← Фикх шафии

Фикх шафии · id 1026

تكملة المطيعي على المجموع شرح المهذب - ط السلفية

محمد نجيب المطيعي

Полный текст (3 572 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

(قلت) للايداع لدى غيره صورتان (إحداهما) أن يودعها غيره لغير عذر فعليه الضمان بغير خلاف في المذهب. وهو قول شريح ومالك وأحمد وأصحابه وأبى حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه. وقال ابن أبى ليلى لا ضمان عليه، لان عليه حفظها وإحرازها. وقد أحرزها عند غيره وحفظها به. ولانه يحفظ ماله بإيداعه، فإذا أودعها فقد حفظها بما يحفظ به ماله فلم يضمنها، كما لو حفظها في حرزه. دليلنا أنه خالف المودع فضمنها، كما لو نهاه عن ايداعها، فإنه أمره بحفظها بنفسه ولم يرض لها غيره فإذا ثبت هذا فان له تضمين الاول وليس للاول الرجوع على الثاني لانه دخل معه في العقد على أنه أمين لا ضمان عليه، فان أحب المالك تضمين الثاني كان له ذلك. وقال أبو حنيفة ليس له تضمين الثاني. وهذا هو ظاهر كلام أحمد إذ ذكر الضمان على الاول فقط. دليلنا أنه أخذ ما لم يكن له أخذه، فإذا استعمل المالك حقه وضمنه، فان لم يكن يعلم - أعنى الوديع الثاني - بأن هذه الوديعة ليست لمن أودعها إياه ففى رجوع الثاني على الاول وجهان (أحدهما) أنه يرجع عليه لانه غره ولم يوضح له الامر (والثانى) لا يرجع لانها تلفت في يده فاستقر الضمان عليه، فان قلنا بالوجه الاول برجوع الثاني على الاول فليس للاول أن يرجع عليه. وإن قلنا بالوجه الثاني رجع عليه وإن كان يعلم فلم يغرر به الاول فليس له الرجوع عليه وجها واحدا (فرع) للوديع أن يعين للوديعة إن كانت ماشية من يقوم على رعيها وسقيها، فان كانت تحتاج إلى حمل أو تنظيف أو صيانة فعهد بذلك لمن يقوم به مما جرى العرف ولا يعد هذا إيداعا لغيره وسيأتى مزيد له. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن أودعه دراهم فخلطها بمثلها من ماله ضمن، لان صاحبها لم يرض أن يخلط ماله بمال غيره، فان خلطها بدراهم لصاحب الدراهم ففيه وجهان (أحدهما) لا يضمن، لان الجميع له (والثانى) أنه يضمن وهو الاظهر، لانه

стр. 632

لم يرض أن يكون أحدهما مختلطا بالآخر. وإن أودعه دراهم في كيس مشدود فحله أو خرق ما تحت الشد ضمن ما فيه، لانه هتك الحرز من غير عذر، وإن أودعه دراهم في غير وعاء فأخذ منها درهما ضمن الدرهم لانه تعدى فيه ولا يضمن الباقي لانه لم يتعد فيه، فان رد الدرهم فان كان متميزا بعلامة لم يضمن غيره، وان لم يتميز بعلامة فقد قال الربيع يضمن الجميع، لانه خلط المضمون بغيره فضمن الجميع. والمنصوص أنه لا يضمن الجميع، لان المالك رضى أن يختلط هذا الدرهم بالدراهم فلم يضمن. فان أنفق الدرهم ورد بدله، فان كان متميزا عن الدراهم لم يضمن الدراهم لانها باقية كما كانت، وإن كان غير متميز ضمن الجميع لانه خلط الوديعة بمالا يتميز عنها فضمن الجميع (الشرح) الاحكام: إذا خلط دراهمه بمثلها من دراهمه ضمن عندنا، وبهذا قال الشافعي وأحمد وأصحاب الرأى. وقال مالك: لا يضمن. وقال ابن القاسم من المالكية: إن خلط دراهم بدراهم على وجه الحرز لم يضمن قال في الام: ولو أودعه عشرة دراهم فتعدى منها في درهم فأخرجه فأنفقه ثم أخذه فرده بعينه ثم هلكت الوديعة ضمن الدرهم ولا يضمن التسعة، لانه تعدى بالدرهم ولم يتعد بالتسعة، وكذلك إن كان ثوبا فلبسه ثم رده بعينه ضمنه وقال الربيع: قول الشافعي: إن كان الدرهم الذى أخذه ثم وضع عينه معروفا من الدراهم ضمن عينه ولم يضمن التسعة. وان كان لا يتميز ضمن العشرة. انتهى من الام، ولم أطلع على قول الربيع الذى أشار إليه الشيخ أبو إسحاق قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) فان أودعه دابة فلم يسقها ولم يعلفها حتى ماتت ضمنها، لانها ماتت بسبب تعدى به فضمنها، وان قال لا تسقها ولا تعلفها فلم يسقها ولم يعلفها حتى ماتت ففيه وجهان. قال أبو سعيد الاصطخرى: يضمن لانه لا حكم لنهيه، لانه يجب عليه سقيها وعلفها، فإذا ترك ضمن كما لو لم ينه عن السقى والعلف وقال أبو العباس وأبو إسحاق: لا يضمن. لان الضمان يجب لحق المالك، وقد رضى بإسقاطه.

стр. 633

(الشرح) الاحكام، قال الشافعي في الام: وإذا أودع الرجل الرجل الدابة فأمره بسقيها وعلفها، فأمر بذلك من يسقى دوابه ويعلفها فتلفت من غير جناية لم يضمن، وان كان سقى دوابه في داره فبعث بها خارخا من داره ضمن قال وإذا استودع الرجل الرجل الدابة فلم يأمره بسقيها ولا علفها فحبسها المستودع مدة إذا أتت على مثلها لم تأكل ولم تشرب تلفت فتلفت فهو ضامن. وإن كانت تلفت في مدة قد تقيم الدواب في مثلها ولا تتلف فتلفت لم يضمن ممن تركها. وإذا دفع إليه الدابة. اه (قلت) فإذا أودعه بهيمة فأمره بعلفها وسقيها كان واجبا ذلك لوجهين. (الاول) لحرمة صاحبها (والثانى) لحرمة البهيمة لحديث " دخلت امرأة النار في هرة " وإن لم يأمره بقيت في ذمته حرمة البهيمة، كما لو أطلق ولم يأمره. وبهذا قال أحمد والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه لانه استحفظه اياها ولم يأمره بعلفها والعلف على مالكها، فإذا لم يعلفها كان التفريط من مالكها دليلنا أنه لا يجوز له إتلافها أو التفريط فيها، فإذا أمره بحفظها تضمن الامر علفها وسقيها. فان قدر المستودع على صاحبها أو وكيله طالبه بالانفاق عليها أو يردها عليه أو يأذن له في الانفاق عليها ليرجع به عليه. فإذا عجز عن صاحبها أو وكيله رفع الامر إلى الحاكم، فان وجد لصاحبها مالا أنفق عليها منه، وان لم يجد مالا فعل ما يرى لصاحبها الحظ فيه من اجارتها أو بيع جزء منها فان تعذر عليه، علفها وأشهد على ذلك ليرجع به عليه، فإذا نهاه عن إطعامها لتخمة حاصلة لها فأطعمها فتلفت ضمن بالتعدي والمخالفة لعلمه بعلة النهى. وبهذا قال أحمد وأصحابه. وقال بعضهم يضمن مطلقا. أما إذا نهاه عن إطعام بهيمة سليمة فانه لا يضمن إذا تلفت، وعليه إثم ترك إطعامها، لان الضمان يجب لحق المالك وقد أسقطه، وهو قول أبى العباس ابن سريج وأبى إسحاق المروزى. وقال أبو سعيد الاصطخرى يضمن إذ لا حكم لنهيه عما أوجبه الله من حرمة البهيمه. وقال الزركشي " لو كانت الدابة ملكا لغيره، كأن أودع الولى حيوان

стр. 634

محجوره فيشبه أن نهيه كالعدم. قال الشافعي: وإذا أودع الرجل الرجل شيئا من الحيوان ولم يأمره بالنفقة عليه انبغى له أن يرفعه إلى الحاكم حتى يأمره بالنفقة عليه ويجعله دينا على المستودع، ويوكل الحاكم بالنفقة من يقبضها منه وينفقها غيره لئلا يكون أمين نفسه أو ببيعها، وإن لم يفعل فأنفق عليها فهو متطوع ولا يرجع عليه بشئ، وإذا خاف هلاك الوديعة فحملها إلى موضع آخر فلا يرجع بالكراء على رب الوديعة لانه متطوع. اه قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا أخرج الوديعة من الحرز لمصلحة لها، كإخراج الثياب للتشرير لم يضمن، لان ذلك من مصلحة الوديعة، ومقتضى الايداع فلم يضمن به، وإن اخرجها لينتفع بها ضمنها، لانه تصرف في الوديعة بما ينافى مقتضاها فضمن به. كما لو أحرزها في غير حرزها، فإن كان دابة فأخرجها للسقي والعلف إلى خارج الحرز، فإن كان المنزل ضيقا لم يضمن لانه مضطر إلى الاخراج، وإن كان المنزل واسعا ففيه وجهان (أحدهما) يضمن، وهو المنصوص، وهو قول أبى سعيد الاصطخرى. لانه أخرج الوديعة من حرزها من غير حاجة فضمنها، كما لو أخرجها ليركبها. (والثانى) أنه لا يضمنها. وهو قول أبى إسحاق، لان العادة قد جرت بالسقى والعلف خارج المنزل، وحمل النص عليه إذا كان الخارج غير آمن. وان نوى إخراجها للانتفاع كاللبس والركوب، أو نوى أن لا يردها على صاحبها، ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) وهو قول أبى العباس أنه يضمن كما يضمن اللقطة إذا نوى تملكها (والثانى) وهو قول القاضى أبى حامد المروروذى أنه ان نوى اخراجها للانتفاع بها لم يضمن. وان نوى أن لا يردها ضمن، لان بهذه النية صار ممسكا لها على نفسه، وبالنية الاولى لا يصير ممسكا على نفسه (والثالث) وهو قول أكثر أصحابنا أنه لا يضمن، لان الضمان انما يكون بفعل يوقع في العين، وذلك لم يوجد. (الشرح) الاحكام: هناك بعض الودائع لا تحفظ الا بتعريضها للهواء أو الشمس في بعض الاوقات مع عدم المبالغة حتى لا يحول لونها لتأثير الهواء والشمس

стр. 635

على ألوان النسيج وغيره كما هو مشاهد ومعروف في علم الكيمياء حتى ان الضوء له تأثير على الالوان، فإذا شررها - أي نشرها - بفرض حفظها فتلفت أو حالت ألوانها لم يضمن، وإذا بسط السجاد واستعمله حتى لا يتلف بتخزينه كان له استعمالها استعمالا يحفظها، فان هلكت فلا يضمن لانه إذا أهملها تلفت، ولان ذلك من مصلحتها فلم يضمن وقال بعض أصحابنا: لا يضمن الا إذا تحقق أن السارق دله على الموضع بعض من دخل أولا أو دله عليها وان لم يحدد موضعها، فلو أخرجها ليركبها أو كان ثوبا ليلبسه ضمن، أو نوى أن لا يردها على صاحبها فعلى ثلاثة أوجه: (أحدها) وهو قول ابن سريج أنه يضمن، لانه نوى امتلاكها، كما لو التقط شيئا ونوى امتلاكه (والثانى) وهو قول الشيخ أبى حامد أنه لا يضمن في الانتفاع ويضمن في عدم الرد (والثالث) وهو قول أكثر الاصحاب أنه لا يضمن لان نية الامتلاك لا تؤثر في عين الوديعة قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان أخذت الوديعة منه قهرا لم يضمن لانه غير مفرط في ذلك، وان أكره حتى سلمها ففيه وجهان، بناء على القولين فيمن أكره حتى أكل في الصوم (أحدهما) أنه يضمن، لان فوت الوديعة على صاحبها لدفع الضرر عن نفسه، فأشبه إذا أنفقها على نفسه لخوف التلف من الجوع (والثانى) أنه لا يضمن لانه مكره فأشبه إذا أخذت بغير فعل من جهته (فصل) وان طالبه المودع برد الوديعة فأخر من غير عذر ضمن لانه مفرط، فان أخرها لعذر لم يضمن لانه غير مفرط (فصل) وان تعدى في الوديعة فضمنها ثم ترك التعدي في الوديعة لم يبرأ من الضمان لانه ضمن العين بالعدوان فلم يبرأ بالرد إلى المكان، كما لو غصب من داره شيئا ثم رده إلى الدار، فإن قال المودع أبرأتك من الضمان أو أذنت لك في حفظها ففيه وجهان (أحدهما) يبرأ من الضمان وهو ظاهر النص، لان الضمان يجب لحقه فسقط بإسقاطه (والثانى) لا يبرأ حتى يردها إليه، لان الابراء انما يكون عن حق في الذمه، ولا حق له في الذمة فلم يصح الابراء

стр. 636

(الشرح) الاحكام: فرق المصنف بين الاخذ منه قهرا وتسليمها للظالم قهرا فالاخذ قهرا بدون أن يسلم فيها حتى استطاع الظالم أن ينتزعها لم يضمن، أما إذا أكره على تسليمها فسلمها، فإن للمالك تضمينه على أصح الوجهين إذ لا فرق بين أن يسلمها مجبرا وبين أن يسلمها مختارا، ويرجع الوديع على الظالم بما غرمه كما يرجع المالك أيضا، وعلى الوجه الثاني: ليس للمالك تضمين الوديع، لانه أكره ويرجع المالك على الظالم في كلا الحالين، وهما مبنيان على الوجهين فيمن أكره في الصوم على الاكل. (أحدهما) لا يكون مفطرا (والثانى) يحكم بإفطاره. ويجب على الوديع إنكار الوديعة عن الظالم والامتناع عن اعلامه بها جهده، فإن ترك ذلك مع القدرة ضمن، ويجوز له أن يحلف على ذلك لحفظها، ويجب عليه إذا أمكنته التوريه أن يورى فإن لم يمكنه صرح بغير تورية منكرا لها وكفر عن يمينه (فرع) لا خلاف في وجوب رد الوديعة على مالكها إذا طلبها لقوله تَعَالَى " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلى أهلها " ولقوله ﷺ " أد الامانة إلى من ائتمنك " يعنى عند طلبها، ولانها حق لمالكها لم يتعلق بها حق غيره فلزم أداؤها له كالمغصوب والدين الحال، فإن أمتنع فتلفت ضمنها لانه صار غاصبا لامساكه مال غيره بغير إذنه، أما ان طلبها في وقت لا يمكن دفعها إليه لبعدها أو لمخافة في طريقها أو للعجز عن حملها أو غير ذلك لم يكن متعديا بترك تسليمها لان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فان تلفت لم يضمنها لعدم عدوانه، فإذا قال: أمهلوني حتى أقضى صلاتي أو آكل لانى جائع أو أنام فانى ناعس أو ينهضم عنى الطعام فانى ممتلئ أمهل بقدر ذلك. (فرع) إذا تعدى في الوديعة بأى من أنواع التعدي كجحودها ثم عاد فأقر بها انتقلت يده من الائتمان إلى الضمان ولو زالت أسباب ذلك بالاقرار فانه يبقى على الضمان ولا يبرأ منه الا بالرد وان أقام البينة على تلفها بعد جحودها لم يسقط عنه الضمان، فلو أقام البينة بتلفها قبل جحودها فهل تسمع بينته؟ فيه وجهان. أحدهما: لا تسمع بينته لانه مكذب لها بانكاره الايداع. والثانى: تسمع بينته،

стр. 637

فإذا أبرأه المودع من الضمان، أو أذن له في حفظها بعد ذلك فوجهان. أحدهما وهو ظاهر قول الشافعي: يبرأ من الضمان، لان الضمان وجب لحقه فسقط باسقاطه له. والثانى: لا يبرأ حتى يردها على ربها لان الابراء لا يكون الا عن حق في الذمة فلم يصح. قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) إذا اختلف المودع والمودع فقال أودعتك وديعة وأنكرها المودع فالقول قوله، لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " لَوْ أَنَّ الناس أعطوا بدعاويهم لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه والبينة على من أنكر " ولان الاصل أنه لم يودعه فكان القول قوله. (فصل) وان ادعى أنها تلفت نظرت، فإن ادعى التلف بسبب ظاهر كالنهب والحريق لم يقبل حتى يقيم البينه على وجود النهب والحريق، لان الاصل أن لا نهب ولا حريق، ويمكن إقامة البينة عليها، فلم يقبل قوله من غير بينة فان أقام البينة على ذلك أو ادعى الهلاك بسبب يخفى فالقول قوله مع اليمين أنها هلكت، لان الهلاك يتعذر إقامة البينة عليه، فقبل قوله مع يمينه. (فصل) وإن اختلفا في الرد فالقول قوله مع يمينه، لانه أخذ العين لمنفعة المالك فكان القول في الرد قوله، وإن ادعى عليه أنه أودعه فأنكر الايداع فأقام المودع بينة بالايداع فقال المودع: صدقت البينه أودعتني، ولكنها تلفت أو رددتها لم يقبل قوله، لانه صار خائنا ضامنا فلا يقبل قوله في البراءة بالرد والهلاك، فإن قال: أنا أقيم البينة بالتلف أو الرد ففيه وجهان (أحدهما) أنها تسمع، لانه لو صدقه المدعى ثبتت براءته، فإذا قامت البينه سمعت (والثانى) لا تسمع، لانه كذب البينة بإنكاره الايداع، فأما إذا ادعى عليه أنه أودعه فقال: ماله عندي شئ فأقام البينه بالايداع فقال: صدقت البينه أودعتني، ولكنها تلفت أو رددتها قبل قوله مع اليمين لانه صادق في إنكاره أنه لا شئ عنده، لانها إذا تلفت أو ردها عليه لم يبق له عنده شئ والله أعلم.

стр. 638

(الشرح) الحديث سبق وسبق تخريجه. اما الاحكام: فإنه إذا ادعى عليه أنه أودعه وديعة فقال: مالك عندي شئ أو لا تستحق على شيئا فالقول قوله. فإذا أقام المالك البينة فأقر الوديع قائلا: صدقت بالبينه ولكنها تلفت، أو قال: ولكني رددتها اليك لم يقبل قوله، لانه خان بجحوده، فلا يقبل قوله في التلف أو الرد. وقد جمع الاستاذ محمد الخضراوي من فقهائنا المعاصرين عناصر ذات فائدة في أحكام دعوى الرد على المالك أو وارثه، قال أثابه الله: وإذا ادعى الوديع رد الوديعة على من ائتمنه من مالك وحاكم وولى ووصى وقيم، صدق بيمينه، وإن أشهد عليه بها عند دفعها لانه ائتمنه. أما لو ضمنها بتفريط أو عدوان فانه لا يقبل دعواه ردها، ويجرى ما ذكر في كل أمين أو وكيل وشريك وعامل قراض وجاب في رد ما جباه على الذى استأجره للجباية كما قاله ابن الصلاح وأمين ادعى الرد على الوديع إذا أودعه عند سفره، لانه ائتمنه بناء على أن للوديع الاسترداد إذا عاد من سفره، وهو المعتمد بخلاف ما إذا ادعى الرد على المالك فانه لا يصدق لانه لم يأتمنه. ولا يصدق ملتقط الشئ ولا من ألقت عليه الريح ثوبا في الرد إلى المالك، لانه لم يأتمنهما وضابط الذى يصدق بيمينه في الرد هو كل أمين ادعى الرد على من ائتمنه الا المرتهن والمستأجر فانهما يصدقان في التلف لا في الرد، لانهما أخذا العين لغرض أنفسهما. قال ابن القاص وغيره: كل مال تلف في يد أمين من غير تعد لا ضمان عليه الا فيما إذا استسلف السلطان لحاجة المساكين زكاة قبل حلولها، فتلفت في يده، فيضمنها لهم. وإذا ادعى الوديع الرد على غير من ائتمنه كوارث المالك، أو ادعى وارث الوديع الرد للوديع منه لا من مورثه على المالك أو أودع عند سفره أمينا فادعى الامين الرد على المالك طولب كل من ذكر ببينة بالرد على من ذكر، إذ الاصل عدم الرد ولم يأتمنه. أما إذا ادعى الوارث الرد من مورثه فانه يصدق بيمينه، وصرح به البغوي

стр. 639

وقال الرافعى وهو الوجه، لان الاصل عدم حصولها في يده. وقال ابن أبى الدم انه الاصح، وخالف في ذلك المتولي وقال: يطالب بالبينة. ولو تنازع الوديعة بأن ادعى كل منهما أنه ملكه، فصدق الوديع أحدهما بعينه فللآخر تحليفه، فان حلف سقطت دعوى الآخر، وان نكل حلف الآخر وغرم له الوديع القيمة، وان صدقهما فاليد لهما والخصومة بينهما، وان قال: هي لاحدكما ونسيته، وكذباه في النسيان ضمن كالغاصب، والغاصب إذا قال: المغصوب لاحدكما وأنسيته، فحلف أحدهما على البت أنه لم يغصبه تعين المغصوب للآخر بلا يمين. ولو ادعى الوارث علم الوديع بموت المالك، وطلب منه الوديعة فله تحليفه على نفى العلم بذلك، فان نكل الوارث وأخذها، وان قال الوديع: حبستها عندي لانظر هل أوصى بها مالكها أم لا؟ فهو متعد ضامن. (مسألة) سئل الشيخ عز الدين عن رجل تحت يده وديعه ولم يعرف صاحبها وأيس من معرفته بعد البحث التام فقال: يصرفها في أهم مصالح المسلمين ويقدم اهل الضرورة ومسيس الحاجة، ولا يبنى بها مسجدا، ولا يصرفها الا فيما يجب على الامام العادل صرفها فيه، وان جهله فليسأل أورع العلماء بالمصالح الواجبة التقديم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 640

كتاب العاريّة العارية بتشديد الياء. يقال تعاوروا الشئ واعتوروه تداولوه. والعارية منه. والاصل فعلية بفتح العين. قال الازهرى: نسبة إلى العارة وهم اسم من الاعارة. يقال أعرته الشئ إعارة وعارة، مثل أطعته إطاعة وطاعه، وأجبته إجابه وجابه. وقال الليث: سميت عاريه لانها عار على طالبها، وقال الجوهرى مثلة. وبعضهم يقول مأخوذة من عار الفرس إذا ذهب من صاحبه لخروجها من يد صاحبها وهما غلط، لان العارية من الواو، لان العرب تقول: هم يتعاورون العوارى ويتعورونها بالواو إذا أعار بعضهم بعضا. والعار وعار الفرس من الياء فالصحيح ما قال الازهرى، وقد تخفف العارية في الشعر والجمع العوارى بالتخفيف وبالتشديد على الاصل، واستعرت منه الشئ فأعارنيه. والفقهاء يذهبون دائما إلى الاخذ بقول الجوهرى قال ابن قدامة: العارية إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال مشتقة من عار الشئ إذا جاء. ومنه قيل للبطال عيار لتردده في بطالته. اه وهو كما أوضحنا خطأ لانه من مادة أخرى، وقال ابن بطال: ومنه سميت العير لذهابها وعودتها، وهو خطأ كما قلنا، وقال ابن الاثير مثله قال المصنف رحمه الله تعالى: الاعارة قربة مندوب إليها لقوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى " وروى جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ صاحب إبل لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت بقاع قرقر تشتد عليه بقوائمها وأخفافها، قال رجل يا رسول الله ما حق الابل؟ قال حلبها على الماء وإعارة دلوها وإعارة فحلها " (فصل) ولا تصح الاعارة إلا من جائز التصرف في المال، فأما من لا يملك التصرف في المال كالصبى والسفيه فلا تصح منه لانه تصرف في المال فلا يملكه الصبى والسفيه كالبيع

стр. 641

(فصل) وتصح الاعارة في كل عين ينتفع بها مع بقائها، كالدور والعقار والعبيد والجوارى والثياب والدواب والفحل للضراب، لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكر إعارة دلوها وإعارة فحلها. وروى أَنَسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ استعار من أبى طلحة فرسا فركبه " وروى صفوان " أن النبي ﷺ استعار منه أدرعا غزاة حنين " فثبت في هذه الاشياء بالخبر وقسنا عليها كل ما كان ينتفع به مع بقاء عينه (الشرح) الاصل في العارية الكتاب والسنه والاجماع أما الكتاب فقوله تعالى (ويمنعون الماعون) روى عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: العوارى. وفسرها ابن مسعود فقال: القدر والميزان والدلو، وقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) وأما السنة فما رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال في خطبة الوداع " العارية مؤداة والدين مقضى والمنحه مردودة والزعيم غارم " أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، وروى صفوان بن أميه أن النبي ﷺ استعار منه أدراعا يوم حنين فقال: أغصبا يا محمد؟ قال " بل عاريه مضمونه " رواه أبو داود وأحمد والنسائي والحاكم وأورد له شاهدا من حديث ابن عباس، ولفظه " بل عاريه مؤداة " وفى روايه لابي داود " ان الادراع كانت ما بين الثلاثين إلى الاربعين " ورواه البيهقى عن أميه بن صفوان مرسلا، وبين أن الادراع كانت ثمانين، ورواه الحاكم من حديث جابر بن عبد الله، وذكر أنها مائة درع، وأعل ابن حزم وابن القطان طرق هذا الحديث، قال ابن حزم: أحسن ما فيها حديث يعلى ابن أميه وقد سقناه في الوكالة أما حديث جابر في الفصل فقد رواه أحمد ومسلم، فقد استوفى الكلام عليه الامام النووي في كتاب الزكاة من المجموع وأما الاجماع فقد انعقد من الامه كلها على أن العارية مندوب إليها لانها من القربات

стр. 642

وأما القياس فلانه لما جازت الهبة بالاعيان جازت الهبة بالمنافع. ولذلك صحت الوصية بالاعيان والمنافع جميعا، ولانه سبحانه قال " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس " والعارية من المعروف، وقال " وتعاونوا على البر والتقوى " والعارية من البر، والماعون والماعون كان متعارفا عليه في الجاهلية بأنه كل ما فيه منفعه من قليل أو كثير قال الاعشى: بأجود منه بما عونه * إذا ما سماؤهم لم تغمأ وفى الاسلام الطاعة والزكاة والمعروف وأنشدوا للراعي: أخليفة الرحمن إنا معشر * حنفاء نسجد بكرة وأصيلا عرب نرى لله في أموالنا * حق الزكاة منزلا تنزيلا قوم على الاسلام لما يمنعوا * ما عونهم ويضيعوا التهليلا أما الاحكام فإن العارية تفتقر إلى ثلاثة أشياء: معير ومستعير ومعار، فالمعير وهو كل من كان مالكا مطلق التصرف جاز أن يكون معيرا، ولا يجوز من غير مالك ولا ممنوع من التصرف. وأما المستعير فكل من صح منه قبول الهبة صح منه طلب العارية لانها نوع من الهبة. وأما المعار فهو كل مملوك صح الانتفاع به مع بقاء عينه، ولا يصح فيما لا ينتفع به مع بقاء عينه كالمأكولات، لاختصاص العارية بالمنافع دون الرقاب. فأما الفضه والذهب فتنقسم ثلاثة أقسام: قسم يجوز إعارته واجارته وهو الحلى لاباحة الانتفاع به مع بقاء عينه، وقسم لا تجوز اعارته ولا اجارته، وهو الاواني المحظور الانتفاع بها مع بقاء عينها، وقسم تجوز اعارته، وفى جواز اجارته وجهان وهو الدراهم والدنانير، لان في التجمل بهما نفعا، والفرق بين العارية والاجارة وان اختصا بملك المنفعة أن حكم العارية أوسع من حكم الاجارة، لانه يجوز أن يستعير فحل ضراب ولا يجوز أن يستأجره والحيوان على أربعة أقسام: أحدها ما يجوز اعارته واجارته، وهو كل ما يقتنى المنفعة، كالدواب للانتفاع بظهورها والجوارح المنتفع بصيدها،

стр. 643

والثانى: ما لا يجوز إعارته ولا إجارته، وهو نوعان (أحدهما) ما كان محرما. (والثانى) ما كانت منفعته عينا، فأما المحرم الانتفاع به فالسباع والذئاب والكلاب غير المعلمة، فلا يجوز أن تعار ولا أن يؤاجر، وأما ما كانت منفعته عينا فذات الدر من المواشى كالغنم فلا يجوز أن تعار ولا تؤاجر لاختصاص العارية والاجارة بالمنافع دون الاعيان، ولكن يجوز أن تمنح قال الشافعي: والمنحة أن يدفع الرجل ناقته أو شاته إلى رجل ليحلبها ثم يردها فيكون اللبن ممنوحا. وروى الشافعي عن مالك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هريرة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : المنحة أفضل الصدقة تغدو بأجر وتروح بأجر. والقسم الثالث ما تجوز إعارته ولا تجوز إجارته كالفحول إذ إجارتها ثمن لعسبها، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن ثمن عسب الفحل والقسم الرابع ما تجوز إعارته، وفى جواز إجارته وجهان، وهو ما انتفع به من كلاب الصيد والفحول لغير العسب، وإذا صحت إعارة البهائم دون إجارتها فعلفها ومؤونتها على المالك دون المستعير والمستأجر، لان ذلك من حقوق الملك، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (فصل) ولا يجوز اعارة جارية ذات جمال لغير ذى رحم محرم، لانه لا يأمن أن يخلو بها فيواقعها، فإن كانت قبيحه أو كبيرة لا تشتهى لم يحرم، لانه يؤمن عليها الفساد، ولا تجوز اعارة العبد المسلم من الكافر، لانه لا يجوز أن يخدمه. ولا تجوز اعارة الصيد من المحرم، لانه لا يجوز له امساكه ولا التصرف فيه. ويكره أن يستعير أحد أبويه للخدمة، لانه يكره أن يستخدمهما فكره استعارتهما لذلك. (فصل) ولا تنعقد الا بإيجاب وقبول لانه ايجاب حق لآدمي فلا يصح الا بالايجاب والقبول كالبيع والاجارة، وتصح بالقول من أحدهما والفعل من الآخر، فإن قال المستعير أعرني فسلمها إليه انعقد، وان قال المعير: أعرتك

стр. 644

فقبضها المستعير انعقد، لانه اباحة للتصرف في ماله، فصح بالقول من احدهما والفعل من الآخر، كإباحة الطعام (الشرح) هذا الفصل فيه من محاسن الاسلام في معاملة السبى، وهو ظاهرة اجتماعية عالمية جاء الاسلام لتصفيتها بالتقرب إلى الله تعالى بفك رقابها. ومن ذلك أن المرء إذا كانت عنده جارية جميلة فإنه لا يجوز اعارتها لخدمه آخر حتى لا يؤدى ذلك إلى اغرائه بأن ينزو عليها، ويسرى هذا الامر على الخادمات اللائى يغشين المنازل في زماننا هذا لاداء بعض الخدمة واعانة ربات البيوت على بعض ما يشق عليهن، فلا يجوز اعارة مثل هؤلاء الخادمات إذا كن جميلات، كما يكره للرجل أن يتحرى أن تكون خادمته ذات جمال، كما لا يجوز للمرء أن يستخدم أباه ولا أن يستعيره لخدمته، وهذا الحكم في شكله الذى سقناه هو الملائم الآن. اه قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وإذا قبض العين ضمنها، لما روى صفوان " أن النبي ﷺ استعار منه أدرعا يوم حنين، فقال أغصبا يا محمد؟ قال بل عارية مضمونة ولانه مال لغيره أخذه لمنفعة نفسه، لا على وجه الوثيقة، فضمنها كالمغصوب فان هلكت نظرت، فان كان مما لا مثل له ففى ضمانها وجهان (أحدهما) يضمنها بأكثر ما كانت قيمتها مِنْ حِينِ الْقَبْضِ إلَى حِينِ التَّلَفِ كَالْمَغْصُوبِ، وتصير الاجزاء تابعة للعين ان سقط ضمانها بالرد سقط ضمان الاجزاء وان وجب ضمانها بالتلف وجب ضمان الاجزاء (والثانى) أنها تضمن بقيمتها يوم التلف وهو الصحيح، لانا لو ألزمناه قيمتها أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ إلَى حِينِ التَّلَفِ أوجبنا ضمان الاجزاء التالفة بالاذن، وهذا لا يجوز، ولهذا لو كانت العين باقية وقد نقصت أجزاؤها بالاستعمال لم يجب ضمانها وان كان مما له مثل. فإن قلنا فيما لا مثل له انه يضمن بأكثر ما كانت قيمته لزمه مثلها، وان قلنا انه يضمن بقيمته يوم التلف ضمنها بقيمتها

стр. 645

واختلف أصحابنا في ولد المستعارة فمنهم من قال: إنه مضمون لانها مضمونة فضمن ولدها كالمغصوبة، ومنهم من قال: لا يضمن: لان الولد لم يدخل في الاعارة فلم يدخل في الضمان، ويخالف المغصوبة، فإن الولد يدخل في الغصب فدخل في الضمان، فإن غصب عينا فأعارها من غيره، ولم يعلم المستعير وتلفت عنده، فضمن المالك المستعير لم يرجع بما غرم على الغاصب، لانه دخل على أنه يضمن العين، وإن ضمنه أجرة المنفعة فهل يرجع على الغاصب؟ فيه قولان، بناء على القولين فيمن غصب طعاما وقدمه إلى غيره. أحدهما: يرجع لانه غره والثانى: لا يرجع، لان المنافع تلفت تحت يده. (الشرح) قال الشافعي رضى الله عنه: العارية كلها مضمونة، الدواب والرقيق والدور والثياب لا فرق بين شئ منها، فمن استعار شيئا فتلف في يده بفعله أو بغير فعله فهو ضامن له، والاشياء لا تخلو أن تكون مضمونة أو غير مضمونة، فما كان منها مضمونا مثل الغصب وما أشبهه فسواء ما ظهر منها هلاكه وما خفى فهو مضمون على الغاصب والمستسلف جنيا فيه أو لم يجنيا أو غير مضمونة مثل الوديعة فسواء ما ظهر هلاكه وما خفى فالقول فيها قول المستودع مع يمينه وخالفنا بعض الناس في العارية فقال: لا يضمن شيئا إلا ما تعدى فيه، فسئل من أين قاله؟ فزعم أن شريحا قاله، وقال: ما حجتكم في تضمينها. قلنا: استعار رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ صفوان فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ " عارية مضمونه مؤداة " قال: أفرأيت إذا قلنا: فان شرط المستعير الضمان ضمن وإن لم يشرطه لم يضمن؟ قلنا: فأنت إذن تترك قولك. قال: وأين؟ قلنا: أليس قولك: إنها غير مضمونة إلا أن يشترط؟ قال: بلى، قلنا: فما تقول في الوديعة إذا اشترط المستودع أنه ضامن أو المضارب؟ قال لا يكون ضامنا، قلنا فما تقول في المستسلف إذا اشترط أنه غير ضامن؟ قال. لا شرط له ويكون ضامنا. قلنا. ويرد الامانة إلى أصلها والمضمون إلى أصله ويبطل الشرط فيهما جميعا؟ قال. نعم، قلنا. وكذلك ينبغى لك أن تقول في العارية، وبذلك شرط النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 646

أنها مضمونة الا لما يلزم. قال. فلم شرط؟ قلنا لجهالة صفوان، لانه كان مشركا لا يعرف الحكم، ولو عرفه ما ضر الشرط إذا كان أصل العارية أنها مضمونة بلا شرط كما لا يضر شرط العهدة وخلاص عقدك في البيع، ولو لم يشترط كان عليه العهدة والخلاص أو الرد، قال. فهل قال هذا أحد؟ قلنا في هذا كفاية، وقد قال أبو هريرة وابن عباس رضى الله عنهما " ان العارية مضمونة " وكان قول أبى هريرة في بعير استعير فتلف. انه مضمون اه. وقال الماوردى في الحاوى: فتمامها بالقبض فقد اتفق الفقهاء على أن ما تلف من أجزائها بالاستعمال غير مضمون على المستعير، واختلفوا في تلف عينها على خمسة مذاهب. (أحدها) وهو مذهب الشافعي أنها مضمونة عليه سواء تلفت بفعل آدمى أو بجائحة سماوية، وبه قال من الصحابة ابن عباس وعائشة وأبو هريرة رضى الله عنهم ومن التابعين عطاء ومن الفقهاء أحمد بن حنبل. (والمذهب الثاني) وهو مذهب أبى حنيفه أنها غير مضمونه عليه الا بالتعدي وبه قال الحسن البصري والنخعي والثوري والاوزاعي. (والثالث) وهو مذهب مالك: ان كان مما يخفى هلاكه ضمن، وان كان مما يظهر لم يضمن. (والرابع) وهو مذهب الشيعة: ان تلفت بالموت لم يضمن، وان تلفت بغيره ضمن. (والخامس) وهو مذهب قتادة وعبيد الله الحسن العنبري وداود: ان شرط ضمانها لزم، وان لم يشترط لم يلزم، واستدلوا على سقوط الضمان بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " ليس على المستعير غير المغل ضمان " وهذا نفى، وبرواية عطاء بن أبى رباح عن صفوان ابن يعلى عن أبيه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين بعيرا وثلاثين درعا فقلت يا رسول الله أعارية مضمونه أو عاريه مؤداة قال: بل مؤداة " قالوا: فقد نفى الضمان عنها فلم يجز أن يتوجه إليها قالوا: ولانه

стр. 647

مستعار تلف بغير تفريط فوجب أن لا يضمنه المستعير قياسا على تلف الاجزاء قالوا: ولان ما لم تكن أجزاؤه مضمونه لم تكن جملته مضمونه كالودائع طردا والغصوب عكسا. دليلنا رواية قتادة عن الحسن عن سمرة عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال " على اليد ما أخذت حتى تؤدى " وهذا تضمين، ثم ساق الماوردى حديث صفوان المار كدليل آخر، فإن قيل: هو محمول على ضمان الرد كالودائع التى هي مضمونة الرد، وليست مضمونة العين، قيل: إطلاق القول يتناول ضمان الاعيان، ولذلك امتنع أن يطلق على الامانات المؤداة حكم الضمان، على أنه روى عنه ﷺ قال " عارية مضمونه مؤداة " وكان الاداء محمولا على الرد والضمان على التلف، ثم يجيب صاحب الحاوى على اعتراضات المخالفين فيقول عن حديث ليس على المستعير غير المغل ضمان: الجواب من وجهين: أحدهما أنه محمول على ضمان الاجزاء التالفه بالاستعمال وهذا وان كان تخصيصا فلما عارضه من الاخبار المخصصة. والثانى: أن المغل في هذا الموضع ليس بمأخوذ من الخيانه والغلول وإنما هو مأخوذ من استغلال الغلة، يقال: هذا غل فهو مغل إذا أخذ الغلة. قال زهير بن أبى سلمى: فتغل لكم مالا تغل لامثالها * قرى بالعراق من قفيز ودرهم فيكون لا ضمان على المستعير غير المستغل أي غير القابض لانه بالقبض يصير مستغلا وهذا صحيح، وأما الجواب عن " عارية مضمونة أو مؤداة؟ " فهو أن معناه عارية مضمونه بالبدل، أو مؤداة العين استعلاما لحكمها هل تؤخذ على طريق البدل والمعاوضة أو على طريق الرد والاداء فأخبر أنها مؤداة العين، لا يملكها الآخذ بالبدل، وأما تلفها بالاستعمال المأذون فيه كالثوب المستعار إذا بلى باللبس لم يضمنه المستعير، والمعنى فيه أنه أتلفه بإذن مالكه فسقط عنه ضمانه، والعارية إذا تلفت بغير إذن مالكها وجب عليه ضمانها، ولو تلف الثياب بغير اللبس المأذون فيه كأن شد فيها متاعا أو حل فيها ترابا ضمن، وعند أحمد في أظهر القولين يجب ضمانها لو بليت باللبس.

стр. 648

(فرع) لا يخلو حال العارية إذا تلفت عن أحد أمرين. اما أن يكون لها مثل أو لا مثل لها، فإن لم يكن لها مثل ضمنها بالقيمه، وفيها وجهان. (أحدهما) يضمن قيمتها يوم التلف ليسقط ضمان الاجزاء التالفه بالاستعمال (والوجه الثاني) أنه يضمن أكثر قيمتها من حين القبض إلى حين التلف كالغصب، وتصير الاجزاء تبعا للجملة، فإن كان للعارية مثل ففى ما يضمنها به وجهان بناء على صفة ضمان مالا مثل له. (أحدهما) يضمنها بالمثل إذا جعل ضمانها في أكثر الاحوال كالغصب (والثانى) يضمنها بالقيمة إذا جعل ضمانها وقت التلف. فأما ما تنتجه العارية من ولد إذا حدث في يد المستعير ففى وجوب ضمانه عليه وجهان، أحدهما: عليه ضمانه لان ولد المضمون مضمون كالمغصوبه، والوجه الثاني: لا ضمان عليه لان معنى الضمان في الام معدوم في الولد بخلاف الغصب لان ولد العارية لا يكون مستعارا، وولد المغصوبة يكون مغصوبا. وأما قول الشافعي في موضع من كتاب الاجارات: ان العارية غير مضمونه الا بالتعدي - وهو ما أشرنا إليه في كتاب الضمان - فليس بقول ثان في سقوط ضمانها كما وهم فيه الربيع، وهو محمول على أحد ثلاثة أوجه، اما على سقوط ضمان الاجرة، أو على سقوط ضمان الاجزاء: أو حكاية عن مذهب غيره كما قال: يجوز نكاح المحرم حكاية عن مذهب غيره وفرع عليه وان لم يعلنه مذهبا لنفسه والله أعلم. هذا وما يتعلق بالغصب في هذا الفصل آت ان شاء الله في الغصب ومن الله التوفيق. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويجوز للمعير أن يرجع في العارية بعد القبض، ويجوز للمستعير أن يرد، لانه اباحة فجاز لكل واحد منهما رده كإباحة الطعام. وإذا فسخ العقد وجب الرد على المستعير، لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ استعار من صفوان بن أمية أدرعا وسلاحا، فقال أعارية مؤداة؟ قال: عارية مؤداة، ويجب ردها إلى المعير أو إلى وكيله، فان ردها إلى المكان

стр. 649

الذى أخذها منه لم يبرأ من الضمان، لان ما وجب رده وجب رده إلى المالك أو إلى وكيله كالمغصوب والمسروق. (فصل) ومن استعار عينا جاز له أن يستوفى منفعتها بنفسه وبوكيله، لان الوكيل نائب عنه، وهل له أن يعير غيره؟ فيه وجهان (أحدهما) يجوز كما يجوز للمستأجر أن يؤجر (والثانى) لا يجوز وهو الصحيح، لانه إباحة فلا يملك بها الاباحة لغيره كإباحة الطعام، ويخالف المستأجر فإنه يملك المنافع. ولهذا يملك أن يأخذ عليه العوض، فملك نقله إلى غيره كالمشترى للطعام والمستعير لا يملك، ولهذا لا يملك أخذ العوض عليه، فلا يملك نقله إلى غيره، كمن قدم إليه الطعام. (فصل) وتجوز الاعارة مطلقا ومعينا، لانه إباحة فجاز مطلقا ومعينا كإباحة الطعام، فإن قال: أعرتك هذه الارض لتنتفع بها، جاز له أن يزرع ويغرس ويبنى، لان الاذن مطلق، وإن استعار للبناء أو للغراس جاز له أن يزرع لان الزرع أقل ضررا من الغراس والبناء فإذا رضى بالبناء والغراس رضى بالزرع ومن أصحابنا من قال: إن استعار للبناء لم يزرع، لان في الزرع ضررا ليس في البناء، وهو أنه يرخى الارض، وإن استعار للزرع لم يغرس ولم يبن، لان الغراس والبناء أكثر ضررا من الزرع فلا يكون الاذن في الزرع إذنا في الغراس والبناء. وإن استعار للحنطة زرع الحنطة وما ضرره ضرر الحنطة، لان الرضا بزراعة الحنطة رضا بزراعة مثله،. وإن استعار للغراس أو البناء ملك ما أذن فيه منهما، وهل يملك الآخر؟ فيه وجهان (أحدهما) أنه يملك الآخر، لان الغراس والبناء يتقاربان في البقاء والتأبيد فكان الاذن في أحدهما إذنا في الآخر (والثانى) أنه لا يجوز، لان في كل واحد منهما ضررا ليس في الآخر، فان ضرر الغراس في باطن الارض أكثر، وضرر البناء في ظاهر الارض أكثر، فلا يملك بالاذن في أحدهما الآخر (الشرح) أما الاحكام فانه إذا طالب المعير بردها كانت ضرورة ردها واجبة على المستعير بخلاف المستأجر، والفرق بينهما أن تسليم المنفعة في الاجارة مستحق

стр. 650

على المؤاجرة فكانت مؤونه الرد عليه، وتسليمها في العارية هبة للمستعير فكانت مؤونة الرد عليه. فإذا استعار دابة ثم ردها إلى اصطبل المعير لم يبرأ من ضمانها حتى يدفعها إلى المعير أو وكيله فيها. وقال أبو حنيفة: يبرأ منها بردها إلى الاصطبل استحسانا لا قياسا وهذا خطأ، لان الاصطبل لو كان كيده لاقتضى أن يكون سارقها من الاصطبل إذا ردها إليه أن يسقط عنه ضمانها كما يسقط بردها إلى يده، وفى بقاء الضمان عليه دليل على أن ليس عودها إلى الاصطبل عودا إلى يده. وقال الحنابلة إن كانت العين باقية فعلى المستعير ردها إلى المعير أو وكيله في قبضها، ويبرأ بذلك من ضمانها. وان ردها إلى من جرت عادته بجريان ذلك على يده كزوجته المتصرفة في ماله ورد الدابة إلى سائسها فقياس المذهب أنه يبرأ (فرع) إذا استعار شيئا فله استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله، لان وكيله نائب عنه ويده كيده، وليس له أن يؤجره لانه لم يملك المنافع فلا يصح أن يملكها غيره، لان المستعير لا يملك العين، وليس للمستعير استعمال المعار الا فيما أذن له فيه، وليس له أن يعيره غيره. وهذا هو الوجه الاصح عندنا، ولا قول غيره عند الحنابلة. والوجه الآخر له ذلك - وهو قول أبى حنيفة - لانه يملكه على حسب ما ملكه فجاز كما للمستأجر أن يؤجر، قال أصحاب الرأى: إذا استعار ثوبا ليلبسه هو فأعطاه غيره فلبسه فهو ضامن، وان لم يسم من يلبسه فلا ضمان عليه. وقال مالك: إذا لم يعمل بها الا الذى كان يعمل بها الذى أعيرها فلا ضمان عليه. ولنا أن العارية اباحة المنفعة فلم يجز أن يبيحها غيره كاباحة الطعام، وفارق الاجارة لانه ملك الانتفاع على كل وجه فملك أن يملكها، وفى العارية لم يملكها انما ملك استيفاءها على وجه ما أذن له فأشبه من أبيح له أكل الطعام، فعلى هذا ان أعار فللمالك الرجوع بأجر المثل، وله أن يطالب من شاء منهما، لان الاول سلط غيره على أخذ مال غيره بغير اذنه. والثانى استوفاه بغير اذنه فان ضمن الاول رجع على الثاني، لان الاستيفاء حصل منه فاستقر الضمان عليه، وان ضمن الثاني لم يرجع على الاول الا أن يكون الثاني لم يعلم بحقيقة الحال فيحتمل

стр. 651

أن يستقر الضمان على الاول لانه غر الثاني. ودفع إليه العين على أنه يستوفى منافعها بغير عوض، وإن تلفت العين في يد الثاني استقر الضمان عليه بكل حال، لانه قبضها على أن تكون مضمونة عليه، فان رجع على الاول رجع الاول على الثاني. وإن رجع على الثاني لم يرجع على أحد على احد القولين والثانى: له أن يرجع، وسيأتى في الغصب إن شاء الله (فرع) تجوز الاعارة مطلقا ومقيدا لانها إباحة فجاز فيها إباحة ذلك كاباحة الطعام، ولان الجهالة إنما تؤثر في العقود اللازمة، فإذا أعاره شيئا مطلقا أبيح له الانتفاع به في كل ما هو مستعد له من الانتفاع به، فإذا أعاره أرضا مطلقا فله أن يزرع فيها ويغرس ويبنى ويفعل فيها كل ما هي معدة له من الانتفاع لان الاذن مطلق، وإن أعاره للغراس أو للبناء فله أن يزرع فيها ما شاء لان ضرره دون ضررهما، فكأنه استوفى بعض ما أذن له فيه، وإن استعارها للزرع لم يغرس ولم يبن، لان ضررهما أكثر، فلم يكن الاذن في القليل إذنا في الكثير. وإن استعارها للغراس أو للبناء ملك المأذون فيه منهما وفى امتلاك الآخر وجهان (أحدهما) يملك الآخر لان الغراس والبناء يتقاربان في البقاء والتأبيد فكان الاذن في أحدهما إذنا في الآخر (والثانى) لا لاختلاف كل منهما. ولان ضررهما مختلف، فان ضرر الغراس في باطن الارض لانتشار العروق فيها، وضرر البناء في ظاهرها فلم يكن الاذن في أحدهما إذنا في الاخر. وإن استعارها لزرع الحنطة فله زرعها وزرع ما هو أقل ضررا منها كالشعير والباقلا والعدس، وله زرع ما ضرره كضرر الحنطه، لان الرضى بزراعة شئ رضى بضرره وما هو دونه، وليس له زرع ما هو أكثر ضررا منه كالذرة والدخن والقطن. لان ضرره أكثر، وحكم إباحة الانتفاع في العارية كحكم الانتفاع في الاجارة فيما له أن يستوفيه، وما يمنع منه. وفى الاجارة مزيد إن شاء الله تعالى. ولما كانت بعض النباتات تجهد الارض مثل القطن، ولذا تحتاج إلى تسميد وسباخ وبعضها يفيد الارض كالفول والبرسيم فانهما يفيدان الارض ويكسبانها

стр. 652

مادة الا زوت. وفى البرسيم ميزة أخرى وهى تمكين الماشية والدواب من التغذى به بربطها عليه فتحدث أنفاسها، وبخاصة أنفاس الغنم، وكذلك أبوالها وأرواثها تسميدا للارض يكسبها قوة ويكمل في التربة بالمواد العضوية من الكفاءة والقوة والخصب مالا يتوفر في الذرة والقمح والقطن التى تضعف خصوبة التربة، فان اختلاف ضرر الارض أو انتفاعها يختلف باختلاف مزروعها. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فصل) وإن أعاره أرضا للغراس أو البناء فغرس وبنى ثم رجع لم يجز أن يغرس ويبنى شيئا آخر، لانه يملك الغراس والبناء بالاذن وقد زال الاذن، فأما ما غرس وبنى فينظر، فان كان قد شرط عليه القلع أجبر على القلع، لقوله ﷺ " الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " ولانه رضى بالتزام الضرر الذى يدخل عليه بالقلع، فإذا قلع لم تلزمه تسوية الارض، لانه لما شرط عليه القلع رضى بما يحصل بالقلع من الحفر، ولانه مأذون فيه فلا يلزمه ضمان ما حصل به من النقص، كاستعمال الثوب لا يلزمه ضمان ما يبلبه منه، وان لم يشرط القلع نظرت، فان لم تنقص قيمة الغراس والبناء بالقلع قلع، لانه يمكن رد العارية فارغة من غير اضرار، فوجب ردها، فان نقصت قيمة الغراس والبناء بالقلع نظرت، فان اختار المستعير القلع كان له ذلك. لانه ملكه فملك نقله فإذا قلعه فهل تلزمه تسوية الارض؟ فيه وجهان (أحدهما) لا تلزمه، لانه لما أعاره مع العلم بأن له أن يقلع، كان ذلك رضا بما يحصل بالقلع من التخريب فلم تلزمه التسويه. كما لو شرط القلع (والثانى) تلزمه لان القلع باختياره، فانه لو امتنع لم يجبر عليه فلزمه تسوية الارض، كما لو أخرب أرض غيره من غير غراس، وان لم يختر القلع نظرت، فان بذل المعير قيمة الغراس والبناء ليأخذه مع الارض أجبر المستعير عليه، لانه رجوع في العارية من غير اضرار، وان ضمن أرش النقص بالقلع أجبر المستعير على القلع، لانه رجوع في العارية من غير إضرار. وان بذل المعير القيمة ليأخذه مع الارض، وبذل المستعير قيمة الارض

стр. 653

ليأخذها مع الغراس قدم المعير، لان الغراس يتبع الارض في البيع فجاز أن يتبعها في التملك، والارض لا تتبع الغراس في البيع فلم تتبعه في التملك، وإن امتنع المعير من بذل القيمة وأرش النقص وبذل المستعير أجرة الارض لم يجبر على القلع لقوله ﷺ " ليس لعرق ظالم حق " وهذا ليس بظالم فوجب أن يكون له حق، ولانه غراس مأذون فيه فلا يجوز الاضرار به في قلعه، وإن لم يبذل المستعير الاجرة ففيه وجهان (أحدهما) لا يقلع لان الاعارة تقتضي الانتفاع من غير ضمان (والثانى) يقلع لان بعد الرجوع لا يجوز الانتفاع بماله من غير أجرة (فصل) وإذا أقررنا الغراس في ملكه فأراد المعير أن يدخل إلى الارض للتفرج أو يستظل بالغراس لم يكن للمستعير منعه، لان الذى استحق المستعير من الارض موضع الغراس. فأما البياض فلا حق للمستعير فيه فجاز للمالك دخوله وإن أراد المستعير دخولها نظرت فإن كان للتفرج والاستراحة لم يجز، لانه قد رجع في الاعارة فلا يجوز دخولها من غير إذن، وإن كان لاصلاح الغراس أو أخذ الثمار ففيه وجهان (أحدهما) لا يملك لان حقه إقرار الغراس والبناء دون ما سواه (والثانى) أنه يملك، وهو الصحيح لان الاذن في الغراس إذن فيه فيما يعود بصلاحه وأخذ ثماره، وإن أراد المعير بيع الارض جاز لانه لا حق فيها لغيره فجاز له بيعها، وإن أراد المستعير بيع الغراس من غير المعير، ففيه وجهان (أحدهما) يجوز لانه ملك له لا حق فيه لغيره (والثانى) لا يجوز لان ملكه غير مستقر، لان للمعير أن يبذل له قيمة الغراس والبناء فيأخذهما، والصحيح هو الاول لان عدم الاستقرار لا يمنع البيع كالشقص المشفوع يجوز للمشترى بيعه، وإن جاز أن ينتزعه الشفيع بالشفعة (الشرح) حديث " المؤمنون عند شروطهم " وكذلك حديث " ليس لعرق ظالم حق " أسلفنا القول فيهما في غير موضع. أما الاحكام فقد قال صاحب الحاوى إذا قبض المستعير الارض للغرس والبناء ثم رجع المعير فان كان رجوعه قبل الغرس منع المستعير من غرسها وبنائها، فإن بنى بعد رجوعه أو غرس كان في حكم الغاصب يؤخذ بقلع الغرس والبناء مع أجرة المثل وتسوية الارض، فإن رجع المعير بعد الغرس والبناء لم يكن له إحداث زيادة في غرسه وبنائه، فإن

стр. 654

أحدث زيادة أجبر على قلعها. فأما ما تقدم من الغرس والبناء قبل الرجوع فللمعير حالتان: إحداهما أن يكون قد شرط على المستعير حين أعاره أن يقلع غرسه وبناءه عند رجوعه فيؤخذ المستعير بقلع ذلك للشرط المتقدم، ولقوله صلى الله عليه " المؤمنون عند شروطهم " ولان رضاه بهذا الشرط التزام منه للضرر الداخل عليه بالقلع فكان هو الضامن لنفسه، ولم يكن مغرورا بغيره. (والحال الثانية) أن لا يشترط المعير على المستعير القلع بعد الرجوع فهذا على ضربين. أحدهما أن يكون قيمة الغرس والبناء مقلوعا كقيمته قائما أو أكثر، فيؤخذ المستعير بالقلع، لان العارية لا تلزم والضرر بالقلع مرتفع. والضرب الثاني: أن يكون قيمته مقلوعا أقل، فإن بذل المعير قيمته قائما أو بذل نقص ما يميز قيمته مقلوعا وقائما منع المستعير من إقراره وخير بين قلعه أو أخذ قيمته أو أرش نقصه، لان ما يخافه من ضرر النقص بالقلع قد زال ببذل القيمة أو الارش، فلو بذل المستعير قيمة الارض وبذل المعير قيمة الغرس كان المعير أحق من المستعير لامرين. (أحدهما) أن الارض أصل والغرس تبع فكان ملك الاصل أقوى. (والثانى) أنه أسبق ملكا، وقيل للمستعير: لا يجوز مع زوال الضرر عنك أن تدخل الضرر على المعير بالترك، فان أخذت القيمة وإلا أجبرت على القلع فإذا قلع فهل تلزمه تسوية الارض بعد القلع أم لا، على وجهين (أحدهما) لا يلزم لانه مأذون فيه، فأشبه بلى الثوب باللبس (والوجه الثاني) يلزمه ذلك لانه قلع باختياره بعد زوال العارية من غير أن يلجأ إليه فصار مأخوذا بنقصه (فرع) إذا امتنع المعير من بذل قيمة الغرس وامتنع المستعير من القلع فقد اختلفوا في حكمه على ثلاثة مذاهب: أحدها وهو قول أبى حنيفه أنه يؤخذ بالقلع سواء كانت مدة العارية مقررة أو مطلقه لحديث " العارية مؤداة ". والثانى وهو قول أبى ابراهيم المزني أنه ان كانت العارية مطلقه تترك وان كانت مقدرة بمدة قلع بعدها، فرقا بين المطلقة والمقيدة. لانه المقصود في اشتراط المدة

стр. 655

والثالث: وهو قول الشافعي أنه يقر ولا يجبر على القلع إذا بذل الاجرة بعد الرجوع في العارية لقوله ﷺ " ليس لعرق ظالم حق " والمستعير ليس بظالم فلم يجز أن يؤخذ بالقلع كالظالم لان العارية إرفاق ومعونة فلو أوجبت الاضرار بالقلع لخرجت عن حكم الارفاق والمعونه إلى حكم العدوان والضرر. (فرع) إذا ثبت أن الغرس والبناء مقر فإقراره مشروط ببذل الاجرة واقامة المعير على المبيع من ترك القيمة، فصار اقراره مستحقا بهذين الشرطين فإن أجاب المعير من بعد إلى بذل القيمة أو امتنع المستعير من بذل الاجرة أجبر على القلع، لانه لا يجوز أن يدخل الضرر على المعير بتفويت الاجارة وما استدام وجب الاقرار ولم يكن للمستعير منع المعير من دخول أرضه: وان كان مستظلا بغرسه وبنائه لان الاجرة مأخوذة على اقرار الغرس والبناء، فأما البياض الذى بين أثنائه فليس بمشغول بملك المستعير فلم يجز منه المعير منه، وان بذلت له الاجرة عليه أن يجيب إلى اجارتها طوعا بمسمى يرضاه فيكون كمن أجر أرضه مختارا، فأما المستعير فهل يستحق دخول الارض ليصل إلى غرسه وبنائه أم لا على وجهين. (أحدهما) لا يستحق الدخول لارض المعير. (والوجه الثاني) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: انه يستحق دخول الارض ليصل إلى غرسه وبنائه في مراعاته ومصلحته، ويجبر المعير على تمكينه لان الاذن بالغرس والبناء اذن به وبمنافعه، فإن مات الغرس وانهدم البناء لم يكن له اعادة بدله الا باستحداث عارية والى ما سبق ذهب الحنابلة. (فرع) وإذا أراد المستعير بيع غرسه وبنائه على غير المعير ففي جوازه وجهان، أحدهما: يجوز، لانه مملوك، وليس للمعير أن يأخذ المشترى بالقلع كما لم يكن له أن يأخذ به المستعير. والوجه الثاني أن بيعه لا يجوز، لان المشترى غير مستعير، وترك ما اشتراه غير مستديم، لان المعير متى بذل القيمه استحق بها أخذ الغرس أو قلعه، وهذان الوجهان من اختلافهم في المستعير هل يجوز له أن يعير؟

стр. 656

(فرع) وللمعير دخول أرضه كيف شاء للتفرج والاستراحة، لان بين الغراس أرضا بيضاء ليست عارية، وليس لصاحب الغرس منع صاحب الارض من غشيانها والله أعلم. قال المصنف ﵀: (فصل) وان حمل السيل طعام رجل إلى أرض آخر فنبت فيها فهل يجبر صاحب الطعام على القلع مجانا، فيه وجهان (أحدهما) لا يجبر لانه غير مفرط في انباته (والثانى) يجبر، وهو الصحيح، لانه شغل ملك غيره بملكه من غير اذن، فأجبر على ازالته كما لو كان في داره شجرة فانتشرت أغصانها في هواء دار غيره. (فصل) وان أعاره أرضا للزراعة فزرعها ثم رجع في العارية قبل أن يدرك الزرع وطالبه بالقلع، ففيه وجهان. أحدهما: أنه كالغراس في التبقية والقلع والارش والثانى: أنه يجبر المعير على التبقية إلى الحصاد بأجرة المثل، لان للزرع وقتا ينتهى إليه، وليس للغراس وقت ينتهى إليه، فلو أجبرناه على التبقية عطلنا عليه أرضه. (فصل) وان أعاره حائطا ليضع عليه أجذاعا فوضعها لم يملك اجباره على قلعها، لانها تراد للبقاء، فلا يجبر على قلعها كالغراس، وان ضمن المعير قيمة الاجذاع ليأخذها، لم يجبر المستعير على قبولها، لان أحد طرفيها في ملكه فلم يجبر على أخذ قيمته، وان تلفت الاجذاع وأراد أن يعيد مثلها على الحائط لم يجز أن يعيد الا باذن، لان الاذن تناول الاول دون غيره، فان انهدم الحائط وبناه بتلك الآلة لم يجز أن يضع الاجذاع على الثاني، لان الاذن تناول الاول ومن أصحابنا من قال: يجوز لان الاعارة اقتضت التأبيد والمذهب الاول. (فصل) وان وجدت أجذاع على الحائط، ولم يعرف سببها، ثم تلفت جاز اعادة مثلها، لان الظاهر أنها بحق ثابت. (الشرح) الاحكام: إذا حمل السيل بذر رجل فنبت في أرض غيره أو نوى فصار غرسا فهو لمالك البذر والنوى لانه نماء ملكه، وهل لصاحب الارض

стр. 657

أن يأخذه المالك بقلعه أم لا؟ على وجهين (أحدهما) له قعله لانه نبت في أرضه بغير اختياره. والوجه الثاني: ليس له قلعه إذا بذلت له الاجارة، لان مالكه غير متعد به وإلى هذا ذهب أحمد وأصحابه، لان قلعه إتلاف للمال على مالكه، ولم يوجد منه تفريط ولا يدوم ضرره فلا يجبر على ذلك. وفرق الحنابلة بين الحب والنوى أي بين الزرع والغرس. وقد صححنا الوجه الاول أنه يجبر على ذلك إذا طالبه رب الارض به، لان ملكه نما في ملك غيره بغير إذنه، فأشبه ما لو انتشرت أغصان شجرته في هواء ملك جاره. وكذلك النوى حيث ينبت شجرا كالزيتون والنخيل ونحوهما فهو لمالك النوى ويجبر على قلعه. وبهذا أخذ الحنابلة وأوجبوا إزالتها قولا واحدا. (فرع) إذا غرس الارض المعارة ثم رجع المعير قبل إدراك الزرع ففى لزوم قلعه وجهان (أحدهما) أنه كالغراس في التبقية والقلع والارش على ما مضى في الفصل قبله (والثانى) يجبر المعير على التبقية إلى الحصاد بأجرة المثل، وذلك لان الزرع يختلف عن الغرس من حيث الزمن فالزرع يحصد في أشهر معلومات. أما الغراس فلا حد له. (فرع) إذا أعار الرجل جاره حائطا ليضع عليه أجذاعا فليس للمعير أن يأخذ المستعير بقطعها بعد الوضع، لان وضع الاجذاع يراد للاستدامة والبقاء وهل يستحق عليه الاجر بعد رجوعه في العارية أم لا؟ على وجهين (أحدهما) يستحقها كما يستحق أجرة أرضه بعد الغرس والبناء، فعلى هذا إن امتنع صاحب الاجذاع من بذلها أخذ بقلعها (والوجه الثاني) وهو أصح: لا أجرة له. والفرق بين الحائط والارض أن الحائط قد يصل مالكه إلى منافعه وإن كانت الاجذاع موضوعة فيه وليس كالارض التى لا يصل مالكها إلى منافعها مع بقاء الغرس والبناء فيها، مع أن العرف لم يمكن بإجارة الحائط وهو جار كما يمكن بإجارة الارض، فلو بذل صاحب الحائط ثمن الاجذاع لصاحبها لم يجبر على قبولها ولا على قلعها بخلاف الغرس والبناء، والفرق بينهما أن الاجذاع إذا حمل أحد طرفيها في حائط المعير والطرف الآخر في حائط المستعير فلم يجبر أن يأخذ

стр. 658

قيمة ما في ملكه، والغرس والبناء كله في أرض المعير فجاز أن يجبر على أخذ قيمة ما في غير ملكه. فلو انهدم الحائط الذى فيه الاجذاع موضوعة فبناه المالك فهل يجوز لصاحب الاجذاع إعادة موضعها بالاذن الاول أم لا، على وجهين (أحدهما) له إعادتها لان العارية أوجبت دوام وضعها، فعلى هذا لو امتنع صاحب الحائط من بنائه كان لصاحب الاجذاع أن يبنيه ليصل إلى حقه من وضع أجذاعه فيه والوجه الثاني: ليس له إعادتها، لان الحائط المأذون فيه لم يبق وهذا غيره ولم يعره مالكه، فعلى هذا لو أراد صاحب الاجذاع أن يبنى الحائط عند امتناع صاحبه من بنائه لم يكن له (فرع) إذا أعاره جذعا ليمسك به حائط فليس له بعد الامساك أن يرجع فيه ما كان الحائط قائما وكان الجذع صحيحا لما فيه من إدخال الضرر على صاحب الحائط بعد إقامته من خوف السقوط وهلاكه. وهل له المطالبة بعد الرجوع بأجرته أم لا، على ما ذكرنا من الوجهين، فإن أنكر الجذع أو انهدم الحائط فله الرجوع به لانه لا يتجدد بأخذه ضرر (فرع) إذا أعار أرضا لدفن ميت فليس له بعد الدفن الرجوع فيها، لان دفن الميت للاستدامة والبقاء شرعا وعرفا، ولو رضى أولياؤه بنقله منعوا منه، لانه حق للميت ولما فيه من انتهاك حرمته بالنقل، وليس لصاحب الارض المطالبة بأجرة القبر بعد الرجوع في العارية وجها واحدا لا يختلف لامرين. (أحدهما) أن العرف غير جار به (والثانى) أن الميت زائل الملك والاولياء لا يلزمهم، فلو أن الميت المدفون نبشه الوحش وجب أن يعاد إلى قبره جبرا وليس لصاحب الارض بعد ظهوره أن يرجع في عاريته ويمنع من دفنه، لانه قد صار حقا للميت مؤبدا، فلو أن رجلا أذن للناس أن يدفنوا أمواتهم في أرضه فإن سبلها للدفن فليس له الرجوع فيها لخروجها عن ملكه، وإن لم يسبلها فله الرجوع فيها، ولا يكون الاذن بالدفن فيها تسبيلا لها. فإذا رجع فله المنع من إحداث دفن، وليس له نقل من دفن، ويحرم على من أعار الارض للدفن أن

стр. 659

يتصرف على ظاهر القبر من أرضه لما فيه من انتهاك حرمة الميت مع ورود النهى عنه فلو أراد أن يدفن فيه ميتا آخر لم يجز إلا أن يتجاوز مكان لحده فيجوز وإن كان مقارنا. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا استعار من رجل عبدا ليرهنه فأعاره ففيه قولان. أحدهما أنه ضمان وأن المالك للرهن ضمن الدين عن الراهن في رقبة عبده، لان العارية ما يستحق به منفعة العين والمنفعة ههنا للمالك، فدل على أنه ضمان. والثانى أنه عارية لانه استعاره ليقضى به حاجته فهو كسائر العوارى فإن قلنا إنه ضمان لم يصح حتى يتعين جنس الدين وقدره ومحله، لانه ضمان فاعتبر فيه العلم بذلك. وإن قلنا إنه عارية لم يفتقر إلى ذلك لانه عاريه فلا يعتبر فيه العلم، فإن عين له جنسا وقدرا ومحلا، تعين على القولين، لان الضمان والعارية يتعينان بالتعيين، فإن خالفه في الجنس لم يصح لانه عقد على ما لم يأذن له فيه، وإن خالفه في المحل بأن أذن له في دين مؤجل فرهنه بدين حال لم يصح. لانه قد لا يجد ما يفك به الرهن في الحال، وان أذن له في دين حال فرهنه بدين مؤجل لم يصح، لانه لا يرضى أن يحال بينه وبين عبده إلى أجل، فإن خالفه في القدر بأن أذن له في الرهن بعشرة فرهن بما دونها جاز، لان من رضى أن يقصى عن غيره عشرة رضى أن يقضى ما دونه، وإن رهنه بخمسة عشر لم يصح، لان من رضى بقضاء عشرة لم يرض بما زاد. (فصل) وإن رهن العبد بإذنه بدين حال جاز للسيد مطالبته بالفكاك على القولين في الحال، لان للمعير أن يرجع في العارية، وللضامن أن يطالب بتخليصه من الضمان، فان رهنه بدين مؤجل بادنه، فان قلنا: انه عاريه جاز له المطالبة بالفكاك، لان للمعير أن يرجع متى شاء. وان قلنا انه ضمان لم يطالب قبل المحل لان الضامن إلى أجل لا يملك المطالبة قبل المحل. (فصل) وان بيع في الدين فان قلنا انه عاريه رجع السيد على الراهن بقيمته لان العارية تضمن بقيمتها. وان قلنا انه ضمان رجع بما بيع به، سواء بيع بقدر

стр. 660

قيمته أو بأقل أو بأكثر، لان الضامن يرجع بما غرم، ولم يغرم إلا ما بيع به. (فصل) وإن تلف العبد فإن قلنا إنه عارية ضمن قيمته، لان العارية مضمونة بالقيمة، وإن قلنا انه ضمان لم يضمن شيئا لانه لم يغرم شيئا. (فصل) وإن استعار رجل من رجلين عبدا فرهنه عند رجل بمائة ثم قضى خمسين على أن تخرج حصة أحدهما من الرهن، ففيه قولان (أحدهما) لا تخرج لانه رهنه بجميع الدين في صفقة فلا ينفك بعضه دون بعض (والثانى) يخرج نصفه لانه لم يأذن كل واحد منهما إلا في رهن نصيبه بخمسين، فلا يصير رهنا بأكثر منه. (الشرح) الاحكام: سبق أن قلنا إن العارية إباحة المنفعة فلم يجز أن يبيحها غيره، ولكن إذا أذن له المعير في إجارتها أو رهنها أو إعارتها مدة معلومة جاز، لان الحق لمالكه فجاز ما أذن فيه. وهل تكون العين مضمونه على المستعير أم تبقى يده على الائتمان؟ قلنا: إن كان ذلك بإذنه لا تكون العين مضمونه، أما إذا خالف المستعير المعير بأن أذن له في رهنها فأعارها ففيه قولان (أحدهما) أنه لا ضمان لان العين قد استعارها للانتفاع بمنفعتها ولقضاء حاجته منها (والثانى) أنه تعدى في منفعة العين على وجه لم يأذن فيه مالكها، وهو الذى يملك المنفعة فدل على أنه ضمان. وقال ابن المنذر: إذا استعار الرجل من الرجل شيئا يرهنه عند رجل على شئ معلوم إلى وقت معلوم فرهن ذلك على ما أذن فيه له فقد أجمعوا على أن ذلك جائز، وذلك لانه استعاره ليقضى به حاجته، فصح كسائر العوارى. فإذا أذن له في رهن العارية، فان مالك العارية يكون مالكا للرهن فيضمن بذلك الدين عن الراهن، فيجب أن يكون المعير عالما بقدر الدين ومحله، فإذا خالفه في أيهما لم يصح لما يترتب عليه من حرج لمالك الرهن وقال أحمد وأبو ثور وأصحاب الرأى: لا يعتبر العلم بقدر الدين وجنسه إلا إذا عينه المستعير من تلقاء نفسه لان العارية لا يعتبر فيها العلم، ولان العارية لجنس من النفع فلم تعتبر معرفة قدره كعارية الارض للزرع. ولنا في هذه المسألة

стр. 661

قولان. وكذلك إذا رهنه بأكثر مما قدره. أو حال بمؤجل أو مؤجل بحال للعلل التى أوضحها المصنف، فإذا رهنه بأقل من القدر الذى عينه جاز، لان من رضى بعشرة رضى بما دونها عرفا، فأشبه من أمر بشراء شئ بثمن فاشتراه بأنقص، وللمعير مطالبة الراهن بفكاك الرهن في حال، سواء كان بدين مؤجل أو حال، لان للمعير الرجوع في العارية متى شاء. وهو أحد القولين عندنا، وقول واحد عند أصحاب أحمد. (فرع) إذا حل الدين فلم يفكه الراهن جاز بيعه لان ذلك مقتضى الرهن، فإذا بيع في الدين أو تلف. فان قلنا: إنه عارية رجع المعير على المستعير بقيمتها لان العارية تضمن بقيمتها، وان تلف من غير تفريط فلا شئ على المرتهن، لان الرهن لا يضمن من غير تعد. وإذا استعار عاريه من رجلين فرهنها بمائة ثم قضى خمسين على أن تخرج حصة أحدهما فقولان (أحدهما) لا تخرج لانه رهنها بجميع الدين في الصفقة فلا ينفك بعضه بقضاء بعض الدين كما لو كان العبد لواحد. وبهذا قال أحمد وأصحابه (والثانى) يخرج نصفه لان كل واحد منهما لم يأذن إلا في رهن نصيبه. وله أن يرجع متى شاء وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (فصل) إذا ركب دابة غيره ثم اختلفا فقال المالك أكريتها فعليك الاجرة وقال الراكب: بل أعرتنيها فلا أجرة لك، فقد قال في العارية: القول قول الراكب. وقال في المزارعة: إذا دفع أرضه إلى رجل فزرعها ثم اختلفا فقال المالك أكريتكها وقال الزارع بل أعرتنيها، فالقول قول المالك: فمن أصحابنا من حمل المسئلتين على ظاهرهما، فقال في الدابة: القول قول الراكب، وقال في الارض القول قول المالك لان العادة أن الدواب تعار، فالظاهر فيها مع الراكب والعادة في الارض أنها تكرى ولا تعار، فالظاهر فيها مع المالك، ومنهم من نقل الجواب في كل واحدة منهما إلى الاخرى وجعلهما على قولين، وهو اختيار المزني (أحدهما) أن القول قول المالك، لان المنافع كالاعيان في الملك والعقد عليها، ثم لو اختلفا في عين فقال المالك بعتكها. وقال الآخر بل وهبتنيها. كان القول قول المالك. فكذلك إذا اختلفا في المنافع

стр. 662

(والثانى) أن القول قول المتصرف، لان المالك أقر بالمنافع له، ومن أقر لغيره بملك ثم ادعى عليه عوضا لم يقبل قوله، فان قلنا: ان القول قول المالك حلف ووجبت له الاجرة وفى قدر الاجرة وجهان. أحدهما: يجب المسمى لانه قبل قوله فيها وحلف عليها. والثانى: أنه تجب أجرة المثل وهو المنصوص لانهما لو اتفقا على الاجرة واختلفا في قدرها وجب أجرة المثل فلان تجب أجرة المثل وقد اختلفا في الاجرة أولى فان نكل عن اليمين لم يرد على المتصرف لان اليمين انما ترد ليستحق بها حق والمتصرف لا يدعى حقا فلم ترد عليه. (وان قلنا) ان القول قول المتصرف حلف وبرئ من الاجرة، فإن نكل رد اليمين على المالك - فإذا حلف - استحق المسمى وجها واحدا لان يمينه بعد النكول كالبينة في أحد القولين وكالاقرار في الآخر وأيهما كان وجب المسمى، وان تلفت الدابة بعد الركوب ثم اختلفا (فإن قلنا) ان القول قول المالك حكم له بالاجرة (وان قلنا) القول قول الراكب، فهل يلزمه أقل الامرين من الاجرة أو القيمه، فيه وجهان، أحدهما يلزمه لاتفاقهما على استحقاقه، والثانى لا يحكم له بشئ لانه لا يدعى القيمة ولا يستحق الاجرة. (فصل) وان قال المالك: غصبتنيها فعليك الاجرة، وقال المتصرف: بل أعرتنيها فلا أجرة على، فان المزني نقل أن القول قول المستعير، واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال المسألة على طريقين كما ذكرنا في المسألة قبلها، أحدهما الفرق بين الارض والدابة، والثانى: أنهما على قولين لان الخلاف في المسئلتين جميعا في وجوب الاجرة، والمالك يدعى وجوبها، والمتصرف ينكر فيجب أن لا يختلفا في الطريقين. ومنهم من قال: ان القول قول المالك، وما نقل المزني غلط، لان في تلك المسألة أقر المالك للمتصرف بملك المنافع، فلا يقبل قوله في دعوى العوض، وههنا اختلفا أن الملك للمالك أو للمتصرف والاصل أنها للمالك. (فصل) وان اختلفا فقال المالك: أعرتكها، وقال الراكب بل أجرتنيها

стр. 663

فالقول قول المالك لانهما اتفقا أن الملك له، واختلفا في صفة انتقال اليد، فكان القول قول المالك، فإن كانت العين باقية حلف وأخذ. وان كانت تالفة نطرت. فان لم تمض مدة لمثلها أجرة حلف واستحق القيمة، وإن مضت مدة لمثلها أجرة فالمالك يدعى القيمة والراكب يقر له بالاجرة، فان كانت القيمة أكثر من الاجرة لم يستحق شيئا حتى يحلف، وإن كانت القيمة مثل الاجرة أو أقل منها، ففيه وجهان. (أحدهما) يستحق من غير يمين، لانهما متفقان على استحقاقه. (والثانى) لا يستحق من غير يمين، لانه أسقط حقه من الاجرة وهو يدعى القيمة بحكم العارية، والراكب منكر، فلم يستحق من غير يمين. (فصل) وإن اختلفا فقال المالك: غصبتنيها فعليك ضمانها وأجرة مثلها وقال الراكب: بل أجرتنيها فلا يلزمنى ضمانها، ولا أجرة مثلها، فالقول قول المالك مع يمينه، لان الاصل أنه ما أجره، فإن اختلفا - وقد تلفت العين - حلف واستحق القيمة، وان بقيت في يد الراكب مدة ثم اختلفا، فإن المالك يدعى أجرة المثل والراكب يقر بالمسمى فان كانت أجرة المثل أكثر من المسمى لم يستحق الزيادة حتى يحلف، وإن لم تكن أكثر استحق من غير يمين، لانهما متفقان على استحقاقه، والله أعلم. (الشرح) الاحكام: قال الشافعي في العارية من الام: ولو قال رب الدابة أكريتها إلى موضع كذا بكذا، وقال الراكب بل عارية كان القول قول الراكب مع يمينه، ولو قال. أعرتنيها، وقال ربها غصبتها كان القول قول المستعير، قال المزني هذا عندي خلاف أصله، لانه يجعل من سكن دار رجل كمن تعدى على سلعة فأتلفها فله قيمة السكن، وقوله من أتلف شيئا ضمن، ومن ادعى البراءة لم يبرأ به، وجملة هذه المسألة أن الكلام يشتمل فيها على أربعة فصول. فالفصل الاول وهو مذكور في الام صورته في رجل ركب دابة غيره ثم اختلفا، فقال المالك أجرتكها فلى الاجرة، وقال الراكب أعرتنيها، فليس لك أجرة، فالذي نص عليه الشافعي في كتاب العارية أن القول قول الراكب، فاختلف أصحابنا

стр. 664

لاختلاف هذا الجواب، فكان أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هريرة وجمهورهم ينقلون جواب كل واحدة من المسألتين إلى الآخر، ويخرجونها على قولين (أحدهما) وهو اختيار المزني والربيع أن القول قول المالك في الدابة والارض على ما نص عليه في المزارعة وله الاجرة، ووجهته ما ذكره المزني، وهو أن المنافع مملوك تصح المعاوضة عليها كالاعيان، ثم ثبت أنهما لو اختلفا في العين بعد استهلاكها، فقال ربها: بعتها عليك، وقال المستهلك. بل وهبتنيها، فان القول قول المالك دون المتلف وله الاجرة. (والقول الثاني) ان القول قول الراكب في الدابة والزارع في الارض معا على ما نص عليه في العارية ولا أجرة عليه، ووجهه أنهما متفقان على أن المتصرف قد استهلك منافع لنفسه إما بعارية أو إجارة، ومن ادعى ثبوت عوض على غيره في استهلاك منافعه لم يقبل منه، وخالف استهلاك العين التى قد اتفقا عليها أنها ملك لربها دون مستهلكها، وفى هذا انفصال عما ذكره المزني توجيها. وقال أبو العباس بن سريج. ليس ذلك على اختلاف قولين وإنما الجواب على ظاهره في الموضعين فيكون القول في الدابة قول راكبها وفى الارض قول مالكها اعتبارا بالعرف فيها، لان العادة في الدواب جارية باعارتها، فكانت العادة شاهدة لراكبها، والعادة جارية في الارض بالاجارة فكانت العادة شاهدة لمالكها، وهذه طريقة أبى العباس في اعتبار العرف والعادة فيها، وليس مذهبا للشافعي لان من يؤجر قد يعير، ومن يعير قد يؤجر. فإذا تقرر ما وصفنا فان قلنا: إن القول قول رب الدابة والارض فمع يمينه فإذا تلف فله الاجرة، وفيها وجهان: (أحدهما) أنه القدر الذى سماه، لانه قد جعل القول قوله فيه. (والوجه الثاني) وهو أصح أن له أجرة المثل لانهما لو اختلفا في الاجرة مع اتفاقهما على الاجارة لم يقبل قول المؤجر فيها، فأولى أن لا يقبل قوله مع اختلافهما فيها، فان نكل المالك عن اليمين لم ترد على المتصرف المستعير، لان ردها لا يفيد، لان الاجرة ساقطه عنه لنكول المالك. وإن قلنا إن القول قول

стр. 665

الراكب مع يمينه، فان حلف برئ من الاجرة ورد الدابة، وإن نكل ردت اليمين على المالك ليستحق بها ما ادعاه من الاجرة، فإذا حلف فله المسمى وجها واحدا، لان يمينه بعد النكول، إما أن تجرى مجرى البينة أو الاقرار وأيهما كان فيوجب الحكم بالمسمى. فلو كانت الدابة قد تلفت بعد الركوب ثم اختلفا فالمالك يدعى الاجرة دون القيمة، والراكب يقر بالقيمة دون الاجرة - فان قلنا: إن القول قول المالك حكم له بالاجرة وحدها دون القيمة لانه لا يدعيها. وإن قلنا: إن القول قول الراكب فهل يلزمه للمالك أقل الامرين من الاجرة أو القيمة؟ على وجهين. (أحدهما) يحكم له به لاتفاقهما على استحقاقه. (والوجه الثاني) لا يحكم له بشئ فيها لانه لا يدعى القيمة ولا يستحق الاجرة والفصل الثاني وهو أن يقول المالك غصبتها ويقول الآخر بل أعرتنيها، فهذا الاختلاف مؤثر في الاجرة دون القيمة، لان العارية مضمونه كالغصب وأجرة العارية غير مضمونه بخلاف الغصب، فان كان هذا قبل الركوب سقط تأثير هذا الاختلاف، وإن كان بعد الركوب فالذي نقله المزني ههنا أن القول قول المستعير فاختلف أصحابنا فكان أبو على بن أبى هريرة يخرجها على قولين كالمسألة الاولى لاشتراكهما في العله، ويجعل قول المزني ههنا أحد القولين. وذهب آخرون من أصحابنا إلى أن القول في هذه المسألة قول المالك قولا واحدا، والفرق بين هذه المسألة والتى قبلها أن في اختلافهما في العارية والاجارة اتفاقا على أن الراكب مالك للمنفعه، فجاز أن لا يقبل قول المالك في الاجرة، ولم يتفقا على مثل ذلك في هذه المسألة، لان المالك يقول: أتلفت أيها الراكب منفعتي بغير حق، والراكب يقول: أتلفتها مستعيرا بحق، فلم يصدق. فمن قال بهذا أجاب عما نقله المزني بجوابين (أحدهما) أن ذلك خطأ من المزني في نقله وسهوه (والثانى) تسليم الراوية واستعمالها على أحد تأويلين إما على: القول قول المستعير في قدر الاجرة، وإما على: أن القول قول المستعير في أن لا يلزمه

стр. 666

الضمان إلا في العارية دون الغصب، وهذا تأويل من فرق بين ضمان العارية وضمان الغصب، فعلى هذا لو تلفت الدابه ضمن قيمتها وكانت الاجرة على ما مضى والفصل الثالث أن يقول رب الدابة: أعرتكها، ويقول الراكب: استأجرتها فتأثير هذا الاختلاف من وجهين. (أحدهما) في ضمان رقبتها، لان العارية مضمونه والمؤاجرة غير مضمونه فان كانت الدابه باقية سقط هذا الاختلاف. (والثانى) لزوم ركوبها تلك المدة، فان كانت الدابه تالفه أو المدة منقضيه سقط تأثير هذا الاختلاف، فيكون القول قول المالك مع يمينه أنه ما أجرها لان الراكب يدعى عليه عقدا في إجارتها، فان كانت الدابه قائمة أخذها ولا أجرة له، لان الراكب وإن أقر بها فالمالك لا يدعيها، وان كانت الدابة تالفه كان له الرجوع على الراكب بقيمتها لانها تالفه في يده وهو يدعى بالاجارة إستئمانا فلم تقبل دعواه، ولزمه غرم القيمه، فان لم يكن لمدة الركوب أجرة لم يكن للمالك القيمة إلا بعد يمينه بالله تعالى أنه ما أجرها ولقد أعارها، إلا أن تنقضي فيحلف بالله تعالى لقد أعارها ولا يحلف ما أجرها لانقضاء زمن الاجارة وإن كان لمدة الركوب أجرة هي بقدر القيمه فصاعدا فهل يجب على المالك يمين يستحق بها القيمة أم لا، على وجهين. (أحدهما) لا يمين عليه، لان الراكب مقر له أجرة، والمالك يدعيها قيمة فصارا متفقين على استحقاقه. وإن اختلفا في جنسه فسقطت اليمين فيه. (والوجه الثاني) عليه اليمين لانه قد أسقط حقه من الاجرة فلم يؤثر إقرار الراكب بها وهو يدعى القيمة. والراكب منكر لها. فإذا حكم له بدعواه لما ذكرنا من التعليل فلا يثبت إلا باليمين. والفصل الرابع: أن يقول المالك غصبتنيها. ويقول الراكب: أجرتنيها، فتأثير هذا الاختلاف من وجهين (أحدهما) في ضمان الرقبة. لان المغصوب مضمون والمؤجر غير مضمون. فان كانت العين باقيه سقط تأثير هذا الاختلاف

стр. 667

والثانى في لزوم المدة، فإن كانت المدة قد انقضت أو الدابة قد هلكت سقط تأثير هذا الاختلاف. وإذا كان كذلك فالقول قول المالك مع يمينه أنه ما أجره ويصير الراكب ضامنا للدابه والاجرة. فيأخذ بالملك من غير يمين الا أن تكون أجرة المثل أكثر من المسمى الذى أقر به الراكب. فلا يستحق الزيادة الا بيمين. وأما القيمة فلا يستحقها الا بيمين. والله أعلم بالصواب. وهو حسبى ونعم الوكيل. والى ما ذهبنا إليه قال أحمد وأصحابه: قال ابن قدامه: وان قال المالك: غصبتها، وقال الراكب أجرتنيها فالاختلاف هنا في وحوب القيمه، لان الاجر يجب في الموضعين، الا أن يختلف المسمى وأجر المثل، والقول قول المالك مع يمينه، فان كانت الدابة تالفه عقيب أخذها حلف وأخذ قيمتها، وان كانت قد بقيت مدة لمثلها أجر، والمسمى بقدر أجر المثل أخذه المالك لاتفاقهما على استحقاقه، وكذلك ان كان أجر المثل دون المسمى. وفى اليمين وجهان. وان كان زائدا على المسمى لم يستحقه الا بيمين وجها واحدا والله أعلم

стр. 668

قال المصنف رحمه الله تعالى: كتاب الغصب الغصب محرم لما روى أبو بَكْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. وروى أبو حميد الساعدي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال " لا يحل لامرئ أن يأخذ مال أخيه بغير طيب نفس منه " (فصل) ومن غصب مال غيره، وهو من أهل الضمان في حقه ضمنه، لما روى سَمُرَةَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " على اليد ما أخذت حتى ترده " (فصل) فان كان له منفعة تستباح بالاجارة فأقام في يده مدة لمثلها أجرة ضمن الاجرة، لانه يطلب بدلها بعقد المغابنة. فضمن بالغصب كالاعيان. (فصل) فإن كان المغصوب باقيا لزمه رده، لما روى عبد الله بن السائب ابن يزيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبا أو جادا، فإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها " فان اختلفت قيمته من حين الغصب إلى حين الرد لم يلزمه ضمان ما نقص من قيمته وقال أبو ثور من أصحابنا: يضمن كما يضمن زيادة العين، وهذا خطأ، لان الغاصب يضمن ما غصب. والقيمة لا تدخل في الغصب، لانه لا حق للمغصوب منه في القيمة مع بقاء العين، وإنما حقه في العين، والعين باقية كما كانت فلم يلزمه شئ (فصل) وإن تلف فئ يد الغاصب أو أتلفه لم يخل إما أن يكون له مثل أو لا مثل له، فان لم يكن له مثل نظرت، فان كان من غير جنس الاثمان كالثياب والحيوان ضمنه بالقيمة. لما روى ابْنِ عُمَرُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: من أعتق شركا له في عبد فان كان معه ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه. وأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عليه ما عتق فأوجب القيمة في العبد بالاتلاف بالعتق، ولان إيجاب مثله من جهة الخلقة

стр. 669

لا يمكن لاختلاف الجنس الواحد في القيمة، فكانت القيمة أقرب إلى إيفاء حقه وان اختلفت قيمته من حين الغصب إلى حين التلف ضمنها بأكثر ما كانت لانه غاصب في الحال التى زادت فيها قيمته فلزمه ضمان قيمته فيها، كالحالة التى غصبه فيها، وتجب القيمة من نقد البلد الذى تلفت العين فيه، لانه موضع الضمان فوجبت القيمة من نقده، وان كان من جنس الاثمان نظرت، فان لم يكن فيه صنعة كالسبيكة والنقرة، فان كان نقد البلد من غير جنسه، أو من جنسه ولكن لا تزيد قيمته على وزنه ضمن بالقيمة، لان تضمينه بالقيمة لا يؤدى إلى الربا. فضمن بالقيمة كما قلنا في غير الاثمان، وان كان نقد البلد من جنسه وإذا قوم به زادت قيمته على وزنه قوم بجنس آخر حتى لا يؤدى إلى الربا، وان كانت فيه صنعة نظرت، فان كانت صنعة محرمة ضمن كما تضمن السبيكة والنقرة، لان الصنعة لا قيمة لها فكان وجودها كعدمها، وان كانت صنعة مباحة فان كان النقد من غير جنسه أو من جنسه، ولكنه لا تزيد قيمته على وزنه ضمنه بقيمته، لانه لا يؤدى إلى الربا. وان كان النقد من جنسه ونوعه وتزيد قيمته على وزنه ففيه وجهان (أحدهما) يقوم بجنس آخر حتى لا يؤدى إلى الربا (والثانى) أنه يضمنه بقيمته من جنسه بالغة ما بلغت، وهو الصحيح، لان الزيادة على الوزن في مقابلة الصنعه فلا تؤدى إلى الربا، وان كان مخلوطا من الذهب والفضة قومه بما شاء منهما (فصل) وان كان مما له مثل كالحبوب والادهان ضمن بالمثل، لان ايجاب المثل رجوع إلى المشاهدة والقطع، وايجاب القيمة رجوع إلى الاجتهاد والظن فإذا أمكن الرجوع إلى القطع لم يرجع إلى الاجتهاد، كما لا يجوز الرجوع إلى القياس مع النص. وان غصب ماله مثل واتخذ منه ما لا مثل له، كالتمر إذا اتخذ منه الخل بالماء أو الحنطة إذا جعلها دقيقا. وقلنا انه لا مثل له ثم تلف لزمه مثل الاصل. لان المثل أقرب إلى المغصوب من القيمه. وان غصب ما لا مثل له واتخذ منه ماله مثل كالرطب إذا جعله تمرا ثم تلف لزمه مثل التمر، لان المثل أقرب إليه من قيمة

стр. 670

الاصل، وإن غصب ماله مثل واتخذ منه ماله مثل كالسمسم إذا عصر منه الشيرج ثم تلف فالمغصوب منه بالخيار إن شاء رجع عليه بمثل السمسم، وإن شاء رجع عليه بمثل الدهن، لانه قد ثبت ملكه على كل واحد من المثلين، فرجع بما شاء منهما. وإن وجب المثل فأعوز فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ تجب قيمته وقت المحاكمة، لان الواجب هو المثل، وإنما القيمة تجب بالحكم فاعتبرت وقت الحكم. ومنهم من قال تعتبر قيمته أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين تعذر المثل، كما تعتبر قيمة المغصوب أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف. ومنهم من قال تضمن قيمته أكثر ما كانت من حين الغصب إلى وقت الحكم. لان الواجب في الذمة هو المثل إلى وقت الحكم، كما أن الواجب في المغصوب رد العين إلى وقت التلف، ثم يغرم قيمة المغصوب أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف، فيجب أن يعتبر في المثل أكثر ما كانت قيمته إلى وقت الحكم. ومنهم من قال: إن كان ذلك مما يكون في وقت وينقطع في وقت كالعصير وجبت قيمته وقت الانقطاع، لانه بالانقطاع يسقط المثل وتجب القيمة. وان كان مما لا ينقطع عن أيدى الناس وانما يتعذر في موضع وجبت قيمته وقت الحكم لانه لا ينتقل إلى القيمة الا بالحكم. وان وجد المثل بأكثر من ثمن المثل احتمل وجهين (أحدهما) لا يلزمه المثل لان وجود الشئ بأكثر من ثمن المثل كعدمه، كما قلنا في الماء في الوضوء والرقبة في الكفارة (والثانى) يلزمه، لان المثل كالعين، ولو احتاج في رد العين إلى أضعاف ثمنه لزمه فكذلك المثل. (الشرح) الغصب ومادته من غصبه غصبا من باب ضرب، واغتصبه أخذه قهرا وظلما فهو غاصب، والجمع غصاب ككافر وكفار، ويتعدى إلى مفعولين. فيقال: غصبته ماله، وقد تزاد من في المفعول الاول فيقال. غصبت منه ماله، فزيد مغصوب ماله، ومغصوب منه ماله، ويبنى للمفعول فيقال: اغتصبت
следующие страницы →