← Фикх шафии

Фикх шафии · id 1026

تكملة المطيعي على المجموع شرح المهذب - ط السلفية

محمد نجيب المطيعي

Полный текст (3 572 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

لا يملك التصرف فلا يملك غيره من جهته، وإن أمر عبده بعقد ثم أعتقه أو باعه ففيه وجهان. (أحدهما) لا ينعزل كما لو أمر زوجته بعقد ثم طلقها. (والثانى) أنه ينعزل، لان ذلك ليس بتوكيل في الحقيقة، وإنما هو أمر ولهذا يلزم امثاله، وبالعتق والبيع سقط أمره عنه، وإن وكل في بيع عين فتعدى فيها بأن كان ثوبا فلبسه، أو دابة فركبها، فهل تبطل الوكالة أم لا؟ فيه وجهان أحدهما: تبطل فلا يجوز له البيع، لانه عقد أمانة فتبطل بالخيانة كالوديعة. والثانى: أنها لا تبطل، لان العقد يتضمن أمانة وتصرفا، فإذا تعدى فيه بطلت الامانة وبقى التصرف، كالرهن يتضمن أمانة ووثيقة، فإذا تعدى فيه بطلت الامانة وبقيت الوثيقة. وان وكل رجلا في تصرف ثم عزله ولم يعلم الوكيل بالعزل، ففيه قولان. (أحدهما) لا ينعزل، فان تصرف صح تصرفه، لانه أمر فلا يسقط حكمه قبل العلم بالنهي كأمر صاحب الشرع (والثانى) أنه ينعزل، فان تصرف لم ينفذ تصرفه لانه قطع عقد لا يفتقر إلى رضاه فلم يفتقر إلى علمه كالطلاق. (الشرح) الاحكام: لما كانت الوكالة عقدا جائزا من الطرفين فللموكل عزل وكيله متى شاء، وللوكيل عزل نفسه، لانه أذن في التصرف، فكان لكل واحد منهما ابطاله، كما لو أذن في أكل طعامه، وتبطل أيضا بموت أحدهما أيهما كان وجنونه المطبق، ولا خلاف في هذا كله فيما نعلم، فمتى تصرف الوكيل بعد فسخ الموكل أو موته فهو باطل إذا علم ذلك، فان لم يعلم الوكيل بالعزل ولا موت الموكل فعن أحمد فيه روايتان، وللشافعي فيه قولان، وظاهر النص أنه ينعزل علم أو لم يعلم، ومتى تصرف فبان أن تصرفه بعد عزله أو موت موكله فتصرفه باطل، لانه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلا يفتقر إلى علمه كالطلاق والعتاق والى هذا ذهب الخرقى من الحنابلة. والقول الثاني وهى الرواية الثانية عن أحمد: لا ينعزل قبل علمه بموت الموكل وعزله، نص عليه في رواية جعفر بن محمد امام العترة، لانه لو انعزل قبل علمه

стр. 597

كان فيه ضرر، لانه قد يتصرف تصرفات فتقع باطلة، وربما باع الطعام فيأكله المشترى أو غير ذلك من اطلاق يد المشترى ويجب ضمانه. فيتضرر المشترى والوكيل. ولانه يتصرف بأمر الموكل ولا يثبت حكم الرجوع في حق المأمور قبل علمه بالفسخ. فعلى هذا لو تصرف قبل العلم نفذ تصرفه. وعن أبى حنيفة أنه ان عزله الموكل فلا ينعزل قبل علمه لما ذكرنا، وان عزل الوكيل نفسه لم ينعزل الا بحضرة الموكل، لانه متصرف بأمر الموكل، فلا يصح رد أمره بغير حضرته كالمودع في رد الوديعة. ولنا ما تقدم، فأما الفسخ ففيه وجهان كالروايتين ثم هما مفترقان، فان أمر الشارع يتضمن المعصية بتركه: ولا يكون عاصيا من غير علمه، وهذا يتضمن العزل عنه ابطال التصرف، فلا يمنع منه عدم العلم. ومتى خرج أحدهما عن أن يكون من أهل التصرف مثل أن يجن أو يحجر عليه لسفه فحكمه حكم الموت. لانه لا يملك التصرف فلا يملكه غيره من جهته. فإذا وسوس أحدهما فهو مثل العزل. وان حجر على الوكيل لفلس فالوكالة بحالها، لانه لم يخرج عن كونه أهلا للتصرف. وان حجر على الموكل وكانت الوكالة في أعيان ماله بطلت لانقطاع تصرفه في أعيان ماله. وان كانت في الخصومة أو الشراء في الذمة أو الطلاق أو الخلع أو القصاص فالوكالة بحالها، لان الموكل أهل لذلك. وله أن يستنيب فيه ابتداء فلا تنقطع الاستدامة، وان فسق الوكيل لم ينعزل. لانه من أهل التصرف. الا أن تكون الوكالة فيما ينافيه الفسق كالايجاب في عقد النكاح فانه ينعزل بفسقه أو فسق موكله بخروجه عن أهلية التصرف. فان كان وكيلا في القبول للموكل لم ينعزل بفسق موكله لانه لا ينافى جواز قبوله. وهل ينعزل بفسق نفسه؟ فيه وجهان. وان كان وكيلا فيما تشترط فيه الامانه كوكيل اليتيم وولى الوقف على المساكين ونحو هذا انعزل بفسقه وفسق موكله بخروجهما بذلك عن أهلية التصرف وان كان وكيلا لوكيل من يتصرف في مال نفسه انعزل بفسقه. لان الوكيل

стр. 598

ليس له توكيل فاسق. ولا ينعزل بفسق موكله. لان موكله وكيل لرب المال، ولا ينافيه الفسق ولا تبطل الوكالة بالنوم والسكر والاغماء، لان ذلك لا يخرجه عن أهلية التصرف، ولا تثبت عليه ولاية إلا أن يحصل الفسق بالسكر فيكون فيه من التفصيل ما أسلفنا (فرع) إذا تعدى فيما وكل فيه، مثل أن يلبس الثوب أو يركب الدابة فهل تبطل الوكالة. وجهان (أحدهما) تبطل الوكالة لانها عقد أمانة فتبطل بالتعدي كالوديعة (الثاني) لا تبطل الوكالة بالتعدي فيما وكل فيه، وبهذا الوجه قال أحمد وأصحابه. لانه إذا تصرف فإنما يتصرف في نطاق إذن موكله فكان كما لو لم يتعد فصح ويفارق الوديعة من جهة أنها أمانة مجردة فنافاها التعدي والخيانة، والوكالة إذن في التصرف تضمنت الامانة، فإذا انتفت الامانة بالتعدي بقى الاذن بحاله. فعلى هذا لو وكله في بيع ثوب فلبسه صار ضامنا، فإذا باعه صح بيعه وبرئ من ضمانه لدخوله في ملك المشترى وضمانه، فإذا قبض الثمن كان أمانة في يده غير مضمون عليه، لانه قبضه باذن الموكل ولم يتعد فيه. وإذا دفع إليه مالا ووكله في شراء شئ فتعدى في الثمن فصار ضامنا له، فإذا اشترى به وسلمه زال الضمان وقبضه للمبيع قبض أمانة. وإن وجد بالمبيع عيبا فرد عليه، أو وجد هو بما اشترى عيبا فرده وقبض الثمن كان مضمونا عليه، لان العقد المزيل للضمان زال فعاد ما زال عنه. (فرع) إذا وكل أمرأته في بيع أو شراء أو غيره ثم طلقها لم تنفسخ الوكالة لان زوال النكاح لا يمنع ابتداء الوكالة فلا يقطع استدامتها. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فصل) والوكيل أمين فيما في يده من مال الموكل، فان تلف في يده من غير تفريط لم يضمن، لانه نائب عن الموكل في اليد والتصرف، فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد الموكل فلم يضمن. وإن وكله في بيع سلعة وقبض ثمنها فباعها وقبض ثمنها. وتلف الثمن واستحق

стр. 599

المبيع رجع المشترى بالثمن على الموكل لان البيع له فكان الرجوع بالعهدة عليه. كما لو باع بنفسه. (الشرح) الاحكام: اليد في أموال الغير على ثلاثة أقسام، يد ضامنة ويد أمينة، ويد اختلف الشافعي هل هي ضامنة أو أمينة، فالاولى كيد الغاصب والمستعير والمساوم والمشترى والمستقرض، وكل هؤلاء يلزمهم ضمان ما هلك بأيديهم، وإن كان هلاكه من غير تعديهم، لانهم أصلا بين متعد أو معاوض. والثانية كيد الوكيل والمضارب والشريك والمودع والمستأجر والمرتهن، فهؤلاء كلهم لا ضمان عليهم ما لم يتعدوا ويفرطوا، لانه ليس فيهم متعد بيده ولا معاوض. وأما اليد المختلف فيها فيد الاجير المشترك إذا هلك بيده ما استؤجر على عمله من غير تفريط فيه ولا تعد عليه، ففيها قولان (أحدهما) أنها كيد المستعير عليها الضمان، والثانى أنها كيد المودع لا ضمان عليها فيما هلك فإذا تقرر هذا فإن الوكيل أمين فيما بيده لموكله، ولا ضمان عليه إن هلك لامرين (أحدهما) أن الموكل قد أقامه فيه مقام نفسه، وهو لا يلزم لنفسه ضمان ما بيده، فكذلك الوكيل الذى هو بمثابته (والثانى) أن الوكيل له عقد ارفاق ومعونة، وفى تعلق الضمان بها ما يخرج عن مقصود الارفاق والمعونة فيها: وسواء كانت الوكالة بعوض أو بغير عوض فكان أبو على الطبري ﵀ يقول: إذا كانت بعوض جرت مجرى الاجير المشترك فيكون وجوب الضمان على قولين. وهذا ليس بصحيح. لانها إذا خرجت عن حكم الاجارة في اللزوم خرجت عن حكمها في الضمان (فرع) قال المزني: فإن طلب منه الثمن فمنعه فقد ضمنه الا في حال لا يمكنه فيه دفعه. قال الماوردى في حاويه " وهذا كما قال: إذا كان مع الوكيل ثمن ما باع الموكل فطلب منه فمنعه، فلا يخلو حال منعه من أحد أمرين. اما أن يكون بعذر أو بغير عذر. فان كان لعذر لحدوث مرض أو خوف منع من الوصول إلى موضع الثمن. أو لخوف فوات فرض من جمعة أو مكتوبة قد ضاق وقتها.

стр. 600

أو لضياع مفتاح أو لملازمة غريم له إلى ما جرى مجرى ذلك فهذا عذر في تأخير الدفع ولا ضمان عليه ان تلف قبل الدفع. وان منعه لغير عذر صار ضامنا له. فان تلف كان عليه غرمه. فلو منعه من دفعه حتى يشهد على نفسه بقبضه فقد اختلف أصحابنا الخ " (قلت) سيأتي مزيد ايضاح لهذا الفصل في آخر فصل في هذا الباب لتعلقها به هناك. أما بقية الكلام على أحكام هذا الفصل فنقول: ان تلفت العين التى وكل في التصرف فيها فقد بطلت الوكالة. لان محلها ذهب فذهبت الوكالة كما لو وكله في بيع بقرة فماتت. ولو دفع إليه دينارا ووكله في الشراء به فهلك الدينار أو ضاع. أو استقرضه الوكيل وتصرف فيه بطلت الوكالة. سواء وكله في الشراء بعينه أو مطلقا: ويجرى عليه من الضمان ما أسلفنا ايضاحه من حيث التعدي والتفريط أو عكسهما وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . (فصل) إذا ادعى رجل على رجل أنه وكله في تصرف فأنكر المدعى عليه فالقول قوله لانه ينكر عقدا الاصل عدمه فكان القول قوله. وان اتفقا على الوكالة واختلفا في صفتها. بأن قال الوكيل: وكلتني في بيع ثوب. وقال الموكل: بل وكلتك في عبد، أو قال الوكيل: وكلتني في البيع بألف وقال: بل وكلتك في البيع بألفين. أو قال الوكيل: وكلتني في البيع بثمن مؤجل وقال الموكل: بل وكلتك في البيع بثمن حال فالقول قول الموكل لانه ينكر اذنا والاصل عدمه، ولان من جعل القول قوله في أصل التصرف كان القول قوله في كيفيته كالزوج في الطلاق (فصل) وان اختلفا في التصرف فادعى الوكيل أنه باع المال وأنكر الموكل أو اتفقا على البيع واختلفا في قبض الثمن فادعى الوكيل أنه قبض الثمن وتلف وأنكر الموكل ففيه قولان (أحدهما) أن القول قول الوكيل لانه يملك العقد والقبض. ومن ملك تصرفا ملك الاقرار به. كالاب في تزويج البكر.

стр. 601

(والثانى) أنه لا يقبل قوله، لانه إقرار على الموكل بالبيع وقبض الثمن، فلم يقبل كما لو أقر عليه أنه باع ماله من رجل وقبض ثمنه، وإن وكله في ابتياع جارية فابتاعها ثم اختلفا، فقال الوكيل: ابتعتها بإذنك بعشرين. وقال الموكل: بل أذنت لك في ابتياعها بعشرة، فالقول قول الموكل لما بيناه. فإن حلف الموكل صارت الجارية للوكيل في الظاهر، لانه قد ثبت أنه ابتاعها بغير الاذن، فإن كان الوكيل كاذبا كانت الجارية له في الظاهر والباطن، وإن كان صادقا كانت الجارية للموكل في الباطن، وللوكيل في الظاهر قال المزني: ويستحب الشافعي ﵀ في مثل هذا أن يرفق الحاكم بالموكل فيقول: إن كنت أمرته أن يشتريها بعشرين فبعه إياها بعشرين، فان قال له: بعتك هذه الجارية بعشرين صارت الجارية للوكيل في الظاهر والباطن وإن قال كما قال المزني: إن كنت أذنت لك في ابتياعها بعشرين فقد بعتكها بعشرين، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لا يصح، لانه بيع معلق على شرط فلم يصح، وجعل ما قاله المزني من كلام الحاكم لا من كلام الموكل. ومنهم من قال يصح، لان هذا الشرط يقتضيه العقد لانه لا يصح أن يبيعها إلا أن يكون قد أذن له في الابتياع بعشرين، وما يقتضيه العقد لا يبطل العقد بشرطه فان امتنع الموكل من البيع قال المزني: يبيعها الوكيل ويأخذ حقه من ثمنها. وقال أبو سعيد الاصطخرى فيه وجهان (أحدهما) ما قال المزني. (والثانى) أنه يملكها ظاهرا وباطنا بناء على القولين فيمن ادعى على رجل أنه اشترى منه دارا وأنكر المشترى، وحلف أن المستحب للمشترى أن يقول للبائع: إن كنت اشتريتها منك فقد فسخت البيع، وإن لم يفعل المشترى ذلك ففيه قولان (أحدهما) أن البائع يبيع الدار ويأخذ ثمنها (والثانى) أن البائع يملك الدار لان المشترى صار كالمفلس بالثمن لتعذر الثمن من جهته، فيكون البائع أحق بعين ماله. وقال أبو إسحاق: لا يملك الوكيل الجارية قولا واحدا، وتخالف الدار لانها كانت للبائع، فإذا تعذر الثمن انفسخ البيع وعاد المبيع إليه كما يعود إذا

стр. 602

تحالف المتبايعان والجارية لم تكن للوكيل، فتعود إليه عند التعذر، فان قلنا يملكها ظاهرا وباطنا تصرف فيها بالوطئ وغيره. وان قلنا انها للموكل في الباطن كان كمن له على رجل دين لا يصل إليه. ووجد له مالا من غير جنس حقه. (الشرح) الاحكام: قال المزني رحمه الله تعالى: فان كان وكله ببيع متاعه فباعه فقال الوكيل قد دفعت اليك الثمن فالقول قوله مع يمينه. وقال الماوردى في حاويه: اعلم أن ما يدعيه الوكيل على موكله ينقسم ثلاثة أقسام: قسم يقبل فيه قول الوكيل. وقسم لا يقبل فيه قوله. وقسم اختلف قوله في قبول قوله (١) فيه. فأما القسم الاول وهو ما قبل فيه قول الوكيل على الموكل فهو في رد ما قد ائتمنه عليه. وجملة الايدى التى لا يتعلق بها ضمان أنها على ثلاثة أقسام (أحدها) ما يقبل فيه (قول (٢)) صاحبها في رد ما كان معه، وهو من ائتمنه المالك على ماله في حق نفسه من غير نفع يعود (عليه) في أمانته كالمودع، فقوله في رد ما بيده من الوديعة على ربها مقبول، لانه لما أقامه مقام نفسه وجب أن يكون قوله عليه (مقبولا) كقوله على نفسه (والثانى) من لا يقبل قوله وان كان أمينا في رد ما بيده وهو من يده لحق نفسه كالمرتهن فلا يقبل قوله في الرهن على راهنه، لانه ليس بنائب عنه، فلم يقبل قوله عليه (والثالث) من اختلف أصحابنا في قبول (قوله) وهو من كان نائبا عن المالك لكن لنفع يعود عليه (من) نيابته، كالعامل في القراض، والاجير المشترك، ففى قبول قولهم وجهان (أحدهما) أن قولهم مقبول في رد ما بأيديهم لنيابتهم عن المالك، وهذا أظهر القولين (الوجهين) وهو قول الجمهور

стр. 603

(والثانى) وهو قول أبى على الطبري: أن قولهم غير مقبول في رد ما بأيديهم لان عود النفع إليهم يجعلهم كالمتصرفين في حق أنفسهم فلم يقبل قولهم كالمرتهن فإذا تقرر هذا للاصل فالوكيل إن كان متطوعا، فقوله في رد ما بيده مقبول على موكله، وإن كان بأجرة ففى قبول قوله وجهان، فهذا ما يتعلق بالقسم الاول مما يقبل فيه قول الوكيل على الموكل. وأما القسم الثاني: وهو مالا يقبل فيه قول الوكيل على الموكل، فهو أن يدعى إذنا في تصرف لقول الوكيل: أمرتنى ببيع كذا، أو بإعطاء زيد كذا فينكر الموكل ذلك، فالقول قول الموكل دون الوكيل، لانه في هذه الدعوى بمثابة مدعى عقد الوكالة، ومدعى الوكالة لا يقبل قوله في ادعائها، لذلك مدعى الاذن لا يقبل قوله في ادعائه، وكذلك إذا اتفقا على الاذن، واختلفا في صفته كقول الوكيل أمرتنى بإعطاء زيد ألفا فقال: بل أمرتك بإعطائه ثوبا، وكقوله أمرتنى ببيع عبدك بألف، فقال: بل أمرتك بألفين، فالقول فيه قول الموكل، فلا يقبل فيه دعوى الوكيل إلا ببينه يقيمها على ادعاءه، والبينة شاهدان عدلان لا غير، لانها بينة في إثبات الوكالة. وأما القسم الثالث: وهو ما اختلف قوله في قبول (قول) الوكيل فيه على موكله، فهو أن يوكل في عمل فيدعى الوكيل إيقاعه على الوجه المأذون فيه، وينكره الموكل، كتوكيله في بيع أو نكاح أو هبة أو عتق أو طلاق أو إقباض مال، فينكر الموكل ذلك مع تصديق البائع والمنكوحة والموهوبة له والمطلقة والقابض والمقبض، ففيه قولان محكيان عن الشافعي، ووجهان ذكرهما ابن سريج، فأحد قولى الشافعي أن القول في جميع ذلك قول الموكل إلا أن يقيم الوكيل بينة على ما ادعاه، والبينة عليه معتبرة في كونه مالا أو غير مال، وإنما كان القول قول الموكل لانها عقود فلم يلزم بمجرد الدعوى. والقول الثاني: أن القول في جميع ذلك قول الوكيل، لان الموكل أقامه مقام نفسه، بعد قوله عليه. فهذان قولا الشافعي المحكيان عنه. وأما وجها أبى العباس بن سريج فإنه ذكر في كتاب الوكالة بعد حكاية قول

стр. 604

الشافعي وجهين ذكر احتمالهما، ونص توجيههما، أحد الوجهين أنه إن كان ما أقر به الوكيل يتم به وحده كالعتق والطلاق والابراء كان قوله مقبولا فيه، لانه لما كان يصح من الوكيل في الحال صح إقراره به في تلك الحال، وما كان بخلافه لم يقبل إقراره به. والوجه الثاني: وهو الذى عول عليه واعتمد على نصرته: إن؟ ن الاقرار به كإيقاع (طلاق) قبل قوله فيه، وما كان بخلافه لم يقبل قوله فيه، وهذان الوجهان إنما يكون للقول بها وجه إذا كان الوكيل عند الاختلاف باقيا على الوكالة، فأما منع عزله عنها فلا وجه لتخريجها لما يقتضيه تعليل كل واحد منهما والله تعالى أعلم. (فرع) إذا أمر الموكل وكيله ببيع متاعه وقبض ثمنه، فادعى الوكيل البيع وقبض الثمن وتسليمه إلى الموكل، فإن صدقه على البيع وقبض الثمن وتسليمه إلى الموكل، فإن صدقه على البيع وقبض الثمن وأنكر أن يكون قبضه منه كان قول الوكيل مقبولا عليه، لكن مع يمينه، لانه اختلاف في الدفع، ولو صدقه على البيع وأنكر قبض الوكيل الثمن من المشترى فهو على قولين، لان الوكيل يدعى عملا ينكره الموكل، وإن كذبه في البيع وقبض الثمن، فهو على قولين أيضا لما ذكرنا. (فرع) إذا أمر الرجل وكيله أن يشترى سيارة، فقال الوكيل: اشتريتها بألف، قال الموكل: اشتريتها بخمسمائة فالقول قول الوكيل مع يمينه أنه اشترى السيارة بألف - وثمة قول بأنه إذا كانت السيارة ليست بيده فالقول قول الموكل - وهذا ليس بصحيح، بل قول الوكيل أولى في الحالين لقبول قوله في أصل الشراء وكذا يقبل قوله في قدر أصل ثمنه. (فرع) قال المزني: ولو قال أمرتك أن تشترى هذه الجارية بعشرة فاشتريتها بعشرين. وقال الوكيل: بل أمرتنى بعشرين فالقول قول الآمر مع يمينه وتكون الجارية في الحكم للموكل، والشافعي يستحب في مثل هذا أن يرفق الحاكم بالآمر فيقول: إن كنت أمرته أن يشتريها بعشرين فقد بعته إياها بعشرين، ويقول للآخر: قد قبلت، ليحل له الفرج ولمن يبتاعها منه.

стр. 605

وقد أثارت هذه العبارة من المزني كلاما لدى الاصحاب، لانه إن قبل فبيع الموكل معقود بشرط وهو قوله: ان كنت أمرتك أن تشتريها بعشرين فقد بعتها عليك بعشرين، وهذا شرط يفسد معه البيع، فاختلف أصحابنا فيما ذكره المزني من ذلك على وجهين. أحدهما: أن المزني انما اختار للحاكم أن يقول ذلك لهما تنبيها على معنى هذا العقد، والسبب المقصود به من غير أن يذكراه في نفس العقد، فإذا ذكراه فيه لم يصح، بل يعقد له مطلقا من هذا الشرط، وهذا قول أكثر البصريين. والوجه الثاني: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وجمهور البغداديين أنه يجوز لهما أن يعقداه كذلك لانه هكذا يكون في الحكم فجائز أن يكون ملفوظا به في العقد. (فرع) إذا ثبت ما أسلفنا فللموكل حالتان: احداهما: أن يجيب إلى بيعها على الوكيل ان كان صادقا فيصير الوكيل مالكا لها ظاهرا وباطنا. ويجوز له امساكها والاستمتاع بها وبيعها وأخذ الفضل من ثمنها والحال الثانية: أن لا يجيب إلى بيعها فلا يجبر عليه لانه ليس بمالك، ولو كان مالكا لم يجبر على بيع ملكه، وهل يكون الوكيل مالكا لها أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أبى سعيد الاصطخرى انه قد ملكها ملكا تاما ظاهرا وباطنا لان الملك قد انتقل عن الموكل بثمنه فاقتضى أن ينتقل إلى الوكيل بعقده، فعلى هذا يجوز للوكيل أن يمسكها، وان باعها ملك الفضل في ثمنها. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: انه لا يصير مالكا لها، وانما له أن يأخذ من ثمنها ما غرم فيه، لانه مقر بأنها ملك لموكله، فعلى هذا لا يجوز أن يستمتع بها، وان كان في ثمنها فضل لم يملكه، وهل يجوز أن ينفرد ببيعها أم لا؟ على وجهين. (أحدهما) يبيعها بنفسه (والثانى) يتولاه الحاكم، فإن كان الثمن بقدر ما دفع فقد استوفاه، وان كان أقل فلا رجوع له ينافيه، وان كان أكثر فلا حق له في الزيادة. وهل يجوز اقرارها في يده؟ أم ينزعها الحاكم منه؟ على وجهين، أحدهما:

стр. 606

يقرها في يده لانه لا خصم له فيها، والوجه الثاني: ينزعها منه لانه مال قد جهل مستحقه فصار كأموال العيب - التى ترد بالعيب ويختلف فيها المتبايعان ويضع الحاكم يده عليها حتى يفصل في النزاع - أم يكون مشترى الجارية مالكها، على الوجهين جميعا، ولا يكون عدم ملك البائع لها بمانع من استقرار ملك المشترى من وكيل في بيعها والله أعلم. قال المصنف ﵀: (فصل) وإن اختلفا في تلف المال فادعى الوكيل أنه تلف وأنكر الموكل فالقول قول الوكيل، لان التلف يتعذر إقامة البينة عليه فجعل القول قوله. (فصل) وإن اختلفا في رد المال فقال الوكيل: رددت عليك المال وأنكر الموكل نظرت، فان كانت الوكالة بغير جعل فالقول قول الوكيل مع يمينه: لانه قبض العين لمنفعة المالك، فكان القول في الرد قوله كالمودع، وإن كانت الوكالة بجعل ففيه وجهان. (أحدهما) لا يقبل قوله لانه قبض العين لمنفعة نفسه، فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر والمرتهن (والثانى) أنه يقبل قوله لان انتفاعه بالعمل في العين، فأما العين فلا منفعة له فيها، فقبل قوله في ردها كالمودع في الوديعة. (فصل) إذا كان لرجل على رجل آخر حق فطالبه به فقال: لا أعطيك حتى تشهد على نفسك بالقبض نظرت، فإن كان مضمونا عليه كالغصب والعارية فان كان عليه فيه بينة فله أن يمتنع حتى يشهد عليه بالقبض، لانه لا يأمن أن يقبض ثم يجحد، ويقيم عليه البينة فيغرمه، وإن كان أمانة كالوديعة أو ما في يد الوكيل والشريك أو مضمونا لا بينة عليه فيه، ففيه وجهان. (أحدهما) أن له أن يمتنع حتى يشهد بالقبض، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لانه لا يأمن أن يقبض ثم يجحد، فيحتاج أن يحلف أنه لا يستحق عليه، وفى الناس من يكره أن يحلف (والثانى) أنه ليس له أن يمتنع، لانه إذا جحد كان القول قوله أنه لا يستحق عليه شيئا، وليس عليه في اليمين على الحق ضرر فلم يجز له أن يمتنع والله أعلم.

стр. 607

(الشرح) الاحكام: هذا الفصل قد أسلفنا الكلام على بعضه ومجمل القول: إذا اختلف الموكل والوكيل لم يخل من ستة أحوال: الاول: إذا اختلفا في التلف، فقال الوكيل تلف مالك في يدى، أو الثمن الذى قبضته ثمن متاعك تلف في يدى فيكذبه الموكل، فالقول قول الوكيل مع يمينه لانه أمين. وهذا مما يتعذر إقامة البينة عليه، فلا يكلف ذلك كالمودع. وكذلك كل من كان في يده شئ على سبيل الامانة، كالاب والوصى وأمين الحاكم والمودع والشريك والمضارب والمرتهن والمستأجر والاجير المشترك على اختلاف فيه، إلا أن يدعى التلف بأمر ظاهر كالحريق والنهب وشبههما فعليه إقامة البينة على وجود ذلك في ناحيته، ثم يكون القول قوله في تلفها، وهذا هو مذهبنا ومذهب أحمد. لان وجود الامر الظاهر مما لا يخفى، فلا تتعذر إقامة البينة عليه الثاني: أن يختلفا في تعدى الوكيل أو تفريطه في الحفظ ومخالفته أمر موكله مثل أن يدعى عليه أنه حمل على الدابة فوق طاقتها، أو حمل عليها شيئا لنفسه، أو فرط في حفظها أو لبس الثوب، أو أمره برد المال فلم يفعل، ونحو ذلك فالقول قول الوكيل مع يمينه، لانه أمين ولانه منكر لما يدعى عليه. والقول قول المنكر. الثالث: أن يختلفا في التصرف فيقول الوكيل: بعت الثوب، وقبضت الثمن فتلف، فيقول الموكل: لم تبع ولم تقبض شيئا، فالقول قول الوكيل مع يمينه إن كان بغير جعل، لانه إن كان يجعل كان أجيرا ويده ضامنة (فرع) قال المزني: ولو قال لصاحب له قد طلبته منك فمنعتني وأنت ضامن فهو مدع ان الامانة تحولت مضمونة وعليه البينة، وعلى المنكر اليمين. وهذا كما قال، إذا منعه من دفع الثمن إليه حتى هلك، ثم اختلفا فقال الوكيل: منعتك معذورا فلا ضمان على. وقال الموكل منعتني غير معذور فعليك الضمان، فالقول قول الوكيل مع يمينه إذا كان ما قاله ممكنا، ولا ضمان عليه لانه على أصل أمانته فلا تقبل دعوى الموكل عليه في انتقاله عن الامانة إلى الضمان (فرع) قال المزني: ولو قال وكلتك ببيع متاعى فقبضته منى وأنكر ثم أقر،

стр. 608

أو قامت عليه البينة ضمن - أي انتقل من حال الامين إلى حال الضامن - لانه خرج بالجحود من الامانة، وهذا صحيح، وصورة ذلك في رجل ادعى على رجل أنه وكله ببيع متاعه وأقبضه إياه فأنكر المدعى عليه الوكالة وقبض المتاع فالقول قوله مع يمينه لانه منكر، فإن أقام المدعى بينة بالوكالة وقبض المتاع صار ضامنا وخرج بالجحود عن الامانة فصار كجاحد الوديعة، فلو ادعى بعد قيام البينة عليه تلفها أو ردها على مالكها لم تقبل دعواه، لانه ضمن مالا يقبل قوله في ادعاء البراءة منه، ولانه صار بالانكار الاول مكذبا لهذه الدعوى منه، وهكذا لو عاد بعد إنكاره فأقر بقبض المتاع فادعى تلفه أو رده لم يقبل منه، وكان ضامنا له كقيام البينة عليه بقبضه. فلو أقام البينة برده على موكله أو بتلف ذلك في يده قبل جحوده ففيه وجهان أحدهما وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إنها بينة مردودة، لانه قد أكذبها بسابق إنكاره. والوجه الثاني وهو قول أبى القاسم الصيمري، وحكاه أبو حامد الاسفرايينى إن بينته مقبوله، يقدم ما شهدت به على الجحود الموجب للضمان. قال الماوردى والوجه الاول أصح. (فرع) قال المزني: ولو قال: وكلتك في بيع متاعى فبعته، وقال: مالك عندي شئ، فأقام عليه البينة فقال: صدق أو قد دفعت إلى أهله ثمنه فهو مصدق لان من دفع شيئا إلى أهله فليس هو عنده، ولم يكذب نفسه فهو على أصل أمانته وتصديقه. وهذا صحيح، إذا ادعى أنه وكله في متاع أقبضه إياه ليبيعه فقال الوكيل: مالك عندي شئ أو ليس لك في يدى حق فهذا جواب مقنع في الدعوى والقول فيه قوله مع يمينه، لانه منكر. وكل من ادعى عليه مال في يديه وذكر المدعى سبب استحقاقه كالوديعة والغصب فالمدعى عليه إذا كان منكرا له أن يجيب بأحد جوابين، إما أن يقول: ما أخذت منك هذه الوديعة، ولا غصبتك هذا المال، وإما أن يقول: مالك قبلى حق، فكلا الجوابين مقنع في إنكار الدعوى وعليه اليمين. وصفة إحلافه وتحليفه بحسب اختلاف الجواب، فإن كان جوابه مطلقا

стр. 609

بأن قال: ليس عندي لك حق، أحلف على ما أجاب بالله أن ماله قبله حق، ولا يجوز للحاكم أن يحلفه: ما أخذ وديعة، أو ما غصبه، لانه قد يجوز أن يكون قد ملكه عليه بعد الوديعة والغصب، بهبة أو بيع استوفى ثمنه، فلا يكون قبله حق، وبحيث إن حلف ما استودع ولا غصب بر وإن كان جوابه أن قال: ما غصبتك، أو قال: ما أخذت وديعتك، فقد اختلف أصحابنا في صفة إحلافه على وجهين (أحدهما) أنه يحلف بالله ماله قبله حق احترازا مما ذكرنا (والوجه الثاني) أنه يحلف على ما أجاب بالله ما غصبه، ولا أخذ وديعته لان تركه الاحتراز في جوابه ينفى التوهم عنه فيما ذكرنا. فإذا ثبت أن جوابه بما ذكرنا مقنع فحلف ثم قامت البينة عليه بقبض المال أو عاد فأقر به ثم ادعى تلفه أو رد ثمنه لم يضمن وكان قوله مقبولا فيه لامرين أحدهما: أن ما ادعاه في الثاني مطابق لما أجاب به في الاول، لان من يرد الشئ على مالكه فليس له شئ في يده. والثانى: أنه ليس له في جوابه الاول تكذيب الشهود، وبهذين المعنيين فرقنا بين المسألتين، فلو قامت عليه البينة في هذه المسأله بأن المتاع كان في يده بعد أن أجاب بأن لا شئ لك عندي صار ضامنا ولم يقبل قوله في الرد أو التلف لان هذا الجواب منه مع بقاء الشئ في يده كذب وجحود فصار ضامنا: (فرع) قال المزني: ولو جعل للوكيل فيما وكله جعلا، فقال للموكل جعلى قبلك، وقد دفعت إليك مالك، فقال: بل خنتني فالجعل مضمون لا تبرئه منه الجناية عليه. وقد ذكرنا أن الوكالة تجوز بجعل وبغير جعل، ولا يصح الجعل إلا أن يكون معلوما، فلو قال: قد وكلتك في بيع هذا الثوب على أن جعلك عشر ثمنه أو من كل مائة درهم من ثمنه درهم لم يصح للجهل بمبلغ الثمن وله أجرة مثله، فلو وكله في بيع كتاب بأجر معلوم فباعه بيعا فاسدا فلا جعل له، لان مطلق الاذن بالبيع يقتضى ما صح منه، فصار الفاسد غير مأذون فيه فلم يستحق جعلا عليه، فلو باعه بيعا صحيحا وقبض ثمنه، وتلف الثمن في يده فله الاجرة لوجود العمل، وهذا بخلاف الصانع إذا استؤجر عليه حياكة ثوب أو تجليد كتاب

стр. 610

فتلف الثوب أو الكتاب في يده بعد عمله، فلا أجرة له إن كان مشتركا، والفرق الذى تلف الثمن في يده والذى تلف الثوب أو الكتاب في يده أن المقصود من الاجير تسليم العلم المستحق في مقابلة العوض، فما لم يحصل التسليم لم يجب ما في مقابلته من العوض، والمقصود من الوكيل وجود العمل المأذون فيه، فلو باع الوكيل الثوب فتلف الثوب في يده قبل تسليمه إلى مستحقه بطل البيع، ولم يبطل جعل الوكيل، لان بطلانه بمعنى حادث بعد صحته، فصار بالعمل مأجورا فيه، وكان بخلاف وقوع البيع فاسدا، فلو سلم الثوب إلى مشتريه وقبض ثمنه فتلف في يده، ثم استحق الثوب من يد المشترى كان البيع فاسدا وللوكيل جعله لان بطلانه ليس من جهة الوكيل فصار مقصوده بالاذن مجرد العمل على وجه الصحة دون الصحه، وقد وجد من الوكيل ذلك العمل. فأما رجوع المشترى بالثمن، فإن لم يعلم بالوكالة فله الرجوع على الوكيل ويرجع الوكيل به على الموكل، وإن علم بالوكاله ففيه وجهان (أحدهما) وهو قول أبى حامد المروزى ذكره في جامعه أن يرجع على الموكل دون الوكيل، لانه مبيع عليه كالمبيع على المفلس (والثانى) يرجع على من شاء منهما، لان لكل واحد منهما في العقد تأثيرا فإذا ثبت ما وصفنا من جواز الوكالة بجعل واستحقاقه بعد العمل، فطالب الوكيل الموكل بجعله، وادعى أنه قد باع ما وكل في بيعه، وأنه قد رد ثمنه على موكله فللموكل حالتان، حالة ينكر العمل الذى ادعاه من البيع وقبض الثمن، وحالة يعترف به، فإن انكر الموكل ذلك فالقول قوله مع يمينه، ولا جعل للوكيل إلا ببينة يقيمها على البيع، سواء قبل قوله في البيع؟ أم لا، لانه يدعى عملا يستحق به جعلا فلم يقبل قوله في دعواه، وإن صدقه الموكل على ذلك وادعى دفع الجعل إليه فالقول قول الوكيل مع يمينه وله الجعل، لان الموكل مدع براءة الذمة من جعل تعلق بها، فلو قال الموكل له بعد تصديقه على البيع، إنك خنتني في عملك بقدر جعلك فبرئت منه بخيانتك، وأنكر الوكيل الخيانة، فالقول قول الوكيل مع يمينه أنه لم يخن وله المطالبة بجعله.

стр. 611

(فرع) إذا تلف الثمن قبل دفعه للموكل، فإن كان لعذر في تأخير الدفع فلا ضمان، فلو منعه من دفعه حتى يشهد على نفسه بقبضه فقد اختلف أصحابنا هل له ذلك ويلزم الموكل الاشهاد على نفسه بالقبض أم لا؟ على ثلاثة أوجه. أحدها وهو الصحيح: أن ليس له ذلك ولا يلزم الموكل بالاشهاد على نفسه بالقبض، لان قول الوكيل مقبول في الدفع، فعلى هذا يصير بالمنع ضامنا، وعليه الغرم إن تلف. والوجه الثاني: له الامتناع بالدفع إلا بالاشهاد ليسلم من اليمين مع الاكذاب فعلى هذا لا يصير بالمنع ضامنا ولا غرم عليه إن تلف. والوجه الثالث وهو مذهب مالك: أنه إذا قبض المال بالاشهاد لم يلزم دفعه إلا بالاشهاد، وإن قبضه بغير إشهاد لزمه الدفع بغير إشهاد، فأما من كان غير مقبول القول في الدفع فلا يلزمه الدفع إلا بالاشهاد سواء كان ضامنا كالغاصب والمستعير أو غير ضامن كالمرتهن. فأما المضارب والاجير المشترك - فإن قلنا بأحد الوجهين: إن قوله في الدفع غير مقبول لم يلزمهم الدفع الا بالاشهاد، وان قلنا بالصحيح من المذهب: ان قولهم في الدفع مقبول ففى وجوب الاشهاد لهم ثلاثة أوجه على ما أسلفنا والله تعالى الموفق للصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 612

قال المصنف ﵀: كتاب الوديعة (الشرح) يقال: ودعته أدعه ودعا تركته، وأصل المضارع الكسر من ثم حذفت الواو ثم فتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدمين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضى يدع ومصدره واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد وعروة ومقاتل وابن أبى عبلة ويزيد النحوي " ما ودعك ربك " بالتخفيف، وفى الحديث " لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات " أي تركهم، فقد رويت هذه الكلمة عن أفصح العرب ونقلت من طريق القراء، فكيف يكون اماتة، وقد جاء الماضي في بعض الاشعار وما هذه سبيله فيجوز القول بقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالاماتة، ووادعته موادعة صالحته، والاسم الوداع بالكسر وودعته توديعا والاسم الوداع بالفتح مثل سلم سلاما وهو ان تشيعه عند سفره، والوديعة فعيلة، بمعنى مفعولة، وأودعت زيدا مالا دفعته إليه ليكون عنده وديعة وجمعها ودائع واشتقاقها من الدعة وهى الراحة، أو أخذته منه وديعة، فيكون الفعل من الاضداد لكن الفعل في الدفع أشهر واستودعته مالا دفعته له وديعة يحفظه وقد ودع زيد بضم الدال وفتحها وداعة بالفتح والاسم الدعه وهى الراحة وخفض العيش والهاء عوض من الواو والاصل فيها الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تَعَالَى " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلى أهلها " وقوله تعالى " فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته " وقوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى ". أما السنه: فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أد الامانه إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " رواه أبو داود والترمذي من حديث أبى هريرة (رض)

стр. 613

وقال: حديث حسن. وأخرجه الحاكم وصححه، وفى إسناده طلق بن غنام عن شريك واستشهد له الحاكم بحديث أبى التياح عن أنس، وفى إسناده أيوب بن سويد وهو مختلف فيه، وقد تفرد به كما قال الطبراني، وقد استنكره أبو حاتم وقد روى هذا الحديث أيضا البيهقى ومالك. وفى هذا الباب عن أبى بن كعب عند ابن الجوزى في العلل المتناهية، وفى إسناده من لا يعرف، وأخرجه أيضا الدارقطني. وعن أبى أمامة عند البيهقى والطبراني بسند ضعيف. وعن أنس عند الدارقطني والطبراني والبيهقي وأبى نعيم وعن رجل من الصحابة عند أحمد وأبى داود والبيهقي، وفى إسناده مجهول آخر غير الصحابي، لان يوسف بن ماهك رواه عن فلان آخر وقد صححه ابن السكن وعن الحسن مرسلا عند البيهقى. قال الشافعي رضى الله عنه: هذا الحديث ليس بثابت، وقال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح. وقال ابن الجوزى: لا يصح من جميع طرقه، ولا يخفى أن ورود هذا الحديث بهذه الطرق المتعددة مع تصحيح إمامين من الائمه المعتبرين لبعضها، وتحسين إمام ثالث منهم مما يصير به الحديث منتهضا للاحتجاج به. وقوله " ولا تخن من خانك " فيه دليل على عدم جواز مكافأة الخائن بمثل فعله، فيكون مخصصا للعموم في قوله تعالى " وجزاء سيئة سيئة مثلها " وقوله تعالى " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " وقوله تعالى " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ". قال الشوكاني رحمه الله تعالى: إن الادلة القاضية بتحريم مال الآدمى ودمه وعرضه عمومها مخصص بهذه الآيات الثلاث، والحديث مخصص لهذه الآيات، فيحرم من مال الآدمى وعرضه ودمه ما لم يكن على طريق المجازاة فإنها حلال إلا الخيانة ولكن الخيانة إنما تكون في الامانة كما يشعر بذلك كلام صاحب القاموس على أن الاحاديث التى يثبت معها أداء الوديعة كثيرة سيأتي كثير منها في فصول هذا الباب إن شاء الله

стр. 614

وأما الاجماع فأجمع علماء كل عصر على جواز الابداع والاستيداع والضرورة تقتضيها وبالناس إليها حاجة فإنه يتعذر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم ويحتاجون إلى من يحفظ لهم، واشتقاق الوديعة من السكون يقال ودع وديعه فكأنها ساكنة عند المودع مستقرة، أو هي مشتقه من الخفض والدعه فكأنها في دعة عند المودع وقبولها مستحب لمن يعلم من نفسه الامانه، لان فيها قضاء حاجة أخيه المؤمن ومعاونته وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى يستحب لمن قدر على حفظ الوديعة وأداء الامانه فيها أن يقبلها لقوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى " ولما رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله تعالى في عون العبد مادام العبد في عون أخيه فإن لم يكن من يصلح لذلك غيره وخاف ان لم يقبل أن تهلك تعين عليه قبولها، لان حرمة المال كحرمة النفس، والدليل عليه ما روى ابْنِ مَسْعُودٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " حومة مال المؤمن كحرمة دمه " ولو خاف على دمه لوجب عليه حفظه، فكذلك إذا خاف على ماله وان كان عاجزا عن حفظها أو لا يأمن أن يخون فيها لم يجز له قبولها، لانه يغرر بها ويعرضها للهلاك، فلم يجز له أخذها. (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عن ابن عمر، وروى بعضه ابن ماجه واسناده صحيح ورواه الترمذي يلفظ " المسلم أخو السلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه، التقوى ههنا، بحسب امرئ من الشر ان يحقر أخاه المسلم " قال الترمذي: حديث حسن أما حديث ابن مسعود رضى الله عنه: فقد رواه أبو نعيم في الحلية. قال في الجامع الصغير: وهو غريب ضعيف، وقد وردت أحاديث كثيرة بمعناه أظهرها ما جاء في خطبة الوداع " ان الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة

стр. 615

يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هذا " واقتران المال والدم والعرض في حرمتها وتشبيه الحرمة بحرمة مكة في يوم الوقوف من شهر ذى الحجة يدل على صحة التساوى بين المال والدماء. أما الاحكام فقد اتفق الائمة كلهم على أن الوديعة من القرب المندوب إليها. واتفقوا على أن حفظها فيه ثواب، وأن قبول حفظها أمانة محضة، وأن الضمان لا يجب على المودع إلا إذا تعدى، وأن القول قوله في تلفها وردها على الاطلاق مع يمينه على تفصيل سيأتي كما سيأتي ما اختلفوا فيه. أما إذا خاف على الوديعة التلف أو الضياع أو عدم القدرة على حمايتها وكان معرضا للغارة، أو كان له غرماء ولا يأمن أن يستولوا عليها وفاء لحقهم، أو كان لا يأمن أن تحدثه نفسه بالخيانة فيها، وجب عليه بذل النصيحة لصاحبها، ولا يجوز له قبولها، حتى لا يغرر بها ويعرضها للهلاك فلم يجز له أخذها. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يصح الايداع إلا من جائز التصرف في المال، فإن أودعه صبى أو سفيه لم يقبل لانه تصرف في المال، فلم يصح من الصبى والسفيه كالبيع، فإن أخذها منه ضمنها، لانه أخذ ماله من غير إذن فضمنه كما لو غصبه، ولا يبرأ من الضمان إلا بالتسليم إلى الناظر في ماله، كما نقول فيما غصبه من ماله، وإن خاف المودع أنه إن لم يأخذ منه استهلكه فأخذه ففيه وجهان، بناء على القولين في المحرم إذا خلص طائرا من جارجة وأمسكه ليحفظه (أحدهما) لا يضمن، لانه قصد حفظه (والثانى) يضمن، لانه ثبتت يده عليه من غير ائتمان (الشرح) الاحكام: يشتمل هذا الفصل على أمور: أولها: لا يجوز لاحد أن يقبل الوديعة الا من جائز التصرف، وكما عرفنا من قبل أنه العاقل البالغ ثانيها: إذا أودعه من لا يجوز له التصرف فقبله منه ضمن الوديعة وانتقلت يده من يد أمينة إلى يد ضامنة كالغاصب ثالثها: إذا أراد أن يبرئ ذمته بعد قبض الوديعة فإن عليه أن يسلمها إلى

стр. 616

الناظر في مال الصبى أو المحجور عليه. رابعها: إذا خشى على مال الصبى أو السفيه التلف أو الهلاك أو التبذير أو استهلاكه في غير ما يصلح شأنه كان عليه أن يقبله صيانة له وحفظا من الضياع، كالمحرم إذا خلص طائرا من جارحة وأمسكه ابتغاء حفظه. خامسا: إذا قبله على هذا النحو في الامر الرابع هل عليه ضمانه أم لا؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يضمن لان أخذه كان ضرورة اقتضاها واجب حفظ المال وصيانته (والثانى) وجب عليه الضمان. لانه استقرت يده على الوديعة من غير توفر شرط الائتمان وهو يتسلمها من غير جائز التصرف فكان عليه الضمان كما أسلفنا في الامر الثاني ولا يزول عنه الضمان بردها إليه، وإنما بدفعها إلى وليه الناظر له في ماله أو الحاكم. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يصح إلا عند جائز التصرف، فإن أودع صبيا أو سفيها لم يصح الايداع، لان القصد من الايداع الحفظ، والصبى والسفيه ليسا من أهل الحفظ، فإن أودع واحدا منهما فتلف عنده لم يضمن، لانه لا يلزمه حفظه فلا يضمنه، كما لو تركه عند بالغ من غير إيداع فتلف، وإن أودعه فأتلفه ففيه وجهان (أحدهما) يضمن لانه لم يسلطه على اتلافه فضمنه بالاتلاف، كما لو أدخله داره فأتلف ماله (والثانى) لا يضمن، لانه مكنه من اتلافه فلم يضمنه، كما لو باع منه شيئا وسلمه إليه فأتلفه. (الشرح) الاحكام: كما لا يجوز للعاقل المكلف الرشيد أن يقبل الوديعة من الصبى والسفيه حسبما أسلفنا من البيان، فإنه لا يجوز له أن يودع عند صبى أو سفيه أو مجنون لان الايداع مقصود للحفظ، وهؤلاء ليسوا من أهل الحفظ وهم مفتقرون إلى من يحفظ لهم مالهم، فلا يحفظون مال غيرهم فإذا أودع رجل عند صبى أو معتوه وديعة فتلفت في يده لم يضمنها، سواء حفظها أو فرط فيها، فإن أتلفها أو أكلها أو استهلكها ضمنها في ظاهر المذهب، وبه قال القاضى من الحنابلة والخرقى وابن قدامة، وذهب بعض الحنابلة، وهو

стр. 617

قول أبى حنيفة وبعض أصحابنا إلى أنه لا ضمان عليه، لان ربها سلطه على إتلافها بدفعها إليه، فلا يلزمه ضمانها، ألا ترى أنه لو دفع إلى صغير سكينا فوقع عليها كان ضمانه على عاقلته؟ ولنا أن ما ضمنه باتلافه قبل الايداع ضمنه بعد الايداع كالبالغ، ولا يصح قولهم: إنه سلطه على إتلافها لانه استحفظه إياها، وفارق دفع السكين فانه سبب للاتلاف، ودفع الوديعة بخلاف ذلك (فرع) إذا ترك ماله عند رجل عاقل من غير إيداع فتلف لا ضمان عليه، كما لو أودعه ويفارق الايداع من حيث التفريط، فلو فرط فيه لم يضمنه في ظاهر المذهب بخلاف المودع وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فصل) وتنعقد الوديعة بما تنعقد به الوكالة من الايجاب بالقول، والقبول بالفعل، وتنفسخ بما تنفسخ به الوكالة من العزل والجنون والاغماء والموت، كما تنفسخ الوكالة، لانه وكالة في الحفظ، فكان كالوكالة في العقد والفسخ. (الشرح) الاحكام: وتتبع الوديعة الوكالة في جوازها وانعقادها وفسخها، فمن هنا لا تنعقد إلا بالايجاب والقبول. وصورة الايجاب أن يدفع الوديعة إليه - وهذا فعل - فإذا كانت سيارة فأدخلها مرساه أو حظيرته أو جراشه وقال له: هذه سيارتي عندك وديعة صح الايجاب. أما القبول فبأى لفظ دال على القبول يصح عقد الوديعة أما الفسخ فيجرى فيه ما يجرى في فسخ الوكالة، فإذا أراد المودع ردها انفسخ عقدها، لانه متبرع بالقبول. وإذا أراد ربها استردادها وفسخ عقدها كان له ذلك لانه مالكها، كما تنفسخ بجنون أحدهما أو موته أو اغمائه، لان استمرار العقد ينبغى أن تتوفر فيه شروط العقد ابتداء، ويبطل العقد ما يمنعه ابتداء. ففى حالة عزل الوديع نفسه يرد الوديعة إلى ربها، وفى حالة الجنون أو

стр. 618

الاغماء يردها إلى الناظر في مال مالكها، وفى حالة الموت يردها إلى وارثه، فان لم يفعل فقد زال الائتمان وصار ضامنا كالغاصب قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) والوديعة أمانة في يد المودع، فان تلفت من غير تفريط لم تضمن لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال " من أودع وديعة فلا ضمان عليه " وروى ذلك عن أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وجابر رضى الله عنهم، وهو اجماع فقهاء الامصار، ولانه يحفظها للمالك فكانت يده كيده، ولان حفظ الوديعة معروف واحسان، فلو ضمنت من غير عدوان زهد الناس في قبولها، فيؤدى إلى قطع المعروف، فان أودعه وشرط عليه الضمان لم يصر مضمونا لانه أمانة فلا يصير مضمونا بالشرط، كالمضمون لا يصير أمانة بالشرط. وإن ولدت الوديعة ولدا كان الولد أمانة، لانه لم يوجد فيه سبب يوجب الضمان لا بنفسه ولا بأمه، وهل يجوز له امساكه؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يجوز بل يجب أن يعلم صاحبه، كما لو ألقت الريح ثوبا في داره (والثانى) يجوز، لان ايداع الام ايداع لما يحدث منها. (الشرح) حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رواه الدارقطني. وقال الحافظ ابن حجر: فيه ضعف، وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى بلفظ " ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان " وقال الدارقطني: انما نروى هذا عن شريح غير مرفوع. قال الحافظ ابن حجر: في اسناده ضعيفان. وقد روى ابن ماجه عن ابن عمرو بلفظ " من أودع وديعة فلا ضمان عليه " وفى اسناده المثنى بن الصباح وهو متروك، وتابعه ابن لهيعه فيما ذكره البيهقى. وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه من حديث أبى أمامة الباهلى ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يقول في حجة الوداع " العارية مؤداة، والزعيم غارم "

стр. 619

وحديث الفصل الذى رواه الدارقطني يتجه ضعفه إلى ما اشتهر بين المحدثين من أن عمرو بن شعيب يروى عن أبيه وأبوه شعيب يروى عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، وفى سماع شعيب من جده نظر، وقد أثبتت السماع في حاشيتي على تفسير القرآن للعلامة صديق خان المسمى " بفتح البيان في مقاصد القرآن " الصادرة عن مطبعة الامام. وشعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو، فالضمير في جده يعود على شعيب لا على عمرو، ويمكن حمل الضمير على عمرو وصرف الجد إلى عبد الله لان جد الاب جد، والمدار على ثبوت لقاء شعيب لجده وسماعه منه، وليس منصرفا إلى جده محمد بن عبد الله بن عمرو أما الاحكام: ففى الحديث دليل على أنه لا ضمان على من كان أمينا على عين من الاعيان كالوديع والمستعير، أما الوديع فلا يضمن بالاجماع إلا لجناية منه على العين. وقد حكى في البحر الاجماع على ذلك. وتأول ما حكى عن الحسن البصري أن الوديع لا يضمن إلا بشرط الضمان بأن ذلك محمول على ضمان التفريط لا الجناية المتعمدة، والوجه في تضمينه الجناية أنه صار بها خائنا، والخائن ضامن لقوله ﷺ " ولا على المستودع غير المغل ضمان " والمغل هو الخائن. وهكذا يضمن الوديع إذا وقع منه تعد في حفظ العين لانه نوع من الخيانة. وقد استدل القائلون بالضمان بحديث الحسن البصري عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " زاد أبو داود والترمذي: قال قتادة ثم نسى الحسن فقال: هو أمينك لا ضمان عليه قال المقبلى في المنار: يستدلون بهذا الحيث على التضمين ولا أراه صريحا، لان اليد الامينة أيضا عليها ما أخذت حتى ترد، والا فليست بأمينة ومستخبر عن سر ليلى تركته * بعمياء من ليلى بغير يقين يقولون خبرنا فأنت أمينها * وما أنا ان خبرتهم بأمين إنما كلامنا هل يضمنها لو تلفت بغير جناية، وليس الفرق بين المضمون

стр. 620

وغير المضمون إلا هذا. وأما الحفظ فمشترك، وهو الذى تفيده " على " فعلى هذا لم ينس الحسن كما زعم قتادة حين قال " هو أمينك لا ضمان عليه " بعد رواية الحديث. اه قال الشوكاني " ولا يخفى عليك ما في هذا الكلام من قلة الجدوى وعدم الفائدة، وبيان ذلك أن قوله " لان اليد الامينة عليها ما أخذت حتى ترد، والا فليست بيد أمينة " يقتضى الملازمة بين عدم الرضا وعدم الامانة، فيكون تلف الوديعة والعارية بأى وجه من الوجوه قبل الرد مقتضيا لخروج الامين عن كونه أمينا وهو ممنوع، فان المقتضى لذلك انما هو التلف بجناية أو خيانه، ولا نزاع في أن ذلك موجب للضمان، إنما النزاع في تلف لا يصير به الامين خارجا عن كونه أمينا كالتلف بأمر لا يطاق دفعه، أو بسبب سهو أو نسيان أو بآفة سماويه أو سرقة، أو ضياع بلا تفريط، فانه يوجد التلف في هذه الامور مع بقاء الامانة " انتهى. والمقتضى الذى يتوقف عليه فهم الحديث هو الامر المقدور عليه وهو الضمان أو الحفظ، وكل منهما صالح للتقدير ولا يقدران معا، لما تقرر من أن المقتضى لا عموم له، فمن قدر الضمان أوجبه على الوديع والمستعير، ومن قدر الحفظ أوجبه عليهما ولم يوجب الضمان إذا وقع التلف مع الحفظ المعتبر، وبهذا تعرف أن التأدية لغير التالف ليس على ما ينبغى وأما مخالفة رأى الحسن لروايته فقد تقرر في الاصول أن العمل بالرواية لا بالرأى، لاسيما إذا تعززت الرواية بعمل الصحابة رضوان الله عليهم ورأيهم وفى مقدمتهم أبو بكر وعمر وعلى وابن مسعود وجابر وممن قال بأن الوديعة أمانة لا يترتب على تلفها ضمان من الوديع إذا لم يفرط شريح والنخعي ومالك وأبو الزناد والثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأى وأحمد، وعن أحمد رواية أخرى " ان ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها لما روى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله، وأصحاب أحمد يرجحون قول الجمهور على هذا القول

стр. 621

دليلنا: أن الله تعالى سماها أمانة والضمان ينافى الامانة، وحديث عمرو بن شعيب وغيره وعمل الصحابة ومن ذكرنا من أئمة أهل العلم، ولان المستودع إنما يحفظها لصاحبها متبرعا من غير نفع يعود عليه فلو لزمه الضمان لامتنع الناس من قبول الودائع، وذلك مضر لما بيناه من الحاجة إليها، وما روى عن عمر محمول على التفريط من أنس في حفظها، فلا ينافى ما ذكرنا. (فرع) إذا شرط رب الوديعة على المستودع ضمان الوديعة فقبله أو قال: أنا ضامن لها لم يضمن، وبهذا قال الشافعي والثوري وإسحاق وابن المنذر، وقال أحمد: إذا قال: أنا ضامن لها فسرقت لا شئ عليه، وكذلك كل ما أصله الامانة كالمضاربة ومال الشركة والرهن والوكاله. دليلنا: أنه شرط ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه فلم يلزمه، كما لو شرط ضمان ما يتلف في يد مالكه، لانه أقامه مقام نفسه وكالمضمون لا يصير أمانة بالشرط (فرع) إذا ولدت الوديعة من دابة أو سائمة أو رقيق ولدا، كان ما ولدته أمانة، لانه لا سبب منه ولا من أمه يوجب الضمان، وهل يجوز له إمساكه، باعتبار أنه قدر زاد عن قدر ما أودع عنده؟ فيه وجهان: (أحدهما) لا يجوز، بل يجب أن يعلم صاحبه، كما لو ألقت الريح ثوبا في داره (والثانى) يجوز إمساكه، لان إيداع الام إيداع لما يحدث منها وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فصل) ومن قبل الوديعة نظرت، فإن لم يعين المودع الحرز لزمه حفظها في حرز مثلها، فإن أخر إحرازها فتلفت لزمه الضمان، لانه ترك الحفظ من غير عذر فضمنها، فإن وضعها في حرز دون حرز مثلها ضمن، لان الايداع يقتضى الحفظ، فإذا أطلق حمل على التعارف، وهو حرز المثل، فإذا تركها فيما دون حرز مثلها فقد فرط فلزمه الضمان، وإن وضعها في حرز فوق حرز مثلها لم يضمن لان من رضى بحرز المثل رضى بما فوقه، فإن قال: لا تقفل عليه فأقفل عليه، أو قال: لا تقفل عليه قفلين، فأقفل قفلين، أو قال: لا ترقد عليه فرقد عليه

стр. 622

فالمذهب أنه لا يضمن، لانه زاده في الحرز، ومن أصحابنا من قال: يضمن، لانه نبه اللص عليه وأغراه به. (فصل) وان عين له الحرز فقال احفظها في هذا البيت فنقلها إلى ما دونه ضمن لان من رضى حرزا لم يرض بما دونه وإن نقلها إلى مثله أو إلى ما هو أحرز منه لم يضمن، لان من رضى حرزا رضى مثله وما هو أحرز منه، وإن قال له احفظها في هذا البيت ولا تنقلها فنقلها إلى ما دونه ضمن، لانه لم يرض بما دونه وإن نقلها إلى مثلها أو إلى ما هو أحرز منه فَفِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَا يضمن لانه جعله في مثله، فأشبه إذا لم ينهه عن النقل. وقال أبو إسحاق: يضمن لانه نهاه عن النقل فضمنه بالنقل، فإن خاف عليه في الحرز المعين من نهب أو حريق نظرت، فإن كان النهى مطلقا لزمه النقل ولا يضمن، لان النهى عن النقل للاحتياط في حفظها، والاحتياط في هذا الحال أن تنقل، فلزمه النقل، فإن لم ينقلها حتى تلفت ضمنها لانه فرط في الترك وإن قال: له لا تنقل وإن خفت عليها الهلاك فنقلها لم يضمن، لانه زاده خيرا وان تركها حتى تلفت ففيه وجهان. قال أبو العباس وأبو إسحاق: لا يضمن، لان نهيه مع خوف الهلاك أبرأ من الضمان وقال أبو سعيد الاصطخرى: يضمن لان نهيه عن النقل مع خوف الهلاك لا حكم له، لانه خلاف الشرع، فيصير كما لو لم ينهه، والاول أظهر، لان الضمان يجب لحقه فسقط بقوله: وان خالف الشرع كما لو قال لغيره: اقطع يدى أو أتلف مالى. (الشرح) قوله: الحرز المكان الذى يحفظ فيه والجمع أحراز مثل حمل وأحمال، وأحرزت المتاع جعلته في الحرز، ويقال: حرز حريز للتأكيد، كما يقال: حصن حصين واحترز من كذا أي تحفظ وتحرز مثله، ومنه قولهم: أحرز قصب السبق، إذا سبق إليها فضمها دون غيره. أما الاحكام فإن الوديع إذا لم يعين له رب الوديعة المكان الذى يحفظها فيه، عليه أن يجتهد في حفظها بما يحفظ به مثلها، فإذا اشترط عليه أن يحفظها في

стр. 623

صفائح وكانت زيتا أو سمنا فحفظها في زجاج ابتغاء حفظها من الرشح فكسرت القنائن كان عليه ضمانها لانه خالف مالكها، فإذا أمره أن يحفظها في زجاج فكسرت القنائن فلا ضمان عليه فإذا خالفه وحفظها في براميل أو صفائح لا ينقص منها كيلها ولا وزنها فقد زاد خيرا بهذه المخالفة وكان على أمانته، فلو أمره أن يحفظها في حرز من الجلد فحفظها في قماش ضمن. فإذا أمره أن لا يقفل عليها فأقفل عليها، أو أمره أن لا يقفل قفلين فأقفل قفلين، أو قال لا ترقد عليها فرقد عليها فظاهر المذهب عدم الضمان لانها أمور تزيد في وسائل الحفظ، وقوة الحرز. ومن أصحابنا من قال: يضمن، لانه بكثرة احتياطه أو نومه على الصندوق أو شدة اهتمامه يشد انتباه اللصوص إليه. وقال أصحاب أحمد: إذا بالغ في حفظها من غير حاجة ضمن. (فرع) فإذا عين له الحرز فان نقلها إلى ما دونه - أعنى أقل كفاءة في الحفظ - ضمن، فإذا نقلها إلى حرز مثل الذى عينه أو أعلا كفاءة وحفظا؟ ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى سعيد الاصطخرى: لا يضمن لانه لا فرق بين الحرزين فكان كأن لم ينقلها، أو كأن ربها لم يعينه، أو لم ينهه عن غير ما عينه. والثانى وهو قول أبى اسحاق المروزى. يضمن، لانه نهاه عن النقل فإذا خالف انتقل من الائتمان إلى الضمان. (فرع) إذا كان الحرز الذى عينه المودع معرضا لخطر الحريق أو السرقة أو كانت رطوبة الارض تنلفه نظرت فان كان نهيه مطلقا بأن قال. لا تنقلها من هنا لزمه مخالفته، لان النهى أريد به التنبيه والاحتياط لحفظها، فان لم ينقلها حتى تلفت ضمنها لتفريطه بتركها معرضة للتلف. (فرع) إذا قال له لا تنقلها وان خفت عليها الهلاك، فخاف عليها الهلاك ونقلها لم يضمن بالمخالفة لانه زاده خيرا، أما إذا لم ينقلها فتلفت فَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ. لا يضمن لان نهيه مع خوف الهلاك أبرأه من الضمان. قال أبو سعيد الاصطخرى: عليه الضمان، لان هذا النهى يتعارض مع

стр. 624

مسئولية الامين في الاجتهاد وعدم التفريط شرعا، فلا حكم للنهى وكأنه لم يكن وقد رجح الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الاول لانه بهذه الصورة من النهى قد أهدر حقه في الضمان وإن خالف الشرع، كما لو أمر غيره بقطع يده أو إتلاف ماله فإنه لا ضمان له، وإن أثم الفاعل، وبهذا قال الحنابلة قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) فإن أودعه شيئا فربطه في كمه لم يضمن، فإن تركه في كمه ولم يربطه نظرت، فإن كان خفيفا إذا سقط لم يعلم به ضمنه، لانه مفرط في حفظه وإن كان ثقيلا إذا سقط علم به لم يضمن لانه غير مفرط، وان تركه في جيبه فإن كان مزررا أو كان الفتح ضيقا لم يضمن لانه لا تناله اليد، وان كان واسعا غير مزرر ضمن لان اليد تناله. وان أودعه شيئا فقال: أربطه في كمك فأمسكه في يده فتلف فقد روى المزني أنه لا يضمن، وروى الربيع في الام أنه يضمن، فمن أصحابنا من قال: هو على قولين (أحدهما) لا يضمن، لان اليد أحرز من الكم، لانه قد يسرق من الكم ولا يسرق من اليد (والثانى) أنه يضمن، لان الكم أحرز من اليد، لان اليد حرز مع الذكر دون النسيان والكم حرز مع النسيان والذكر. ومن أصحابنا من قال: ان ربطها في كمه وأمسكها بيده لم يضمن، لان اليد مع الكم أحرز من الكم وان تركها في يده ولم يربطها في كمه ضمن، لان الكم أحرز من اليد، وحمل الروايتين على هذين الحالين. وان أمره أن يحرزها في جيبه فأحرزها في كمه ضمن، لان الجيب أحرز من الكم، لان الكم قد يرسله فيقع منه ولا يقع من الجيب، وان قال احفظها في البيت فشدها في ثوبه وخرج ضمنها، لان البيت أحرز، فان شدها في عضده، فان كان الشد مما يلى أضلاعه لم يضمن، لانه أحرز من البيت، وان كان من الجانب الآخر ضمن، لان البيت أحرز منه، وان دفعها إليه في السوق وقال: احفظها في البيت فقام في الحال ومضى إلى البيت فأحرزها لم يضمن، وان قعد في السوق وتوانى ضمنها لانه حفظها فيما دون البيت.

стр. 625

وان أودعه خاتما وقال: احفظه في البنصر فجعله في الخنصر ضمن، لان الخنصر دون البنصر في الحرز، لان الخاتم في الخنصر أوسع فهى إلى الوقوع اسرع. وان قال اجعله في الخنصر فجعله في البنصر لم يضمن، لان البنصر أحرز لانه أغلظ والخاتم فيه أحفظ. وان قال اجعله في الخنصر فلبسه في البنصر فانكسر ضمن لانه تعدى فيه. (الشرح) هذا الفصل تتلخص أحكامه فيما إذا خالف الوديع المودع وكانت المخالفة من تهاون أو تفريط أو ترتب عليها تلف الوديعة ضمن في كل الصور التى ساقها المصنف، لانه لو قال له اربط الدراهم في كمك فأمسكها بيده فضاعت لارتخاء يده أو انفراج أصابعه بنوم أو غفلة أو نسيان فانه يضمن، لان ضياعها كان بسبب المخالفة. ولو قال له: اربطها في كمك فربطها ولم يحكم ربطها ضمن. ولو قال له: ضعها في كور عمامتك فلم يشد عليها العمامة ضمن وهكذا. والجيب عندهم ما ينفتح على النحر. قال تعالى (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان أراد المودع السفر ووجد صاحبها أو وكيله سلمها إليه، فان لم يجد سلمها إلى الحاكم، لانه لا يمكن منعه من السفر، ولا قدرة على المالك ولا وكيله، فوجب الدفع إلى الحاكم، كما لو حضر من يخطب المرأة والولى غائب، فان الحاكم ينوب عنه في التزويج، فإن سلم إلى الحاكم مع وجود المالك أو وكيله ضمن، لان الحاكم لا ولاية له مع وجود المالك أو وكيله، كما لا ولاية له في تزويج المرأة مع حضور الولى أو وكيله، فان لم يكن حاكم سلمها إلى أمين، لان النبي ﷺ " كانت عنده ودائع فلما أراد الهجرة سلمها إلى أم أيمن واستخلف عليا كرم الله وجهه في ردها، وان سلم إلى أمين مع وجود الحاكم، ففيه وجهان (أحدهما) لا يضمن وهو ظاهر النص، وهو قول أبى اسحاق لانه أمين فأشبه الحاكم (والثانى) يضمن، وهو ظاهر قوله في الرهن. وهو قول أبى سعيد الاصطخرى، لان أمانة الحاكم مقطوع بها، وأمانة الامين غير

стр. 626

مقطوع بها فلا يجوز ترك ما يقطع به بما لا يقطع به كما لا يترك النص للاجتهاد فإن لم يكن أمين لزمه أن يسافر بها، لان السفر في هذه الحال أحوط، فإن وجد المالك أو الحاكم أو الامين فسافر بها ضمن، لان الايداع يقتضى الحفظ في الحرز، وليس السفر من مواضع الحفظ، لانه إما أن يكون مخوفا أو آمنا لا يوثق بأمنه، فلا يجوز مع عدم الضرورة. وأن دفنها ثم سافر نظرت فان كان في موضع لا يد فيه لاحد ضمن، لان ما تتناوله الايدى معرض للاخذ، فان كان في موضع مسكون فان لم يعلم بها أحدا ضمن، لانه ربما أدركته المنية في السفر فلا تصل إلى صاحبها، فإن أعلم بها من لا يسكن في الموضع ضمن، لان ما في البيت انما يكون محفوظا بحافظ، فان أعلم بها من يسكن في الموضع فان كان غير ثقة ضمن، لانه عرضه للاخذ. وإن كان ثقة فهو كما لو استودع ثقة ثم سافر، وقد بينا حكم من استودع ثم سافر (الشرح) أم أيمن هي بركة بنت ثعلبة بن عمرو مَوْلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورثها عن ابيه وهى أم أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وابن حبه، تزوجها زيد بن حارثة بعد أبى أيمن وكان حبشيا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أم أيمن أمي بعد أمي هاجرت بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ عائشة وأسماء وزيد وأسامة، وأدركت المدينة والمسجد يبنى وقد عطشت وهى مهاجرة فنزل لها دلو من السماء فشربت فما ظمئت بعد ذلك أبدا، وكانت تقول ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرضت للعطش في الصوم في الهواجر فما عطشت. والخبر وإن كان شائعا في كتب الفقه، إلا أنه غير موجود في الكتب الستة، وليس في مسند أحمد أو سنن الدارمي أو سنن الدارقطني أو موطأ مالك، وليس في مجمع الزوائد للهيثمي. وليس في أمهات فقه الحديث كنيل الاوطار وسبل السلام، وليس في شئ من كتب تراجم الصحابة كالاستيعاب وسير أعلام النبلاء. وليس في كتب السير الا ما في ابن هشام أن ابن اسحاق قال: بلغني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لما هاجر جعل عليا على الودائع، ولم يذكر شيئا عن أم أيمن رضى الله عنها.

стр. 627

أما الاحكام فانها تشتمل على ما يأتي: (أولا) يجب على الوديع إذا أزمع السفر أن يردها، فان لم يجد ربها فوكيله والا سلمها إلى الحاكم. قال الشافعي في الام " فان كان المستودع حاضرا أو وكيله لم يكن له أن يسافر حتى يردها إليه أو إلى وكيله، أو يأذن له أن يودعها من رأى فان فعل فأودعها من شاء فهلكت ضمن " وقال الشافعي أيضا " إذا استودع الرجل الرجل وديعة وأراد المستودع سفرا فلم يثق بأحد يجعلها عنده فسافر بها برا أو بحرا فهلكت ضمن. وكذلك لو أراد سفرا فجعل الوديعة في بيت مال المسلمين فهلكت ضمن " اه (قلت) وهذا واضح من كلام المصنف أن الحاكم لا ولاية له مع وجود المالك (ثانيا) إذا لم يقدر على ردها أو ايداعها عند الحاكم فقد قال الشافعي " وان كان غائبا فأودعها من يودع ماله ممن يكون أمينا فهلكت لم يضمن، فان أودعها من يودع ماله ممن ليست له أمانة فهلكت ضمن " ثم قال " لانه يجوز أن يوكل بماله غير أمين، ولا يجوز له أن يوكل بأمانته غير أمين. اه (ثالثا) إذا أودعها أمينا مع وجود الحاكم فعلى الوجهين (أحدهما) وهو ظاهر النص الذى أسلفنا نقله لا يضمن، وبه أخذ أبو إسحاق المروزى (والثانى) وهو ظاهر قول الشافعي في الرهن حيث يقول " وإذا أراد العدل الذى عليه الرهن الذى هو غير الراهن والمرتهن رده بلا علة أو لعلة والمرتهن والراهن حاضران فله ذلك وان كانا غائبين أو أحدهما لم يكن له اخراجه من يدى نفسه، فان فعل بغير أمر الحاكم فهلك ضمن، وان جاء الحاكم فان كان له عذر أخرجه من يديه. وذلك أن يبدو له سفر أو يحدث له. وان كان مقيما لشغل أو علة، وان لم يكن له عذر يحبسه ان كان قريبا حتى يقدما أو يوكلا، فان كانا بعيدا لم أر عليه أن يضطره إلى حبسه، وانما هي وكالة وكل بها بلا منفعة له فيها، ويسأله ذلك فان طابت نفسه بحبسه والا أخرجه إلى عدل غيره " اه ولان أمانة الحاكم أمر قطعي وأمانة غيره كالامين أمر ظنى والقطعي مقدم على الظنى، كالنص يرد الاجتهاد

стр. 628

(رابعا) وإن أراد السفر بها وقد نهاه المالك عن ذلك ضمنها لانه مخالف لصاحبها، وإن لم يكن نهاه لكن الطريق مخوف أو البلد الذى يسافر إليه مخوف ضمنها لانه فرط في حفظها، وإن لم يكن كذلك فله السفر بها عند أحمد وأبى حنيفة سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن. وقال الشافعي: إن سافر بها مع القدرة على صاحبها أو وكيله أو الحاكم أو أمين ضمنها لانه يسافر بها من غير ضرورة، أشبه ما لو كان السفر مخوفا. دليلنا: أنه متى سافر بها مع القدرة على مالكها أو نائبه أو الحاكم بغير إذنه فهو مفرط عليه الضمان، لانه يفوت على صاحبها إمكان استرجاعها، ويخاطر بها لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " إنَّ المسافر لعلى قلت إلا ما وقى الله " والقلت الهلاك على ما أسلفنا القول. قال المصنف ﵀: (فصل) وإن حضره الموت فهو بمنزلة من حضره السفر، لانه لا يمكنه الحفظ مع الموت بنفسه: كما لا يمكنه الحفظ مع السفر، وقد بينا حكمه، وإن قال في مرضه: عندي وديعة ووصفها، ولم يوجد ذلك في تركته، فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال أبو إسحاق: لا يضرب المفر له مع الغرماء بقيمتها، لان الوديعة أمانة فلا يضمن بالشك، ومن أصحابنا من قال يضرب المقر له بقيمتها مع الغرماء وهو ظاهر النص، لان الاصل وجوب ردها، فلا يسقط ذلك بالشك. (الشرح) قوله: لا يضرب المقر له. قال ابن بطال: مأخوذ من الضارب الذى يضرب بالقداح، وهو الموكل بها، ومثله الضريب والجمع الضرباء، لانه يضرب مع الغرماء بسهم. أما الاحكام فقد قال المصنف: ان حكم الميت حكم المسافر، وقد مضى في الفصل قبله. أما إذا قال في مرض الموت: عندي وديعة ثم وصفها، فلما مات لم توجد في تركته فقد اختلف فيه أصحابنا، فقد ذهب أبو إسحاق المروزى إلى أنها أمانة لا يجوز أن يسقط الائتمان فيه بالشك، ومن ثم لا يضرب مالكها مع

стр. 629

الغرماء، ومنهم من قال بظاهر النص في مختصر المزني حيث يقول الشافعي " وإذا استودع الرجل الوديعة فمات المستودع وأقر بالوديعة بعينها، أو قامت عليها بينة - وعليه دين يحيط بماله - كانت الوديعة لصاحبها، فإن لم يعرف الوديعة بعينها ببينة تقوم ولا إقرار من الميت، وعرف لها عدد أو قيمة كان صاحب الوديعة كغريم من الغرماء " قلت: وذلك أقيس، لان الله تعالى أمر برد الامانات إلى أهلها، فكان ردها واجبا، ولا يرد الواجب بمجرد الشك. (فرع) إذا أوصى وصيته كتابة وبين فيها وصف الوديعة ووجدت مطابقة لوصفه كانت الوصية بمثابة بينة لصاحبها إذا كان تحريرها مؤرخا في تاريخ قريب من يوم موته، فإن كان في تاريخ بعيد نظرت، فإذا ظهرت احتمالات شرائها من مالكها أو وجدت مبايعة محررة بتاريخ لاحق بطلت الوصيه واعتبرت المبايعة أما إذا وضعها في حرز أو ظرف وكتب عليها اسم صاحبها: فلا تعد هذه الكتابة بينة لمالكها، لانه يحتمل أن يكون الظرف أو الحرز لوديعة قبل هذه، أو كانت وديعة فابتاعها. (فرع) إذا وجد بين أوراق الميت بيان بأن لفلان عندي وديعه لم يلزمه بذلك لجواز أن يكون قد ردها ونسى أن يضرب على ما كتب، أو غير ذلك. (فرع) قال الشافعي: وإذا مات الرجل وعليه دين معروف وقبله وديعة بعينها فإن أبا حنيفه يقول: جميع ما ترك بين الغرماء وصاحب الوديعة بالحصص وكذلك قال ابن أبى ليلى ثم ساق رواية أبى حنيفة عن إبراهيم مثله، ورواية الحجاج بن أرطاة عن عطاء وإبراهيم مثله. (فرع) إذا ترك الوديع الوصية عند الاشراف على الموت - والوصية كما ستأتي إن شاء الله تعالى مفصلة - أن يعلم بها القاضى أو الامين عند عدم وجود القاضى مع ذكر صفاتها إن كانت غائبه، أو الاشارة إليها إن كانت حاضرة مع الامر بردها إلى المالك أو وكيله فورا، وعلى الوديع إذا مرض مرضا مخوفا أن يبادر بردها إلى ربها أو وكيله فان لم يقدر ردها إلى الحاكم العادل إن وجده، أو يوصى بها إلى من ذكرنا، فان لم يكن حاكم ردها إلى أمين، فان لم يفعل ضمنت

стр. 630

في تركته، وكذا لو أوصى بها إلى فاسق ضمن، وقد ذهب السبكى إلى الضمان إذا تلفت بعد الموت لا قبله وكان لم يوص أو يودع كما أسلفنا، وذهب الاسنوى إلى أنه يصير ضامنا بمجرد المرض حتى لو تلفت بآفة سماوية لتفريطه في ردها، ومحل هذا كله عند التمكن منه ان بالرد أو الايداع أو الوصية، أما موت الفجاءة أو الغيلة فلا. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان أودع الوديعة غيره من غير ضرورة ضمنها لان المودع لم يرض بأمانة غيره، فان هلكت عند الثاني جاز لصاحبها أن يضمن الاول، لانه سلم ما لم يكن له تسليمه، وله أن يضمن الثاني، لانه أخذ ما لم يكن له أخذه فان ضمن الثاني نظرت، فان كان قد علم بالحال لم يرجع بما ضمنه على الاول، لانه دخل على أنه يضمن فلم يرجع. فان لم يعلم ففيه وجهان. (أحدهما) أنه يرجع لانه دخل على أنه أمانه. فإذا ضمن رجع على من غره (والثانى) أنه لا يرجع. لانه هلك في يده فاستقر الضمان عليه. فان ضمن الاول. فان قلنا: ان الثاني إذا ضمن يرجع على الاول - لم يرجع الاول عليه وان قلنا انه لا يرجع رجع الاول عليه. فأما إذا استعان بغيره في حملها ووضعها في الحرز. أو سقيها أو علفها. فانه لا يضمن. لان العادة قد جرت بالاستعانة ولانه ما أخرجها عن يده ولا فوض حفظها إلى غيره. (الشرح) قوله: يضمن الاول - من ضمن يضمن بتضعيف الميم لتتعدى إلى مفعولين. ومعناها ألزمه بالضمان. وقال بعض الفقهاء: الضمان مأخوذ من الضم. وهو غلط من جهة الاشتقاق. لان نون الضمان أصلية. وضمنت الشئ كذا جعلته محتويا عليه هكذا ذكر الفيومى في المصباح. (أما الاحكام) فقد قال المزني: قال الشافعي: وإذا أودع الرجل الوديعة فاستودعها غيره ضمن ان تلفت. لان المستودع رضى بأمانته لا أمانة غيره ولم يسلطه على أن يودعها غيره. وكان متعديا ضامنا ان تلفت اه.

стр. 631

(قلت) للايداع لدى غيره صورتان (إحداهما) أن يودعها غيره لغير عذر فعليه الضمان بغير خلاف في المذهب. وهو قول شريح ومالك وأحمد وأصحابه وأبى حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه. وقال ابن أبى ليلى لا ضمان عليه، لان عليه حفظها وإحرازها. وقد أحرزها عند غيره وحفظها به. ولانه يحفظ ماله بإيداعه، فإذا أودعها فقد حفظها بما يحفظ به ماله فلم يضمنها، كما لو حفظها في حرزه. دليلنا أنه خالف المودع فضمنها، كما لو نهاه عن ايداعها، فإنه أمره بحفظها بنفسه ولم يرض لها غيره فإذا ثبت هذا فان له تضمين الاول وليس للاول الرجوع على الثاني لانه دخل معه في العقد على أنه أمين لا ضمان عليه، فان أحب المالك تضمين الثاني كان له ذلك. وقال أبو حنيفة ليس له تضمين الثاني. وهذا هو ظاهر كلام أحمد إذ ذكر الضمان على الاول فقط. دليلنا أنه أخذ ما لم يكن له أخذه، فإذا استعمل المالك حقه وضمنه، فان لم يكن يعلم - أعنى الوديع الثاني - بأن هذه الوديعة ليست لمن أودعها إياه ففى رجوع الثاني على الاول وجهان (أحدهما) أنه يرجع عليه لانه غره ولم يوضح له الامر (والثانى) لا يرجع لانها تلفت في يده فاستقر الضمان عليه، فان قلنا بالوجه الاول برجوع الثاني على الاول فليس للاول أن يرجع عليه. وإن قلنا بالوجه الثاني رجع عليه وإن كان يعلم فلم يغرر به الاول فليس له الرجوع عليه وجها واحدا (فرع) للوديع أن يعين للوديعة إن كانت ماشية من يقوم على رعيها وسقيها، فان كانت تحتاج إلى حمل أو تنظيف أو صيانة فعهد بذلك لمن يقوم به مما جرى العرف ولا يعد هذا إيداعا لغيره وسيأتى مزيد له. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن أودعه دراهم فخلطها بمثلها من ماله ضمن، لان صاحبها لم يرض أن يخلط ماله بمال غيره، فان خلطها بدراهم لصاحب الدراهم ففيه وجهان (أحدهما) لا يضمن، لان الجميع له (والثانى) أنه يضمن وهو الاظهر، لانه

стр. 632

لم يرض أن يكون أحدهما مختلطا بالآخر. وإن أودعه دراهم في كيس مشدود فحله أو خرق ما تحت الشد ضمن ما فيه، لانه هتك الحرز من غير عذر، وإن أودعه دراهم في غير وعاء فأخذ منها درهما ضمن الدرهم لانه تعدى فيه ولا يضمن الباقي لانه لم يتعد فيه، فان رد الدرهم فان كان متميزا بعلامة لم يضمن غيره، وان لم يتميز بعلامة فقد قال الربيع يضمن الجميع، لانه خلط المضمون بغيره فضمن الجميع. والمنصوص أنه لا يضمن الجميع، لان المالك رضى أن يختلط هذا الدرهم بالدراهم فلم يضمن. فان أنفق الدرهم ورد بدله، فان كان متميزا عن الدراهم لم يضمن الدراهم لانها باقية كما كانت، وإن كان غير متميز ضمن الجميع لانه خلط الوديعة بمالا يتميز عنها فضمن الجميع (الشرح) الاحكام: إذا خلط دراهمه بمثلها من دراهمه ضمن عندنا، وبهذا قال الشافعي وأحمد وأصحاب الرأى. وقال مالك: لا يضمن. وقال ابن القاسم من المالكية: إن خلط دراهم بدراهم على وجه الحرز لم يضمن قال في الام: ولو أودعه عشرة دراهم فتعدى منها في درهم فأخرجه فأنفقه ثم أخذه فرده بعينه ثم هلكت الوديعة ضمن الدرهم ولا يضمن التسعة، لانه تعدى بالدرهم ولم يتعد بالتسعة، وكذلك إن كان ثوبا فلبسه ثم رده بعينه ضمنه وقال الربيع: قول الشافعي: إن كان الدرهم الذى أخذه ثم وضع عينه معروفا من الدراهم ضمن عينه ولم يضمن التسعة. وان كان لا يتميز ضمن العشرة. انتهى من الام، ولم أطلع على قول الربيع الذى أشار إليه الشيخ أبو إسحاق قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) فان أودعه دابة فلم يسقها ولم يعلفها حتى ماتت ضمنها، لانها ماتت بسبب تعدى به فضمنها، وان قال لا تسقها ولا تعلفها فلم يسقها ولم يعلفها حتى ماتت ففيه وجهان. قال أبو سعيد الاصطخرى: يضمن لانه لا حكم لنهيه، لانه يجب عليه سقيها وعلفها، فإذا ترك ضمن كما لو لم ينه عن السقى والعلف وقال أبو العباس وأبو إسحاق: لا يضمن. لان الضمان يجب لحق المالك، وقد رضى بإسقاطه.

стр. 633

(الشرح) الاحكام، قال الشافعي في الام: وإذا أودع الرجل الرجل الدابة فأمره بسقيها وعلفها، فأمر بذلك من يسقى دوابه ويعلفها فتلفت من غير جناية لم يضمن، وان كان سقى دوابه في داره فبعث بها خارخا من داره ضمن قال وإذا استودع الرجل الرجل الدابة فلم يأمره بسقيها ولا علفها فحبسها المستودع مدة إذا أتت على مثلها لم تأكل ولم تشرب تلفت فتلفت فهو ضامن. وإن كانت تلفت في مدة قد تقيم الدواب في مثلها ولا تتلف فتلفت لم يضمن ممن تركها. وإذا دفع إليه الدابة. اه (قلت) فإذا أودعه بهيمة فأمره بعلفها وسقيها كان واجبا ذلك لوجهين. (الاول) لحرمة صاحبها (والثانى) لحرمة البهيمة لحديث " دخلت امرأة النار في هرة " وإن لم يأمره بقيت في ذمته حرمة البهيمة، كما لو أطلق ولم يأمره. وبهذا قال أحمد والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه لانه استحفظه اياها ولم يأمره بعلفها والعلف على مالكها، فإذا لم يعلفها كان التفريط من مالكها دليلنا أنه لا يجوز له إتلافها أو التفريط فيها، فإذا أمره بحفظها تضمن الامر علفها وسقيها. فان قدر المستودع على صاحبها أو وكيله طالبه بالانفاق عليها أو يردها عليه أو يأذن له في الانفاق عليها ليرجع به عليه. فإذا عجز عن صاحبها أو وكيله رفع الامر إلى الحاكم، فان وجد لصاحبها مالا أنفق عليها منه، وان لم يجد مالا فعل ما يرى لصاحبها الحظ فيه من اجارتها أو بيع جزء منها فان تعذر عليه، علفها وأشهد على ذلك ليرجع به عليه، فإذا نهاه عن إطعامها لتخمة حاصلة لها فأطعمها فتلفت ضمن بالتعدي والمخالفة لعلمه بعلة النهى. وبهذا قال أحمد وأصحابه. وقال بعضهم يضمن مطلقا. أما إذا نهاه عن إطعام بهيمة سليمة فانه لا يضمن إذا تلفت، وعليه إثم ترك إطعامها، لان الضمان يجب لحق المالك وقد أسقطه، وهو قول أبى العباس ابن سريج وأبى إسحاق المروزى. وقال أبو سعيد الاصطخرى يضمن إذ لا حكم لنهيه عما أوجبه الله من حرمة البهيمه. وقال الزركشي " لو كانت الدابة ملكا لغيره، كأن أودع الولى حيوان

стр. 634

محجوره فيشبه أن نهيه كالعدم. قال الشافعي: وإذا أودع الرجل الرجل شيئا من الحيوان ولم يأمره بالنفقة عليه انبغى له أن يرفعه إلى الحاكم حتى يأمره بالنفقة عليه ويجعله دينا على المستودع، ويوكل الحاكم بالنفقة من يقبضها منه وينفقها غيره لئلا يكون أمين نفسه أو ببيعها، وإن لم يفعل فأنفق عليها فهو متطوع ولا يرجع عليه بشئ، وإذا خاف هلاك الوديعة فحملها إلى موضع آخر فلا يرجع بالكراء على رب الوديعة لانه متطوع. اه قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا أخرج الوديعة من الحرز لمصلحة لها، كإخراج الثياب للتشرير لم يضمن، لان ذلك من مصلحة الوديعة، ومقتضى الايداع فلم يضمن به، وإن اخرجها لينتفع بها ضمنها، لانه تصرف في الوديعة بما ينافى مقتضاها فضمن به. كما لو أحرزها في غير حرزها، فإن كان دابة فأخرجها للسقي والعلف إلى خارج الحرز، فإن كان المنزل ضيقا لم يضمن لانه مضطر إلى الاخراج، وإن كان المنزل واسعا ففيه وجهان (أحدهما) يضمن، وهو المنصوص، وهو قول أبى سعيد الاصطخرى. لانه أخرج الوديعة من حرزها من غير حاجة فضمنها، كما لو أخرجها ليركبها. (والثانى) أنه لا يضمنها. وهو قول أبى إسحاق، لان العادة قد جرت بالسقى والعلف خارج المنزل، وحمل النص عليه إذا كان الخارج غير آمن. وان نوى إخراجها للانتفاع كاللبس والركوب، أو نوى أن لا يردها على صاحبها، ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) وهو قول أبى العباس أنه يضمن كما يضمن اللقطة إذا نوى تملكها (والثانى) وهو قول القاضى أبى حامد المروروذى أنه ان نوى اخراجها للانتفاع بها لم يضمن. وان نوى أن لا يردها ضمن، لان بهذه النية صار ممسكا لها على نفسه، وبالنية الاولى لا يصير ممسكا على نفسه (والثالث) وهو قول أكثر أصحابنا أنه لا يضمن، لان الضمان انما يكون بفعل يوقع في العين، وذلك لم يوجد. (الشرح) الاحكام: هناك بعض الودائع لا تحفظ الا بتعريضها للهواء أو الشمس في بعض الاوقات مع عدم المبالغة حتى لا يحول لونها لتأثير الهواء والشمس

стр. 635

على ألوان النسيج وغيره كما هو مشاهد ومعروف في علم الكيمياء حتى ان الضوء له تأثير على الالوان، فإذا شررها - أي نشرها - بفرض حفظها فتلفت أو حالت ألوانها لم يضمن، وإذا بسط السجاد واستعمله حتى لا يتلف بتخزينه كان له استعمالها استعمالا يحفظها، فان هلكت فلا يضمن لانه إذا أهملها تلفت، ولان ذلك من مصلحتها فلم يضمن وقال بعض أصحابنا: لا يضمن الا إذا تحقق أن السارق دله على الموضع بعض من دخل أولا أو دله عليها وان لم يحدد موضعها، فلو أخرجها ليركبها أو كان ثوبا ليلبسه ضمن، أو نوى أن لا يردها على صاحبها فعلى ثلاثة أوجه: (أحدها) وهو قول ابن سريج أنه يضمن، لانه نوى امتلاكها، كما لو التقط شيئا ونوى امتلاكه (والثانى) وهو قول الشيخ أبى حامد أنه لا يضمن في الانتفاع ويضمن في عدم الرد (والثالث) وهو قول أكثر الاصحاب أنه لا يضمن لان نية الامتلاك لا تؤثر في عين الوديعة قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان أخذت الوديعة منه قهرا لم يضمن لانه غير مفرط في ذلك، وان أكره حتى سلمها ففيه وجهان، بناء على القولين فيمن أكره حتى أكل في الصوم (أحدهما) أنه يضمن، لان فوت الوديعة على صاحبها لدفع الضرر عن نفسه، فأشبه إذا أنفقها على نفسه لخوف التلف من الجوع (والثانى) أنه لا يضمن لانه مكره فأشبه إذا أخذت بغير فعل من جهته (فصل) وان طالبه المودع برد الوديعة فأخر من غير عذر ضمن لانه مفرط، فان أخرها لعذر لم يضمن لانه غير مفرط (فصل) وان تعدى في الوديعة فضمنها ثم ترك التعدي في الوديعة لم يبرأ من الضمان لانه ضمن العين بالعدوان فلم يبرأ بالرد إلى المكان، كما لو غصب من داره شيئا ثم رده إلى الدار، فإن قال المودع أبرأتك من الضمان أو أذنت لك في حفظها ففيه وجهان (أحدهما) يبرأ من الضمان وهو ظاهر النص، لان الضمان يجب لحقه فسقط بإسقاطه (والثانى) لا يبرأ حتى يردها إليه، لان الابراء انما يكون عن حق في الذمه، ولا حق له في الذمة فلم يصح الابراء
следующие страницы →