بمن هو أفضل منه أولى، وإن جنى المكاتب على أبيه وهو في ملكه ففيه وجهان. (أحدهما) لايقتص منه، لان المولى لايقتص منه لعبده (والثانى) يقتص منه، واليه أو ما الشافعي ﵀ في بعض كتبه، لان المكاتب ثبت له حق الحرية بالكتابة، وأبوه ثبت له حق الحرية بالابن، ولهذا لا يملك بيعه فصار كالابن الحر إذا جنى على أبيه الحر (فصل) وإن قتل مسلم ذميا أو قتل حر عبدا أو قتل الاب ابنه في المحاربة ففيه قولان (أحدهما) لا يجب عليه القصاص لما ذكرناه من الاخبار، ولان من لا يقتل بغيره إذا قتله في غير المحاربة لم يقتل به إذا قتله في المحاربة كالمخطئ (والثانى) أنه يجب لان القتل في المحاربة تأكد لحق الله تعالى، حتى لا يجوز فيه عفو الولى، فلم يعتبر فيه التكافؤ كحد الزنا. (الشرح) حديث عمر بن الخطاب نازع في صحته ابن نافع وابن عبد الحكم وابن المنذور وقالوا - واللفظ لابن المنذر - قد رووا في هذه أخبارا قلت، والحديث أخرجه الترمذي في الديات عن أبى سعيد الاشج وابن ماجه في الديات عن أبى بكر بن أبى شيبة، كما أخرجه الترمذي فيه عن ابن بشار من حديث ابن عباس ولفظه لاتقام الحدود في المساجد ولا يقتل الوالد بالولد " وأخرجه

стр. 2653

ابن ماجه عن أبن عباس أيضا في الحدود عن هرون بن محمد بن بكار. وزعم ابن قدامة في المغنى (١) رواية النسائي له عن عمر ولم أجده هناك. وقد ذكر الحديثين (أعنى حديث عمر وحديث ابن عباس) ابن عبد البر وقال هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم يستغنى بشهرته عن الاسناد فيه، حتى يكون الاسناد في مثله مع شهرته تكلفا، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " أنت ومالك لابيك " وقضية هذه الاضافة تمليكه اياه، فإذا لم تثبت حقيقة الملكية بقيت الاضافة شبهة في درء القصاص لانه يدرأ بالشبهات، ولانه سبب ايجاده فلا ينبغى أن يتسلط بسببه على اعدامه. وما ذكرناه يخص العمومات ويفارق الاب سائر الناس أما الاحكام فقد قال الشافعي رضى الله عنه: ولا يقتل والد بولد لانه اجماع ولاحد من قبل أم ولا أب. وجملة ذلك أن الاب إذا قتل ولده لم يجب عليه القصاص، وبه قال عمر وابن عباس من الصحابة، ومن الفقهاء ربيعة والاوزاعي أبو حنيفة وأحمد واسحاق. وقال ابن نافع وابن عبد الحكم وابن المنذر: يقتل به لظاهر الكتاب والاخبار الموجبة للقصاص، ولانهما حران مسلمان من أهل القصاص فوجب أن يقتل كل واحد منهما بصاحبه كالاجنبيين وقال مالك: ان رماه بالسيف فقتله لم يقتل لانه قد يريد بذلك التأديب. وان أضجعه وذبحه قتل به. دليلنا ماروى عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " لايقاد والد بولده " ولان كل من لا يقتل به إذا رماه بالسيف لم يقتل به، وان أضجعه وذبحه كالمسلم إذا ذبح الكافر فإن قيل، ما معنى قول الشافعي لانه اجماع، ومالك يخالف. فله تأويلان أحدهما أنه أراد به اجماع الصحابة، لانه روى عن عمر وابن عباس ولا مخالف لهما في الصحابة، والثانى أنه أراد إذا رماه بالسيف فإنه اجماع، ولا تقتل الام

стр. 2654

ولا أحد من الجدات من قبل الام أو الاب، ولا أحد من الاجداد من قبل الاب والام بالولد وان سفل قال الطبري: وذكر صاحب التلخيص قولا آخر أن غير الاب من الامهات والاجداد يقتلون بالولد. قال أصحابنا ولا يعرف هذا للشافعي، ولعله قاس على رجوعهم في هبتهم له فإن فيه قولين عند الخراسانيين. والدليل عليه الحديث " لايقاد والد بولده والوالد يقع على الجميع، ولان ذلك حكم يتعلق باولادة فشاركوا فيه الاب كالعتق بالملك ووجوب النفقة (فرع) وإن ادعى رجلان نسب لقيط ولابنة لاحدهما عرض على القافة - فإن قتلاه قبل أن يلحق بأحدهما - لم يجب على أحدهما قود لان كل واحد منهما يجوز أن يكون أباه، فإن رجعا عن الاقرار بنسبه لم يسقط نسبه عن أحدهما، لان معنى من أقر بنسب احتمل صدقه لم يجز إسقاطه برجوعه، فإن رجع أحدهما وأقام الآخر بينة على دعواه انتفى نسبه عن الراجع ولحق بالاخر لان رجوع الراجع لا يسقط نسبه، ويسقط القصاص عن الذي لحق نسبه به، ويجب القصاص على الراجع، لانه شارك الاب، ولايكون القصاص للاب لانه قاتل، بل يكون لورثة القتيل، ويجب على الاب لهم نصف الدية وان تزوج رجل أمرأة في عدتها من غيره ووطئها جاهلا بالتحريم وأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما فقتلاه قبل أن يلحق بأحدهما لم يجب على أحدهما قود لجواز أن يكون كل واحد منهما أباه، فإن رجعا لم يقبل رجوعهما فإن رجع أحدهما وأقدم الاخر على الدعوى لم يسقط نسبه عن الراجع ولم يجب عليه القود، ويفارق التي قبلها لان الابوة هناك ثبتت بالاعتراف فقبل رجوعه مع إقامة الاخر على الدعوى، وهنها الابوة ثبتت بالفراش فلم تسقط بالرجوع (فرع) وان قتل رجل زوجته وله منها ابن لم يجب له على الاب القود، لانه إذا لم يقد به إذا قتله لم يجب عليه القود بالارث من أمه، وان كان لها ابنان أحدهما من زوجها القاتل لها والثانى من آخر لم يجب على الزوج القود، لان القود يكون مشتركا بين الاثنين، والابن لا يثبت له القود على أبيه، فإذا سقط حقه من القود سقط حق شريكه، كما لو ثبت القود على رجلين فعفى أحدهما

стр. 2655

(مسألة) قوله " ويقتل الابن بالاب إخ " فجملة ذلك أن الولد يقتل بالوالد لان الوالد أكمل منه فقتل به، كما يقتل الكافر بالمسلم والعبد بالحر والمرأة بالرجل وذلك كله إجماع، فإن كان هناك رجل له زوجة وهما متوارثان وبينهما إبنان فقتل أحد الاثنين أباهما عمدا ثم قتل الابن الاخر أمهما عمدا فإن القصاص يجب على قاتل الام ويسقط عن قاتل الاب، لانه لم قتل الابن الاب لم يرثه، وإنما ترث الزوجة الثمن وقاتل الام الباقي وملكا عليه القود، فلما قتل الابن الاخر الام لم يرثها وإنما يرثها قاتل الاب وقد كانت تملك عليه ثمن القود وانتقل ذلك إليه، فإذا ملك بعض ما عليه من القود سقط عنه القود لانه لا يتبعض فسقط الجميع، وكان القاتل الاب القود على قاتل الام، لانه لا وراث لها سواه، ولقاتل الام على قاتل الاب سبعة أثمان دية الاب، فإن عفا قاتل الاب عن قاتل الام وجب له عليه دية الام، وهل يسقط عن كل واحد منهما ما يساوى ماله على الاخر؟ على الاقوال الاربعة في المقاصصة. فإذا قلنا يسقط بقى على قاتل الاب ثلاثة أثمان دية الاب، فإذا قلنا لا يسقط أدى كل واحد منهما ما عليه للآخر، وان اقتضى قاتل الاب من قاتل الام، فان كان لقاتل الام ورثة غير قاتل الاب طالبوه بسبعة أثمان دية الاب، وإن لم يكن له وراث غيره فهل يرثه؟ فيه وجهان في القاتل بالقصاص هل يرث؟ الصحيح أنه لا يرثه، فأما إذا لم يرث الزوجة من الزوج - فان كانت بائنا منه أو كانت غير بائن منه إلا أن أحدهما جرح أباه وجرح الاخر أمه ثم خرجت روحاهما في حالة واحدة، فإن كل واحد من الاثنين لا يرث ممن قتله، ولكنه يرث الابن لاخر. واختلف أصحابنا هل يثبت القود في ذلك؟ فقال أكثرهما يجب لكل واحد منهما القود على أخيه، لان كل واحد منهما ورث من قتله أخوة فوجب له على أخيه القود، فعلى هذا إن كان قاتل الاب قتله أولا أقتص منه قاتل الام، فان كان لقاتل الاب وراث غير قاتل الام اقتص من قاتل الام، وإن لم يكن له وارث غير قاتل الام، فان قلنا ان القتل بالقصاص لايمنع الميراث - ورث القود على نفسه وسقط. وإن قلنا وإن القتل بالقصاص يمنع الميراث انتقل القصاص إلى من بعده من العصبات، فإن لم تكن عصبة كان القصاص إلى الامام، وإن قتلاهما

стр. 2656

حالة واحدة أو جرحاهما وخرجت روحهما في حالة واحدة ثبت لكل واحد منهما القصاص على صاحبه ولا يقدم أحدهما على الاخر بل إن تشاحا في البادئ منهما أقرع بينهما. فإذا خرجت القرعة لاحدهما فاقتص، أو بادر أحدهما فقتل الاخر من غير قرعة فقد استوفى حقه ولوارث المقتول أن يقتل الابن المقتص، وان كان المقتص من ورثته فهل يرثه، على الوجهين، الصحيح لا يرثه. وقال ابن اللبان: القصاص لا يثبت ههنا لانه لاسبيل إلى أن يستوفى كل واحد منهما القصاص من صاحبه، فلو بدأ أحدهما فاقتص من أخيه بطل حق المقتص منه من القصاص، لان حقه ينتقل إلى وارثه ان شاء قتل وان شاء ترك. وأما القرعة فلا تستعمل في إثبات القصاص، فعلى هذا يكون على قاتل الاب دية الام لقاتل الاب قال ابن اللبان: فان مات أحد القاتلين قبل أن يتحاكما كان لورثة الميت أن يقتلوا الاخر، ويرجع الاخر أو وارثه في تركة الميت بدية الذي قتله الميت من الابوين، ولايقال إن القصاص سقط ثم وجب لانه لم يثبت لا لانه لم يجب ولكن لم يثبت لتعذر الاستيفاء، وإذا أمكن الاستيفاء ثبت والاول هو المشهور بقى أن تعرف أن الشريعة السمحة جعلت لولى الدم الحق في استيفاء حقه أو العفو عن القصاص اكتفاء بالدية أو العفو عنهما، وما جر إلى انتشار جرائم الثأر في ديارنا المصرية لاسيما في الصعيد الا إغفال القوانين الوضعية هذا الجانب الاصلى في استقرار الامن في البلاد، فان ركون المرء إلى من يتولى الحكم في قضيته بما أنزل الله يجعله قابلا كل حكم يصدر، وقد ينشر التسامح والعفو بينهم (فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) ومن ثم تتلاشئ أسباب الغمر والسخائم والاحقاد التي تنمو بنمو الثأر. وقد نبه على هذا المستشار أحمد موافى النائب العام الاسبق وفي كتابه بحث مقارن بين الشريعة والقوانين الوضعية ولا شك أن مراعاة شعور ولي الدم له أثره في امتصاص غضبه وتهدئة ثائرته. وحرص الشرع على ألا يهدر دم في الاسلام يطفئ الاحن بين الناس ويحسم ما بينهم من نزاع وأضغان (ومن أصدق من الله حكما لقوم يوقنون) (فرع) إذا كان هناك أربعة أخوة يرث بعضهم بعضا فقتل الكبير الذي يليه

стр. 2657

وقتل الثالث الصغير، وجب القصاص على الثالث وعلى الكبير نصف الدية لان الكبير لما قتل الثاني وجب عليه القصاص للثالث والرابع، فلما قتل الثالث الرابع وجب القاصص على الثالث للكبير وسقط القصاص على الكبير لانه وارث بعض دم نفسه عن الرابع فسقط عنه القصاص ووجب عليه للثالث نصف دية الثاني. وإن قتل رجل ابن أخيه وورث المقتول أبوه ثم مات أبو المقتول ولم يخلف وارثا غير القاتل فإنه يرثه ويسقط عنه القصاص لانه ملك جميع ما ملكه أبو المقتول فكأنه ملك دم نفسه فسقط عنه القصاص قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وتقتل الجماعة باواحد إذا اشتركوا في قتله، وهو أن يجنى كل واحد منهم جناية لو انفرد بها ومات أضيف القتل إليه ووجب القصاص عليه، والدليل عليه ماروى سعيد بن المسيب " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قتل سبعة أنفس من أهل صنعاء قتلوا رجلا، وقال لو تمالا فيه أهل صنعاء لقتلتهم " ولانا لو لم نوجب القصاص عليهم جعل الاشتراك طريقا إلى إسقاط القصاص وسفك الدماء. فإن اشترك جماعة في القتل وجناية بعضهم عمدا وجناية البعض خطأ لم يجب القصاص على واحد منهم لانه لم يتمحض قتل العمد فلم يجب القصاص وإن اشترك الاب والاجنبى في قتل الابن وجب القصاص على الأجنبي، لان مشاركة الاب لم تغير صفة العمد في القتل فلم يسقط القود عن شريكه. كمشاركة غير الاب وإن اشترك صبي وبالغ في القتل - فإن قلنا إن عمد الصبى خطأ - لم يجب القصاص على البالغ لان شريكه مخطئ. وإن قلنا إن عمده عمد وجب، لان شريكه عامد فهو كشريك الاب وإن جرح رجل نفسه وجرحه آخر أو جرحه سبع وجرحه آخر ومات. ففيه قولان: (أحدهما) يجب القصاص على الجارح لانه شاركه في القتل عامدا فوجب

стр. 2658

عليه القصاص كشريك الاب (والثانى) لا يجب لانه إذا لم يجب على شريك المخطئ وجنايته مضمونة فلان لا يجب على شريك الجارح نفسه السبع وجنايتهما غير مضمونة أولى. وإن جرحه رجل جراحة وجرحه آخر مائة جراحة وجب القصاص عليهما، لان الجرح له سراية في البدن وقد يموت من جرح واحد ولا يموت من جراحات لم تمكن إضافة القتل إلى واحد بعينه ولا يمكن إسقاط القصاص فوجب على الجميع. وإن قطع أحدهما يده وحز الاخر رقبته أو قطع حلقومه ومرئيه أو شق بطنه فأخرج حشوته، فالاول قاطع يجب عليه ما يجب على القاطع والثانى قاتل لان الثاني قطع سراية القطع فصار كما لو اندمل الجرح ثم قتله الاخر. وان قطع أحدهما حلقومه مريئه أو شق بطنه وأخرج حشوته ثم حز الاخر رقبته فالقاتل هو الاول لانه لا تبقى بعد جنايته حياة مستقرة وانما يتحرك حركة مذبوح ولهذا يسقط كلامه في الاقرار والوصيه والاسلام والتوبة. وان أجافه جائفة يتحقق الموت منها الا أن الحياة فيه مستقرة ثم قتله الاخر كان القاتل هو الثاني، لان حكم الحياة باق. ولهذا أوصى عمر رضى الله عنه بعد ما سقى اللبن وخرج من الجرح ووقع الاياس منه فعمل وصيته فجرى مجرى المريض المأيوس منه إذا قتل وإن جرحه رجل فداوى جرحه بسم غير موح الا أنه يقتل في الغالب، أو خاط جرحه في لحم حى أو خاف التآكل فقطعه فمات ففى وجوب القتل على الجاني طَرِيقَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ، أحدهما يجب عليه القتل. والثانى لا يجب لانه شاركه في القتل من لا ضمان عليه فكان في قتله قولان، كالجارح إذا شاركه المجروح أو السبع في الجرح ومنهم من قال لا يجب عليه القتل قولا واحدا لان المجروح ههنا لم يقصد الجناية وانما قصد المداواة فكان فعله عمد خطأ فلم يجب القتل على شريكه والمجروح هناك والسبع وقصدا الجناية فوجب القتل على شريكهما، وان كان على رأس مولى عليه سلعة فقطعها وليه أو جرحه رجل فداواه الولى بسم غير موح أو خاط جرحه في لحم حى ومات ففيه قولان، أحدهما يجب على الولى القصاص لانه جرح جرحا مخوفا فوجب عليه القصاص كما وفعله غير الولى والثانى لا قصاص عليه لانه لم يقصد الجناية وانما قصد المداواة وله في نظر مداواته فلم يجب عليه القصاص، فإن قلنا يجب عليه القصاص

стр. 2659

وجب على الجارح لانهما شريكان في القتل، وان قلنا لا قصاص عليه لم يجب على الجارح لانه شارك من فعله عمد خطأ (الشرح) في هذا الفصل لغات، فقوله حشوته هي يقال حشوة بالكسر والضم. وحلقومه مجرى النفس، وهو القصبة والمرئ مدخل الطعام والشراب وقوله " غير موح " أي غير مسرع، والوحا السرعة ; وقوله عليه سلعة، فالسلعة بالكسر زيادة في البدن كالجوزة وتكون في مقدار حمصة إلى بطيخة، والسلعة بالفتح الجراحة، والجائفة الطعنة التي تبلغ الجوف، وجافه الدواء فهو مجوف إذا دخل جوفه، وفي الحديث في الجائفة ثلث الدية " أما الاحكام فإن الجماعة تقتل باواحد، وهو أن يجنى عليه كل واحد منهم جناية لو انفرد بها مات منها وجب عليه القصاص، وبه قال من الصحابة عمر وعلى وابن عباس والمغيرة بن شعبة. ومن التابعين ابن المسيب وعطاء والحسن وأبو سلمة. ومن الفقهاء الاوزاعي والثوري ومالك وأحمد وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور. وقال محمد بن الحسن ليس هذا بقياس إنما صرنا إليه من طريق الاثر والسنة. وقال ابن الزبير ومعاذ بن جبل والزهرى وابن سيرين: لا يقتل الجماعة بالواحد بل للولى أن يختار واحدا منهم فيقتله ويأخذ من الباقين حصتهم من الدية وقال ربيعة وداود: يسقط القصاص، وبه قال حبيب بن أبى ثابت وعبد الملك وابن المنذر، وحكاه ابن أبى موسى عن ابن عباس ووجه قول ابن الزبير ومن قال مثله أن كل واحد منهم مكافئ له فلا تستوفى أبدال بمدل واحد كما لا تجب ديات لمقتول واحد، ولان الله تعالى قال (الحر بالحر) وقال (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) فمقتضاه أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة، ولان التفاوت في الاوصاف يمنع، بدليل أن الحر لا يؤخذ بالعبد، والتفاوت في العدد أولى. قال ابن المنذر: لاحجة مع من أوجب قتل جماعة بواحد. دليلنا قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) فأوجب القصاص لاستيفاء الحياة، وذلك أنه متى علم الانسان أنه إذا قتل غيره قتل به لم يقدم على القتل، فلو قلنا لا تقتل الجماعة بالواحد لكان الاشتراك يسقط القصاص، وسقط هذا

стр. 2660

المعنى. وقوله تعالى (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) والسلطان القصاص، ولم يفرق بين أن يقتله واحد أو جماعة. وَرُوِيَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " ثم أنتم يا خزاعة قد قلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية " وقد أخرج مالك في الموطأ أن عمر رضى الله عنه قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا، وقال لو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا " وموضع الدليل " فمن " ومن يستغرق الجماعة والواحد (فرع) وإن اشترك اثنان في قتل رجل وأحدهما يجب عليه القود، ولو انفرد دون الآخر نظرت - فإن كان سقوط القود عن أحدهما لمعنى في فعله، مثل أن كان أحدهما مخطئا والآخر عامدا - لم يجب القصاص على واحد منهما، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ. وَقَالَ مَالِكٌ يجب القصاص على العامد منهما. دليلنا أن الروح لم يخرج عن عمد الاثنين فلم يجب عليه القصاص، كما لو جرحه خطأ فمات منه. وان شارك الصبى والمجنون - وهما عامدان - في الجناية بنى ذلك على عمدها، وفيه قولان أحدهما أن عمدهما في حكم الخطأ، وبه قال مالك وأبو حنيفة لقوله ﷺ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يحتلم، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يفيق " فأخبر أن القلم مرفوع عنهما فدل على أن عمدهما في حكم الخطأ، ولان عمدهما لو كان في حكم العمد لوجب عليهما القصاص، فعلى هذا لا يجب على من شاركهما في الجناية، وانما سقط القصاص عنهما لمعنى في أنفسهما كشريك الاب، ولان الصبى لو أكل في الصوم عامدا لبطل صومه، فلو أن لعمده حكما لما بطل صومه. هكذا ذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ. وقال المسعودي: المجنون الذي لا يميز، والطفل الذي لا يعقل مثله عمدهما خطأ قولا واحدا، فلا يجب على شريكهما القصاص، وان شارك من لا ضمان عليه مثل أن جرح نفسه وجرح نفسه وجرحه، آخر أو جرحه سبع وجرحه آخر أو قطعت يده بقصاص أو سرقة وجرحه آخر ومات فهل يجب القصاص على الشريك الذي عليه الضمان؟ فيه قولان (أحدهما) يجب على القصاص،

стр. 2661

لانه شارك في القتل عامدا فوجب عليه القصاص كشريك الاب (والثانى) لا يجب عليه القصاص إذا شارك من لا ضمان عليه أولا (فرع) وإن جرحه رجل جراحة يقتل منها عامدا فداوى نفسه بسم فمات نظرت - فإن كان سما موحيا يقتل في الحال لم يجب على الجارح قصاص في النفس لانه قطع سراية جرحه بالسم، فصار كما لو جرحه رجل ثم ذبح نفسه وإن كان السم قد يقتل وقد لا يقتل، والغالب أنه لا يقتل لم يجب على الجارح قصاص في النفس لانه مات من فعلين، وأحدهما عمد خطأ، فهو كما لو شارك العامد مخطئا، وإن كان السم قد يقتل وقد لا يقتل والغالب أنه يقتل بأن وضع سيانيد البوتاسيوم على الجرح فهل يجب القصاص على الجارح في النفس؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال فيه قولان، لانه شارك قاصدا إلى الجناية ولا يجب عليه الضمان، فهو كما لو جرح نفسه وجرحه آخر، أو جرحه سبع وجرحه آخر، ومنهم من قال لا يجب عليه القصاص قولا واحدا، لانه لم يقصد الجناية على نفسه وإنما قصد المداواة فصار فعله عمد خطأ بخلاف شريك السبع وشريك من جرح نفسه وأنهما قصدا الجناية (فرع) وان جرحه رجل فخيط جرحه فمات نظرت - فإن خيط في لحم ميت كاللحم إذا قطعه السيف فإن القود يجب على الجارح لانه لاسراية للخياطة في اللحم الميت، وان خيط في اللحم الحى نظرت - فإن خاطه المجروح بنفسه أو خاطه غيره بأمره - فهل يجب القود على الجارح في النفس؟ فيه طريقان كما قلنا فيه إذا داوى جرحه بسم قد يقتل وقد لا يقتل، إلا أنه يقتل في الغالب، وان خاطه أجنبي بغير اذنه أو أكرهه على ذلك وجب القود على الجارح والذي خاط الجراحة لانهما قاتلان، وان خاطه السلطان وأكرهه على ذلك، فإن كان لا ولاية له عليه كان كغيره من الرعية فيجب عليه القود في النفس مع الجارح وان كان له على المجروح ولاية بأن كان صغيرا أو مجنونا أو خاطها الولى عليه غير السلطان أو كان على المولى عليه سلعة فقطعها وليه فمات، فهل يجب عليه القود فيه قولان: (أحدهما) يجب عليه القود لانه جرح جرحا مخوفا فوجب عليه القود،

стр. 2662

فعلى هذا يجب على شريكه وهو الجارح القود (والثانى) لا يجب عليه القود لانه لم يقصد الجناية وانما قصد المداواة فصار فعله عمد خطأ، فعلى هذا لا يجب عليه أو على شريكه القود في النفس. ويجب على كل واحد منهما نصف ديته مغلظة وهل يكون ما وجب على الامام من ذلك في ماله أو في بيت المال؟ فيه قولان يأتي بيانهما إن شاء الله تعالى (فرع) وإن جرح رجل رجلا جرحا وجرحه آخر مائة جرح ثم مات فهما شريكان في القتل، فيجب عليهما القود، لانه يجوز أن يموت من الجرح الواحد كما يجوز أن يموت من المائة، وإذا تساوى الجميع في الجواز فالظاهر أنه مات من الجميع فصارا قاتلين فيجب عليهما القود وان عفا عنهما وجبت الدية عليهما نصفين ولا تقسط الدية على عدد الجراحات كما قلنا في الجلاد إذا زاد جلده على ما أمر به في أحد القولين، لان الاسواط متماثلة والجراحات لها مور في البدن أي قطع. وقد يجوز الواحدة منهما هي القاتلة وحدها دون غيرها، وان أجافه رجل جائفة وجرحه آخر جراحة غير جائفة ثم مات منهما فهما سواء، وكون احداهما أعمق من الاخرى لايمنع من تساويهما كما لايمنع زيادة جراحات أحدهما في العدد التساوى بينهما (فرع) إذا قطع رجل حلقوم رجل أو ضربه ثم جاء آخر فقطعه نصفين أو خرق بطنه وقطع أمعاءه وأبانها معه ثم جاء آخر فذبحه فالاول قاتل يجب عليه القود ولا يجب على الثاني الا التعزيز، لان بعد جناية الاول لا يبقى فيه حياة مستقرة، وانما يتحرك كما يتحرك المذبوح، ولانه قد صار في حكم الموتى بدليل أنه لا يصح اسلامه ولا توتبه، ولا يصح بيعه ولاشراؤه ولا وصيته ولا يرث وان جنى لم يجب عليه شئ فصار كما لو جنى على ميت وان قطع الاول يده أو رجله ثم حز الاخر رقتبه أو اجافه الاول ثم قطع الثاني رقبته فالاول جارح يجب عليه ما يجب على الجارح والثانى قاتل، لان بعد جناية الاول فيه حياة مستقرة، لانه قد يعيش اليوم واليومين وقد لا يموت من هذه الجناية، بدليل أنه يصح اسلامه وتوبته وبيعه وشراؤه ووصيته:

стр. 2663

ولهذا لما طعن أبو لؤلوة المجوسى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي بطنه فجاءه الطبيب وسقاه لبنا فخرج اللبن من بطنه، فقال له اعهد إلى الناس، فعهد عمر رضى الله عنه ثم مات فعملت الصحابة رضوان الله عليهم بعهده فصار كالصحيح، والله تعالى أعلم بالصواب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (بَابُ مَا يجب به القصاص من الجنايات) إذا جرحه بما يقطع الجلد واللحم كالسيف والسكين والسنان، أو بما حدد من الخشب والحجر والزجاج وغيرها أو بما له مور وبعد غور كالمسلة والنشاب وما حدد من الخشب والقصب ومات منه وجب عليه القود، لانه قتله بما يقتل غالبا، وإن غرز فيه إبرة - فإن كان في مقتل كالصدر والخاصرة والعين وأصول الاذن فمات منه - وجب عليه القود، لان الاصابة بها في المقتل، كالاصابة بالسكين والمسلة في الخوف عليه، وإن كان في غير مقتل كالالية والفخذ نظرت - فإن بقى منه ضمنا إلى أن مات - وجب عليه القود، لان الظاهر أنه مات منه وان مات في الحال فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أنه يجب عليه القود لان له غورا وسراية في البدن. وفي البدن مقاتل خفية (والثانى) وهو قول أبى العباس وأبى سعيد الاصطخرى أنه لا يجب لانه لا يقتل في الغالب فلا بجب به القود، كما لو ضربه بمثقل صغير، ولان في المثقل فرقا بين الصغير والكبير، فكذلك في المحدد (الشرح) اللغات: المور الموج والاضطراب والجريان، ومار الدم يمور مورا جرى، وأماره أساله، ومار السنان في المطعون إذا قطعه ودخل فيه. قال الشاعر: وأنتم أناس تغمضون من القنا إذا مار في أكتافكم وتأطرا ويقولون: فلان لا يدرى ما سائر من مائر، فالمائر السيف القاطع الذي يمور

стр. 2664

في الضربية مورا، والسائر بيت الشعر المروى المشهور. أما الغور فهو قعر كل شئ وقوله " ضمنا " هو الذي به الزمانة في جسده من بلاء أو كسر أو غيره. أما الاحكام فإنه إذا جرح رجل رجلا بما يجرح بحده كالسيف والسكين أو بما حده من الرصاص والقصب والذهب والخشب أو بالليطة وهي القصبة المشقوقة أو بما له مور في البدن كالسنان والسهم والمغراز الذي يثقب به الاسكافي النعل والمسلة - وهي المخيط - فمات منها - وجب على الجارح القود، سواء كان الجراح صغيرا أو كبيرا أو سواء مات في الحال أو بقى متألما إلى أن مات، وسواء كان في مقتل أو في غير مقتل، لان جميع ذلك يشق اللحم ويبضعه ويقتل غالبا وأما إذا غرز فيه إبرة فمات نظرت - فإن غرزها في مقتل مثل أصول الاذنين والعين والقلب والانثيين وجب عليه القود لانها تقتل غالبا إذا غرزت في هذه المواضع، وان غرزت في غير مقتل كالالية والفخذ، قال ابن الصباغ فإن بالغ في ادخلها فيها وجب عليه القود، وان لم يبالغ في ادخلها بل غرزها فاختلف أصحابنا فيه فقال الشيخان أبو حامد الاسفرايينى وأبو إسحاق المروزى: ان بقى من ذلك متألما إلى أن مات فعليه القود، لان الظاهر أنه مات منه وان مات في الحال ففيه وجهان. قال أبو إسحاق يجب عليه القود لان الشافعي ﵀ قال سواء صغر الجرح أو كبر فمات المجروح فإن القود يجب فيه. ولانه جرحه بحديدة لها مورة في البدن فوجب فيها القود كالمسلة وقال أبو العباس بن سريج وأبو سعيد الاصطخرى: لا يجب به القود لان الغالب أن الانسان لا يموت من غرز أبرة، فإذا مات علمنا أن موته وافق غرزها فهو كما لو رماه ببعرة أو ثوب فمات، كالذي يموت بالسكتة القلبية في اللحظة التي يضربه آخر بعصا لا يموت من مثلها، وقد دخل علم الطب الشرعي والتشريح الدارس لاسباب الجناية في مثل الحالات فحدد أسباب الوفاة بطريق قطعية أو شبيهة بالقطعية هي أقرب الوسائل للوصول إلى ما هو الحق، إذا تولى ذلك اثنان من الاطباء الشرعيين الثقات العدول، لانا نقول فيهما ما سبق أن قلناه في القافة في اتفاقهما واختلافهما وتطابقهما وتناقضهما

стр. 2665

واعترض ابن الصباغ على هذا فقال لا وجه لهذا التفصيل عندي، لانه إذا كانت العلة لا تقتل غالبا فلا وصل بين أن يبقى ضمنا منه أو يموت في الحال، فإن قيل لانه إذا لم يزل ضمنا منه فقد مات منه، وإذا مات في الحال فلا يعلم أنه مات منه، قال فكان ينبغى أن يكون الوجهان في وجوب الضمان دون القود " فيراعى في الفعل أن يكون بحيث يقتل في الغالب، ألا ترى أن الناس يحتجمون ويقتصدون؟ أفترى ذلك يقتل في الغالب وهم يقدمون عليه؟ وقال المسعودي: هل يجب عليه القود؟ فيه وجهان من غير تفصيل قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان ضربه بمثقل نظرت فإن كان كبيرا من حديد أو خشب أو حجر فمات منه وجب عليه القود لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر، فقتله رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حجرين، ولانه يقتل غالبا فول لم يجب فيه القود جعل طريقا إلى اسقاط القصاص وسفك الدماء. وان قتله بمثقل صغير لا يقتل مثله كالحصاة والقلم فمات لم يجب القود ولا الدية، لانا نعلم أنه لم يمت من ذلك، وان كان بمثقل قد يموت منه وقد لا يموت كالعصا. فإن كان في مقتل وفي مريض أو في صغيرا أو في حر شديد أو في برد شديد أو والى عليه الضرب فمات وجب عليه القود، لان ذلك يقتل غالبا فوجب القود فيه. وان رماه من شاهق أو رمى عليه حائطا فمات وجب القود فيه، لان ذلك يقتل في الغالب، وان خنقه خنقا شديدا أو عصر خصيتيه عصرا شديدا أو غمه بمخدة أو وضع يده على فيه ومنعه التنفس إلى أن مات وجب القود لان ذلك يقتل في الغالب، وان خنقه ثم خلاه وبقى منه متألما إلى أن مات وجب القود، لانه مات من سراية جنايته، فهو كما لو جرحه وتألم منه إلى أن مات، وان تنفس وصح ثم مات لم يجب القود، لان الظاهر أنه لم يمت منه فلم يجب القود، كما لو جرحه واندمل الجرح ثم مات (فصل) وان طرحه في نار أو ماء ولا يمكنه التخلص منه لكثرة الماء
следующие страницы →