(فصل)
وإن اختلفا في الثياب التى على العبد المغصوب، فادعى المغصوب منه أنها له، وادعى الغاصب أنها له، فالقول قول الغاصب لان العبد وما عليه في يد الغاصب فكان القول قوله والله أعلم (الشرح) الاحكام.
قال الشافعي: ولو غصبه جارية فهلكت فقال: ثمنها عشرة فالقول قوله مع يمينه.
قلت: قد ذكرنا أن المغصوب مضمون بأكثر قيمته في السوق والبدن ووقت الغصب إلى وقت التلف.
وقال أبو حنيفة: هو مضمون بقيمته وقت الغصب اعتبارا بحال التعدي، وهذا خطأ من وجهين
(أحدهما)
أن استدامة الفعل كابتدائه شرعا.
أما الشرع فقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا " أي استداموا الايمان، وقال تعالى " اهدنا الصراط المستقيم " أي ثبتنا على الهداية إليه، فاستوى حكم الابتداء والاستدامة في الاخبار والطلب وأما اللسان فهو أن مستديم الغصب بيمين في كل حال غاصبا.
ويقال قد غصب، وإن كان قد تقدم من الغصب
(والثانى)
أن الغصب عدوان يوجب الضمان كالجناية، فلما كانت براءة الجراح في الجناية إلى تلف النفس توجب ضمان ما حدث بعد الجرح، وجب أن يكون الحادث بعد الغصب في حكم الموجود في حال الغصب، ثم هو في الغصب أولى منه في الجناية لبقاء يده في الغصب وارتفاعها في الجناية، وفيما ذكرناه من المعاني الماضية في نمو البدن وزيادته دليل كاف فإذا ثبت هذا واختلفا في المغصوب فهو على ثلاثة أضرب: (أحدها) أن يختلفا في قيمته
(والثانى)
أن يختلفا في تلفه (والثالث) أن يختلفا في مثله.
فأما الضرب الاول وهو اختلافهما في قيمته فعلى ضربين:
(أحدهما)
أن يكون اختلافهما في القيمة مع اتفاقهما على الصفة، فيقول المغصوب منه قيمة مالى ألف.
ويقول الغاصب: قيمة مالك مائة فالقول قول الغاصب مع يمينه في قدر قيمته لامرين: أحدهما إنكاره الزيادة، والشرع في الانكار يجعل القول قول المنكر دون المدعى.
والثانى: أنه غارم والقول في الاصول قول الغارم
стр. 737
فإن قيل: فكلا المعنيين يفسد بالشفيع والشفيع منكر وغارم، فالجواب عنه من وجهين.
أحدهما: أن المشترى مالك فلم يكن للشفيع انتزاع ملكه إلا بقوله كما أن الغارم مالك، ولا يغرم إلا بقوله.
والثانى: أن المشترى فاعل الشراء فكان القول فيه قوله لانه من صنعه، وكذلك الغاصب فاعل الغصب وهو من صنعه فكان القول فيه قوله، فحل المشترى بهذين محل الغارم وسلم المعنيان.
فإن كان للمغصوب منه بنية على ما ادعاه من القيمة سمعت وهى شاهدان أو امرأتان وشاهد أو شاهد ويمين، فإن شهدت بينه بأن قيمة المغصوب وقت الغصب أو وقت التلف أو فيما بين الغصب والتلف كذا حكم بها لان الغاصب
ضامن لقيمته في هذه الاحوال كلها، وإن شهدت بينة بأن قيمته كانت ألفا قيل الغصب لم يحكم بها لان ما قبل الغصب غير مضمون على الغاصب لكن كان بعض أصحابنا يقول: إنه يصير لاجل هذه البينة القول قول المغصوب منه مع يمينه، لان الاصل بقاء هذه القيمة ما لم يعلم نقصها وهذا غير صحيح، لان ما قبل الغصب غير معتبر، والبينة فيه غير مسموعة ولو جاز أن يصير القول بها قول المشهود له لجاز الاقتصار عليها من غير يمين، فإن شهدت البينة بصفات المغصوب دون قيمته ليستدل بها على قدر القيمة لم يجز أن يحكم بها لامرين.
أحدهما: أن تقويم ما لا مثل له بالصفة باطل.
والثانى: أن اختلافهما في القيمة دون الصفة فلم تسمع البينة في غير ما تداعياه واختلفا فيه.
والضرب الثاني: أن يكون اختلافهما في الصفه فهو على نوعين أحدهما: أن تكون صفة زائدة.
والثانى: أن تكون صفة نقص.
فأما صفة الزيادة فترد دعوى المغصوب منه وصورتها.
أن يقول المغصوب منه قيمة سيارتي ثلاثة آلاف لانها مرسيدس أو كاديلاك ٧ راكب موديل ٦٨ ويقول الغاصب قيمتها ألف لانها مرسيدس أو كاديلاك سعة ٥ راكب موديل ٦٩ فالقول قول الغاصب مع يمينه لا يختلف لوجود المعنيين فيه وهما الغرم والانكار.
وأما صفه النقص فهو دعوى الغاصب وصورتها أن يقول الغاصب قيمة السيارة التى غصتها منك
стр. 738
مائة لانها مستهلكه ومحركها ضعيف وفراملها ناعمه وهى ماركة فيات أو فكسهول موديل.
فيقول المغصوب منه قيمتها ألف لانها ليست مستهلكه ومحركها سليم وفراملها قويه ففيه وجهان لاختلاف المعنيين أحدهما أن القول قول الغاصب مع يمينه تعليلا بغرمه والثانى.
القول قول المغصوب منه
مع يمينه تعليلا بانكاره.
وأما الضرب الثاني وهو اختلافهما في تلفه فصورته أن يقول المغصوب منه سيارتي باقيه في يدك ويقول الغاصب، قد تلفت وذهبت أجزاؤها في (وكالة البلح (١)) فالقول قول الغاصب مع يمينه ثم فيه وجهان أحدهما، أنه لا شئ عليه للمغصوب منه ما لم يصدقه على تلفها، لانه لا يدعى القيمه وإنما يدعى عينها وقد حلف الغاصب على تلفها، والوجه الثاني، أن عليه القيمه للمغصوب منه لانه وإن كان منكرا للتلف فيمين الغاصب ما تلفت ولا قدرة له عليها فصارت كالتالفه يلزم الغاصب قيمتها مع بقاء عينها إذا كانت باقيه.
وأما الضرب الثالث وهو اختلافهما في مثله فعلى ثلاثة أضرب أحدها.
أن يختلفا في صفات المثل كقول المغصوب منه غصبتني طعاما حديثا فيقول الغاصب بل طعاما عتيقا أو قديما فالقول قول الغاصب مع يمينه تعليلا بالمعنيين من الانكار والغرم، ثم للمغصوب منه أن يتملك ذلك لانه أنقص من حقه الذى يدعيه.
والضرب الثاني.
أن يختلفا في أصل المثل كقول المغصوب منه، لما غصبته مثل، وقول الغاصب، ليس له مثل فلا اعتبار باختلافهما ويرجع فيه إلى اجتهاد الحكام، فان حكموا له بمثل طولب به، وإن حكموا فيه بالقيمة أخذت منه، والضرب الثالث أن يختلفا في وجود المثل كقول المغصوب منه، المثل موجود وقول الغاصب بل المثل معدوم، فيكشف الحاكم عن وجوده، ويقطع تنازعهما
стр. 739
فيه، فإن وجده ألزم الغاصب دفع المثل رخيصا كان أو غالبا، وإن عدمه خير المغصوب منه بين أن يصبر إلى وجود المثل فإن تعجل أخذ القيمه ثم وجد المثل بعد ذلك فلا حق له فيه وقد استقر ملكه على ما أخذ من قيمته بخلاف الرقيق إذا أخذت قيمته ثم وجد، والفرق بينهما أن قيمة الآبق أخذت عند الاياس منه فلزم ردها بعد القدرة عليه، وقيمة المثل أخذ مع العلم بالقدرة عليه من بعد فلم يلزم ردها بعد القدرة عليه، وإن جهد إلى وجود المثل ثم رجع مطالبا بالقسمة قبل الوجود فذلك له لتعجل حقه بخلاف السلم في الشئ إلى مدة تنقطع فيها فرضى المسلم بالصبر إلى وجوده فلا يكون له الرجوع قبله.
والفرق بينهما أن تقدير وجود السلم عيب فإذا رضى به لزمه ذلك بالعقد.
وصبر المغصوب منه إلى وجود المثل إنظار وتأجيل تطوع به فلم يلزم.
(فرع)
ولو غصب رجل عصيرا فصار في يده خلا رجع به المغصوب منه وينقص إن حدث في قيمته، ولو صار العصير خمرا رجع على الغاصب بقيمته عصيرا لان الخمر لا قيمة له، وهل له أخذ الخمر أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ الاسفرايينى - إنه ليس له أخذه لوجوب إراقته وإتلافه.
والوجه الثاني: له أخذه لانه قد شفع بإراقته في بئر أو مسقى حيوان، فلو صار الخمر في يد الغاصب خلا رجع به المغصوب منه، وفى رجوعه عليه بالقيمه وجهان كنقص المرض إذا زال أحدهما: يرجع بالقيمة لوجوبها.
والثانى - لا يرجع عليه لعدم استقرارها.
وإذا غصبه خمرا فصار في يده خلا صار حينئذ مضمونا عليه لكونه خلا ذا قيمه، فلو اختلط بعد تلفه فقال المالك: صار خلا فعليك ضمانه، وقال الغاصب: بل تلف في يدى خمرا على حاله فالقول قول الغاصب مع يمينه اعتبارا ببراءة ذمته، فلو صار الخمر بعد غصبه خلا ثم عاد الخل فصار خمرا ضمنه مع بقاء
عينه لانه بمصيره خمرا قد صار تلفا، فلو عاد ثانية فصار خلا رد على المغصوب منه، وهل يضمن قيمته مع رده على وجهين أحدهما: لا ضمان عليه لعوده إلى ما كان عليه، والوجه الثاني: عليه الضمان لاستقراره عليه فلم يسقط عنه وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 740
قال المصنف رحمه الله تعالى:
كتاب الشفعة
وتجب الشفعة في العقار لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ قَالَ " قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالشفعة في كل شرك لم يقسم، ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فان باعه ولم يؤذنه فهو أحق به، ولان الضرر في العقار يتأبد من جهة الشريك فثبتت فيه الشفعة لازالة الضرر.
(فصل)
وأما غير العقار من المنقولات فلا شفعة فيه لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا شفعه إلا في ربعة أو حائط وأما البناء والغراس، فإنه إن بيع مع الارض ثبتت فيه الشفعة لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ له شريك في ربع أو نخل فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضى أخذه، وإن كرهه تركه ولانه يراد للتأبيد فهو كالارض، فإن بيع منفردا لم تثبت فيه الشفعة لانه ينقل ويحول فلم تثبت فيه الشفعة واختلف أصحابنا في النخل إذا بيعت مع قرارها مفردة عما يتخللها من بياض الارض فمنهم من قال: تثبت فيه الشفعة لانه فرع تابع لاصل ثابت.
ومنهم من قال: لا شفعة فيها، لان القرار تابع لها، فإذا لم تجب الشفعة فيها إذا بيعت مفردة لم تجب فيها وفى تبعها، وإن كانت دار أسفلها لواحد وعلوها
مشترك بين جماعة، فباع أحدهم نصيبه فإن كان السقف لصاحب السفل لم تثبت الشفعة في الحصة المبيعة من العلو، لانه بناء منفرد، وإن كان السقف للشركاء في العلو ففيه وجهان، أحدهما لا تثبت فيه الشفعة، لانه لا يتبع أرضا.
والثانى: تثبت لان السقف أرض لصاحب العلو يسكنه، ويأوى إليه فهو كالارض.
(فصل)
وإن بيع الزرع مع الارض أو الثمرة الظاهرة مع الاصل لم
стр. 741
تؤخذ مع الاصل بالشفعة، لانه منقول فلم يؤخذ مع الارض بالشفعة كثيران الضيعه، فإن بيع وفيه ثمرة غير مؤبرة ففيه وجهان
(أحدهما)
تؤخذ الثمرة مع الاصل بالشفعة، لانها تبعت الاصل في البيع فأخذت معه بالشفعة كالغراس.
(والثانى)
لا تؤخذ لانه منقول فلم تؤخذ مع الاصل كالزرع والثمرة الظاهرة.
(فصل)
ولا تثبت الشفعة إلا للشريك في ملك مشاع، فأما الجار والمقاسم فلا شفعة لهما لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ قَالَ: إنما جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، ولان الشفعة إنما تثبت لانه يدخل عليه شريك فيتأذى به، فتدعو الحاجة إلى مقاسمته فيدخل عليه الضرر بنقصان قيمة الملك، وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق.
وهذا لا يوجد في المقسوم.
(فصل)
ولا تجب إلا فيما تجب قسمته عند الطللب، فأما ما لا تجب قسمته كالرحا والبئر الصغيرة والدار الصغيرة فلا تثبت فيه الشفعة.
وقال أبو العباس: تثبت فيه الشفعة لانه عقار فثبت فيه الشفعة قياسا على ما تجب قسمته، والمذهب الاول، لما روى عن أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه أنه قال: لا شفعة في بئر والارف تقطع كل شفعة، ولان الشفعه إنما تثبت للضرر الذى يلحقه بالمقاسمة،
وذلك لا يوجد فيما لا يقسم.
وأما الطريق المشترك في درب مملوك ينظر فيه، فان كان ضيقا إذا قسم لم يصب كل واحد منهم طريقا يدخل فيه إلى ملكه فلا شفعة فيه، وان كان واسعا نظرت فان كان للدار المبيعة طريق آخر وجبت الشفعة في الطريق، لانه أرض مشتركة تحتمل القسمة، ولا ضرر على أحد في أخذه بالشفعه فأشبه غير الطريق وان لم يكن للدار طريق غيره ففيه ثلاثة أوجه.
(أحدها) لا شفعة فيه، لانا لو أثبتنا الشفعة فيه أضررنا بالمشترى لانه يبقى ملكه بغير طريق، والضرر لا يزال بالضرر
(والثانى)
تثبت فيه الشفعه، لانه أرض تحتمل القسمه فتثبت فيها الشفعه كغير الطريق.
стр. 742
(والثالث) أنه إن مكن الشفيع المشترى من دخول الدار ثبت له الشفعة، وإن لم يمكنه فلا شفعة لانه مع التميكن يمكن دفع الضرر من غير إضرار، ولا يمكن مع عدم التمكين إلا بالاضرار.
(فصل)
وتثبت الشفعة في الشقص المملوك بالبيع لِحَدِيثِ جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال " فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به " وتثبت في كل عقد يملك الشقص فيه بعوض كالاجارة والنكاح والخلع، لانه عقد معاوضة فجاز أن تثبت الشفعة في الشقص المملوك به كالبيع
(فصل)
فأما فيما ملك فيه الشقص بغير عوض كالوصية والهبة من غير عوض فلا تثبت فيه الشفعه، لانه ملكه بغير بدل فلم تثبت فيه الشفعة، كما لو ملكه بالارث، وإن باع من رجل شقصا فعفا الشفيع فيه عن الشفعه ثم رجع الشقص إليه بالاقالة ثم تثبت فيه الشفعه، لانه لم يملكه بعوض وإنما انفسخ البيع ورجع
المبيع إلى ملكه بغير بدل، فإن باعه شقصا فعفا الشفيع عن الشفعه ثم ولاه رجلا ثبتت فيه الشفعه، لان التوليه بيع برأس المال.
وإن قال لام ولده: إن خدمت ورثتي شهرا فلك هذا الشقص، فخدمتهم ملكت الشقص، وهل تثبت فيه الشفعه؟ فيه وجهان.
أحدهما أنه تثبت لانها ملكته ببدل هو الخدمه فصار كالمملوك بالاجارة
(والثانى)
لا تثبت فيه الشفعه لانه وصية في الحقيقة لانه يعتبر من الثلث فلم تثبت فيه الشفعه كسائر الوصايا، وإن دفع المكاتب إلى مولاه شقصا عن نجم عليه ثم عجز ورق فهل للشفيع في الشقص شفعه أم لا؟ فيه وجهان.
(أحدهما)
لا شفعة فيه، لانه بالعجز صار ماله للمولى بحق الملك لا بالمعاوضة وما ملك بغير المعاوضه لا شفعة فيه
(والثانى)
تثبت فيه لانه ملكه بعوض فثبت فيه الشفعه فلا تسقط بالفسخ بعده.
(فصل)
وإن بيع شقص في شركة الوقف، فإن قلنا ان الموقوف عليه لا يملك الوقف لم تجب فيه الشفعه لانه لا ملك له، وان قلنا انه يملك ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه يأخذ بالشفعه، لانه يلحقه الضرر في ماله من جهة الشريك فأشبه مالك الطلق
(والثانى)
لا يأخذه لان ملكه غير تام، بدليل أنه لا يملك التصرف فيه، فلا يملك به ملكا تاما
стр. 743
(الشرح) قال الضياء المقدسي في شرحه لثلاثيات المسند: الشفعة لغة الزيادة، لان الشفيع يضم ما يشفع فيه إلى نصيبه فكأنه كان وترا فصار شفعا، والشفيع فعيل بمعنى فاعل، وعرفا: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقل عنه من يد من انتقلت إليه.
اه قال الحافظ بن حجر في الفتح: الشفعة بضم المعجمة وسكون الفاء وغلط من حركها، وهى مأخوذة لغة من الشفع وهو الزوج، وقيل من الزيادة، وقيل
من الاعانة، وفى الشرع: انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى.
اه وقد ثبتت بالسنة والاجماع.
فأما السنة فالحديث الذى ساقه المصنف عن جابر ولفظه عند مسلم والنسائي وأبى دَاوُد " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فان شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به " ولفظه عند الترمذي وصححه " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعه " ولفظه عند أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه " إنما جعل النبي ﷺ الشفعه " وفى رواية عند أحمد والبخاري والشافعي في الام " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بالشفعه في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعه " وكلها عن جابر الا الشافعي فقد قال: أخبرنا مالك عن الزهري عن سعيد ابن أبى سلمه.
وقد روى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إذا قسمت الدار وحددت فلا شفعه " رواه أبو داود وابن ماجه بمعناه أما الاجماع فقد انعقد ولم يختلف العلماء على مشروعيتها إلا ما نقل عن أبى بكر الاصم من إنكارها، وفى ذلك يقول بعضهم: لا عبرة بقول الاصم فإنه عن الحق أصم.
قال الماوردى في الحاوى: إن ما روى في الشفعه وان لم يكن متواترا فالعمل به مستفيض يصير به الخبر كالمتواتر، ثم الاجماع عليه منعقد، والعلم بكونه شرعا واقع وليس في التمسك بحديث " لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نفس منه "
стр. 744
ما يمنع من الشفعه لان المشترى يعاوض عليها بما بذله فيصل إليه ولا يستحل منه
فإذا ثبت هذا فإن الشفعه تجوز للمسلم والكافر عند الشافعي وأبى حنيفة ومالك.
وخالف أحمد فقهاء مذهبه على أنه لا شفعة لكافر على مسلم، قال الضياء المقدسي نص عليه أحمد قال في الانصاف: وهو المذهب وعليه الاصحاب وهو من مفردات المذهب، وبه قال الحسن البصري والشعبى، وقد أفاض الضياء في شرح عمدة الاحكام في بيان العلة، ووجه المذهب من جهة الدليل، كما تفرد أبو حنيفة دون الثلاثة بوجوب الشفعة للجار، وهو رواية عن أحمد إلا أنها مرجوحة بالمرة حسب الاظهر من المذهب فإذا ثبت هذا فإن الشفعه مستحقة في عراص الارضين.
ويكون ما أثقل بها من الغراس والبناء تبعا، وإن كان المبيع منها مشاعا كانت الشفعه فيه على قولين وإن كان المبيع منها محررا فالذي عليه جمهور الناس أنها غير واجبه، وبه قال من الصحابة عمر وعثمان وعلى في أصح الروايتين عنه، ومن التابعين سعيد بن المسيب وأبو سلمه بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير، ومن الفقهاء ربيعه ومالك وأحمد وإسحاق وأهل الحرمين.
وقال أبو حنيفة وصاحباه وسفيان الثوري: إن الشفعه المجوزة مستحقه للجار وليس لهم فيه سلف، وربما أضافوه إلى ابن مسعود، فان عفا الجار عنها كانت لمن يليه في القرب ثم لمن يليه إلى آخر الجوار، إلا أن تكون الطريق نافذة فلا يجب لغير الجار الملاصق استدلالا برواية عمرو بن الشريد عن أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال " الجار أحق بشقصه " وروى " بسقبه " أي بقربه، وبرواية شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال " جار الدار أحق بدار الجار أو الارض " وبرواية عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وان كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا "
وروى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " الخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق من غيره وروى عمرو بن الشريد بن سويد عن أبيه أنه قال: قلت: يا رسول الله أرض ليس لاحد فيها شرك ولا قسم الا الجوار،
стр. 745
بيعت لى، فقال " أنت أحق بشفعة جارك يا شريد " قالوا ولان الشفعة إنما وجبت تخوفا من سوء عشرة الداخل عليه، وهذا قد يوجد في الجار كوجوده في الخليط، فاقتضى أن تجب الشفعة للجار كوجوبها للخليط ودليلنا ما رواه الشافعي عن مالك عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه قال: الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة، وهذا وإن كان مرسلا فمرسل سعيد عند الشافعي حسن، ثم قد رواه مسندا عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزهري عن أبى سلمة عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الشفعه فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة، فكان من هذا الحديث دليلان: أحدهما: قوله الشفعه فيما لم يقسم، فكان دخول الالف واللام مستوعبا لجنس الشفعه فلم يجب في المقسوم شفعه والثانى: قوله فإذا وقعت الحدود فلا شفعة.
فصرح بسقوط الشفعه مع عدم الخلطة، فإن قيل: فإنما نفى الشفعه عنه بالقسمة الحادثة بعده ففيه جوابان
(أحدهما)
أنه محمول على عموم القسمه حادثة ومتقدمة
(والثانى)
أنه إنما نفى الشفعة عن المقسوم بما أثبتها في غير المقسوم.
فلما أثبتها في غير المقسوم بالبيع دل على أنه نفاها عن المقسوم بالبيع.
وقال أبو حنيفة: تجب للجار، ثم ساق أحاديث الموجبين لها للجار، وهى التى أوردناها هنا.
ثم قال:
وقال العلقمي في حاشية الجامع الصغير: يحتج بهذا الحديث من أوجب الشفعه للجار - يعنى حديث.
الجار أحق بصقبه - ومن لم يثبتها للجار تأول الجار على الشريك، ويحتمل أن يكون المراد أحق بالبر والمعونة وما في معناهما بسبب قربه من جاره.
وأجابوا عن حديث سمرة بأن أهل الحديث اختلفوا في لقاء الحسن له.
ومن أثبت لقاءه قال: إنه لم يرو عنه إلا حديث العقبة، وقد رواه الحسن عن سمرة.
وعن حديث الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا بأن شعبة قال: سها فيه عبد الملك راوي الحديث.
стр. 746
قال الامام أحمد: هذا الحديث منكر.
وقال ابن معين: لم يروه إلا عبد الملك وقد أنكر عليه.
وقال بعض علماء الحنفيه: يلزم الشافعية القائلين بحمل اللفظ على حقيقته ومجازه أن يقولوا بشفعة الجوار، لان الجار حقيقة في المجاور مجاز في الشريك وأجيب عنه بأن محل ذلك عند التجرد عن القرائن، وقد قامت القرينه هنا للمجاز فان حديث جابر صريح في اختصاص الشفعه بالشريك، وحديث أبى رافع مصروف الظاهر اتفاقا، لانه يقتضى أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك، ولا قائل به، فان القائلين بشفعة الجوار قدموا الشريك مطلقا، ثم المشارك في الطريق ثم الجار على من ليس بمجاور.
(قلت) واختار شيخ الاسلام ابن تيميه ثبوت الشفعه للجار بشرط أن يكون شريكا في الطريق محتجا بآخر حديث جابر مرفوعا: الجار أحق بشفعة جاره.
قال، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبى طالب حيث قال: إذا كان طريقهما واحدا شركاء لم يقتسموا، فإذا طرقت وعرفت الحدود فلا شفعه.
قلت: واختار بعض الحنابلة هذا الرأى ولكن لو استعرضنا مذهب الجمهور في نفى شفعة الجار لوجدنا أمة من الصحابة والتابعين كعمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهرى ويحيى الانصاري وأبو الزناد وربيعه والمغيرة بن عبد الرحمن ومالك والاوزاعي وأحمد والشافعي وأبو ثور وابن المنذر.
وقال ابن شبرمة والثوري وابن أبى ليلى وأصحاب الرأى: الشفعة بالشركة ثم بالشركة في الطريق ثم بالجوار.
ولان الشفعة ثبتت في موضع الوفاق على خلاف الاصل لمعنى معدوم في محل النزاع فلا تثبت فيه.
وبيان انتفاء المعنى هو أن الشريك ربما دخل عليه شريك فيتأذى به فتدعوه الحاجه إلى مقاسمته، أو يطلب الداخل المقاسمه فيدخل الضرر على الشريك بنقص قيمة ملكه وما يحتاج إلى احداثه من المرافق، وهذا لا يوجد في المقسوم.
م ١٠: ١٤
стр. 747
فأما حديث أبى رافع فليس بصريح في الشفعة فإن الصقب القرب، قال الشاعر: كوفية نازح محلتها
* لا أمم دارها ولا صقب وبقية الاحاديث التى تثبت الشفعة للجار فيها مقال كما قال ابن المنذر على أنه يحتمل أنه أراد بالجار الشريك فإن ذلك جار على ألسنة الشعراء، ويسمى كل واحد من الزوجين جارا، قال الاعشى: أجارتنا بينى فإنك طالقه
* وموموقة ما كنت فينا ووامقه وتسمى الضرتان جارتين لاشتراكهما في الزوج.
قال حمل بن مالك: كنت بين جارتين لى فضربت إحداهما الاخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، وهذا كله يمكن حمل حديث أبى رافع عليه، فإذا ثبت أن الشفعة واجبة بالخلطه دون
الجوار فالكلام فيها يشتمل على أربعة أقسام.
(أحدها) ما تجب به الشفعة.
(والثانى)
ما تجب فيه (والثالث) من تجب له (والرابع) ما تؤخذ به.
فأما ما تجب به فهو انتقال الملك بعقد المعاوضات والعقود على ثلاثة أقسام قسم يجب فيه العوض، وقسم لا يجب فيه العوض، وقسم اختلف قول الشافعي في وجوب العوض فيه، فأما الموجب للعوض فخمسة عقود، البيع والاجارة والصلح والصداق والخلع، فالشفعة بجميعها مستحقه كالمبيع لانتقال الملك بها عوضا أو معوضا وسنشرح كلا في موضعه.
وأما ما لا يوجب العوض إما لانه لا ينقل الملك كالرهن والعارية، أو لانه لا يوجب العوض مع انتقال الملك كالوقف والوصيه فلا شفعة به لان ما لا ينقل لملك استحق به نقل الملك، وما لا عوض فيه لا معوض فيه.
واختلف أصحابنا هل يغلب في ملك أم الولد للشقص حكم المعاوضات أو حكم الوصايا إذا قال لها: إن خدمت ورثتي سنة بعد موتى فلك هذا الشقص ففعلت على وجهين.
أحدهما: أن حكم المعاوضات عليه أغلب لاستحقاقه بالخدمة، فعلى هذا يأخذه الشفيع بعد انقضاء السنة بأجرة مثل خدمتها تلك السنة.
стр. 748
والوجه الثاني: وهو ظاهر المذهب أن حكم الوصايا أغلب عليه لامرين.
أحدهما اعتباره من الثلث، والثانى: ملك الشقص من لم يملك الخدمة.
وأما ما اختلف قوله في وجوب العوض فعقد الهبة اختلف قوله في وجوب المكافأة عليها فقال في القديم والاملاء بالوجوب، فعلى هذا تجب الشفعة بهما بالثواب الذى تجب به المكافأة، فعلى هذا لو شرط الثواب فيها قدرا معلوما كان
على قولين.
أحدهما قاله في الاملاء: إن الهبة جائزة والشفعه فيها واجبة بالثواب المشروط، لانها إذا صحت مع الجهل بالثواب كانت مع العلم به أصح.
والقول الثاني: إن الهبة بشرط الثواب باطله، والشفعه فيها ساقطه لان العوض فيها يجعلها بيعا والبيع بلفظ الهبة باطل، فهذا حكم الهبة على قوله في القديم والاملاء.
وقال في الجديد: ان المكافأة على الهبة غير واجبه، فعلى هذا لا شفعة بها، ويكون في انتقال الملك بها في سقوط الشفعة به كانتقاله بالميراث فهذا حكم الفصل.
وأما القسم الثاني: وهو ما تجب فيه الشفعه فهى عراص الارضين وما يتبعها متصلا دون غيرها، وهى على ثلاثة أنواع، أحدها ما وجب في الشفعه معقودا وهى عراص الارضين المحتمله للقسمة الجبريه، فان لم تحتملها لصغرها كطريق ضيقه وبياض يسير فلا شفعة هكذا حكاه الماوردى.
وقال أبو العباس بن سريج: يجب فيه الشفعة تعليلا بسوء المشاركة، واستدامة الضرر بها لتعذر القسمة، وبه قال أبو حنيفة.
وعند الشافعي أنه لا شفعه فيها تعليلا في وجوبها بالخوف من مؤونة القسمه وأن ما لا يقسم جبرا فلا شفعة فيه لارتفاع الضرر بمؤونة القسمة.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قوله " لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة ولا ركح ولا رهوة " رواه أبو الخطاب من أصحاب الامام أحمد في رءوس المسائل، والمنقبة الطريق الضيقة تكون بين الدارين والركح بضم الراء ناحية البيت من ورائه وما كان فضاء للسابلة والمارة، والرهوة الجوبة تكون في محلة القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره.
стр. 749
والنوع الثاني: ما تجب فيه الشفعة تبعا وهو البناء والغرس إن كان مبيعا مع الارض وجبت فيه الشفعة تبعا للارض إن كان فيها ما يحتمل قسمته الاجبار، وإن لم يحملها لم تجب فيه الشفعة عند الشافعي، ووجبت فيه عند أبى العباس بن سريج، وهو قول أبى حنيفه، وإن كان البناء والغرس منفصلا عن الارض في البيع فلا شفعة فيه عند الشافعي وأبى حنيفة.
وقال مالك: يجب الشفعة في البناء المنفرد وفى الثمار والمقائى والمباطخ لاتصاله بعراص الارض المستحق فيها الشفعة وهذا خطأ لقوله ﷺ " الشفعة فيما لم يقسم " رواه البخاري.
فإذا أوقعت الحدود فلا شفعة فجعل حدود القسم شرطا في إبطال الشفعة، فدل على استحقاقها فيما يجبر فيه على القسمة، ولان البناء والغرس تبع لاصله، فلما لم يستحق في الارض شفعة لخروجها عن العقد لم يجب في البناء والغرس شفعة، وان دخلت في العقد، فإذا تقرر ألا شفعة فيما أفرد بالبيع من البناء والغرس، وكانت دار ذات علو مشترك، وسفلها لغير الشركاء في علوها فباع أحد الشركاء في العلو حقه نظر في السقف، فان كان لارباب السفل فلا شفعة في الحصة المبيعة من العلو لانها بناء مفرد، وان كان السقف لارباب العلو ففى وجوب الشفعة في الحصة المبيعة منه وجهان.
(أحدهما)
لا شفعة فيه لانه لا يتبع أرضا (والوجه الثاني) فيه الشفعه، لان السقف كالعرصه.
ولقول الشافعي في كتاب الصلح ان السقف أرض لصاحب العلو، ولانه إذا حاز أحدهما حصة من البناء والسقف أمكنه سكناه كالارض.
والنوع الثالث: لا تجب فيه الشفعة لا مقصودا ولا تبعا وهو سائر الاشياء سوى ما ذكرنا، وقال عطاء بن أبى رباح: الشفعة واجبة في كل مشترك من متاع وحيوان وغيره في صنوف الاموال وسائر الكلام معه.
وأما القسم الثالث وهو من تجب له الشفعة فهو الخليط في الملك المبيع دون
الجار، وقد مضى الكلام مع أبى حنيفة في شفعة الجوار، وإذا كان كذلك فلا فرق بين أن يكون الخليط وافر السهم وبين أن يكون قليله حتى لو خالط بنسبة واحد من ألف استحق الشفعة، وإذا تعدد الخلطاء كانت بينهم على ما سيأتي.
стр. 750
ولا فرق بين أن يكون ملكه صار إليه بابتياع أو ميراث أو هبة أو وصية من بائع الشقص أو من غيره لانه مالك قد يستضر بسوء المشاركة ويتأذى بمؤونة المقاسمة.
وأما إذا كانت حصة الخليط وقفا نظر في الوقف فان كان عاما كالوقف على الفقراء والمساكين، أو كان خاصا لا يملك كالوقف على جامع فلا يستحق به شفعة في المبيع، وان كان خاصا على مالك الوقف على رجل بعينه أو على جماعة بأعيانهم فلا يملك به الواقف شفعة لزوال ملكه عن الوقف، فأما الموقف عليه، فقد اختلف قول الشافعي هل يكون مالكا لرقبة الوقف أم لا؟ على قولين، أحدهما: يستحق به الشفعة لثبوت ملكه واستضراره بسوء المشاركة والوجه الثاني: لا شفعة له لانه ليس بتام الملك ولا مطلق التصرف.
ثم الشفعة تجب للاب على ابنه وللابن على أبيه وللرجل على زوجته وللمرأة على زوجها وللسيد على مكاتبه وللمكاتب على مولاه ولا يستحقها السيد على عبده ولا على مدبره ولا على أم ولده ولا يستحقها أحدهم عليه.
وأما القسم الرابع وهو ما تؤخذ به الشفعة فهو ما جعل بدلا عن الشقص المنقول الملك من ثمن ان كان في أجرة أو بيع أو أجرة المثل ان كان في اجارة أو مهر المثل ان كان في صداق على ما سنفصله والله أعلم.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
وان اشترى شقصا وشرط الخيار فيه للبائع لم يكن للشفيع أن يأخذ قبل انقضاء الخيار لانه في أحد الاقوال لا يملك الشقص، وفى القول
الثاني ملكه موقوف، فلا يعلم هل يملك أم لا؟ وفى القول الثالث يملكه ملكا غير تام، لان للبائع أن يفسخه، ولانه إذا أخذ بالشفعة أضر بالبائع لانه يسقط حقه من الفسخ والضرر لا يزال بالضرر وان شرط الخيار للمشترى وحده فان قلنا أنه لا يملك أو قلنا أنه موقوف لم يأخذ لما ذكرناه في خيار البائع وان قلنا: انه يملكه ففيه قولان أحدهما لا يأخذه، لانه بيع فيه خيار فلا يأخذ به كما لو كان الخيار البائع.
والثانى: يأخذه وهو الصحيح لانه لا حق فيه لغير
стр. 751
المشترى، والشفيع يملك اسقاط حقه، ولهذا يملك اسقاط حقه بعد لزوم البيع واستقرار الملك، فلان يملك قبل لزومه أولى.
(فصل)
وتثبت الشفعة للكافر على المسلم لحديث جابر رضى الله عنه لا يحل له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه فان باعه ولم يؤذنه فهو أحق به ولم يفرق ولانه خيار جعل لدفع الضرر عن المال فاستوى فيه الكافر والمسلم كالرد بالعيب.
(فصل)
ولا يأخذ بالشفعة من لا يقدر على العوض لانه إذا أخذه ولم يقدر على العوض أضر بالمشترى والضرر لا يزال بالضرر فان أحضر رهنا أو ضمينا أو عوضا عن الثمن لم يلزم قبوله لان ما استحق أخذه بالعوض لم يلزم قبول الرهن والضمين والعوض فيه كالمبيع في يد البائع.
(فصل)
ويأخذ الشفيع بالعوض الذى ملك به فان اشتراه أخذه بالثمن لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال فان باعه فهو أحق به بالثمن وإن اشترى شقصا وسيفا بثمن قسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما وأخذ الشقص بحصته وترك السيف على المشترى بحصته لان الثمن ينقسم على المبيع على قدر قيمته ولا يثبت للمشترى الخيار في فسخ البيع بتفريق الصفقة عليه لانه
دخل في العقد على بصيرة أن الصفقة تفرق عليه وإن اشترى الشقص بثمن ثم ألحق به زيادة أو حط عنه بعضه أو وجد به عيبا فأخذ عنه الارش فعلى ما ذكرناه في بيع المرابحة فان نقص الشقص في يد المشترى فقد روى المزني أن الشفيع يأخذه بجميع الثمن وقال في القديم يأخذه بالحصة واختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من قال فيه قولان وهو الصحيح أحدهما يأخذه بجميع الثمن كالعبد المبيع إذا ذهبت عينه في يد البائع فان المشترى يأخذه بجميع الثمن والقول الثاني أنه يأخذه بالحصة وهو الصحيح لانه أخذ بعض ما دخل في العقد فأخذه بالحصة كما لو كان معه سيف.
ومنهم من قال إن ذهب التأليف ولم يذهب من الاجزاء شئ أخذ بالجميع لان الذى يقابله الثمن أجزاء العين وهى باقية فان تلف بعض الاجزاء
стр. 752
من الآجر والخشب أخذه بالحصة لانه تلف بعض ما يقابله الثمن فأخذ الباقي بالحصة وحمل القولين على هذين الحالين ومنهم من قال إن كانت العرصة باقية أخذ بالجميع لان العرصة هي الاصل وهى باقيه فان ذهب بعض العرصة أخذ بالحصة لانه تلف بعض الاصل فأخذ الباقي بالحصة وحمل القولين على هذين الحالين ومنهم من قال إن تلف بجائحة من السماء أخذ بالجميع لانه لم يحصل للمشترى بدل التالف وأن تلف بفعل آدمى أخذ بالحصة لانه حصل للمشترى بدل التالف وحمل القولين على هذين الحالين.
(فصل)
وإن اشترى الشقص بمائة مؤجلة ففيه ثلاثة أقوال أحدها يأخذ بمائة مؤجلة لان الشفيع تابع للمشترى في قدر الثمن وصفته فكان تابعا له في التأجيل.
والثانى: أنه يأخذه بسلعة تساوى مائة إلى الاجل، لانه لا يمكن أن يطالب بمائة حالة لان ذلك أكثر مما لزم المشترى، ولا يمكن أن يطالب بمائة مؤجلة، لان الذمم لا تتماثل فتجعل ذمة الشفيع مثل ذمة المشترى، فوجب أن
يعدل إلى جنس آخر بقيمته كما يعدل فيما لا مثل له إلى جنس آخر بقيمته.
والثالث: وهو الصحيح أنه يخبر بين أن يعجل الثمن ويأخذ، وبين أن يصبر إلى أن يحل فيأخذ، لانه لا يمكن أن يطالب بمائة حالة ولا بمائة مؤجلة لما ذكرناه ولا يمكن أن يأخذ بسلعة لان الشفيع إنما يأخذ بالمثل أو بالقيمة، والسلعه ليست بمثل الثمن ولا هي قيمته فلم يبق إلا التخيير.
(فصل)
وإن باع رجل في مرضه من وارثه شقصا يساوى ألفين بألف ولم تجز الورثة بطل البيع في نصفه لانه قدر المحاباة فان اختار الشفيع أن يأخذ النصف بالالف لم يكن للمشترى الخيار في تفريق الصفقة لان الشفيع أخذه بالف وان لم ياخذه الشفيع فللمشترى أن يفسخ البيع ليفرق الصفقة عليه وان باع من أجنبي وحاباه والشفيع وارث فاحتمل الثلث المحاباة ففيه خمسة أوجه أحدها أن البيع يصح في نصف الشقص بالالف، وللشفيع أن ياخذه ويبقى النصف للمشترى بلا ثمن، لان المحاباة وصية والوصية للمشترى تصح، ولا تصح للشفيع، فيصير كانه وهب له النصف وباع منه النصف بثمن المثل، وياخذ الشفيع النصف بجميع
стр. 753
الثمن، ويبقى النصف للمشترى بغير ثمن.
والثانى أن البيع يصح في نصفه بالالف لانا إن دفعنا الجميع إلى الشفيع بالالف حصلت الوصية للوارث وإن دفعنا إليه النصف بالالف وتركنا النصف على المشترى ألزمنا الشفيع في النصف أكثر مما لزم المشترى فلم يبق إلا الفسخ بالنصف، ودفع النصف إلى الوارث من غير محاباة، والثالث أن البيع باطل لان المحاباة تعلقت بالكل فلا يجوز أن تجعل في نصفه، والرابع أنه يصح البيع وتسقط الشفعه، لان اثبات الشفعة يؤدى إلى إبطال البيع، وإذا بطل البيع سقطت الشفعة، وما أدى ثبوته إلى سقوطه وسقوط غيره سقط فسقطت الشفعة وبقى البيع، والخامس وهو الصحيح أنه يصح البيع
في الجميع بالالف، ويأخذ الشفيع الجميع بالالف، لان المحاباة وقعت للمشترى دون الشفيع والمشترى أجنبي فصحت المحاباة له (الشرح) قال الشافعي: وان علم يعنى بالبيع فطالب مكانه فهى له، وإن أمكنه فلم يطلب بطلت شفعته قال الماوردى في الحاوى: اعلم أن الشفعة تجب بالبيع وتستحق بالطلب وتملك بالاخذ، فإذا بيع الشقص ووجبت فيه الشفعة لم يخل حال الشفيع من أحد أمرين اما أن يعلم بالبيع أو لا يعلم، فان لم يعلم بالبيع فهو على حقه من الشفعه إذا علم وان تطاول به الزمان كالمشترى إذا لم يعلم بعيب ما اشترى كان على حقه من الرد إذا علم، وأما إذا علم بالبيع فله حالتان احداهما: أن يكون قادرا على الطلب.
والحال الثانية: أن يكون معذورا، فان كان قادرا على الطلب فله ثلاثة أحوال إحداها: أن يبادر إلى الطلب، فهو على حقه من الشفعة، ولا يحتاج إلى حكم حاكم في الاخذ بها لانها ثبتت بنصر واجمال وانما يفتقر إلى حكم الحاكم فيما ثبت باجتهاده فلو قال الشفيع حين بادر بالطلب: انظروني بالثمن واحكموا لى بالملك لم يجز، وهكذا لو قال: احكموا لى بالملك متراخص الثمن لم يجز أن يحكم له بالملك.
لانه لا يجوز أن يزيل الضرر عن نفسه بالشفعة ويدخله على المشترى بالتأخير، فان سأل التوقف حتى يحضر الثمن جاز أن ينظره الحاكم به يوما أو يومين وأكثره ثلاثا، فان جاء بالثمن كان على حقه من الشفعة وان أخره عن المدة التى أنظره الحاكم بها بطلت شفعته.
стр. 754
والحال الثانية: من أحوال الشفيع بعد علمه بالبيع أن يعفو عن الشفعة، والعفو على ضربين صريح وتعريض، فالصريح أن يقول: قد عفوت عن الشفعة أو تركتها أو نزلت عنها: فهذا مبطل لشفعته، والتعريض أن يساوم المشترى في الشقص أو يطالبه بالقسمة أو يستأجر منه أو يساميه، فهل يكون التعريض
بهذه الالفاظ كصريح العفو في إبطال الشفعه أم لا؟ على قولين نص عليهما في القديم
(أحدهما)
أنها كالصريح في إبطال الشفعه
(والثانى)
إنه على حقه ما لم يصرح بالعفو لما فرق الله به في الخطبة بين حكم التعريض والتصريح.
فأما قوله للمشترى " بارك الله لك في صفقتك " فليس بعفو صريح ولا تعريض لان وصوله إلى الثمن من الشفيع بركة في صفقته، وهكذا لو شهد للمشترى في ابتياعه لم يكن عفوا صريحا ولا تعريضا، لان الشهادة وثيقة في البيع الذى بتمامه يستحق الشفعة.
وجعل أبو حنيفة هذين الامرين عفوا صريحا والحال الثالثة بعد علمه بالبيع وتمكنه من الاخذ أن يمسك عن الطلب.
ففيه ثلاثة أقاويل: (أحدها) وهو قوله في الجديد والاملاء وبه تقع الفتيا أن الشفعه قد بطلت بتقضى زمان المكنة وان حق طلبها على الفور
(والثانى)
أن حق الشفعة مؤقت بثلاثة أيام بعد المكنة، فإن طلبها إلى ثلاث كان على حقه، وان مضت الثلاث قبل طلبه بطلت قاله الشافعي في كتاب السير قال وهذا استحسان وليس بأصل.
(والقول الثالث) أن حق الشفعة ممتد على التراخي من غير تقدير بمدة، وبه قال في القديم.
(قلت) فإذا قيل بالاول (الفور) وبه قال أبو حنيفة، فإن أخذها فهى له وإن تركها رجع باللائمة على نفسه، وإذا قيل بالثاني بتقديره بثلاثة أيام بعد المكنة فوجهه أن الشفعه موضوعه لارتفاق الشفيع بها في التماس الحظ لنفسه في الاخذ والترك والاختيار والمشترى في حسن المشاركة ليقر، أو في سوء المشاركة ليصرف فكان تقديرها بثلاثة أيام يتوصل بها إلى إتمام حظه، ولا يضر المشترى
стр. 755
بتأخيره بخلاف ما قال مالك من تقديرها بسنة في رواية ابن وهب، وبأربعة أشهر في رواية غيره.
دليلنا قوله ﷺ " الشفعه كنشيطة عقال، فان أخذها فهى له وإن تركها رجع باللائمة على نفسه (فرع)
تثبت الشفعه للكافر على المسلم إذا كان شريكا لحديث جابر " لا يحل له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه " وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز والنخعي وإياس بن معاويه وحماد بن أبى سليمان والثوري ومالك والشافعي والعنبري وأصحاب الرأى لعموم الحديث.
وقال أحمد: لا شفعة لمسلم على كافر وتصح من الذمي للذمي، وهو مروى عن الحسن والشعبى أخذ من حديث " لا شفعة لنصراني " وهو حديث لم يصح إسنادا ودليلنا عموم الحديث وقواعد البياعات لانها خيار ثابت لدفع الضرر بالشراء فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب (فرع)
قال الشافعي: وان اشتراها بثمن إلى أجل قيل للشفيع: ان شئت تعجل الثمن وتعجل الشفعه، وان شئت فدع حتى يحل الاجل، وصورتها في رجل اشترى شقصا بثمن مؤجل وحضر الشفيع مطالبا ففيه قولان
(أحدهما)
وهو قوله في القديم وبه قال مالك: إن للشفيع أن يتعجل أخذها ويكون الثمن مؤجلا في ذمته إن كان ثقة، وإن كان غير ثقة أقام ضمينا ثقة.
قال الشافعي: وهذا أشبه بصلاح الناس.
ووجه هذا القول شيئان
(أحدهما)
أن الشفيع يدخل مدخل المشترى في قدر الثمن وصفاته والاجل وصفاته، فاقتضى أن يأخذها بمثل الثمن وأجله.
(والثانى)
أن تعجيل المؤجل زيادة في القدر تتفاضل الاثمان به وليس للمشترى أن يشتريه.
وتأخير الشفيع دفع له عن حقه، وليس للمشترى دفع الشفيع
والقول الثاني وبه قال في الجديد، وهو قول أبى حنيفه أن الشفيع لا يتعجل الشقص بالثمن المؤجل، ويقال له: أنت مخير بين أن تعجل الثمن فتعجل أخذ الشقص وبين أن تصبر إلى حلول الاجل فتدفع الثمن وتأخذ الشقص.
ووجه هذا القول شيئان (ا) إن أخذ الشفعه باستحقاق والاجل يدخل في عقود
стр. 756
المراضاة ولا يدخل في الاستحقاق ما لم يكن مراضاة (ب) إن رضا البائع بذمة المشترى لا يوجب على المشترى أن يرضى بذمة الشفيع، ولذلك حل دين الميت لان رضى ربه بذمته لا يوجب عليه الرضا بذمة وارثه فإذا تقرر توجيه القولين فللمشترى والشفيع أربعة أحوال (أحدها) أن يعجل الشفيع الثمن فيجبر المشترى على تسليم الشقص على القولين معا، لانه قد تعجل مؤجلا وأمن خطرا.
والحال الثانية أن يرضى المشترى تسليم الشقص وتأجيل الثمن فيلزم الشفيع أن يأخذ أو يعفو على القولين معا، لانه قد يتعجل منافع الشقص حتى لا يستضر بتعجيل الثمن، فإن لم يفعل وانتظر لاخذه بحلول الاجل بطلت شفعته على قوله في القديم، وفى بطلانها على الجديد وجهان.
أحدهما وهو قول ابى العباس بن سريج أنه على شفعته إلى حلول الاجل، لان تأجيل الثمن قد جعل حق الطلب مقدرا به.
والوجه الثاني وهو الاصح: أن شفعته قد بطلت لان طلبه قدر بمدة الاجل رفقا بالمشترى فصار من حقوقه لا من حقوق الشفيع.
والحال الثالثة: أن يدعو المشترى إلى تعجيل الشئ وتسليم الشقص، فلا يلزم الشفيع ذلك على القولين معا، لان تعجيل المؤجل استزادة في الثمن والمشترى ممنوع من الاستزادة فيه، فلو قال المشترى: أنا أحطه من الثمن بسبب التعجيل قدر ما بين الحال والمؤجل لم يجز لامرين:
(أحدهما)
أنه مفض إلى الربا
(والثانى)
أن ما استحق تأجيله لم يلزم تعجيله والحال الرابعة: أن يطالب الشفيع بالشقص معجلا، ويؤخر الثمن إلى حلول الاجل فهى مسألة القولين، فعلى قوله في القديم يجاب إلى ذلك إن كان ثقة أو يضمنه ثقة، فعلى هذا لو مات المشترى حل ما عليه من الثمن ولم يحل ما على الشفيع منه وكان باقيا إلى أجله، ولو مات الشفيع حل ما عليه من الثمن وللمشترى أن يتعجله وما عليه باق إلى أجله، ولو كان المشترى قد دفع الثمن رهنا لم يلزم الشفيع أن يدفع به رهنا، لان الرهن وثيقة في الثمن، وليس في جملة الثمن وعلى قوله في الجديد يمنع من الشقص إلى حلول الاجل والمشترى يمكن من التصرف فيه بما شاء من سكنى واستغلال وإجارة وبيع ما لم يستهلك، لان تعلق حق
стр. 757
الشفيع به لا يزيل ملك المشترى عنه فلا يمنع من التصرف في ملكه إلا بما يفضى إلى إبطال حق الشفيع من الاستهلاك والاتلاف وليس البيع استهلاكا لانه بعد البيع يقدر على أخذه بأى العقدين شاء فلو مات المشترى حل ما عليه من الثمن وكان للشفيع أن يصبر إلى حلول الاجل، ولو مات الشفيع كان لورثته أن يصبروا إلى حلول الاجل لانه لم يتعلق بذمته ما يحل بموته بخلاف القول الاول (فرع)
لو باع الرجل في مرض موته شقصا بألف درهم وهو يساوى ثلاثة آلاف حاباه في ثمنه بألفين فللمشترى وللشفيع ثلاثة أحوال: إحداهن أن يكونا أجنبيين من البائع، والثانية أن يكون المشترى وارثا والشفيع أجنبيا، والثالثة أن يكون المشترى أجنبيا والشفيع وارثا.
فأما الحال الاولى فلا تخلو حال البائع من أن يملك مالا غير الشقص أو لا، فإن كان يملك مالا تخرج المحاباة من ثلثه صحت المحاباة وأخذ المشترى الشقص بألف درهم وللشفيع أن يأخذه منه بالالف لانه يملك الشفعة بالثمن مسترخصا كان أو غاليا، وإن كان البائع لا يملك غير
الشقص فللمشترى الخيار في أن يأخذ عن الشقص بألف درهم أو يرد ليحصل له نصف المحاباة، وهى ألف تكون ثلث التركة ويرجع إلى الورثة ثلث الشقص وقيمته ألف مع ألف حصلت لهم ثمنا فيصير مثلى المحاباة بالالف ثم للشفيع أن يأخذ بالالف ثلثى الشقص الصائر للمشترى بالالف.
أما الحال الثانية: وهو أن يكون المشترى وارثا والشفيع أجنبيا فالمحاباة باطلة.
وإن خرجت من الثلث لانها وصية لوارث والمشترى بالخيار بين أن يأخذ ثلث الشقص بألف وبين أن يرده، فإن أخذ مثله بالالف فللشفيع أخذ الثلث منه بالالف، وان رده المشترى عرض على الشفيع قبل رده، فإن رضى أن يأخذ ثلث الشقص بألف كان أحق وبطل رد المشترى لانه يرد ليحصل له الثمن الخارج من يده وقد حصل له ذلك من جهة الشفيع فوصل إلى حقه ومنع من إبطال حق الشفيع برده، كالمنع من رده بعيب لو ظهر إذا رضى الشفيع، ويكون عهدة الشفيع على المشترى، فلو أن باقى الورثة أجازوا للوارث محاباته وأعطوا الشقص كله بالالف جاز.
وفيما يأخذه الشفيع قولان مبنيان على اختلاف قولين في إجازة الورثة هل تكون عطية أو إمضاء؟
стр. 758
(أحدهما)
أنه امضاء فعلى هذا للشفيع أن يأخذ الشقص كله بالالف
(والثانى)
أنه ابتداء عطية فعلى هذا يأخذ ثلث الشقص بالالف ويخلص للمشترى ثلثاه لانها عطية له خالصة.
وأما الحال الثالثة وهو أن يكون المشترى أجنبيا والشفيع وارثا، فالمحاباة وهى ألفا درهم ثلاثة أحوال: حال يحتمل الثلث جميعها، وحال لا يحتمل شيئا منها، وحال يحتمل الثلث بعضها، فإن لم يحتمل الثلث شيئا منها لاحاطة الدين بالتركة بطلت المحاباة وكان للمشترى الخيار في أخذ ثلث الشقص بالالف أو رده، فإن أخذه كان الشفيع أحق به، وإن كان وارثا لانه لا محاباة
فيه.
وان احتمل الثلث جميع المحاباة لانه ذو مال تخرج الالفان من ثلثه فالمحاباة بثلثي الشقص.
وان احتمل الثلث بعضها وهو أن لا يملك غير الشقص المقوم بثلاثة آلاف درهم احتمل الثلث نصف المحاباة وهو ثلث الشقص.
وفيها أربعة أوجه حكاها ابن سريج: (أحدها) أنها جائزة للمشترى والشفيع لان المشترى مقصود بها فصحت له، والشفيع داخل عليه فوجبت له.
فعلى هذا يأخذ المشترى ثلثى الشقص بألف درهم وللشفيع أخذ هذين الثلثين بالالف ويرجع الثلث على الورثة مع الالف الصائر إليهم ثمنها والوجه الثاني: أن المحاباة جائزة للمشترى دون الشفيع، لان المشترى ممن تصح محاباته - وهو بها مقصود - والشفيع ممن لا تصح محاباته، وهو بها غير مقصود.
فعلى هذا يأخذ المشترى ثلث الشقص بألف، وللشفيع أن يأخذ منه ثلثه بألف ويرجع إلى الورثة الثلث، فيصير الشقص أثلاثا: ثلثه للورثه، لان الثلث لا يحتمل، وثلثه للمشترى لانها محاباة له، وثلثه للشفيع بعد رد المحاباة التى لا تصح له.
والوجه الثالث: أن المحاباة باطلة للمشترى وللشفيع جميعا، لانها قد تفضى إلى الشفيع الذى لا يملكها وهى مقترنة بالمبيع الذى لا يجوز أن يفرد عنها، فعلى هذا للمشترى أن يأخذ ثلث الشقص بالالف، وللشفيع أن يأخذه منه بالالف ويرجع الثلثان على الورثة.
стр. 759
والوجه الرابع أن المحاباة موقوفه مراعاة فإن عفى الشفيع عن شفعته صحت المحاباة للمشترى واستحق الشفيع المحاباة بشفعته، لانها ليست محاباة من المشترى
ألا تراه يأخذها منه جبرا بلا اختيار.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن اشترى الشقص بعرض فإن كان له مثل كالحبوب والادهان أخذه بمثله، لانه من ذوات الامثال، فأخذ به كالدراهم والدنانير وإن لم يكن له مثل كالعبيد والثياب أخذه بقيمته لان القيمة مثل لما لا مثل له ويأخذه بقيمته حال وحوب الشفعة كما يأخذ بالثمن الذى وجب عند وجوب الشفعة وان اشترى الشقص بعبد وأخذ الشفيع بقيمته ووجد البائع بالعبد عيبا ورده أخذ قيمة الشقص وهل يثبت التراجع للشفيع والمشترى بما بين قيمة العبد وقيمة الشقص فيه وجهان أحدهما لا يتراجعان لان الشفيع أخذ بما استقر عليه العقد وهو قيمة العبد فلا يتغير بما طرأ بعده والثانى يتراجعان فإن كانت قيمة الشقص أكثر رجع المشترى على الشفيع وإن كانت قيمة العبد أكثر رجع الشفيع على المشترى لانه استقر الشقص على المشترى بقيمته فثبت التراجع بما بين القيمتين وان وجد البائع بالعبد العيب وقد حدث عنده عيب آخر فرجع على المشترى بالارش نظرت فإن أخذ المشترى من الشفيع قيمة العبد سليما لم يرجع عليه بالارش لان الارش دخل في القيمة وإن أخذ قيمته معيبا فهل يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَرْجِعُ لانه أخذ الشقص بقيمة العبد المعيب الذى استقر عليه العقد.
والثانى يرجع بالارش لانه استقر الشقص عليه بقيمة عبد سليم فرجع به على الشفيع.
(فصل)
وان جعل الشقص أجرة في إجارة أخذه الشفيع بأجرة مثل المنفعة فإن جعل صداقا في نكاح أو بدلا في خلع أخذ الشفيع بمهر مثل المرأة لان المنفعة لا مثل لها فأخذ بقيمتها كالثوب والعبد وان جعل متعة في طلاق امرأة أخذ الشفيع بمتعة مثلها لا بالمهر لان الواجب بالطلاق متعة مثلها لا المهر.
(فصل)
والشفيع بالخيار بين الاخذ والترك لانه حق ثبت له لدفع الضرر
стр. 760
عنه فخير بين أخذه وتركه وفى خياره أربعة أقوال قولان نص عليهما في القديم أحدهما له على التراخي لا يسقط إلا بالعفو أو بما يدل على العفو كقوله بعنى أو قاسمني وما أشبههما لانه حق له لا ضرر على المستحق عليه في تأخيره فلم يسقط إلا بالعفو كالخيار في القصاص والثانى أنه بالخيار إلى أن يرفعه المشترى إلى الحاكم ليجبره على الاخذ أو العفو لانا لو قلنا أنه على الفور أضررنا بالشفيع لانه لا يأمن مع الاستعجال أن يترك والحظ في الاخذ أو يأخذه والحظ في الترك فيندم وإن قلنا أنه على التراخي إلى أن يسقط أضررنا بالمشترى لانه لا يقدر على التصرف والسعى في عمارته خوفا من الشفيع فجعل له إلى أن يرفع إلى الحاكم ليدفع عنه الضرر.
والثالث نص عليه في سير حرملة أنه بالخيار إلى ثلاثة أيام لانه لا يمكن أن يجعل على الفور لانه يستضر به الشفيع ولا أن يجعل على التراخي لانه يستضر به المشترى فقدر بثلاثة أيام لانه لا ضرر فيه على الشفيع لانه يمكنه أن يعرف ما فيه من الحظ في ثلاثة أيام ولا على المشترى لانه قريب.
والرابع نص عليه في الجديد أنه على الفور وهو الصحيح لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال الشفعة لمن واثبها وروى أنه قال الشفعة كنشطة العقال إن قيدت ثبتت وان تركت فاللوم على من تركها.
فَعَلَى هَذَا إنْ أَخَّرَ الطَّلَبَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ سَقَطَ لِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَسَقَطَ بِالتَّأْخِيرِ من غير عذر كالرد بالعيب وان أخره لطهارة أو صلاة أو طعام أو لبس ثوب أو اغلاق باب فهو على شفعته لانه ترك الطلب لعذر وان قال سلام عليكم أنا مطالب بالشفعة ثبتت الشفعة لان السلام قبل الكلام سنة فلا تسقط به الشفعه وان قال بارك الله في
صفقة يمينك أنا مطالب بالشفعه لم تسقط لان الدعاء له بالبركة لا يدل على ترك الشفعه لانه يجوز أن يكون دعاء للصفقه بالبركه لانها أوصلته إلى الاخذ بالشفعه وان قال صالحني عن الشفعه على مال لم يصح الصلح لانه خيار فلا يجوز أخذ العوض.
عنه كخيار الشرط وفى شفعته وجهان أحدهما تسقط لانه أعرض عن طلبها من غير عذر والثانى لا تسقط لانه تركها على عوض ولم يسلم له العوض
стр. 761
فبقى على شفعته فان أخذه بثمن مستحق ففيه وجهان أحدهما تسقط لانه ترك الاخذ الذى يملك به من غير عذر والثانى لا تسقط لانه استحق الشقص بمثل الثمن في الذمه فإذا عينه فيما لا يملك سقط التعيين وبقى الاستحقاق كما لو اشترى شيئا بثمن في الذمه ووزن فيه ما لا يملك.
(الشرح) قال الشافعي وللشفيع الشفعة بالثمن الذى وقع به البيع، وهذا كما قال: وإنما أخذه بالثمن لرواية بعضهم ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نصا، ولانه يدخل مدخل المشترى فوجب أن يأخذ الشقص بما أخذه المشترى، ولان عدولهما عن الثمن لا يخلو من ثلاثة أحوال فاسدة، إما أن يأخذه بما يرضى به المشترى، وفى ذلك ضرر على الشفيع لانه قد لا يرضى إلا ببعض الثمن، وإما أن يأخذه بالقيمة فقد تكون أقل من الثمن فيستضر المشترى وقد يكون أكثر من الثمن فيستضر الشفيع، وإذا بطلت هذه الاحوال فثبت أخذه بالثمن.
فإذا ثبت أن الشفيع يأخذه بالثمن فلا يخلو أن يكون الثمن مما له مثل كالدراهم والدنانير والبر والشعير أو مما لا مثل له كالحيوان والعروض، فإن كان مما له مثل أخذه بمثله جنسا وصفة وقدرا، وإن كان مما لا مثل له اخذه الشفيع بقيمته في أقل الاحوال من وقت العقد إلى وقت تسليم المشترى له إلى البائع، لانه إن زاد فالزيادة حادثة في ملك البائع لم يتناولها العقد، وإن نقص فالنقصان مضمون
على المشترى فخرج من العقد.
فلو كان الثمن ألف درهم فدفعها المشترى إلى البائع فوجدها البائع زيوفا فهو بالخيار بين أن يسامح وبين أن يبدلها، فإن رضى بها فللشفيع أن يأخذ الشقص بألف درهم جياد، أو لو كان الثمن حيوانا فاعور الحيوان في يد المشترى فللبائع الخيار بين فسخ البيع في الحيوان وبين الرضا بالعور وإمضاء البيع فإن رضى بالعور أخذه الشفيع بقيمة الحيوان أعور.
وقال أبو حنيفة: يأخذه بقيمته سليما كما يأخذه بمثل الالف جيادا، لانه ليس الرضا بالعيب الحادث خطأ في الثمن وهذا خطأ، لان رضاه بعيبه رضا منه بأنه هو الثمن بعينه والفرق بين الحيوان والالف أن عور الحيوان لما أحدث له خيارا في فسخ البيع صار الحيوان
стр. 762
الاعور ثمنا وزيافة الدراهم لا تحدث له خيارا في فسخ البيع، وإذا استحق أخذ بدلها فصار الجيد ثمنا له.
(فرع)
إذا اشترى شقصا من دار بمائة دينار ثم وجد به عيبا نقصه عشر الثمن فصالحه البائع عن العيب على شئ كمذياع صغير أو كبش ثم حضر الشفيع فله أخذ الشقص بتسعين دينارا لان المشترى قد استرجع العشر أرشا، فإن استحق المذياع أو الكبش من يد المشترى أو ردها بخيار شرط أو عيب نظر، فإن دفع البائع إلى المشترى العشرة التى هي أرش العيب فقد وصل إلى حقه من تمام الثمن ولا مطالبة بينه وبين الشفيع، وإن امتنع البائع من دفعها ولم يرض إلا برد المبيع لم يجبر على بذل الارش، وقيل للشفيع: إن دفعت إلى المشترى عشرة لتتم المائة التى دفعها ثمنا جمعت لك الشفعة، وإن امتنعت لم تجبر على دفعها ولزمك رد الشقص على المشترى واسترجاع التسعين التى دفعتها، فإذا عاد الشقص إلى المشترى كان بالخيار بين أن يأخذه معيبا بالمائة كلها وبين أن يرده، فإن رضى
بأخذه بالمائة فلا شفعه للشفيع إن عاد يريدها لانها قد عرضت عليه بالمائة فردها فلو أن الشفيع أنكر تقدم العيب وتصادق عليه البائع والمشترى كان القول قول الشفيع مع يمينه على العلم دون البت ولا يصدقان في الازدياد عليه، فان نكل الشفيع حلف المشترى دون البائع لانه هو المتروك لنقص العيب، فان حلف كان الشفيع مخبرا بين دفع العشرة تكملة المائة أو الرد.
(فرع)
وقال الشافعي: فان تزوجها على شقص فهو للشفيع بقيمته وهذا كما قال: إذا تزوجها على شقص أصدقها وجب فيه الشفعه وهكذا لو خالعها عليه، وقال أبو حنيفة: لا شفعه فيه استدلالا بأمرين.
أحدهما: أنه مملوك بغير مال فلم تجب فيه الشفعه كالهبه والميراث.
والثانى: أن البضع لا يقوم إلا في عقد أو شبهة عقد، وليس بين الشفيع وبينهما ما يوجب تقويم بضعها.
стр. 763
ودليلنا عموم قوله ﷺ : الشفعة فيما لم يقسم، ولانه عقد معاوضة فجاز أن تثبت فيه الشفعة كالبيع، ولانه معنى وضع لرفع الضرر عن المالك فوجب أن يثبت في الصداق كالرد بالعيب، ولانه معنى يوجب زوال اليد المستحدثة عن المشترى فوجب أن يستحق زوال اليد عن الصداق كالاستحقاق ولان كل عضو استحق فيه إقباض الشقص معاوضة، استحق به إقباضه بشفعة كالبيع، ولان كل قبض وجب في عقد البيع وجب في عقد الصداق كالقبض الاول وبيانه أن في البيع قبضين، قبض المشترى من البائع وقبض الشفيع من الزوجة وأما الجواب عن قوله: إنه مملوك بغير مال فهو أن البضع في حكم الاموال لامرين.
أحدهما: أنه يعاوض عليه بمال في الصداق والخلع، وما لم يكن في حكم
الاموال فلا يجوز أن يعاوض عليه بمال.
والثانى: أنه معتبر في اغتصابه بالمال وما لم يكن مالا لم يقوم في استهلاكه بالمال، ثم المعنى في الهبة والميراث أنه مملوك بغير بدل فلم تجب فيه الشفعة، والصداق مملوك ببدل فوجبت فيه الشفعه.
واما الجواب عن قوله: ان البضع لا يقوم الا في عقد أو شبهة عقد فهو أنه غير مسلم لان المغتصبه مقومة البضع عندنا على غاصبها والمشهود بطلاقها مقومة البضع على الشهود إذا رجعوا للزوج دونها، فصار بضعها مقوما في غير عقد وشبهته في حقها وحق غيرها فلم يمنع من تقويمه في شفعة صداقها.
فإذا ثبت وجوب الشفعه في الصداق والخلع فمذهب الشافعي أنه مأخوذ بمهر المثل.
وقال مالك وابن أبى ليلى يؤخذ بقيمته لا بمهر المثل، وحكى نحوه عن الشافعي في القديم لان المهر قد يزاد فيها وينقص فخالفت البيوع، وهذا فاسد من وجهين، أحدهما: وجود هذا المعنى في الاثمان لجواز الزيادة والنقصان فيها، ثم لم يمتنع أن يؤخذ الشقص بمثل الثمن، كذلك لا يمتنع في الصداق أن يؤخذ بقيمة البضع، والثانى: أن ما لا مثل له من الاعواض يوجب الرجوع إلى قيمة العوض دون الشقص كالعبد والثوب، كذلك البضع الذى لا مثل له يوجب الرجوع إلى قيمته من المهر دون الشقص والله اعلم.
стр. 764
(فرع)
مضى كلامنا في الخيار للشفيع بين الاخذ والترك والمدة التى يجوز له فيها الرد، ونزيد البحث فنقول: إذا قيل بأن حق الشفعه مقدر بثلاثة أيام بعد المكنة فوجهه أن الشفعه موضوعه لارتفاق الشفيع بها في التماس الحظ لنفسه في الاخذ والترك والاختيار والمشترى في حسن المشاركة ليقر أو في سوء المشاركة ليصرف.
وقلنا إنه لو روعى
فيه الفور ضاق على الشفيع، ولو جعل على التأبيد أضر بالمشترى فاحتاج إلى مدة يتوصل بها الشفيع إلى إتمام حظه ولا يستضر المشترى بتأخيره فكان أولى الامور تقديرها بثلاثة أيام لامرين: أحدهما: أن الثلاث حد في الشرع لمدة الخيار.
والثانى أنها أقصى حد القله وأدنى حد الكثرة.
ألا ترى أن الله تعالى قد قضى بهلاك قوم أنظرهم بعده ثلاثا، فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب، وقد أذن النبي ﷺ أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا، فعلى هذا لو حصل في خلال الثلاثة الايام زمان يتعذر فيه المطالبة لم يحتسب به منها، ولقوله من زمان الملكة ثلاثة أيام يتمكن جميعها من المطالبة، فإذا قيل بأن حق الشفعه على التراخي فوجهه قوله ﷺ " فإن باع فشريكه أحق به حتى يؤديه " فكان على عموم الاوقات، ولان ما ملك من الحقوق لا يبطل بالتأخير كالديون ولان تأخير الشفعه أرفق بالمشترى في حصول المنفعة وتملك الاجرة، فعلى هذا الذى يسقط حقه من الشفعه ثلاثة أقاويل.
(أحدها) العفو الصريح دون غيره من التعويض، وليس للقاضى أن يقطع خياره إذا رفع إليه، لان الحاكم لا يملك إسقاط الحقوق وكالديون.
والثانى: أن شفعته تسقط بأحد أمرين: إما بالعفو الصريح أو بما يدل عليه من التعريض على ما ذكرنا.
والقول الثالث: أن شفعته تسقط بأحد ثلاثه.
أحدها العفو الصريح أو بما يدل عليه من التعريض أو بأن يتحاكم المشترى إلى القاضى فيلزمه الاخذ أو الترك فإن أخذ وإلا حكم عليه بإبطال الشفعه، لان القاضى مندوب إلى فصل الخصومات
стр. 765
فإذا تقرر ما وصفنا وأخذ الشفيع الشقص بالشفعه لم يجز أن يشرط فيه خيار
الثلاث، وفى استحقاق خيار المجلس وجهان حكاهما أبو القاسم: أحدهما له خيار المجلس لانه يوافق عقد البيع.
والثانى لا خيار له لانه يملك الشقص ملك إجبار لا عن مراضاة.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وإن وجبت له الشفعة وهو محبوس أو مريض أو غائب نظرت فان لم يقدر على الطلب ولا على التوكيل ولا على الاشهاد فهو على شفعته، لانه ترك بعذر، وان قدر على التوكيل فلم يوكل ففيه ثلاثه أوجه (أحدها) وهو قول القاضى أبى حامد أنه تسقط شفعته لانه ترك الطلب مع القدرة فأشبه إذا قدر على الطلب بنفسه فترك
(والثانى)
وهو قول أبى على الطبري أنه لا تسقط، لان التوكيل إن كان بعوض لزمه غرم وفيه ضرر، وإن كان بغير عوض احتاج إلى التزام منه وفى تحملها مشقة وذلك عذر فلم تسقط به الشفعة ومن أصحابنا من قال: إن وجد من يتطوع بالوكالة سقطت شفعته لانه ترك الطلب من غير ضرر، فإن لم يجد من يتطوع لم تسقط لانه ترك للضرر، وان عجز عن التوكيل وقدر على الاشهاد فلم يشهد ففيه قولان
(أحدهما)
تسقط شفعته لان الترك قد يكون للزهد وقد يكون للعجز وقد قدر على أن يبين ذلك بالشهادة، فإذا لم يفعل سقطت شفعته
(والثانى)
لا تسقط لان عذره في الترك ظاهر فلم يحتج معه إلى الشهادة
(فصل)
وإن قال أخرت الطلب لانى لم أصدق، فإن كان قد أخبره عدلان سقطت شفعته لانه أخبره من يثبت بقوله الحقوق، وان أخبره حر أو عبد أو امرأة ففيه وجهان
(أحدهما)
لا تسقط لانه ليس ببينة
(والثانى)
تسقط لانه أخبره من يجب تصديقه في الخبر وهذا من باب الاخبار فوجب تصديقهم فيه
(فصل)
فإن قال المشترى اشتريت بمائة فعفا الشفيع ثم بان أنه اشترى بخمسين فهو على شفعته لانه عفا عن الشفعة لعذر، وهو انه لا يرضاه بمائه
стр. 766
أو ليس معه مائة.
وإن قال اشتريت بخمسين فعفا ثم بان أنه كان قد اشتراه بمائة لم يكن له أن يطالب لان من لا يرضى الشقص بخمسين لا يرضاه بمائة، وإن قال اشتريت نصفه بمائة فعفا ثم بان أنه قد اشترى جميعه بمائة فهو على شفعته لانه لم يرض بترك الجميع، وإن قال اشتريت الشقص بمائة فعفا ثم بان أنه كان قد اشترى نصفه بمائه لم يكن له أن يطالب بالشفعة.
لان من لم يرض الشقص بمائة لا يرضى نصفه بمائه.
وإن قال اشتريت بأحد النقدين فعفا ثم بان أنه كان قد اشتراه بالنقد الاخر فهو على شفعته لانه يجوز أن يكون عفا لاعواز أحد النقدين عنده أو لحاجته إليه.
وإن قال اشتريت الشقص فعفا ثم بان أنه كان وكيلا فيه.
وإنما المشترى غيره، فهو على شفعته لانه قد يرضى مشاركة الوكيل، ولا يرضى مشاركة الموكل.
(فصل)
وإن وجبت له الشفعة فباع حصته، فإن كان بعد العلم بالشفعة سقطت شفعته، لانه ليس له ملك يستحق به، وإن باع قبل العلم بالشفعة ففيه وجهان
(أحدهما)
تسقط لانه زال السبب الذى يستحق به الشفعة، وهو الملك الذى يخاف الضرر بسببه
(والثانى)
لا تسقط لانه وجبت له الشفعه والشركة موجودة فلا تسقط بالبيع بعده.
(فصل)
ومن وجبت له الشفعه في شقص لم يجز أن يأخذ البعض ويعفو عن البعض، لان في ذلك اضرارا بالمشترى في تفريق الصفقه عليه، والضرر لا يزال بالضرر، فإن أخذ البعض وترك البعض سقطت شفعته لانه لا يتبعض
فإذا عفا عن البعض سقط الجميع كالقصاص.
وان اشترى شقصين من أرضين في عقد واحد فأراد الشفيع أن يأخذ أحدهما دون الاخر ففيه وجهان، أحدهما: لا يجوز، وهو الاظهر لما فيه من الاضرار بالمشترى في تفريق الصفقه عليه.
(والثانى)
يجوز لان الشفعه جعلت لدفع الضرر وربما كان الضرر في أحدهما دون الاخر، فان كان البائع أو المشترى اثنين جاز للشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما دون الاخر، لان عقد الواحد مع الاثنين عقدان، فجاز أن يأخذ أحدهما دون الاخر كما لو اشتراه في عقدين متفرقين
стр. 767
(فصل)
وإن كان للشقص شفعاء نظرت فإن حضروا وطلبوا أخذوا، فإن كانت حصة بعضهم أكثر ففيه قولان
(أحدهما)
أنه يقسم الشقص بينهم على عدد الرؤوس، وهو قول المزني، لان كل واحد منهم لو انفرد أخذ الجميع، فإذا اجتمعوا تساووا كما لو تساووا في الملك
(والثانى)
أنه يقسم بينهم على قدر الانصباء لانه حق يستحق بسبب الملك فيقسط عند الاشتراك على قدر الاملاك كأجرة الدكان وثمرة البستان، وإن عفا بعضهم عن حقه أخذ الباقون جميعه.
لان في أخذ البعض إضرارا بالمشترى، فإن جعل بعضهم حصته لبعض الشركاء لم يصح بل يكون لجميعهم، لان ذلك عفو وليس بهبة.
وإن حضر بعضهم أخذ جميعه، فإن حضر آخر قاسمه، وإن حضر الثالث قاسمهما، لانا بينا أنه لا يجوز التبعيض، فإن أخذ الحاضر الشقص وزاد في يده، بأن كان نخلا فأثمرت، ثم قدم الغائب قاسمه على الشقص دون الثمار، لان الثمار حديث في ملك الحاضر فاختص بها.
وإن قال الحاضر: أنا آخذ بقدر مالى لم يجز، وهل تسقط شفعته فيه وجهان أحدهما: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنها تسقط لانه قدر على أخذ الجميع وقد تركه.
والثانى: وهو قول أبى إسحاق أنها لا تسقط لانه تركه بعذر، وهو أنه يخشى أن يقدم الغائب فينتزعه منه.
والترك للعذر لا يسقط الشفعة، كما قلنا
فيمن أظهر له المشترى ثمنا كثيرا فترك ثم بان بخلافه
(فصل)
وإن كان المشترى شريكا بأن كان بين ثلاثة دار فباع أحدهم نصيبه من أحد شريكيه لم يكن للشريك الثاني أن يأخذ الجميع لان المشترى أحد الشريكين فلم يجز للآخر أن يأخذ الجميع - كما لو كان المشترى أجنبيا - وقال أبو العباس للشريك أن يأخذ الجميع، لانا لو قلنا انه يأخذ النصف لتركنا النصف على المشترى بالشفعة، والانسان لا يأخذ بالشفعة من نفسه، والمذهب الاول، لان المشترى لا يأخذ النصف من نفسه بالشفعة، وإنما يمنع الشريك أن يأخذ الجميع، ويبقى الباقي على ملكه
(فصل)
وان ورث رجلان من أبيهما دارا ثم مات أحدهما وخلف ابنين ثم باع أحد هذين الابنين حصته ففى الشفعة قولان.
أحدهما أن الشفعة بين الاخ والعلم وهو الصحيح لانهما شريكان للمشترى فاشتركا في الشفعة كما لو ملكاه بسبب واحد
стр. 768
(والثانى)
أنها للاخ دون العم لان الاخ أقرب إليه في الشركة لانهما ملكاه بسبب واحد والعم ملك بسبب قبلهما فعلى هذا إن عفا الآخ عن حقه فهل يستحق العم فيه وجهان.
أحدهما.
يستحق به لانه شريك وإنما قدم الاخ عليه لانه أقرب في الشركة فإذا ترك الاخ ثبت للعم كما نقول فيمن قتل رجلين أنه يقتل بالاول لان حقه أسبق فإذا عفا ولى الاول قتل بالثاني: والوجه الثاني أنه لا يستحق لانه لم يستحق الشفعة وقت الوجوب فلم يستحق بعده.
وإن كان بين ثلاثة أنفس دار فباع أحدهم نصيبه من رجلين، وعفا شريكاه عن الشفعة، ثم باع أحد المشتريين نصيبه، فعلى القولين
(أحدهما)
أن الشفعة للمشترى الآخر لانهما ملكاه بسبب واحد، والشريكان الاخران ملكاه بسبب
سابق لملك المشتريين
(والثانى)
أنها بين الجميع لان الجميع شركاء في الملك في حال وجوب الشفعه، وان مات رجل عن دار وخلف ابنتين وأختين ثم باعت إحدى الاختين نصيبها ففيه طريقان، من أصحابنا من قال: هي على القولين.
أحدهما: أن الشفعة للاخت لانها ملكت مع الاخت بسبب واحد وملك البنات بسبب آخر.
والثانى: أن الشفعه بين البنات والاخت لان الجميع شركاء في الملك: ومنهم من قال: إن الشفعه بين البنات والاخت قولا واحدا، لان الجميع ملكن الشقص في وقت واحد لم يسبق بعضهن بعضا.
(الشرح) قال الشافعي: فان علم وأخر الطلب فان كان له عذر من حبس أو غيره فهو على شفعته والا فلا شفعة له، ولا يقطعها طول غيبة، وانما يقطعها أن يعلم فيتركه، وهذا كما قال: إذا علم الشفيع بالبيع وكان معذورا بترك الطلب اما لغيبة أو مرض أو حبس فله ثلاثة أحوال.
أحدها: أن يقدر على الترك، فان وكل كان على حقه من الشفعة بل لو وكل وهو قادر على الطلب بنفسه جاز وكان على شفعته، لان من ثبت له حق فله الخيار
стр. 769
في استيفائه بنفسه أو بوكيله، وهل إذا قدر على التوكيل مع عجزه عن الطلب بنفسه يكون التوكيل واجبا وشرطا في بقاء شفعته أم لا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حامد المروروذى في جامعه: إن التوكيل واجب عليه بعوض وغير عوض لكونه قادرا به على الطلب.
والوجه الثاني وهو قول أبى على الطبري في إفصاحه: إن التوكيل غير واجب عليه بعوض وغير عوض، لان بذل العوض التزام غرم.
والوجه الثالث وهو قول بعض المتأخرين: إن وجد متطوعا بالوكاله وجب
عليه التوكيل لقدرته على الطلب من غير ضرر، وإن لم يجد إلا مستجعلا - والمستجعل طالب الجعالة لم يجب عليه التوكيل لما فيه من التزام زيادة على الثمن، فعلى هذا إن قيل بوجوب التوكيل بطلت شفعته إن لم يوكل، وان قيل: انها غير واجبة كان على شفعته.
والحال الثانيه: أن يعجز عن التوكيل ويقدر على الاشهاد بالطلب، فعند أبى حنيفة أن الاشهاد شرط في استحقاق الشفعة مع القدرة على الطلب ومع العجز عنه وانه متى لم يشهد مع مكنته من الاشهاد بطلت الشفعة، وعند الشافعي أن الاشهاد مع القدرة على الطلب ليس بواجب، لان الاشهاد انما يراد ليكون بينة له على ارادة الطلب فاستغنى عنه بظهور الطلب، فأما وجوب الاشهاد مع العجز عن الطلب ففيه قولان.
أحدهما وهو ظاهر نص الشافعي أن الاشهاد ليس بواجب، وهو على شفعته ان ترك كالقادر على الطلب.
والقول الثاني: أن الاشهاد واجب، وتركه مبطل للشفعة، والفرق بين القادر على الطلب والعاجز عنه أن ظهور الطلب من القادر عليه يغنى عن الاخبار بمراده، والعاجز عنه قد يحتمل أن يكون امساكه تركا للشفعة، ويحتمل أن يكون قصدا للطلب مع المكنة فافتقر إلى نفى الاحتمال في الاخبار عن مراده بالاشهاد فعلى هذا يجب أن يشهد ويكون بينة كاملة عند الحاكم وهو أن يشهد شاهدين عدلين أو شاهدا وامرأتين، فإن أشهد شاهدا واحدا ليحلف معه لم يجز لان من الحكام
стр. 770
من لا يحكم بالشاهد واليمين فلم يصر مستوثقا لنفسه بالاشهاد، ولو أشهد عبدا أو صبيانا أو فساقا لم يجزه.
وقال أبو حنيفة: يخرجهم به اشهادهم لانه قد ينعتق العبيد ويرشد الفساق
ويبلغ الصبيان وهذا خطأ، لان مقصود الشهادة هو الاداء، فلم ينفع اشهاد من لا يصح منه الاداء، وليس ما ذكره من جواز انتقالهم من أحوالهم بأغلب من جواز بقائهم على أحوالهم، فلو يشهد وطالب عند الحاكم بالشفعة فهو أقوى من الاشهاد في ثبوت الشفعة.
والحال الثالثة: أن يعجز عن التوكيل والاشهاد فهو على حقه من الشفعة، وان تطاول به الزمان ما لم يقدر على القدوم للطلب، فإن قدر على القدوم فأخذ فيه على المعهود في الناقب والمسير من غير ارهاق ولا استعجال كان على شفعته، وان أخر قدومه عن وقت المكنة بطلت شفعته، قال الماوردى: فإن اختلفا فقال المشترى تأخرت مع القدرة عليه، وقال الشفيع: تأخرت للعجز عنه فالقول قول الشفيع مع يمينه إذا كان ما قال ممكنا ويكون على شفعته ولم يقبل قول المشترى في ابطالها، وهكذا لو قال المشترى: قدمت بغير المطالبة، وقال الشفيع: قدمت للطلب كان القول قوله مع يمينه، وهو على شفعته.
(فرع)
وهكذا لو قال المشترى: تقدم علمك على زمان الطلب، وقال الشفيع لم أعلم الا وقت الطلب فالقول قول الشفيع مع يمينه، فأما ما يصير به عالما فالبينة العادلة، وكل جهر طرق سمعه صوته ووقع في نفسه، ولو من امرأة أو عبد أو كافر لان ما تعلق بالمعاملات يستوى فيه خبر الحر والعبد والعدل والفاسق إذا وقع في النفس أن المخبر صادق.
وقال أبو حنيفة: لا يصير عالما الا بالبينة العادله لان الحق لا يثبت الا بها فلو علم الشفيع بالبيع فأمسك عن الطلب لجهله باستحقاق الشفعه ففى بطلانها وجهان مخرجان من اختلاف قولين في الامة إذا أعتقت تحت عبد فأمسك عن الفسخ لجهله باستحقاقه.
(فرع)
إذا باع بمصر شقصا من دار بدمشق وحضر الشفيع فأخر طلبها مع
стр. 771
القدرة عليه ليأتي دمشق فيطالبه بها بطلت شفعته لان قدرته على أخذها بدمشق كقدرته على أخذها بمصر.
ولكن لو أنكر المشترى بمصر أنه خليط فأخرها ليقيم البينة في دمشق كان على شفعته إذا لم يجد بينة بدمشق قال الماوردى واختلف أصحابنا فيمن شهد به البينة في استحقاق الشفعة على وجهين: أحدهما أنه لا شفعة له إلا أن تشهد له البينة بالملك، وبه قال أبو حنيفة لئلا ينتزع ملكا بأمر محتمل والوجه الثاني: أنه يستحق الشفعة إذا شهدت له البينة باليد، وبه قال أبو يوسف، لانها حجة في الملك، لكن يحلف الشفيع مع بينته أنه مالك، ثم يحكم له بالشفعة.
وإذا عرض الشقص قبل البيع على الشفيع فلم يشتره ثم بيع فله المطالبة بالشفعة ولا يسقط حقه منها بامتناعه من الشراء لوجوبها بالبيع الحادث.
فلو عفا الشفيع عنها قبل الشراء كان عفوه باطلا وهو على حقه من الشفعة بعد الشراء لانه عفا عنه قبل استحقاقها فصار كإبرائه من الدين قبل وجوبه.
فإذا صالح الشفيع المشترى على مال يأخذه منه عوضا على تركه الشفعة لم يجز وكان صلحا باطلا وعوضا مردودا، كما لا يجوز أن يعاوض على ما قد استحقه من دين أو شرط.
وفى بطلان شفعته بذلك وجهان
(أحدهما)
أنها قد بطلت لانه تارك لها.
والوجه الثاني: أنها لم تبطل لان الترك مشروط بعوض فلما بطل العوض بطل الترك.
وإذا عفا الشفيع عن بعض الشفعة لم يتبعض العفو، وفيه وجهان.
أحدهما أن العفو باطل وهو على حقه من الشفعه في الكل، لان العفو لما لم يكمل بطل، وبه قال أبو يوسف
والوجه الثاني وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ العفو صحيح في الكل تعليقا لما ظهر من حكم التسليم، وبه قال محمد بن الحسن (فرع)
إذا وجبت الشفعة بخليط فباع حصته قبل الاخذ أو الترك لم يخل حاله عند بيعها من أحد أمرين، إما أن يبيعها قبل العلم بالشفعه أو بعد العلم بها، فإن باع حصته بعد العلم بالشفعة فلا شفعة له، لان المعنى الموجب لها من سوء
стр. 772
المشاركة والخوف من مئونة القسمة قد ارتفع بالبيع وزوال المالك، فعلى هذا لو باع بعض حصته ففى بطلان شفعته وجهان مخرجان من العافى عن بعض شفعته.
أحدهما: أنها لا تبطل وهو على حقه منها لانها لا تستحق بقليل الملك كما تستحق بكثيره.
فأما إن كان بيعه لحصته قبل العلم بشفعته ففى بطلان الشفعة وجهان.
أحدهما: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ شفعته قد بطلت لانه باع الملك المقصود بالشفعة كما له منافعه.
والثانى حكاه أبو حامد الاسفرايينى أنه على شفعته لانه قد ملكها، وليس في بيعه قبل العلم عفو عنها.
والوجه الاول أصح فإذا علم بالمبيع وقيل له إن الثمن ألف درهم فعفا عن الشفعة ثم بان ان الثمن مائة دينار كانت له الشفعة ولا يؤثر فيها ما تقدم من العفو لانه قد يعفو عن الدراهم لاعوازها معه، وهكذا لو قيل له إن الثمن مائة دينار فعفا عن الشفعه ثم بان أنه ألف درهم كان على شفعته.
وقال أبو يوسف: إن كان قيمة الالف مائة دينار فصاعدا فلا شفعة له، وان كانت قيمته أقل فله الشفعه، وقد خطأ أصحابنا هذا.
وإذا تعدد الشفعاء فقد قال الشافعي: إذا حضر أحد الشفعاء أخذ الكل بجميع الثمن، فان حضر الثاني أخذ منه النصف بنصف الثمن، فان حضر الثالث أخذ منهما الثلث بثلث الثمن حتى يكونوا في ذلك سواء.
وصورتها في دار بين
أربعة شركاء باع أحدهم حصته على غير شركائه فالشفعة فيها واجبه لشركائه الثلاثه، فان كانوا حاضرين وطلب بعضهم الشفعه دون بعض فيعطى الطالب وتبطل الشفعه لمن عفا، وللطالب أن يأخذ جميع الشقص بشفعته وليس له أن يبعض ويأخذ الثلث لما فيه من تفريق الصفقه فإذا كانوا جميعا غائبين فهم على حقوقهم من الشفعه ما لم يكن منهم عفو، فإذا ادعى المشترى على أحدهم العفو عن شفعته لم تسمع دعواه، لان للآخرين أن يأخذا الجميع فلم يكن لدعواه معنى، ولكن لو ادعى شريكان على الثالث منهم العفو سمعت دعواهما لما فيه من توفر حقه عليهما وأحلف لهما ولم تسمع شهادة المشترى عليه بالعفو لما فيها من شفعة عن مطالبته ولو ادعى المشترى على الثلاثة كلهم العفو كان له إحلافهم لانهم لو نكلوا
стр. 773
ردت اليمين عليه وسقط حقهم من الشفعة، فان حلف أحد الثلاثه ونكل إثنان منهم لم ترد أيمانهما على المشترى بنكولهما، لان عفو بعض الشفعاء مما يوجب الترك على المشترى ويأخذه من لم يعف ثم لا يقضى للحالف بالشفعة في الكل الا أن يحلف أن شريكيه قد عفوا، فإذا حلف أخذ كل الشقص وإن نكل أخذ منه قدر حصته وأخذ الناكلان منه قدر حصته.
وقال الشافعي: إذا كان الاثنان اقتسما كان للثالث نقض قسمتهما، وهذا كما قال: إذا كان للشقص المبيع ثلاثة شفعاء فحضر إثنان فأخذا الشقص بينهما لغيبة الثالث منعا من قسمته لان في الشقص حقا لشريكهما الغائب مع السهم الذى لم بقديم ملك، فان اقتسماه كانت القسمة باطلة، فلو حضر فعفا عن الشفعه لم تصح القسمة المتقدمة لفسادها ولو أراد الشفيعان الحاضران أن يبيعا ما كان لهما بقديم الملك وما أخذاه
بحادث الشفعة لم يمنعا من ذلك لحق الغائب وقدرته على أخذه بأى العقدين شاء، فإذا قدم الغائب وقد باع الحاضران ما أخذاه بالشفعة فهو بالخيار بين أن يأخذ بالشفعتين وبين أن يأخذ بالاولى ويعفو عن الثانيه، وبين أن يأخذ بالثانية ويعفو عن الاولى.
فان أراد أن يأخذ بالشفعتين أخذ بالاولة ثلث الشقص وبطل البيع فيه وأخذ بالثانيه نصف الباقي وهو ثلث الشقص، لانه أخذ شفعتين ففضل له ثلث الشقص بالشفعتين وإن أراد أن يأخذ بالشفعه الثانيه ويعفو عن الاولة صح البيع في الجميع وأخذ نصف الشقص كله لانه أخذ شفعتين.
وإن أراد أن يأخذ بالشفعه الاولة ويعفو عن الثانيه أخذ ثلث الشقص لانه أخذ ثلث الشفعه، فان أحب أن يأخذه بشفعته الثانيه صح البيع في الكل وكان له أخذ الجميع بها لانه شفيع واحد.
وإن أراد أن يأخذه بالشفعتين أخذ ثلث الشقص بشفعته الاولة وبطل فيه البيع وصح في ثلثيه فيما كان لهما بقديم الملك وأخذهما بشفعته الثانيه (فرع)
قال الشافعي: ولو ورثه رجلان فمات أحدهما وله ابنان فباع أحدهما نصيبه فأراد أخوه الشفعه دون عمه فكلاهما سواء، لانهما فيها شريكان.
стр. 774
قال المزني: هذا أصح من أحد قوليه: إن أخاه أحق بنصيبه.
قال المزني: وفى تسويته بين الشفعتين على كثرة ما للعم على الاخ.
وصورتها في دار بين رجلين، إما أخوين أو أجنبيين ملكاها بسبب واحد أو بسببين مات أحدهما وترك ابنين فصارت الدار بينهم على أربعة أسهم للباقى من الاخوين المالكين سهمان ولكل واحد من ابن الميت سهم واحد، باع أحد الابنين حقه وهو سهم واحد على أجنبي فالشفعة مستحقة فيه، وهل يختص بها أخوه أو تكون بينه وبين العم.
فيه قولان
أحدهما: وهو أحد قوليه في القديم: ان الاخ أحق بشفعة أخيه من العم لامرين: أحدهما أنهما اشتركا في سبب ملكه، وتميز العم عنهما بسببه فكان الاخ لمشاركته في السبب أحق بشفعة أخيه من العم لتفرده (بسببه) ؟
(والثانى)
أن ملك الاخوين كان مجتمعا في حياة الاب وقد يجرى عليه حكم الاجتماع بعد موت الاب.
ألا ترى لو ظهر على الاب دين تعلق بالسهمين معا ولم يتعلق بسهم العم.
والقول الثاني قاله في الجديد وبعض القديم أن الشفعة مشتركة بين الاخ والعم لامرين:
(أحدهما)
أنه لما تساويا في الاشتراك وجب أن يتساويا في الاستحقاق كالمختلفى الاسباب
(والثانى)
أن ما أخذ بالشفعة أخذت به الشفعة، وقد ثبت أن العم لو باع حصته تشاركا في شفعته، فاقتضى أن يشاركهما بشفعته.
فإذا تقرر توجيه القولين، فان قيل بأن الاخ أحق بها تفرد بأخذها دون العم، فان عفا الاخ عنها احتمل استحقاق العم لها وجهين.
(أحدهما)
لا حق له فيها لخروجه عن استحقاقها والوجه الثاني: يستحقها لخلطته، وإنما قدم الاخ عليه لامتزاج سببه، وان قيل إنها بينهما نصفين بالسوية، وبه قال أبو حنيفة لامرين: أنها تستحق بقليل الملك كما تستحق بكثيره حتى لو ملك أحد الشريكين سهما من عشرة أسهم أخذ به شفعة التسعة الباقيه، ولو بيع السهم أخذه صاحب التسعه الباقيه فاقتضى أن يتساوى الشريكان فيهما.
стр. 775
وإن تفاضلا في المال اعتبارا بأعداد الرؤوس لا بقدر الاملاك كالعبد المشترك يملك أحد الثلاثة نصفه والثانى ثلثه والثالث سدسه فإذا أعتق صاحبا النصف والسدس حقوقهما معا قوم عليهما الثلث نصفين وعتق بينهما بالسوية
كذلك الشفعة.
والثانى: أن استحقاق الشفعة لرفع الضرر بها وقد يستضر صاحب الاقل كاستضرار صاحب الاكثر فوجب أن يساوى صاحب الاقل منهما صاحب الاكثر فعلى هذا تصير الدار بينهم على ثمانية أسهم، خمسة منها للعم منها أربعة بقديم ملكه وسهم بشفعته، وثلاثة أسهم للاخ منها سهمان بقديم ملكه وسهم بشفعته.
والقول الثاني قاله في الجديد - وهو الصحيح - أنها بينهما على قدر مالهما اعتبارا بالاملاك، وبه قال مالك لامرين.
أحدهما: أن منافع الملك يتوزع على قدره كالارباح في التجارة والنتاج في الحيوان.
والثانى: أن الشفعة إنما وجبت لرفع الضرر بها عن الملك الداخل عليه بحق لا بظلم مثل مؤونة القسمة ونقصان القيمة بعد القسمة، وهذا يقل ويكثر لقلة الملك وكثرته فوجب أن يتقسط على الاملاك دون الملاك.
وأما سوء الم؟ اركة فظلم يمكن رفعه بالسلطان، وفى هذا انفصال، فعلى هذا تكون الشفعة بينهما على ثلاثة أسهم لصاحب النصف سهمان ولصاحب الربع سهم واحد وتصبر جميع الدار بينهما أثلاثا.
فأما المزني فإنه اختار من القولين الاولين أن تكون الشفعة بينهما وهو أصح القولين ثم اختار من القولين الآخرين أن يكون بينهما نصفين استدلالا بما ذكرنا من العتق
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن تصرف المشترى في الشقص ثم حضر الشفيع نظرت، فان تصرف بما لا تستحق به الشفعة كالوقف والهبة والرهن والاجارة فللشفيع أن يفسخ ويأخذ لان حقه سابق للتصرف ومع بقاء التصرف لا يمكن الاخذ فملك الفسخ، وإن تصرف بما تستحق به الشفعة كالبيع والصداق فهو بالخيار بين أن