لانه شارك في القتل عامدا فوجب عليه القصاص كشريك الاب
(والثانى)
لا يجب عليه القصاص إذا شارك من لا ضمان عليه أولا (فرع)
وإن جرحه رجل جراحة يقتل منها عامدا فداوى نفسه بسم فمات
نظرت - فإن كان سما موحيا يقتل في الحال لم يجب على الجارح قصاص في النفس لانه قطع سراية جرحه بالسم، فصار كما لو جرحه رجل ثم ذبح نفسه وإن كان السم قد يقتل وقد لا يقتل، والغالب أنه لا يقتل لم يجب على الجارح قصاص في النفس لانه مات من فعلين، وأحدهما عمد خطأ، فهو كما لو شارك العامد مخطئا، وإن كان السم قد يقتل وقد لا يقتل والغالب أنه يقتل بأن وضع سيانيد البوتاسيوم على الجرح فهل يجب القصاص على الجارح في النفس؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال فيه قولان، لانه شارك قاصدا إلى الجناية ولا يجب عليه الضمان، فهو كما لو جرح نفسه وجرحه آخر، أو جرحه سبع وجرحه آخر، ومنهم من قال لا يجب عليه القصاص قولا واحدا، لانه لم يقصد الجناية على نفسه وإنما قصد المداواة فصار فعله عمد خطأ بخلاف شريك السبع وشريك من جرح نفسه وأنهما قصدا الجناية (فرع)
وان جرحه رجل فخيط جرحه فمات نظرت - فإن خيط في لحم ميت كاللحم إذا قطعه السيف فإن القود يجب على الجارح لانه لاسراية للخياطة في اللحم الميت، وان خيط في اللحم الحى نظرت - فإن خاطه المجروح بنفسه أو خاطه غيره بأمره - فهل يجب القود على الجارح في النفس؟ فيه طريقان كما قلنا فيه إذا داوى جرحه بسم قد يقتل وقد لا يقتل، إلا أنه يقتل في الغالب، وان خاطه أجنبي بغير اذنه أو أكرهه على ذلك وجب القود على الجارح والذي خاط الجراحة لانهما قاتلان، وان خاطه السلطان وأكرهه على ذلك، فإن كان لا ولاية له عليه كان كغيره من الرعية فيجب عليه القود في النفس مع الجارح وان كان له على المجروح ولاية بأن كان صغيرا أو مجنونا أو خاطها الولى عليه غير السلطان أو كان على المولى عليه سلعة فقطعها وليه فمات، فهل يجب عليه القود فيه قولان:
(أحدهما)
يجب عليه القود لانه جرح جرحا مخوفا فوجب عليه القود،
стр. 2662
فعلى هذا يجب على شريكه وهو الجارح القود
(والثانى)
لا يجب عليه القود لانه لم يقصد الجناية وانما قصد المداواة فصار فعله عمد خطأ، فعلى هذا لا يجب عليه أو على شريكه القود في النفس.
ويجب على كل واحد منهما نصف ديته مغلظة وهل يكون ما وجب على الامام من ذلك في ماله أو في بيت المال؟ فيه قولان يأتي بيانهما إن شاء الله تعالى (فرع)
وإن جرح رجل رجلا جرحا وجرحه آخر مائة جرح ثم مات فهما شريكان في القتل، فيجب عليهما القود، لانه يجوز أن يموت من الجرح الواحد كما يجوز أن يموت من المائة، وإذا تساوى الجميع في الجواز فالظاهر أنه مات من الجميع فصارا قاتلين فيجب عليهما القود وان عفا عنهما وجبت الدية عليهما نصفين ولا تقسط الدية على عدد الجراحات كما قلنا في الجلاد إذا زاد جلده على ما أمر به في أحد القولين، لان الاسواط متماثلة والجراحات لها مور في البدن أي قطع.
وقد يجوز الواحدة منهما هي القاتلة وحدها دون غيرها، وان أجافه رجل جائفة وجرحه آخر جراحة غير جائفة ثم مات منهما فهما سواء، وكون احداهما أعمق من الاخرى لايمنع من تساويهما كما لايمنع زيادة جراحات أحدهما في العدد التساوى بينهما (فرع)
إذا قطع رجل حلقوم رجل أو ضربه ثم جاء آخر فقطعه نصفين أو خرق بطنه وقطع أمعاءه وأبانها معه ثم جاء آخر فذبحه فالاول قاتل يجب عليه القود ولا يجب على الثاني الا التعزيز، لان بعد جناية الاول لا يبقى فيه حياة مستقرة، وانما يتحرك كما يتحرك المذبوح، ولانه قد صار في حكم الموتى بدليل أنه لا يصح اسلامه ولا توتبه، ولا يصح بيعه ولاشراؤه ولا وصيته ولا يرث
وان جنى لم يجب عليه شئ فصار كما لو جنى على ميت وان قطع الاول يده أو رجله ثم حز الاخر رقتبه أو اجافه الاول ثم قطع الثاني رقبته فالاول جارح يجب عليه ما يجب على الجارح والثانى قاتل، لان بعد جناية الاول فيه حياة مستقرة، لانه قد يعيش اليوم واليومين وقد لا يموت من هذه الجناية، بدليل أنه يصح اسلامه وتوبته وبيعه وشراؤه ووصيته:
стр. 2663
ولهذا لما طعن أبو لؤلوة المجوسى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي بطنه فجاءه الطبيب وسقاه لبنا فخرج اللبن من بطنه، فقال له اعهد إلى الناس، فعهد عمر رضى الله عنه ثم مات فعملت الصحابة رضوان الله عليهم بعهده فصار كالصحيح، والله تعالى أعلم بالصواب
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(بَابُ مَا يجب به القصاص من الجنايات)
إذا جرحه بما يقطع الجلد واللحم كالسيف والسكين والسنان، أو بما حدد من الخشب والحجر والزجاج وغيرها أو بما له مور وبعد غور كالمسلة والنشاب وما حدد من الخشب والقصب ومات منه وجب عليه القود، لانه قتله بما يقتل غالبا، وإن غرز فيه إبرة - فإن كان في مقتل كالصدر والخاصرة والعين وأصول الاذن فمات منه - وجب عليه القود، لان الاصابة بها في المقتل، كالاصابة بالسكين والمسلة في الخوف عليه، وإن كان في غير مقتل كالالية والفخذ نظرت - فإن بقى منه ضمنا إلى أن مات - وجب عليه القود، لان الظاهر أنه مات منه وان مات في الحال فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أنه يجب عليه القود لان له غورا وسراية في البدن.
وفي البدن مقاتل خفية
(والثانى)
وهو قول أبى العباس وأبى سعيد الاصطخرى أنه لا يجب لانه لا يقتل في الغالب فلا بجب به القود، كما لو ضربه بمثقل صغير، ولان في المثقل فرقا بين الصغير والكبير، فكذلك في المحدد (الشرح) اللغات: المور الموج والاضطراب والجريان، ومار الدم يمور مورا جرى، وأماره أساله، ومار السنان في المطعون إذا قطعه ودخل فيه.
قال الشاعر: وأنتم أناس تغمضون من القنا إذا مار في أكتافكم وتأطرا ويقولون: فلان لا يدرى ما سائر من مائر، فالمائر السيف القاطع الذي يمور
стр. 2664
في الضربية مورا، والسائر بيت الشعر المروى المشهور.
أما الغور فهو قعر كل شئ وقوله " ضمنا " هو الذي به الزمانة في جسده من بلاء أو كسر أو غيره.
أما الاحكام فإنه إذا جرح رجل رجلا بما يجرح بحده كالسيف والسكين أو بما حده من الرصاص والقصب والذهب والخشب أو بالليطة وهي القصبة المشقوقة أو بما له مور في البدن كالسنان والسهم والمغراز الذي يثقب به الاسكافي النعل والمسلة - وهي المخيط - فمات منها - وجب على الجارح القود، سواء كان الجراح صغيرا أو كبيرا أو سواء مات في الحال أو بقى متألما إلى أن مات، وسواء كان في مقتل أو في غير مقتل، لان جميع ذلك يشق اللحم ويبضعه ويقتل غالبا وأما إذا غرز فيه إبرة فمات نظرت - فإن غرزها في مقتل مثل أصول الاذنين والعين والقلب والانثيين وجب عليه القود لانها تقتل غالبا إذا غرزت في هذه المواضع، وان غرزت في غير مقتل كالالية والفخذ، قال ابن الصباغ فإن بالغ في ادخلها فيها وجب عليه القود، وان لم يبالغ في ادخلها بل غرزها فاختلف أصحابنا فيه فقال الشيخان أبو حامد الاسفرايينى وأبو إسحاق المروزى: ان بقى من ذلك
متألما إلى أن مات فعليه القود، لان الظاهر أنه مات منه وان مات في الحال ففيه وجهان.
قال أبو إسحاق يجب عليه القود لان الشافعي ﵀ قال سواء صغر الجرح أو كبر فمات المجروح فإن القود يجب فيه.
ولانه جرحه بحديدة لها مورة في البدن فوجب فيها القود كالمسلة وقال أبو العباس بن سريج وأبو سعيد الاصطخرى: لا يجب به القود لان الغالب أن الانسان لا يموت من غرز أبرة، فإذا مات علمنا أن موته وافق غرزها فهو كما لو رماه ببعرة أو ثوب فمات، كالذي يموت بالسكتة القلبية في اللحظة التي يضربه آخر بعصا لا يموت من مثلها، وقد دخل علم الطب الشرعي والتشريح الدارس لاسباب الجناية في مثل الحالات فحدد أسباب الوفاة بطريق قطعية أو شبيهة بالقطعية هي أقرب الوسائل للوصول إلى ما هو الحق، إذا تولى ذلك اثنان من الاطباء الشرعيين الثقات العدول، لانا نقول فيهما ما سبق أن قلناه في القافة في اتفاقهما واختلافهما وتطابقهما وتناقضهما
стр. 2665
واعترض ابن الصباغ على هذا فقال لا وجه لهذا التفصيل عندي، لانه إذا كانت العلة لا تقتل غالبا فلا وصل بين أن يبقى ضمنا منه أو يموت في الحال، فإن قيل لانه إذا لم يزل ضمنا منه فقد مات منه، وإذا مات في الحال فلا يعلم أنه مات منه، قال فكان ينبغى أن يكون الوجهان في وجوب الضمان دون القود " فيراعى في الفعل أن يكون بحيث يقتل في الغالب، ألا ترى أن الناس يحتجمون ويقتصدون؟ أفترى ذلك يقتل في الغالب وهم يقدمون عليه؟ وقال المسعودي: هل يجب عليه القود؟ فيه وجهان من غير تفصيل
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان ضربه بمثقل نظرت فإن كان كبيرا من حديد أو خشب أو
حجر فمات منه وجب عليه القود لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر، فقتله رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حجرين، ولانه يقتل غالبا فول لم يجب فيه القود جعل طريقا إلى اسقاط القصاص وسفك الدماء.
وان قتله بمثقل صغير لا يقتل مثله كالحصاة والقلم فمات لم يجب القود ولا الدية، لانا نعلم أنه لم يمت من ذلك، وان كان بمثقل قد يموت منه وقد لا يموت كالعصا.
فإن كان في مقتل وفي مريض أو في صغيرا أو في حر شديد أو في برد شديد أو والى عليه الضرب فمات وجب عليه القود، لان ذلك يقتل غالبا فوجب القود فيه.
وان رماه من شاهق أو رمى عليه حائطا فمات وجب القود فيه، لان ذلك يقتل في الغالب، وان خنقه خنقا شديدا أو عصر خصيتيه عصرا شديدا أو غمه بمخدة أو وضع يده على فيه ومنعه التنفس إلى أن مات وجب القود لان ذلك يقتل في الغالب، وان خنقه ثم خلاه وبقى منه متألما إلى أن مات وجب القود، لانه مات من سراية جنايته، فهو كما لو جرحه وتألم منه إلى أن مات، وان تنفس وصح ثم مات لم يجب القود، لان الظاهر أنه لم يمت منه فلم يجب القود، كما لو جرحه واندمل الجرح ثم مات
(فصل)
وان طرحه في نار أو ماء ولا يمكنه التخلص منه لكثرة الماء
стр. 2666
والنار أو لعجزه عن التخلص بالضعف، أو بأن كتفه وألقاه فيه ومات وجب القود لانه يقتل غالبا، وان ألقاه في ماء يمكنه التخلص منه فالتقمه حوت لم يجب القود، لان الذي فعله لا يقتل غالبا، وان كان في لجة لا يتخلص منها فالتقمه حوت قبل أن يصل إلى الماء ففيه قولان
(أحدهما)
يجب القود لانه ألقاه في مهلكه فهلك
(والثانى)
لا يجب لان هلاكه لم يكن بفعله
(الشرح) حديث أنس أخرجه البخاري في الديات عن محمد وعن حجاج ابن منهال وعن اسحاق وعن مسدد وعن محمد بن بشار، وفي الطلاق وفي الوصايا عن حسان بن أبى عباد وفي الاشخاص عن موسى بن اسماعيل وأخرجه مسلم في الديات عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار وعن هداب وعن عبد بن حميد وأخرجه أبو داود في الديات عن عثمان بن أبى شيبة وأحمد بن صالح ومحمد بن كثير وأخرجه الترمذي في الديات عن علي بن حجر والنسائي في القود عن علي بن حجر وعن اسحاق بن ابراهيم، وعن محمد بن عبد الله وعن اسماعيل بن مسعود، وفي المحاربة عن أحمد بن عمرو بن السرح والحارث بن مسكين وابن ماجه في الديات عن علي بن محمد وعن محمد بن بشار وأخرجه أيضا أحمد والدارقطني " أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، فقيل لها من فعل بك هذا؟ فلان أو فلان حتى سمى اليهودي، فأومأت برأسها، فجئ به فاعترف، فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بحجرين " وفي رواية لمسلم " فقتلها بحجر فجئ بها إلى النبي ﷺ وبها رمق " وفي رواية أخرى " قتل جارية من الانصار على حلى لها ثم ألقاها في قليب ورضخ رأسها بالحجارة، فأمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات " أما اللغات فالمثقل بضم الميم وفتح الثاء المثلثة وتشد القاف المفتوح بصيغة المفعول والمثقلة بالتأنيث كلاهما رخامة ونحوها يثقل بها البساط أما الاوضاح فهي جمع وضح، يقال درهم وضح، نقى أبيض على النسب، والوضح الدرهم الصحيح والاوضاح حلى من الدراهم الصحاح.
وحكى ابن الاعرابي أعطيته دراهم أوضاحا كأنها ألبان شوك رعت بد كداك مالك: مالك رمل بعينه
стр. 2667
وقلما ترعى الابل هنالك الا الحلى وهو أبيض، فشبه الدراهم في بياضها بألبان
الابل التي لا ترعى إلا الحلى وضح القدم بياض أخمصه وقوله " غمة بمخدة " غممته غطيته فانغم.
أما الاحكام فإن إن ضربه بمثل فمات منه - فإن كان يقتل مثل الحجر الكبير أو الخشبة أو الدبوس أو رمى عليه حائطا أو سقفا وما أشبهه - وجب عليه القود.
وبه قال مالك وابن أبى ليلى وأبو يوسف ومحمد.
وقال النخغى والشعبى والحسن البصري وأبو حنيفة: لا يجب القصاص بالمثقل دلينا ماروى طَاوُسٍ عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " العمد قود إلا أن يعفو ولى المقتول " والخطأ دية لاقود فيه ولم يفرق وروى أنس الحديث الذي ساقه المصنف في الفصل وخرجناه آنفا، قال العمرانى وفي هذا الخبر فوائد إحداها أن القود يجب بالقتل بالمثقل.
الثانية أنه يستفاد به.
الثالثة أن اليهودي يقتل بالمسلم.
الرابع أن الرجل يقتل بالمرأة.
الخامس أن الاشارة حكم لانه لو لم يكن لها حكم لانكر عليهم النبي ﷺ (قلت) مذهبنا ومذهب الجمهور.
وحكى ابن المنذر الاجماع عليه إلا رواية عن علي، وعن الحسن وعطاء أن الرجل يقتل بالمرأة، ورواه البخاري عن أهل العلم.
قال الشوكاني في النيل: وروى في البحر عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعكرمة وعطاء ومالك وأحد قولى الشافعي أنه لا يقتل الرجل بالمرأة، وإنما تجب الدية، وقد رواه عن الحسن البصري أبو الوليد الباجى والخطابى.
وحكى هذا القول صاحب الكشاف عن الجماعة الذين حكاه صاحب البحر عنهم، ولكنه قال: وهو مذهب مالك والشافعي، ولم يقل وهو أحد قولى الشافعي، كقول صاحب البحر، وقد أشار السعد في حاشيته على الكشاف إلى أن الرواية
التى ذكرها الزمخشري وهم محض.
قال ولا يوجد في كتب المذهبين - يعنى مذهب مالك والشافعي - تردد في قتل الذكر بالانثى وأخرج البيهقى عن أبى الزناد أنه قال: كان من أدركته مِنْ فُقَهَائِنَا الَّذِينَ يُنْتَهَى
стр. 2668
إلى قولهم، منهم سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمَ بن محمد وأبو بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَخَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بن ثابت وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وسليمان بن يسار في جلة من سواهم من نظرائهم أهل فقه وفضل أن المرأة تقاد من الرجل عينا بعين وأذنا بأذن وكل شئ من الحراج على ذلك، وإن قلتها قتل بها، ورويناه عن الزهري وغيره وعن النخعي والشعبى وعمر بن عبد العزيز قال البيهقى وروينا عن الشعبى وإبراهيم خلافه فيما دون النفس وعن حمل بن مالك (وهو ابن النابغة الهذلى وهو يعد في بصريى الصحابة، وحديثه الآتى مخرج عند المدينين والبصريين) قال رضى الله عنه " كنت بين امرأتين فضربت إحدهما الاخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى النبي ﷺ في جنينها بغرة وأن تقتل بها " رواه أبو داود في الديات والنسائي في القود وابن ماجه في الديات والدارقطني، وليس لحمل حديث سواه عن النبي ﷺ ، والمسطح الخشبة الكبيرة تركز في وسط الخيمة.
وإن ضرب بمثقل لا يقتل مثله غالبا كالقلم والحصى فمات لم يجب عليه القود ولا الدية ولا الكفارة، لانا نعلم أنه لا يموت منه، وإنما وافق موته ضربته، وإن ضربه بمثقل قد يقتل وقد لا يقتل كالسوط والعصا الخفيف فمات، فإن والى عليه الضرب إلى أن بلغ عددا يقتل مثله في الغالب على حسب حال المضروب، أو رمى به بأن يضربه خمسمائة أو ألفا، فإن ذلك يقتل في الغالب، وكذلك إذا كان المضروب نضو الخلق أو في حر شديد أو في برد شديد فضربه دون ذلك
فمات لم يجب عليه القود لانه عمد خطأ ويجب عليه الدية (فرع)
وإن خنقه بيده أو بحبل أو طرح على وجهه مخدة أو منديلا واتكأ عليه حتى مات - فإن فعل ذلك مدة يموت المخنوق من مثلها غالبا وجب على قاتلها القود، لانه تعمد قتله بما يقتل مثله غالبا.
وإن كان في مدة يجوز أن يموت مثله من مثلها، وبجوز أن لا يموت لم يجب عليه القود وعليه دية مغلظة، لان فعله عمد خطأ.
وإن خنقه يموت مثله من مثله ثم أرسله حيا ثم مات - فإن كان قد أورثه الخنق شيئا حتى لا يخرج نفسه، أو بقى متألما إلى أن مات، وجب على الخانق القود
стр. 2669
لانه مات بسراية فعله.
وإن جعل في رقبته خراطة حبل وتحت رجليه كرسيا وشد الحبل إلى سقف بيت وما أشبهه ونزع الكرسي من تحته فاختنق ومات وجب عليه القود لانه أوحى الخنق (مسألة) وإن طرحه في نار في حفير فلم يمكنه الخروج منها حتى مات وجب عليه القود لانه قتله بما يقتل غالبا.
وإن كانت النار في بسيط من الارض، فإن كان لا يمكنه الخروج منها لكثرتها أو لشدة التهابها، أو بأن كتفه وألقاه فيها، أو بأن كان ضعيفا لا يقدر على الخروج وجب عليه القود لانه قتله بما يقتل غالبا، وان أمكنه الخروج منها فلم يخرج حتى مات، ويعلم إمكان الخروج بأن يقول أنا أقدر على الخروج ولا أخرج لم يجب القود، وهل يجب عليه الدية فيه قولان:
(أحدهما)
يجب عليه الدية، لانه ضمنه بطرحه في النار، فلم تسقط عنه الضمان بتركه الخروج مع قدرته عليه، كما لو جرحه جراحة وأمكنه مداواتها فلم يداوها حتى مات.
(والثانى)
لا يجب عليه الدية لان النفس لم يخرج بالطرح بالنار، وإنما خرجت ببقائه فيها باختياره، فهو كما لو خرج منها ثم عاد إليها، ويفارق ترك المداواة لانه لم يحدث أمرا كان به التلف بخلاف بقائه في النار فإنه أحدث أمرا حصل به التلف، ولان البرء في الدواء أمر مظنون فلم تسقط به الدية، والسلامة بالخروج أمر متحقق فسقط بتركه الضمان، فإذا قلنا بهذا وجب على الطارح أرش ما عملت فيه النار من حين طرحه فيها إلى أن أمكنه الخروج فلم يخرج (فرع)
قال الشافعي ﵀: لو طرحه في لجة بحر وهو يحسن العوم أو لا يحسن العوم فغرق فيها فعليه القود.
وجملة ذلك أنه إذا طرحه في لجة البحر فهلك فعليه القود، سواء كان يحسن السباحة أو لا يحسن، لان لجة البحر مهلكة وان طرحه بقرب الساحل فغرق فمات - فإن كان مكتوفا أو غير مكتوف وهو لا يحسن السباحة - فعليه القود، وان كان يحسن السباحة وأمكنه أن يخرج فلم يخرج حتى غرق ومات أو طرحه فيما يمكنه الخروج منه فلم يخرج منه حتى مات فلا يجب عليه القود، وهل تجب عليه الدية؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ
стр. 2670
فيه قولان كما لو طرحه في نار يمكنه الخروج منها فلم يخرج منها حتى مات، ومنهم من قال لا يجب عليه الدية قولا واحدا، لان العادة لم تجر بأن يخوض النار في النار، والعادة بأن الناس يخوضون في الماء.
وإن طرحه في البحر بقرب الساحل وهو ممن يمكنه الخروج منه فابتلعه حوت فلا قود عليه لانه كان يمكنه الخروج لو لم يبلعه الحوت، قيل عليه القود لانه لو لم يبتعله الحوت لما كان يتخلص.
والثانى لا يجب عليه القود بل عليه الدية، لان الهلاك لم يكن بفعله، والاول أصح وإن طرحه في ساحل بحر قد يزيد إليه الماء وقد لا يزيد فزاد الماء وأغرقه
لم يجب عليه القود لانه لا يقصد قتله، وبجب عليه دية مغلظة لانه عمد خطأ وإن كان الموضع لا يزيد الماء إليها فزاد وغرق لم يجب عليه القود، وتجب عليه دية مخففة لانه خطأ عمد.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن حبسه ومنعه الطعام والشراب مدة لا يبقى فيها من غير طعام ولا شراب فمات وجب عليه القود، لانه يقتل غالبا، وإن أمسكه على رجل ليقتله فقتله وجب القود على القاتل دون الممسك، لما روى أبو شريح الخزاعى " إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إن من أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله أو طلب بدم الجاهلية في الاسلام أو بصر عينيه في النوم ما لم تبصره " وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال " ليقتل القاتل ويصبر الصابر " ولانه سبب غير ملجئ ضامه مباشرة فتعلق الضمان بالمباشرة دون السبب كما لو حفر بئرا فدفع فيها آخر رجلا فمات.
(فصل)
وإن كتف رجلا وطرحه في أرض مسبعة أو بين يدى سبع فقتله لم يجب القود لانه سبب غير ملجئ فصار كمن أمسكه على من يقتله فقتله.
وان جمع بينه وبين السبع في زبية أو بيت صغير ضيق فقتله وجب عليه القود لان السبع يقتل إذا اجتمع مع الادمى في موضع ضيق وإن كتفه وتركه في موضع فيه حيات فنهسته فمات لم يجب القود، ضيقا كان
стр. 2671
المكان أو واسعا، لان الحية تهرب من الآدمى فلم يكن تركه معها ملجئا إلى قتله وان أنهشه سبعا أو حية يقتل مثلها غالبا فمات منه وجب عليه القود لانه ألجأه إلى قتله، وإن كانت حية لا يقتل مثلها غالبا ففيه قولان
(أحدهما)
يجب القود لان جنس الحيات يقتل غالبا
(والثانى)
لا يحب لان الذى السعة لا يقتل غالبا (الشرح) حديث أبى شريح الخزاعى رواه أحمد وأخرجه الدارقطني والطبراني
والحاكم، ورواه الطبراني والحاكم من حديث عائشة بمعناه، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا " أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرام، ومتبع في الاسلام سنة جاهلية، ومطلب دم بغير حق ليهريق دمه " وأخرجه أحمد أيضا عن عبد الله بن عمر.
وكذلك ابن حبان في صحيحه بلفظ " إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية " وأخرج عمر بن أبى شبة عن عطاء بن يزيد قال " قتل رجل بالمزدلفة - يعنى في غزوة الفتح - فذكر القصة وفيها إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وما أعلم أحدا أعتى على الله من ثلاثة: رجل قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحل الجاهلية " وأبو شريح الخزاعى اسمه خويلد بن عمرو، وقيل عمرو بن خويلد، وقيل كعب بن عمرو، وقيل هانئ بن عمرو وأصحها خويلد بن عمرو، أسلم قبل فتح مكة وكان يحمل أحد ألوية بنى كعب بن خزاعة يوم الفتح، وكانت وفاته بالمدينة سنة ثمان وستين يعد في أهل الحجاز.
روى عنه عطاء بن يزيد الليثى وأبو سعيد المقبري وسفيان بن أبى العوجاء.
وقال مصعب: سمعت الواقدي يقول: كان أبو شريح الخزاعى من عقلاء أهل المدينة فكان يقول: إذا رأيتموني أبلغ من أنكحته أو نكحت إليه إلى السلطان فاعلموا إني مجنون فاكوونى، وإذا رأيتموني أمنع جارى أن يضع خشبته في حائطي فاعلموا أنى مجنون فاكوونى، ومن وجد لابي شريح سمنا أو لبنا أو جداية فهو له حل فليأكله ويشربه.
اتفق له الشيخان على حديثين.
стр. 2672
وروى له الترمذي ثلاثة أحاديث وأبو داود ثلاثة أحاديث وابن ماجه حديثان
وقوله " ان أعتى " وفي رواية: إن أعدى الناس وهما تفضيل، أي الزائد في التعدي أو العتو على غيره، والعتو التكبر والتجبر وقد أخرج البيهقى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده أنه قال: وجد في قائم سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كتاب: إن أعدى الناس على الله.
الحديث قال تعالى " وعتوا عتوا كبيرا " أي تجبروا وعصوا أما حديث " ليقتل القاتل ويصير الصابر " فقد رواه ابن المبارك عن معمر عن سفيان عن اسماعيل يرفعه قال " اقتلوا القاتل واصبروا الصابر " ورواه الدارقطني عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر، يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك " ورواه الشافعي من فعل علي رضى الله عنه " أنه قضى في رجل قتل رجلا متعمدا وأمسكه آخر: قال يقتل القاتل ويحبس الآخر في السجن حتى يموت " وأخرجه الدارقطني من طريق الثوري عن اسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر، ورواه معمر وغيره عن اسماعيل.
قال الدارقطني والارسال أكثر.
وأخرجه أيضا البيهقى ورجح المرسل وقال إنه موصول غير محفوظ وقال في بلوغ المرام ورجاله ثقات وصححه ابن القطان وقد روى أيضا عن اسماعيل عن سعيد بن المسيب مرفوعا، والصواب عن اسماعيل قَالَ " قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " الحديث وقوله " ويصبر الصابر " معناه يحبس الحابس.
وفي أسماء الله تعالى الصبور وهو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام وهو من أبنية المبالغة، ومعناه قريب من معنى الحليم، والفرق بينهما أن المذنب لا يأمن العقوبة في صفة الصبور كما يأمنها في صفة الحليم وصبره عن الشئ حبسه.
قال الخطئية: قلت لها أصبرها جاهدا ويحك أمثال طريف قليل
والصبر نصب نفس الانسان للقتل وقد مضى في كتاب الايمان معنى اليمين الصبر ومعان في كلمة الصبر، ومنه صبر النفس أي حبسها عند الجزع.
قال تعالى
стр. 2673
(واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) وقوله " أرض مسبعة " بالاضافة وفتح الميم أي ذات سباع، والزبية حفرة تحفر لينشب فيها السبع وجمعها زبا.
قال ابن بطال فيها لغتان الضم والكسر، ونهسته بالسين المهملة، أي أخذته بمقدم أسنانها، ونهس الحية عضها.
قال الراجز: وذات قرنين طحون الضرس تنهس لو تمكنت من نهس ويقال نهسته بالشين.
قال الزمخشري في الاساس: الفرق أن النهس بأطراف الاسنان والنهش بالاضراس.
أما الاحكام فإنه إذا حبس حرا وأطعمه وسقاه فمات وهو في الحبس فلا قود عليه ولا دية، سواء مات حتف أنفه أو بسبب كلدغ الحية وسقوط الحائط وما أشبهه.
وقال أبو حنيفة ان كان صغيرا فمات حتف أنفه فلا شئ عليه، وان مات بسبب كلدغ الحية وسقوط الحائط فعليه الديه.
دليلنا أنه حر فلا يضمنه باليد كما لو مات حتف أنفه، وأما إذا حبسه ومنعه الطعام والشراب أو أحدهما حتى مات نظرت - فإن حبسه عن ذلك مدة يموت مثله في مثلها غالبا - وجب عليه القود لانه قتله بما يقتل غالبا، فهو كما لو قتله بالسيف، وإن كان مدة لا يموت مثله في مثلها بمنع الطعام والشراب فلا قود عليه ولا دية لانا نعلم أنه مات بسبب آخر، ويعتبر حال المجوس: فإن حبسه وهو جائع فإنه لا يصبر عن الطعام إلا المدة القليلة، وإن كان شبعان فإن يصبر أكثر من مدة الجائع ويعتبر الطعام على انفراده والشراب على انفراده لان الانسان يصبر عن الطعام أكثر مما يصبر عن الشراب.
وإن أمكنه الخروج إلى الطعام والشراب فلم يخرج حتى مات قال الطبري فلا قود.
أما إذا أمسك رجل رجلا فجاء آخر فقتله وجب القود على القاتل دون المسمك إلا أن الممسك إن كان أمسكه مداعبة أو ليضربه فلا إثم عليه ولا تعزير وإن أمسكه ليقتله الآخر أثم بذلك وعزر.
هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وقال ربيعة يقتل القاتل ويحبس الممسك حتى يموت.
وقال مالك إن حبسه ليضربه الآخر أو أمسكه ليضربه أو أمسكه مداعبة فجاء الآخر فقتله فلا قود عليه ولا دية، وان أمسكه ليقتله الآخر فعليه القود، ومذهب أحمد أنه
стр. 2674
لا خلاف في أن القاتل يقتل، لانه قتل من يكافئه عمدا بغير حق.
وأما الممسك فإن يعلم أن القاتل يقتله فلا شئ عليه لانه متسبب والقاتل مباشر فسقط حكم المتسبب به، وان أمسكه له ليقتله مثل أن ضبطه له حتى ذبحه له، فأختلف الرواية عن أحمد، فروى عنه أنه يحبس حتى يموت، وهو قول عطاء وربيعة، وروى ذلك عن علي، وروى عن أحمد أنه يقتل أيضا، وهو قول مالك.
قال سليمان بن موسى الاجتماع فينا أنه يقتل لانه لو لم يمسكه ما قدر على قتله وبإمساكه تمكن من قتله، فالقتل حاصل بفعلهما فكان شريكين فوجب عليهما القصاص كما لو جرحاه.
دَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " إذا أمسك الرجل وقتله الاخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك " ولانه حبسه حتى الموت فيحبس حتى الموت، كما لو حبسه عن الطعام والشراب حتى مات فإننا نفعل به ذلك حتى يموت.
وقوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فلو أوجبنا على الممسك القود كنا قد اعتدينا عليه بأكثر مما اعتدى، وهذا يدخل
تحت طائلة وعيده ﷺ حيث يقول " ان من أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله، أو طالب بدم الجاهلية في الاسلام، أو بصر عينه في النوم ما لم تبصره " فلو قتل الولى الممسك لكان قتل غير قاتله، وقد أراد النبي ﷺ بصبر الصابر التعزيز بالحبس، لانه سبب غير ملجئ اجمتع مع المباشرة فتعلق الضمان بالمباشرة دون السبب، كما لو حفر بئرا أو نصب سكينا فدفع آخر عليها رجلا فمات، ولانه لو كان بالامساك شريكا لكان إذا أمسك الرجل امرأة وزنى بها آخر أنه يجب عليهما الحد، فلما لم يجب الحد على الممسك لم يجب القود على الممسك.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان سقاه سما مكرها فمات وجب عليه القود لانه سبب يقتل
стр. 2675
غالبا فهو كما لوجرجه جرحا يقتل غالبا، وان خالطه بطعام وتركه في بيته فدخل رجل فأكله ومات لم يجب عليه القود كما لو حفر بئرا في داره فدخل رجل بغير اذنه فوقع فيها ومات، وان قدمه إليه أو خلطه بطعام الرجل فأكله فمات ففيه قولان
(أحدهما)
لا يجب عليه القود لانه أكله باختياره فصار كما لو قتل نفسه بسكين
(والثانى)
يجب لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، فأهدت إليه يهودية بخبير شاة مصلية فأكل منها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، ثم قال ارفعوا أيديكم فإنها قد أخبرتني أنها مسمومة، فأرسل إلى اليهودية فقال ما حملك على ما صنعت قالت قلت: ان تكن نبيا لم يضرك الذي صنعت، وان كانت ملكا أرحت الناس منك، فأكل منها بشر بن البراء بن معرور فمات، فأرسل إليها فقتلها، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ما زلت أجد من الاكلة التي أكلت بخيبر،
فهذا أو ان انقطاع أبهرى " ولانه سبب يفضى إلى القتل غالبا فصار كالقتل بالسلاح وإن سقاه سما وادعى أنه لم يعلم أنه قاتل ففيه قولان
(أحدهما)
أنه يجب عليه القود لان السم يقتل غالبا
(والثانى)
لا يجب لانه يجوز أن يخفى عليه أنه قاتل وذلك شبهة فسقط بها القود
(فصل)
وان قتله بسحر يقتل غالبا وجب عليه القود لانه قتله بما يقتل غالبا فأشبه إذا قتله بسكين، وان كان مما يقتل ولا يقتل لم يجب القود لانه عمد خطأ فهو كما لو ضربه بعصا فمات.
(الشرح) حديث أبى هريرة أخرجه أبو داود حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن محمد بن عمرو عن أبى سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أهدت له يهودية بخيبر.
الحديث هكذا جاء مرسلا.
ورواه حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة متصلا.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن زينب بنت الحرث اليهودية امرأة سلام بن مشكم أهدت للنبي ﷺ شاة مشوية قد سمتها وسألت أي اللحم أحب إليه؟ فقالوا الذارع، فأكثرت من السم في الذراع، فما انتهش من ذراعها
стр. 2676
أخبره الذراع بأنه مسموم فلفظ الاكلة، ثم قال: اجمعوا لى من هنها من اليهود فجمعوا له فقال لهم: إني سائلكم عن شئ فهل أنتم صادقي فيه؟ قالوا نعم يا أبا القاسم فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أبوكم؟ قالوا أبونا فلان، قال كذبتم أبوكم فلان، قالوا صدقت وبررت.
قال هل أنتم صادقي عن شئ إن سألتكم عنه قالوا نعم يا أبا القاسم وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : من أهل النار؟ فقالوا نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اخسئوا فيها فو الله لانخلفكم فيها أبدا
ثم قال، هل أنتم صادقي عن شئ إن سألتكم عنه؟ قالوا نعم: قال أجعلتم في هذه الشاة سما؟ قالوا نعم، قال فما حملكم على ذلك؟ قالوا أردنا إن كنت كاذبا نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك، وجئ بالمرأة إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالت: أردت قتلك، فقال ماكان الله ليسلطك على.
قالوا ألا نقتلها؟ قال لا، ولم يتعرض لها ولم يعاقبها، واحتجم على الكاهل، وأمر من أكل منها فاحتجم، فمات بعضهم.
واختلف في قبل المرأة، فقال الزهري أسلمت فتركها، ثم قال معمر: والناس تقول قتلها النبي ﷺ ، إلا رواية حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة أنه قتلها لما مات بشر بن البراء، ويمكن التوفيق بين الروايتين بأنه ﷺ لم يقتلها أولا فلما مات بشر بن البراء قتلها.
وقد اختلف الروايات في هل أكل النبي ﷺ منها أم لا؟ فأكثر الروايات أنه ﷺ أكل منها وبقى بعد ذلك ثلاث سنين، حتى قال في وجعه الذي مات فيه مازلت أجد من الاكله التي أكلت من الشاة يوم خيبر، فهذا أوان انقطاع الابهر منى.
قال الزهري: فتوفى رسول الله ﷺ شهيدا.
أما اللغات فالمصلية هي المشوية، والصلا والصلاء، بتفح الصاد مقصورا وكسرها ممدودا، ومنه قوله تعالى " سيصلى نارا ذات لهب " وقوله " جهنم يصلونها فبئس القرار " وقوله " مازلت أجد من الاكلة " أي أشتكى، والاكلة بضم الهمزة هي اللقمة
стр. 2677
والابهر عرق إذا انقطع مات صاحبه وهو أبهران يخرجان من القلب ثم تتشعب منهما سائر الشرايين.
هكذا يقول ابن ابطال، وبالرجوع إلى علم التشريح
بحد أن القلب بمتد من أحد جانبيه من أعلاه شريان رئوى يدفع الدم إلى الرئتين لاحداث عملية تبادل الغازات وهو يمتد من البطين الايمن إلى الرئتين، والعرق الآخر وهو يمسى الاورطى، ويمتد من البطين الايسر إلى أجزاء الجسم ويمتد منهما الشرايين والاوردة التي هي مجار للدم.
أما الاحكام فإن كتف رجلا أو قيده فأكله السبع ففيه ثلاث مسائل ذكرها الشيخ أبو حامد.
إحداهن إذا قيده وكتفه وطرحه في أرض مسبعة فجاء السبع فأكلة فإنه لا قود على الطارح له ولا دية، لان السبع أكله باختياره، ولان له اختيارا، كما لو مسكه فقتله آخر (الثانية) إذا قيده في صحراء ثم رمى بالسبع عليه أو رمى به فأكله فلا قود عليه ولادية، لان من طبع السبع إذا رمى به على انسان أو رمى انسان عليه أن ينفر عنه، فإذا لم ينفر عنه كان أكله له باختياره (الثالثة) إذا كان السبع في مضيق أو بيت أو بئر أو زنية فرمى بالانسان عليه، أو كان الانسان في المضيق أو في البيت أو في البئر أو في الزبية فرمى بالسبع عليه فضربه السبع فمات - فإن ضربه السبع ضربا يقتل مثله في الغالب - وجب على الرامى القود لانه قد اضطر السبع إلى قتله، وان ضربه ضربا لا يقتل مثله في الغالب فمات لم يجب على الرامى القود لان الغالب منه السلامة، ويجب عليه الدية في ماله.
وكذلك حكم النمر وما في معناه.
وان أمسك السبع أو النمر وأفرسه اياه فأكله فعليه القود، لانه قد اضطره إلى ذلك (مسألة) إذا قيد رجلا وطرحه في أرض ذات حيات فنهسته حية منها فمات فلا قود عليه ولا دية، سواء كان في موضع واسع أو ضيق، وكذلك إذا رمى به على الحية أو رمى بالحية عليه، لان الحيات والعقارب من طبعها النفور من الانسان.
وان أخذ الحية أو العقرب بيده وأنهشها انسانا.
قال الشافعي ﵀ ضغطها أو لم يضغطها فنهشه ومات - فإن كان من
стр. 2678
الحيات التي تقتل في الغالب كحيات الكوبر أو الحيات السامة ذات الرأس المدببة وجب عليه القود، لانه توصل إلى قتله بما يقتل غالبا، فهو كما لو قتله بالسيف.
وإن كان مما لا يقتل غالبا كثعابين مكة والحجاز وأفاعي مصر التي تبتلع الدواجن أو التي تعيش تحتت قضبان السكك الحديدة وتعيش على ابتلاع العظاء (١) والضفدع ففيه قولان:
(أحدهما)
لا يجب عليه القود لانه لا يقتل غالبا، ويجب عليه دية مغلطة لانه شبه عمد.
(والثانى)
يجب عليه القود لان حبسها يقتل غالبا فهو بمنزلة الجراح (فائدة) الحيات منها السا وتعرف بدقة رأسها وغلظ عنقها وغير السام وتعرف بدقة عنقها وفرطحة رأسها أشبه بالابهام، ونصف السام وهى ما يكون شكلها وسطا بين السام وغير السام، وبعض من يدعى التصوف يأكلون الثعابين وهي من النوع غير السام لادعاء الكرامة، وهي لعمر الله مخرقة وإلحاد لانهم يجعلون من أكل الخبائث المحرمة مظهرا من مظاهر الرضوان والاكرام (مسألة) إذا سقى رجلا سما فمات المسقي فلا يخلو إما أن يكرهه أو لا يكرهه فإن أكرهه على شربه بأن صبه في حلقه مكرها له على ذلك نظرت - فإن أقر الساقى أنه سم يقتل مثله غالبا - وجب عليه القود، لان قتله بما يقتل غالبا، فهو كما لو قتله بالسيف.
وان ادعى ولى المقتول أنه يقتل غالبا وأنكر الساقى أنه يقتل غالبا - فإن أقام ولى المقتول بينة أنه يقتل غالبا - وجب القود على الساقى لانه ثبت أنه يقتل غالبا وان أقام ولى المقتول بينة أنه يقتل نحيف الخلق ولا يقتل قوى الخلق لم يجب
عليه القود وإنما يجب عليه دية مغلظة، وإن لم تكن هناك بينة فالقول قول الساقى مع يمينه أنه لم يكن يقتل غالبا، لان الاصل عدم القود، فإذا حلف لم يجب عليه القود وعليه دية مغلظة.
стр. 2679
وإن قامت البينة أنه كان يقتل غالبا أو اعترف الساقى بذلك إلا أنه أدعى أنه لم يعلم أنه يقتل غالبا وقت السقى، فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان
(أحدهما)
لا يجب عليه القود لان ما ادعاه محتمل، وذلك شبهة توجب سقوط القود عنه.
(والثانى)
يجب عليه لانه قتله بما يقتل غالبا فلا يصدق في دعواه كما لو جرحه وان خلط السم بطعام أو شراب وأكرهه فأوقره في حلقه فمات، فإن كان الطعام أو الشراب قد كسر حدة السم تلقائيا، فإن لم يكرهه على ذلك وإنما ناوله اياه فشربه، نظرت فإن كان الشارب صبيا لا يميز أو كبيرا مجنونا أو أعجميا يعتقد وجوب طاعة الامر، فعلى الرافع إليه الضمان، لانه كالآلة حيث اعتقد طاعته فيه، وان كان عاقلا مميزا فلاضمان على الرافع لانه قتل نفسه باختياره وتفريطه وان خلطه به ولم يكسر الطعام حدة السم فأكله انسان ومات نظرت - فإن كان الطعام الذي خلط فيه السم وقدمه إلى انسان وقال كله فأكله، فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان:
(أحدهما)
يجب على القود لما روى أبى هريرة " أن يهودية بخيبر أهدت للنبي ﷺ شاة مصلية فأكل منها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ رضى الله عنهم، ثم قال النبي ﷺ : ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبرني أن بها سما، فأرسل إلى اليهودية وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: قلت ان
كنت نبيا لم يضرك الذي صنعت، وان كنت ملكا أرحت الناس منك، فأكل منها بشر بن البراء بن مغرور فمات، فأرسل الني ﷺ إلى اليهودية فقتلها، فقال ﷺ مازالت أكلة خبير تعاودني، فهذا أو أن قطعت أبهرى " ولان العادة جرت أن من قدم إليه طعام فانه يأكل منه، فصار كأنه ألجأه إلى أكله فوجب عليه القود، كما لو أكرهه عليه
(والثانى)
لا يجب عليه القود لانه أكله باختياره، فصار كما لو قتل نفسه بسكين، فإذا قلنا بهذا فهل تجب عليه الدية؟ اختلف أصحابنا فيه، فقال القاضى أبو الطيب فيه قولان، أحدهما لا يجب عليه الدية لانه هو الجاني على نفسه.
والثانى تجب عليه الدية لان التلف حصل بسبب منه فصار كما لو حفر بئرا في
стр. 2680
طريق الناس فهلك به انسان.
وقال الشيخ أبو حامد: تجب عليه الدية قولا واحدا لما ذكرناه ولا يعرف ههنا قولان، وإن خلظ السم بطعامه وقدمه إلى رجل قال فيه سم يقتل غالبا فأكله فمات فلا قود عليه ولا دية لانه قتل نفسه.
وإن خلط السم بطعام وقدمه إلى صبى لا يميز أو إلى بالغ مجنون أو على أعجمى لا يعقل ولا يميز وقال: كله فإن فيه سما قاتلا فأكله فمات وجب عليه القود لانه بمنزلة ما لو قتله بيده.
وإن خلط سما بطعام له في بيته فدخل بيته رجل وأكل الطعام ومات لم يجب عليه قود ولا دية.
لان الآكل فرط وتعدى بأكل طعام غيره بغير إذنه.
وان خلط السم بطعام الغيره فجاء صاحب الطعام فأكل طعامه ولم يعلم بالسم ومات، وجب على الذي خلط السم قيمة الطعام لانه أفسده، وهل يجب عليه القود في الذي أكله؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال فيه قولان، كما لو خلطه بطعام نفسه وقدمه إلى من أكله، لان الانسان يأكل الطعام بحكم العادة والحاجة، فصار كما
لو خلطه بطعام ودعاه إلى أكله.
ومنهم من قال لا يجب عليه قولا واحدا لانه لم يوجد منه أكثر من افساد الطعام (فرع)
إذا سحر رجل رجز فمات المسحور سئل الساحر عن سحره، فإن قال سحر يقتل غالبا وقد قلت به وجب عليه القود.
وقال أبو حنيفة لا يحب عليه القود.
دليلنا أنه قتل بما يقتل به غالبا.
قال العمرانى هو كما لو قتله بالسيف وان قال سحر لا يقتل وجب عليه دية مخففة لانه أخطأ.
وان قال قد يقتل وقد لا يقتل والغالب منه السلامة، وجبت عليه دية مغلظة في ماله.
وان قال الساحر قتلت بسحري جماعة ولم يعنين من قتل لم يقتل.
وقال أبو حنيفة يقتل جدا، لانه سعى في الارض بالفساد هو اظهار السلاح واخافة الطريق.
وأما القتل فليس منه وللحرابة حكمها على ما سيأتي ان شاء الله وأعان.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان أكره رجل على قتل رجل بغير حق فقتله، وجوب القود على المكره، لانه تسبب إلى قتله بمعنى يفضى إلى القتل غالبا، فأشبه إذا رماه
стр. 2681
بسهم فتله وأما المكره ففيه قولان
(أحدهما)
لا يجب عليه القود، لانه قتله للدفع عن نفسه فلم يجب عليه القود كما لو قصده رجل ليقتله فقتله للدفع عن نفسه
(والثانى)
أنه يجب عليه القود وهو الصحيح، لانه قتله ظلما لاستبقاء نفسه، فأشبه إذا اضطر إلى الاكل فقتله ليأكله.
وأن أمر الامام بقتل رجل بغير حق - فإن كان المأمور لا يعلم أن قتله بغير حق - وجب ضمان القتل من الكفارة والقصاص والدية على الامام، لان المأمور معذور في قتله، لان الظاهر أن الامام لا يأمر الا بالحق.
وان كان يعلم أنه يقتله بغير وجب ضمان القتل من الكفارة والقصاص أو الدية على المأمور
لانه لا يجوز طاعته فيما لا يحل، والدليل عليه ماروى إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " وقد روى الشافعي ﵀ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " من أمركم من الولاة بغير طاعة الله فلا تطيعوه " فصار كما لو قتله من غير أمره، وأن أمره بعض الرعية بالقتل فقتل وجب على المأمور القود، على أنه يقتله بغير حق أو لم يعلم، لانه لا تلزمه طاعته، فليس الظاهر أنه يأمره بحق فلم يكن له عذر في قتله، فوجب عليه القود.
وان أمر بالقتل صبيا لا يميز أو أعجميا لا يعلم أن طاعته لا تجوز في القتل بغير حق فقتل وجب القصاص على الآمر، لان المأمور ههنا كالآلة للآمر، ولو أمره بسرقة مال فسرقه لم يجب الحد على الآمر، لان الحد لا يجب الا بالمباشرة والقصاص يجب بالتسبب والمباشرة
(فصل)
وان شهد شاهدان على رجل بما يوجب القتل فقتل بشهادتهما بغير حق، ثم رجعا عن شهادتهما، وجب القود على الشهود، لما روى القاسم بن عبد الرحمن " أن رجلين شهدا عند على كرم الله وجهه على رجل أنه سرق فقطعه ثم رجعا عن شهادتهما، فقال لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما " وأغرمهما دية ديه، ولانهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبا فوجب عليهما القود، كما لو جرحاه فمات.
стр. 2682
(الشرح) الحديث الاول أخرجه أحمد " عن عبد الله بن الصامت قال: أراد زياد أن يبعث عمران بن حصين على خراسان فأبى عليه فقال له أصحابه، أتركت خراسان أن تكون عليها؟ قال فقال إنى والله ما يسرني أن أصلى بحرها ويصلون ببردها، إنى أخاف إذا كنت في نحر العدو أن يأتيني بكتاب من زياد فإن أنا
مضيت هلكت، وإن رجعت ضربت عنقي، قال فأراد الحكم بن عمرو الغفاري عليها، قال فانقاد لامره، قال فقال عمران: ألا أحد يدعو إلى الحكم؟ قال فانطلق الرسول، قال فأقبل الحكم إليه فدخل عليه فقال عمران للحكم " أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لاطاعة لاحد في معصية الله ﵎؟ قال نعم، فقال عمران الحمد لله أو الله أكبر " وفي رواية عن الحسن أن زيادا استعمل الحكم الغفاري على جيش، فأتاه عمران بن حصين فلقيه بين الناس، فقال أتدر لم جئتك؟ فقال له لم؟ فقال أتذكر قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ للرجل الذي قال له أميره ارم نفسك في النار فأدرك فاحتبس، فأخبر بذلك رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لو وقع فيها لدخلا النار جميعا، لاطاعة في معصية الله ﵎، قال نعم، قال انما أردت أن أذكرك هذا الحديث.
رواه أحمد بألفاظ، والطبراني باختصار وفي بعض طرقه " لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق قال الهيثمى، ورجال أحمد رجال الصحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك عن عمران والحكم الغفاري أيضا.
قال السيوطي وإسناده حسن.
وأخرجه أحمد وأبو يعلى عن أنس " أن معاذ بن جبل قال يارسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك، فما تأمرنا في أمرهم؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لاطاعة لمن لم يطع الله " وفيه عمرو بن زينب ولا يعرف وبقية رجاله رجال الصحيح.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم من حديث على ﵁ قَالَ " بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الانصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فعصوه في شئ فقال اجمعوا لى حطبا، فجمعوا، ثم قال أوقدوا نارا فأوقدوا، ثم قال ألم يأمركم رسول الله أن تسمعوا وتطيعوا؟ قالوا بلى
стр. 2683
قال فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا إنما فررنا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ " لو دخلوها لم يخرجوا منها أبدا " وقال " لاطاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف " وفي حديث معاذ بن جبل عند أحمد " لاطاعة لمن لم يطع الله " وفي حديث عبادة بن الصامت عند أحمد والطبراني " لاطاعة لمن عصى الله " ولفظ البخاري " فإذا أمر بمعصية فلا سمع بمعصية فلا سمع ولاطاعة " وخبر القاسم بن عبد الرحمن مضى في الايمان أما الاحكام فإذا أمر الامام رجلا أن يقتل رجلا بغير حق فقتله فلا يخلو إما أن يكرهه على قتله أو لا يكرهه، فإن لم يكرهه بل قال له اقتله، فان كان المأمور يعلم أنه أمر بقتله بغير حق لم يحل له قتله، لقوله ﷺ " لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق " وقال ﷺ " من أمركم من الولاة بغير طاعة الله فلا تطيعوه " فان خالف وقتله المأمور بذلك وجب عليه العقود والكفارة لانه قتله بغير حق، لا يلحق الامام الاثم لقول ﷺ " من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله تعالى " هذا نقل البغدادين، وقال الخراسانيون هل يكون مجرد الامر من الامام أو السلطان إكراها؟ فيه وجهان.
وأما إذا كان المأمور لا يعلم أنه أمر بقتله بغير حق وجب على الامام القود والكفارة، لان الامام لا يباشر القتل بنفسه، وانما يأمر به غيره، فإذا أمر غيره وقتله بغير حق تعلق الحكم بالامام كما لو قتله بيده.
وأما المأمور فلا يجب عليه
اثم ولاقود ولا كفارة لان اتباع أمر الامام واجب عليه، لان الظاهر أنه لا يأمر الا بحق.
قال الشافعي رضى الله عنه وأرضاه وأحب له لو كفر، وأما أذا أمره أو أكرهه الامام على القتل وعلم المأمور أنه يقتل بغير حق فلا يجوز للمأمور القتل لما ذكرناه إذ لم يكره، فان قتل فانه يأثم بذلك ويفسق، ويجب على الامام القود
стр. 2684
والكفارة في ماله، وأما المكره المأمور فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان
(أحدهما)
لا يجب عليه القود، وهو قول أبى حنيفة لِقَوْلِهِ ﷺ " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " وَلِأَنَّهُ قتله لاستبقاء نفسه فلم يجب عليه القود كما لو قصد رجل نفسه فلم يمكنه دفعه إلا بقتله
(والثانى)
يجب عليه القود، وبه قال مالك وأحمد رضى الله عنهما وَهُوَ الْأَصَحُّ لِقَوْلِهِ ﷺ " فمن قتل بعمده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا اقتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية " وهذا قاتل، ولانه قصد قتل من يكافئه لاستبقاء نفسه فوجب عليه القود كما لو جاع وقتله ليأكله، ولانه لو كان رجلا في مضيق أو بيت فدخل عليهما أسد أو سبع فدفع أحدهما صاحبه إليه خوفا على نفسه فأكله السبع أو الاسد لوجب القصاص على الدافع، وكذلك لو كان جماعة في البحر فخافوا الغرق فدفعوا واحدا منهم في البحر لتخف السفينة وغرق ومات وجب عليهم القود، وإن كان ذلك لاستبقاء أنفسهم.
وكذلك هذا مثله.
فإذا قلنا يجب على المأمور القود كان الولى بالخيار بين أن يقتل المكره والمكره وبين أن يعفو عنهما ويأخذ منهما الدية.
وإن قلنا لا يجب على المأمور المكره القود فعليه نصف الدية لانه قد باشر القتل، ويجب على كل واحد منهما كفارة على القولين معا.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون إذا قلنا لا يجب على المأمور القود فهل يجب عليه نصف الدية؟ فيه وجهان.
فإن قلنا عليه نصف الدية كان عليه الكفارة وإن قلنا لا تجب عليه وعليه نصف الدية فهل تجب عليه الكفارة فيه وجهان.
إذا ثبت هذا فإنه لافرق بين الامام وبين النائب عنه في ذلك، لان طاعته تجب كما يجب طاعة الامام، وكذلك إذا تغلب رجل على بلد أو اقليم بتأويل.
وادعى أنه الامام كالامام الذي نصبه الخوارج، فحكمه حكم الامام في ذلك، لان الشافعي رضى الله عنه لايرد من أفعاله الا ما يرد من أفعال امام العدل وكذلك قاضيهم، فإذا ثغلت رجل على بلد بغير تأويل بل باللصوص وأمر رجلا بقتل رجل بغير حق، أو أمره رجل من الرعية بقتل رجل بغير حق فان لم يكرهه
стр. 2685
الآمر على القتل فقتله وجب على المأمور القاتل القود والكفارة سواء علم أنه أمره بقتله بحق أو بغير حق، لانه لا يجب عليه طاعته بخلاف الامام، ولا يلحق الآخر الا الاثم للمشاركة بالقول.
وأما القود والكفارة والدية فلا تجب عليه، لانه لم يلجئه إلى قتله.
وأما إذا أكرهه على قتله وجب على الآمر القود والكفارة لانه توصل إلى قتله بالاكراه، فهو كما لو قتله بيده، وأما المأمور فان كان يمكنه أن يدفع الامر بنفسه أو بعشيرته أو بمن يستعين به فلا يجوز له أن يقتل، وان قتله فعليه القود والكفارة، وان لم يمكنه أن يدفع الامر بنفسه أو بعشيرته أو بمن يستعين به فلا يجوز له أن يقتل، وان قتل فعليه القود والكفارة، وان لم يمكنه أن يدفع الامر فقتل فهل يجب عليه القود؟ فاختلف أصحابنا فيه، فقال أكثرهم فيه قولان كما قلنا في الذي أكرهه الامام.
ومنهم من قال يجب عليه القود قولا واحدا، لان الذي أكرهه الامام له شبهة في أمر
الامام لجواز أن يكون الامام قد علم بأمر يوجب القتل على المقتول، وان لم يعلم به المأمور.
وطاعة الامام تجب بخلاف المتغلب باللصوصية وآحاد الرعية - فانه لا يجوز له ذلك، ولا يجب على المأمور طاعته ومن أصحابنا الخراسانيين من قال لا يجب القود على من أكرهه الامام قولا واحدا، ويجب القود على من أكرهه غير الامام قولا واحدا لما ذكرناه من الفرق بينهما، والطريق الاول أصح إذا ثبت هذا فان الشافعي ﵀ قال في الام، ولو أمر الامام رجلا يقتل رجل ظلما ففعل المأمور ذلك كان عليهما القود واختلف أصحابنا في تأويله فقال أبو إسحاق أراد إذا أكرهه وأجاب على أحد القولين.
ومنهم من قال لم يرد بذلك إذا أكرهه لانه ذكر الاكراه بعد ذلك، وانما تأويله أن يقتل مسلما بكافر والامام والمأمور يعتقدان أنه لا يقتل به الا أن المأمور أعتقد أن الامام قد أداه اجتهاده إلى ذلك فيجب عليهما القود أما الامام فلانه ألجأه إلى قتله بأمر لان طاعته أمر واجب، وأما المأمور فلان القتل إذا كان محرما لم يجز له أن يفعله، وان كان الامام يرى إباحته فليزمهما القود
стр. 2686
(فرع)
واختلف أصحابنا في كيفية الاكراه على القتل، فقال ابن الصباغ لا يكون الاكراه عليه إلا بالقتل أو بجرح يخاف منه التلف، فأما إذا أكرهه بضرب لا يموت منه أو بأخذ مال فلا يكون إكراها، لان ذلك لا يكون عذرا في إتلاف النفس بحرمتها، ولهذا يجب عليه الدفع عن نفسه في أحد الوجهين، ولا يجب عليه الدفع عن ماله، بل يجب عليه بذله لاحياء نفس غيره وقال الشيخ أبو حامد في التعليق: إذا أكرهه بأخذ المال على القتل كان
إكراها كما قلنا في الاكراه على الطلاق وقال الطبري: إذا أكرهه على القتل بما لا تحتمله نفسه كان اكراها، كما قلنا في الطلاق.
(فرع)
وان أمر خادمه الصغير الذي لا يميز، أو كان أعجميا لا يميز ويعتقد طاعته في كل ما يأمره به بقتل رجل بغير حق فتقله وجب القود والكفارة على الآمر ولا يجب على المأمور شئ: لان المأمور كالآلة فصار كما لو قتله بيده.
وكذلك إذا كان المأمور يعتقد طاعته كل من أمره فالحكم فيه وفيما سبقه واحد.
ولو أمر بسرقة نصاب لغيره من حرز مثله فسرقه لم يجب على الامر القطع، لان وجوب القصاص أكد من وجوب القطع في السرقة، ولهذا يجب القصاص في السبب ولا يجب القطع في السبب.
وان قال للصغير الذي لا يميز أو الاعجمي الذي يعتقد طاعته في كل ما يأمره به اقتلني فقتله، كان دمه هدرا لانه آلة له فهو كما لو قتل نفسه، وتجب عليه الكفارة وان أمر الصغير الذي لا يميز أو البالغ المجنون أن يذبح نفسه فذبحها أو يخرج مقتلا من نفسه فأخرجه فمات - فإن كان عبده - لم يجب عليه ضمانه لانه ملكه، ولكنه يأثم وتجب عليه الكفارة، وان كان عبدا لغيره وجبت عليه قيمته والكفارة ويجب عليه القود.
وان قال للاعجمي الذي يعتقد طاعة كل من يأمره اذبح نفسك فذبحها لم يجب على الامر الضمان، لانه لا يجوز أن يخفى عليه بأن قتل نفسه لا يجوز، وان جاز أن يخفى عليه أن قتل غيره يجوز.
وان أمره أن يخرج مقتلا من نفسه فجرحه ومات فإن الشيخ أبا حامد ذكر أن حكمه حكم ما لو أمر بقتل نفسه.
وذكر
стр. 2687
ابن الصباغ في الشامل أنه يجب على الامر الضمان لانه يجوز أن يخفى عليه أنه
يقتله بخلاف أمره له بقتله لنفسه وان أكره رجلا على اتلاف مال لغيره فإن الضمان ينفرد على الامر، وهل على المالك أن يطالب المأمور؟ فيه وجهان حكاهما الطبري
(أحدهما)
له أن يطالبه لانه باشر الاتلاف، فعلى هذا يرجع المأمور على الامر
(والثانى)
ليس للمالك مطالبة المأمور لانه آلة للآمر (مسألة) قوله " وان شهد شاهدان الخ " فجملة ذلك أنه إذا شهد شاهدان على رجل بما يوجب القتل بغير حق فقتل بشهادتهما وعمد الشهادة عليه وعلما أنه يقتل بشهادتهما وجب عليهما القود، لما روى أن رجلين شهدا عند علي رضى الله عنه على رجل أنه سرق فقطعه ثم رجعا عن شهادتهما، فقال لو أعلم أنكما تعمدتما الشهادة عليه لقطعت أيديكما، وغرمهما الدية في اليد، ولانهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبا فهو كما لو جرحاه فمات (فرع)
لو قال الرجل اقطع يدى فقطع يده فلا قود على القاطع ولا دية، لانه أذن له في اتلافها، فهو كما لو أذن له في أتلاف ماله فأتلفه، وان قال له اقتلني أو أذن له في قطع يده فقطعها فسرى القطع إلى نفسه فمات لم يجب عليه القود.
وأما الدية فقال أكثر أصحابنا يبنى على القولين متى تجب دية المقتول فإن قلنا تجب في آخر جزء من أجزاء حياته لم تجب ههنا.
وان قلنا انها تجب بعد موته وجبت ديته لورثته.
قال ابن الصباغ.
وعندي في هذا نظر لان هذا الاذن ليس بإسقاط لما يجب بالجناية، ولو كان اسقاطا لما سقط، كما لا يصح أن يقول له أسقطت عنك ما يجب لي بالجناية أو اتلاف المال، وانما سقط لوجود الاذن فيه، ولافرق بين النفس فيه والاطراف، وهذا يدل أن الدية تسقط عنده قولا واحدا، وان قصده فمات - فان كان بغيره أمره - وجب عليه القود، وان كان بأمره لم يجب
عليه قود ولا دية واحدا لان القصد مباح بخلاف القتل.
والله أعلم
стр. 2688
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب القصاص في الجروح والاعضاء)
يجب القصاص فيما دون النفس من الجروح والاعضاء، والدليل عليه قوله تعالى وكتبنا عليهما فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالاتف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) وروى أنس رضى الله عنه " أن الربيع بنت النضر بن أنس كسر ثينه جارية فعرضوا عليهم الارش فأبوا، وطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يارسول الله أتكسر ثنية الربيع؟ والذي بعثك بالحق لا تكسر ثيتها، فقال النبي ﷺ " كتاب الله القصاص " قال فعفا القوم ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لابر قسمه " ولان ما دون النفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص فكان كالنفس في وجوب القصاص
(فصل)
ومن لا يفاد بغيره في النفس لا يقاد به فيما دون النفس، ومن اقتيد بغيره في النفس اقتيد به فيما دون النفس لانه لما كان ما دون النفس كالنفس في وجوب القصاص كان كالنفس فيما ذكرناه
(فصل)
وإن اشترك جماعة في إبانة عضو دفعة واحدة وجب عليهم القصاص، لانه أحد نوعي القصاص، فجاز أن يجب على الجماعة بالجناية ما يجب على واحد كالقصاص في النفس وإن تفرقت جناياتهم بأن قطع بعض العضو وأبانه الآخر لم يجب القصاص على واحد منهما، لان جناية كل واحد منهما في بعض العضو، فلا
يحرز أن يقتص منه في جميع العضو (الشرح) حديث أنس رضى الله عنه أخرجه البخاري في التفسير عن عبد الله ابن منير وفي الصلح وفي الديات عن الانصاري وعن محمد بن سلام أخرجه مسلم في الحنود عن أبى بكر واخرجه أبو داود في الديات عن مسدد وأخرجه النسائي
стр. 2689
في القود عن محمد بن المثنى وعن أحمد بن سليمان وعن حميد بن مسعدة واسماعيل ابن مسعود: وأخرجه ابن ماجه في الديات عن محمد بن المثنى وعن ابن أبى عدى والربيع مضى ضبطها في الربيع بنت معوذ وهو بالتصغير وهى أم حارية بنت سراقة المستشهد بين يدى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ صاحبة حديث: أخبرني عن حارثة إن كان في الجنة صبرت الخ الحديث أما الاحكام فقد قال الشافعي ﵀: والقصاص فيما دون النفس سار.
جرح يستوفى، وطرف يقطع وقال العمرانى أن القصاص يجب فيما دون النفس من الجروح والاعضاء، لقوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس - إلى قوله تعالى - والجروح قصاص) أه.
ولما روت الربيع أنها كسرت ثنية جارية من الانصار فعرضوا عليهم الارث فلم يقبلوا، فطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص، فقال أنس بن النضر: والذي بعثك بالحق لا يكسر ثنيتها، فقال النبي ﷺ كتاب الله القصاص فعفا القوم فقال ﷺ : ان من عباد الله من لو قسم على الله لابره " ولان القصاص في النفس انما جعل لحفظ النفس، وهذا موجود فيما دون النفس إذا ثبت هذا فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما فيما دون النفس، فتقطع يد الحر المسلم بيد الحر المسلم ويد الكافر بيد الكافر
ويد المرأة بيد المرأة، وهذا اجماع وتقطع يد المرأة بيد الرجل ويد الرجل بيد المرأة، ويد العبد بيد الحر والعبد عِنْدَنَا.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ " إذا اختلف الشخصان في الدية لم يجر القصاص بينهما فيما دونهما كالحرين المسلمين.
وان اشترك جماعة في ابانة عضو أو جراحة يثبت بها القصاص ولم يتميز فعل بعضهم عن بعض، مثل أن أجرى جماعة سيفا في أيديهم على يد رجل أو رجله فقطعوها أو على رأسه فأوضحوه (١) قطعت يد كل واحد منهم وأوضح كل واحد منهم
стр. 2690
وبه قال ربيعة ومالك وأحمد.
وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يقتص منهم بل ينتقل حق المجني عليه إلى الدية.
دليلنا ماروى أن رجلين شهدا عند علي رضى الله عنه على رجل بالسرقة فقطع يده ثم أتيا برجل أخر وقالا: هذا الذي سرق وأخطأنا في ذلك، فلم يقبل شهادتهما على الثاني وغرمهما دية ويد وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما، وروى لقطعتكما، ولا مخالف له في الصحابة، ولان كل جناية وجب بها القصاص على الواحد وجب بها على الجماعة كالنفس، وإن قطع أحدهما بعض العضو وأبانه الثاني، أو وضع أحدهما السكين على المفصل ووضع الاخر عليه السكين من الجانب الاخر ثم قطعاه وأباناه لم يجب على أحدهما قصاص في إبانة العضو، لان جناية كل واحد منهما قطعة مميزة في بعض العضو فلا يقتص منه في جميعه.
(فرع)
ويعتبر في المجني به على ما دون النفس ما يعتبر في النفس، فإن رماه بحجر كبير يوضحه مثله في الغالب فأوضحه وجب عليه القود، وإن لطمه وورم
وانتفخ فصار موضحة فلا قود فيها وفيها الدية.
وإن رماه بحجر صغير لا يوضح مثله في الغالب فأوضحه لم يجب عليه القود ووجب عليه الدية كما قلنا في النفس.
وحكى ابن الصباغ في الشامل أن الشيخ أبا حامد قال إذا كان الحجر مما يوضح غالبا فإنه يجب القصاص في الموضحة، فإذا مات لم يجب القصاص.
قال ابن الصباغ وهذا فيه نظر لان من أوضح غيره بحديدة فمات منها وجب عليه القود، فإذا كانت هذه الالة توضح في الغالب كانت كالحديد.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
والقصاص فيما دون النفس في شيئين في الجروح وفي الاطراف، فأما الجروح فينظر فيها فان كانت لا تنتهى إلى عظم كالجائفة وما دون الموضحة من الشجاج، أو كانت الجناية على عظم ككسر الساعد والعضد والهاشمة والمنقلة، لم يجب فيها القصاص، لانه لاتمكن المماثلة فيه ولا يؤمن أن يستوفى أكثر من الحق فسقط، فان كانت الجناية تنتهى إلى عظم - فان كانت موضحة في الرأس أو
стр. 2691
الوجه - وجب فيها القصاص، لانه تمكن المماثلة فيه، ويؤمن أن يستوفى أكثر من حقه، وان كانت فيما سوى الرأس والوجه كالساعد والعضد والساق والفخذ وجب فيها القصاص.
ومن أصحابنا من قال لا يجب لانه لما خالف موضحة الرأس والوجه في تقدير الارش خالفهما في وجوب القصاص والمنصوص هو الاول، لانه يمكن استيفاء القصاص فيها من غير حيف لانتهائها إلى العظم، فوجب فيها القصاص كالموضحة في الرأس والوجه.
(فصل)
وان كان الجناية موضحة وجب القصاص بقدرها طولا وعرضا لقوله " والجروح قصاص " والقصاص هو المماثلة، ولاتمكن المماثلة
في الموضحة الا بالمساحة في الطول والعرض، فان كانت في الرأس حلق موضعها من رأس الجاني وعلم على القدر المستحق بسواد أو غيره، ويقتص منها، فان كانت الموضحة في مقدم الرأس أو مؤخره أو في قزعته وأمكن أن يستوفى قدرها في موضعها من رأس الجاني لم يستوف في غيرها، وان كان قدرها يزيد على مثل موضعها من رأس الجاني أستوفى بقدرها، وان جاوز الموضع الذي شجه في مثله لان الجميع رأس.
وان كان قدرها يزيد على رأس الجاني لم يجز أن ينزل إلى الوجه والقفا لانه قصاص في غير العضو الذي جنى عليه ويجب فيما بقى الارش لانه تعذر فيه القصاص فوجب البدل، فان أوضح جميع رأس ورأسه ورأس الجاني أكبر فللمجنى عليه أن يتدئ بالقصاص من أي جانب شاء من رأس الجاني، لان الجميع محل للجناية.
وأن أراد أن يستوفى بعض حقه من مقدم الرأس وبعضه من مؤخره فقد قال بعض أصحابنا انه لا يجوز، لانه يأخذ موضحتين بموضحة.
قال الشيخ الامام ويحتمل عندي أنه يجوز لانه لا يجاوز موضع الجناية ولاقدرها الا أن يقول أهل الخبرة أن في ذلك زيادة ضرر أو زيادة شين فيمنع لذلك.
وان كانت الموضحة في غير الوجه والرأس وقلنا بالنصوص أنه يجب فيها القصاص اقتص فيها على ما ذكرناه في الرأس، فان كانت في الساعد فزاد قدرها على ساعد الجاني لم ينزل إلى الكف ولم يصعد إلى العضد، وان كانت في الساق
стр. 2692
فزادت على قدر ساق الجاني لم ينزل إلى القدم ولم يصعد إلى الفخذ كما لا ينزل في موضحة الرأس إلى الوجه والقفا
(فصل)
وإن كانت الجناية هاشمة أو منقبلة أو مأمومة فله أن يقتص في الموضحة لانها داخلة في الجناية يمكن القصاص فيها، ويأخذ الارش في الباقي،
لانه تعذر فيه القصاص فانتقل إلى البدل.
(الشرح) الاحكام: يجب القصاص فيها دون النفس في شيئين: الجروح والاعضاء، والجروح ضربان، جرح في الرأس والوجه وجرح فيما سواهما من البدن، فأما الجروح في الرأس والوجه ويسمى الشجاج.
قال الشافعي رضى الله عنه وهي عشرة.
(أولها) الحارصة وهى التي تقشط الجلد قشطا لا يدمى، ومنه يقال حرص القصار الثوب إذا قشط درنه ووسخه (١) وبعدها الدامية وهى التي قشطت الجلد وخرج منها الدم، وبعدها الباضعة وهى التي تبضع اللحم، أي تشقه بعد الجلد وبعدها المتلاحمة وهى التي تنزل في اللحم ولا تصدع العظم، وبعدها السمحاق وهى التي وصلت إلى جلدة رقيقة بين اللحم والعظم وتسمى تلك الجلدة السمحاق وبعدها الموضحة وهى التي أوضحت عن العظم وكشفت عنه، وبعدها الهاشمة وهى التي هشمت العظم، وبعد المنقلة - قال الشيخ أبو حامد ولها تأويلان
(أحدهما)
أن ينقل العظم من موضع إلى موضع
(والثانى)
أنه في تداويه لابد من إخراج شئ من العظم منه، وبعدها المأمومة وتسمى الآمة بالمداسم فاعل والمأمومة اسم مفعول، وجمع الآمة أوام، مثل دابة ودواب، وجمع المأمومة على لفظها مأمومات وهى التي تصل إلى أم الدماغ وقال في البيان: وهى التي قطعت العظم وبلغت إلى قشرة رقيقة فوق الدماغ وبعده الدامغة وهى التي بلغت الدماغ.
وحكى عن أبى العباس بن سريج أنه زاد الدامغة بعد الدامية وقال الدامية التي يخرج منها
стр. 2693
الدم ولا يجرى، والدامغة مايخرج منها الدم ويجرى.
قال الازهرى، الدامغة قبل الدامية، وهى التي يخرج منها الدم بقطعه والدامية هي التي يخرج منها أكثر إذا ثبت هذا فان الشَّافِعِيَّ ﵁ قَالَ فِي الْأُمِّ لا قصاص فيما دون الموضحة من الشجاج ونقل المزني لو جرحه فلم يوضحه اقتضى منه بقدر عاشق من الموضحة.
واختلف أصحابنا فيه فقال الخراسانيون هل يجب القصاص فيما دون الموضحة من الشجاج؟ فيه قولان، قال أكثر أصحابنا البغداديين، لا يجب القصاص فيما دون الموضحة، وما نقله المزني فيه سهو، لان القصاص هو المماثلة ولا يمكن المماثلة فيما دون الموضحة، فلو أوجبنا فيها القصاص لم يأمن أن تؤخذ موضحة بمتلاحمة، لانه قد يكون رأس المجني عليه غليظ الجلد كثير اللحم، ويكون رأس الجاني رقيق الجلد قليل اللحم، فإذا قدرنا العمق في المتلاحمتين ورأس المجني عليه وأوجنا قدره في رأس الجاني فربما بلغت إلى العظم وذلك لا يجوز وقال الشيخ أبو حامد يمكن عندي القصاص فيما دون الموضحة من الشجاج على ما نقله المزني بأن يكون في رأس المجني عليه موضحة وفي رأس الجاني موضحة فينظر إلى المتلاحمة التي في رأس المجني عليه، وينظركم قدرها من الموضحة، فإن كان قدر نصفها نظر كم قدر الموضحة التي في قدر رأس الجاني فنقص منه نصف موضحته التي في رأسه، والمشهور أنه لا قصاص في ذلك، وأما الموضحة فيجب فيها القصاص لان المماثلة فيها ممكنة من غير حيف، فيقدر الموضحة بالطول والعرض ويعلم عليه بخيط أو سواد ولا يعتبر العمق، لانه يأخذ إلى العظم.
وان كانت الشجة في الرأس وعلى موضعها في رأس الجاني شعر فالمتسحب أن يحلق ذلك الشعر لانه أسهل في الاستيفاء، وإن اقتص ولم يحلق الشعر جاز، لانه لا يأخذ إلا قدر حقه.
(فرع)
إذا شج رجل رجلا في رأسه شجة فلا يخلو إما أن يستوى رأساهما في الصغر والكبر أو يختلفا - فإن استوى رأسهما في الصغر أو الكبر - فإنه يستوفى مثل موضحته بالطول والعرض في موضعتها إما في مقدم الرأس أو مؤخره
стр. 2694
أو بين قرنيه، وان اختلفا نظرت - فإن كان رأس الجاني أكبر ورأس المجني عليه أصغر فجنى عليه موضحة إلى منبت الشعر فوق الاذن وكان قدر طولها وعرضها في رأس الجاني ينتهى إلى أعلا من ذلك الموضع لسعته، فليس للمجني عليه أن يأخذ الا قدر موضحته طولا وعرضا لا يزيد عليه، ولكن له أن يبتدئ بالقصاص من أي الجانبين شاء.
وإن أوضح جميع رأسه فللمجنى عليه أن يقتص قدر موضحته طولا وعرضا في أي وقت شاء من رأس الجاني لانه قد جنى عليه في ذلك الموضع في رأسه فإن أراد أن يقتص بعضها في مقدم رأس الجاني وبعضها في مؤخر رأس الجاني ويكون بينهما فاصل ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز له ذلك لانه يأخذ موضحتين بموضحة
(والثانى)
وهو قول المصنف أنه يجوز لانه لا يأخذ إلا قدر حقه إلا أن قال أهل الخبرة ان في ذلك زيادة ضرر أو زيادة شين فيمنع من ذلك، وإن كان رأس المجني عليه أكبر من رأس الجاني فأوضحه موضحة في مقدم رأسه وكان قدر طولها وعرضها في رأس الجاني يزيد على ذلك الموضع ففيه وجهان
(أحدهما)
أن للمجني عليه أن يقتص في مقدم رأس الجاني ويستكمل قدر طول موضحته وعرضها مما يلى ذلك من مؤخر رأس الجاني لانه عوض واحد فإن زادت موضحته على قدر الرأس لم يكن له أن يستوفى باقيها في الوجه ولا في القفا وهو ما نزل عن منبت شعر الرأس من العين لانهما موضعان آخران
والوجه الثاني أنه لا يجوز له أن يتجاوز عن سمت موضع الشجة لانه غير موضع الشجة فلم يتجاوزه، كما لا يجوز أن يتجاوز عن موضع الرأس إلى الوجه والقفا فعلى هذا ان كانت الموضحة في مقدم الرأس وزاد قدرها على مقدم رأس الجاني لم ينزل إلى مؤخره، وان كانت بين قرنى الرأس وهما جانباه وزاد قدرها على مابين قرنى رأس الجاني فللمجنى عليه أن يقتص إلى ما فوق الاذنين لانه في سمتها وليس له أن يستوفى في مقدم الرأس ولا في موخره لانه في غير سمته (فرع)
وأما الهاشمة والمنقلة والمأمومة فله أن يقتص في الموضحة وليس له أن يقتص فيما زاد عليها لان كسر العظم لا يمكن المماثلة فيه لانه يخاف فيه الحيف
стр. 2695
وإتلاف النفس، وأما الجراحة في غير الرأس والوجه فيظر فيها - فإن وصلت إلى عظم وجب فيه القصاص.
ومن أصحابنا من قال لا يجب فيها القصاص لانها لما خالفت موضحة الرأس والوجه في تقدير الارش خالفتها في وجوب القصاص والمنصوص هو الاول، لانه يمكن القصاص فيها من غير حيف فهي كالموضحة في الرأس والوجه.
فعلى هذا إن كانت في موضع عليه شعر كثير، فالمستحب أن يحلق موضعها ويعلم على موضعها سواد أو غيره، ويقدر الطول والعرض على ما ذكرناه في موضحة الرأس.
وإن كانت الجراحه في العضد فزيد قدرها على عضد الجاني لم ينزل في الزيادة على عالى الساعد، وإن كانت في الفخذ وزاد قدرها على فخذ الجاني لم ينزل في الزيادة إلى الساق، وإن كانت في الساق وزاد قدرها على ساق الجاني لم ينزل في الزيادة إلى القدم كما لا ينزل في موضحة الرأس إلى الوجه والقفا، وإن كانت فيما دون الموضحة لم يجب فيها القصاص على المشهور من المذهب، لانه لا يمكن المماثلة فيه
وعلى ما اعتبره الشيخ أبو حامد وحكاه الخراسانيون فيما دون الموضحة من الجراحات على الرأس في الوجه يكون ههنا مثله وإن كانت الجراحة جائفة أو كسر عظم لم يجب القصاص فيها، لانه لا يمكن المماثلة فيها ويخاف فيها الحيف، بل إن كانت في موضع وصلت إلى عظم ثم كسرت أو أجافت وجب القصاص فيها إلى العظم ووجب الارش فيما زاد
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وأما الاطراف فيجب فيه القصاص في كل ما ينتهى منها إلى مفصل فتؤخذ العين بالعين لقوله تعالى " وكتبنا عليهم فيه أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص " ولانه يمكن المماثلة فيها لانتهائها إلى مفصل فوجب فيها القصاص، ولايجوز أن يأخذ صحيحة بقائمة لانه يأخذ أكثر من حقه، ويجوز أن يأخذ القائمة بالصحيحة لانه يأخذ دون حقه.
وان أوضج رأسه فذهب ضوء عينه، فالمنصوص أنه يجب فيه القصاص،
стр. 2696
وقال فيمن قطع أصبح رجل فتأكل كفه إنه لا قصاص في الكف، فنقل أبو إسحاق قوله في الكف إلى العين ولم ينقل قوله في العين إلى الكف فقال في ضوء العين قولان
(أحدهما)
لا يجب فيه القصاص لانه سراية فيما دون النفس فلم يجب فيه القصاص كما لو قطع أصبعه فتأكل الكف
(والثانى)
يجب لانه لا يمكن إتلافه بالمباشرة فوجب القصاص فيه بالسراية كالنفس ومن أصحابنا من حمل المسئلتين على ظاهرها فقال يجب القصاص في الضوء قولا واحدا ولا يجب في الكف، لان الكف يمكن إتلافه بالمباشرة فلم يجب القصاص فيه بالسراية بخلاف الضوء.
(فصل)
ويؤخذ الجفن بالجفن لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولانه يمكن
القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل فوجب فيه القصاص ويوخذ جفن البصير بجفن الضرير وجفن الضرير يجفن البصير لانهما متساويان في السلامة من النقص وعدم البصر نقص في غيره.
(فصل)
ويؤخذ الانف بالانف لقوله تعالى " والانف بالانف " ولا يجب القصاص فيه إلا في المارن لانه يتنهى إلى مفصل، ويؤخذ الشام بالاخشم، والاخشم بالشام لانهما متساويان في السلامة من النقص، وعدم الشم نقص في غيره، ويوخذ البعض بالبعض، وهو أن يقدر ما قطعه بالجزء كالنصف والثلث ثم يقتض بالنصف والثلث من مارن الجاني، ولا يؤخذ قدره بالمساحة لانه قد يكون أنف الجاني صغيرا وأنف المجني عليه كبيرا، فإذا اعتبرت المماثلة بالمساحة قطعنا جميع المارن بالبعض، وهذا لا يجوز.
ويؤخذ المنخر بالمنخر والحاجز بين المنخرين بالحاجز، لانه يمكن القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل، ولا يؤخذ مارن صحيح بمارن سقط بعضه بجذام أو انخرام لانه يأخذ أكثر من حقه، فإن قطع من سقط بعض مارته مارفا صحيحا فللمجنى عليه أن يأخذ الموجود وينتقل في الباقي إلى البدل لانه وجد بعض حقه وعدم البعض، فأخذ الموجود وانتقل في الباقي إلى البدل وان قطع الانف من أصله اقتص من المارن لانه داخل في الجناية يمكن القصاص فيه، وينتقل في الباقي إلى الحكومة لانه لا يمكن القصاص فيه فانتقل فيه إلى البدل
стр. 2697
(الشرح) قوله " بقائمة " وهي التي بياضها وسوادها صحيحان غير أن صاحبها لا يبصر ولعلها الواقفة، من قولهم.
قام زيد إذا وقف وقوله " المارن " أي ما لان من الانف وموصل إلى القضيب، والاخشم من الخشم، أي أصيب بداء في أنفه منعه الشم
أما الاحكام فإن الاطراف يجب فيها القصاص في كل ما ينتهى منها إلى مفصل فتؤخذ العين بالعين لقوله تعالى (والعين بالعين) الآية.
ولانها تنتهى إلى مفصل إذا ثبت هذا فإنه تؤخذ العين الصحيحة بالعين الصحيحة والقائمة بالقائمة، وهى التي ذهب ضوؤها وبقيت حدقتها - وهي التي انفصلت شبكتيها - وهو الطبقة المبطنة لكرة العين من أسفل أو التي انفصل أو ضمر العصب البصري لها وهو الذي يتلقى المرئيات من الشبكية لنقلها إلى المخ، أو المياه الزرقاء التي تتكون في العدسة الداخلية للعين، أو ما شابه ذلك مما لا يظهر على شكل العين فتبدو كأنها مبصرة وليس فيها ابصار، فإنه لا تؤخذ صحيحة بقائمة، وهي التي وصفناها طبقا لعلم التشريح البصري ان شاء الله، وذلك لانه يأخذ أكثر من حقه، ويجوز أن يأخذ القائمة بالصحيحة لانه يأخذ أقل من حقه باختياره (فرع)
إذا أوضح رأسه فذهب ضوء العين، أي انفصلت الشبيكة أو نهتك عصب الابصار، فالمنصوص أنه يجب القصاص في الضوء.
وقال الشافعي رضى الله عنه فيمن قطع أصبع رجل فتأكل الكف وسقط انه لا يجب عليه القصاص في الكف.
واختلف أصحابنا في ضوء العين، فنقل أبو إسحاق جوابه في الكف إلى العين، وجعل في ضوء العين قولين
(أحدهما)
أنه لا يجب فيه القصاص لانه سراية فيما دون النفس فلم يجب فيه القصاص كالكف.
(والثانى)
يجب فيه القصاص بالسراية كالنفس، وقال أكثر أصحابنا لا يجب القصاص في الكف بالسراية قولا واحدا، والفرق بينهما أن الكف يمكن اتلافه بالمباشرة فلم يجب فيه القصاص بالسراية، والضوء لا يمكن إتلافه بالمباشرة بالجناية، وانما يتلف بالجناية على غيره فوجب القصاص فيه بالسراية كالنفس.
(فرع)
قال المصنف ويؤخذ الجفن بالجفن لقوله تعالى " والجروح قصاص "
стр. 2698
وهذا صحيح لانه ينتهى إلى مفصل فيوخذ جفن البصير بجفن الضرير وجفن الضرير بجفن البصير لانهما متساويان في السلامة، وعدم البصر نقص في غيره (مسألة) قوله تعالى " والعين بالعين والانف بالانف " قرأ نافع وعاصم والاعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطب، ويجوز تخفيف (أن) ورفع الكل بالابتداء والعطف، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح، وكان الكسائي وأبو عبيد يقرءان " والعين بالعين " وهكذا بالرفع فيها كلها.
قال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن هرون عن عباد بن كثير عن عقيل عن الزهري عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص " والرفع من ثلاث جهات بالابتداء والخبر وعلى معنى على موضع " أن النفس " لان المعنى قلنا لهم " النفس بالنفس " والوجه الثالث قاله الزجاج يكون عطفا على المضمر في النفس، لان الضمير في النفس في موضع رفع لان التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس، فالاسماء معطوفة على هي.
قال ابن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام حكم في المسلمين، وهذا أصح القولين عند القرطبى في جامعه، وذلك أنها قراءة رسول الله ﷺ والخطاب للمسلمين أمروا بهذا.
ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستناف بها، كأن المسلمين أمروا بهذا خاصة، وما قبله لم يواجهوا به إذا ثبت هذا فإن الانف الكبير يؤخذ بالصغير والغليظ بالرقيق والاقنى بالافطس لان الاطراف يجب القصاص فيها وان اختلفت بالصغر والكبر.
ولا يجب
القصاص في المارن وهو اللبن.
وأما القصبة فلا يجب فيها القصاص لانها عظم، ويؤخذ أنف الشام بأنف الاخشم وأنف الاخشم بأنف الشام، لان الخشم ليس بنقص في الانف، وإنما هو لعلة في الدماغ والانفان يتساويان في السلامة، ويؤخذ الانف الصحيح بالانف المجذوم ما لم يسقط بالجذام شئ منه، لان الطرف الصحيح يؤخذ
стр. 2699
بالطرف العليل، فإن سقط من الانف شئ لم يؤخذ به الصحيح لانه يأخذ أكثر من حقه، فإن قطع من سقط بعض مارنه مارنا صحيحا قطع جميع ما بقى من مارن الجاني وأخذ منه من الدية بقدر ماكان ذهب من مارنه، فإن قطع بعض مارن غيره نظركم القدر التي قطع - فإن كان نصف المارن أو ثلثه أو ربعه أقتص من مارنه نصفه أو ثلثه أو ربعه، ولا يقدر بالمساحة بالطول والعرض كما قلنا في الموضحة، لانه قد يكون أنف الجاني صغيرا وأنف المجني عليه كبيرا، فلو قلنا يقطع من أنف الجاني قدر ما قطع من أنف المجني عليه بالمساحة طولا وعرضا لم يأمن أن يقطع جميع أنفه ببعض أنف المجني عليه، ويؤخذ المتحد بالمتحد، والحاجز بينهما بالحاجز، فإى قطع المارن والقصبة اقتص من المارن وأخذ الحكومة في القصبة لانه لا يمكن القصاص فيها
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وتؤخذ الاذن بالاذن لقوله " والاذن بالاذن " ولانه يمكن استيقاء القصاص فيه لانتهائه إلى حد فاصل، وتؤخذ أذن السميع بأذن الاصم، وأذن الاصم بأذن السميع، لانهما متساويان في السلامة من النقص، وعدم السمع نقص في غيره.
ويؤخذ الصحيح بالمثقوب، والمثقوب بالصحيح، لان الثقب ليس بنقص، وإنما تثقب للزينة، ويؤخذ البعض بالبعض على
ما ذكرناه في الانف، ولا يؤخذ صحيح بمخزوم، لانه يأخذ أكثر من حقه، ويؤخذ المخزوم بالصحيح، ويؤخذ معه من الدية بقدر ما سقط منه لما ذكرناه في الانف.
وهل يؤخذ غير المستحشف بالمستحشف؟ فيه قولان
(أحدهما)
أنه لا يؤخذ كما لا تؤخذ اليد الصحيحة بالشلاء
(والثانى)
يؤخذ لانهما متساويان في المنفعة، بخلاف اليد الشلاء فإنها لا تساوى الصحيحة في المنفعة، فإن قطع بعض أذنه وألصقه المقطوع فالتصق لم يجب القصاص، لانه لا يمكن المماثلة فيما قطع منه، وإن قطع أذنه حتى جعلها معلقة على خده وجب القصاص، لان المماثلة فيه ممكنة بأن يقطع أذنه حيت تصير
стр. 2700
معلقة على خده، وإن أبان أذنه أبان أذنه فأخذه المقطوع وألصقه فالتصق لم يسقط القصاص لان القصاص يجب بالابانة، وما حصل من الالصاق لا حكم له لانه يجب إزالته ولا تجوز الصلاة معه.
وإن قطع أذنه فاقتص منه وأخذ الجاني اذنه فألصقه فالتصق لم يكن للمجني عليه أن يطالبه بقطعه، لانه أقتض منه بالابانة، وما فعله من الالصاق لا حكم له لانه يستحق إزالته للصلاة، وذلك إلى السلطان وإن قطع أذنه فقطع المجني عليه بعض أذن الجاني فألصقه الجاني فالتصق فللمجنى عليه أن يعود فيقطعه لانه يستحق الابانة ولم يوجد ذلك.
وإن جنى على رأسه فذهب عقله أو على أنفه فذهب شمه أو على أذنه فذهب سمعه لم يجب القصاص في العقل والشم والسمع، لان هذه المعاني في غير محل الجناية فلم يمكن القصاص فيها.
(فصل)
وتؤخذ الشفة بالشفة وهو مابين جلد الذقن والخدين علوا وسفلا ومن أصحابنا من قال لا يجب فيه القصاص لانه قطع لحم لا ينتهى إلى عظم فلم
يجب فيه القصاص كالباضعة والمتلاحمة والضجيج والاول لقوله تعالى " والجروح قصاص " ولانه ينتهى إلى حد معلوم يمكن القصاص فيه فوجب فيه القصاص (الشرح) الصمم فقدان السمع بسبب من الاسباب الآتية، ١ - انسداد القناة السمعية وهى المدخل الظاهرى في فتحة الاذن ٢ - تهتك الغشاء الرقيق المسمى (الطلبة) وهو الذي يستقبل الذبذبات الصوتية الداخلة من القناة السمعية فينقلها بدوره إلى ثلاثة عظيمات في الصماخ وهذه العظيمات (بالتصغير لصغرها ودقتها) تكبر الصوت بالذبذبات التي تحدث عن طريق تحرك هذه العظيمات عند اصطدام الذبذبات الصوتية بها ٣ - توقف العظيمات عن الحركة ٤ - انفصال العصب السمعى أو تيبسه أو تهتكه، وهو الذي يأخذ الصوت من مكبر الصوت (العظيمات) لينلقه إلى المخ.
والاخرم المثقوب الاذن، وقد انخرم ثقبه أي انشق، والمستحشف المنقبض اليابس، مأخوذ من حشف التمر وأول الشجاج الحارصة، سميت حارصة لانها تشق الجلد، يقال حرص القطار الثوب