← Фикх шафии

Фикх шафии · id 1026

تكملة المطيعي على المجموع شرح المهذب - ط السلفية

محمد نجيب المطيعي

Полный текст (3 572 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وقال فيمن قطع أصبح رجل فتأكل كفه إنه لا قصاص في الكف، فنقل أبو إسحاق قوله في الكف إلى العين ولم ينقل قوله في العين إلى الكف فقال في ضوء العين قولان (أحدهما) لا يجب فيه القصاص لانه سراية فيما دون النفس فلم يجب فيه القصاص كما لو قطع أصبعه فتأكل الكف (والثانى) يجب لانه لا يمكن إتلافه بالمباشرة فوجب القصاص فيه بالسراية كالنفس ومن أصحابنا من حمل المسئلتين على ظاهرها فقال يجب القصاص في الضوء قولا واحدا ولا يجب في الكف، لان الكف يمكن إتلافه بالمباشرة فلم يجب القصاص فيه بالسراية بخلاف الضوء. (فصل) ويؤخذ الجفن بالجفن لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولانه يمكن القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل فوجب فيه القصاص ويوخذ جفن البصير بجفن الضرير وجفن الضرير يجفن البصير لانهما متساويان في السلامة من النقص وعدم البصر نقص في غيره. (فصل) ويؤخذ الانف بالانف لقوله تعالى " والانف بالانف " ولا يجب القصاص فيه إلا في المارن لانه يتنهى إلى مفصل، ويؤخذ الشام بالاخشم، والاخشم بالشام لانهما متساويان في السلامة من النقص، وعدم الشم نقص في غيره، ويوخذ البعض بالبعض، وهو أن يقدر ما قطعه بالجزء كالنصف والثلث ثم يقتض بالنصف والثلث من مارن الجاني، ولا يؤخذ قدره بالمساحة لانه قد يكون أنف الجاني صغيرا وأنف المجني عليه كبيرا، فإذا اعتبرت المماثلة بالمساحة قطعنا جميع المارن بالبعض، وهذا لا يجوز. ويؤخذ المنخر بالمنخر والحاجز بين المنخرين بالحاجز، لانه يمكن القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل، ولا يؤخذ مارن صحيح بمارن سقط بعضه بجذام أو انخرام لانه يأخذ أكثر من حقه، فإن قطع من سقط بعض مارته مارفا صحيحا فللمجنى عليه أن يأخذ الموجود وينتقل في الباقي إلى البدل لانه وجد بعض حقه وعدم البعض، فأخذ الموجود وانتقل في الباقي إلى البدل وان قطع الانف من أصله اقتص من المارن لانه داخل في الجناية يمكن القصاص فيه، وينتقل في الباقي إلى الحكومة لانه لا يمكن القصاص فيه فانتقل فيه إلى البدل

стр. 2697

(الشرح) قوله " بقائمة " وهي التي بياضها وسوادها صحيحان غير أن صاحبها لا يبصر ولعلها الواقفة، من قولهم. قام زيد إذا وقف وقوله " المارن " أي ما لان من الانف وموصل إلى القضيب، والاخشم من الخشم، أي أصيب بداء في أنفه منعه الشم أما الاحكام فإن الاطراف يجب فيها القصاص في كل ما ينتهى منها إلى مفصل فتؤخذ العين بالعين لقوله تعالى (والعين بالعين) الآية. ولانها تنتهى إلى مفصل إذا ثبت هذا فإنه تؤخذ العين الصحيحة بالعين الصحيحة والقائمة بالقائمة، وهى التي ذهب ضوؤها وبقيت حدقتها - وهي التي انفصلت شبكتيها - وهو الطبقة المبطنة لكرة العين من أسفل أو التي انفصل أو ضمر العصب البصري لها وهو الذي يتلقى المرئيات من الشبكية لنقلها إلى المخ، أو المياه الزرقاء التي تتكون في العدسة الداخلية للعين، أو ما شابه ذلك مما لا يظهر على شكل العين فتبدو كأنها مبصرة وليس فيها ابصار، فإنه لا تؤخذ صحيحة بقائمة، وهي التي وصفناها طبقا لعلم التشريح البصري ان شاء الله، وذلك لانه يأخذ أكثر من حقه، ويجوز أن يأخذ القائمة بالصحيحة لانه يأخذ أقل من حقه باختياره (فرع) إذا أوضح رأسه فذهب ضوء العين، أي انفصلت الشبيكة أو نهتك عصب الابصار، فالمنصوص أنه يجب القصاص في الضوء. وقال الشافعي رضى الله عنه فيمن قطع أصبع رجل فتأكل الكف وسقط انه لا يجب عليه القصاص في الكف. واختلف أصحابنا في ضوء العين، فنقل أبو إسحاق جوابه في الكف إلى العين، وجعل في ضوء العين قولين (أحدهما) أنه لا يجب فيه القصاص لانه سراية فيما دون النفس فلم يجب فيه القصاص كالكف. (والثانى) يجب فيه القصاص بالسراية كالنفس، وقال أكثر أصحابنا لا يجب القصاص في الكف بالسراية قولا واحدا، والفرق بينهما أن الكف يمكن اتلافه بالمباشرة فلم يجب فيه القصاص بالسراية، والضوء لا يمكن إتلافه بالمباشرة بالجناية، وانما يتلف بالجناية على غيره فوجب القصاص فيه بالسراية كالنفس. (فرع) قال المصنف ويؤخذ الجفن بالجفن لقوله تعالى " والجروح قصاص "

стр. 2698

وهذا صحيح لانه ينتهى إلى مفصل فيوخذ جفن البصير بجفن الضرير وجفن الضرير بجفن البصير لانهما متساويان في السلامة، وعدم البصر نقص في غيره (مسألة) قوله تعالى " والعين بالعين والانف بالانف " قرأ نافع وعاصم والاعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطب، ويجوز تخفيف (أن) ورفع الكل بالابتداء والعطف، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح، وكان الكسائي وأبو عبيد يقرءان " والعين بالعين " وهكذا بالرفع فيها كلها. قال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن هرون عن عباد بن كثير عن عقيل عن الزهري عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص " والرفع من ثلاث جهات بالابتداء والخبر وعلى معنى على موضع " أن النفس " لان المعنى قلنا لهم " النفس بالنفس " والوجه الثالث قاله الزجاج يكون عطفا على المضمر في النفس، لان الضمير في النفس في موضع رفع لان التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس، فالاسماء معطوفة على هي. قال ابن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام حكم في المسلمين، وهذا أصح القولين عند القرطبى في جامعه، وذلك أنها قراءة رسول الله ﷺ والخطاب للمسلمين أمروا بهذا. ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستناف بها، كأن المسلمين أمروا بهذا خاصة، وما قبله لم يواجهوا به إذا ثبت هذا فإن الانف الكبير يؤخذ بالصغير والغليظ بالرقيق والاقنى بالافطس لان الاطراف يجب القصاص فيها وان اختلفت بالصغر والكبر. ولا يجب القصاص في المارن وهو اللبن. وأما القصبة فلا يجب فيها القصاص لانها عظم، ويؤخذ أنف الشام بأنف الاخشم وأنف الاخشم بأنف الشام، لان الخشم ليس بنقص في الانف، وإنما هو لعلة في الدماغ والانفان يتساويان في السلامة، ويؤخذ الانف الصحيح بالانف المجذوم ما لم يسقط بالجذام شئ منه، لان الطرف الصحيح يؤخذ

стр. 2699

بالطرف العليل، فإن سقط من الانف شئ لم يؤخذ به الصحيح لانه يأخذ أكثر من حقه، فإن قطع من سقط بعض مارنه مارنا صحيحا قطع جميع ما بقى من مارن الجاني وأخذ منه من الدية بقدر ماكان ذهب من مارنه، فإن قطع بعض مارن غيره نظركم القدر التي قطع - فإن كان نصف المارن أو ثلثه أو ربعه أقتص من مارنه نصفه أو ثلثه أو ربعه، ولا يقدر بالمساحة بالطول والعرض كما قلنا في الموضحة، لانه قد يكون أنف الجاني صغيرا وأنف المجني عليه كبيرا، فلو قلنا يقطع من أنف الجاني قدر ما قطع من أنف المجني عليه بالمساحة طولا وعرضا لم يأمن أن يقطع جميع أنفه ببعض أنف المجني عليه، ويؤخذ المتحد بالمتحد، والحاجز بينهما بالحاجز، فإى قطع المارن والقصبة اقتص من المارن وأخذ الحكومة في القصبة لانه لا يمكن القصاص فيها قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وتؤخذ الاذن بالاذن لقوله " والاذن بالاذن " ولانه يمكن استيقاء القصاص فيه لانتهائه إلى حد فاصل، وتؤخذ أذن السميع بأذن الاصم، وأذن الاصم بأذن السميع، لانهما متساويان في السلامة من النقص، وعدم السمع نقص في غيره. ويؤخذ الصحيح بالمثقوب، والمثقوب بالصحيح، لان الثقب ليس بنقص، وإنما تثقب للزينة، ويؤخذ البعض بالبعض على ما ذكرناه في الانف، ولا يؤخذ صحيح بمخزوم، لانه يأخذ أكثر من حقه، ويؤخذ المخزوم بالصحيح، ويؤخذ معه من الدية بقدر ما سقط منه لما ذكرناه في الانف. وهل يؤخذ غير المستحشف بالمستحشف؟ فيه قولان (أحدهما) أنه لا يؤخذ كما لا تؤخذ اليد الصحيحة بالشلاء (والثانى) يؤخذ لانهما متساويان في المنفعة، بخلاف اليد الشلاء فإنها لا تساوى الصحيحة في المنفعة، فإن قطع بعض أذنه وألصقه المقطوع فالتصق لم يجب القصاص، لانه لا يمكن المماثلة فيما قطع منه، وإن قطع أذنه حتى جعلها معلقة على خده وجب القصاص، لان المماثلة فيه ممكنة بأن يقطع أذنه حيت تصير

стр. 2700

معلقة على خده، وإن أبان أذنه أبان أذنه فأخذه المقطوع وألصقه فالتصق لم يسقط القصاص لان القصاص يجب بالابانة، وما حصل من الالصاق لا حكم له لانه يجب إزالته ولا تجوز الصلاة معه. وإن قطع أذنه فاقتص منه وأخذ الجاني اذنه فألصقه فالتصق لم يكن للمجني عليه أن يطالبه بقطعه، لانه أقتض منه بالابانة، وما فعله من الالصاق لا حكم له لانه يستحق إزالته للصلاة، وذلك إلى السلطان وإن قطع أذنه فقطع المجني عليه بعض أذن الجاني فألصقه الجاني فالتصق فللمجنى عليه أن يعود فيقطعه لانه يستحق الابانة ولم يوجد ذلك. وإن جنى على رأسه فذهب عقله أو على أنفه فذهب شمه أو على أذنه فذهب سمعه لم يجب القصاص في العقل والشم والسمع، لان هذه المعاني في غير محل الجناية فلم يمكن القصاص فيها. (فصل) وتؤخذ الشفة بالشفة وهو مابين جلد الذقن والخدين علوا وسفلا ومن أصحابنا من قال لا يجب فيه القصاص لانه قطع لحم لا ينتهى إلى عظم فلم يجب فيه القصاص كالباضعة والمتلاحمة والضجيج والاول لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولانه ينتهى إلى حد معلوم يمكن القصاص فيه فوجب فيه القصاص (الشرح) الصمم فقدان السمع بسبب من الاسباب الآتية، ١ - انسداد القناة السمعية وهى المدخل الظاهرى في فتحة الاذن ٢ - تهتك الغشاء الرقيق المسمى (الطلبة) وهو الذي يستقبل الذبذبات الصوتية الداخلة من القناة السمعية فينقلها بدوره إلى ثلاثة عظيمات في الصماخ وهذه العظيمات (بالتصغير لصغرها ودقتها) تكبر الصوت بالذبذبات التي تحدث عن طريق تحرك هذه العظيمات عند اصطدام الذبذبات الصوتية بها ٣ - توقف العظيمات عن الحركة ٤ - انفصال العصب السمعى أو تيبسه أو تهتكه، وهو الذي يأخذ الصوت من مكبر الصوت (العظيمات) لينلقه إلى المخ. والاخرم المثقوب الاذن، وقد انخرم ثقبه أي انشق، والمستحشف المنقبض اليابس، مأخوذ من حشف التمر وأول الشجاج الحارصة، سميت حارصة لانها تشق الجلد، يقال حرص القطار الثوب

стр. 2701

إذا شقه، وحرص المطر الارض إذا قشرها، والباضعة التي تقطع الجلد وتشق اللحم وتدمى: من بضعت اللحم إذا قطعته قطعا صغارا، والبضعة القطعة وقد سقناها آنفا في عشرة أنواع وفيها المتلاحمة والسمحاق والهاشمة. أما الاندمال فهو برء الجرح. يقال اندمل الجرح إذا تماثل، وأصله الاصلاح، ودملت بين القوم أصلحت، ودملت الارض بالسرحين أصلحتها أما الاحكام فإنه يجب القصاص في الاذن لقوله تعالى " والاذن بالاذن " ويؤخذ منها الكبير بالصغير والعكس لما ذكرناه في الانف، ويوخذ المثقوب بالصحيح وبالعكس، والاصم بالسميع وبالعكس، وإن قطع من أذنه مخرومة أذنا صحيحة اقتص منه المجني عليه في المخرومة وأخذ من دية أذنه بقدر ما أنخرم من أذن الجاني، وتؤخذ الاذن المستحشفة وهي الاذن اليابسة بالاذن الصحيحة لانه ياخذ أنقص من حقه باختياره، وهل تؤخذ الاذن الصحيحة بالاذن المستحشفة؟ فيه قولان (أحدهما) لا يؤخذ بها كما لا يجوز أخذ اليد الصحيحة باليد الشلاء. (والثانى) تؤخذ بها لان الاذن المستحشفة تساوى الاذن الصحيحة في المنفعة فأخذت الصحيحة بها بخلاف اليد الشلاء فإنها لاتساوى الصحيحة في المنفعة (فرع) وإن قطع بعض أذنه اقتص منه، ويقدر ذلك بالجزء كالنصف والثلث والربع، ولا يقدر بالمساحة بالطول والعرض لما ذكرناه في الانف. وحكى ابن الصباغ عن القاضى أبى الطيب أنه لا يثبت القصاص في بعض الاذن والاول أصح لانه يمكنه القصاص فيها وقول المصنف هنا: إذا قطع بعض أذنه وألصقه فالتصق لم يجب القصاص لانه لا يمكن المماثلة فيما قطع منه. ولعله أراد إذا اندمل القطع بنحو خياطة طبية فاختفى القطع. وإن قطع أذنه حتى جعلها معلقة فله أن يقطع كذلك لان المماثلة ممكنة. وان قطع أذنه وأبانها فأخذها المجني عليه فألصقها فالتصقت لم يكن للمجني عليه أن يطالبه بإزالتها، لانه قد استوفى حقه، والازالة إلى السلطان، وإن قطع أذنه وأبانها وقطع المجني عليه بعض أذن الجاني فألصقه الجاني فالتصق فللمجنى عليه أن

стр. 2702

يعود ويقطعه، لان حقه الابانة ولم يوجد. وإن جنى على رأسه فذهب عقله أو شمه أو سمعه أو ذوقه أو نكاحه أو إنزاله لم يجب القصاص، لان هذه الاشياء ليست في موضع الجناية فيمكن القصاص فيها. (مسألة) يجب في الشفتين القصاص، ومن أصحابنا من قال: لا قصاص فيهما لانه قطع لحما من لحم غير منفصل، والاول هو المنصوص لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولان الشفتين هما اللحم الجافي من لحم الذقن والشدق، مستدير على الفم طولا وعرضا، وطولهما ما تجافى عن لحم الذقن ألى أصل الانف وذلك من لحم له حد معلوم فوجب القصاص فيه واختلف أصحابنا في القصاص في اللسان، فمنهم من قال يجب القصاص في جميعها وفي بعضها، لان له حدا ينتهى إليه فهو كالانف والاذن. وقال أبو إسحاق لاقصاص فيه، واليه ذهب بعض أصحاب أبى حنيفة، واختاره ابن الصباغ وأما المصنف فذكر أن القصاص يثبت في جميعها على وجهين قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويؤخذ السن بالسن لقوله تعالى (والسن بالسن) ولما رويناه في أول الباب في حديث الربيع بنت النضر بن أنس، ولانه محدود في نفسه يمكن القصاص فيه فوجب فيه القصاص، ولا يؤخذ سن صحيح بسن مكسور لانه يأخذ أكثر من حقه، ويؤخذ المكسور بالصحيح، ويؤخذ معه من الدية بقدر ما انكسر منه لما ذكرناه في الانف والاذن، ويؤخذ الزائد إذا اتفق محلهما لانهما متساويان، وان قلع سنا زائدة وليس للجاني مثلها وجبت عليه الحكومة لانه تعذر المثل فوجب البدل، وإن كان له مثلها في غير موضع المقلوع لم يؤخذ كما لا يؤخذ سن أصلى بسن أخرى. وان كسر نصف سنه وأمكن أن يقتص منه نصف سنه اقتص منه، فإن لم يمكن وجب بقدره من دية السن، وان وجب له القصاص في السن فاقتص ثم نبت له مكانه سن آخر ففيه قولان (أحدهما) أن النابت هو المقلوع من جهة الحكم لانه مثله في محله فصار كما

стр. 2703

لو قلع سن صغير ثم نبت فعلى هذا يجب على المجني عليه دية سن الجاني لانه قلع سنه بغير سن. والقول الثاني: إن النابت هبة مجددة لان الغالب أنه لا يستخلف فعلى هذا وقع القصاص موقعه ولا يجب عليه شئ للجاني، وإن قلع سن رجل فاقتص منه ثم نبت للجاني سن في مكان السن الذي اقتص منه. فإن قلنا إن النابت هبة مجددة لم يكن للمجني عليه قلعه لانه استوفى ماكان له. وإن قلنا إن النابت هو المقلوع من جهة الحكم فهل يجوز للمجني عليه قلعه؟ فيه وجهان (أحدهما) أن له أن يقلعه ولو نبت ألف مرة، لانه أعدمه السن فاستحق أن يعدم سنه. (والثانى) ليس له قلعه لانه يجوز أن يكون هبة مجددة ويجوز أن يكون هو المقلوع فلم يجز قلعه مع الشك (فصل) ويؤخذ اللسان باللسان لقوله تعالى (والجروح قصاص) ولان له حدا ينتهى إليه فاقتص فيه فلا يؤخذ لسان الناطق بلسان الاخرس لانه يأخذ أكثر من حقه، ويؤخذ لسان الاخرس بلسان الناطق لانه يأخذ بعض حقه وان قطع نصف لسانه أو ثلثه أقتص من لسان الجاني في نصفه أو ثلثه وقال أبو إسحاق لايقتص منه لانه لا يأمن أن يجاوز القدر المستحق، والمذهب أنه يقتص منه للآية ولانه إذا أمكن القصاص في جميعه أمكن في بعضه (الشرح) حديث الربع بنت النضر مضى تخريجه في فصل قبله، أما الاحكام فقد قال الشافعي رضى الله عنه: وإن قلع سن من أثغر قلع سنه، وإن كان المقلوع سن لم يثغر أوقف حتى يثغر وجملة ذلك أن القصاص يجب في السن لقوله تعالى " والسن بالسن " ولما روى أن الربيع كسر سن جارية فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بكسر سنها، فقال أنس بن النضر أتكسر سن الربيع؟ لا والله لا تكسر، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القصاص فعفا الانصاري فقال رسول الله إن من عاد الله من لو أقسم على الله لابوه " إذا ثبت هذا فإنه يقال للصبى إذا سقطت رواضعه، وهي الاسنان التي تنبت له

стр. 2704

وقت رضاعه ثغر فهو مثغور، فإذا نبت له مكانها قيل له أثغر واتغر لغتان. هكذا أفاده العمرانى وقال الفيومى: والثغر المبسم ثم أطلق على الثنايا، وإذا كسر ثغر الصبى قيل: ثغر ثغورا بالبناء للمفعول، وثغرته أثغرته من باب نفع كسرته، وإذا نبتت بعد السقوط قيل أثغر أثغار مثل أكرم إكراما، وإذا ألقى أسنانه قيل الثغر على افتعل. وقال في كفاية المتحفظ: إذا سقطت أسنان الصبى قبل ثغر، فإذا نبتت قيل اثغر واتغر بالتاء والثاء مع التشديد. فإذا قلع سن غيره فلا يخلو المقلوع إما أن يكون لم يثغر أو كان قد ثغر، فإن كان لم يثغر فإن القصاص لا يجب على الجاني في الحال، لان العادة جرت أن سن من لم يثغر تعود إذا قلعت، وما كان يعود إذا قلع لا يجب فيه القصاص كالشعر ويسأل الاطباء كم المدة التي تعود هذه السنة في مثلها، وينتظر إلى تلك المدة، فإذا جاءت تلك المدة ولم يعد السن وجب على الجاني القصاص، لانه قد أيس من عودها، فإن نبتت للمجني عليه سن مكانها في تلك المدة أو أقل منها - فإن كانت الثانية مثل الاولة من غير زيادة ولا نقصان لم يجب على الجاني قصاص ولا دية. وهل يجب عليه حكومة الجراح الذي جعل بقلعه؟ ينظر فيه، فإن جرح موضعا آخر غير الموضع الذي فبه السن بالقلع وجبت عليه فيه الحكومة، وإن لم يجرح إلا الموضع الذي قلع منه السن ففيه وجهان (أحدهما) يجب عليه الحكومة: لانه لما قلع السن أدمى، فإذا أدمى وجبت فيه الحكومة. (والثانى) لا تجب الحكومة، لان الحكومة انما تجب إذا جرح وأدمى فأما إذا أدمى من غير جرح فلا حكومة عليه، كما لو لطمه فرعف، فإنه لا تجب عليه لخروج الدم بالرعاف حكومة. وان كانت السن التي نبتت مكانه المقلوعة أنقص من التي تليها، وجب على الجاني من ديتها بقدر ما نقص منها لان الظاهر أنها نقصت لجنايته. وان كانت السن التي نبتت أزيد من التي قبلها ففيه وجهان: من أصحابنا من قال

стр. 2705

لا يجب على الجاني شين، لان الزيادة لا تكون من الجناية. وقال المصنف يلزمه حكومة الشين الحاصل بالزيادة كما يلزمه الشين الحاصل بالنقصان، لان الظاهر أن ذلك من جنايته. وإن كانت النابتة خارجة من صف الاسنان، فإن كانت بحيث لا ينتفع بها وجبت عليه حكومة بالشين الحاصل بها، وإن نبت له سن صغير أو خضراء أو سوادء - وكانت المقلوعة بيضاء - وجب على الجاني للشين الحاصل باللون، وإن مات المجني عليه بعد مضى المدة التي يرجى فيها عود السن قبل أن يعود، فلوليه أن يقتص من الجاني، لانه مات بعد استقرار القصاص. وهل تجب له دية سن؟ حكى الشيخ أبو إسحاق فيها قولين، وحكاهما الشيخ أبو حامد وابن الصباغ وجهين: (أحدهما) تجب دية السن، لانه قلع سنا لم تعد، والاصل عدم العود. (والثانى) لا يجب لان الغالب أنها قد كانت تعود، وإنما قطعها الموت، وأما إذا قلع سن من ثغر - فإن قال الاطباء انها لا تعود - وجب له القصاص في الحال، وإن قالوا انها تعود إلى مدة فهل له القصاص قبل مضى تلك المدة؟ فيه وجهان بناء على أنه هل يسقط القصاص أو الدية إذا عاد سنه فيه قولان، فإن قلنا يسقط ينتظر والا فلا. وقال الشيخ أبو حامد: ليس له أن يقتص قبل مضي تلك المدة كما قلنا فيمن قلع سن صبى لم يثغر. وقال ابن الصباغ: له أن يقتص بكل حال، أو اقص منه بعد الاياس من عودها ثم نبتت للمجني عليه سن في موضع السن المقلوع ففيه قولان (أحدهما) أن هذا السن من نبات السن المقلوع من هذا الموضع، لان مثله في موضعه فصار كما لو نتف شعره ثم نبت، كما لو قلع سن صبى لم يثغر ثم نبت مكانه سن، وكما لو لطم عينه فذهب ضوؤها ثم عاد، فعلى هذا لا يجب على المجني عليه القصاص للجاني في السن التي اقتص منه بها لانه قلعها، وكان يجوز له قلعها، وانما يجب عليه دية سن الجاني. وان كان المجني عليه عفا عن القصاص وأخذ دية سنه وجب عليه رد الدية إلى الجاني. والقول الثالث أن السن النابت هبة مجددة من الله تعالى للمجني عليه، لان

стр. 2706

العادة أن سن من ثغر إذا قلعت لا تعود، فإذا عادت علمنا أن ذلك هبة من الله له، فعلى هذا ان كان المجني عليه قد اقتضى من الجاني أو أخذ منه الارش فقد وقع ما فعله موقعه ولا شئ عليه للجاني. وان قلع سن رجل فقلع المجني عليه سن الجاني ثم نبت للجاني سن مكان سنه الذي اقتص منه ولم تعد للمجني عليه مثلها - فإن قلنا ان النابت هبة من الله مجددة - فلا شئ للمجني عليه، وان قلنا إن النابت هو من الاول ففيه وجهان (أحدهما) أن للمجني عليه أن يقلعه، ولو نبت مرارا، لانه أعدم سنه فاستحق أن يعدم سنه. (والثانى) ليس له أن يقلع سنه لانه يجوز أن يكون من المقلوع، ويجوز أن يكون هبة مجددة، وذلك شبهة فسقط بها القصاص، فعلى هذا للمجني عليه دية سن على الجاني، فإن خالف المجني عليه وقلع هذا السن للجاني وجب عليه ديتها ويتقاصان، وان قلع سنه فاقتص منه فعاد للمجني عليه سن مكان سنه ولم يعد للجاني ثم عاد الجاني فقلعها وجب عليه ديتها لانه ليس لها مثله، فإن قلنا انه من الاول فقد قلنا ان على المجني عليه دية سن الجاني فيتقاصان. وان قلنا ان النابت هبة مجددة فلا شئ على المجني عليه للجاني هذا ويؤخذ السن الكبير بالصغير والصغير بالكبير كما قلنا في الانف والاذن ولا يؤخذ سن صحيح بمكسور لانه يأخذ أكثر من حقه، ويؤخذ المكسور بالصحيح، لانه أنقص منه، ويأخذ من دية سنه بقدر ما ذهب من سن الجاني وان كسر بعض سنه من نصفها أو ربعها فهل يجب بها القصاص؟ اختلف الشيخان، فقال الشيخ أبو إسحاق ان أمكن أن يقتص اقتص، وان لم يمكن لم يقتص وقال الشيخ أبو حامد لايقتص منه لان القصاص بالكسر لا يجب باتفاق الامة وما روى في خبر الربيع أنها كسرت ثنية جارية فعال النبي ﷺ : تكسر ثنيتها، أراد بالكسر القلع لا الكسر من بعضها (فرع) وان قلع لرجل سنا زائدا وللجاني سن زائد في ذلك الموضع يساوى السن الذي قلع وجب فيها القصاص لانهما متساويان، وإن لم يكن للجاني سن

стр. 2707

زائد لم يجب عليه القصاص، لانه ليس له مثلها، وإن كان له سن زائد في غير ذلك الموضع لم يجب فيه القصاص لانه ليس له مثلها، وإن كان له سن زائد في ذلك الموضع إلا أنه أكبر من سن المجني عليه ففيه وجهان (أحدهما) وهو قول أكثر أصحابنا لا يجب فيها القصاص، لان القصاص في العضو الزائد إنما يجب بالاجتهاد، فإذا كانت سن الجاني أزيد كانت حكومتها أكثر فلم يجب قلعها بالتي هي أنقص منها، بخلاف السن الاصلية فإن القصاص يثبت بالنص فلا يعتبر فيها التساوى، والثانى حكاه ابن الصباغ عن الشيخ أبى حامد واختاره أنه يجب فيها القصاص، لان ما ثبت بالاجتهاد يجب اعتباره بما ثبت بالنص، والاول هو المنصوص (مسألة) ويؤخذ اللسان باللسان لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولان له حدا ينتهى إليه فاقتص منه كالعين، ولا نعلم في هذا خلافا، ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس لانه أفضل منه، ويؤخذ الاخرس بالناطق لانه بعض حقه ويؤخذ بعض اللسان ببعض لانه أمكن القصاص في جميعه فأمكن في بعضه كالسن ويقدر ذلك بالاجزاء ويؤخذ منه بالحساب. هذا وتؤخذ الشفة بالشفة، وهى ما جاوز الذقن والخدين علوا وسفلا، لقول الله تعالى " والجروح قصاص " ولان له حدا ينتهى إليه يمكن القصاص منه فوجب كاليدين قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وتؤخذ إليه باليد والرجل بالرجل والاصابع بالاصابع والانامل بالانامل لقوله تعالى (والجروح قصاص) ولان لها مفاصل يمكن القصاص فيها من غير حيف فوجب فيها القصاص، وإن قطع يده من الكوع اقتص منه لانه مفصل، وإن قطع من نصب الساعد فله أن يقتص من الكوع لانه داخل في جناية يمكن القصاص فيها ويأخذ الحكومة في الباقي لانه كسر عظم لا تمكن المماثلة فيه فانتقل فيه إلى البدل. وإن قطع من المرفق فله أن يقتص منه لانه مفصل، وإن أراد أن يقتص من الكوع ويأخذ الحكومة في الباقي لم يكن له ذلك لانه يمكنه أن يتسوفى جميع حقه بالقصاص في محل الجناية فلا يجوز أن يأخذ القصاص

стр. 2708

في غيره، وان قطع يده من نصف العضد فله أن يقتص من المرفق ويأخذ الحكومة في الباقي وله أن يقتص في الكوع ويأخذ الحكومة في الباقي لان الجميع مفصل داخل في الجناية ويخالف إذا قطعها من المرفق وأراد أن يقتص من الكوع لان هناك يمكنه أن يقتص في اجميع في محل الجناية وههنا لا يمكنه أن يقتص في موضع الجناية. وان قطع يده من الكتف وقال أهل الخبرة أنه يمكنه أن يقتص منه من غير جائفة اقتص منه لانه مفصل يمكن القصاص فيه من غير حيف، وان أراد أن يقتص من المرفق أو الكوع لم يجز لانه يمكنه أن يقتص من محل الجناية فلا يجوز أن يقتص في غيره. وان قال أهل الخبرة انه يخاف أن يحصل به جائفة لم يجز أن يقتص فيه، لانه لا يأمن أن يأخذ زيادة على حقه، وله أن يقتص في المرفق ويأخذ الحكومة في الباقي، وله أن يقتص في الكوع ويأخذ الحكومة في الباقي لما ذكرناه، وحكم الرجل في القصاص من مفاصلها من القدم والركبة والورك، وما يجب فيما بينهما من الحكومات حكم اليد وقد بيناه (فصل) ولا تؤخذ يد صحيحه بيد شلاء، ولا رجل صحيحه برجل شلاء لانه يأخذ فوق حقه، وان أراد المجني عليه أن ياخذ الشلاء بالصحيحة نظرت فإن قال أهل الخبرة أنه ان قطع لم تنسد العروق ودخل الهواء إلى البدن وخيف عليه لم يجز أن يقتص منه، لانه يأخذ نفسا بطرف وان قالوا لا يخاف عليه فله أن يقتص لانه يأخذ دون حقه، فإن طلب مع القصاص الارض لنقص الشلل لم يكن له، لان الشلاء كالصحيحة في الخلقة، وانما تنقص عنها في الصفة فلم يؤخذ الارش للنقص مع القصاص، كما لا يأخذ ولى المسلم من الذمي مع القصاص ارشا لنقص الكفر. وفي أخذ الاشل بالاشل وجهان: أحدهما: انه يجوز لانهما متساويان والثانى: لا يجوز، وهو قول أبى اسحاق، لان الشلل علة والعلل يختلف تأثيرها في البدن فلا تتحقق المماثلة بينهما

стр. 2709

(الشرح) تقطع اليد باليد والرجل بالرجل والاصابع بالاصابع والانامل بالانامل لقول تعالى (والجروح قصاص) ولان لها مفاصل يمكن القصاص فيها من غير حيف. إذا ثبت هذا فإن قطع أصابعه من مفاصلها فله أن يقتص، وإن قطع يده من وسط الكف فليس له أن يقتص من وسط الكف لان كسر العظم لا يثبت فيه القصاص لاجماع الامة، فإن أراد أن يقتص من الاصابع من أصولها كان له ذلك، لان الاصابع يمكن القصاص فيها. فإن قيل فكيف يضع السكين في غير الموضع الذي وضعه الجاني عليه؟ قلنا لانه لا يمكن وضعها في الموضع الذي وضعها الجاني فيه، فإذا اقتص من الاصابع فهل له أن يأخذ حكومة فيما زاد على الاصابع من الكف؟ فيه وجهان يأتي بيانهما وإن قطع يده من الكوع كان له أن يقتص من ذلك الموضع لانه مفصل، وان قطع يده من بعض الذراع فليس له أن يقتص من بعض الذراع لانه كسر عظم وإن أراد أن يقتص من الكوع ويأخذ الحكومة فيما زاد عليه كان له ذلك لانه داخل في الجناية يمكن القصاص فيه، وان قطع يده من المرفق فله أن يقتص من المرفق فإن أراد أن يقتص من المرفق ويأخذ الحكومة فيما زاد كان له ذلك. وان أراد أن يقتص من الكوع ويأخذ الحكومة فيما زاد فقد اختلف أصحابنا فيه، وقال الشيخ أبو إسحاق له ذلك لان الجميع مفصل داخل في الجناية وقال ابن الصباغ في الشامل والطبري في العدة: ليس له ذلك لانه يمكنه أن يقطع من المرفق، ومتى أمكنه استيفاء حقه قصاصا لم يكن له أن يستوفى بعضه قصاصا وبعضه أرشا، كما لو قطع يده من الكوع وأراد أن يقتص من الاصابع ويأخذ الحكومة فيما زاد فليس له ذلك لانه يمكنه استيفاء حقه قصاصا وإن قالا أنه يخاف من الاقتصاص الجائفة (١) لم يكن له أن يقتص من

стр. 2710

الكتف لانه لا يؤمن أن يأخذ زيادة على حقه، فإن أراد أن يقتص من المرفق ويأخذ الحكومة فيما زاد كان له ذلك وإن أراد أن يقتص من الكوع ويأخذ الحكومة فيما زاد على ذلك فقال الشيخ أبو إسحاق له ذلك. وعلى ما قال ابن الصباغ إذا قطع يده من بعض العضو وأراد أن يقتص من المرفق ليس له أن يقتص ههنا من الكوع لانه يمكن استيفاء حقه قصاصا من المرفق، ومتى أمكنه أن يأخذ حقه قصاصا فليس له أن يستوفى بعضه قصاصا وبعضه أرشا، وحكم الرجل إذا قطعت أصابعها أو من مفصل القدم أو الركبة أو الورك أو مابين ذلك حكم اليد في القصاص على ما مضى. (فرع) قال الشافعي رضى الله عنه: إذا قطع يده من المفصل فتعلقت بالجلد وجب القصاص فتقطع إلى أن تبقى معلقة بمثل ذلك. ويسئل أهل الطب، فإن قالوا المصلحة في قطعها قطعناها، وإن قالوا المصلحة في تركه تركناها (مسألة) إذا قطع من له يد صحيحة يدا شلاء لم يكن للمجني عليه أن يقتص بل له الحكومة. وقال داود بن علي له أن يقتص. دليلنا أن اليد الشلاء لا منفعة فيها، وإنما فيها مجرد جمال فلا يأخذ بها يدا فيها منفعة، وإن قطع من له يد شلاء يدا صحيحة فاختار المجني عليه أن يقطع الشلاء بالصحيحة. قال الشافعي رضى الله عنه القصاص قال أصحابنا يرجع إلى عدلين من المسلمين من أهل الخبرة، فإن قالا: إذا قطعت هذه الشلاء لم يخف أكثر مما يخاف عليه إذا قطعت لو كانت صحيحة فللمجنى عليه أن يقتص، وإن قالا يخاف عليه أكثر من ذلك بأن تبقى أفواه العروق منتفخة فتتخللها الجراثيم فيحدث من جراء ذلك تسمم كامل فتتلف النفس لم يكن له أن يقتص لانه أخذ نفس بيد، وهذا لا يجوز، وهل يجوز أخذ اليد الشلاء باليد الشلاء؟ والرجل الشلاء بالرجل الشلاء؟ فيه وجهان (أحدهما) يجوز لانهما متماثلان (والثانى) لا يجوز لان الشلل علة، والعلل يختلف تأثيرها في البدن فلا تتحقق المماثلة بينهما ولا يتصور الوجهان إلا إذا قال أهل الخبرة إنه لا يخاف على الجاني، واتخذ الاطباء أسباب الوقاية من

стр. 2711

تلوث الدم أو حدوث نزيف فيه يفضى إلى وقت وقف القلب عن النبض، فإذا لم يمكن الاحتياط وخيف على الجاني فلا يجوز القصاص وجها واحدا على ما مضى في أخذ الشلاء بالصحيحة قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) ولا تؤخذ يد كاملة الاصابع بيد ناقصة الاصابع، فان قطع من له خمس أصابع كف من له أربع أصابع، أو قطع من له ست أصابع كف من له خمس أصابع، لم يكن للمجني عليه أن يقتص منه لانه يأخذ أكثر من حقه وله أن يقطع من أصابع الجاني مثل أصابعه لانها داخلة في الجناية ويمكن استيفاء القصاص فيها، وهل يدخل أرش ما تحت الاصابع من الكف في القصاص؟ فيه وجهان (أحدهما) يدخل كما يدخل في ديتها (والثانى) وهو قول أبى اسحاق انه لا يدخل بها بل يأخذ مع القصاص الحكومة لما تحتها " والفرق بين القصاص والدية أن الكف يتبع الاصابع في الدية ولا يتبعها في القصاص، ولهذا لو قطع أصابعه وتآكل منها الكف واختار الدية لم يلزمه أكثر من دية الاصابع، ولو طلب القصاص قطع الاصابع وأخذ الحكومة في الكف، وتؤخذ يد ناقصة الاصابع بيد كاملة الاصابع، فان قطع من له أربع أصابع كف من له خمس أصابع، أو قطع من له خمس أصابع كف من له ست أصابع للمجني عليه أن يقتص من الكف ويأخذ دية الاصبع الخامسة أو الحكومة في الاصبع السادسة لانه وجد بعض حقه وعدم البعض، فأخذ الموجود وانتقل في المعدوم إلى البدل، كما لو قطع عضوين ووجد أحدهما (فصل) ولا يؤخذ أصلى بزائد، فان قطع من له خمس أصابع أصلية كف من له أربع أصابع أصلية وأصبع زائدة لم يكن للمجني عليه أن يقتص من الكف لانه يأخذ أكثر من حقه، ويجوز أن يقتص من الاصابع الاصلية لانها داخلة في الجناية، ويأخذ الحكومة في الاصبع الزائدة وما تحت الزائدة من الكف يدخل في حكومتها. وهل يدخل ما تحت الاصابع التي اقتص منها في قصاصها؟ على الوجهين، ويجوز أن يأخذ الزائد بالأصلي، فان قطع من له أربع أصابع أصلية

стр. 2712

وأصبع زائدة كف من له خمس أصابع أصلية، فاللمجنى عليه أن يقتص من الكف لانه دونه حقه ولا شئ له لنقصان الاصبع الزائدة، لان الزائدة كالاصلية في الخلقة. وإن كان لكل واحد منهما أصبع زائدة نظرت فإن لم يختلف محلهما أخذ إحداهما بالاخرى لانهما متساويان. وان اختلف محلهما لم تؤخذ إحداهما بالاخرى لانهما مختلفان في أصل الخلقة. (الشرح) إذا كان لرجل يد لها ستة أصابع فقطع كف رجل لها خمس أصابع نظرت في الاصبع الزائدة للجاني، فإن كانت خارجة عن عظم الكف كان للمجني أن يقتص من كف الجاني، لانه يمكنه أن يأخذ مثل كفه من غير أن يتناول الزائدة وإن كانت ثابتة على الكلب أو ملتزقة بإحدى الاصابع أو على أصابع اليد لم يكن لة أن يقتص من الكف لانه يأخذ أكثر من حقه فيكون المجني بالخيار بين أن يأخذ دية يده وبين أن يقتص من الاصابع الخمس إذا كانت الزائدة على سن الاصابع غير ملتزقة بواحدة منهن ولا نابتة على إحداهن، فإذا اقتص منها فهل يتبعها ما تحتها من الكف في القصاص؟ فيه وجهان (أحدهما) يتبعها كما يتبعها في ديتها (والثانى) لا يتبعها، بل يأخذ مع القصاص الحكومة، لان الكف تتبع الاصابع في الدية، ولا تتبعها في القصاص، ولهذا لو قطع أصابعه فتأكل منها الكف واختار الدية لم يلزمه أكثر من دية الاصابع. ولو طلب القصاص قطعت الاصابع وأخذ الحكومة في الكف. وان كانت الاصبع الزائدة نابتة على أنملة من الاصابع الخمس، فليس للمجني عليه أن يقتص من الكف، وله أن يقتص من الاصابع التي ليس عليها الزائدة وأما الاصبع التي عليها الزائدة - فإن كانت على الانملة العليا لم يكن له أن يقتص منها، وان كانت على الوسطى فله أن يقتص من الانملة العليا، ويجب له ثلثا دية أصبع، وان كانت على الانملة السفلى فله أن يقتص من الانملتين العلويتين وله ثلث دية أصبع ويتبعها ما تحتها من الكف، وهل يتبع ما تحت الاصابع الاربع ما تحتها من الكف في القصاص؟ على الوجهين

стр. 2713

وان قطع من له خمس أصابع كف يد لها أربع أصابع لم يكن لها أن يقتص من الكف لانه يأخذ أكثر من حقه، وله أن يقتص من أصابع الجاني الاربع المماثلة لاصابعه المقطوعة، وهل يتبعها ما تحتها من الكف في القصاص؟ أو يجب له مع ذلك حكومة؟ على الوجهين. (فرع) إذا كان لرجل كف فيه خمس أصابع أصلية فقطع كف يد فيه أربع أصابع أصلية وأصبع زائدة، وانما يحكم بأنها زائدة إذا كانت مائلة عن بقية الاصابع ضعيفة، فليس للمجني عليه أن يقتص من كف الجاني لانه ليس له أن يأخذ أكمل من يده، فإن اختار الارش كان له دية الاربع الاصابع الاصلية وحكومة في الزائدة وان أراد أن يقتص من الاربع الاصابع الاصلية كان له ذلك ويأخذ مع ذلك حكومة في الزائدة يتبعها ما تحته من الكف في الحكومة، وهل يتبع ما تحت الاصابع الاصلية ما تحتها من الكف في القصاص؟ أو يجب له فيه حكومة على الوجهين. وان قطع كفا له خمس أصابع أصلية ويد القاطع لها أربع أصابع أصلية وأصبع زائدة فإن اختار المجني عليه أن يقطع كف الجاني كان له ذلك، لانه أنقص من كفه. قال المزني في جامعه. انما يجوز له ذلك إذا كانت الزائدة في محل الاصلية. فأما إذا كانت في غير محلها فليس له أخذها وهذا صحيح وكذلك إذا كانت الزائدة أكثر أنامل لم يؤخذ بالاصليه. وان قطع يدا وعليها أصبع زائد وللقاطع يد عليها أصبع زائدة فإن اتفق محل الزائدتين وقدرهما كان للمجني عليه أن يقتص من الكف لتساويهما، وان اختلفا في المحل لم يكن له أن يقتص من الكف لانه يأخذ أكثر من حقه، وان كانت أقل أنامل كان له أن يقتص ويأخذ في الزيادة الحكومة وبكل ما قلنا قال العلماء كافة إلا ما ذكرناه من خلاف داود بن علي قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان قطع من له يد صحيحة كف رجل له أصبعان شلا وان لم يقتص منه في الكف لانه يأخذ كاملا بناقص ويجوز أن يقتص في الاصابع الثلاث الصحيحة لانها مساوية لاصابعه ويأخذ الحكومة في الشلاوين لانه

стр. 2714

لا يجد ما يأخذ به ويدخل في حكومة الشلاوين أرش ما تحتهما من الكف وهل يدخل أرش ما تحت الثلاثة في قصاصها على الوجهين (فصل) ولا تؤخذ يد ذات أظفار بيد لا أظفار لها لان اليد بلا أظفار ناقصة فلا تؤخذ بها يد كاملة وتؤخذ يد لا أظفار لها بيد لها أظفار لانه يأخذ بعض حقه. (فصل) فإن قطع أصبع رجل فتأكل منه الكف وجب القصاص في الاصبع، لانه أتلفه بجناية عمد، ولا يجب في الكف، لانه لم يتلفه بجناية عمد لان العمد فيه أن يباشره بالاتلاف ولم يوجد ذلك ويجب عليه دية كل أصبع من الاصابع لانها تلفت بسبب جنايته ويدخل في دية كل أصبع أرش ما تحته من الكف لان الكف تابع للاصابع في الدية وهل يدخل ما تحت الاصابع التي اقتص منها في قصاصها على الوجهين (الشرح) إذا قطع كفا له ثلاث أصابع صحيحة وأصبعان شلا وان كان كف القاطع صحيحة الاصابع فليس للمجني عليه أن يقتص من الكف لانه يأخذ أكمل من يده، وان رضى الجاني بذلك لم يجز لان القصاص لم يجب فيها فلم يجز بالبدل كما لو قتل حر عبدا ورضى أن يقتل به، وللمجنى عليه أن يقتص من الاصابع الثلاث الصحيحة، فإذا اقتص منها فهل يتبعها ما تحتها من الكف في القصاص؟ أو تجب فيها الحكومة؟ فيه وجهان. وأما الاصبعان الشلاوان فله فيهما حكومة، وان كانت كف المقطوع صحيحة الاصابع وكف للقاطع فيها أصبعان شلاوان فالمجني عليه بالخيار بين أن يأخذ دية يده وبين أن يقتص من كف الجاني، لانها أنقص من كفه، ولا شئ للمجني عليه لنقصان كف الجاني بالشلل، أما إذا اختار الدية فله دية يده لا نعلم فيه خلافا لانه عجز عن أستيفاء حقه على الكمال بالقصاص فكانت له الدية كما لو لم يكن للقاطع يد، وهذا قول أبى حنيفة ومالك وأحمد. وان قطع كفا له خمس أصابع وكف القاطع فيها ثلاث أصابع لا غير وأصبعان مفقودتان فللمجنى عليه أن يقتص من كف الجاني ويأخذ منه دية الاصبعين،

стр. 2715

وقال أبو حنيفة: هو بالخيار بين أن يأخذ دية يده وبين أن يقتص من يد الجاني ولا شئ له. دليلنا قوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ويد الجاني ليست مثل يد المجني عليه، ولانه استوفى بعض حقه فكان له أرش ما لم يستوفه كما لو قطع له أصبعين ولم يجد له إلا واحدة (فرع) وإن قطع ذو يد لها أظفار يد من لا أظفار له لم يجز القصاص لان الكاملة لا تؤخذ بالناقصة، فإن سقطت أظافره قطعت ولو لم يكن لواحد منهما أظافر حالة القطع يقتص منه، فلو ثبت للقاطع أظافر قبل أن يقتص منه لايقتص لطروء الزيادة، ويجوز أن يأخذ اليد التي لاأظفار لها باليد التي لها أظفار، لانها أنقص من يده (فرع) وإن قطع أنملة لها طرفان - فإن كانت أنملة القاطع لها طرفان من تلك الاصبع بتلك اليد فللمجنى عليه قطعها لانها مثل حقه، وإن كانت أنملة القاطع لها طرف واحد فللمجنى عليه أرش الانملة، فإن قال المجني عليه أنا أصبر على القصاص إلا أن تسقط الانملة الزائدة وأقتص في الاصلية - كان له ذلك، لان له تأخير القصاص، هذا ترتيب البغداديين كما أفاده صاحب البيان وقال المسعودي: إن علمت الاصلية منهما قطعت إحداهما ويغرم الجاني التفاوت ما بين سدس دية أصبع وثلثها (فرع) وإن قطع أنملة من سبابة رجل وقطع الانملة الوسطى من تلك الاصبع من رجل آخر - فإن جاء المجني عليهما - قطعت العليا لصاحب العليا وقطعت الوسطى لصاحب الوسطى، وإن جاء صاحب الوسطى أولا وطلب القصاص لم يكن له ذلك، لانه لا يمكن قطعها من غير قطع العليا، ويكون بالخيار بين أن يأخذ دية الانملة وبين أن يصير إلى أن يقتص صاحب العليا لو سقط بأكلة - وهى ما تسمى الغنغرينة - وهكذا إن عفا صاحب العليا عن القود ولم يقطع الانملة العليا من إنسان لكن قطع الانملة الوسطى من رجل جاء صاحب الوسطى يطلب النقصان وللجاني الانملة العليا والوسطى، فلمجنى عليه أن يصبر إلى أن تقطع العليا أو تسقط ثم يقتص من الوسطى. وقال أبو حنيفة لا قصاص له لانه حين قطعها لم يجب القصاص عليه فيها

стр. 2716

لتعذر استيفائها، فإذا لم تجب حال الجناية لم تجب بعد ذلك. دليلنا أن القصاص إنما تعذر لمتصل به، فإذا زال ذلك المتصل كان له استيفاء القصاص، كما لو قتلت حامل غيرها ثم ولدت - فإن لم يصبر صاحب الوسطى وقطع الوسطى والعليا فقد فعل مال لا يجوز له على المقتص منه فيجب عليه ديتها، وقد استوفى القصاص في الوسطى، فإن قطع العليا من أصبع زيد، وقطع العليا والوسطى من تلك الاصبع من عمرو، فإن حضرا معا وطلبا القصاص اقتص زيد من العليا لانه اسبق واقتص عمرو من الوسطى وأخذ دية العليا. وكذلك إن حضر زيد وحده فله أن يقتص من العليا، وإن حضر عمرو فليس له أن يقتص لان حق زيد تعلق في العليا قبله، وإن خالف واقتض من العليا والوسطى فقد أساء بذلك، ولكنه يصير مستوفيا لحقه، ويكون لزيد دية الانملة العليا على الجاني. (فرع) ذكر الطبري في العدة: لو كان المجني عليه أربع أنامل في أصبع فله أربعة أحوال: أحدها: أن يقطع من له ثلاث أنامل أنملة من الاربع فلا قصاص عليه. وان قطع أنملتين من الاربع قطع من الجاني أنملة ويغرم الجاني التفاوت فيما بين النصف والثلث من دية الاصبع، وان قطع له ثلاث أنامل قطع منه أنملتين ويغرم ما بين ثلثى دية أصبع وبين ثلاثة أرباع ديتها، وإن قطع له أربع أنامل قطعت أنامل القاطع الثلاث ووجب عليه مع ذلك زيادة حكومة، فأما إذا كان للقاطع أربع أنامل وللمقطوع ثلاث أنامل فله ثلاثة أحوال، أن قطعت أنملة منه قطعت أنملة منه ويغرم الجاني ما بين ثلث دية أصبع وبين ربعها، وهو خمسة أسداس بغير، وان قطع أنملتين قطع منه أنملتين ويغرم التفاوت بين نصف دية الاصبع وثلثيها. وإن قطع جميع أنامله قطع منه ثلاث أنامل ويغرم التفاوت بين ثلاثة أرباع دية الاصبع وجميع ديتها - وهو بعيران ونصف - فعل هذا لو بادر فقطع أصبعه عزر ولا شئ عليه من الدية. وفيه وجه أن له قطع أصبعه بخلاف اليد التي لها ست أصابع، لان تلك الزيادة ظاهرة في منفصلات كاليدين.

стр. 2717

(مسألة) إذا قطع أصبع رجل فتأكل منها الكف وسقط فللمجنى عليه القصاص للاصبع المقطوعة وله دية الاصابع الاربع وما تحت الاصابع الاربع من الكف يتبعها في الدية وما تحت الاصبع التي اقتص فيها، هل يتبعها في القصاص أو يجب له حكومة؟ فيه وجهان. هذا مذهبنا وقال أبو حنيفة: لا يجب له القصاص في الاصبع المقطوعة دليلنا قوله تعالى (والجروح قصاص) وقوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وقد اعتدى بقطع الاصبع فوجب أن يقطع منه. ولانها جناية لو لم يستوجب فيها القصاص فوجب إذا سرت إلى الاقتصاص فيه أن لا يسقط القصاص كالمرأة إذا قطعت يد المرأة فأسقطت جنينا فلا يسقط القصاص في اليد. (فرع) قال القفال: لو كان له قدمان على ساق واحد يمشى عليها أو يمشى على إحداهما والاخرى زائلة عن سنن منبت القدم فقطعها رجل له قدم قطعت رجله وطولب بحكومة للزيادة، وإن قطع إحداهما - فإن قطع الزائدة - فعليه حكومة، وإن استويا في المنبت وكان يمشى عليها ففي المقطوعة ربع الدية وزيادة حكومة، وإن كان الجاني هو صاحب القدمين - فإن عرفنا الزائدة من الاصلية وأمكن قطعها من غير أن تتلف الزائدة - قطعت وان لم تعرف أو عرفت: ولا يمكن قطعها الا بإتلاف الاخرى لم تقطع وعليه دية الرجل المقطوعة قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وتؤخذ الاليتان بالاليتين وهما النائتان بين الظهر والفخذ. وقال بعض أصحابنا لا تؤخذ، وهو قول المزني رحمة الله عليه لانه لحم متصل بلحم فأشبه لحم الفخذ، والمذهب الاول لقوله تعالى (والجروح قصاص) ولانهما ينتهيان إلى حد فاصل فوجب فيهما القصاص كاليدين (فصل) ويقطع الذكر بالذكر لقوله تعالى والجروح قصاص، ولانه ينتهى إلى حد فاصل يمكن القصاص فيه من غير حيف فوجب فيه القصاص ويؤخذ بعضه ببعضه.

стр. 2718

وقال أبو إسحاق: لا يؤخذ بعضه ببعض كما قال في اللسان والمذهب الاول لانه إذا أمكن القصاص في جميعه أمكن في بعضه، ويؤخذ ذكر الفحل بذكر الخصى لانه كذكر الفحل في الجماع وعدم الانزال لمعنى في غيره، ويقطع الاغلف بالمختون لانه يزيد على المختون بجلدة يستحق إزلاتها بالختان، ولا يؤخذ صحيح بأشل لان الاشل ناقص بالشلل فلا يؤخذ به كامل (فصل) ويقطع الانثيان بالانثيين لقوله تعالى (والجروح قصاص) ولانه ينتهى إلى حد فاصل يمكن القصاص فيه فوجب فيه القصاص. فإن قطع إحدى الانثيين وقال أهل الخبرة إنه يمكن أخذها من غير إتلاف الاخرى اقتص منه، وإن قالوا انه يؤدى قطعها إلى اتلاف الاخرى لم يقتص منه، لانه يقتص من أنثيين بواحدة (الشرح) قول المصنف رضى الله عنه " وتؤخذ الاليتان بالاليتين " وهما اللحمان النائتان بين الظهر والفخذين وقد صنعهما الله تعالى كالمخدتين لحماية ما تحتهما من مفاصل الفخذ والحقو وفتحة الدبر وعجب الذنب ومنبت الفقرات الظهرية، وهما كالمقعد يعتمد عليهما الانسان في قعوده فتبارك الله أحسن الخالقين، فكان على من حرم أخاه هذه النعمة أن يحرم منها قصاصا. هذا ومن أصحابنا من قال لا تؤخذ، وهو قول المزني لانه لحم متصل بلحم فأشبه لحم الفخذين، والمذهب الاول لانهما ينتهيان إلى حد فاصل فهما كاليدين (مسألة) يقطع الذكر بالذكر لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولانه عضو ينتهى إلى مفصل فوجب فيه القصاص كاليد إذا ثبت هذا فيقطع ذكر الرجل بذكر الصبى، ويقطع ذكر الشاب بذكر الشيخ لان كل عضو جرى القصاص فيه بين الرجل والرجل جرى فيه القصاص بين الصبى والرجل كاليد والرجل، ويقطع ذكر الفحل بذكر الخصى والعنين. وقال مالك وأحمد رضى الله عنهما لا يقطع به ولنا أنهما متساويان في السلامة، وانما عدم الانزال والجماع لمعنى في غيره فلم يمنع القصاص، كأذن السميع بأذن الاصم، ولا يقطع الذكر الصحيح

стр. 2719

بالذكر الاشل لانه لا يساويه، مثل أن كان لا ينمو بنمو صاحبه فبقى كما هو، فلو شل وصاحبه في العاشرة من عمره لوقف نموه ولا ينتصب ولا يجامع وقد تنسد فتحته فلا يبول ويعمل له الاطباء فتحة أخرى يبول منها فمثل هذا لا يقطع به ذكر سليم، وان قطع بعض ذكره انتقض منه وقال أبو إسحاق لايقتص منه كما قال في اللسان، والاول أصح، لانه إذا أمكن في جميعه أمكن في بعضه: فعلى هذا يعتبر المقطوع بالحد كالنصف والثلث والربع كما قلنا في الاذن والانف. قال الشافعي: ويقاد ذكر الا غلف بذكر المختون، كما تقطع اليد السمينة بالمهزولة، ولان تلك الجلدة مستحقة بالقطع فلا يمنع من القصاص (فرع) وان قطع أنثييه اقتص منه لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولانه طرف يمكن اعتبار المماثلة في أخذ القصاص به فشابه سائر الاطراف، فإن قطع احدى أنثييه قال الشافعي رضى الله عنه: سألت أهل الخبرة - فإن قالوا يمكن أن يقتص من أحدى البيضتين من القاطع ولا تتلف الاخرى - اقتص منه، وان قيل تتلف الاخرى لم يقتص منه - لانه لا يجوز أخذ اثنتين بواحدة - ويجب له نصف الدية. وهل يبتعها جلدتها أو تفرد بحكم؟ فيه وجهان حكاهما في الفروع. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) واختلف أصحابنا في الشفرين، فمنهم من قال لاقصاص فيهما. وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفراينى ﵀ لانه لحم وليس له مفصل ينتهى إليه فلم يجب فيه القصاص كلحم الفخذ. ومنهم من قال يجب فيه القصاص، وهو المنصوص في الام، لانهما لحمان محيطان بالفرج من الجانبين يعرف انتهاؤهما فوجب فيهما القصاص. (فصل) وان قطع رجل ذكر خنثى مشكل وأنثييه وشفريه وطلب حقه قبل أن يتبين حالة أنه ذكر أو أنثى نظرت فان طلب القصاص لم يكن له لجواز أن يكون امرأة فلا يجب لها عليه في شئ من ذلك قصاص، وان طلب المال

стр. 2720

نظرت فإن عفا عن القصاص أعطى أقل حقيه وهو حق امرأة، فيعطى دية عن الشفرين وحكومة في الذكر والانثيين، فإن بان أنه امرأة فقد استوفت حقها وإن بان أنه رجل تمم له الباقي من دية الذكر والانثيين وحكومة عن الشفرين، فإن لم يعف عن القصاص وقف القصاص إلى أن يتبين لانه يجوز أن يكون امرأة فلا يجب عليه القصاص. وأما المال ففيه وجهان (أحدهما) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه لا يعطى لان دفع المال لا يجب مع القود وهو مطالب بالقود فسقطت المطالبة بالمال. والوجه الثاني وهو قول أكثر أصحابنا بأنه يعطى أقل ما يستحق مع القود لانه يستحق القود في عضو والمال في غيره فلم يكن دفع المال عفوا عن القود فيعطى حكومة في الشفرين ويوقف القود في الذكر والانثيين وقال القاضى أبو حامد المروروذى في جامعه: يعطي دية الشفرين. وهذا خطأ، لانه ربما بان أنه رجل فيجب القود في الذكر والانثيين، والحكومة في الشفرين. (الشرح) هذا البحث قائم على سؤال: هل يجب القصاص في الشفرين؟ وهما اللحم المحيط بالفرج، فيه وجهان (أحدهما) يجب. لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولانهما لحمان محيطان بالفرج من الجنين يعرف انتهاؤهما فوجب فيهما القصاص (والثانى) لا يجب، وهو قول الشيخ أبى حامد لانه لحم وليس له مفصل ينتهى إليه فلم يجب فيه القصاص كلحم الفخذ، والاول هو المنصوص في الام. (فرع) إذا قطع ذكر خنصى مشكل وأنثييه وشفريه فلا يخلو القاطع إما أن يكون رجلا أو امرأة أو خنثى مشكلا - فإن كان القاطع رجلا - لم يجب عليه القصاص في الحال لجواز أن يكون الخنثى امرأة بالذكر والانثيان فيه زائدات، فلا تؤخذ الاصليان بالزائدين. وقيل له أنت بالخيار بين أن تصبر إلى أن يبين حالك فيجب لك القصاص إن بان أنك رجل، وبين أن تعفو وتأخذ المال. فإن قال أعطوني ما وجب لى من المال نطرت - فإن عفا عن القصاص

стр. 2721

في الذكر والانثيين، أو لم يكن للجاني ذكر ولا أنثيين إن كان قد قطعا. قال أصحابنا البغداديون: فإنه يعطى دية الشفرين، وحكم الذكر والانثيين لا يبلغ ديتها لانه يستحق ذلك بيقين ويشك في الزيادة. وإن قال: لاأقف ولا أعفو عن القصاص وطلب المال فهل يعطى شيئا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ. لَا يعطى لانه مطالب بالقود، ولا يجوز أن يأخذ المال وهو مطالب بالقود. وقال أكثر أصحابنا يعطى، وهو الاصح لانه يستحقه بيقين، فإذا قلنا بهذا فكم القدر الذي يعطى؟ اختلف أصحابنا فيه فقال القفال يعطى حكومة في الشفرين لانه يستحق ذات بيقين وقال القاضى أبو حامد: يعطى دية الشفرين: لانا لانتوهم وجوب القصاص فيهما. ومن أصحابنا الخراسانيين من قال يعطى أقل الحكومتين في آلة الرجال أو آلة النساء لان ذلك هو اليقين. ومن أصحابنا من قال: يعطي الحكومة في الذي قطعه آخر. والاول أصح. وان كان القاطع امرأة - فإن قلنا بقول الشيخ أبى حامد وأنه لاقصاص في الشفرين - فإنا لانتوهم وجب القصاص، فيعطى حكومة في آله الرجل وحكومة في آلة النساء، فإن بان رجلا تمم له دية الذكر والانثيين وحكومة الشفرين، وإن بان امرأة تمم له دية الشفرين وحكومة للذكر والانثيين. وان قلنا بالمنصوص وأنه يجب القصاص فيهما فإنه لا يجب للخنثى القصاص في الحال لجواز ان يكون رجلا فلا يجب القصاص على المراة في الفرج الزائد، فإن طلب المال نظرت - فإن عفا عن القصاص أو لم يعف ولكن ليس للقاطعة شفراوان فعلى قول البغداديين من أصحابنا يعطى دية الشفرين وحكومة عن الذكر والانثيين فإن بان امرأة فقد استوفت حقها وان بان امرأة فقد استوفت حقها وان بان رجلا تمم له دية الذكر ودية الانثيين وحكومة الشفرين، وعلى قول الخراسانيين يعطى حكومة للشفرين وحكومة للذكر والانثيين. وان لم يعف عن القصاص وكان للقاطعة شفرتان فعلى قول أبى علي بن هريرة لا يعطى وعلى قول أكثر أصحابنا يعطى، فإذا قلنا بهذا فكم يعطى؟ وعلى قول القفال يعطى حكومة في الذكر والانثيين وعلى قول القاضى أبى حامد يعطى دية الذكر

стр. 2722

والانثيين، وعلى قول بعض أصحابنا الخراسانيين يعطى أقل الحكومتين في آلة الرجال وآلة النساء، وإن كان القاطع خنثى مشكلا فإنه لا يجب القصاص في الحال لانا لا نتيقن عين الزائد من الاليتين فيهما ولا عين الاصلى، فلو أوجبنا القصاص في الحال لم نأمن أن يأخذ أصليا بزائد وذلك لا يجوز، فإن طلب حقه من المال نظرت - فإن عفا عن القصاص - قال أصحابنا البغداديون: أعطى دية الشفرين وحكومة للذكر والاليتين لانه يستحق ذلك بيقين وقال الخراسانيون: يعطى الحكومة في الذكر والانثيين والشفرين، وان لم يعف عن القصاص فهل يعطى شيئا؟ إن قلنا بقول علي بن أبى هريرة لا يعطى شيئا إذا كان القاطع رجلا أو أمرأة فههنا أولى أن لا يعطى. وإن قلنا هناك يعطى فها هنا وجهان: (أحدهما) لا يعطى وهو قول القفال لان القصاص متوهم في جميع الآلات (والثانى) يعطى أقل الحكومتين في آلة الرجال والنساء، والصحيح أنه لا يعطى شيئا. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وما وجب فيه القصاص من الاعضاء وجب فيه القصاص، وان اختلف العضوان في الصغر والكبر والطول والقصر والصحة والمرض، لانا لو أعتبرنا المساواة في هذه المعاني سقط القصاص في الاعضاء، لانه لا يكاد أن يتفق العضوان في هذه الصفات فسقط اعتبارها (فصل) وما انقسم من الاعضاء إلى يمين ويسار كالعين واليد وغيرهما لم تؤخذ اليمين فيه باليسار ولا اليسار باليمين، وما انقسم إلى أعلى وأسفل كالشفة والجفن لم يؤخذ الاعلى بالاسفل ولا الاسفل بالاعلى، ولا يؤخذ سن بسن غيرها ولا أصبع بأصبع غيرها ولا أنملة بأنملة غيرها لانها جوارح مختلفة المنافع والاماكن فلم يؤخذ بعضها ببعض، كالعين بالانف واليد بالرجل وما لا يؤخذ

стр. 2723

بعضه ببعض ما ذكرناه لا يؤخذ: وان رضى الجاني والمجني عليه، وكذلك ما لا يوخذ من الاعضاء الكاملة بالاعضاء الناقصة، كالعين الصحيحة بالقائمة، واليد الصحيحة بالشلاء، لا يؤخذ وإن رضى الجاني والمجني عليه بأخذها، لان الدماء لاتستباح بالاباحة. (فصل) وإن جنى على رجل جناية يجب فيها القصاص ثم قتله وجب القصاص فيهما لانهما جنايتان يجب القصاص في كل واحدة منهما، فوجب القصاص فيهما عند الاجتماع كقطع اليد والرجل (الشرح) كل عضو وجب فيه القصاص فإنه يجب فيه، وان اختلف العضوان في الصغر والكبر، والصحة والمرض، والسمن والهزال، لقوله تعالى (والعين بالعين والاذن بالاذن والسن بالسن) ولم يفرق، ولانا لو اعتبرنا هذه الاشياء لشق وضاق فسقط اعتباره كما سقط اعتبار ذلك في النفس، وما كان من الاعضاء منقسما إلى يمين ويسار كالعينين والاذنين واليدين والرجلين لا يجوز أخذ اليمنى منه باليسرى ولا اليسرى منه باليمنى. وقال ابن شبرمة يجوز. ولنا أن كل واحد منهما يختص باسم ينفرد به فلا يوخذ بغيره، كما لا يؤخذ اليد بالرجل، وكذا لا يؤخذ الجفن الاعلى بالجفن الاسفل، ولا العكس، وكذلك الشفتان مثله، ولا يؤخذ سن بسن غيرها، ولا أصبع بأصبع غيرها، ولا أنملة بأنملة غيرها، كما لا تؤخذ نفس بجنايتة نفس غيرها ولا يؤخذ أي شئ من ذلك وإن رضى كل من الجاني والمجني عليه، وكذلك إذا رضى الجاني بأن يؤخذ العضو الكامل بالناقص، والصحيح بالاشل، لم يجز لان الدماء لاتستباح بالاباحة (مسألة) إذا قطع يد رجل ثم عاد فقتله كان له أن يقطع يده ثم يقتله، وبه قال أبو حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: ليس له إلا القتل. دليلنا قوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وهذا قد اعتدى بقطع اليد فلم يمنع من قطع يده، ولانهما جنايتان يجب القصاص في كل واحدة منهما إذا انفردت فوجب القصاص فيهما عند الاجتماع كقطع اليد والرجل

стр. 2724

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فصل) وإن قتل واحد جماعة أو قطع عضوا من جماعة لم تتداخل حقوقهم لانها حقوق مقصودة لآدميين فلم تتداخل كالديون، فإن قتل أو قطع واحدا بعد واحد اقتص منه للاول، لان له مزية بالسبق، وإن سقط حق الاول بالعفو اقتص للثاني، وان سقط حق الثاني اقتص للثالث، وعلى هذا. وإذا اقتص منه لواحد بعينه تعين حق الباقين في الدية، لانه فاتهم القود بغير رضاهم، فانتقل حقهم إلى الدية، كما لو مات القاتل أو زال طرفه، وإن قتلهم أو قطعهم دفعة واحدة أو أشكل الحال أقرع بينهم فمن خرجت له القرعة اقتص له لانه لامزية لبعضهم على بعض فقدم بالقرعة كما قلنا فيمن أراد السفر ببعض نسائه، فإن خرجت القرعة لواحد فعفا عن حقه أعيدت القرعة للباقين لتساويهم وإن ثبت القصاص لواحد منهم بالسبق أو بالقرعة فبدر غيره واقتص صار مستوفيا لحقه. وإن أساء في التقدم على من هو أحق منه، كما قلنا فيمن قتل مرتدا بغير إذن الامام أنه يصير مستوفيا لقتل الردة، وإن أساء في الافتيات على الامام. وإن قتل رجل جماعة في المحاربة ففيه وجهان (أحدهما) أن حكمه حكم ما لو قتلهم في غير المحاربة (والثاني) أنه يقتل بالجميع لان قتل المحاربة لحق الله تعالى، ولهذا لا يسقط بالعفو فتداخل كحدود الله تعالى (فصل) وإن قطع يد رجل وقتل آخر قطع للمقطوع ثم قتل للمقتول تقدم القطع أو تأخر، لانا إذا قدمنا القتل سقط حق المقطوع، وإذا قدمنا القطع لم يسقط حق المقتول، وإذا أمكن الجمع بين الحقين من غير نقص لم يجز إسقاط أحدهما، ويخالف إذا قتل اثنين لانه لا يمكن إيفاء الحقين فقدم السابق، وإن قطع أصبعا من يمين رجل ثم قطع يمين آخر قطع الاصبع للاول ثم قطعت اليد للثاني ويدفع إليه أرش الاصبع، ويخالف إذا قطع ثم قتل حيث قلنا إنه يقطع للاول ويقتل للثاني ولا يلزمه لنقصان اليد شئ لان النفس لا تنقص بنقصان اليد، ولهذا يقتل صحيح اليد بمقطوع اليد، واليد تنقص بنقصان الاصبع، ولهذا لا تقطع اليد الصحيحة بيد ناقصة الاصابع.

стр. 2725

وان قطع يمين رجل ثم قطع أصبعا من يد رجل آخر قطعت يمينه للأول لان حقه سابق، ويخالف إذا قتل رجل ثم قطع يد آخر حيث أخرنا القتل، وإن كان سابقا، لان هناك يمكن إيفاء الحقين من غير نقص يدخل على ولى المقتول بقطع اليد، وههنا يدخل النقص على صاحب اليد بنقصان الاصبع. (فصل) وإن قتل رجلا وارتد، أو قطع يمين رجل وسرق، قدم حق الآدمى من القتل والقطع، وسقط حق الله تعالى، لان حق الآدمي مبنى على التشديد، فقدم على حق الله تعالى (الشرح) إذا قتل واحد جماعة قتل بواحد وأخذ الباقون الدية، وقال أبو حنيفة ومالك يقتل بالجماعة - فإن بادر واحد وقتله - سقط حق الباقين، وبه قال أصحابنا الخراسانيون. وقال أحمد ﵀: إن طلبوا القصاص قتل لجماعتهم، وان طلب بعضهم القصاص وبعضهم الدية قتل لمن طلب القصاص وأعطى الدية من طلبها. وقال عثمان البتي: يقتل بجماعتهم ثم يعطون الدية في باقيهم فيقسمونها بينهم، مثل أن يقتل عشرة، فإنه يقتل ويعطون تسع دياث ويقسمونها بين العشرة. ودليلنا قوله ﷺ " فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية " ولانها حقوق مقصودة لآدميين يمكن استيفاؤها فوجب أن لا يتداخل كالديون وقولنا مقصودة إحتراز من آجال الدين. وقولنا لآدميين احتراز من حقوق الله تعالى وهي الحدود في الزنا وشرب الخمر إذا ثبت هذا فإن قتل واحدا بعد واحد اقتص للاول، فإن عفا الاول اقتص للثاني، وإن عفا الثاني اقتص للثالث. وان كان ولى الاول غائبا أو صغيرا انتظر قدوم الغائب وبلوغ الصغير. وان قتلهم دفعة واحدة بأن هدم عليهم بيتا أو جرحهم فماتوا معا أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة قتل به وكان للباقين الدية. وقال بعض أصحابنا الخراسانيين: يقتل بالجيمع ويرجع كل واحد من الاولياء بحصته من الدية. وإن قتلهم واحدا بعد واحد إلا أنه أشكل الاول منهم

стр. 2726

فإن أقر القاتل لاحدهم أنه الاول قبل إقراره وقتل به، وان لم يقر أقرعنا بينهم لاستواء حقوقهم، فإن بادر أحدهم وقتله فقد استوفى حقه وانتقل حق الباقين إلى الدية. وحكى الخراسانيون من أصحابنا أنه إذا قتل واحدا بعد واحد، وكان ولى الاول غائبا أو مجنونا أو صغيرا قولين: أحدهما يستوفى ولى الثاني والثاني لا يستوفي بل ينتظر حضور الغائب وإفاقة المجنون وبلوغ الصغير. وإن قتل جماعة في قطع الطريق وقلنا بالمشهور من المذهب انه يقتل بواحد في غير قطع الطريق فهاهنا وجهان. وحكاهما الخراسانيون قولين (أحدهما) حكمه حكم ما لو قتلهم في غير قطع الطريق لما ذكرناه هناك (والثاني) يقتل بالجميع ولا شئ للباقين لانه يقتل حدا، بدليل أنه لا يصح العفو فيه، وان قطع عضوا من جماعة فحكمه حكم ما لو قتل جماعة على ما مضى (مسألة) وان قطع يد رجل وقتل آخر، قطعت يده للمقطوع ثم قتل للمقتول سواء تقدم قطع اليد أو تأخر، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ مَالِكٌ يقتل للمقتول ولا تقطع يده للمقطوع، دليلنا قوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين) الاية. فأخبر أن النفس تؤخذ بالنفس والطرف بالطرف، فمن قال غير هذا فقد خالف الاية، ولانهما جنايتان على شخصين فلا يتداخلان كما لو قطع يدى رجلين، وانما قدمنا القطع ههنا، وان كان متأخرا لانه يمكن إيفاء الحقين من غير نقص على أحدهما، ومتى أمكن إيفاء الحقين لم يجز إسقاط أحدهما. وان قطع أصبعا من يمين رجل ثم قطع يمين آخر قطعت أصبعه للاول، ثم قطعت يده للثاني ولزمه أن يغرم للثاني دية أصبعه التي لم يقتص منها، ويخالف إذا قتل رجل مقطوع اليد لرجل غير مقطوع اليد - فإنه لا يغرم شيئا له - لان اليد تنقص بنقصان الاصبع، ولهذا لا تؤخذ يد كاملة الاصابع بيد ناقصة الاصابع والنفس لا تنقص بنقصان اليد، ولهذا يقتل من له يدان بمن له يدان بمن له يد واحدة، وان قطع يمين رجل ثم قطع أصبعا من يمين آخر قطعت يمينه للاول، وأخذ الاخر دية أصبعه المقطوعة، ويخالف إذا قطع يمين رجل ثم قتل آخر حيث قلنا

стр. 2727

يقدم القطع، وان كان متأخرا، لان اليد ينقص بنقصان الاصبع: والنفس لا تنقص بنقصان اليد (فرع) إذا قتل رجلا وارتد أو قطع يمين رجل وسرق، قدم حق الادمي من القتل والقطع لانه مبنى على التشديد، وحق الله مبنى على المسامحة. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (باب استيفاء القصاص) من ورث المال ورث الدية، لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر رضى الله عنه يقول: لا ترث المرأة من دية زوجها، حتى قال له الضحاك ابن قيس: كَتَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عمر رضى الله عنه عن ذلك " ويقضي من الدية دينه وينفذ منها وصيته. وقال أبو ثور. لا يقضى منها الدين ولا ينفذ منها الوصية، لانها تجب بعد الموت، والمذهب الاول، لانه مال يملكه الوارث من جهة فقضى منه دينه، ونفذت منه وصيته كسائر أمواله. ومن ورث المال ورث القصاص، والدليل عليه ماروى أبو شريح الكعبي " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: ثم أنتم يا خراعة قد قلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية " وإن قطع مسلم طرف مسلم ثم ارتد ومات في الردة، وقلنا بأصح القولين انه يحب القصاص في طرفه، فقد نقل المزني أنه قال يقتص وليه المسلم، وقال المزني ﵀: لايقتص غير الامام لان المسلم لا يرثه، فمن أصحابنا من قال لايقتص غير الامام كما قال المزني، وحمل قول الشافعي رحمة الله عليه على الامام وقال عامة أصحابنا يقتص المناسب، لان القصد من القصاص التشفي ودرك الغيظ والذي يتشفى هو المناسب، ويجوز أن يثبت القصاص لمن لا يرث شيئا،

стр. 2728

كما لو قتل من له وارث وعليه دين محيط بالتركة، فإن القصاص للوارث وان لم يرث شيئا، وإن كان الوراث صغيرا أو مجنونا لم يستوف له الولى، لان القصد من القصاص التشفي ودرك الغيظ، وذلك لا يحصل باستيفاء الولى، ويحبس القاتل إلى أن يبلغ الصغير أو يعقل المجنون، لان فيه حظا للقاتل بأن لا يقتل، وفيه حظا للمولى عليه ليحصل له التشفي، فإن أقام القاتل كفيلا ليخلى لم يجز تخليته لان فيه تغريرا بحق المولى عليه بأن يهرب فيضيع الحق. وإن وثب الصبي أو المجنون على القاتل فقتله ففيه وجهان: أحدهما أنه يصير مستوفيا لحقه، كما لو كانت له وديعة عند رجل فأتلفها. والثانى لا يصير مستوفيا لحقه وهو الصحيح، لانه ليس من أهل استيفاء الحقوق ويخالف الوديعة، فإنها لو تلف من غير فعل برئ منها المودع. ولو هلك الجاني من غير فعل لم يبرأ من الجناية. وان كان القصاص بين صغير وكبير لم يجز للكبير أن يستوفى، وان كان بين عاقل ومجنون لم يجز للعاقل أن يستوفي لانه مشترك بينهما فلا يجوز لاحدهما أن ينفرد به، فإن قتل من لا وارث له كان القصاص للمسلمين واستيفاوه إلى السلطان، وان كان له من يرث منه بعض القصاص كان استيفاؤه إلى الوارث والسلطان، ولايجوز لاحدهما أن ينفرد به لما ذكرناه (الشرح) خبر الضحاك بن قيس أسنده المصنف لم يرو أن الذي كتب إليه النبي ﷺ هو الضحاك بن قيس لانه ولد قبل وفاته ﷺ بسبع سنين. فهو الضحاك بن قيس بن خالد الاكبر أبن وهب بن ثعلبة يكنى أبا أنيس، وقيل أبو عبد الرحمن، والاول أفاده الواقدي، وهو أخو فاطمة بنت قيس وكان أصغر سنا منها، ويرجح أنه لم يَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فضلا عن أن يوليه ويكتب إليه. وقد كان الضحاك بن قيس على شرطة معاوية ثم صار عاملا على الكوفة بعد زياد، وقد قتل الضحاك بن قيس بمرج راهط لانه كان يأخذ البيعة لابن الزبير قتله جنود يزيد. أما الذي ولاه النبي ﷺ وكتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابى فهو الضحاك بن سفيان الكلابي، فهو الذي ولاه النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 2729

أمر من اسلم من قومه، وقد ثبت أن الرسول أمره على سرية فذكره العباس ابن مرداس في شعره فقال: ان الذين وفوا بما عاهدتهم جيش بعثت عليهم الضحاكا أمرته ذرب السنان كأنه لما تكنفه العدو يراكا طورا يعانق باليدين وتارة يفرى الجماجم صارما بتاكا وكان رضى الله عنه أحد الابطال، وكان يقوم على رأس رسول الله ﷺ متوشحا سيفه، وكان يعد بمائة فارس قال ابن عبد البر، وله خبر عجيب مع بنى سليم ذكره أهل الاخبار: روى الزبير بن بكار: حدثتني ظيماء بنت عبد العزيز حدثنى أبى عن جدى موألة بن كثيف أن الضحاك بن سفيان الكلابي كان سياف رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ بنو سليم في تسعمائة، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم: هل لكم في رجل يعدل مائة يوفيكم ألفا؟ فوافاهم بالضحاك بن سفيان وكان رئسيهم. ولابن مرداس: عشية ضحاك بن سفيان معتص لسيف رسول الله والموت واقع روى عنه سعيد بن المسيب والحسن البصري، فإذا ثبت هذا فإن الحديث أخرجه أبو داود في الفرائض عن أحمد بن صالح والترمذي عنه في الفرائض، وعن قتيبة وأحمد بن منيع وغير واحد، وفي الديات عن قتيبة وأبى عمار بن الحسين بن حريث وابن ماجه في الديات عن أبى بكر بن أبى شيبة ومالك في الموطأ في العقول عن أبن شهاب والضبابي وهو بطن من كلاب منهم شمر بن ذى الجوشن قاتل الحسين ﵇ وأما حديث أبى شريح الكعبي فقد أخرجه أبو داود في الديات عن مسدد، والترمذي في الديات عن محمد بن بشار، وقد أخرجه بمعناه أحمد والشيخان وابن ماجه والدارمى. وأبو شريح اسمه خويلد بن عمرو، وقد مضى تحقيق نسبه وشئ من مناقبه آنفا. وقوله " بين خيرتين " الخيرة وزان عنبة الاسم من قولك: اختاره الله تعالى وخيرة بالتسكين أيضا، والاهل يقع على الذكر والانثى.

стр. 2730

أما الاحكام فقد قال الشافعي رضى الله عنه: ولم يختلفوا في أن العقل موروث كالمال. وجملة ذلك أنه إذا قتل رجل رجلا خطأ أو عمدا وعفى عنه على المال، فإن الدية تكون لجميع ورثة المقتول لقوله تَعَالَى " وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله " ولقوله ﷺ " فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا أقتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية " لافرق بين الذكران والاناث إجماعا لا خلاف فيه. وقد رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ لم يورث المرأة من دية زوجها، فقال له الضحاك بن سفيان: كَتَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أن أورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها، فرجع عمر رضى الله عنه وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لا يتوارث ملتان شتى، وترث المرأة من دية زوجها " قال المصنف: ويقضى من الدية دينه وتنفذ منه وصاياه. وقال أبو ثور: لا يقضى منها دينه ولا تنفذ وصاياه، والذي يقتضى المذهب أن يبنى على القولين متى تجب الدية؟ فإن قلنا بآخر جزء من أجزاء حياة المقتول قضى منها دينه ونفذت منها وصاياه. وإن قلنا يجب بعد موته لم يقض منها دينه ولم تنفذ منها وصاياه ولعله ذكر ذلك على الاصح عنده وأما إذا كان القتل يقتضى القصاص فإن القصاص موروث وفيمن يرثه من الورثة ثلاثة أوجه حكاها ابن الصباغ أحدها أنه لا يرثه إلا العصبة من الرجال، وبه قال مالك والزهرى، لان القصاص يدفع العار عن النسب فاختص به العصبات كولاية النكاح. فإن اقتصوا فلا كلام، وإن عفوا على مال كان لجميع الورثة (والثانى) أنه يرثه من يرث بنسب دون سبب، فيخرج بذلك من يرث بالزوجية، به قال ابن شبرمة، لان القصاص يراد للتشفي، والزوجية تزول بالموت. (والثالث) وهو المنصوص، ولم يذكر الشيخان أبو إسحاق الاسفرايينى وأبو حامد المرور وذي غيره أنه يرثه جميع الورثة من يرث بنسب ومن يرث بسبب وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد لقوله ﷺ " فمن قتل بعد قتيلا

стр. 2731

فأهله بين خيريتن إن أحبوا قتلوا وان أحبوأ أخذو الدية " والاهل لغة يقع على الرجال والنساء، ولانه يجعل القود لمن جعل له الدية، ولا خلاف أن الدية لجميع الورثة فكذلك القود، وَرَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لاهل القتيل أن ينحجزوا الاول فالاول، وان كانت أمرأة " رواه أبو داود والنسائي. قال أبو عبيد. معنى أن ينحجزوا يكفوا عن القصاص، ولو لم يكن للمرأة حق في القصاص لما جعل لها الكف عنه. وروى أن رجلا قتل رجلا، فأراد أولياء الدم القود، فقالت أخت المقتول - وكانت زوجة القاتل - عفوت عن نصبيى من القود، فقال عمر رضى الله عنه الله أكبر عتق من القتل (فرع) إذا قطع طرف مسلم فارتد المقطوع ثم مات على الردة - وقلنا يجب القصاص في الطرف - فمن الذي يتسوفيه؟ قال الشافعي رضى الله عنه. لوليه المسلم أن يقتص، واعترض المزني عليه فقال كيف يجوز لوليه أن يقتص وهو لا يرثه. واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال لايقتص وليه المسلم كما قال المزني، لانه لا يرثه - ولم يرد الشافعي الولى ههنا المناسب، وإنما أراد الامام. وقال أكثرهم بل يجوز لوليه المناسب أن يقتص لان القصاص للتشفي وذلك إلى المناسب لا إلى الامام. وقول الاول غير صحيح لانه قد يثبت القصاص لمن لا يرث، وهو إذا قتل رجل وعليه دين يحيط بتركته - فإذا قلنا إن الامام هو الذي يقتص كان بالخيار بين أن يقتص وبين أن يعفو على مال. فإذا عفا على مال كان بها، وإذا قلنا يقتص الولى المناسب - فإن اقتص - فلا كلام، وان عفا على مال فهل يثبت؟ فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد (أحدهما) لا يثبت لان أرش الطرف يدخل في أرش النفس فلما لم يجب أرش النفس لم يجب أرش الطرف (والثانى) يجب الارش وهو الاصح لان الجناية وقعت في حال مضمونة فلم يسقط حكمها بسقوط حكم السراية، فإذا قلنا بهذا فكم الارش الذي يجب؟ فيه وجهان، قال عامة أصحابنا يجب أقل الامرين من أرش الطرف أو دية النفس لان دية النفس إذا كانت أكثر من أرش الطرف لم تجب الزيادة على أرش الطرف

стр. 2732

لان الزيادة وجبت بالسراية، وإن كان أرش الطرف أكثر لم يجب ما زاد على دية النفس، لانه لو مات وهو مسلم لم يجب عليه أكثر من دية مسلم فكذلك هاهنا مثله. وقال أبو سعيد الاصطخرى: يجب أرش الطرف بالغا ما بلغ، لان الدية إنما تجب في النفس في الموضع الذي لو كان دون الدية وصار نفسا وجبت الدية وهاهنا لاحكم للسراية في الزيادة فكذلك في النقصان. والاول أصح (فرع) إذا كان القصاص لصغير أو مجنون أو لغير رشيد لم يستوف الولى له، وبه قال أحمد وأبو يوسف وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد يجوز للاب والجد أن يستوفى له القصاص في النفس والطرف، ويجوز للوصي والحاكم أن يستوفى إلا في الطرف دون النفس. دليلنا قوله ﷺ " فأهله بين خيرتين إن أحبوا اقتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية " فجعل الخيرة للاهل، فلو جعلنا للولى استيفاءه لفوتنا ما خير فيه، ولانه لا يملك إيقاع طلاق زوجته فلا يملك استيفاء القصاص في النفس كالوصي. فإذا ثبت هذا فإن القاتل يحبس إلى أن يبلغ الصبى ويفيق المجنون ويصلح المفسد - لان في ذلك مصلحة للقاتل بأن يعيش إلى مدة ويتأخر قتله - وفيه مصلحة لولى المقتول لئلا يهرب القاتل ويفوت القصاص، فإن أراد الولى أن يعفو عن القود على مال، فإن كان المولى عليه له كفاية لم يجز، وإن كان محتاجا إلى ذلك المال للنفقة ففيه وجهان (أحدهما) يجوز لانه محتاج إلى ذلك (والثانى) لا يجوز لانه لا يملك استيفاء حقه من القصاص، ونفقته في بيت المال. وإن وثب الصبي أو المجنون فاقتص فهل يصير مستوفيا؟ فيه وجهان (أحدهما) يصير مستوفيا كما لو كانت له وديعة فأتلفها (والثانى) لا يصير مستوفيا وهو الاصح، لانه ليس من أهل الاستيفاء، وان كان القصاص لغائب حبس القاتل إلى أن يقدم كما قلنا فيه إذا كان لصغير أو مجنون. فإن قتل فهلا قلتم لا يحبس للغائب لانه لا ولاية للحاكم على الغائب، كما لو كان لغائب مال مغصوب فليس للحاكم أن يحبسپ الغائب وينزع ماله المغصوب؟ فالجواب أن القود ثبت للميت

стр. 2733

وللحاكم على الميت ولاية، وليس كذلك الغالب إذا غصب ماله لانه لا ولاية له عليه وهو رشيد، فوزانه أن يموت رجل ويخلف مالا وله وارث غائب، فجاء رجل وغصب ماله فللام حبس الغاصب إلى أن يقدم الغائب (فرع) فإن كان القصاص لجماعة وبعضهم حاضر وبعضهم غائب لم يجز للحاضر أن يستوفى بغير إذن الغائب بلا خلاف، وإن كان الخلاف بين صغير وكبير أو بين عاقل ومجنون لم يجز للكبير والعاقل أن يستوفى القصاص حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون، ويأذن في الاستيفاء. وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو يوسف وأحمد. وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز للكبير والعاقل أن يستوفى قبل بلوغ الصغير وإفاقة المجنون، إلا أن أصحاب أبى حنيفة أختلفوا فيما يستوفيه، فمنهم من قال يستوفى حقه وحق الصغير والمجنون، ومنهم من قال يستوفى حقه ويسقط حق الصغير والمجنون، دليلنا أنه قصاص موروث فوجب أن لا يختص باستيفائه بعض ورثته، كما لو كان لحاضر وغائب وإذا ثبت هذا فإن القاتل يحبس إلى أن يبلغ الصغير ويفيق المجنون، وقد حبس معاوية هدبة بن خشرم في قصاص حتى يبلغ ابن القتيل، وذلك في عصر الصحابة رضوان الله عليهم فلم ينكر ذلك. وبذل الحسن والحسين وسعيد بن العاص لابن القتيل سبع ديات فلم يقبلها فإن قيل لم لا يخلى سبيله كالمعسر بالدين. قلنا لان تخليته تضييع فإنه لا يؤمن هربه، والفرق بينه وبين المعسر من وجوه ١ - أن قضاء الدين لا يجب مع الاعسار فلا يحبس بما لا يجب، والقصاص ههنا واجب وانما تعذر المستوفى ٢ - ان المعسر إذا حبسناه تعذر الكسب لقضاء الدين فلا يفيد بل يضر من الجانبين. وهاهنا الحق نفسه يفوت بالتخلية لا بالحبس ٣ - انه قد استحق قتله، وفيه تفويت نفسه ونفعه، فإذا تعذر تفويت نفسه جاز تفويت نفعه لامكانه، فإن قيل فلم يحبس من أجل الغائب وليس للحاكم عليه ولاية إذا كان مكلفا رشيدا، ولذلك لو وجد بعض ماله مغصوبا لم يملك

стр. 2734

انتزاعه؟ قلنا لان في القصاص حقا للميت، وللحاكم عليه ولاية، ولهذا تنفذ وصاياه من الدية وتقضى ديونه منها، فنظيره أن يجد الحاكم من تركة الميت في يد إنسان شيئا غصبا والوارث غائب فإنه يأخذه، ولو كان القصاص لحى في طرفه لم يتعرض لمن هو عليه، فإن أقام القاتل كفيلا بنفسه ليخلى سبيله لم يجز لان الكفالة لا تصح في القصاص فإن فائدتها استيفاء الحق من الكفيل إن تعذر إحضار المكفول به، ولا يمكن استفياؤه من غير القاتل، فلم تصح الكفالة به كالحد، ولان فيه تغريرا بحق المولى عليه، فإنه ربما خلى سبيه فهرب فضاع الحق فإن وجب القصاص في قتل من لا وارث له غير المسلمين كان القصاص إلى الامام لانه نائب عنهم، وان كان هناك من يرث البعض ويرث المسلمون الباقي كان استيفاء القصاص إلى الامام والى الوارث قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان قتل رجل وله اثنان من أهل الاستيفاء فبدر أحدهما وقتل القاتل من غير اذن أخيه ففيه قولان (أحدهما) لا يجب عليه القصاص، وهو الصحيح، لان له في قتله حقا فلا يجب عليه القصاص بقتله، كما لا يجب الحد على أحد الشريكين في وطئ الجارية المشتركة (والثانى) يجب عليه القصاص لانه اقتص في أكثر من حقه فوجب عليه القصاص، كما لو وجب له القصاص في طرفه فقتله، ولان القصاص يجب بقتل بعض النفس إذا عرى عن الشبهة، ولهذا يجب على كل واحد من الشريكين في القتل. وان كان قاتلا لبعض النفس والنصف الذي لاخيه لا شبهة فيه فوجب القصاص عليه بقتله وان عفا أحدهما عن حقه من القصاص ثم قتله الاخر بعد العلم بالعفو نظرت فإن كان بعد حكم الحاكم بسقوط القود عنه وجب عليه القصاص، لانه لم يبق له شبهة، وان كان قبل حكم الحاكم بسقوط القود عنه فإن قلنا يجب عليه القود إذا قتله قبل العفو فلان يجب عليه إذا قتله بعد العفو أولى، وان قلنا لا يجب عليه قبل العفو ففيما بعد العفو قولان (أحدهما) يجب عليه لانه لاحق له في قتله كما لو عفوا ثم قتله أحدهما

стр. 2735

(والثانى) لا يجب، لان على مذهب مالك رحمة الله عليه يجب له القود بعد عفو الشريك، فيصير ذلك شبهة في سقوط القود، فإذا قلنا أنه يجب القصاص على الابن القاتل وجب دية الاب في تركة قاتله، نصفها للاخ الذي لم يقتل، ونصفها للاخ القاتل ولورثته بعده، وإذا قلنا لا يجب القصاص على الابن القاتل وجب عليه نصف دية المقتول، لانه قتله وهو يستحق نصف النفس وللاخ الذي لم يقتل نصف الدية، وفيمن يجب عليه قولان (أحدهما) يجب على الابن القاتل، لان نفس القاتل كانت مستحقة لهما، فإذا أتلفها أحدهما لزمه ضمان حق الاخر كما لو كانت لهما وديعة عند رجل فأتلفها أحدهما، فعلى هذا ان أبرا الابن الذي لم يقتل ورثة قاتل أبيه من نصفه لم يصح ابراؤه، لانه أبرأ من لاحق له عليه. وان أبرأ أخاه صح ابراؤه لانه أبرا من عليه الحق. والقول الاخر أنه يجب ذلك في تركة قاتل أبيه لانه قود سقط إلى مال فوجب في تركة القاتل كما لو قتله أجنبي، ويخالف الوديعة، فانه لو أتلفها أجنبي وجب حقه عليه، والقاتل لو قتله أجني لم يجب حقه عليه، فعلى هذا لو أبرأ أخاه لم يصح ابراؤه، وان أبرأ ورثة قاتل أبيه صح ابراؤه ولورثة قاتل الاب مطالبة الابن القاتل بنصف الدية، لان ذلك حق لهم عليه فلا يسقط ببرأتهم عن الابن الاخر. (الشرح) إذا قتل رجل وله أخوان وابنان من أهل استيفاء القصاص لم يكن لهما أن يستوفيا القصاص جيمعا، لان في ذلك تعذيبا للقاتل، فإما أن يوكلا رجلا ليستوفى لها القصاص، واما أن يوكل أحدهما الاخر في الاستيفاء، فإن طلب كل واحد منهما أن يوكله الاخر أقرع بينهما، لانه لا مزية لاحدهما على الاخر، فإذا خرجت القرعة لاحدهما أمر الاخر أن يوكله، وان بادر أحدهما وقتل القاتل بغير اذن أخيه نظرت - فإن كان الذي لم يقتل لم يعف عن حقه من القصاص - فهل يجب على القاتل منهما القود؟ فيه قولان (أحدهما) يجب عليه القود لانه ممنوع من قتله وقد يجب القتل بإتلاف
следующие страницы →