← Фикх шафии

Фикх шафии · id 1026

تكملة المطيعي على المجموع شرح المهذب - ط السلفية

محمد نجيب المطيعي

Полный текст (3 572 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال العمرانى: والذى يقتضيه المذهب أنه يحلف: ما يعلم أن البائع رجع فيها قبل التأبير، وكذلك الغرماء إذا حلفوا، لانه يحلف على نفى فعل الغير فإذا حلف المفلس ملك الثمرة: فان لم يختر دفع الثمرة إلى الغرماء ولا بيعها لهم لم يجبر على ذلك، ولا لهم أن يطالبوه بذلك لانهم يقرون أنها ملك للبائع دون المفلس، ولكن يصرف إليهم سائر أمواله، ويفك عنه الحجر، ويتصرف في الثمرة كيف شاء اه. فان اختار المفلس دفع الثمرة إلى الغرماء، فهل يجبر الغرماء على قبولها، فيه وجهان. أحدهما وهو المذهب، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره: أنهم يجبرون فيقال لهم: إما أن تقبلوها أو تبرئوه من قدرها من دينكم كما قال الشافعي في المكاتب إذا حمل إلى سيده مالا عن كتابته. وقال للسيد: هو حرام، أنه يلزمه أن يأخذه أو يبرئه من قدره من ماله عليه. والثانى: لا يلزمهم ذلك، لانهم يقرون المفلس لا يملك ذلك، ويفارق سيد المكاتب، لانه يريد الاضطرار بالعبد ورد إلى الرق، فلم يقبل منه ولا ضرر على المفلس في ذلك فإذا قلنا بالاول، وقال الغرماء: نحن لا نأخذ الثمرة ولكنا نفك الحجر عنه ونبريه من حقوقنا، فهل للمفلس الامتناع؟ فيه وجهان حكاهما المسعودي، فان اختار الغرماء أن يبرء والمفلس من قدر الثمرة من الدين، فأبروه من ذلك فلا كلام، وإن لم يختاروا أن يبروه، فان كان دينهم من جنس الثمرة وجب عليهم أخذها، وكذلك إذا لم يكن دينهم من جنس الثمرة، واختاروا أخذ الثمرة عن دينهم، فان كان دينهم من غير السلم جاز، وبرئت ذمة المفلس من ذلك فإذا أخذوا ذلك لم يملكوه، ولكن لزمهم رد ذلك إلى البائع، لانهم قد أقروا أنها ملكه وإنما لم نقبل إقرارهم لحق المفلس. فإذا زال حقه لزمهم حكم اقرارهم الاول كما لو شهد رجلان على رجل أنه أعتق عبده فلم نقبل شهادتهما عليه، ثم انتقل العبد اليهما أو إلى أحدهما بارث أو بيع، فانه يعتق عليهما باقرار السابق، وان كانت حقوقهم من غير جنس الثمرة، فانه لا يلزمهم قبول الثمرة بعينها، ولكن تباع الثمرة ويدفع الثمن.

стр. 317

قال ابن الصباغ: ولا حق للبائع في الثمن. وإن صدق بعض الغرماء البائع وكذبه بعضهم مع المفلس - فإن كان فيما صدق البائع عدلان فشهدا له أو عدل وحلف مع شاهده - حكم للبائع بالثمرة ولا كلام، وإن لم يكن فيهم من يقبل شهادته له، فإن القول قول المفلس مع يمينه لما ذكرناه فإذا حلف ملك الثمرة، فان أراد أن تقسم الثمرة على من صدقه دون من كذبه جاز، وان اختار قسمتها على الجميع فقد قال الشافعي رضى الله عنه: يدفعها إلى الذين صدقوه دون الذين كذبوه. واختلف أصحابنا فيها على وجهين، فقال أبو إسحاق: هي كالاول، وان للمفلس أن يفرق ذلك على الجميع أو بين من يكذبه عما يخصه من الثمرة من الدين لما ذكرناه في التى قبلها وما ذكره الشافعي رضى الله عنه فمعناه إذا رضى أن يفرقه فيمن صدقه دون من كذبه. ومنهم من قال: لا يجبر من كذبه على قبض شئ من الثمرة ولا الابراء عن شئ من دينه، وجها واحدا بخلاف الاولى لانه مع تكذيب جماعتهم له، به حاجة إلى قضاء دينه، فأجبروا على أخذه. وفى مسألتنا يمكنه دفعه إلى المصدقين له دون المكذبين له فإذا قلنا بالاول لزم المصدقين للبائع أن يدفعوا ما خصهم من الثمرة إليه، ولا يلزم المكذبين له، والذى يقتضى المذهب، أن البائع لو سأل من كذبه من الغرماء أن يحلف له أنه ما يعلم أنه رجع قبل التأبير لزم المكذب أن يحلف، لانه لو خاف من اليمين فأقر لزمه اقراره. هذا إذا كان المفلس مكذبا للبائع، فأما إذا كان المفلس مصدقا للبائع أنه رجع قبل التأبير، وقال الغرماء: بل رجع بعد التأبير، فهل يقبل اقرار المفلس؟ فيه قولان كالقولين فيه إذا قال: هذا العين غصبتها من فلان، أو ابتعتها منه بثمن في ذمتي، فهل يقبل في العين؟ قولان. فإذا قلنا: يقبل كانت الثمرة للبائع ولا كلام، وإذا قلنا: لا يقبل فقد قال الشافعي رضى الله عنه: يحلف الغرماء للبائع أنه ما رجع قبل الابار.

стр. 318

فمن أصحابنا من قال: فيها قولان، كما إذا ادعى المفلس مالا، وأقام شاهدا ولم يحلف معه، فهل يحلف غرماؤه، فيه قولان، وما ذكر الشافعي ههنا فهو أحدهما، ومنهم من قال: يحلفون ههنا قولا واحدا، وهناك على قولين، لان هناك توجهت اليمين على غيرهم، ثم نقلت إليهم، وههنا توجهت عليهم ابتداء، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: (فصل) وان كان المبيع جارية فحبلت في ملك المشترى نظرت، فان أفلس بعد الوضع رجع في الجارية دون الولد، كما قلنا في الرد بالعيب، ولا يجوز التفريق بين الام والولد. فاما أن يزن البائع قيمة الولد فيأخذه مع الام أو تباع الام والولد فيأخذ البائع ثمن الام. ويأخذ المفلس ثمن الولد. ومن أصحابنا من قال: اما أن يزن قيمة الولد فيأخذه مع الام. واما أن يسقط حقه من الرجوع. والمذهب الاول. لانه وجد عين ماله خاليا عن حق غيره فثبت له الرجوع. وان أفلس قبل الوضع، فان قلنا: لا حكم للحمل رجع فيهما، لانه كالسمن. وان قلنا ان الحمل له حكم رجع في الام دون الحمل لانه كالحمل المنفصل. فان باعها وهى حبلى ثم أفلس المشترى نظرت، فان أفلس قبل الوضع رجع فيهما. وان أفلس بعد الوضع - فان قلنا للحمل حكم - رجع فيهما لانهما كعينين باعهما. وان قلنا لا حكم للحمل. رجع في الام دون الحمل. لانه نماء تميز من ملك المشترى. فلم يرجع فيه البائع، ولا يفرق بين الام والولد على ما ذكرناه. (الشرح) الاحكام: إذا باع من رجل بهيمة حائلا، فحملت في يد المشترى ثم أفلس المشترى بعد أن ولدت فللبائع أن يرجع في البهيمة لانها عين ماله. ولا حق له في ولدها لانه نماء متميز. وحكم الجارية حكم البهيمة الا أنه لا يجوز التفريق بين الجارية وولدها إذا كان صغيرا. فان قال بائع الجارية أنا أدفع قيمة الولد وأملكه مع الام كان له ذلك وينبنى

стр. 319

على عدم التفريق بين الجارية وولدها من التقسيط بين الغرماء أقوال للشيخ أبى حامد وابن الصباغ وأبى إسحاق الشيرازي والعمراني لا مجال لذكرها، ففى كلام المصنف الكفاية في مثل هذا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فصل) وإن كان المبيع طعاما فطحنه المشترى، أو ثوبا فقصره ثم أفلس نظرت فإن لم تزد قيمته بذلك واختار البائع الرجوع رجع فيه، ولا يكون المشترى شريكا له بقدر عمله، لان عمله قد استهلك ولم يظهر له أثر، وإن زادت قيمته بأن كانت قيمته عشرة فصارت قيمته خمسة عشر ففيه قولان (أحدهما) أن البائع يرجع فيه ولا يكون المشترى شريكا له بقدر ما عمل فيه وهو قول المزني، لانه لم يضف إلى المبيع عينا، وإنما فرق بالطحن أجزاء مجتمعة، وفى القصارة أظهر بياضا كان؟ منا في الثوب فلم يصر شريكا للبائع في العين، كما لو كان المبيع جوزا فكسره، ولانه زيادة لا تتميز فلم يتعلق بها حق المفلس، كما لو كان المبيع غلاما فعله أو حيوانا فسمنه (والثانى) أن المشترى يكون شريكا للبائع بقدر ما زاد بالعمل، ويكون حكم العمل حكم العين - وهو الصحيح - لانها زيادة حصلت بفعله فصار بها شريكا كما لو كان المبيع ثوبا فصبغه، ولان القصار يملك حبس العين لقبض الاجرة كما يملك البائع حبس المبيع لقبض الثمن، فدل على أن العمل كالعين بخلاف كسر الجوز وتعليم الغلام وتسمين الحيوان، فان الاجير في هذه الاشياء لا يملك حبس العين لقبض الاجرة، فعلى هذا يباع الثوب فيصرف ثلث الثمن إلى الغرماء والثلثان إلى البائع. وان كان قد استأجر المشترى من قصر الثوب وطحن الطعام ولم يدفع إليه الاجرة دفع الاجرة إلى الاجير من ثمن الثوب: لان الزيادة حصلت بفعله فقضى حقه من بدله (فصل) وإن اشترى من رجل ثوبا بعشرة ومن آخر صبغا بخمسة، فصبغ به الثوب ثم أفلس نظرت فان لم تزد ولم تنقص بأن صار قيمة الثوب خمسة

стр. 320

عشر، فقد وجد كل واحد من البائعين عين ماله، فإن اختار الرجوع صار الثوب بينهما، لصاحب الثوب الثلثان ولصاحب الصبغ الثلث. وان نقص فصار قيمة الثوب إثنى عشر فقد وجد بائع الثوب عين ماله، ووجد بائع الصبغ بعض ماله، لان النقص دخل عليه بهلاك بعضه، فان اختار الرجوع كان لبائع الثوب عشرة ولبائع الصبغ درهمان. ويضرب بما هلك من ماله، وهو ثلاثة مع الغرماء وإن زاد فصار يساوى الثوب عشرين درهما بنينا على القولين في أن زيادة القيمة بالغين أم لا، فان قلنا انها ليست كالعين حصلت الزيادة في مالهما فيقسط بينهما على الثلث والثلثين، لصاحب الثوب الثلثان ولصاحب الصبغ الثلث، وإن قلنا انها كالعين كانت الزيادة للمفلس فيكون شريكا للبائعين بالربع (الشرح) إذا اشترى حنطة من رجل أو ثوبا خاما أو غزلا، فطحن الحنطة أو خاط الثوب أو قصره، أو نسج الغزل ثم أفلس، فللبائع أن يرجع في الدقيق والثوب المقصور أو المخيط والغزل المنسوج بلا خلاف على المذهب لانه وجد عين ماله خاليا عن حق غيره، فان لم تزد قيمة الثوب والحنطة بذلك فلا شئ للمفلس لان العمل قد استهلك، فان كان المفلس قد عمل ذلك بنفسه سقط عمله وان استأجر من عمل ذلك ولم يدفع الاجرة لم يكن للاجير أن يشارك بائع الثوب بشئ، وانما يضرب مع باقى الغرماء فيما عدا الثوب من مال المفلس لان عمله لم يظهر له قيمة، وهكذا الحكم إذا نقصت قيمة الثوب والحنطة بذلك واختار البائع الرجوع فلا شئ عليه لاجل النقصان، لان المفلس نقص من ماله بيده فإذا اختار الرجوع لم يكن له شئ لاجل النقصان، كما لو وجد الحيوان مريضا، ولا شئ للمفلس ولا يشارك الاجير بائع الثوب بشئ، لان عمله قد استهلك ولكن يضرب مع الغرماء بأجرته وأما إذا زادت قيمة الثوب أو الحنطة بذلك ففيه قولان: (أحدهما) يرجع البائع بالثوب أو الدقيق ولا يشاركه المفلس بشئ، وهو اختيار المزني، لان المشتر؟ لم يضف إلى المبيع عينا، وانما فرق بالطحن أجزاء مجتمعة وأزال بالقصارة، ونسج الثوب فلم يشارك البائع، كما لو اشترى حيوانا

стр. 321

مهزولا فسمن في يده (والثانى) أن هذه الاثار تجرى مجرى الاعيان، فيشارك المفلس البائع بقدر الزيادة - وهو الصحيح - لان الشافعي رضى الله عنه قال " وبه أقول إنها زيادة من فعل المشترى حصلت في المبيع فكان له أن يشاركه، كما لو صبغ الثوب " ولان الطحن والقصارة أجريت مجرى الاعيان، بدليل أن للطحان والقصار والخياط والنساج أن يمسك هذه الاعيان المعمول فيها إلى أن يستوفى الاجرة، فأجريت مجرى الاعيان فيما ذكرناه. إذا ثبت هذا فان قلنا بالقول الاول فاختار البائع الرجوع في عين ماله رجع فيها بزيادتها، فان كان المفلس قد استأجر من عمل ذلك ولم يستوف الاجير أجرته لم يكن للاجير أن يشارك بائع العين بشئ بل يضرب مع الغرماء بقدر أجرته، وإن قلنا بما اختاره الشافعي من أنها آثار تجرى مجرى الاعيان، فان كان المفلس تولى العمل بنفسه أو استعان بمن عمل ذلك بغير أجرة، أو استأجر من عمل ذلك وقد وفى الاجير أجرته فانه يشارك البائع بقدر ما زادت العين بالعمل مثل أن كان الثوب يساوى قبل القصارة (١ عشرة فصار مقصورا يساوى خمسة عشر، فللمفلس في الثوب خمسة قال ابن الصباغ: فان اختار بائع الثوب أن يدفع الخمسة أجبر المفلس والغرماء على قبولها، كما إذا غرس المشترى في الارض المبيعة أو ابتاعها فلبائع الارض أن يدفع قيمة الغراس والبناء ويتملكه مع الارض. وإن لم يختر بائع الثوب أن يدفع ذلك بيع الثوب، وكان ثلثا الثمن للبائع، والثلث للمفلس، وان كان المفلس قد استأجر من عمل ذلك ولم يدفع إليه شيئا من الاجرة تعلق حق الاجير بالزيادة، لانا قد جعلناها كالعين، فان كانت الزيادة قدر أجرته بأن كانت أجرته خمسة دراهم اختص الاجير بالزيادة وشارك البائع

стр. 322

بها، وان كانت الزيادة أكثر من أجرته بأن كانت الزيادة عشرة في حين أن أجرته خمسة كانت الزيادة على مقدار الاجرة من حق المفلس تصرف إلى باقى الغرماء. وإن كانت الزيادة أقل من الاجرة بأن كانت قيمة الثوب قبل القصارة عشرة، فصارت قيمته مقصورا ثلاثة عشر وأجرة القصار خمسة، فان القصار يشارك بائع الثوب بثلاثة دراهم ويضرب مع الغرماء بدرهمين (فرع) وإن اشترى غلاما فعله صنعة مباحة، أو علمه القران، ثم أفلس المشترى وقد زادت قيمة الغلام بذلك، فاختلف أصحابنا في ذلك على قولين كالقصار، لانه يجوز الاستئجار على ذلك، وخالف الشيخ أبو حامد وعامة والاصحاب. وكذلك السمن في البهيمة، لانه كان نتيجة علفها، وهو أمر محتم لبقائها، وسمنها مرجعه بعد ذلك إلى الله تعالى. قال المصنف ﵀: (فصل) وإن كان المبيع أرضا فبناها أو غرسها، فان أنفق المفلس والغرماء على قلع البناء والغراس ثبت للبائع الرجوع في الارض، لانه وجد عين ماله خاليا عن حق غيره، فجاز له الرجوع، فان رجع فيها ثم قلعوا البناء والغراس لزم المفلس تسوية الارض وأرش نقص ان حدث بها من القلع، لانه نقص حصل لتخليص ماله، ويقدم ذلك على سائر الديون، لانه يجب لاصلاح ماله فقدم كعلف البهائم وأجرة النقال. وان امتنعوا من القلع لم يجبروا لقوله ﷺ " ليس لعرق ظالم حق " وهذا غرس وبناء بحق، فان قال البائع: أنا أعطى قيمة الغراس والبناء وآخذه مع الارض، أو أفلع وأضمن أرش النقص، ثبت له الرجوع لانه يرجع في عين ماله من غير إضرار. وان امتنع المفلس والغرماء من القلع، وامتنع البائع من بذل العوض وأرش النقص، فقد روى المزني فيه قولين (أحدهما) أنه يرجع (والثانى) أنه لا يرجع، فمن أصحابنا من قال: ان كانت قيمة الغراس والبناء أقل من قيمة

стр. 323

الارض فله أن يرجع لان الغراس والبناء تابع، فلم يمنع الرجوع، وإن كانت قيمة الغراس والبناء أكثر من قيمة الارض لم يرجع لان الارض صارت كالتبع للغراس والبناء، وحمل القولين على هذين الحالين. وذهب المزني وأبو العباس وأبو إسحاق إلى أنها على قولين (أحدهما) يرجع لانه وجد عين ماله مشغولا بملك المفلس، فثبت له الرجوع، كما لو كان المبيع ثوبا فصبغه المفلس بصبغ من عنده (والثانى) لا يرجع لانه إذا رجع في الارض بقى الغراس والبناء من غير طريق ومن غير شرب، فيدخل الضرر على المفلس، والضرر لا يزال بالضرر. فان قلنا إنه يرجع وامتنع البائع من بذل العوض وأرش النقص، وامتنع المفلس والغرماء من القلع، فهل يجبر البائع على البيع، فيه قولان (أحدهما) يجبر لان الحاجة تدعو إلى البيع لقضاء الدين، فوجب أن يباع كما يباع الصبغ مع الثوب، وإن لم يكن الصبغ له ويباع ولد المرهونة مع الرهن، وان لم يدخل في الرهن (والثانى) لا يجبر لانه يمكن إفراد كل واحد منهما بالبيع، ولا يجبر على بيعها مع الغراس والبناء. (الشرح) حديث " ليس لعرق ظالم حق " أخرجه أبو داود والدارقطني والشافعي عن عروة بن الزبير عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، وأخرجه أحمد والترمذي وحسنه وأعله بالارسال والنسائي وأبو داود من طريق سعيد بن زيد. ورجح الدارقطني إرساله أيضا. وقد اختلف مع ترجيح الارسال من هو الصحابي الذى روى من طريقه؟ فقيل جابر، وقيل عائشة، وقيل عبد الله بن عمر ورجح ابن حجر العسقلاني الاول، وقد اختلف فيه على هشام بن عروة اختلافا كثيرا. ورواه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة وفى إسناده زمعه وهو ضعيف. ورواه ابن أبى شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنديهما من حديث كثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، وعلقه البخاري. ولفظ حديث سعيد بن زيد قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " من أحيا أرضا ميتة فهى له. وليس لعرق ظالم حق "

стр. 324

وفى حديث رواه جعفر الصادق رضى الله عنه عن أبيه عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ " أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الانصار، قال ومع الرجل أهله، قال: وكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به الرجل، ويشق عليه، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذلك له، فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه فأبى، فطلب إليه يناقله فأبى، قال فهبه لى، ولك كذا أمرا رغبه فيه، فأبى. فقال: أنت مضار فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ للانصاري اذهب فاقلع نخله " وفى سماع محمد الباقر أبى جعفر من سمرة نظر، والله تعالى أعلم. أما الاحكام: فإنه إذا ابتاع أرضا من رجل بثمن في ذمته فغرسها من عنده أو بنى فيها بناء بأدوات من عنده، ثم أفلس قبل دفع الثمن، فأراد البائع الرجوع في أرضه، فان اتفق المفلس، والغرماء على قلع الغراس والبناء من الارض جاز لهم ذلك. لان الحق لهم، ولبايع الارض أن يرجع فيها، لانها عين ماله، لم يتعلق بها حق غيره، فإذا رجع البايع فيها ثم قلعوا البناء والغراس لزمهم تسوية الارض، وأرش ما نقص إن حصل بها بسبب القلع، لان ذلك حدث لتخليص ملكهم، وهو كما لو دخل فصيل إلى دار رجل ولم يخرج إلا بنقض الباب. فلرب الفصيل نقض الباب وإخراج فصيله. وعليه إصلاح الباب، ويكون ذلك مقدما على حق سائر الغرماء. فان قيل: أليس قد قلتم: ان البائع إذا وجد عين ماله ناقصة فرجع فيها، فانه لا شئ له. قلنا: الفرق بينهما أن النقص حصل في ملك المشترى، فلم يضمنه الا فيما يتقسط عليه الثمن، وههنا حدث النقص بعد رجوع البايع في أرضه، والنقص حصل لتخليص ملكهم فضمنوه، وان لم يرض المفلس والغرماء بقلع الغراس والبناء لم يكن لبايع الارض اجبارهم على ذلك للحديث " ليس لعرق ظالم حق " وهذا ليس ظالما لانه غرس أو بنى في ملكه. فإذا ثبت هذا: فانهم لا يجبرون، فان بذل البايع قيمة الغراس والبناء ليملكه مع الارض، أو قال: أنا أقلع ذلك وأضمن أرش ما دخل بالقلع من النقص

стр. 325

أجبر المفلس والغرماء على ذلك، وكان لبائع الارض الرجوع فيها: لان الضرر يزول عن الجميع بذلك. وان قال بايع الارض: أرجع فيها وأقر الغراس والبناء وأخذ أجرة الارض قال المسعودي كان له ذلك وان امتنع المفلس والغرماء من القلع وامتنع بائع الارض من بذل قيمة الغراس والبناء وأرش ما حصل بالقلع فهل له أن يرجع في أرضه؟ قال الشافعي رضى الله عنه في موضع: له أن يرجع فيها. وقال في موضع: يسقط حقه من الرجوع فيها. واختلف أصحابنا فيها فمنهم من قال فيها قولان. (أحدهما) للبايع أن يرجع في أرضه، وان لم يبذل قيمة الغراس والبناء لقوله ﷺ " صاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه ولم يفرق " ولان أكثر ما فيه أنه وجده مشغولا بملك غيره، وذلك لا يسقط حقه من الرجوع كما لو باع ثوبا فصبغه المشترى بصبغ من عنده (والثانى) ليس له الرجوع في أرضه، لان الارض قد صارت مشغولة بملك غيره فسقط حقه من الرجوع فيها كما لو اشترى من رجل مسامير وسمر بها بابا ثم أفلس البايع فانه ليس للبائع للمسامير أن يرجع فيها ولان رجوع البايع في عين ماله انما جعل له لازالة الضرر عنه، فلو جوزنا له الرجوع ههنا لازلنا عنه الضرر. وألحقناه بالمفلس والغرماء لانه لا يبقى لهما طريق إلى غراسهم وبنائهم. ومنهم من قال: ليست على قولين. وانما هي على حالين. فالموضع الذى قال فيه " يرجع في أرضه ولا يدفع قيمة الغراس والبناء " محمول على ما إذا كانت قيمة الارض أكثر من قيمة الغراس والبناء. لان الغراس والبناء تابعان للارض، والموضع الذى قال فيه " لا يرجع في الارض إذا كانت قيمة الغراس والبناء أكثر من قيمة الارض. لان الارض تكون تابعة للغراس والبناء. والصحيح أنها على قولين. لان البايع لو بذل قيمة الغراس والبناء لكان له الرجوع في أرضه. سواء كانت قيمة الارض أكثر من قيمة الغراس والبناء أو أقل. فإذا قلنا: ليس له الرجوع في أرضه فلا كلام. وان قلنا: له الرجوع في أرضه وان لم يدفع قيمة الغراس والبناء فرجع فيها نظرت فان اتفق الغرماء

стр. 326

والمفلس والبائع على بيع الارض والغراس والبناء بيعا وقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما وكيفية ذلك أن يقال: كم قيمة الارض ذات غراس أو بناء؟ فإن قيل خمسون، قيل وكم قيمة الغراس أو البناء منفردا، فإن قيل: عشرون، كان لبائع الارض ثلاثة أخماس القيمة وللمفلس والغرماء الخمسان. وإن امتنع البائع من بيع الارض ففيه قولان (أحدهما) يجبر على بيعها مع البناء والغراس، ويقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما على ما ذكر من التقسيط لان الحاجة تدعو إلى البيع لقضاء الدين فبيع الجميع كما لو كان المبيع ثوبا فصبغه المفلس بصبغ من عنده، فرجع بائع الثوب فيه، وامتنع من دفع قيمة الصبغ، فإن الثوب يباع مع الصبغ، وكذلك إذا كان المبيع جارية فولدت في يد المشترى ورجع بائع الجارية فيها فإنها تباع مع الولد، وكذلك إذا كانت مرهونة فولدت في يد المرتهن فإنه يباع معها. (القول الثاني) لا يجبر على بيع أرضه، وهو المشهور، لانه يمكن إفراد الغراس والبناء بالبيع، فلم يجبر البايع على بيع أرضه. قالوا في البيان والروضة والحاوى: بخلاف الصبغ، فانه لا يمكن إفراده بالبيع، وكذلك ولد الجارية انما وجب بيعه لانه لا يجوز التفريق بينها وبين ولدها الصغير. وحكى الشيخ أبو حامد أن من أصحابنا من قال: تؤاجر الارض والغراس ثم يكون ما قابل الارض من الاجرة لبايعها وما قابل الشجر للمفلس والغرماء قال الشيخ أبو حامد: وهذا خطأ لان إجارة الشجر لا يجوز، ولهذا لو غصب شجرة وأقامت في يده لم تجب عليه أجرتها. قال المصنف ﵀: (فصل) وإن كان المبيع أرضا فزرعها المشترى ثم أفلس، واختار البايع الرجوع في الارض جاز له، لانه وجد عين ماله مشغولا بما ينقل، فجاز له الرجوع فيه، كما لو كان المبيع دارا وفيها متاع للمشترى، فان رجع في الارض نظرت في الزرع، فان استحصد وجب نقله، وإن لم يستحصد جاز تركه إلى أوان

стр. 327

الحصاد من غير أجرة، لانه زرعه في ملكه، فإذا زال الملك جاز ترك الزرع إلى أوان الحصاد من غير أجرة، كما لو زرع أرضه ثم باع الارض، (الشرح) كلام المصنف في هذا الفصل مضى بيانه في الفصل قبله وهو بمجرده واضح ويزاد عليه من الاحكام ما هو منه فنقول: إذا اشترى من رجل أرضا بثمن في ذمته، ومن آخر غراسا في ذمته، فغرسه في الارض ثم أفلس قبل تسليم الثمنين، فلكل واحد من البائعين الرجوع في عين ماله، فإذا رجعا نظرت، فان أراد صاحب الغراس قلع غراسه كان له ذلك، ولم يكن لبايع الارض منعه منه، فإذا قلعه كان تسوية الارض، وأرش النقص إن حصل بها، لان ذلك حصل لتخليص ملكه. وأن أراد صاحب الارض قلع الغراس، ويضمن أرش النقص أو بذل قيمة الغراس ليتملكه مع الارض، كان له ذلك، لانه متصل بملكه فكان له إسقاط حقه منه بدفع قيمته، وإن أراد صاحب الارض قلع الغراس من غير ضمنا فهل يجبر بايع الغراس على ذلك، فيه وجهان. (أحدهما) ليس له ذلك، لانه ليس بعرق ظالم، ولانه لو كان باقيا على ملك المفلس لم يكن لصاحب الارض أن يطالب بقلعه من غير ضمان، فكذلك من انتقل إليه منه. (والثانى) له ذلك لانه إنما يباع منه الغراس مقلوعا. فكان عليه أن يأخذه مقطوعا، ويفارق المفلس لانه غرسه في ملكه، فثبت حقه في ذلك. قال ابن الصباغ: إذا اشترى من رجل حبا فزرعه في أرضه، ومن آخر ماء فسقاه به فنبت وأفلس، فانهما يضربان مع الغرماء بثمن الماء والحب، ولا يرجعان بالزرع لان عين مالهما غير موجودة فيه، فهو كما لو اشترى طعاما فأطعمه عبده حتى كبر فانه لا حق له في العبد، ولان نصيب الماء غير معلوم لاحد من الخلق. قال العمرانى: قلت. وقد مضى في البذر وجه آخر أنه يرجع فيهما فتحتمل أن يكون لابن الصباغ أختيار أحدهما اه.

стр. 328

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن كان المبيع من ذوات الامثال كالحبوب والادهان فخلطه بجنسه نظرت، فان خلطه بمثله كان للبائع أن يرجع، لان عين ماله موجود من جهة الحكم ويملك أخذه بالقسمة فان رجع واتفقا على القسمة قسم ودفع إليه مثل مكيلته، فان طلب البائع البيع فهل يجبر المفلس؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يجبر لانه تمكن القسمة فلا يجبر على البيع كالمال بين الشريكين. (والثانى) يجبر لانه إذا بيع وصل البائع إلى بدل ماله بعينه، وإذا قسم لم يصل إلى جميع ماله ولا إلى بدله، وان خلطه بأردأ منه فله أن يرجع لان عين ماله موجودة من طريق الحكم فملك أخذه بالقسمة، وكيف يرجع، فيه وجهان. قال أبو إسحاق: يباع الزيتان ويقسم ثمنه بينهما على قدر قيمتهما، لانه ان أخذ مثل زيته بالكيل كان ذلك أنقص من حقه، وان أخذ أكثر من زيته كان ربا فوجب البيع. (والثانى) وهو المنصوص أنه يأخذ مثل زيته بالكيل لانه وجد عين ماله ناقصا فرجع فيه مع النقص، كما لو كان عين ماله ثوبا فحدث به عيب عند المشترى فان خلطه بأجود منه ففيه قولان (أحدهما) يرجع وهو قول المزني لانه وجد عين ماله مختلطا بمالا يتميز عنه، فأشبه إذا خلطه بمثله أو كان ثوبا فصبغه. (والثانى) أنه لا يرجع لان عين ماله غير موجود حقيقة لانه اختاط بمالا يمكن تمييزه منه حقيقة ولا حكما، لانه لا يمكن المطالبة بمثل مكيلته منه، ويخالف إذا خلطه بمثله، لانه تمكن المطالبة بمثل مكليته، ويخالف الثوب إذا صبغه لان الثوب موجود وانما تغير لونه. فان قلنا انه يرجع فكيف يرجع؟ فيه قولان (أحدهما) يباع الزيتان ويقسم ثمنه بينهما على قدر قيمتهما لانه لا يمكن أن يأخذ مثل زيته بالكيل لانه يأخذ أكثر من حقه، ولا يمكن أن يأخذ أقل من دينه بالكيل لانه ربا فوجب البيع. (والثانى) يرجع من الزيت بقيمة مكيلته. فيكون قد أخذ بعض حقه وترك بعضه باختياره.

стр. 329

(الشرح) الاحكام: إذا ابتاع شيئا من ذوات الامثال فخلطه بجنسه ولم يتميز ففيه ثلاث مسائل: (المسألة الاولى) أن يخلطه بأجود، مثل أن يشترى كيلو من زيت بذر القطن يساوى عشرة قروش فخلطه بكيلو من زيت الزيتون يساوى أربعين قرشا وأفلس المشترى قبل دفع الثمن، فهل للبائع أن يرجع في عين ماله؟ فيه قولان. أحدهما له أن يرجع وهو اختيار المزني لانه ليس فيه أكثر من أنه وجد عين ماله مختلطا بمال المفلس وذلك لا يمنع الرجوع، كما لو اشترى ثوبا فصبغه بصبغ من عنده، فإن لبائع الثوب أن يرجع فيه والثانى: ليس له أن يرجع في عين ماله، قال الشافعي رضى الله عنه: وهذا أصح وبه أقول. لانه لا يجوز له أن يرجع بمثل مكيله لان ذلك أكثر قيمة من عين ماله، ولا بقيمة صاعه لان ذلك أنقص من حقه. فإذا قلنا بهذا ضرب مع الغرماء بالثمن، وإذا قلنا بالاول فيكف يرجع؟ فيه قولان حكاهما المصنف وابن الصباغ. وأما الشيخ أبو حامد فحكاهما وجهين. أحدهما وهو قول المصنف واختيار ابن الصباغ: يباع الزيتان وتؤخذ قيمة أربعة أخماس الزيت وهو الاربعون قرشا، لانا لو قلنا له الرجوع في أربعة أخماس الزيت لكان ربا. (والثانى) وهو اختيار الشيخ أبى حامد، وهو المنصوص في الام أنه يرجع في أربعة أخماس الزيت لانه ليس ببيع، وانما وضع ذلك عن وزن زيته وتقويمه المسألة الثانية: أن يخلطه بمثله، مثل أن يشترى كيلو من زيت يساوى عشرة قروش كزيت بذر القطن فخلطه بكيلو من زيت البقل يساوى عشرة قروش. وأفلس المشترى قبل دفع الثمن فللبائع أن يرجع في عين ماله لانها موجودة من جهة الحكم، فان طلب البائع قسمة الزيت أجبر المفلس والغرماء على القسمة، كما لو ورث جماعة زيتا وطلب واحد منهم قسمته فانه يقسم ويجبر الممتنع، وان طلب البائع بيع الزيت وقسمته فانه يقسم ويجبر الممتنع. وان طلب البائع بيع الزيت وقسم ثمنه فهل يجبر المفلس على ذلك؟ فيه وجهان

стр. 330

أحدهما: لا يجبر على البيع، لان البائع يمكنه الوصول إلى حقه من جهة القسمة فلم يكن له المطالبة بالبيع، كما لو ورث جماعة زيتا وطلب واحد منهم البيع فان شركاءه لا يجبرون على البيع والثانى: يجبر المفلس على البيع لان بالقسمة لا يصل إلى عين ماله، وربما كان له غرض في أن لا يأكل من زيت المشترى. المسألة الثالثة: إذا خلطه بأردأ من زيته بأن اشترى كيلو من زيت الزيتون يساوى أربعين قرشا فخلطه بكيلو من زيت السمسم يساوى عشرين قرشا ثم أفلس فللبائع أن يرجع في عين ماله قولا واحدا، لان عين ماله موجودة بطريق الحكم، فان رضى البائع بأخذ كيلو منه أجير المفلس على ذلك لانه أنقص من حقه، وان لم يرض البائع بذلك ففيه ثلاثة أوجه حكاها الشيخ أبو حامد. (أحدهما) ليس له إلا قدر وزنه، لانه وجد عين ماله ناقصا، فإذا اختار الرجوع فيه لم يكن له غيره، كما لو كان المبيع ثوبا فلبسه المشترى ونقص (والثانى) وهو قول المصنف. ولم يذكر ابن الصباغ غيره ان الزيتان يباعان ويدفع إلى البائع قيمة الكيلو الخاص به، وهو أربعون قرشا كما قال في المسألة الاولى، لانه ان أخذ بمثل كيل زيته كان أنقص من حقه، وإن أخذ أكثر من مكيلة زيته كان ربا. (والثالث) حكاه ابن المرزبان: أن له أن يأخذ منه كيلا وثلث كيل بقيمة كيل من زيته، كما قال الشافعي في المسألة الاولى والاول أصح وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فصل) وإن أسلم إلى رجل في شئ وأفلس المسلم إليه وحجر عليه، فان كان رأس المال باقيا فله ان يفسخ العقد، ويرجع إلى عين ماله لانه وجد عين ماله خاليا من حق غيره فرجع إليه كالمبيع، وإن كان رأس المال تالفا ضرب مع الغرماء بقدر المسلم فيه، فان لم يكن في ماله الجنس المسلم فيه اشترى ودفع إليه لان أخذ العوض عن المسلم فيه لا يجوز وقال أبو إسحاق: إذا أفلس المسلم إليه فللمسلم أن يفسخ العقد ويضرب مع

стр. 331

الغرماء رأس المال لانه يتعذر تسليم المسلم فيه فثبت الفسخ كما لو أسلم في الرطب فانقطع، والمذهب أنه لا يثبت الفسخ لانه غير واجد لعين ماله فلم يملك الفسخ بالافلاس كما لو باعه عينا فأفلس المشترى بالثمن والعين تالفة ويخالف إذا أسلم وانقطع الرطب لان الفسخ هناك لتعذر المعقود عليه قبل التسليم وههنا الفسخ بالافلاس والفسخ بالافلاس إنما يكون لمن وجد عين ماله وهذا غير واجد لعين ماله فلم يملك الفسخ. (الشرح) الاحكام: إذا أسلم رجل إلى غيره في شئ على صفة، ثم أفلس المسلم قبل أن يأخذ المسلم فيه، فإن أراد المسلم أن يأخذ المسلم فيه بدون الصفة التى اسلم فيها لم يجز من غير رضا الغرماء لان حقوقهم تعلقت بماله، وإن رضى المفلس والغرما بذلك جاز، لان الحق لهم ولا يخرج عنهم. فان قيل: ما الفرق بين هذا وبين المكاتب إذا أذن له سيده في أن يبرئه عن الدين أنه لا يصح إبراؤه في أحد القولين؟ قلنا: الفرق بينهما على هذا القول أن المفلس كامل الملك إلا أنه منع من التصرف في ماله لتعلق حق الغير بماله، فإذا أذن له ذلك الغير في التصرف بماله صح تصرفه كالمرتهن إذا أذن الراهن، وليس كذلك المكاتب، فان المنع لنقصان ملكه، فإذا أذن له سيده لم يتكامل ملكه بذلك، فان كان المفلس هو المسلم إليه فحجر عليه قبل أن يقبض المسلم المسلم فيه، فان كان المسلم فيه موجودا في مال المسلم إليه أخذ من ماله منه، وان كان معدوما اشترى له بما يخصه من ماله من جنس المسلم فيه، لان أخذ العوض عن المسلم فيه لا يجوز. قال أبو إسحاق: المسلم بالخيار بين أن يقيم بالعقد ويضرب مع الغرماء بقدر المسلم فيه، وبين أن يفسخ العقد، فيضرب مع الغرماء برأس مال السلم كما قال الشافعي رضى الله عنه، والمنصوص أنه لا يملك فسخ العقد، بل يضرب مع الغرماء بقدر المسلم فيه، كما أن البائع إذا وجد المبيع تالفا ليس له أن يفسخ البيع ويضرب بقيمة العين المبيعة، ويفارق إذا انقطع المسلم فيه، لان له غرضا في الفسخ، وهو أنه يرجع برأس ماله في الحال - وعليه مشقة في التأخير - إلى وجود المسلم فيه.

стр. 332

إذا ثبت هذا فضرب مع الغرماء بقيمة المسلم فيه وعزل ما يخصه ليشترى له المسلم فيه، فإن أسلم في مائة إردب ذرة وكانت قيمتها مائتي جنيه عند القسمة، فعزل له ذلك، فرخص السعر حتى صارت المائة إردب قبل الابتياع تساوى مائة جنيه، اشترى له مائة إردب وقسمت المائة جنيه على باقى الغرماء، إن بقى لهم من دينهم شئ، أو ردت على المفلس ان استوفى أصحاب الديون حقوقهم. وإن غلا الطعام عند الابتياع فصارت المائة تساوى ثلاثمائة جنيه اشترى بالمائتين المعزولة بقدرها ذرة. قال الشيخ أبو حامد: ويكون الباقي في ذمة المسلم إليه. وقال ابن الصباغ: يرجع على الغرماء بما يخصهم من ذلك، لانه بان أن حقه في المسلم فيه دون القيمة. والله أعلم قال المصنف ﵀: (فصل) وإن أكترى أرضا فأفلس المكترى بالاجرة، فإن كان قبل استيفاء شئ من المنافع فله أن يفسخ لان المنافع في الاجارة كالاعيان المبيعة في البيع. ثم إذا افلس المشترى والعين باقية ثبت له الفسخ، فكذلك إذا أفلس المكترى والمنافع باقية وجب أن يثبت له الفسخ، وان أفلس وقد استوفى بعض المنافع وبقى البعض ضرب مع الغرماء بحصة ما مضى، وفسخ فيما بقى كما لو ابتاع عبدين وتلف عنده أحدهما ثم أفلس فإنه يضرب بثمن ما تلف مع الغرماء ويفسخ البيع فيما بقى، فإن فسخ وفى الارض زرع لم يستحصد نظرت، فان اتفق الغرماء والمفلس على تبقيته بأجرة إلى وقت الحصاد لزم المكرى قبوله لانه زرع بحق وقد بذل له الاجرة لما بقى فلزمه قبولها، وان لم يبذل له الاجرة جاز له المطالبة بقطعه، لان التبقية إلى الحصاد لدفع الضرر عن المفلس والغرماء، والضرر لا يزال بالضرر، وفى تبقيته من غير عوض اضرار بالمكرى وان دعا بعضهم إلى القطع وبعضهم إلى التبقية نظرت فان كان الزرع لا قيمة له في الحال كالطعام في أول ما يخرج من الارض لم يقطع، لانه إذا قطع لم يكن له قيمة، وإذا ترك صار له قيمة، فقدم قول من دعا إلى الترك، وان كان له قيمة كالقصيل الذى يقطع ففيه وجهان:

стр. 333

(أحدهما) يقدم قول من دعا إلى القطع لان من دعا إلى القطع تعجل حقه فلم يؤخر (والثانى) وهو قول أبى اسحاق أنه يفعل ما هو أحظ، والاول أظهر. (الشرح) قوله القصيل، فعيل من القصل وبابه ضرب، وقصل الدابة علفها قصيلا، وبابه ضرب، والقصل بفتحتين في الطعام مثل الزوان، والقصالة بالضم ما يعزل من البر إذا نقى ثم يداس الثانية أما الاحكام فانه إذا اكترى منه ارضا بأجرة في ذمته فأفلس المكترى بالاجرة قبل دفعها، فان كان بعد استيفاء مدة الاجارة ضرب المكرى بالاجرة مع الغرماء، وان كان قبل أن يمضى شئ من مدة الاجارة فالمكرى بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء بالاجرة فيقر العقد، وبين أن يفسخ عقد الايجار ويرجع إلى منفعة أرضه، لان المنفعة كالعين المبيعة فجاز له الرجوع إليها وان كان بعد مضى شئ من مدة الاجارة فالمكرى بالخيار بين أن ينفذ العقد ويضرب مع الغرماء بالاجرة، وبين أن يفسخ عقد الاجارة فيما بقى من المدة، ويضرب مع الغرماء بالاجرة لما مضى، كما تقول فيمن باع عبدين بثمن فتلف أحدهما في يد المشترى وبقى الآخر إذا ثبت هذا فان اختار فسخ عقد الاجارة وفى الارض زرع، فان كان قد استحصد - أعنى تهيأ للحصد - فله أن يطالب المفلس والغرماء بحصاده وتفريغ الارض، وان كان الزرع لم يستحصد - فان اتفق المفلس والغرماء على قطعه جاز، سواء كانت قيمة أو لم تكن، ولا يعترض عليهم الحاكم لان الحق لهم وان اتفق على تركه وبذلوا للمكرى أجرة مثل الارض إلى الحصاد لزمه قبول ذلك ولم يكن له مطالبتهم بقلعه، لانه " ليس بعرق ظالم " وان امتنع المفلس والغرماء من بذل الاجرة كان للمكترى مطالبتهم بفعله أعنى بحصده، لانا قد جوزنا له الرجوع إلى عين ماله، وعين ماله هو المنفعة فلا يجوز تفويتها عليه بغير عوض، بخلاف ما لو باع أرضا وزرعها المشترى وأفلس، ثم رجع بائع الارض فيها فانه يلزمه تبقية الزرع إلى الحصاد بغير أجرة، لان المعقود عليه في البيع هو العين، والمنفعة تابعة، لا يقابلها عوض،

стр. 334

وإنما دخل المشترى في العقد على أن يكون بغير عوض، وفى الاجارة المعقود عليه هو المنفعة، فلا يجوز استيفاؤها بغير عوض. وإن اختلف المفلس والغرماء، فقال بعضهم: يقلع، وقال بعضهم يبقى إلى الحصاد - فإن كان الزرع لا قيمة له، كالزرع أول خروجه، قدم قول من دعا إلى التبقية، لان من دعا إلى القلع دعا إلى الاتلاف فلا يجاب إلى ذلك، وان كان الزرع ذا قيمة كالقصيل ففيه وجهان. قال أبو إسحاق: يفعل ما فيه الاحظ، لان الحجر يقتضى طلب الحظ. وقال أكثر أصحابنا: يجاب قول من دعا إلى القلع، وقد مضى دليلها، فان قيل: فما الفرق بين هذا وبين من ابتاع أرضا وغرسها ثم أفلس المبتاع، وأخذ البائع عين ماله وهو الارض، وصار الغراس للمفلس والغرماء، فقال بعضهم نقلع، وقال بعضهم يبقى أنه يقدم قول من قال: يبقى، قلنا. الفرق بينهما على هذا الوجه أن من دعا إلى قلع الغراس يريد الاضرار بغيره، لان بيع الغراس في الارض أكثر لثمنه، فلم يجب قول من دعا إلى قلعه، وليس كذلك في الزرع، فإن من دعا إلى القلع فيه منفعة من غير ضرر، لان الزرع إذا بقى قد يسلم وقد لا يسلم. إذا ثبت هذا: فإن اتفقوا على تبقية الزرع إلى الحصاد واحتاج إلى زرع ومؤنة فإن اتفق الغرماء والمفلس على أن ينفقوا عليه من مال المفلس الذى لم يقسم ففيه وجهان (أحدهما) لا ينفق منه أحد، لان حصول هذا الزرع مظنون. فلا ينبغى أن يتلف عليه مال موجود، والثانى وهو المذهب أن ينفق منه لان ذلك من مصلحة المال، ويقصد به تنمية المال في العادة. وإن دعا الغرماء المفلس إلى أن ينفق عليه وأبى المفلس ذلك لم يجبر عليه لانه لا يجب عليه تنمية المال للغرماء، فإن تطوع الغرماء أو بعضهم بالانفاق عليه من غير اذن المفلس والحاكم لم يرجعوا بما أنفقوا عليه لانهم متطوعون به، وان أنفق بعضهم بإذن الحاكم أو المفلس على أن يرجع على المفلس بما أنفق جاز ذلك وكان له دينا في ذمة المفلس، لا يشارك به الغرماء، لانه وجب عليه بعد الحجر. وان أنفق

стр. 335

عليه بعض الغرماء بإذن باقى الغرماء على أن يرجع عليهم، رجع عليهم بما أنفق من مالهم. (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ: ولو اكترى ظهر لتحمل له طعاما إلى بلد من البلدان فحمله وأفلس المكترى قبل دفع الاجرة ضرب المكرى مع الغرماء بالاجرة، فإن أفلس قبل أن يصل إلى البلد نظرت، فان كان الموضع الذى بلغ إليه آمنا كان له فسخ الاجارة فيما بقى من المسافة، ويضع الطعام عند الحاكم. قال ابن الصباغ: وإن وضعه على يد عدل بغير إذن الحاكم ففيه وجهان، كالمودع إذا أراد السفر فأودع الوديعة بغير إذن الحاكم فهل تضمن؟ فيه قولان والصحيح وجهان، وان كان الموضع مخوفا لزمه حمل الطعام إلى الموضع الذى أكراه ليحمله أو إلى موضع دونه يأمن عليه، لانه استحق منفعته بحق الاجارة قبل الحجر. وإن اكترى منه ظهرا في ذمته فأفلس المكرى، فان المكترى يضرب مع الغرماء بقيمة المنفعة إن كان لم يستوف شيئا منها أو بقيمة ما بقى منها إن استوفى بعضها، لان حقه متعلق بذمته، كما لو باعه عينا في ذمته، فان كان ما يخصه من مال المفلس لا يبلغ ما اكترى به، وكانت الاجرة باقية. فللمكترى أن يفسخ الاجارة ويرجع إلى عين ماله إن كان لم يستوف شيئا من المنفعة أو إلى بعضها ان استوفى شيئا من المنفعة، لان الاجرة كالعين المبيعة وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: (فصل) إذا قسم مال المفلس بين الغرماء ففى حجره وجهان (أحدهما) يزول الحجر لان المعنى الذى لاجله حجر عليه حفظ المال على الغرماء وقد زال ذلك فزال الحجر كالمجنون إذا أفاق (والثانى) لا يزول الا بالحاكم لانه حجر ثبت بالحاكم فلم يزل الا بالحاكم كالحجر على المبذر. (الشرح) الاحكام: إذا قسم مال المفلس بين غرمائه ففى حجره وجهان (أحدهما) يزول عنه من غير حكم الحاكم لان الحجر كان لاجل المال، وقد زال

стр. 336

المال فزال الحجر بزواله، كما أن المجنون محجور عليه بالجنون، فإذا زال الجنون زال الحجر (والثانى) لا يزول الحجر الا بحكم الحاكم، لانه حجر ثبت بحكم الحاكم فلم يزل الا بحكمه كالحجر على السفيه. قال المصنف ﵀: (فصل) ومن مات وعليه ديون تعلقت الديون بماله كما تتعلق بالحجر في حياته فان كان عليه دين مؤجل حل الدين بالموت لما روى ابْنِ عُمَرُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إذَا مَاتَ الرجل وله دين إلى أجل وعليه دين إلى أجل فالذي عليه حال والذى له إلى أجله ولان الاجل جعل رفقا بمن عليه الدين والرفق بعد الموت أن يقضى دينه وتبرأ ذمته، والدليل عليه ما رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال نفس المؤمن مرتهنة في قبره بدينه إلى أن يقضى عنه. (الشرح) الحديثان اللذان رواهما ابن عمر رضى الله عنهما وأبو هريرة رضى الله عنه تكلم فيهما شيخنا النووي في كتاب الجنائز من المجموع وأطال ووفى. أما الاحكام: فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي بَابِ حلول دين الميت والدين عليه من الام: وإذا مات الرجل وله على الناس ديون إلى أجل، فهى إلى أجلها، لا تحل بموته، ولو كانت الديون على الميت إلى أجل فلم أعلم مخالفا حفظت عنه ممن لقيت بأنها حالة يتحاص فيها الغرماء، فان فضل فضل كان لاهل الميراث ووصايا ان كانت له، قال: ويشبه - والله أعلم - أن يكون من حجة من قال هذا القول مع تنابعهم عليه، أن يقولوا لما كان غرماء الميت أحق بماله في حياته منه، كانوا أحق بماله بعد وفاته من ورثته، فلو تركنا ديونهم إلى حلولها كما يدعها في الحياة كنا منعنا الميت أن تبرأ ذمته، ومنعنا الوارث أن يأخذ الفضل عن دين غريم أبيه، ولعل من حجتهم أن يقولوا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه دينه " أخبرنا ابراهيم بن سعد عن أبيه عن عمر بن أبى سلمة عن أبيه عن أبى هريرة (رض) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه دينه ".

стр. 337

قال الشافعي رضى الله عنه: فلما كان كفنه من رأس ماله دون غرمائه ونفسه معلقة بدينه وكان المال ملكا له، أشبه أن يجعل قضاء دينه، لان نفسه معلقة بدينه، ولم يجز أن يكون مال الميت زائلا عنه، فلا يصير إلى غرمائه، ولا إلى ورثته، وذلك أنه لا يجوز أن يأخذه ورثته دون غرمائه، ولو وقف إلى قضاء دينه علق روحه بدينه، وكان ماله معرضا أن يهلك، فلا يؤدى عن ذمته ولا يكون لورثته فلم يكن فيه منزلة أولى من أن يحل دينه ثم يعطى ما بقى ورثته اه " ونعود إلى كلام المصنف رحمه الله تعالى فنقول وبالله التوفيق والعون: من مات وعليه ديون تعلقت بماله، وبهذا قال عثمان وعلى وأبو هريرة رضى الله عنهم، وقال مالك وأبو حنيفة لا يتعلق بماله دليلنا حديث ابن عمر في الفصل ولانه لا وجه لبقاء تأجيله لانه لا يخلو اما أن يبقى في ذمة الميت أو في ذمة الورثة أو متعلقا بأعيان المال فبطل أن يبقى في ذمة الميت لان ذمته خربت بموته وبطل أن يبقى في ذمة الورثة لان صاحب الدين لم يرض بذممهم. ولانه لو تعلق بذممهم - إذا كان للميت مال تعلق بذممهم - وان لم يكن للميت مال. وبطل أن يقال: يبقى مؤجلا متعلقا بأعيان ماله. لان ذلك اضرار لصاحب الدين. لان أعيان المال ربما تلفت. واضرار بالميت لان ذمته لا تبرأ حتى يقضى عنه. لحديث أبى هريرة المسوق في الفصل وفى كلام الشافعي. فإذا بطلت هذه الاقيسة لم يبق الا القول بحلوله قال المصنف ﵀: (فصل) فان تصرف الوارث في التركة قبل مضى الدين ففيه وجهان: (أحدهما) لا يصح لانه مال تعلق به دين فلا يصح التصرف فيه من غير رضى من له الحق كالمرهون (والثانى) يصح لانه حق تعلق بالمال من غير رضا المالك فلم يمنع التصرف كمال المريض. وان قلنا انه يصح فان قضى الوارث الدين نفذ تصرفه وان لم يقض فسخنا. وان باع عبدا ومات وتصرف الوارث في التركة ثم وجد المشترى بالعبد

стр. 338

عيبا فرده. أو وقع في بئر كان حفرها بهيمة ففى تصرف الورثة وجهان. (أحدهما) أنه يصح لانهم تصرفوا في ملك لهم لا يتعلق به حق أحد (والثانى) يبطل لانا تبينا انهم تصرفوا والدين متعلق بالتركة، فان كان في غرماء الميت من باع شيئا ووجد عين ماله. فان لم تف التركة بالدين فهو بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء بالثمن وبين أن يفسخ ويرجع في عين ماله لما روى عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ في رجل أفلس: هذا الذى قضى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه " فان كانت التركة تفى بالدين ففيه وجهان " أحدهما " وهو قول أبى سعيد الاصطخرى ﵀ أن له أن يرجع في عين ماله لحديث أبى هريرة (والثانى) لا يجوز أن يرجع في عين ماله. وهو المذهب. لان المال يفى بالدين فلم يجز الرجوع في المبيع كالحى الملئ. وحديث أبى هريرة قد روى فيه ابو بكر النيسابوري: وان خلف وفاء فهو أسوة الغرماء (الشرح) الاحكام: فإذا تصرف الوارث بالتركة أو ببعضها قبل قضاء الدين فهل يصح تصرفه؟ فيه وجهان " أحدهما " لا يصح سواء بقى من التركة ما يفى من الدين أو لم يبق. لان مال الميت تعلق به ما عليه من الدين فلم يصح تصرف الوارث فيه. كالراهن إذا تصرف في الرهن قبل قضاء الدين " والثانى " يصح تصرفه لانه حق تعلق بالمال بعد رضاء المالك فلم يمنع صحة التصرف كتصرف المريض في ماله. فإذا قلنا بهذا فان قضى الدين نفذ تصرفه. وان لم يقض الدين لم ينفذ تصرفه. لانا انما صححنا التصرف تصحيحا موقوفا على قضاء الدين كما صححنا من تصرف تصرفا موقوفا. فإن باع عبدا ثم مات البائع. أو وجد المشترى بالعبد الذى اشتراه عيبا فرده. فان كان الثمن باقيا بعينه استرجعه. وان كان تالفا رجع المشترى بالثمن في تركة الميت فان الوارث قد تصرف بالتركة قبل ذلك. أو كان حفر الرجل بئرا في طريق المسلمين ومات وتصرف وارثه بتركته ثم وقع في تلك البئر بهيمة أو انسان

стр. 339

وجب ضمان ذلك في تركة الميت. وهل يصح تصرف الوارث قبل ذلك؟ إن قلنا في المسألة قبلها إنه يصح تصرفه فههنا أولى. وإن قلنا هناك لا يصح، ففى هذه وجهان " أحدهما " يصح تصرفه لانه تصرف في مال له لم يتعلق به حق أحد. " والثانى " لا يصح، لانا بينا أنه تصرف والدين معلق بالتركة (فرع) إذا كان في غرماء الميت من باع منه عينا، ووجد عين ماله، ولم يقبض ثمنها، فإن كانت التركة لا تفى بالدين فللبائع أن يرجع في عين ماله. وقال مالك وأبو حنيفة لا يرجع فيها. بل يضرب مع الغرماء بدينه دليلنا ما روى عمرو بن خلدة الزرقى. وقد مضى تخريجنا له قال: أتينا أبا هريرة رضى الله عنه في صاحب لنا أفلس فقال " هذا الذى قضى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه " وهذا نص في موضع الخلاف، وإن كان ماله بقى بالدين ففيه وجهان قال أبو سعيد الاصطخرى: للبائع أن يرجع بعين ماله لحديث أبى هريرة رضى الله عنه، فإنه لم يفرق والثانى: ليس له أن يرجع بعين ماله. وهو المذهب، لان ماله يفى بدينه، فلم يكن للبائع الرجوع بعين ماله كما لو كان حيا. وأما الخبر فمحمول عليه إذا مات مفلسا مع أنه قد روى أبو بكر النيسابوري بإسناده عن أبى هريرة: وإن خلف وفاء فهو اسوة الغرماء. فيكون حجة لنا قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا قسم مال المفلس أو مال الميت بين الغرماء ثم ظهر غريم آخر رجع على الغرماء وشاركهم فيما أخذوه على قدر دينه، لانا إنما قسمنا بينهم بحكم الظاهر إنه لا غريم له غيرهم، فإذا بان بخلاف ذلك وجب نقض القسمة كالحاكم إذا حكم بحكم ثم وجد النص بخلافه. وان أكرى رجل داره سنة وقبض الاجرة وتصرف فيها ثم أفلس وقسم ماله بين الغرماء ثم انهدمت الدار في أثناء المدة فإن المكترى يرجع على المفلس بأجرة ما بقى، وهل يشارك الغرماء فيما اقتسموا به أم لا. فيه وجهان

стр. 340

(أحدهما) لا يشاركهم لانه دين وجب بعد القسمة فلم يشارك به الغرماء فيما اقتسموا، كما لو استقرض مالا بعد القسمة. (والثانى) يشاركهم لانه دين وجب بسبب قبل الحجر فشارك به الغرماء، كما لو انهدمت الدار قبل القسمة، ويخالف القرض لان دينه لا يستند ثبوته إلى ما قبل الحجر وهذا استند إلى ما قبل الحجر، ولان المقرض لا يشارك الغرماء في المال قبل القسمة والمكترى يشاركهم في المال قبل القسمة فشاركهم بعد القسمة (الشرح) الاحكام: إذا قسم مال المفلس أو مال الميت بين غرمائه ثم ظهر له غريم آخر كان مستحقا دينه قبل الحجر، رجع الغريم على سائر الغرماء بما يخصه. وقال مالك رضى الله عنه: يرجع غريم الميت ولا يرجع غريم المفلس. دليلنا: أن الحاكم إنما فرق في غرمائه، وعنده أنه لا غريم له سواهم، فإذا ظهر له غيرهم نقض الحكم، كالحاكم بحكم ثم وجد النص بخلافه، ولانه لما كان لغريم الميت أن يرجع على الباقين كان لغريم المفلس مثله (فرع) وإن فك الحجر عن المفلس وبقى عليه دين فادعى غرماؤه أنه قد استفاد مالا بعد الحجر، سأله الحاكم عن ذلك، فإن أنكر ولا بينة لهم فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل بقاء العسرة، فان ثبت له مال إما بالبينة أو باقراره وطلب الغرماء الحجر عليه، نظر الحاكم فيه وفيما عليه من الدين، فان كان بقى بالدين لم يحجر عليه بل يأمره بقضاء الدين، وإن كان أقل حجر عليه وقسم ماله بين الغرماء، وان تجدد عليه دين بعد الحجر الاول ثم ظهر له مال، فان بان أن المال كان موجودا قبل الحجر الاول قال الجوينى: اختص به الغرماء الاولون دون الآخرين، لان المال كان موجودا تحت الحجر الاول. وان اكتسب هذا المال بعد فك الحجر الاول اشترك به الغرماء الاولون والآخرون على قدر ديونهم. وقال مالك: يختص به الغرماء الآخرون دليلنا: أن حقوقهم متساوية في الثبوت في الذمة بحال الحجر فأشبه غرماء الحجر الاول. (فرع) وان أكرى داره من رجل مدة ثم أفلس المكرى قبل انقضاء الاجل

стр. 341

فإن المكترى أحق بالمنفعة دون الغرماء لانه قد ملك المنفعة بعقد الاجارة قبل الحجر فكان أحق بها، كما لو باع شيئا من ماله ثم أفلس، فإن أراد المكترى فسخ الاجارة لم يكن له ذلك، لان الفسخ إنما يكون في الموضع الذى يدخل عليه ضرر ولا يصل إلى كمال حقه. وههنا يصل إلى كمال حقه. فلم يكن له الفسخ فان انهدمت الدار قبل انقضاء مدة الاجارة انفسخت فيما بقى من المدة: فان كانت الاجرة قد قبضت. فان كانت باقية رجع منها بما يخص ما بقى من المدة، وإن كانت تالفة تعلق ذلك بذمة المفلس، ثم ينظر فيه، فان كان ذلك بعد القسمة ففيه وجهان: (أحدهما) لا يشاركهم، لان حق المكترى كان متعلقا بالمنفعة، فلما تلفت العين المكتراة عاد حقه إلى ذمة المفلس بعد القسمة فلم يشارك الغرماء، كما لو أستدان بعد الحجر. (والثانى) يشاركهم، وهو الصحيح، لان سبب وجوبه كان قبل الحجر فشاركهم، كما لو انهدمت الدار قبل القسمة. ويخالف إذا استدان بعد الحجر. فأن ذلك لم يستند إلى سبب قبل الحجر فلذلك لم يشاركهم، والله أعلم

стр. 342

قال المصنف رحمه الله تعالى: باب الحجر إذا ملك الصبى أو المجنون مالا حجر عليه في ماله، والدليل عليه قَوْله تَعَالَى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) فدل على أنه لا يسلم إليه المال قبل البلوغ والرشد. (الشرح) الحجر في اللغة المنع والتضييق. ومنه سمى الحرام حجرا. قال الله تعالى " ويقولون حجرا محجورا " أي حراما محرما، ويسمى العقل حجرا. قال تعالى " هل في ذلك قسم لذى حجر " سمى حجرا لمنعه صاحبه من ارتكاب القبائح، وما يضر العاقبة، وسمى حجر البيت حجرا لانه يمنع من الطواف به. وفى الشريعة منع الانسان من التصرف في ماله والمحجور عليهم ثمانية، ثلاثة حجر عليهم لحق أنفسهم وخمسة حجر عليهم لحق غيرهم، فالذين حجر عليهم لحق أنفسهم: فالصبي والمجنون والسفيه. والمحجور عليهم لحق غيرهم فهم المفلس يحجر عليه لحق الغرماء، والمريض لحق الورثة، والعبد القن. والمكاتب - بفتح التاء لحق المكاتب بكسرها - والمرتد لحق المسلمين. والاصل في ثبوت الحجر على الصبى قَوْله تَعَالَى " وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا " والابتلاء الاختبار. قال تعالى " هو الذى خلقكم ليبلوكم أيكم أحسن عملا " أي ليختبركم واليتيم من مات أبوه وهو دون البلوغ. قال ﷺ " لَا يُتْمَ بَعْدَ الحلم " وقوله تعالى " إذا بلغوا النكاح " أراد به البلوغ، فعبر عنه به، وقوله تعالى " آنستم منهم رشدا " أي علمتم منهم رشدا، فوضع الايناس موضع العلم، كما وضع الايناس موضع الرؤية في قوله تعالى " آنس من جانب الطور نارا " أي رأى

стр. 343

روى أنها نزلت في ثابت بن رفاعة وفى عمه. لما توفى رفاعة وترك ابنه صغيرا أتى عم ثابت إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ان ابى أخى يتيم في حجري فما يحل لى منه ماله؟ ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية قال الشافعي رضى الله عنه: فلما علق الله تعالى دفع المال إلى اليتيم بالبلوغ، وإيناس الرشد، علم أنه قبل البلوغ ممنوع من ماله محجور عليه فيه. والدليل على ثبوت الحجر على السفيه والصبى والمجنون قوله تعالى " فإن كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل " والسفيه يجمع المبذر لماله والمحجور عليه لصغر، والضعيف يجمع الشيخ الكبير الفاني والصغير المجنون. فأخبر الله تعالى بأن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم فيما لهم وعليهم فدل على ثبوت الحجر عليهم. واختلفوا في الحجر على غير العليم الفاقه بأحكام الحلال والحرام، فرجح بعضهم وجوب الحجر عليه قال القرطبى في جامع الاحكام: وأما الجاهل بالاحكام وان كان غير محجور عليه لتنميته لماله وعدم تدبيره فلا يدفع إليه المال لجهله بفاسد البياعات وصحيحها وما يحل وما يحرم منها، وكذلك الذمي مثله في الجهل بالبياعات ولما يخاف من معاملته بالربا وغيره والله أعلم. اه قال المصنف ﵀: (فصل) وينظر في ماله الاب ثم الجد لانها ولاية في حق الصغير فقدم الاب والجد فيها على غيرهما كولاية النكاح، فإن لم يكن أب ولا جد نظر فيه الوصي لانه نائب عن الاب والجد فقدم على غيره، وان لم يكن وصى نظر السلطان لان الولاية من جهة القرابة قد سقطت فثبتت للسلطان كولاية النكاح وقال أبو سعيد الاصطخرى: فان لم يكن أب ولا جد نظرت الام لانها أحد الابوين فثبت لها الولاية في المال كالاب، والمذهب أنه لا ولاية لها لانها ولاية ثبتت بالشرع فلم تثبت للام كولاية النكاح.

стр. 344

(الشرح) الاحكام: إذا ملك الصبى مالا، فإن الذى ينظر في ماله أبوه إن كان عدلا، فإن لم يوجد الاب أو كان ممن لا يصلح للنظر، كان النظر إلى الجد أب الاب إذا كان عدلا، لانه ولاية في حق الصغير فقدم الاب والجد فيها على غيرهما كولاية النكاح، فإن مات الاب وأوصى إلى رجل بالنظر في مال ابنه وهناك جد يصلح للنظر، فيه وجهان، المذهب أنه لا تصح الوصية إليه، بل النظر إلى الجد. والثانى: حكاه في الابانة، وبه قال أبو حنيفة: أن النظر إلى الوصي لانه قائم مقام الاب، وليس بشئ، لان الجد يستحق الولاية بالشرع، فكان أحق من الوصي، فان لم يكن أب ولا جد، نظر الوصي من قبلهما، فان لم يستحق الولاية بالشرع فكان أحق من الوصي، فان لم يكن أب ولا جد نظر الوصي من قبلهما. فان لم يكونا ولا وصيهما فهل تستحق الام النظر؟ فيه وجهان، قال أبو سعيد الاصطخرى: تستحق النظر في مال ولدها، لانها أحد الابوين، وقال أحمد بن حنبل: إن عمر أوصى إلى حفصة. والثانى: وهو المذهب: أنه لا وصية لها، بل النظر إلى السلطان، وروى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ قَالَ في رجل أوصى إلى إمرأته قال: لا تكون المرأة وصيا، فان فعل حولت إلى رجل من قومه اه. (قلت) ولانها ولاية بالشرع فلم تستحقها الام كولاية النكاح، ولان قرابة الام لا تتضمن تعصيبا، فلم تتمضن ولاية كقرابة الخال، فإذا قلنا بقول أحمد والاصطخري، فهل يستحق أبوها وأمها الولاية عند عدمها. فيه وجهان حكاهما الصيمري وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: (فصل) ولا يتصرف الناظر في ماله إلا على النظر والاحتياط ولا يتصرف إلا فيما فيه حظ واغتباط، فأما مالا حظ فيه كالعتق والهبة والمحاباة فلا يملكه، لقوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن " وَلِقَوْلِهِ ﷺ لَا ضَرَرَ وَلَا ضرار، وفى هذه التصرفات إضرار بالصبى فوجب أن لا يملكه،

стр. 345

ويجوز أن يتجر في ماله. لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: من ولى يتيما وله مال فليتجر له بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة. (الشرح) حديث " من ولى يتيما له مال فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة " رواه عبد الرزاق وابن جرير عنه بسند صحيح، وسبق للامام النووي استقصاء رواياته في كتاب الزكاة. أما الاحكام: فلا يجوز للناظر في مال الصبى أن يعتق منه، ولا أن يكاتب، ولا يهب، ولا يحابى في البيع لقوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن " وليس في شئ من هذه الاشياء " أحسن ". (فرع) قال الشافعي رضى الله عنه: وأحب أن يتجر الوصي بأموال من يلى عليه ولا ضمان، وجملة ذلك أنه يجور للناظر في مال الصبى أن يتجر في ماله، سواء كان الناظر أبا أو جدا أو وصيا أو أمينا من قبل الحاكم لما روى عبد الله ابن عمرو إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: من ولى يتيما له مال فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة ". (قلت) ولان ذلك أحظ للمولى عليه لتكون نفقته من الربح. هكذا قال عامة أصحابنا إلا الصيمري، فانه قال. لا يتجر له في هذا الزمان لفساده وجور السلطان على التجار، بل يشترى له الارض، أو ما فيه منفعة، فان اتجر له لم يتجر له إلا في طريق مأمون، ولا يتجر له في البحر لانه مخوف، فان قيل فقد روى أن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أبضعت أموال بنى محمد بن أبى بكر رضى الله عنهم (قلنا) يحتمل أن يكون ذلك في موضع مأمون قريب من الساحل أو يحتمل أنها فعلت ذلك وجعلت ضمانه على نفسها إن هلك، قال الصميرى: ولا يبيع له إلا بالحال، أو بالدين على ملئ ثقة، اه. والله أعلم. قال المصنف ﵀: (فصل) ويبتاع له العقار لانه يبقى وينتفع بغلته ولا يبتاعه إلا من مأمون لانه إذا لم يكن مأمونا لم يأمن أن يبيع مالا يملكه ولا يبتاعه في موضع قد أشرف

стр. 346

على الخراب أو يخاف عليه الهلاك، لان في ذلك تغريرا بالمال ويبنى له العقار ويبنيه بالآجر والطين ولا يبنيه باللبن والجص، لان الآجر يبقى واللبن يهلك والجص يجحف به والطين لا ثمن له والجص يتناثر ويذهب ثمنه والطين لا يتناثر وان تناثر فلا ثمن له، ولان الآجر لا يتخلص من الجص إذا أراد نقضه ويتلف عليه ويتخلص من الطين فلا يتلف عليه ولا يبيع له العقار إلا في موضعين. (أحدهما) أن تدعو إليه ضرورة بأن يفتقر إلى النفقة وليس له مال غيره ولم يجد من يقرضه. (والثانى) أن يكون له في بيعه غبطة وهو أن يطلب منه بأكثر من ثمنه فيباع له ويشترى ببعض الثمن مثله، لان البيع في هذين الحالين فيه حظ وفيما سواهما لا حظ فيه فلم يجز. وإن باع العقار وسأل الحاكم أن يسجل له نظر، فإن باعه الاب أو الجد سجل له، لانهما لا يتهمان في حق الولد، وإن كان غيرهما لم يسجل حتى يقيم بينة على الضرورة أو الغبطة لانه تلحقه التهمه فلم يسجل له من غير بينة فان بلغ الصبى وادعى أنه باع من غير ضرورة ولا غبطة فان كان الولى أبا أو جدا فالقول قوله وإن كان غيرهما لم يقبل إلا ببينة لما ذكرناه من الفرق فان بيع في شركته شقص، فإن كان الحظ في أخذه بالشفعة لم يترك، وإن كان الحظ في الترك لم يأخذ، لانا بينا أن تصرفه على النظر والاحتياط، فلا يفعل إلا ما يقتضى النظر والاحتياط فان ترك الشفعة والحظ في تركها ثم بلغ الصبى وأراد أن يأخذ، فالمنصوص أنه لا يملك ذلك، لان ما فعل الولى مما فيه نظر لا يملك الصبى نقضه، كما لو أخذ والحظ في الاخذ فبلغ وأراد أن يرد. ومن أصحابنا من قال: له أن يأخذ، لانه يملك بعد البلوغ التصرف فيما فيه حظ، وفيما لا حظ فيه، وقد بلغ فجاز أن يأخذ، وإن لم يكن فيه حظ وهذا خطأ، لان له أن يتصرف فيما لا حظ فيه إذا كان باقيا، وهذا قد سقط بعفو الولى فسقط فيه اختياره، فإن بلغ وادعى أنه ترك الشفعة من غير غبطه فالحكم فيه كالحكم في بيع العقار وقد بيناه.

стр. 347

(الشرح) الاحكام: يجوز أن يبتاع له العقار لانه أقل غررا، لانه ينتفع بغلته مع بقاء أصله. قال ابو على في الافصاح: ولا يشتريه إلا من ثقة أمين يؤمن جحوده في الثمن وحيلته في إفساد البيع لاتباعه في موضع قد أشرف على الهلاك بزيادة ما أوقعته بين طائفتين، فإن ذلك تغرير بماله. ويجوز أن يبنى له العقار إذا احتاج إليه إلا أن يكون الشراء أحظ له فيشترى له ذلك. وإذا احتاج إلى البناء: قال الشافعي رضى الله عنه: يبنى له بالآجر والطين، ولا يبنى له باللبن والحصى، لان اللبن يهلك، والآجر يبقى والحصى يلزق فربما احتيج إلى نقض شئ من الآجر فلا يتخلص من الحصى، ولان الحصى يجحف به، والطين لا يجحف به. قال في البيان تعليقا على قول الشافعي " وهنا في البلاد التى يعز فيها وجود الحجارة، فإن كان في بلد يوجد فيه الحجارة كانت أولى من الآجر، لانها أكثر بقاء، وأقل مؤنة ". قلت: فإذا كان الناظر في مال الصبى عدلا ذا مهارة. ورأى أن يبنى بالخرسانة المسلحة، وكان في ذلك ما يعود على الصغير بفائدة مع حفظ ماله لاسيما في زماننا هذا الذى يكون للتعمير والبناء صيانة ونماء، كان له ذلك، بل كان ذلك هو الافضل، والله تعالى أعلم. (فرع) وان ملك الصبى عقارا لم يبع عليه الا في موضعين أحدهما أن يكون له في بيعه غبطة كأن يكون له شركة مع غيره، أو مجاورة لغيره فيبذل الغير فيه بذلك أكثر من قيمته، ويوجد له مثل بأقل مما باع به فيجوز له بيع العقار عليه لذلك، وكذلك إذا كان له عقار قد أشرف على الهلاك بالغرق أو بالخراب، فيجوز له بيعه عليه، لان النظر له في ذلك البيع، فإذا باع الاب أو الجد عليه عقارا فرفع ذلك إلى الحاكم وسأله امضاءه وتسجيله عليه أمضاه وسجله له، لان الظاهر من حالهما أنه لا يبيعان الا ماله فيه حظ. وهل يحتاج الحاكم إلى ثبوت عدالتهما عنده؟ قال ابن الصباغ: سمعت القاضى أبا الطيب يقول: فيه وجهان (أحدهما) لا يحتاج إلى ذلك، بل يكتفى بالعدالة الظاهرة، كما قلنا في شهود النكاح.

стр. 348

(والثانى) يحتاج إلى الثبوت لولايتهما عنده كما يحتاج إلى ثبوت عدالة الشهود عنده. وأما إذا دفع الوصي أو أمين الحاكم البيع إليه وسأل التسجيل عليه وأمضاه ففيه وجهان (أحدهما) وهو المشهور أنه لا يمضى ذلك حتى تقوم عنده البينة على الحظ أو الغبطة له، لان غير الاب والجد يلحقه التهمة فلم يقبل قوله من غير بينة بخلاف الاب والجد (والثانى) ذكر القاضى أبو الطيب في المجرد أنه يقبل قولهما من غير بينة، كالاب والجد. قال ابن الصباغ: وهذا له عندي وجه لانه إذا جاز لهما التجارة في ماله فيبيعان ويشتريان، ولا يعترض الحاكم عليهما جاز أيضا في العقار، فإن بلغ الصبى وادعى أن الاب أو الجد باع عليه عقاره من غير غبطة ولا حاجة، فإن أقام بينة على ما ادعاه حكم له به، وإن لم تقم بينة فالقول قول الاب أو الجد مع يمينه. وإن باع غير الاب والجد عليه كالوصي وأمين الحاكم، فلما بلغ ادعى أنه باع عليه من غير بينة، لان التهمة تلحقه، وبهذا لا يجوز له أن يشترى مال الولى عليه من نفسه فلم يقبل قوله من غير بينة، بخلاف الاب والجد (فرع) وإن بيع شقص في شركة الصبى، فإن كان للصبى حظ في الاخذ بأن كان له مال يريد أن يشترى له به عقارا، أخذ له بالشفعة، وإن كان الحظ له بالترك بأن كان لا مال له يريد أن يشترى له به، أو كان ذلك في موضع قد أشرف على الهلاك، أو بيع بأكثر من قيمته لم يأخذ له بالشفعة، فإن أخذ له الولى في موضع يرى له الحظ في الاخذ، فبلغ الصبى وأراد أن يرد ما أخذ له الولى لم يملك ذلك، لان ما فعله الولى مما فيه الحظ لا يملك الصبى بعد بلوغه رده، وإن ترك الولى الاخذ له في موضع رأى الحظ له في الترك فأراد الصبى بعد بلوغه أن يأخذه ففيه وجهان: من أصحابنا من قال له ذلك، لانه بعد بلوغه يملك التصرف فيما فيه حظ وفيما لا حظ له، والمنصوص أنه ليس له ذلك، لان الولى قد اختار الترك بحسن نظره، فلم يكن له نقض ذلك، كما لو أخذ له - والحظ في الاخذ -

стр. 349

فإنه لا يملك الصبى بعد البلوغ الرد، فإن ادعى بعد البلوغ أن الولى أخذ - والحظ في الترك - أو الترك والحظ في الاخذ، فان أقام بينة على ذلك حكم له به وإن لم يقم بينة فان كان الولى أبا أو جدا. فالقول قولهما مع يمينهما، وإن كان غيرهما من الاولياء لم يقبل قوله من غير بينة، كما ذكرنا من الفرق قبل هذا والله تعالى أعلم. قال على بن عبد الكافي السبكى في فتاويه: ومن مصالح الصبى أن الولى يصونه عن أكل ما فيه شبهة وعن أن يخلط ماله به، ويحرص على إطعامه الحلال المحض وعلى أن يكون ماله كله منه، وهى مصلحة أخروية ودنيوية، أما أخرويه فظاهر لانه وإن لم يكن مكلفا لكن الجسد النابت من الحلال الطيب أزكى عند الله وأعلى درجة في الآخرة من غيره. وأما دنيويه، فان الجسد الناشئ على الحلال ينشأ على خير، فيحصل له مصالح الدنيا والآخرة. وقد يكون بتركه اجتناب الشبهات يبارك الله له في القليل الحلال فيكفيه ويرزقه من حيث لا يحتسب، فهذه المصالح محققة، والفائدة الدنيوية التى يكتسبها بالمعاملة دنيوية محضة، فتعارضت مصلحتان أخروية ودنيوية، ورعاية الآخرة أولى من رعاية الدنيا، فكان الاحوط والاصلح لليتيم ترك هذه المعاملة، فقد يقال يكون المستحب تركها، وقد يزاد فيقال يجب تركها لقوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن " فالاحسن في الدنيا والآخرة حلال قطعا، وغير الاحسن فيهما يمنع قطعا، والاحسن في الآخرة دون الدنيا إذا راعينا مصلحة الآخرة وقدمناها على الدنيا صار أحسن من الآخرة فهو أحسن مطلقا، فان تيسر متجر ابتغى فعله، وإلا فلا يكلف الله نفسا الا وسعها، ويأكل ماله خير من أن يأكله غيره، والله أعلم اه قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يبيع ماله بنسيئة من غير غبطة، فان كانت السلعة تساوى مائة نقدا ومائة وعشرين نسيئة فباعها بمائة نسيئة فالبيع باطل لانه باع بدون الثمن، وان باعها بمائة وعشرين نسيئة من غير رهن لم يصح البيع لانه غرر بالمال، فان

стр. 350

باع بمائة نقدا وعشرين مؤجلا وأخذ بالعشرين رهنا جاز لانه لو باعها بمائة نقدا جاز فلان يجوز وقد زاده عشرين أولى، وان باعها بمائة وعشرين نسيئة وأخذ بها رهنا ففيه وجهان (أحدهما) لا يجوز لانه أخرج ماله من غير عوض. (والثانى) يجوز، وهو ظاهر النص. وقول أبى اسحاق لانه باع بربح واستوثق بالرهن فجاز (فصل) ولا يكاتب عبده ولو كان بأضعاف القيمة لانه يأخذ العوض من كسبه وهو مال له فيصير كالعتق من غير عوض (الشرح) الاحكام: ينبغى أن لا يبيع ماله بنسيئة من غير غبطة أي راحة نفس، فان كانت له سلعة يريد بيعها، وهى تساوى مائة نقدا، أو مائة وعشرين نسيئة، فان باعها بمائة نسيئة لم يصح بيعها، سواء أخذ بها رهنا أو لم يأخذ، لان ذلك دون ثمن المثل، فان باعها بمائة نقدا وعشرين نسيئة وأخذ بالعشرين رهنا جاز، لانه قد زاد خيرا ووثيقة وان باعها بمائة وعشرين نسيئة ولم يأخذ بها رهنا لم يجز، لانه غرر بما له. وان باعها بمائة وعشرين نسيئة وأخذ بالجميع رهنا ففيه وجهان (أحدهما) لا يجوز، لان في ذلك تغريرا بالمال وقد يتلف الرهن (والثانى) يصح. وهو قول أبى اسحاق وأكثر أصحابنا، لانه مأمور بالتجارة وطلب الربح ولا يمكنه الا ذلك، فعلى هذا يشترط أن يكون المشترى ثقة مليئا لانه ان لم يكن ثقة ربما رهن مالا يملكه. وإذا لم يكن مليئا فربما تلف الرهن فلا يمكن استيفاء الحق منه ويشترط أن يكون الرهن يفى بالدين أو أكثر لانه ربما أفلس أو تلف ما في يده، فإذا لم يمكن استيفاء الحق من الرهن كان وجود الرهن كعدمه وهل يشترط الاشهاد مع ذلك؟ فيه وجهان حكاهما الصيمري (فرع) قال الصيمري: ولا يجوز أن يشترى له متاعا بالدين ويرهن من ماله لان الدين مضمون والرهن أمانة، فان فعل كان ضامنا. والله أعلم

стр. 351

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يسافر بماله من غير ضرورة لان فيه تغريرا بالمال، ويروى أن المسافر وماله على قلت، أي على هلاك. وفيه قول الشاعر: بغاث الطير أكثرها فراخا * وأم الباز مقلات نزور (فصل) فان دعت إليه ضرورة بأن خاف عليه الهلاك في الحضر لحريق أو نهب جاز أن يسافر به لان السفر ههنا أحوط (الشرح) قوله " قلت " إذا قلتها بفتح القاف وسكون اللام كانت النقر في الجبل، وإذا قلتها بفتح القاف وكسر اللام كانت الهلاك. والمقلتة المهلكة، والمقلات الناقة التى تضع واحدا ثم لا تحمل، والبيت للعباس بن مرداس. وآخذ على المصنف رحمه الله تعالى استشهاده بهذا البيت في المعنى الذى أراده، فإن معناه أن بغاث الطير، وهو طائر دون الرخمه بطئ الطيران، وهو طير لا يصيد ولا يرغب أحد في صيده لحقارة شأنه. ومنه المثل " استنسر البغاث " فيمن يلبس غير لباسه متظاهرا بالشجاعة وهو جبان، وعليه قول من قال: إن البغاث بأرضنا يستنسر. أي إن الضعيف يصير بأرضنا قويا تكثر فراخه في حين أن أم الصقر مقلات نزور. وقوله " نزور " أي قليلة الفراخ جدا، والمقابلة والمشاكلة بين بغاث الطير في كثرة فراخها، وبين أم الصقر وهى قليلة الفراخ واضحة، وليس فيها معنى أن المقلات هي المهلكة. أما الاحكام: فانه لا يجوز أن يسافر بماله من غير ضرورة، لان في ذلك تغريرا بالمال وتعريضا له للهلاك، وقد روى أن المسافر وماله على قلت أي هلاك فان دعت إليه ضرورة بأن خاف من نهب أو غرق أو حريق جاز أن يسافر به إلى حيث يأمن عليه، لان ذلك أمر تسوغه الضرورة وتدعو إليه. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فصل) ولا يودع ماله ولا يقرضه من غير حاجة، لانه يخرجه من يده فلم يجز، فان خاف نهب أو حريق أو غرق، أو أراد سفرا وخاف عليه

стр. 352

جاز له الايداع والاقراض، فان قدر على الايداع دون الاقراض أودع، ولا يودع إلا ثقة، وان قدر على الاقراض دون الايداع أقرضه، ولا يقرضه إلا ثقة مليئا، لان غير الثقة يجحد، وغير الملئ لا يمكن أخذ البدل منه، فان أقرض ورأى أخذ الرهن عليه أخذ، وان رأى ترك الرهن لم يأخذ وإن قدر على الايداع والاقراض فالاقراض أولى، لان القرض مضمون بالبدل والوديعة غير مضمونة فكان القرض أحوط، فان ترك الاقراض وأودع ففيه وجهان (أحدهما) يجوز لانه يجوز كل واحد منهما، فإذا قدر عليهما تخير بينهما (والثانى) لا يجوز لقوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن) والاقراض ههنا أحسن فلم يجز تركه، ويجوز أن يقترض له إذا دعت إليه الحاجة ويرهن ماله عليه لان في ذلك مصلحة له فجاز (الشرح) إذا خاف على ماله من نهب أو غرق أو حريق ولم يقدر الولى على المسافرة به، أو أراد الولى السفر إلى موضع لا يمكنه نقل المال إليه، أو يحتاج في نقله إلى مؤنة مجحفة جاز أن يودعه أو يقرضه في هذه الاحوال، فان قدر على الايداع دون الاقراض أودعه ثقة، وان قدر على الاقراض دون الايداع أقرضه ثقة مليئا وأشهد عليه، لان غير الثقة يجحد وغير الملئ لا يمكن أخذ المال منه أو بدله إذا تلف، فان رأى أن المصلحة والحظ في أخذ الرهن أخذه، وان رأى أن " التى هي أحسن " في ترك الرهن تركه ولم يأخذه بأن يكون الموضع مخوفا وكان الولى ممن يرى سقوط الحق يتلف الرهن، لانه لا حظ له في أخذ الرهن مع ذلك. وان قدر على الاقراض ففيه وجهان (أحدهما) يجوز لان كل واحد منهما يجوز فيميز بينهما (والثانى) لا يجوز، لان الاقراض أحظ له، فإذا نزل الاحظ ضمن. (فرع) فأما الاقراض له فيجوز إذا دعته إلى ذلك حاجة للنفقه عليه والكسوة أو النفقة على عقارة المنهدم إذا كان له مال غائب فتوقع قدومه أو ثمرة ينتظرها يفى بذلك، وان لم يكن له شئ ينتظر فلا حظ له في الاقراض، بل يبيع عليه شيئا من أصوله ويصرف في نفقته.

стр. 353

قال المصنف ﵀: (فصل) وينفق عليه بالمعروف من غير إسراف ولا إقتار، لقوله تعالى " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " وإن رأى أن يخلط ماله بماله في النفقة جاز لقوله تعالى " ويسئلونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح " فان بلغ الصبى واختلفا في النفقة فان كان الولى هو الاب أو الجد فالقول قوله وان كان غيرهما ففيه وجهان (أحدهما) يقبل، لان في اقامة البينة على النفقة مشقة فقبل قوله (والثانى) لا يقبل قوله كما لا يقبل في دعوى الضرر والغبطة في بيع العقار. (الشرح) ينبغى أن ينفق عليه ويكسوه من غير إسراف ولا إقتار لقوله تعالى " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواما " وان كان الصبى مكتسبا - قال أبو إسحاق المروزى: أجبره الولى على اكتساب لنفقته، وحفظ عليه ماله، لان ذلك أحظ له. (فرع) فإذا رأى الولى أن الحظ للمولى عليه بخلط مع نفقته مع نفقته، بأن كان إذا خلط دقيقه بدقيقه كان أرفق به في المؤنة وأكثر له في الخبز، جاز له الخلط، لما روى أنه لما نزل قوله تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنما يأكلون في بطونهم نارا، وسيصلون سعيرا " تجنب أصحاب النبي ﷺ اليتامى وأفردوهم عنهم، فنزل قوله تعالى " وإن تخالطوهم فإخوانكم، والله يعلم المفسد من المصلح، ولو شاء الله لاعنتكم " أي لضيق عليكم، لان العنت الضيق وإن كانت الفائدة والمصلحة في إفراده لم تجز الخلطة لقوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن ". (فرع) فإن بلغ الصبى واختلف هو والولى في قدر نفقته، فإن كان الولى أبا أو جدا، فان ادعى أنه أنفق عليه زيادة على المنفعة بالمعروف لزمهما ضمان تلك الزيادة، لانه مفرط، وان ادعيا النفقه بالمعروف فالقول قولهما مع أيمانهما لانهما غير متهمين.

стр. 354

وإن كان الولى غيرهما كالوصي وأمين الحاكم، وادعيا النفقة بالمعروف، فهل يقبل قولهما من غير بينة؟ فيه وجهان. أحدهما: لا يقبل قولهما من غير بينة، كما لا يقبل ذلك منهما في دعوى بيع العقار. والثانى: يقبل قولهما مع أيمانهما. قال ابن الصباغ: وهو الاصح لان إقامة البينة على ذلك تتعذر بخلاف البيع فإنه لا يتعذر عليه إقامة البينة عليه (قلت) ويجب على الولى إذا كان في البلد نظام يسود فيه التوثيق والتسجيل، وكان من السهل على الولى أن يحمل للنفقات والابتياعات للصبى فواتير ومستندات صادرة من جهات الشراء (قلت) يجب عليه أن يتبع ابتياعاته وثائقها الدالة عليها حتى لا يختلط ماله بمال الصبى ولا ينسى شيئا يكون قد انفقه عليه أو يترك لذاكرته أمر استحضار ما اشتراه له فيضرب في عمايات الجزاف، فيقرب مال اليتيم بغير التى هي أحسن. وقوله تعالى " الا بالتى هي أحسن " تفضى - ولا شك - إلى اتباع النظام على أحسن صوره، وأدق وسائله وأضبط أسبابه، ومن ثم تكون الاية نصا في الاخذ بنظام الوثاثق المكتوبة، لانها هي الاحسن. والله أعلم. قال المصنف ﵀: (فصل) وان أراد أن يبيع ماله بماله، فإن كان أبا أو جدا جاز ذلك، لانهما لا يتهمان في ذلك لكمال شفقتهما، وان كان غيرهما لن يجز لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لا يشترى الوصي من مال اليتيم ولانه متهم في طلب الحظ له في بيع ماله من نفسه فلم يجعل ذلك إليه. (الشرح) حديث " لا يشترى الوصي من مال اليتيم " لفظه في سنن الدارمي من قول مكحول: حدثنا محمد بن المبارك ثنا يحيى بن حمزة عن ابن وهب عن مكحول قال: أمر الوصي جائز في كل شئ الا في الابتياع، وإذا باع بيعا لم يقبل قال الدارمي: وهو رأى يحيى بن حمزة. أما الاحكام: فانه يجوز للاب والجد أن يبيعا مالهما من الصبى ويشتريا ماله لانفسهما إذا رأيا الحظ في ذلك، لانهما لا يتهما في ذلك. قال الصيمري فيحتاج

стр. 355

أن يقول: قد اشتريت هذا لنفسي من ابني بكذا، وبعت ذلك عليه، فيجمع بين لفظ البيع والشراء، قال: وغلط بعض أصحابنا وقال: تكفيه النية في ذلك من غير قول، لانه لا يخاطب نفسه. قال العمرانى: وليس بشئ، لانا قد أقمناه مقام المشترى في لفظ الشراء، ومقام البائع في لفظ البيع، ولو احتاج إلى قرض فأقرضه أبواه أو جده وأخذ من ماله رهنا، قال الصيمري: فيه وجهان، الاصح: أنه يجوز إلا أن يكون أقرضه متطوعا ثم أحب أن يأخذ بعد ذلك منه رهنا، فلا يكون له. وأما غير الاب والجد من الاولياء، كالوصي وأمين الحاكم (الحارس) فلا يجوز أن يبيع ماله من الصبى، ويتولى هو وحده طرفي العقد، ولا يجوز أن يشترى ماله بنفسه وقد استدل المصنف بخبر " لا يشترى الوصي من مال اليتيم " ولان غير الاب والجد يتهم في ذلك فلم يجز. قال المصنف ﵀: (فصل) وإن أراد أن يأكل من ماله نظرت، فان كان غنيا لم يجز، لقوله تعالى " ومن كان غنيا فليستعفف، وان كان فقيرا جاز أن يأكل، لقوله تعالى " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " وهل يضمن البدل؟ فيه قولان. (أحدهما) لا يضمن، لانه أجيز له الاكل بحق الولاية فلم يضمنه. كالرزق الذى بأكله الامام من أموال المسلمين (والثانى) أنه يضمن، لانه مال لغيره أجيز له أكله للحاجة، فوجب ضمانه كمن اضطر إلى مال غيره. (الشرح) عن عائشة رضى الله عنها قوله تعالى " ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " أنها نزلت في ولى اليتيم إذا كان فقيرا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف وفى لفظ " أنزلت في والى اليتيم الذى يقوم عليه ويصلح ماله إن فقيرا أكل منه بالمعروف " متفق عليه. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: انى فقير ليس لى شئ، ولى يتيم فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف
следующие страницы →