← Фикх шафии

Фикх шафии · id 1026

تكملة المطيعي على المجموع شرح المهذب - ط السلفية

محمد نجيب المطيعي

Полный текст (3 572 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يسافر بماله من غير ضرورة لان فيه تغريرا بالمال، ويروى أن المسافر وماله على قلت، أي على هلاك. وفيه قول الشاعر: بغاث الطير أكثرها فراخا * وأم الباز مقلات نزور (فصل) فان دعت إليه ضرورة بأن خاف عليه الهلاك في الحضر لحريق أو نهب جاز أن يسافر به لان السفر ههنا أحوط (الشرح) قوله " قلت " إذا قلتها بفتح القاف وسكون اللام كانت النقر في الجبل، وإذا قلتها بفتح القاف وكسر اللام كانت الهلاك. والمقلتة المهلكة، والمقلات الناقة التى تضع واحدا ثم لا تحمل، والبيت للعباس بن مرداس. وآخذ على المصنف رحمه الله تعالى استشهاده بهذا البيت في المعنى الذى أراده، فإن معناه أن بغاث الطير، وهو طائر دون الرخمه بطئ الطيران، وهو طير لا يصيد ولا يرغب أحد في صيده لحقارة شأنه. ومنه المثل " استنسر البغاث " فيمن يلبس غير لباسه متظاهرا بالشجاعة وهو جبان، وعليه قول من قال: إن البغاث بأرضنا يستنسر. أي إن الضعيف يصير بأرضنا قويا تكثر فراخه في حين أن أم الصقر مقلات نزور. وقوله " نزور " أي قليلة الفراخ جدا، والمقابلة والمشاكلة بين بغاث الطير في كثرة فراخها، وبين أم الصقر وهى قليلة الفراخ واضحة، وليس فيها معنى أن المقلات هي المهلكة. أما الاحكام: فانه لا يجوز أن يسافر بماله من غير ضرورة، لان في ذلك تغريرا بالمال وتعريضا له للهلاك، وقد روى أن المسافر وماله على قلت أي هلاك فان دعت إليه ضرورة بأن خاف من نهب أو غرق أو حريق جاز أن يسافر به إلى حيث يأمن عليه، لان ذلك أمر تسوغه الضرورة وتدعو إليه. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فصل) ولا يودع ماله ولا يقرضه من غير حاجة، لانه يخرجه من يده فلم يجز، فان خاف نهب أو حريق أو غرق، أو أراد سفرا وخاف عليه

стр. 352

جاز له الايداع والاقراض، فان قدر على الايداع دون الاقراض أودع، ولا يودع إلا ثقة، وان قدر على الاقراض دون الايداع أقرضه، ولا يقرضه إلا ثقة مليئا، لان غير الثقة يجحد، وغير الملئ لا يمكن أخذ البدل منه، فان أقرض ورأى أخذ الرهن عليه أخذ، وان رأى ترك الرهن لم يأخذ وإن قدر على الايداع والاقراض فالاقراض أولى، لان القرض مضمون بالبدل والوديعة غير مضمونة فكان القرض أحوط، فان ترك الاقراض وأودع ففيه وجهان (أحدهما) يجوز لانه يجوز كل واحد منهما، فإذا قدر عليهما تخير بينهما (والثانى) لا يجوز لقوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن) والاقراض ههنا أحسن فلم يجز تركه، ويجوز أن يقترض له إذا دعت إليه الحاجة ويرهن ماله عليه لان في ذلك مصلحة له فجاز (الشرح) إذا خاف على ماله من نهب أو غرق أو حريق ولم يقدر الولى على المسافرة به، أو أراد الولى السفر إلى موضع لا يمكنه نقل المال إليه، أو يحتاج في نقله إلى مؤنة مجحفة جاز أن يودعه أو يقرضه في هذه الاحوال، فان قدر على الايداع دون الاقراض أودعه ثقة، وان قدر على الاقراض دون الايداع أقرضه ثقة مليئا وأشهد عليه، لان غير الثقة يجحد وغير الملئ لا يمكن أخذ المال منه أو بدله إذا تلف، فان رأى أن المصلحة والحظ في أخذ الرهن أخذه، وان رأى أن " التى هي أحسن " في ترك الرهن تركه ولم يأخذه بأن يكون الموضع مخوفا وكان الولى ممن يرى سقوط الحق يتلف الرهن، لانه لا حظ له في أخذ الرهن مع ذلك. وان قدر على الاقراض ففيه وجهان (أحدهما) يجوز لان كل واحد منهما يجوز فيميز بينهما (والثانى) لا يجوز، لان الاقراض أحظ له، فإذا نزل الاحظ ضمن. (فرع) فأما الاقراض له فيجوز إذا دعته إلى ذلك حاجة للنفقه عليه والكسوة أو النفقة على عقارة المنهدم إذا كان له مال غائب فتوقع قدومه أو ثمرة ينتظرها يفى بذلك، وان لم يكن له شئ ينتظر فلا حظ له في الاقراض، بل يبيع عليه شيئا من أصوله ويصرف في نفقته.

стр. 353

قال المصنف ﵀: (فصل) وينفق عليه بالمعروف من غير إسراف ولا إقتار، لقوله تعالى " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " وإن رأى أن يخلط ماله بماله في النفقة جاز لقوله تعالى " ويسئلونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح " فان بلغ الصبى واختلفا في النفقة فان كان الولى هو الاب أو الجد فالقول قوله وان كان غيرهما ففيه وجهان (أحدهما) يقبل، لان في اقامة البينة على النفقة مشقة فقبل قوله (والثانى) لا يقبل قوله كما لا يقبل في دعوى الضرر والغبطة في بيع العقار. (الشرح) ينبغى أن ينفق عليه ويكسوه من غير إسراف ولا إقتار لقوله تعالى " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواما " وان كان الصبى مكتسبا - قال أبو إسحاق المروزى: أجبره الولى على اكتساب لنفقته، وحفظ عليه ماله، لان ذلك أحظ له. (فرع) فإذا رأى الولى أن الحظ للمولى عليه بخلط مع نفقته مع نفقته، بأن كان إذا خلط دقيقه بدقيقه كان أرفق به في المؤنة وأكثر له في الخبز، جاز له الخلط، لما روى أنه لما نزل قوله تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنما يأكلون في بطونهم نارا، وسيصلون سعيرا " تجنب أصحاب النبي ﷺ اليتامى وأفردوهم عنهم، فنزل قوله تعالى " وإن تخالطوهم فإخوانكم، والله يعلم المفسد من المصلح، ولو شاء الله لاعنتكم " أي لضيق عليكم، لان العنت الضيق وإن كانت الفائدة والمصلحة في إفراده لم تجز الخلطة لقوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن ". (فرع) فإن بلغ الصبى واختلف هو والولى في قدر نفقته، فإن كان الولى أبا أو جدا، فان ادعى أنه أنفق عليه زيادة على المنفعة بالمعروف لزمهما ضمان تلك الزيادة، لانه مفرط، وان ادعيا النفقه بالمعروف فالقول قولهما مع أيمانهما لانهما غير متهمين.

стр. 354

وإن كان الولى غيرهما كالوصي وأمين الحاكم، وادعيا النفقة بالمعروف، فهل يقبل قولهما من غير بينة؟ فيه وجهان. أحدهما: لا يقبل قولهما من غير بينة، كما لا يقبل ذلك منهما في دعوى بيع العقار. والثانى: يقبل قولهما مع أيمانهما. قال ابن الصباغ: وهو الاصح لان إقامة البينة على ذلك تتعذر بخلاف البيع فإنه لا يتعذر عليه إقامة البينة عليه (قلت) ويجب على الولى إذا كان في البلد نظام يسود فيه التوثيق والتسجيل، وكان من السهل على الولى أن يحمل للنفقات والابتياعات للصبى فواتير ومستندات صادرة من جهات الشراء (قلت) يجب عليه أن يتبع ابتياعاته وثائقها الدالة عليها حتى لا يختلط ماله بمال الصبى ولا ينسى شيئا يكون قد انفقه عليه أو يترك لذاكرته أمر استحضار ما اشتراه له فيضرب في عمايات الجزاف، فيقرب مال اليتيم بغير التى هي أحسن. وقوله تعالى " الا بالتى هي أحسن " تفضى - ولا شك - إلى اتباع النظام على أحسن صوره، وأدق وسائله وأضبط أسبابه، ومن ثم تكون الاية نصا في الاخذ بنظام الوثاثق المكتوبة، لانها هي الاحسن. والله أعلم. قال المصنف ﵀: (فصل) وان أراد أن يبيع ماله بماله، فإن كان أبا أو جدا جاز ذلك، لانهما لا يتهمان في ذلك لكمال شفقتهما، وان كان غيرهما لن يجز لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لا يشترى الوصي من مال اليتيم ولانه متهم في طلب الحظ له في بيع ماله من نفسه فلم يجعل ذلك إليه. (الشرح) حديث " لا يشترى الوصي من مال اليتيم " لفظه في سنن الدارمي من قول مكحول: حدثنا محمد بن المبارك ثنا يحيى بن حمزة عن ابن وهب عن مكحول قال: أمر الوصي جائز في كل شئ الا في الابتياع، وإذا باع بيعا لم يقبل قال الدارمي: وهو رأى يحيى بن حمزة. أما الاحكام: فانه يجوز للاب والجد أن يبيعا مالهما من الصبى ويشتريا ماله لانفسهما إذا رأيا الحظ في ذلك، لانهما لا يتهما في ذلك. قال الصيمري فيحتاج

стр. 355

أن يقول: قد اشتريت هذا لنفسي من ابني بكذا، وبعت ذلك عليه، فيجمع بين لفظ البيع والشراء، قال: وغلط بعض أصحابنا وقال: تكفيه النية في ذلك من غير قول، لانه لا يخاطب نفسه. قال العمرانى: وليس بشئ، لانا قد أقمناه مقام المشترى في لفظ الشراء، ومقام البائع في لفظ البيع، ولو احتاج إلى قرض فأقرضه أبواه أو جده وأخذ من ماله رهنا، قال الصيمري: فيه وجهان، الاصح: أنه يجوز إلا أن يكون أقرضه متطوعا ثم أحب أن يأخذ بعد ذلك منه رهنا، فلا يكون له. وأما غير الاب والجد من الاولياء، كالوصي وأمين الحاكم (الحارس) فلا يجوز أن يبيع ماله من الصبى، ويتولى هو وحده طرفي العقد، ولا يجوز أن يشترى ماله بنفسه وقد استدل المصنف بخبر " لا يشترى الوصي من مال اليتيم " ولان غير الاب والجد يتهم في ذلك فلم يجز. قال المصنف ﵀: (فصل) وإن أراد أن يأكل من ماله نظرت، فان كان غنيا لم يجز، لقوله تعالى " ومن كان غنيا فليستعفف، وان كان فقيرا جاز أن يأكل، لقوله تعالى " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " وهل يضمن البدل؟ فيه قولان. (أحدهما) لا يضمن، لانه أجيز له الاكل بحق الولاية فلم يضمنه. كالرزق الذى بأكله الامام من أموال المسلمين (والثانى) أنه يضمن، لانه مال لغيره أجيز له أكله للحاجة، فوجب ضمانه كمن اضطر إلى مال غيره. (الشرح) عن عائشة رضى الله عنها قوله تعالى " ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " أنها نزلت في ولى اليتيم إذا كان فقيرا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف وفى لفظ " أنزلت في والى اليتيم الذى يقوم عليه ويصلح ماله إن فقيرا أكل منه بالمعروف " متفق عليه. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: انى فقير ليس لى شئ، ولى يتيم فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف

стр. 356

ولا مباذر ولا متأثل " رواه البخاري ومسلم وأحمد في مسنده والنسائي وأبو داود وسكت عنه أبو داود. وقال ابن حجر في الفتح: إسناده قوى واختلف الجمهور في الاكل بالمعروف ما هو؟ فقال قوم هو القرض إذا احتاج ويقضى إذا أيسر، قاله عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة وابن جبير والشعبى ومجاهد وأبو العالية، وهو قول الاوزاعي. ولا يتسلف أكثر من حاجته قال عمر رضى الله عنه: ألا إنى أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولى من مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وان افتقرت أكلت بالمعروف. فإذا أيسرت قضيت. روى عبد الله بن المبارك عن عاصم الاحول عن أبى العالية " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " قال قرضا، ثم تلا قوله تعالى " فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم " وقول ثان: روى عن ابراهيم وعطاء والحسن البصري والنخعي وقتادة لا قضاء على الوصي الفقير فيما يأكل. لان ذلك حق النظر. قال القرطبى وعليه الفقهاء. قال الحسن هو طعمة من الله له وذلك أنه يأكل ما يسد جوعه ويكسى عورته، ولا يلبس الرفيع من الكتان ولا الحلل، وقال زيد بن أسلم: ان الرخصة في هذه الآية منسوخة بقوله تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنما يأكلون في بطونهم نارا " وذهب أبو يوسف إلى أنها منسوخة بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) وهذا ليس بتجارة، وبقول أبى يوسف قال من قبله مجاهد، ومن بعده الكيا الطبري. وعليه إذا أراد الولى أن يأكل من مال الصبى أو المولى عليه، فان كان الولى غنيا لم يجز له أن يأكل منه، وان كان فقيرا وقد انقطع عن أي عمل إلا على مال المولى عليه، وليس له مورد للكسب لنفسه، فقد قال الشافعي رضى الله عنه: فله أن يأخذ من ماله أقل الامرين من كفايته. أو أجرة عمله. لقوله تعالى (وابتلوا اليتامى) إلى قوله تعالى (ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا، ومن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف)

стр. 357

فمعنى قوله تعالى: بدارا أن يكبروا. أي لا تأكلوا أموال اليتامى مبادرة لئلا يكبروا فيأخذوها. ولانه يستحق ذلك بالعمل والحاجة. هكذا ذكر عامة أصحابنا وذكر المصنف أنه إذا كان فقيرا جاز له أن يأكل - من غير تفصيل - ولعله أراد بإطلاقه ما ذكر غيره. وهل يضمن الولى ما أكله بالبدل؟ قال العمرانى في البيان، فيه وجهان. أحدهما يجب عليه ضمانه في ذمته، والثانى لا يجب لان الله أباح له الاكل ولم يوجب الضمان. ولان ذلك استحقه بعمله في ماله فلم يلزمه رد بدله كالمستأجر. والله أعلم قال المصنف ﵀: (فصل) ولا يفك الحجر عن الصبى حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد، لقوله تعالى (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) فأما البلوغ فإنه يحصل بخمسة أشياء، ثلاثة يشترك فيها الرجل والمرأة، وهى الانزال والسن والانبات. وإثنان تختص بهما المرأة، وهما الحيض والحبل فأما الانزال فهو إنزال المنى، فمتى أنزل صار بالغا، والدليل عليه قوله تَعَالَى (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا) فأمرهم بالاستئذان بعد الاحتلام، فدل على أنه بلوغ. وروى عطية القرظى قال: عرضنا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زمن قريظة، فمن كان محتلما أو نبتت عانته قتل، فلو لم يكن بالغا لما قتل. وأما السن فهو أن يستكمل خمس عشرة سنة. والدليل عليه ما روى ابن عمر رضى الله عنه قال " عرضت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشر سنة فلم يجزني ولم يرنى بلغت، وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة سنة فرأني بلغت فأجازنى وأما الانبات فهو الشعر الخشن الذى ينبت على العانة، وهو بلوغ في حق الكافر، والدليل عليه ما روى عطية القرظى قال " كنت فيمن حكم فيهم سعد ابن معاذ رضى الله عنه فشكوا فئ أمن الذرية أنا أم من المقاتلة؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 358

صلى الله عليه وسلم انظروا فإن كان قد أنبت وإلا فلا تقتلوه، فنظروا فإذا عانتي لم تنبت، فجعلونى في الذرية ولم أقتل. وهل هو بلوغ في نفسه؟ أو دلالة على البلوغ؟ فيه قولان (أحدهما) أنه بلوغ، فعلى هذا هو بلوغ في حق المسلم، لان ما كان بلوغا في حق الكافر كان بلوغا في حق المسلم كالاحتلام والسن (والثانى) أنه دلالة على البلوغ، فعلى هذا هل يكون دلالة في حق المسلم؟ فيه وجهان (أحدهما) أنه دلالة لما روى محمد بن يحيى بن حبان أن غلاما من الانصار شبب (١) بامرأة في شعره، فرفع إلى عمر رضى الله عنه فلم يجده أنبت. فقال لو أنبت الشعر لحددتك. (والثانى) أنه ليس بدلالة في حق المسلم وهو ظاهر النص، لان المسلمين يمكن الرجوع إلى أخبارهم، فلم يجعل ذلك دلالة في حقهم، والكفار لا يمكن الرجوع إلى أخبارهم، فجعل ذلك دلالة في حقهم، ولان الكافر لا يستفيد بالبلوغ إلا وجوب الحرية، ووجوب القتل، فلا يتهم في مداواة العانة بما ينبت الشعر، والمسلم يستفيد بالبلوغ التصرف والكمال بالاحكام فلا يؤمن أن يداوى العانة بما ينبت الشعر، فلم يجعل ذلك دلالة في حقه فأما الحيض فهو بلوغ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ " ان المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا " وأشار إلى الوجه والكف، فعلق وجوب الستر بالمحيض وذلك تكليف، فدل على أنه بلوغ يتعلق به التكليف. وأما الحبل فهو دليل على البلوغ، فإذا حبلت حكمنا بأنها بالغ، لان الحبل لا يكون إلا بإنزال الماء، فدل على البلوغ، فإذا كانت المرأة لها زوج فولدت حكمنا بأنها بالغ من قبل

стр. 359

الوضع بستة أشهر، لان ذلك أقل مدة الوضع، وان كانت مطلقة وأتت بولد يلحق الزوج، حكمنا بأنها بالغ من قبل الطلاق وإن كان خنثى فخرج المنى من ذكره أو الدم من فرجه لم يحكم بالبلوغ، لجواز أن يكون ذلك من العضو الزائد، فإن خرج المنى من الذكر، والدم من الفرج فقد بلغ، لانه إن كان رجلا فقد أمنى، وإن كان امرأة فقد حاضت. (الشرح) قوله تعالى (حتى إذا بلغوا النكاح) أي الحلم، لقوله تعالى (وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم) وحال النكاح والبلوغ يكون بخمسه أشياء. ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء، واثنان يختصان بالنساء، وهما الحيض والحبل. فأما الحيض والحبل فلم يختلف العلماء في أنه بلوغ. وأن الفرائض والاحكام تجب بهما. واختلفوا في الثلاث، فأما الانبات والسن فقال الاوزاعي والشافعي وابن حنبل: خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم، وهو قول ابن وهب وأصبغ وعبد الملك بن الماجشون وعمر بن عبد العزيز وجماعة من أهل المدينة. واختاره ابن العربي في أحكام القرآن، وتجب الحدود والفرائض عندهم على من بلغ هذه السن. واحتجوا بحديث ابن عمر الذى أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن الاربعة إذ عرض يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجيز، ولم يجز يوم أحد، لانه كان ابن أربع عشرة سنة. قال أبو عمر بن البر: هذا فيمن عرف مولده. وأما من جهل مولده وعدم سنه أو جحده فالعمل فيه بما روى نافع عن أسلم عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أمراء الاجناد " ألا تضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسى. وقال عثمان رضى الله عنه في غلام سرق " انظروا ان كان قد اخضر مبرزه فاقطعوه " وقال عطية القرظى " عرض رسول الله ﷺ بنى قريظة فكل من أنبت منهم قتله بحكم سعد بن معاذ، ومن لم ينبت منهم استحياه، فكنت فيمن لم ينبت فتركني " رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه،

стр. 360

وقال مالك مرة: بلوغه يغلظ صوته وتنشق أرنبته، وعن أبى حنيفة رواية أخرى تسع عشرة وهى الاشهر، وقال في الجارية: بلوغها لسبع عشرة سنة وعليها النظر. وقال داود الظاهرى: لا يبلغ بالسن ما لم يحتلم، ولو بلغ أربعين سنة، فأما الانبات فمنهم من قال: يستدل به على البلوغ، روى عن ابن القاسم وسالم، وقاله مالك مرة، والشافعي في أحد قوليه، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور. وقيل: هو بلوغ إلا أن يحكم به في الكفار فيقتل من أنبت، ويجعل من لم ينبت في الذرارى، قاله الشافعي في القول الاخر لحديث عطية القرظى، ولا اعتبار في الخضرة والزغب، وإنما يترتب الحكم على الشعر. وقال مالك: العمل عندي على حديث عمر بن الخطاب لو جرت عليه المواسى لحددته، قال أصبغ. قال لى ابن القاسم: وأحب إلى أن لا يقام عليه الحد إلا باجتماع الانبات والبلوغ. قال ابن العربي: إذا لم يكن حديث ابن عمر دليلا في السن فكل عدد يذكرونه من السنين فانه دعوى، والسن التى أجازها رسول الله ﷺ أولى من سن لم يعتبرها، ولا قام في الشرع دليل عليها، وكذلك اعتبر رسول الله ﷺ الانبات في بنى قريظة، فمن عذيري ممن ترك أمرين اعتبرهما النبي ﷺ فيتأوله، ويعتبر ما لم يعتبره النبي ﷺ لفظا، ولا جعل الله له في الشريعة نظرا على ان ابن العربي تبعا لامير المؤمنين عمر بن عبد العزيز تأول حديث ابن عمر في الانفال، وأن موجبه الفرق بين من يطيق القتال ويسهم له وهو ابن خمس عشرة سنة ومن لا يطيقه، فلا يسهم له فيجعل في العيال، وهو الذى فهمه عمر بن عبد العزيز من الحديث والله تعالى أعلم. قال العمرانى في البيان: فأما الانزال فمتى خرج منه المنى وهو الماء الابيض الدافق الذى يخلق منه الولد في الجماع أو في النوم أو اليقظة فهو بلوغ لقوله تَعَالَى " وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا " فلما أمر الاطفال بالاستئذان إذا احتلموا دل على أنهم قد بلغوا لانهم قبل ذلك لم يكونوا يستأذنون. وَرُوِيَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " رفع القلم عن ثلاثه، عن النائم حتى

стр. 361

يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبى حتى يحتلم " رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه والحاكم عن على وعمر رضى الله عنهما. وهل يكون الاحتلام بلوغا من الصبية، فيه وجهان (أحدهما) لا يكون بلوغا لقوله ﷺ " وعن الصبى حتى يحتلم " فخص الصبى بالاحتلام، (والثانى) وهو طريقة أصحابنا البغداديين أنه بلوغ، كما روت أم سلمة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت، سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقالت عائشة رضى الله عنها فضحت النساء، أو يكون ذلك؟ فقال ﷺ . فبم يشبهها ولدها؟ وفى رواية " فبم الشبه " ثم قال صلى الله عليها وسلم " إذا رأت ذلك فلتغتسل " رواه الجماعة فأمرها بالاغتسال، فثبت أنها مكلفة، وأما السن فهو أن يستكمل الرجل والمرأة خمس عشرة سنة. وحكى المسعودي وجها لبعض أصحابنا أن البلوغ يحصل بالطعن في أول سنة الخمس عشرة، والاول أصح، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمهما الله، وقال أبو حنيفة لا يبلغ الغلام إلا بتسع عشرة سنة وهى رواية محمد رضى الله عنه وفى رواية الحسن اللؤلؤي عنه إذا بلغ ثمانى عشرة سنة. أما الجارية فتبلغ إذا بلغت تسع عشرة سنة. وقال مالك كقول داود. ليس للبلوغ حد في السن. دليلنا حديث ابن عمر رضى الله عنهما. عرضت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازنى في المقاتلة. ولا يجاز في المقاتلة إلا بالغ، فدل على ما قلناه، وَرَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال. إذا استكمل الغلام خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه، وأخذت منه الحدود، رواه البيهقى، قال في التلخيص وسنده ضعيف وأما الانبات فهو انبات الشعر القوى الذى يحتاج إلى الموسى، لا الزغب الاصغر حول العانة وحول الفرج، ولا يختلف المذهب أنه إذا ثبت ذلك للكافر حكم ببلوغه، وهل هو بلوغ فيه، أو لا دلالة له على البلوغ، فيه قولان.

стр. 362

(أحدهما) أنه بلوغ في نفسه، لان ما حكم به بالبلوغ كان بلوغا بنفسه كالاحتلام (والثانى) أنه ليس ببلوغ في نفسه، وإنما دلالة على البلوغ، لان العادة جرت أنه لا يظهر إلا في وقت البلوغ، فإذا قلنا إنه بلوغ في حق الكافر كان بلوغا في حق المسلم، لان ما كان بلوغا في حق الكافر كان كذلك في حق المسلم كالاحتلام، وإذا قلنا: إنه ليس ببلوغ في حق الكافر وإنما هو دلالة على البلوغ فهل يجعل ذلك دلالة في حق المسلم، منهم من قال: فيه وجهان، ومنهم من قال فيه قولان. (أحدهما) أنه دلالة على بلوغه، لان ما كان دلالة على البلوغ في حق الكافر كان دلالة وعلما على البلوغ في حق المسلم كالحمل. (والثانى) أنه لا يكون دلالة على البلوغ عند المسلم، لانه يمكن الرجوع إلى معرفة سن المسلم، لانه مولود بين المسلمين، ولا يمكن ذلك في سن الكافر هكذا قال صاحب البيان. قلت وهو دليل على أن النظام عند المسلمين في عنفوان مجدهم جعلهم يؤرخون لمواليدهم في زمن كانت تسود العالم الفوضى والعشوائية حتى في تحديد سن الذرية بين غير المسلمين فمتى يعود المسلمون إلى سابق مجدهم فيسبقوا أمم الارض بنظامهم وعلومهم وقوتهم وإيمانهم، وتلك لعمري عمد المجد الذى تدين الدنيا لهم به، فاللهم بصرنا وافتح قلوبنا للايمان. وقال أبو حنيفة: الانبات لا يكون بلوغا ولا دلالة على البلوغ في حق المسلم والكافر. دليلنا ما روى عطية السوفى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حكم سعد بن معاذ رضى الله عنه في بنى قريظة فحكم بسبي ذراريهم ونسائهم، وقسم أموالهم. وقتل من جرت عليه الموسى. فأمر أن يكشف عن مؤتزريهم فمن أنبت منهم فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذرارى: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فقال: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعه أرقعة. قال الصيمري: وكيف يعرف الانبات، قيل: يدفع إليهم شمع أو طين رطب

стр. 363

يلزقونه الموضع، وقيل يلمس ذلك من فوق ثوب ناعم. وقيل يكشف حالا بعد حال وهو الصحيح، لان سعدا رضى الله عنه أمر بكشف بنى قريظة. وأما خضرة الشارب، ونزول العارضين، ونبات اللحية، وخشونة الحلق، وقوة الكلام، وانفراج مقدم الانف، ونهود الثدى فليس شئ من ذلك بلوغا لانه قد يتقدم على البلوغ وقد يتأخر عنه. وأما الحيض فهو بلوغ لقوله ﷺ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاة امرأة تحيض إلا بخمار، فجعلها مكلفة بوجود الحيض، فدل على أنه بلوغ، وأما الحمل فإنه ليس ببلوغ في نفسه، وإنما هو دلالة على البلوغ، فإذا حملت المرأة علمنا أنه قد خرج منها المنى لقوله تعالى " خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب " فإذا وضعت المرأة الحمل حكمنا بأنها بلغت قبل الوضع بستة اشهر، إن كانت ذات زوج، لان ذلك قدر مدة الحمل عندنا، وإن كانت مطلقة فأتت بولد يلحق الزوج حكمنا أنها كانت بالغة قبل الطلاق. وأما الغلام الذى شبب في شعره فهو عمر بن أبى ربيعة وكانت له جولات في الغزل على عهد عمر ومن بعده. (فرع) وأما الخنثى المشكل فإذا استكمل خمس عشرة سنة أو نبت له الشعر الخشن على عانته حكم ببلوغه، لانه يستوى في ذلك الرجل والمرأة، فان حمل زال إشكاله، وبان أنه إمرأة، وحكم بأنه بالغ قبل الوضع، وان خرج المنى منه من أحد الفرجين لم يحكم ببلوغه لجواز أن يكون خرج منه من الفرج الزائد، وان خرج منه الدم من فرج النساء لم يحكم ببلوغه لجواز أن يكون رجلا. وهذا عضو زائد، وان خرج منه المنى من الفرجين حكم ببلوغه. لان خروج المنى من فروج الرجال والنساء بلوغ. قال الشافعي رضى الله عنه: وان حاض وأمنى لم يبلغ واختلف أصحابنا فيه فقال الصيمري: إذا حاض من فرج النساء وأمنى من فرج الرجال لم يحكم ببلوغه. وقال الشيخ أبو حامد وعامة أصحابنا يحكم ببلوغه، لانه ان كان رجلا فقد احتلم. وان كانت امرأة فقد حاضت، وما ذكره

стр. 364

الشافعي رضى الله عنه فله تأويلان (أحدهما) أنه أراد أمنى وحاض من فرج واحد (والثانى) أراد حاض وأمنى. فان قيل: هلا جعلتم خروج المنى منه من أحد الفرجين، دليلا على بلوغه؟ كما جعلتم خروج البول دليلا على ذكوريته وأنوثيته، فالجواب أن البول لا يخرج الا من الفرج المعتاد، والمنى قد يخرج من المعتاد وغيره. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) فأما ايناس الرشد فهو اصلاح الدين والمال فاصلاح الدين ان لا يرتكب من المعاصي ما يسقط به العدالة واصلاح المال أن يكون حافظا لماله غير مبذر ويختبره الولى اختبار مثله من تجارة ان كان تاجرا أو تناء ان كان تانئا (١) أو اصلاح أمر البيت ان كانت امرأة. واختلف أصحابنا في وقت الاختيار فمنهم من قال: لا يختبر في التجارة الا بعد البلوغ لان قبل البلوغ يصح تصرفه، فلا يصح اختباره، ومنهم من قال: يختبر قبل البلوغ لقوله تَعَالَى " وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ " فأمر باختبار اليتامى وهم الصغار فعلى هذا كيف يختبر فيه وجهان (أحدهما) أنه يسلم إليه المال فإذا ساوم وقرر الثمن عقد الولى لان عقد الصبى لا يصح (والثانى) أنه يتركه حتى يعقد لان هذا موضع ضرورة. (فصل) وان بلغ مبذرا (٢) استديم الحجر عليه لان الحجر عليه انما يثبت للحاجة إليه لحفظ المال والحاجة قائمة مع التبذير فوجب أن يكون الحجر باقيا، وان بلغ مصلحا للمال فاسقا في الدين استديم الحجر عليه لقوله تعالى " فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ " والفاسق لم يؤنس منه الرشد ولان حفظه للمال لا يوثق به مع الفسق لانه لا يؤمن ان يدعوه الفسق إلى التبذير فلم يفك الحجر عنه ولهذا لم تقبل شهادته، وان كان معروفا بالصدق لانا لا نأمن أن يدعوه الفسق إلى الكذب وينظر في ماله من كان ينظر في حال الصغر وهو الاب والجد

стр. 365

والوصى والحاكم لانه حجر ثبت من غير قضاء، فكان النظر إلى من ذكرنا كالحجر على الصبى والمجنون. (الشرح) قوله " آنستم " مر بك بعض معانيه. وقال الازهرى: تقول العرب: اذهب فاستأنس هل ترى أحدا معناه تبصر. قال النابغة: كأن رحلى وقد زال النهار بنا * يوم الجليل على مستأنس وحد أراد ثورا وحشيا يتبصر هل يرى قانصا فيحذره، وقيل آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحد، وقراءة العامة " رشدا " بضم الراء وسكون الشين. وقرأ السلمى وعيسى الثقفى وابن مسعود " رشدا " بفتح الراء والشين، وقيل رشدا مصدر رشد وبابه سما يسمو، ورشدا بفتح الشين مصدر رشد. وبابه علم. وكذلك الرشاد. واختلف العلماء في تأويل " رشدا " فقال الحسن وقتادة وغيرهما صلاحا في الدين والعقل. وقال ابن عباس والسدى والثوري صلاحا في العقل وحفظ المال قال سعيد بن جبير والشعبى: إن الرجل ليأخذ بلحبته وما بلغ رشده، فلا يدفع إلى اليتيم ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده. وقال مجاهد " رشدا " يعنى في العقل خاصة، وقال الضحاك: لا يعطى اليتيم ماله وإن بلغ مائة سنة حتى يعلم منه إصلاح ماله. وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وإذا لم يرشد بعد بلوغ الحلم. وان شاخ. لا يزول الحجر عنه. وهو مذهب مالك. وقال أبو حنيفة لا يحجر على الحر البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا إذا كان عاقلا. وبه قال زفر بن الهذيل. وهو مذهب النخعي. واحتجوا في ذلك بما رواه قتادة عن أنس أن حبان بن منقد كان يبتاع وفى عقله ضعف. فقيل يا رسول الله احجر عليه فإنه يبتاع وفى عقله ضعف، فاستدعاه رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ " لا تبع " فقال " لا أصبر " فقال " إذا بايعت فقل: لا خلابة. ولك الخيار ثلاثا " قالوا: فلما سأله القوم الحجر عليه لما كان من تصرفه من الغبن ولم يفعل

стр. 366

عليه السلام، ثبت أن الحجر لا يجوز، وهذا لا حجة لهم فيه، لانه مخصوص بذلك على أوجه ساقها شيخنا النووي في أول البيوع قال الامام الشافعي رضى الله عنه " ان كان مفسدا لماله ودينه، أو كان مفسدا لماله دون دينه حجر عليه " وإن كان مفسدا لدينه مصلحا لما له فعلى وجهين. (أحدهما) وهو اختيار أبى العباس بن سريج " يحجر عليه " (والثانى) لا حجر عليه، وهو اختيار أبى إسحاق المروزى، والاظهر من مذهب الشافعي، قال الثعلبي وهذا الذى ذكرناه من الحجر على السفيه قول عثمان وعلى والزبير وعائشة وابن عباس، وعبد الله بن جعفر رضوان الله عليهم ومن التابعين شريح، وبه قال الفقهاء مالك وأهل المدينة والاوزاعي وأهل الشام وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ. قال الثعلبي: وادعى أصحابنا الاجماع في هذه المسألة. قال صاحب البيان: وأما إيناس الرشد فهو إصلاح الدين والمال، فإصلاح الدين يكون بأن لا يرتكب من المعاصي ما ترد به شهادته، وإصلاح المال أن لا يكون مبذرا، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى: إذا بلغ الرجل مصلحا لماله دفع إليه ماله، وان كان مفسدا لدينه. اه دليلنا قول الله تعالى (فإن آنستم منهم رشدا) قال ابن عباس: الرشد الحلم والعقل والوقار، والحلم والوقار لا يكونان إلا لمن كان مصلحا لماله ودينه، وهكذا قال الحسن البصري، ولان إفساده لدينه يمنع رشده، والثقة في حفظ ماله، كما أن الفسق يسقط عدالته، ويمنع من قبول قوله وان عرف عنه الصدق في القول إذا ثبت هذا، فبلغ غير مصلح لماله ولدينه، فإنه يستدام عليه الحجر، وان صار شيخا. وبه قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو حنيفة " إذا بلغ غير مصلح لماله لم يدفع إليه، لكن ان تصرف فيه ببيع أو عتق أو غيره نفذ تصرفه، فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة انفك عنه الحجر ودفع إليه ماله، وان كان مفسدا لدينه وماله. لانه قد آن له أن يصير جدا لانه قد بلغ بإثنتى عشرة سنة فيتزوج ويولد له ولد ويبلغ ولده الاثنتى عشرة سنة ويولد له. قال وأنا أستحيى أن أمنع الجد ماله.

стр. 367

دليلنا قوله تعالى (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) وقد بينا الرشد ما هو، وهذا لم يؤنس منه الرشد فلم يفك عنه الحجر ولم يدفع إليه ماله، كما لو كان ابن أربع وعشرين سنة. وأما قوله إنه آن له أن يصير جدا فلا اعتبار بكونه جدا، ألا ترى ان المجنون يستدام عليه الحجر مادام مجنونا، وان كان جدا، إذا ثبت هذا فإنه ينظر في ماله من كان ينظر فيه قبل البلوغ، لانه حجر ثبت عليه من غير حاكم فكان إلى الناظر فيه قبل البلوغ، كالنظر في مال الصغير (فرع) وأما إصلاح المال فلا يعلم إلا بالاختبار، وفى وقت الاختبار وجهان (احدهما) لا يصح إلا بعد البلوغ، لان الاختبار أن يدفع إليه المال ليبيع ويشترى فيه وينفقه. وهذا لا يصح إلا بعد البلوغ، فأما قبل هذا فهو محجور عليه للصغير والثانى يصح لقوله تعالى (وابتلوا اليتامى الخ) وهذا يقتضى أن يكون الاختبار قبل بلوغ النكاح ولان تأخير الاختبار إلى البلوغ يؤدى إلى الحجر على رشيد، لانه قد يبلغ مصلحا لماله ودينه، فلو قلنا: إن الاختيار لا يجوز الا بعد البلوغ لاستديم الحجر على رشيد ومنع من ماله، لانه لا يدفع إليه إلا بعد الاختبار فإذا قلنا بهذا فكيف يختبر بالبيع والشراء؟ فيه ثلاثة أوجه: (أحدها) يأمره الولى أن يساوم في السلع ويقدر الثمن، وليس العقد، لان عقد الصبى لا يصح، ولكن يعقد الولى، ومنهم من قال يشترى الولى سلعة ويدعها بيد البائع ويواطؤه على بيعها من الصبى، فإن اشتراها منه بثمنها عرف رشده. ومنهم من قال يجوز عقد الصبى لانه موضع ضرورة. وأما كيفية الاختبار فان كان من أولاد التجار واصحاب المهن الذين يخرجون إلى السوق، فاختباره أن يدفع إليه شئ من ماله ليبيع ويشترى في السوق، أو تترك له مناسبة يباشر فيها مهنة أبيه مستقلا تحت نظر الولى واشرافه، فان كان ضابطا جازما في البيع والشراء والحرفة دل على رشده، وان عيى عما لا يتغابن الناس بمثله فهو غير رشيد.

стр. 368

وان كان من أولاد الحكام وأبناء الذين يصانون عن الاسواق قال الشيخ أبو حامد: فاختبارهم أصعب من الاول، واختبار الواحد منهم أن يدفع إليه شئ من المال ويجعل إليه نفقة الاسرة مدة شهر مثلا أو ما أشبه ذلك، لشراء متطلبات الدار واحتياجاتها، فان كان ضابطا حافظا يحسن انفاق ذلك علم رشده، وان كان غير ضابط لم يعلم رشده، أو كما قال. قال الصيدلانى: وولد البناء يختبر بالدراعة. هذا إذا كان المختبر غلاما، فان كان امرأة قال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: لا تختبر بالبيع والشراء، لان العادة جرت أنها لا تباشر ذلك، وانما تختبر في البيت بأن يدفع إليها شئ من المال ويتولى نساء ثقات الاشراف على فعلها، وتؤمر بانفاق ذلك في الخبز والملح واللحم والخضر والوقود واصلاح أدوات المطبخ وصيانة أثاث البيت، وما إلى ذلك، أو كما قال. قال الصيمري: ان كانت متبذلة تعامل الخباز والصباغ اختبرت بالبيع والشراء. وقال الصيمري: ولا يعلم رشده حتى يتكرر ذلك منه التكرر الذى يؤمن أن يكون ذلك اتفاقا (مصادفة) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَقَدْ رَأَيْت مَنْ الحكام من أمر باختبار من لا يوثق بحاله تلك الثقة بأن يدفع إليه القليل من ماله، فان أصلح فيه دفع إليه ما بقى، وإن أفسد فيه كان الفساد في القليل أيسر منه في الكل، ورأينا هذا وجها من الاختبار حسنا. والله أعلم (فرع) فيمن قامت بينة برشده ثم قامت بينة أخرى بسفهه كتب السبكى على بن عبد الكافي رحمه الله تعالى ردا على سؤال من ابنه في امرأة سفيهة تحت الحجر قامت بينة برشدها ثم حضر وصيها فأقام بينة بسفهها، فهل تسمع بينة السفه ويعاد الحجر عليها، واختلف ابنه مع غيره من الفقهاء، فقال على ﵀ أما كون بينة السفه لا تقبل الا مفسرة فينبغي ذلك. لان الناس مختلفون في أسباب السفه والرشد، فمن الناس من يرى صرف المال إلى الطعمة النفيسة التى لا تليق بحاله سفها، والصحيح أنه ليس بسفه، ولكن صرفها في الحرام سفه

стр. 369

ومن الناس من يرى أن الصبى إذا بلغ وهو يفرط في إنفاق المال في وجوه الخير من الصدقات ونحوها يكون سفيها لذلك، والصحيح أنه لا يكون بذلك سفيها. ومن الناس من يرى أن الرشد هو الصلاح في المال فقط. وعندنا ليس كذلك، بل لابد من الصلاح في الدين والمال، وخالف فيه بعض أصحابنا وجماعة من العلماء ومن السفه ما يكون طارئا ومنه ما يكون مستداما، والشاهد قد يكون عاميا وقد يكون فقيها ويرى سفها ما ليس بسفه عند القاضى. وكذلك الرشد. فكيف تقبل شهادته مطلقة. فينبغي أن لا تقبل الشهادة بالسفه حتى يبين سببه، ولا بالرشد حتى يبين أنه مصلح لدينه وماله كما هي عادة المحاضر التى تكتب بالرشد. وقال الماوردى: إذا أقر الراهن والمرتهن عند شاهدين أن يؤديا ما سمعاه مشروحا فلو أرادا أن لا يشرحا بل شهدا أنه رهن بألفين، فإن لم يكونا من أهل الاجتهاد لم يجز، وكذا إن كانا من أهل الاجتهاد في الاصح، لان الشاهد ناقل، والاجتهاد إلى الحاكم وقال ابن ابى الدم: الذى تلقيته من كلام المراوزة وفهمته من مدارج مباحثاتهم المذهبية أن الشاهد ليس له أن يرتب الاحكام على أسبابها، بل وظيفته نقل ما سمعه أو شاهده، فهو سفير إلى الحاكم فيما ينقله من قول سمعه أو فعل رآه، وقد اختلف أصحابنا في الشهادة بالردة، هل تقبل مطلقة أو لابد من البيان، والمختار عندي أنه لابد من البيان وفاقا للغزالي لاختلاف المذاهب في التكفير، ولجهل كثير من الناس، وإن كان الرافعى رجح قبولها مطلقة لظهور أسباب للكفر. وهذه العلة لا يأتي مثلها في السفه والرشد فيترجح أنه لابد من البيان كالجرح، وليس الرشد كالتعديل حتى يقبل مطلقا، نعم هو مثله في الاكتفاء في الاطلاق في صلاح الدين، والاطلاق في صلاح المال لعسر التفصيل فيه. أما إطلاق الرشد من غير بيان الدين والمال فلا يكفى، وبعد أن أوضح العلامة ﵀ تقديم بينة الرشد على بينة السفه مقيدة بالتاريخ قال: وأما إذا قبلناها مطلقة فالذي بحثه الولد - يعنى ابنه - صحيح. ويشهد له ما قاله الشيخ تقى الدين أبو عمرو بن الصلاح ﵀ في فتاويه في ثلاث مسائل متجاورة في

стр. 370

أول كتاب التدليس. إحداها فيمن علم يسار شخص في زمان متقادم هل له ان يشهد الآن بيساره؟ وهل يسأله الحاكم عن كونه موسرا حال أداء الشهادة. وعليه الشهادة. كذلك أجاب رضى الله عنه - يعنى ابن الصلاح - أن له أن يشهد الآن بيساره معتمدا على الاستصحاب، الا أن يكون قد طرأ ما أوجب اعتقاده بزواله أو جعله في صورة التشكيك في بقائه وزواله، والاعتماد في هذا على الاستصحاب السالم عن طارئ فحدثه كالاعتماد على مثله في الملك ولا يشترط فيه الخبرة الباطنة كما هنالك، وما علل به ذلك من أنه لا طريق له الا الاستصحاب في الباطن لابد له من الاستصحاب موجود هنا. قال ومما يدل من كلامهم على جريانه في نظائره قولهم في البينة الناقلة في الدين في مسألة الابنين المسلم والنصراني وفى غيرها أنها ترجح على المنفية، لانها اعتمدت على زيادة علم، والاخرى ربما اعتمدت على الاستصحاب. وهذا تجويز منهم لذلك، والا لكان ذلك قد جاء فيها لا من قبيل الترجيح، بل يكتفى الحاكم بالشهادة أنه موسر، فإنه يتناوله الحال، فإن أحوجه إلى ذكر الحالة الراهنة فله أن يشهد لذلك معتمدا على الاستصحاب المذكور، بل لا ينبغى أن يفصح بذلك في الشهادة، فإنه لابد من الدين بما شمل الحال الحاضرة. هكذا نقل السبكى كلام ابن الصلاح. والله أعلم قال المسعودي: ولا يضمن الولى المال الذى يدفعه إليه للاختبار، لان ذلك موضع حاجة إليه اه (فرع) إذا بلغت المرأة مرتبة من الادراك والنصون تجعلها مصلحة لمالها ودينها فك عنها الحجر ودفع إليها مالها، سواء تزوجت أو لم تتزوج، ثم يكون لها التصرف في جميع مالها بغير اذن زوجها. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁. وقال مالك رضى الله عنه: لا يفك عنها الحجر حتى تتزوج ويدخل بها، وإذا تزوجت لم يجز لها أن تتصرف بأكثر من ثلث مالها بغير معارضة الا باذن زوجها دليلنا ما رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه خطب في العيد فلما فرغ من خطبته أتى النساء فوعظهن وقال " تصدقن ولو من حليكن، فتصدقن بحليهن "

стр. 371

رواه الشيخان. فلو كان لا ينفذ تصرفهن بغير اذن أزواجهن لما أمرهن النبي ﷺ بالصدقة، ولا محالة أنه كان فيهن من لها زوج ومن لا زوج لها ولو أنها حرة بالغه رشيدة فليس تمنع من مالها كما لو تزوجت قال المصنف ﵀: (فصل) وان بلغ مصلحا للدين والمال فك عنه الحجر لقوله تعالى (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) وهل يفتقر فك الحجر إلى الحاكم. فيه وجهان. (أحدهما) لا يفتقر إلى الحاكم، لانه حجر ثبت من غير حكم فزال من غير حكم كالحجر على المجنون. (والثانى) أنه يفتقر إلى الحاكم لانه يحتاج إلى نظر واختبار، فافتقر إلى الحاكم كفك الحجر عن السفيه (الشرح) الاحكام: وإذا بلغ مصلحا لماله ودينه فك عنه الحجر، وهل يفتقر فكه إلى الحاكم. فيه وجهان (أحدهما) لا يفتقر إلى الحاكم، لانه حجر لم يفتقر ثبوته إلى الحاكم فلم يفتقر فكه إلى الحاكم كالحجر على المجنون، وفيه احتراز من حجر السفيه. (والثانى) لا ينفك الا بحكم الحاكم، لانه يفتقر إلى نظر واجتهاد فافتقر إلى الحاكم كالحجر على السفيه. هذا هو المشهور وقال الصيمري: ان كان الناظر في ماله هو الاب أو الجد لم يفتقر إلى الحاكم وان كان الناظر فيه أمين الحاكم (الحارس) لم ينفك الا بالحاكم وان كان الناظر فيه هو الحاكم ففيه وجهان (أحدهما) لا يفتقر فكه إلى الحاكم، كما لو كان الناظر فيه الاب والجد. (والثانى) يفتقر إلى الحاكم، كما لو كان الناظر فيه أمين الحاكم

стр. 372

قال المصنف ﵀: (فصل) وإن فك عنه الحجر، ثم صار مبذرا حجر عليه، لما روى أن عبد الله بن جعفر رضى الله عنه ابتاع أرضا سبخة بستين ألفا فقال عثمان ما يسرنى أن تكون لى بنعلى معا، فبلغ ذلك عليا كرم الله وجهه، وعزم أن يسأل عثمان أن يحجر عليه، فجاء عبد الله بن جعفر إلى الزبير، وذكر أن عليا يريد أن يسال عثمان رضى الله عنهما أن يحجر عليه، فقال الزبير: أنا شريكك فجاء على إلى عثمان رضى الله عنهما وسأله أن يحجر عليه، فقال: كيف أحجر على من شريكه الزبير فدل على جواز الحجر ولان كل معنى اقتضى الحجر إذا قارن البلوغ اقتضى الحجر إذا طرأ بعد البلوغ، كالجنون. فإن فك عنه الحجر ثم صار فاسقا ففيه وجهان. قال أبو العباس: يعاد عليه الحجر، لانه معنى يقتضى الحجر، عند البلوغ، فاقتضى الحجر بعده كالتبذير. وقال أبو إسحاق: لا يعاد عليه الحجر، لان الحجر للفسق لخوف التبذير، وتبذير الفاسق ليس بيقين، فلا يزال به ما تيقنا من حفظه للمال، ولا يعاد عليه الحجر بالتبذير إلا بالحاكم، لان عليا كرم الله وجهه أتى عثمان رضى الله عنه وسأله أن حجر على عبد الله بن جعفر، ولان العلم بالتبذير يحتاج إلى نظر، فإن الغبن قد يكون تبذيرا، وقد يكون غير تبذير، ولان الحجر للتبذير مختلف فيه فلا يجوز إلا بالحاكم، فإذا حجر عليه لم ينظر في ماله إلا الحاكم، لانه حجر ثبت بالحاكم فصار هو الناظر كالحجر على المفلس. ويستحب أن يشهر على الحجر ليعلم الناس بحاله وأن من عامله ضيع ماله، فان أقرضه رجل مالا أو باع منه متاعا لم يملكه، لانه محجور عليه لعدم الرشد، فلم يملك بالبيع والقرض كالصبى والمجنون، فإن كانت العين باقية ردت. وان كانت تالفة لم يجب ضمانها. لان المالك ان علم بحاله فقد دخل على بصيرة وأن ماله ضائع وان لم يعلم فقد فرط حين ترك الاستظهار، ودخل في معاملته على غير معرفة.

стр. 373

وان غصب مالا وأتلفه وجب عليه ضمانه، لان حجر العبد والصبى آكد من حجره، ثم حجر العبد والصبى لا يمنع من وجوب ضمان المتلف، فلان لا يمنع حجر المبذر أولى، فإن أودعه مالا فأتلفه، ففيه وجهان. (أحدهما) أنه لا يجب ضمانه، لانه فرط في التسليم إليه. (والثانى) يجب ضمانه، لانه لم يرض بالاتلاف. فان أقر بمال لم يقبل اقراره لانه حجر عليه لحظه فلا يصح اقراره بالمال كالصبى، ولانا لو قلنا يصح اقراره توصل بالاقرار إلى ابطال معنى الحجر، ومالا يلزمه بالاقرار والابتياع لا يلزمه إذا فك عنه الحجر، لانا أسقطنا حكم الاقرار والابتياع لحفظ المال، فلو قلنا: انه يلزمه إذا فك عنه الحجر لم يؤثر الحجر في حفظ المال، وان طلق امرأته صح الطلاق، لان الحجر لحفظ المال، والطلاق لا يضيع المال، بل يتوفر المال عليه وان خالع جاز، لانه إذا صح الطلاق بغير مال فلان يصح بالمال أولى. ولا يجوز للمرأة أن تدفع إليه المال فان دفعته لم يصح القبض ولم تبرأ المرأة منه، فان تلف كان ذلك من ضمانها، وان تزوج من غير اذن الولى فالنكاح باطل لانه يجب به المال فإذا صححنا من غير اذن الولى تزوج من غير حاجة، فيؤدى إلى اتلاف المال، فان تزوج باذنه صح، لان الولى لا يأذن الا في موضع الحاجة، فلا يؤدى إلى اتلاف ماله، فان باع باذنه ففيه وجهان. (أحدهما) يصح، لانه عقد معاوضة فملكه بالاذن كالنكاح. (والثانى) لا يصح، لان القصد منه المال، وهو محجور عليه في المال، فان حلف انعقدت يمينه، فإذا حنث كفر بالصوم، لانه مكلف ممنوع من التصرف بالمال، فصحت يمينه، وكفر بالصوم كالعبد، وان أحرم بالحج صح احرامه لانه من أهل العبادات، فان كان فرضا لم يمنع من اتمامه، ويجب الانفاق عليه إلى أن يفرغ منه لانه مال يحتاج إليه لاداء الفرض فوجب. وان كان تطوعا - فان كان ما يحتاج إليه في الحج لا يزيد على نفقته - لزمه اتمامه، وان كان يزيد على نفقته - فان كان له كسب إذا أضيف إلى النفقة أمكنه الحج. لزمه اتمامه، وان لم يمكنه حلله الولى من الاحرام، ويصير كالمحصر

стр. 374

ويتحلل بالصوم دون الهدى، لانه محجور عليه في المال، فتحلل بالصوم دون الهدى كالعبد، وإن أقر بنسب ثبت النسب، لانه حق ليس بمال فقبل إقراره به كالحد وينفق على الولد من بيت المال، لان المقر محجور عليه في المال، فلا ينفق عليه من المال كالعبد. وإن وجب له القصاص فله أن يقتص ويعفو. لان القصد منه التشفي ودرك الغيظ، فان عفا على مال وجب المال، وإن عفا مطلقا أو عفا على غير مال - فان قلنا: إن القتل يوجب أحد الامرين من القصاص أو الدية وجبت الدية، ولم يصح عفوه عنها. وان قلنا: إنه لا يوجب غير القصاص سقط ولم يجب المال. (الشرح) قصة عبد الله بن جعفر رواها الشافعي في مسنده عن محمد بن الحسن عن أبى يوسف القاضى عن هشام بن عروة عن أبيه، وأخرجها أيضا البيهقى وقال: يقال ان أبا يوسف تفرد به، وليس كذلك، ثم أخرجها من طريق الزهري المدنى القاضى عن هشام نحوه، ورواها أبو عبيدة في كتاب الاموال عن عفان بن مسلم عن حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: قال عثمان لعلى رضى الله عنه ألا تأخذ على يد ابن أخيك - يعنى عبد الله بن جعفر - وتحجر عليه، اشترى سبخة - أي أرضا لا تنبت - بستين ألف درهم ما يسرنى أنها لى ببغلى، وقد ساق القصة البيهقى فقال: اشترى عبد الله بن جعفر أرضا سبخة فبلغ ذلك عليا رضى الله عنه فعزم على أن يسأل عثمان الحجر عليه فجاء عبد الله بن جعفر إلى الزبير فذكر ذلك له، فقال الزبير: أنا شريكك، فلما سأل على عثمان الحجر على عبد الله بن جعفر قال: كيف أحجر على من شريكه الزبير وفى رواية للبيهقي أن الثمن ستمائة ألف. وقال الرافعى: الثمن ثلاثون ألفا. قال الحافظ: لعله من غلط النساخ، والصواب بستين ألفا اه. (قلت) وقد ورد التصحيف أيضا في قول عثمان رضى الله عنه: ما يسرنى أن تكون لى ببغلى، فوردت ببغلى. ووردت بنعلى. وروى القصة ابن حزم في المحلى فقال: بستين ألفا.

стр. 375

أما الاحكام فقد استدل بهذه الواقعة من أجاز الحجر على من كان سيئ التصرف، وبه قال على وعثمان وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر وشريح وعطاء والشافعي ومالك وأبو يوسف ومحمد. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: والجمهور على جواز الحجر على الكبير وخالف أبو حنيفة وبعض الظاهرية، ووافق أبو يوسف ومحمد. قال الطحاوي ولم أر عن أحد من الصحابة منع الحجر على الكبير، ولا عن التابعين إلا عن إبراهيم وابن سيرين وحكى صاحب البحر عن العترة أنه لا يجوز مطلقا، وعن أبى حنيفة أنه لا يجوز أن يسلم إليه ماله إلا بعد خمس وعشرين سنة ولا يعاد عليه الحجر إذا أسلم إليه ماله بعد خمس وعشرين، سواء أفسد دينه وماله أو أحدهما. قال العمرانى في البيان: إذا بلغ الصبى مصلحا لماله ودينه ففك عنه الحجر ودفع إليه ماله ثم صار مفسدا لدينه وماله. أو لماله، فانه يعاد الحجر عليه بلا خلاف على المذهب. فأما إفساد الدين فمعروف، وأما إفساد المال، قال الشيخ أبو حامد: فيكون بأحد أمرين: إما بأن ينفقه في المعاصي. مثل الزنا وشرب الخمر وغير ذلك. والثانى أن ينفقه فيما لا مصلحة له فيه ولا غرض، مثل أن يشترى ما يساوى درهما بمائة درهم. فأما إذا أكل الطيبات ولبس الناعم من الثياب، وأنفق على الفقهاء والفقراء فهذا ليس فيه إفساد للمال اه وأما إذا عاد مفسدا لدينه وهو مصلح لماله فهل يعاد الحجر عليه؟ فيه وجهان قال أبو العباس يعاد عليه الحجر لقوله تعالى (فان كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل) فأثبت الولاية على السفيه وهذا سفيه. ولانه معنى لو قارن البلوغ لمنع فك الحجر عنه، فإذا طرأ بعد فك الحجر عنه، اقتضى ذلك إعادة الحجر عليه كالتبذير وقال أبو إسحاق المروزى: لا يعاد عليه الحجر لان الحجر يراد لحفظ ماله فإذا كان مصلحا لماله لم يعد عليه الحجر، ويخالف إذا قارن إفساد الدين البلوغ لان الحجر إذا ثبت لم يزل عنه إلا بأمر قوى، فكذلك إذا فك عنه الحجر لم يعد عليه الا بأمر قوى. هذا مذهبنا، وأنه إذا عاد مفسدا لماله ودينه عاد عليه

стр. 376

الحجر، وبه قال عثمان وعلى والزبير وابن الزبير وعبد الله بن جعفر وعائشة أم المؤمنين وشريح ومالك وأبو يوسف ومحمد، وقد مضى خلاف أبى حنيفة لهم جميعا دليلنا ما مضى في قوله تعالى (فان كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل) قال الشافعي رضى الله عنه: والسفيه هو المفسد لماله ودينه، والضعيف هو الصبى والشيخ الفاني، والذى لا يستطيع أن يمل المجنون والسفيه اسم ذم يتناول المبذر، فأما قوله تعالى (سيقول السفهاء من الناس) الاية. فأراد اليهود. وقيل أراد المنافقين. وقيل أراد اليهود والنصارى. وقوله تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) الاية. قيل أراد به النساء، وهو قول مجاهد وهذا القول لا يصح، انما تقول العرب للنساء سفائه أو سفيهات، لانه الاكثر في جمع فعلية، وروى عن عمر رضى الله عنه: من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا، قال القرطبى فكذلك قوله تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) يعنى الجهال بالاحكام، وقوله تعالى " أموالكم " أي أموالهم، كقوله تعالى " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " أي أموال بعضكم. ويدل على ما ذكرناه أن حبان بن منقذ أصابه في عقله ضعف، فأتى أهله إلى النبي ﷺ فسألوه أن يحجر عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ " لا تبع، فقال انى لا أصبر، فقال ﷺ : من بايعته فقل: لا خلابة ولك الخيار ثلاثا " فلو كان الحجر لا يجوز على البالغ لانكر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ سؤالهم، وانما لم يجبهم إلى الحجر لانه يحتمل أن يكون الذى يغبن به مما يتغابن الناس بمثله. ويدل على ما ذكرناه اجماع الصحابة في قصة عبد الله بن جعفر حين قال عثمان رضى الله عنه: كيف أحجر على من شريكه الزبير، وانما قال هذا لان الزبير ابن العوام رضى الله عنه كان معروفا ببصره في التجارة، فدل على أن الحجر جائز عندهم بالاجماع. وروى أن عائشة رضى الله عنها كانت تنفق نفقة كثيرة، فقال ابن الزبير

стр. 377

لتنتهين عائشة أو لاحجرن عليها. فبلغها ذلك فحلفت أن لا تكلمه " فأتاها ابن الزبير واعتذر إليها فكفرت عن يمينها وكلمته، فلم ينكر عليه أحد. ويقول: إن عائشة رضى الله عنها بالغة رشيدة، فكيف يحجر عليها؟ ولان كل معنى لو قارن البلوغ منع من تسليم المال إليه فإذا طرأ بعد البلوغ اقتضى إعادة الحجر عليه كالمجنون (فرع) بعض الناس يكون شحيحا على نفسه جدا مع يساره وامتلائه فهل يحجر عليه؟ فيه وجهان حكاهما الصيمري، الصحيح أنه لا يحجر عليه (فرع) أما في حالة التبذير والاسراف إذا صار ذلك منه بعد فك الحجر عنه فانه لا يعيد الحجر عليه إلا الحاكم. وبه قال أبو يوسف. وقال محمد: يصير بذلك محجورا عليه، وهو قول بعض اصحابنا الخراسانيين دليلنا أن عليا رضى الله عنه سأل عثمان رضى الله عنه أن يحجر على عبد الله ابن جعفر بن أبى طالب، فدل على أنه لا يصير محجورا عليه إلا بالحاكم، ولان الحجر بالتبذير مختلف فيه فافتقر إلى الحاكم، كالطلاق بالعنة لا يثبت الا بالحاكم لموضع الاختلاف فيه، فإذا حجر عليه لم ينظر في ماله إلا الحاكم، لانه حجر ثبت بالحاكم فكان هو الناظر فيه كالحجر على المفلس ويستحب أن يشهر الحاكم على ذلك، فيشهر هذا الحجر بوسائل الاشهار العرفية حسب كل زمان ومكان، ففى القرى مثلا أو في البلاد المتبدية بكون بالمنادى أو الاعلان الملصق، وفى المدن الكبرى يكون بالنشر في الصحف المقروءة، حتى لا يغتر الناس بمعاملته (فرع) فإذا باع أو اشترى بعد الحجر كان ذلك باطلا، فان حصل له في يد غيره مال استرجعه الحاكم منه إن كان باقيا، أو استرجع بدله ان كان تالفا. وان حصل في يد المحجور عليه مال لغيره ببيع أو غيره استرده الحاكم منه ورد على مالكه، وان باعه غيره شيئا أو أقرضه إياه، ثم تلف في يده أو أتلفه فانه لا يجب عليه ضمانه، سواء علم بحجره أو لم يعلم، لانه ان علم بحجره فقد دخل على بصيرة، وان لم يعلم بحاله فقد قصر وفرط حيث بايع من لا يعلم حاله، ولا يلزمه إذا فك عنه الحجر، لان الحجر عليه لحفظ ماله، فلو ألزمناه ذلك بعد الحجر لبطل معنى الحجر، وهذا في ظاهر الحكم، وهل يلزمه ضمانه فيما بينه وبين

стр. 378

الله تعالى؟ فيه وجهان حكاهما في الافصاح (أحدهما) يلزمه ذلك. وبه قال الصيدلانى والعمراني، لان الحجر لا يبيح له مال غيره (والثانى) لا يلزمه. قال في الافصاح: وهو الاصح، وان غصب في يده عينا فتلفت في يده أو أتلفها في يده أو يد مالكها وجب عليه ضمانها، لان السفيه أحسن حالا من الصبى والمجنون لانه مكلف، لانه ثبت أن الصبى والمجنون إذا أتلفا على غيرهما ما لا وجب عليهما الضمان، فكذلك هذا مثله وان أودعه رجل عينا فأتلفها، فهل يجب عليه الضمان. فيه وجهان (أحدهما) لا يجب عليه ضمانها لان صاحبها عرضها للاتلاف بتسليمها إليه (والثانى) يجب عليه الضمان لان مالكها لم يرض بإتلافها، لان غير المحجور عليه لا يلزمه ذلك فالمحجور عليه أولى. وإن أقر لغيره بعين في يده أو دين في ذمته لم يلزمه ذلك في الحال، ولا بعد فك الحجر، لانا لو قبلنا إقراره لبطلت فائدة الحجر، والحجر يقتضى حفظ ماله. (فرع) وان طلق السفيه أو خالع صح طلاقه وخلعه، الا أن المرأة لا تسلم المال إليه، بل تسلم إلى وليه، فان سلمته إليه فتلف في يده أو أتلفه وجب عليها الضمان كما قلنا في البيع. ولو أذن ولى السفيه المرأة بتسليم المال إلى السفيه فسلمته إليه فهل تبرأ. فيه وجهان (أحدهما) تبرأ كما لو سلمت المرأة المال إلى العبد باذن سيده (والثانى) لا تبرأ لانه ليس من أهل القبض. هذا مذهبنا وبه قال عامة أهل العلم وقال ابن أبى ليلى والنخعي وأبو يوسف: لا يصح طلاقه وخلعه دليلنا قوله تعالى " الطلاق مرتان، فامساك بمعروف أو تسريح باحسان " ولم يفرق بين السفيه وغيره، ولانه يستفيد بالطلاق، فانه ان كان قبل الدخول رجع إليه نصف المهر، وان كان بعد الدخول سقطت عنه النفقة والكسوة والمصالح. ويحصل له ذلك بالخلع وما بذلت له (فرع) ولا يصح نكاحه بغير اذن الولى لان النكاح يتضمن وجوب المال

стр. 379

فلم يصح بغير إذن الولى، وإن احتاج إلى النكاح فالولى بالخيار إن شاء زوجه بنفسه وتولى العقد، وإن شاء أذن له ليعقد بنفسه، لانه عامل مكلف، وإنما حجر عليه لحفظ ماله بخلاف الصبى وإن تزوج السفيه بغير إذن الولى ودخل بها فما الذى يلزمه؟ قال المسعودي فيه ثلاثة أقوال (أحدها) لا يلزمه شئ كما لو اشترى شيئا يغير إذن وليه وأتلفه (والثانى) يلزمه مهر المثل، كما لو جنى على غيره (والثالث) يلزمه أقل شئ يستباح به البضع لان البضع لا يستباح بالاباحة. وأما البغداديون من أصحابنا فقالوا: هي على وجهين (أحدهما) لا يلزمه شئ (والثانى) يلزمه مهر المثل. (فرع) وإن أذن الولى في البيع والشراء فباع أو اشترى فهل يصح. فيه وجهان (أحدهما) يصح كما يصح النكاح إذا أذن له فيه (والثانى) لا يصح لان البيع والشراء يختلف حكمه ساعة فساعة، لانه قد يزيد سعر السوق وينقص، فافتقر إلى عقد الولى، ولان البيع والشراء يتضمن المال لا غير. وهو محجور عليه في المال بخلاف النكاح. (فرع) وإن حلف انعقدت يمينه، فإن حنث كفر بالصوم، ولا يكفر بالمال لانه محجور عليه في المال، وإن أحرم بالحج صح إحرامه لانه من أهل التكليف فإن كان فرضا لم يمنع من اتمامه وأنفق عليه من ماله ما يحتاج إليه، وان كان متطوعا - فان كان نفقته على إتمامه لا تزيد على نفقة الحضر - لم يجز تحليله، وان كانت تزيد على نفقة الحضر، فان كان له كسب وقال أنا أتمم النفقة بالكسب لم يحلل، وان لم يكن له كسب حلله الولى ويصير كالمحصر، فيتحلل بالصوم دون الهدى لانه محجور عليه في المال فأشبه المفلس في هذه الامور كلها. وبهذا قال أصحاب أحمد رضى الله عنه (فرع) وان أقر بنسب يلحقه في الظاهر ثبت النسب، لان ذلك لا يتضمن اتلاف المال. وان أقر بنسب من يلزمه نفقته لم ينفق عليه من ماله بل ينفق عليه من بيت المال، وان وجب له القصاص فله أن يقبض لان الغرض منه التشفي، وان عفا عنه على مال كان الامر له. وان عفا مطلقا أو على غير مال. فان قلنا

стр. 380

ان الواجب القصاص لا غير صح عفوه. وان قلنا الواجب أحد الامرين لم يصح عفوه عن المال وان أقر بجناية العمد صح اقراره لانه غير متهم في ذلك، فان أراد المقر له العفو على المال. قال الطبري: فان قلنا ان موجب العمد القود ثبت المال، لان الذى ثبت باقراره هو القتل والقطع دون المال. وان قلنا ان موجبه أحد الامرين فهل يثبت. اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: فيه قولان كالعبد إذا أقر بالسرقة فانه يقبل في القطع، وهل يقبل في المال، فيه قولان. ومنهم من قال: له أخذ المال قولا واحدا، لان الواجب أحدهما لا بعينه، وكل واحد منهما بدل عن الآخر، وتعلقهما بسبب واحد. وأما السرقة ففيها حكمان (أحدهما) القطع لله تعالى لانه حق الله ﵎، والاخر للآدمي فجاز ثبوت أحدهما دون الاخر. ولهذا لو شهد رجل وامرأتان على السرقة ثبت المال دون القطع، ولو شهدا على القطع لم يثبتا. وان دبر السفيه أوصى - على ما سنفصله ان شاء الله في أحكام المدبر - فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال فيه قولان كالصبى، ومنهم من قال: يصح قولا واحدا قال الطبري وهو الصحيح، لان الصغير لا حكم لقوله ولا يصح شئ من اقراره بخلاف السفيه فانه يصح اقراره بالنسب (فرع) المرتد إذا قلنا ان ملكيته باقية على ماله فانه محجور عليه، وهل يفتقر إلى حجر الحاكم، فيه قولان. وإذا زال السفه فانه لا ينفك الحجر عنه الا بحكم الحاكم، لانه حجر ثبت بالحاكم فلم يزل من غير حكمه. والله تعالى أعلم وهو الموفق للصواب.

стр. 381

قال المصنف ﵀: كتاب الصلح إذا كان لرجل عند رجل عين في يده، أو دين في ذمته، جاز أن يصالح منه والدليل عليه ما رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ " المسلمون على شروطهم، والصلح جائز بين المسلمين " فإن صالح عن المال على مال، فهو بيع يثبت فيه ما يثبت في البيع من الخيار، ويحرم فيه ما يحرم في البيع من الغرر، والجهالة، والربا، ويفسد بما يفسد به البيع من الشروط الفاسدة، لانه باع ماله بمال، فكان حكمه حكم البيع فيما ذكرناه، وإن صالحه من دين على دين وتفرقا قبل القبض لم يصح، لانه بيع دين بدين تفرقا فيه قبل القبض. فإن صالحه من دين على عين، وتفرقا قبل القبض، ففيه وجهان. أحدهما: لا يصح، لانهما تفرقا والعوض والمعوض في ضمان واحد، فأشبه إذا تفرقا عن دين بدين. والثانى: يصح، لانه بيع عين بدين فصار كبيع العين بالثمن في الذمه، وان صالح عن المال على منفعه فهو إجارة يثبت فيه ما يثبت في الاجارة من الخيار. ويبطل بما تبطل به الاجارة من الجهالة. لانه استأجر منفعة بالمال فكان حكمه فيما ذكرناه حكم الاجارة. (فصل) وإن صالح من دار على نصفها ففيه وجهان (أحدهما) لا يصح، لانه ابتاع ماله بماله (والثانى) يصح، لانه لما عقد بلفظ الصلح صار كأنه وهب النصف وأخذ النصف وإن صالحه من الدار على سكناها سنة ففيه وجهان. (أحدهما) لا يصح، لانه ابتاع داره بمنفعتها (والثانى) يصح، لانه لما عقد بلفظ الصلح صار كما لو أخذ الدار وأعاره سكناها سنة وإن صالحه من ألف درهم على خمسمائة ففيه وجهان (أحدهما) لا يصح، لانه بيع ألف بخمسمائة (والثانى) أنه يصح لانه لما عقد بلفظ الصلح جعل كأنه قال أبرأتك من خمسمائة وأعطني خمسمائة.

стр. 382

(الشرح) حديث أبى هريرة أخرجه أبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبى هريرة. قال الحاكم: على شرطهما وصححه ابن حبان، ورواه الترمذي وحسنه بزيادة " المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " عن عمرو بن عوف وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود وابن ماجه والترمذي أيضا عن عمرو بن عوف بلفظ " إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما " وأخرجه الحاكم وابن حبان في إسناده عند هؤلاء جميعا كثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه وهو ضعيف جدا قال فيه الشافعي وأبو داود هو ركن من أركان الكذب، وقال النسائي: ليس بثقة. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده نسخة موضوعة، وتركه أحمد، وقد نوقش الترمذي في تصحيحه لهذا الحديث. قال الذهبي: فروى من حديثه " الصلح جائز بين المسلمين " وصححه فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه. وقال ابن كثير في ارشاده: قد نوقش أبو عيسى الترمذي في تصحيحه هذا الحديث وما شاكله اه. وقد اعتذر له الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال في بلوغ المرام: وكأنه اعتبره بكثرة طرقه، وقد صححه ابن حبان من طريق أبى هريرة، وقال في الفتح: وكأنه اعتبره بكثرة طرقه، وذلك لانه رواه أبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبى هريرة اه. وأخرجه أيضا الحاكم من طريق أنس، وأخرجه أيضا من حديث عائشة، وكذلك الدارقطني. وأخرجه أحمد من حديث سليمان بن بلال عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة وأخرجه ابن أبى شيبة عن عطاء مرسلا وأخرجه البيهقى موقوفا على عمر كتبه إلى أبى موسى الاشعري، وقد صرح الحافظ ابن حجر بأن إسناد حديث أنس وإسناد حديث عائشة واهيان، وضعف ابن حزم حديث أبى هريرة الذى ساقه المصنف، وكذلك ضعفه عبد الحق.

стр. 383

وقد روى من طريق عبد الله بن الحسين المصيصى وهو ثقة، وكثير بن زيد المذكور، قال أبو زرعة صدوق، ووثقه ابن معين، والوليد بن رباح صدوق أيضا، ولا يخفى أن الاحاديث المذكورة، والطرق يشهد بعضها لبعض. قال الشوكاني: فأقل أحوالها أن يكون المتن الذى اجتمعت عليه حسنا. أما لغات الفصل: فالصلح هو التوفيق، ومنه صلح الحديبية، والصلاح هو الخير والصواب وصالح للامر أي له أهلية القيام به. وفى الدين أقسام: صلح المسلم مع الكافر. والصلح بين الزوجين. والصلح بين الفئتين الباغية والعادلة. والصلح بين المقاضين. والصلح في الجراح كالعفو على المال. والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت المزاحمة إما في الاملاك أو في المشتركات وهذا الصلح الاخير هو الذى يتكلم فيه أصحابنا من أهل الفروع، أما الاحكام: فإن الاصل في جواز الصلح الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما الاية " فأمر الله تعالى بالصلح بين المؤمنين. وقوله تعالى " وان إمرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا، والصلح خير " وقوله تعالى " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما " فدلت هذه الايات على جواز الصلح. أما السنة فقد روى البخاري وأحمد والترمذي وصححه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " من كانت عنده مظلمة لاخيه من عرضه أو شئ فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ان كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته. وان لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه " لفظ البخاري هكذا أما الاخران فقالا فيه " مظلمة من مال أو عرض " وحديث أبى هريرة الذى ساقة المصنف وأحاديث أخرى تأتى في فصول الصلح الاتية ان شاء الله تعالى. وأما الاجماع فإن الامة أجمعت على جوازه. إذا ثبت هذا: فإن الصلح فرع على غيره، وهو ينقسم على خمسة أقسام:

стр. 384

قسم هو فرع على البيع، وهو أن يدعى عليه عينا في يده فيقر له بها فيصالحه من ذلك على عين أو دين، فهذا حكمه حكم ما لو اشترى منه عينا بعين أخرى أو بدين، فيعتبر فيه ما يعتبر في البيع من الربا. ويبطل بما يبطل فيه البيع من الغرر وثبت فيه ما ثبت في البيع من الخيار، لان ذلك مع تلفظ الصلح وإن ادعى عليه دينا في ذمته فأقر له به ثم صالحه منه على ذمته وتفرقا قبل القبض لم يصح الصلح، كما لا يصح في بيع الدين بالدين، وإن صالحه منه على عين وقبض العين قبل التفرق صح الصلح - إذا كان الدين مما يصح أخذ العوض عنه وإن افترقا عن المجلس قبل فبض العين فهل يصح؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يصح لانهما افترقا والعوض في ضمان واحد فلم يصح، كما لو صالحه من دين على دين وتفرقا قبل القبض (والثانى) يصح كما يصح في بيع العين بالدين القسم الثاني: صلح هو فرع على الاجارة، وهو أن يدعى عليه عينا في يده أو دينا في ذمته فيقر له به، ثم يصالحه من ذلك على سكنى داره شهرا، أو استعمال سيارته مدة معلومة: ويملك المقر ما ادعى عليه به، ويملك المقر له منفعة الدار والسيارة، كما لو استأجر منه ذلك، ويشترط فيه ما يشترط في الاجارة على ما يأتي بيانه فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْقِسْمُ الثالث: صلح هو فرع على الابراء والحطيطة. وهو أن يدعى عليه ألفا في ذمته فيقر له بها فيصالحه على بعضها. قال الشيخ أبو حامد: فهذا ينقسم قسمين (أحدهما) أن يقول الذى عليه الحق لمن له الحق: أدفع اليك خمسمائة بشرط أن تسقط عنى الخمسمائة الاخرى، أو يقول صاحب الحق: ادفع إلى خمسمائة على أن أسقط عنك الخمسمائة الاخرى. فهذا لا يجوز، فإذا فعلا ذلك كان باطلا، وكان لصاحب الالف المقر له أن يطالب بالخمسمائة الاخرى، لانه دفع إليه بعض حقه وشرطه شرطا لا يلزمه، فسقط الشرط، ووجب الالف بالاقرار (والثانى) أن يقول أدفع اليك خمسمائة وأبرئني من خمسمائة، أو يقول الذى له الحق: ادفع إلى خمسمائة فقد أبرأتك من الخمسمائة الاخرى، فإن هذا

стр. 385

يجوز، إذ لم يدخل فيه حرف الشرط. وهو قوله عى أن تبرئني، أو بشرط أن تبرئني، لانه كان له حق فأخذ بعضه وأبرأ من البعض. اه وقد قال المصنف: وإن صالحه من ألف على خمسمائة ففيه وجهان. (أحدهما) لا يصح كما لو باع ألفا بخمسمائة (والثانى) يصح لانه لما عقد بلفظ الصلح صار كأنه قال أبرأتك من خمسمائة وأعطني خمسمائة. وقال المسعودي: إذا ادعى عليه ألف درهم حالة فأقر له بها ثم صالحه على خمسمائة مؤجلة صح الصلح ولا يلزم الاجل. وان ادعى عليه ألف درهم مؤجلة فأقر له بها ثم صالحا عنها على خمسمائة حالة لم يصح، لانه جعل الخمسمائة التى تركها عوضا للحلول. وذلك لا يجوز أخذ العوض عليه. وإن ادعى عليه ألف درهم صحاحا فأقر له بها ثم صالحه على خمسمائة مكسرة قال المسعودي: صح الصلح، ولا يلزمه أخذ المكسرة، بل يجب له خمسمائة صحاح، لان الصحة صفة فلا يصح الابراء منها. اه القسم الرابع: صلح هو فرع على الهبة، وهو أن يدعى عليه دارا فيقر بها. فقال المقر: أدفع اليك نصفها ووهبتك النصف الاخر صحت الهبة، لانها مجردة غير معلقة على شرط، وان كان بلفظ الصلح بأن قال المقر للمقر له: صالحني من هذه الدار بنصفها فذكر المصنف أنها على وجهين (أحدهما) لا يصح، لانه باع ماله بماله (والثانى) ولم يذكر ابن الصباغ غيره أنه يصح، لانه لما عقد بلفظ الصلح صار كما لو قال: ادفع إلى نصفها ووهبتك النصف الثاني القسم الخامس: صلح هو فرع على العارية بأن يدعى عليه دارا في يده فأقر له بها، ثم قال المقر له للمقر: صالحني عن هذه الدار بسكناها سنة، فقال المقر صالحتك، صح الصلح، ويكون كأن المقر له أعار المقر أن يسكنها سنة. قال المسعودي " وللمقر له أن يرجع في عاريته " وذكر المصنف أنها على وجهين. (أحدهما) هذا (والثانى) لا يصح لانه ابتاع داره بمنفعتها (فرع) قال الشافعي رضى الله عنه " فإن صالح الرجل أخاه من مورثه، فإن عرفا ما صالحه عليه بشئ يجوز في البيع جاز. وهذا كما قال إذا ورث اثنان

стр. 386

من ابنهما أو أخيهما مالا فصالح أحدهما الآخر عن نصيبه، فإن هذا فرع للبيع، فإذا شاهد التركة وعرف العوض صح الصلح كما لو اشتراه بلفظ الشراء (فرع) وإن صالحه عن الدارهم على دنانير أو على الدنانير على دارهم، فإن ذلك صرف، ويشترط فيه قبض العوض في المجلس كما قلنا في الصرف. (فرع) إذا أتلف عليه ثوبا أو حيوانا قيمته دينار فأقر له به، ثم صالحه من ذلك على أكثر منه، لم يصح الصلح دليلنا أن الواجب في ذمته قيمة المتلف فلم يصح الصلح على أكثر منه، كما لو غصب منه دينارا ثم صالحه على أكثر منه، وإن صالحه عن قيمة الحيوان بعوض وجعله مؤجلا لم يتأجل العوض ولم يصح الصلح. وقال أبو حنيفة يصح دليلنا أن الواجب هو دين حال في ذمته، فإذا كان العوض عنه مؤجلا كان بيع الدين بالدين. وذلك لا يجوز وإن ادعى عليه مالا مجهولا فأقر له به وصالحه عليه بعوض لم يصح الصلح. وقال أبو حنيفة " يصح " دليلنا: أن ذلك معاوضة، ولهذا ثبت بالشقص فيه الشفعة، فلم يصح في المجهول كالبيع، قال الشافعي رضى الله عنه " إذا ادعى على رجل شيئا مجملا فأقر له به ثم صالحه منه على شئ صح الصلح " قال الشيخ أبو حامد أراد إذا كان المعقود عليه معلوما فيما بين المتعاقدين فيصح وإن لم يسمياه، كما إذا قال بعت منك الشئ الذى أعرفه أنا وأنت بكذا، فقال ابتعت فإنه يصح والله تعالى أعلم وقد أجمل الخرقى من الحنابلة الصلح الجائز عندهم بقوله والصلح الذى يجوز هو أن يكون للمدعى حق لا يعلمه المدعى عليه فيصطلحان على بعضه، فإن كان يعلم ما عليه فجحده فالصلح باطل. اه، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والثوري أن الصلح على الانكار صحيح، ولكن الشافعي قال لا يصح لانه عاوض على ما لم يثبت له، فلم تصح المعاوضة كما لو باع مال غيره، ولانه عقد معاوضة خلا عن العوض في أحد جانبيه، فبطل كالصلح على حد القذف

стр. 387

قال المصنف ﵀: (فصل) وإن ادعى عليه عينا في يده أو دينا في ذمته فأنكر المدعى عليه فصالحه منه على عوض لم يصح الصلح، لان المدعى اعتاض عما لا يملكه فصار كمن باع مال غيره. والمدعى عليه عاوض على ملكه، فصار كمن ابتاع مال نفسه من وكيله. فان جاء أجنبي إلى المدعى وصدقه على ما ادعاه وقال صالحني منه على مال لم يخل إما أن يكون المدعى عينا أو دينا، فان كان دينا نظرت فإن صالحه عن المدعى عليه صح الصلح، لانه إن كان قد وكله المدعى عليه فقد قضى دينه بإذنه، وان لم يوكله فقد قضى دينه بغير إذنه. وذلك يجوز فان صالحه عن نفسه وقال: صالحني عن هذا الدين ليكون لى في ذمة المدعى عليه، ففيه وجهان بناء على الوجهين في بيع الدين من غير من عليه (أحدهما) لا يصح، لانه لا يقدر على تسليم ما في ذمة المدعى عليه (والثانى) يصح كما لو اشترى وديعة في يد غيره، وان كان المدعى عينا، فان صالحه عن المدعى عليه وقال: قد أقر لك في الباطن ووكلني في مصالحتك، فصدقه المدعى صح الصلح، لان الاعتبار بالمتعاقدين وقد اتفقا على ما يجوز العقد عليه فجاز. ثم ينظر فيه فان كان قد أذن له في الصلح ملك المدعى عليه العين لانه ابتاعه له وكيله، وان لم يكن أذن له في الصلح لم يملك المدعى عليه العين لانه ابتاع له عينا بغير اذنه فلم يملكه. ومن أصحابنا من قال يملكه ويصير هذا الصلح استنقاذا لماله، كما قال الشافعي ﵀ في رجل في يده دار فجعلها مسجدا، ثم ادعاها رجل فأنكر فاستنقذه الجيران من المدعى بغير اذن المدعى عليه أنه يجوز ذلك. وان صالحه لنفسه فقال أنا أعلم أنه لك فصالحني فأنا أقدر على أخذه، صح الصلح لانه بمنزلة بيع المغصوب ممن يقدر على أخذه، فان أخذه استقر الصلح، وإن لم يقدر على أخذه فهو بالخيار بين أن يفسخ ويرجع إلى ما دفع وبين أن يصبر إلى أن يقدر، كمن ابتاع عبدا فأبق قبل القبض.

стр. 388

(الشرح) الاحكام: إذا ادعى عليه عينا في يده أو دينا في ذمته فأنكره المدعى عليه ثم صالحه على عين أو دين في ذمته لم يصح الصلح بلا خلاف على المذهب، لانه ابتاع ملكه، وإن ادعى عليه ألف درهم في ذمته، فأنكره، ثم صالحه على خمسمائة منها وقلنا: يصح صلح الحطيطه فهل يصح هذا الصلح؟ فيه وجهان حكاهما في الابانة. (أحدهما) لا يصح، لانه صلح على الانكار فلم يصح، كما لو ادعى عليه عينا فأنكره (والثانى) يصح، والفرق بينهما أن في صلح المعاوضة يحتاج إلى ثبوت العوضين برضى المتعاقدين وليس العين المدعى بها ثابتة للمدعى حتى يأخذ عليها عوضا، وههنا هو إبراء فلا يحتاج إلى رضاء صاحبه، هذا مذهبنا، وأن الصلح على الانكار لا يصح. وقال ابن أبى ليلى: إن أنكره لم يصح الصلح، وإن سكت صح الصلح. دليلنا: قوله تعالى " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " والصلح على الانكار من أكل المال بالباطل، لان من ادعى على غيره دارا في يده فأنكر ذلك المدعى عليه ثم صالحه عنها بعوض فقد ابتاع ماله بماله، وهذا لا يجوز، وَرُوِيَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لبلال بن الحارث " يا بلال اعلم أن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما ". وهذا المدعى لا يخلو إما أن يكون كاذبا أو صادقا، فان كان كاذبا فهذا الصلح الذى يصالح به يحل له ما هو حرام عليه، وإن كان صادقا فانه يستحق جميع ما يدعيه، فإذا أخذ بعضه بالصلح فالصلح حرم عليه الباقي الذى كان حلالا له، فوجب أن لا يجوز، هكذا ذكر الشيخ أبو حامد، ولان البيع لا يجوز مع الانكار وهو أن يدعى عينا في يد غيره فينكره فيبيعها من غيره، فان البيع لا يصح، فكذلك الصلح. إذا ثبت هذا: فادعى على رجل ألفا في ذمته فأنكره عنها، ثم ان المدعى أبرأه منها صحت البراءة، وهل يشترط في صحة البراءة القبول؟ على وجهين يأتي ذكرهما فيما بعد ان شاء الله تعالى.

стр. 389

وانما صحت البراءة على الانكار لانها ليست بمعاوضه، والذى جعل المالكية والحنفية والحنابلة يجيزن الصلح مع الانكار. ولا يفرقون بين الابراء والشرط قاعدتهم في أن الصلح يبيح لكل واحد منهما ما كان محرما عليه قبله، كالصلح بمعنى الهبة، فانه يحل للموهوب له ما كان حراما عليه، والاسقاط يحل له ترك أداء ما كان واجبا عليه، وقالوا: ان هذا لا يدخل في حديث " الا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا " لان الصلح الفاسد لا يحل الحرام وانما معناه ما يتوصل به إلى تناول المحرم مع بقائه على تحريمه، كما لو صالحه على استرقاق حر، أو احلال بضع محرم، أو صالحه بخمر أو خنزير، وليس ما نحن فيه كذلك. قلت: فان ادعى عليه ألفا في ذمته فأنكره عنها ثم صالحه على بعضها وقبض ذلك وأبرأه عن الحق الذى عليه. قال الشافعي رضى الله عنه: فالصلح باطل والابراء لا يلزم، فأما الصلح فيبطل لانه صلح على انكار وعلى المصالح رد ما أخذه، وأما البراءة فلا تلزمه لانه انما ابرأه براءة قبض، واستيفاء وهو أن يسلم له ما أحذه، فإذا لم يسلم له ذلك لم تلزمه البراءة. هذا إذا لم يعلم المدعى بفساد الصلح، وأما إذا علم بفساد الصلح فأبرأ صحت براءته وهذا كما تقول في رجل اشترى عبدا شراء فاسدا. فقال البائع للمشترى اعتق هذا العبد، ولم يعلم البائع بفساد البيع فأعتقه - قال الشيخ أبو حامد: لم يصح العتق، لان البائع لم يأمره باعتاقه عن نفسه، وانما أمره أن يعتقه يظن أنه قد ملكه بالشراء، وان علم البائع بفساد البيع فأمر المشترى باعتاقه فأعتقه صح العتق، وان عليه ألفا في ذمته فأقر له بها فصالحه عنها صلح حطيطة، وأبرأه على خمسمائة فان قبض منها خمسمائة، وأبرأه عن الباقي ثم خرجت الخمسمائة التى قبض مستحقة - قال الشيخ أبو حامد: فانه يرجع عليه بخمسمائة التى أخذها والابراء صحيح، لانه لم يبرئه ليسلم له ما قبض بل أبرأه عن حق هو مقر له به والابراء صادف حقه المقر به فنفذ ذلك وليس يتعلق بسلامة ما قبضه وعدم سلامته (فرع) وإذا ادعى عينا فصالحه منها على عوض ثم اختلفا فقال المدعى: انما صالحت منها على الانكار فالصلح باطل، ولى الرجوع إلى أصل الخصومة.

стр. 390

وقال المدعى عليه لا، بل كنت أقررت لك بها ثم أنكرت ثم صالحت منها. قال الشيخ أبو حامد: فالقول قول المدعى لان الاصل هو الصلح على الانكار الذى قد عرف إلى أن تقوم البينة بإقراره لها قبل ذلك. (فرع) وإن ادعى رجل على رجل حقا فأنكر فجاء أجنبي إلى المدعى وقال أنت صادق في دعواك فصالحني عليه - فلا يخلو إما أن يكون المدعى دينا أو عينا، فإن كان المدعى دينا نظرت، فإن صالحه عن المدعى عليه صح الصلح لانه إن كان أذن له في ذلك فهو وكيله والتوكيل في الصلح جائز، وإن لم يكون وكيله ولم يوكله المدعى عليه، فقد قضى عن غيره دينا، ويجوز للانسان أن يقضى عن غيره دينا بغير إذنه، فإذا أخذ المدعى المال ملكه وانقطعت دعواه. وهل للاجنبي أن يرجع على المدعى عليه بما دفع؟ ينظر فيه، فإن صالح عنه بإذنه ودفع بإذنه رجع عليه، وإن صالح عنه باذنه، ودفع بغير إذنه لم يرجع عليه بشئ لانه متطوع بالدفع. وإن صالح الأجنبي ليكون الدين له، فان الشيخ أبا إسحاق (المصنف) قال: هلى يصح الصلح؟ فيه وجهان بناء على جواز بيع الدين من غير من هو عليه، وقال ابن الصباغ: لا يجوز وجها واحدا، واليه أشار الشيخ أبو حامد، لان الوجهين في بيع الدين مع الاقرار، فأما مع الانكار فلا يصح وجها واحدا كبيع العين المغصوبة ممن لا يقدر على قبضها. وقال أصحاب أحمد: وإن صالح عند المنكر أجنبي صح، سواء اعترف للمدعى بصحة دعواه أو لم يعترف، وسواء كان باذنه أو غير إذنه، لان عليا وأبا قتادة رضى الله عنهما قضيا عن الميت فأجازه النبي ﷺ وقالوا وفى الموضعين - أعنى إن كان باذنه أو بغير إذنه - لم يرجع عليه بشئ، لانه أدعى عنه مالا يلزمه أداؤه، أما إذا أذن له بالاداء عنه رجع إليه، وهذا كله كقولنا في المذهب. (قلت) وإن كان المدعى عينا، فان صالح عن المدعى عليه بأن يقول للمدعى: المدعى عليه مقر لك بها في الباطن، وقد وكلنى في مصالحتك فصالحه عنه صح الصلح، لان الاعتبار بالمتعاقدين، وقد اتفقا على ما يجوز العقد عليه فإذا صالحه
следующие страницы →