Полный текст (3 572 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
القدرة عليه ليأتي دمشق فيطالبه بها بطلت شفعته لان قدرته على أخذها بدمشق كقدرته على أخذها بمصر.
ولكن لو أنكر المشترى بمصر أنه خليط فأخرها ليقيم البينة في دمشق كان على شفعته إذا لم يجد بينة بدمشق قال الماوردى واختلف أصحابنا فيمن شهد به البينة في استحقاق الشفعة على وجهين: أحدهما أنه لا شفعة له إلا أن تشهد له البينة بالملك، وبه قال أبو حنيفة لئلا ينتزع ملكا بأمر محتمل والوجه الثاني: أنه يستحق الشفعة إذا شهدت له البينة باليد، وبه قال أبو يوسف، لانها حجة في الملك، لكن يحلف الشفيع مع بينته أنه مالك، ثم يحكم له بالشفعة.
وإذا عرض الشقص قبل البيع على الشفيع فلم يشتره ثم بيع فله المطالبة بالشفعة ولا يسقط حقه منها بامتناعه من الشراء لوجوبها بالبيع الحادث.
فلو عفا الشفيع عنها قبل الشراء كان عفوه باطلا وهو على حقه من الشفعة بعد الشراء لانه عفا عنه قبل استحقاقها فصار كإبرائه من الدين قبل وجوبه.
فإذا صالح الشفيع المشترى على مال يأخذه منه عوضا على تركه الشفعة لم يجز وكان صلحا باطلا وعوضا مردودا، كما لا يجوز أن يعاوض على ما قد استحقه من دين أو شرط.
وفى بطلان شفعته بذلك وجهان
(أحدهما)
أنها قد بطلت لانه تارك لها.
والوجه الثاني: أنها لم تبطل لان الترك مشروط بعوض فلما بطل العوض بطل الترك.
وإذا عفا الشفيع عن بعض الشفعة لم يتبعض العفو، وفيه وجهان.
أحدهما أن العفو باطل وهو على حقه من الشفعه في الكل، لان العفو لما لم يكمل بطل، وبه قال أبو يوسف
والوجه الثاني وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ العفو صحيح في الكل تعليقا لما ظهر من حكم التسليم، وبه قال محمد بن الحسن (فرع)
إذا وجبت الشفعة بخليط فباع حصته قبل الاخذ أو الترك لم يخل حاله عند بيعها من أحد أمرين، إما أن يبيعها قبل العلم بالشفعه أو بعد العلم بها، فإن باع حصته بعد العلم بالشفعة فلا شفعة له، لان المعنى الموجب لها من سوء
стр. 772
المشاركة والخوف من مئونة القسمة قد ارتفع بالبيع وزوال المالك، فعلى هذا لو باع بعض حصته ففى بطلان شفعته وجهان مخرجان من العافى عن بعض شفعته.
أحدهما: أنها لا تبطل وهو على حقه منها لانها لا تستحق بقليل الملك كما تستحق بكثيره.
فأما إن كان بيعه لحصته قبل العلم بشفعته ففى بطلان الشفعة وجهان.
أحدهما: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ شفعته قد بطلت لانه باع الملك المقصود بالشفعة كما له منافعه.
والثانى حكاه أبو حامد الاسفرايينى أنه على شفعته لانه قد ملكها، وليس في بيعه قبل العلم عفو عنها.
والوجه الاول أصح فإذا علم بالمبيع وقيل له إن الثمن ألف درهم فعفا عن الشفعة ثم بان ان الثمن مائة دينار كانت له الشفعة ولا يؤثر فيها ما تقدم من العفو لانه قد يعفو عن الدراهم لاعوازها معه، وهكذا لو قيل له إن الثمن مائة دينار فعفا عن الشفعه ثم بان أنه ألف درهم كان على شفعته.
وقال أبو يوسف: إن كان قيمة الالف مائة دينار فصاعدا فلا شفعة له، وان كانت قيمته أقل فله الشفعه، وقد خطأ أصحابنا هذا.
وإذا تعدد الشفعاء فقد قال الشافعي: إذا حضر أحد الشفعاء أخذ الكل بجميع الثمن، فان حضر الثاني أخذ منه النصف بنصف الثمن، فان حضر الثالث أخذ منهما الثلث بثلث الثمن حتى يكونوا في ذلك سواء.
وصورتها في دار بين
أربعة شركاء باع أحدهم حصته على غير شركائه فالشفعة فيها واجبه لشركائه الثلاثه، فان كانوا حاضرين وطلب بعضهم الشفعه دون بعض فيعطى الطالب وتبطل الشفعه لمن عفا، وللطالب أن يأخذ جميع الشقص بشفعته وليس له أن يبعض ويأخذ الثلث لما فيه من تفريق الصفقه فإذا كانوا جميعا غائبين فهم على حقوقهم من الشفعه ما لم يكن منهم عفو، فإذا ادعى المشترى على أحدهم العفو عن شفعته لم تسمع دعواه، لان للآخرين أن يأخذا الجميع فلم يكن لدعواه معنى، ولكن لو ادعى شريكان على الثالث منهم العفو سمعت دعواهما لما فيه من توفر حقه عليهما وأحلف لهما ولم تسمع شهادة المشترى عليه بالعفو لما فيها من شفعة عن مطالبته ولو ادعى المشترى على الثلاثة كلهم العفو كان له إحلافهم لانهم لو نكلوا
стр. 773
ردت اليمين عليه وسقط حقهم من الشفعة، فان حلف أحد الثلاثه ونكل إثنان منهم لم ترد أيمانهما على المشترى بنكولهما، لان عفو بعض الشفعاء مما يوجب الترك على المشترى ويأخذه من لم يعف ثم لا يقضى للحالف بالشفعة في الكل الا أن يحلف أن شريكيه قد عفوا، فإذا حلف أخذ كل الشقص وإن نكل أخذ منه قدر حصته وأخذ الناكلان منه قدر حصته.
وقال الشافعي: إذا كان الاثنان اقتسما كان للثالث نقض قسمتهما، وهذا كما قال: إذا كان للشقص المبيع ثلاثة شفعاء فحضر إثنان فأخذا الشقص بينهما لغيبة الثالث منعا من قسمته لان في الشقص حقا لشريكهما الغائب مع السهم الذى لم بقديم ملك، فان اقتسماه كانت القسمة باطلة، فلو حضر فعفا عن الشفعه لم تصح القسمة المتقدمة لفسادها ولو أراد الشفيعان الحاضران أن يبيعا ما كان لهما بقديم الملك وما أخذاه
بحادث الشفعة لم يمنعا من ذلك لحق الغائب وقدرته على أخذه بأى العقدين شاء، فإذا قدم الغائب وقد باع الحاضران ما أخذاه بالشفعة فهو بالخيار بين أن يأخذ بالشفعتين وبين أن يأخذ بالاولى ويعفو عن الثانيه، وبين أن يأخذ بالثانية ويعفو عن الاولى.
فان أراد أن يأخذ بالشفعتين أخذ بالاولة ثلث الشقص وبطل البيع فيه وأخذ بالثانيه نصف الباقي وهو ثلث الشقص، لانه أخذ شفعتين ففضل له ثلث الشقص بالشفعتين وإن أراد أن يأخذ بالشفعه الثانيه ويعفو عن الاولة صح البيع في الجميع وأخذ نصف الشقص كله لانه أخذ شفعتين.
وإن أراد أن يأخذ بالشفعه الاولة ويعفو عن الثانيه أخذ ثلث الشقص لانه أخذ ثلث الشفعه، فان أحب أن يأخذه بشفعته الثانيه صح البيع في الكل وكان له أخذ الجميع بها لانه شفيع واحد.
وإن أراد أن يأخذه بالشفعتين أخذ ثلث الشقص بشفعته الاولة وبطل فيه البيع وصح في ثلثيه فيما كان لهما بقديم الملك وأخذهما بشفعته الثانيه (فرع)
قال الشافعي: ولو ورثه رجلان فمات أحدهما وله ابنان فباع أحدهما نصيبه فأراد أخوه الشفعه دون عمه فكلاهما سواء، لانهما فيها شريكان.
стр. 774
قال المزني: هذا أصح من أحد قوليه: إن أخاه أحق بنصيبه.
قال المزني: وفى تسويته بين الشفعتين على كثرة ما للعم على الاخ.
وصورتها في دار بين رجلين، إما أخوين أو أجنبيين ملكاها بسبب واحد أو بسببين مات أحدهما وترك ابنين فصارت الدار بينهم على أربعة أسهم للباقى من الاخوين المالكين سهمان ولكل واحد من ابن الميت سهم واحد، باع أحد الابنين حقه وهو سهم واحد على أجنبي فالشفعة مستحقة فيه، وهل يختص بها أخوه أو تكون بينه وبين العم.
فيه قولان
أحدهما: وهو أحد قوليه في القديم: ان الاخ أحق بشفعة أخيه من العم لامرين: أحدهما أنهما اشتركا في سبب ملكه، وتميز العم عنهما بسببه فكان الاخ لمشاركته في السبب أحق بشفعة أخيه من العم لتفرده (بسببه) ؟
(والثانى)
أن ملك الاخوين كان مجتمعا في حياة الاب وقد يجرى عليه حكم الاجتماع بعد موت الاب.
ألا ترى لو ظهر على الاب دين تعلق بالسهمين معا ولم يتعلق بسهم العم.
والقول الثاني قاله في الجديد وبعض القديم أن الشفعة مشتركة بين الاخ والعم لامرين:
(أحدهما)
أنه لما تساويا في الاشتراك وجب أن يتساويا في الاستحقاق كالمختلفى الاسباب
(والثانى)
أن ما أخذ بالشفعة أخذت به الشفعة، وقد ثبت أن العم لو باع حصته تشاركا في شفعته، فاقتضى أن يشاركهما بشفعته.
فإذا تقرر توجيه القولين، فان قيل بأن الاخ أحق بها تفرد بأخذها دون العم، فان عفا الاخ عنها احتمل استحقاق العم لها وجهين.
(أحدهما)
لا حق له فيها لخروجه عن استحقاقها والوجه الثاني: يستحقها لخلطته، وإنما قدم الاخ عليه لامتزاج سببه، وان قيل إنها بينهما نصفين بالسوية، وبه قال أبو حنيفة لامرين: أنها تستحق بقليل الملك كما تستحق بكثيره حتى لو ملك أحد الشريكين سهما من عشرة أسهم أخذ به شفعة التسعة الباقيه، ولو بيع السهم أخذه صاحب التسعه الباقيه فاقتضى أن يتساوى الشريكان فيهما.
стр. 775
وإن تفاضلا في المال اعتبارا بأعداد الرؤوس لا بقدر الاملاك كالعبد المشترك يملك أحد الثلاثة نصفه والثانى ثلثه والثالث سدسه فإذا أعتق صاحبا النصف والسدس حقوقهما معا قوم عليهما الثلث نصفين وعتق بينهما بالسوية
كذلك الشفعة.
والثانى: أن استحقاق الشفعة لرفع الضرر بها وقد يستضر صاحب الاقل كاستضرار صاحب الاكثر فوجب أن يساوى صاحب الاقل منهما صاحب الاكثر فعلى هذا تصير الدار بينهم على ثمانية أسهم، خمسة منها للعم منها أربعة بقديم ملكه وسهم بشفعته، وثلاثة أسهم للاخ منها سهمان بقديم ملكه وسهم بشفعته.
والقول الثاني قاله في الجديد - وهو الصحيح - أنها بينهما على قدر مالهما اعتبارا بالاملاك، وبه قال مالك لامرين.
أحدهما: أن منافع الملك يتوزع على قدره كالارباح في التجارة والنتاج في الحيوان.
والثانى: أن الشفعة إنما وجبت لرفع الضرر بها عن الملك الداخل عليه بحق لا بظلم مثل مؤونة القسمة ونقصان القيمة بعد القسمة، وهذا يقل ويكثر لقلة الملك وكثرته فوجب أن يتقسط على الاملاك دون الملاك.
وأما سوء الم؟ اركة فظلم يمكن رفعه بالسلطان، وفى هذا انفصال، فعلى هذا تكون الشفعة بينهما على ثلاثة أسهم لصاحب النصف سهمان ولصاحب الربع سهم واحد وتصبر جميع الدار بينهما أثلاثا.
فأما المزني فإنه اختار من القولين الاولين أن تكون الشفعة بينهما وهو أصح القولين ثم اختار من القولين الآخرين أن يكون بينهما نصفين استدلالا بما ذكرنا من العتق
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن تصرف المشترى في الشقص ثم حضر الشفيع نظرت، فان تصرف بما لا تستحق به الشفعة كالوقف والهبة والرهن والاجارة فللشفيع أن يفسخ ويأخذ لان حقه سابق للتصرف ومع بقاء التصرف لا يمكن الاخذ فملك الفسخ، وإن تصرف بما تستحق به الشفعة كالبيع والصداق فهو بالخيار بين أن
стр. 776
يفسخ ويأخذ بالعقد الاول وبين أن يأخذ بالعقد الثاني، لانه شفيع بالعقدين، فجاز أن يأخذ بما شاء منهما، وإن قايل البائع أو رده عليه بعيب فللشفيع أن يفسخ الاقالة والرد بالعيب، ويأخذه لان حقه سابق ولا يمكن الاخذ مع الاقالة والرد بالعيب، فملك الفسخ، وإن تحالفا على الثمن وفسخ العقد جاز للشفيع أن يأخذ بالثمن الذى حلف عليه البائع، لان البائع أقر للمشترى بالملك وللشفيع بالشفعة بالثمن، الذى حلف عليه، فإذا بطل حق المشترى بالتحالف بقى حق الشفيع، وإن اشترى شقصا بعبد ووجد البائع بالعبد عيبا ورده قبل أن يأخذ الشفيع ففيه وجهان.
أحدهما: يقدم الشفيع لان حقه سابق لانه ثبت بالعقد وحق البائع ثبت بالرد، والثانى أن البائع أولى لان في تقديم الشفيع اضرارا بالبائع في إسقاط حقه من الرد والضرر لا يزال بالضرر وإن أصدق إمرأته شقصا وطلقها قبل الدخول وقبل أن يأخذ الشفيع ففيه وجهان.
(أحدهما)
يقدم الزوج على الشفيع لان حق الزوج أقوى لانه ثبت بنص الكتاب وحق الشفيع ثبت بخبر الواحد فقدم حق الزوج (الثاني) يقدم الشفيع لان حقه سابق لانه ثبت بالعقد وحق الزوج ثبت بالطلاق.
(الشرح) الاحكام: على المنصوص من حق الشفيع بقدم الملك أن يفسخ تصرف المشترى في الشقص إذا بذله فيما لا تستحق به الشفعة كأن وقفه أو وهبه أو رهنه أو آجره لسبق حقه على التصرف الحادث بعد قيام حقه في الشفعة لانه لا يملك الاخذ للشقص ما دام تصرفه نافذا فلا مناص من الفسخ.
أما البيع والصداق فهو مخير بين أن يأخذ بأحد العقدين، فإما أن يأخذ بالثمن الذى بذله المشترى أو بالثمن الذى أخذه أو بمهر المثل بما هو الاحظ له.
فإذا تبايع الرجلان شقصا فعفا الشفيع عن شفعته فلا شفعة فيه بالاقالة لانها رفع
للعقد وليست استيفاء ولم يكن الشفيع قد عفا حتى تقايلا كان للشفيع إبطال الاقاله لما فيها من إسقاط حقه من الشفعة ثم يأخذ الشقص بشفعة البائع فلو كان مشترى
стр. 777
الشقص قد وقفه قبل عفو الشفيع فللشفيع إبطال الوقف وأخذ الشقص بالشفعه وكذا إذا رهنه أبطل الرهن وأخذه بالشفعة، ولو أجره أخذه ثم له الخيار في إمضاء الاجارة وفسخها، ولا تبطل بأخذ الشفيع بخلاف الرهن، فإن أمضاها الشفيع فالاجرة للمشترى دون الشفيع لانه عقدها في ملكه، ولو كان المشترى قد باع الشقص على غيره كان الشفيع مخيرا بين إمضاء البيع وأخذه بالشفعة من المشترى الثاني وبين فسخه وأخذه بالشفعة من المشترى الاول.
وفى الصداق خلاف بين الفقهاء فقد قال مالك وابن أبى ليلى: يأخذ الشقص بقيمته لا بمهر المثل، وحكى نحوه عن الشافعي في القديم لان المهور قد يزاد فيها وينقص فخالفت البيوع وهذا فاسد من وجهين.
(أحدهما)
وجود هذا المعنى في الاثمان لجواز الزيادة والنقصان فيها ثم لم يمنع ذلك من أن يؤخذ الشقص بمثل الثمن، كذلك لا يمتنع في الصداق أن يؤخذ بقيمة البضع
(والثانى)
أن ما لا مثل له من الاعواض يوجب الرجوع إلى قيمة العوض دون الشقص من ذلك البضع الذى لا مثل له فإنه يوجب الرجوع إلى قيمته من المهر دون الشقص، فإذا ثبت أنه مأخوذ بمهر المثل فسواء كان قيمة المثل بازاء مهر المثل أو كان زائدا عليه أو ناقصا عنه حتى لو كان مهر المثل دينارا وأخذ الشقص بمائة دينار فعلى هذا لو اختلفا في مهر المثل فترافعا فيه إلى الحاكم ليجتهد في مهر مثلها ويسقط تنازعهما.
(فرع)
قال الشافعي: فان طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف قيمة الشقص وهذا كما قال: إذا طلقها الزوج وقد أصدقها شقصا من دار لم يخل
حال الطلاق من أن يكون قبل الدخول أو بعده، فان كان بعد الدخول فلا رجوع له بشئ منه، وان كان قبل الدخول فقد استحق الرجوع بنصف الصداق لقوله تعالى " وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم " ثم لا يخلو حال الشفيع من ثلاثة أحوال.
(أحدها) أن يكون قد أخذ الشقص من الزوجة شفعته فللزوج أن يرجع عليها بنصف قيمة الشقص في أقل أحواله قيمة من حين أصدق إلى أن أقبض، ويكون استحقاقه بالشفعة لزوال ملكها عنه ببيع أو هبة
стр. 778
والحال الثانية: أن يكون الشفيع قد عفا عن شفعته فيه فللزوج أن يرجع عليها بنصفه لبقائه في يدها ولا شفعة على الزوج في النصف الذى ملكه بالطلاق لانه ملك بغير بدل.
والحال الثالثة: أن يكون الشفيع على حقه لعذر طال به فلم يعف ولم يأخذ حتى طلق الزوج، فأيهما أحق بالشفعة؟ فيه وجهان " أحدهما " أن الزوج أحق من الشفيع لان حقه ثابت بنص كتاب مقطوع به، وحق الشفيع ثبت استدلالا بخبر الواحد فكان ظنيا، والقطعي يرد الظنى، فعلى هذا يرجع الزوج بنصف الشقص ويكون الشفيع بعد ذلك مخيرا في أخذ النصف الباقي بنصف مهر المثل.
والوجه الثاني وهو أصح أن الشفيع أحق به من الزوج لامرين: (ا) لان الزوج يرجع عن الشقص إلى بدل، والشفيع لا يرجع عنه إلى بدل (ب) أن حق الزوج متأخر وحق الشفيع اسبق، فعلى هذا يعرض على الشفيع فان أخذه رجع الزوج عليها بنصف قيمته، وإن تركه رجع الزوج بنصفه، وقد زعم بعض الاصحاب أن تخريج هذين الوجهين في اختلافهم في نصف الصداق هل يملكه الزوج بالطلاق أو بالتملك، فان قيل بالطلاق كان أحق من الشفيع، وإن
قيل بالتملك كان الشفيع أحق.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان اشترى شقصا وكان الشفيع غائبا فقاسم وكيله في القسمة أو رفع الامر إلى الحاكم فقاسمه وغرس وبنى ثم حضر الشفيع أو أظهر له ثمنا كثيرا فقاسمه ثم غرس وبنى ثم بان خلافه وأراد الاخذ فان اختار المشترى قلع الغراس والبناء لم يمنع لانه ملكه فملك نقله ولا تلزمه تسوية الارض لانه غير متعد، وإن لم يختر القلع فالشفيع بالخيار بين أن يأخذ الشقص بالثمن والغراس والبناء بالقيمة وبين أن يقلع الغراس والبناء ويضمن ما بين قيمته قائما ومقلوعا، لان النبي صلى الله عليه سلم قال: لا ضرر ولا ضرار، ولا يزول الضرر عنهما إلا بذلك.
стр. 779
(فصل)
وإن اشترى شقصا وحدث فيه زيادة قبل أن يأخذ الشفيع نظرت فان كانت زيادته لا تتميز كالفسيل إذا طال وامتلا، فان الشفيع يأخذه مع زيادته لان ما لا يتميز يتبع الاصل في الملك كما يتبعه في الرد بالعيب، وإن كانت متميزة كالثمرة فان كانت ثمرة ظاهرة لم يكن للشفيع فيها حق لان الثمرة الظاهرة لا تتبع الاصل كما قلنا في الرد بالعيب، وإن كانت غير ظاهرة ففيها قولان.
قال في القديم: تتبع الاصل كما تتبع في البيع.
وقال في الجديد: لا تتبعه لانه استحقاق بغير تراض، فلا يؤخذ به إلا ما دخل بالعقد ويخالف البيع لانه استحقاق عن تراض يقدر فيه على الاستثناء فإذا لم يستثن تبع الاصل
(فصل)
إذا أراد الشفيع أن يأخذ الشقص ملك الاخذ من غير حكم الحاكم لان الشفعة ثابتة بالنص والاجماع فلم تفتقر إلى الحاكم كالرد بالعيب، فإن كان الشقص في يد المشترى أخذه منه، وإن كان في يد البائع ففيه وجهان
أحدهما يجوز أن يأخذ منه لانه استحق فملك الاخذ، كما لو كان في يد المشترى.
والثانى لا يجوز أن يأخذ منه، بل يجبر المشترى على القبض ثم يأخذه منه، لان الاخذ من البائع يؤدى إلى إسقاط الشفعه، لانه يفوت به التسليم، وفوات التسليم يوجب بطلان العقد، فإذا بطل العقد سقطت الشفعة، وما أدى إثباته إلى إسقاطه سقط.
(فصل)
ويملك الشفيع الشقص بالاخذ لانه تملك مال بالقهر فوقع الملك فيه بالاخذ كتملك المباحات، ولا يثبت فيه خيار الشرط، لان الشرط إنما يثبت مع تملك الاختيار، والشقص يؤخذ بالاجبار فلم يصح فيه شرط الخيار، وهل يثبت له خيار المجلس فيه وجهان
(أحدهما)
يثبت لانه تملك مال بالثمن فثبت فيه خيار المجلس كالبيع
(والثانى)
لا يثبت لانه إزالة ملك لدفع الضرر فلم يثبت فيه خيار المجلس كالرد بالعيب.
(فصل)
وإن وجد بالشقص عيبا فله أن يرده لانه ملكه بالثمن فثبت له الرد بالعيب كالمشترى في البيع، وإن خرج مستحقا رجع بالعهدة على المشترى لانه أخذ منه على أنه ملكه فرجع بالعهدة عليه كما لو اشتراه منه
стр. 780
(الشرح) قال الشافعي: ولو قاسم وبنى قيل للشفيع: إن شئت فخذ الثمن وقيمة البناء أو دع لانه بنى غير متعد فلا يهدم ما بناه قال المزني: هذا غلط، وكيف لا يكون متعديا وقد بنى فيما للشفيع فيه شرك مشاع، ولولا أن للشفيع فيه شركا ما كان شفيعا.
وصورة هذه المسألة في رجل اشترى شقصا من دار وقاسم عليه ثم بنى في حصته وحضر الشفيع مطالبا لشفعته قال الشافعي: قيل للشفيع إن شئت فخذ الشقص بثمنه وبقيمة البناء قائما، ولا يجبر المشترى على قلعه لانه بناء غير متعد، وهكذا عمارة الارض للزرع.
قال المزني: هذا غلط من الشافعي لان القسمة إن وقعت مع الشفيع فقد
بطلت شفعته وصحت القسمة، وإن لم يقاسمه الشفيع فالقسمة باطلة والشفعة واجبة، فلم تجتمع صحة القسمة مع بقاء الشفعة.
وهذا الذى اعترض به المزني على الشافعي من تنافى بقاء الشفعة وصحة القسمة غلط، لانه قد تصح القسمة مع بقاء الشفعة من خمسة أوجه.
(أحدها) أن يكون الشفيع غائبا وقد وكل في مقاسمة شركائه وكيلا فيطالب المشترى الوكيل بمقاسمته على ما اشترى، فيجوز للوكيل أن يقاسمه لتوكيله في المقاسمة، ولا يجوز أن يطالبه بالشفعة لانه غير موكل في طلب الشفعة ويكون الشفيع على شفعته بعد القسمه ويكون المشترى غير متعد في البناء.
والوجه الثاني: أن لا يكون للشفيع الغائب وكيل في القسمة فيأبى المشترى التحاكم فيسأله أن يقاسمه على الغائب فيجوز للحاكم مقاسمة المشترى إذا كان الشريك بعيد الغيبة وليس له أن يأخذ للغائب بالشفعة الا لمولى عليه، ولا تبطل شفعة الغائب بمقاسمة الحاكم عنه، والمشترى غير متعد في البناء.
والوجه الثالث: أن يذكر المشترى للشفيع ثمنا موفورا فيعفو عن الشفعة لوفور الثمن ويقاسم المشترى، ثم يبين أن الثمن أقل مما ذكره المشترى فالقسمة صحيحه والشفعه واجبه والمشترى غير متعد ببنائه، لانه بالكذب متعد في قوله لا في قسمته وبنيانه، فصار كرجل ابتاع دارا بثمن قد داسه بعيب ثم بنى ووجد البائع العيب في الثمن فعليه إذا رد المعيب واسترجع الدار أن يدفع إلى المشترى قيمة البناء قائما لانه بناء غير متعد في فعله، وان دلس كاذبا في قوله
стр. 781
والوجه الرابع أن ينكر المشترى الشراء ويدعى الهبة فيكون القول قوله مع يمينه ولا شفعة عليه في الظاهر فيقاسمه الشريك ثم يبنى وتقوم البينة عليه بعد بنائه بالشراء، فالشفعة واجبة مع صحة القسمه ولا يكون متعديا بالبناء مع جحوده
الشراء لانه تعدى في القول دون الفعل والوجه الخامس: أن يكون الشفيع طفلا أو مجنونا فيمسك الولى عن طلب الشفعة ويقاسم المشترى، ثم يبلغ الطفل ويفيق المجنون فتكون له الشفعة مع صحة القسمة، ولايكون إمساك الولى عن الشفعة مبطلا للقسمه، ولا مقاسمته مبطلا للشفعة.
فإذا صحت القسمة مع بقاء الشفعة من هذه الوجوه الخمسة وبطل اعتراض المزني بها لم يجبر المشترى على قلع بنائه وقيل للشفيع إن شئت فخذ الشقص بثمنه وقيمة البناء.
وقال أبو حنيفة: يجبر المشترى على قلع بنائه ولا قيمة له على الشفيع استدلالا بأن حق الشفيع أسبق من بنائه فصار كالاستحقاق بالغصب.
وهذا خطأ لان المشترى تام الملك قبل أخذ الشقص، ألا تراه يملك النماء، ومن بنى في ملكه لم يتعد كالذى لا شفعة عليه، ومن بنى في ملكه لم يكن جواز انتزاعه من يده موجبا لتعديه ونقض بنائه كالموهوب له إذا بنى ورجع الواهب في هبته، ولان الشفعه موضوعه لازالة الضرر فلم يجز أن تزال بضرر.
وفى أخذ المشترى بهدم بنائه ضرر.
فأما الجواب عما ذكره من إلحاقه بالغصب فهو تعدى الغاصب بتصرفه في غير ملكه، وليس المشترى متعديا لتصرفه في ملكه (فرع)
قال الشافعي: ولو كان الشقص في النخل فزادت كان له أخذها زائدة.
أما النخل فلا يخلو حال بيعها من ثلاثة أقسام " أحدها " أن تباع مفردة عن الارض فلا شفعة فيها.
وكذلك سائر الاشجار كالابنيه التى إذا أفردت بالعقد لم تجب فيها الشفعه، لانها مما ينتقل عن الارض والمنقول لا شفعة فيه كالزرع.
والقسم الثاني أن تباع النخل مع الارض فتجب فيها الشفعه تبعا للارض بخلاف الزرع، لانه لا يتبع الارض في البيع ولا يتبعها في الزرع، والفرق
بينهما ان إقرار الزرع في الارض غير مستدام واقرار النخل والشجر مستدام.
стр. 782
وأوجب أبو حنيفة الشفعه في الزرع تبعا للارض.
والقسم الثالث أن يباع النخل مع قرارها مفردة عما يتخللها من بياض الارض ففى وجوب الشفعة فيها وجهان، وكذلك بيع البناء مع قراره دون البياض على هذين الوجهين: " أحدهما " فيه الشفعه لانه فرع لاصل ثابت " والوجه الثاني " أنه لا شفعة فيه لان قرار النخل يكون تبعا لها، فلما لم تجب الشفعه فيها مفردة لم تجب في تبعها فإذا تقرر هذا وكان المبيع شقصا من أرض ذات نخل وشجر فزادت بعد البيع وقبل أخذ الشفيع لغيبه أو عذر لا تبطل به الشفعه لم يخل حال الزيادة من أحد أمرين: إما أن تكون مثمرة أو غير مثمرة، فإن كانت الزيادة غير مثمرة كالفسيل إذا طال وامتلا، والغرس إذا استغلظ واستوى فللشفيع أن يأخذ ذلك بزيادته، لان مالا يتميز من الزيادة تبعا لاصله، وان كانت الزيادة متميزة كالثمرة الحادثه بعد البيع فلا يخلو حالها عند الاخذ بالشفعه من أن تكون مؤبرة أو غير مؤبرة، فإن كانت مؤبرة فلا حق فيها للشفيع وهى ملك المشترى، لان ما كان مؤبرا من الثمار لا يتبع أصله وعلى الشفيع أن يقرها على نخله إلى وقت الجداد، وان كانت الثمرة غير مؤبرة ففى استحقاق الشفيع لها قولان: أحدهما: يستحقها لاتصالها كما يدخل في البيع تبعا.
وهذا قوله في الجديد، ويكون الفرق بين الشفعه والبيع أن البيع نقل ملك بعوض عن مراضاة فجاز أن يكون ما لم يؤبر من الثمار تبعا للقدرة على استثنائها بالعقد، والشفعه استحقاق ملك بغير مراضاة فلم يملك بها الا ما تناوله العقد، وهكذا الحكم في كل ما استحق بغير مراضاة كالشفعه والتفليس، أو يكون بغير عوض كالرهن والهبة، هل يكون ما لم يؤبر من الثمار فيها تبعا لاصلها على ما ذكرنا من القولين
(فرع)
أما قوله: إذا أراد الشفيع أن يأخذ الشقص ملك الاخذ الخ، فقد مضى قولنا ما حاصله ان كان الشفيع قادرا على الطلب فله ثلاثة أحوال: (ا) أن يبادر إلى الطلب فهو على حقه من الشفعه ولا يحتاج إلى حكم حاكم في الاخذ بها، لانها ثبتت بالنص الصحيح المرفوع وبالاجماع، ولم يشذ الا الاصم، وللحاكم أن ينظره حتى يحضر الثمن يوما أو يومين.
стр. 783
(ب) خياره في التمسك بالشفعة والعفو عنها والعفو على ضربين صريح وتعريض، وذهب أبو حنيفة إلى صحة العفو في بعض التعريض القوى لشبهه بالتصريح (ج) زمان المكنة، وقد أوضحنا كل هذه الاحوال بما لا مزيد عليه إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وإذا اشترى شقصا على أنها بالخيار جميعا فلا شفعة حتى يسلم البائع، وإن كان الخيار للمشترى دون البائع فقد خرج من ملك البائع وفيه الشفعه اه.
قلت: إن ما يثبت من الخيار في البيع على أربعة أقسام: ١ - خيار عقد ٢ - خيار شرط ٣ - خيار رؤية ٤ - خيار عيب فالاول هو خيار المجلس فلا تستحق فيه الشفعة إلا بعد إمضائه بالافتراق عن تمام، وسواء قيل: إن الملك منتقل بنفس العقد أو بالافتراق مع تقديم العقد لان ثبوت الفسخ لكل واحد منهما يمنع من استقرار العقد بينهما، ولان البائع لما لم يلزمه عقد المشترى فأولى أن لا يلزمه شفعة الشفيع، فإذا افترقا عن تمام وإمضاء استحق الشفيع حينئذ أن يأخذ بالشفعة.
وبماذا يصير الشفيع مالكا على ثلاثة أقوال من اختلاف أقواله في اقتضاء الملك.
١ - أن يكون مالكا لها بنفس العقد ٢ - أن يكون مالكا للشفعة بافتراقهما عن تراض وهذا على القول الذى يقول فيه: لا ينتقل إلا بالعقد والافتراق.
٣ - أن ملك الشفعة كان موقوفا على اتمام العقد وامضائه فتمامه يدل على تقديم ملكها بالعقد، وفسخه يدل على أنه لم يملكها بالعقد، وهذا يدل على الذى يقول فيه: ان الملك موقوف فإذا أخذ ذلك بالشفعة بعد الافتراق عن تراض بحكم أو بغير حكم فهل ثبت له بعد الاخذ خيار المجلس أم لا؟ على وجهين لاصحابنا أحدهما: أن له خيار المجلس لانه يملك بمعاوضة كالبيع.
والوجه الثاني وهو أصح: أنه لا خيار له لان الشفعه موضوعه لرفع الضرر بها
стр. 784
كالرد بالعيب الذى لا يملك فيه بعد الرد خيارا وليس كالبيع الموضوع للمعاينه وطلب الارباح.
وأما خيار الشرط فله ثلاثة أحوال: ا - أن يكون خيار الثلاث مشروطا للبائع والمشترى.
ب - أن يكون مشروطا للبائع دون المشترى.
ج - أن يكون مشروطا للمشترى دون البائع، فإن كان الخيار مشروطا للبائع والمشترى أو للبائع دون المشترى فلا حق للشفيع في أخذه بالشفعه ما لم تنقض مدة الخيار لما ذكرنا في خيار المجلس، فإذا تم البيع بينهما بانقضاء مدة الخيار استحق الشفيع حينئذ الاخذ بالشفعه، وبماذا يصير مالكا لها؟ على ما مضى من الاقوال الثلاثه، وان كان الخيار مشروطا للمشترى دون البائع فقد روى المزني ههنا أن للشفيع أخذه بالشفعه، ورواه الربيع أيضا، قَالَ الرَّبِيعُ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا حق للشفيع في أخذه الا بعد نقض مدة الخيار، فإن قيل: انه لا ينتقل
الا بالعقد وانقضاء مدة الخيار لان الشفيع يملك عن المشترى فامتنع أن يملك ما لم يملكه المشترى، وان قيل: ان الملك قد انتقل بنفس العقد ففيه قولان.
١ - أن فيه الشفعه لان علقة البائع عنه منقطعه وخيار المشترى فيه كخياره في الرد بالعيب وهو لا يمنع الشفيع من الاخذ وهى رواية المزني.
٢ - أنه لا شفعة فيه الا بانقضاء مدة الخيار لان المشترى لم يرض بدخوله في عهدة العقد فخالف خيار العيب الموضوع لاستدراك الغبن الذى قد يحصل له من جهة الشفيع، وهى رواية الربيع.
وأما خيار الرؤيه فهو حال غياب العين المبيعة وفى صحة البيع به قولان ويتفرع عليهما خلاف في صحة الشفعة، وأما خيار العيب فإما أن يكون في الشقص أو في الثمن فالاول خياره للمشترى وللشفيع أن يأخذه منه بعيبه ويمنعه من رده، لان رد المشترى بالعيب لاستدراك الغبن وهو يستدرك من الشفيع للحصول على الثمن الذى دفعة، فلو صالح المشترى البائع على أرشه كان للشفيع أخذه بالباقي بعد اسقاط الارش، ان قيل بجواز أخذ الارش صلحا مع بقاء
стр. 785
العين في أحد الوجهين، وإن قيل لا يجوز أخذه الشفيع بجميع الثمن، وأما العيب في الثمن ففى آخر الباب وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(فصل)
وإن مات الشفيع قبل العفو والاخذ انتقل حقه من الشفعة إلى ورثته لانه قبض استحقه بعقد البيع فانتقل إلى الورثة كقبض المشترى في البيع ولانه خيار ثابت لدفع الضرر عن المال فورث كالرد بالعيب وان كان له وارثان فعفا أحدهما عن حقه سقط حقه وهل يسقط حق الآخر فيه وجهان.
أحدهما: يسقط لانها شفعة واحدة، فإذا عفى عن بعضها سقط الباقي كالشفيع إذا عفا عن
بعض الشقص، والثانى: لا يسقط لانه عفا عن حقه فلم يسقط حق غيره كما لو عفا أحد الشفيعين.
(فصل)
إذا اختلف الشريكان في الدار فادعى أحدهما على الآخر أنه ابتاع نصيبه فله أخذه بالشفعة، وقال الآخر: بل ورثته أو أوهبته فلا شفعة لك، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، لانه يدعى عليه استحقاق ملكه بالشفعة، فكان القول قوله كما لو ادعى عليه نصيبه من غير شفعة، فإن نكل عن اليمين حلف المدعى وأخذ بالشفعة، وفى الثمن ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه يقال للمدعى عليه قد أقر لك بالثمن وهو مصدق في ذلك، فاما أن تأخذه أو تبرئه من الثمن الذى لك عليه كما قلنا في المكاتب إذا حمل نجما إلى المولى فادعى المولى أنه مغصوب.
والثانى: أنه يترك الثمن في يد المدعى لانه قد أقر لمن لا يدعيه فأقر في يده كما لو أقر بدار لرجل وكذبه المقر له.
والثالث: يأخذه الحاكم ويحفظه إلى أن يدعيه صاحبه لانهما اتفقا على أنهما لا يستحقان ذلك.
(فصل)
وان ادعى كل واحد منهما على شريكه أنه ابتاع حصته بعده، وأنه يستحق على ذلك بالشفعة، فالقول قول كل واحد منهما، لما ذكرناه، فان
стр. 786
سبق أحدهما فادعى وحلف المدعى عليه استقر ملكه.
ثم يدعى الحالف على الآخر فإن حلف أستقر أيضا ملكه.
وإن نكل الاول ردت اليمين على المدعى فإذا حلف استحق، وإن أراد الناكل أن يدعى على الآخر بعد ذلك لم تسمع دعواه، لانه لم يبق له ملك يستحق به الشفعة (الشرح) الاحكام: سبق الكلام في ميراث الشفعة في فصل مضى، فإذا
صح ما ذكرنا لم يخل أن يكون موت الشفيع قبل البيع أو بعده، فإن كان موته قبل البيع فالشفعة إنما حدثت على ملك الورثة، ولم يكن للموروث فيها حق لتقدم موته على البيع، ثم يكون بين جميع من ملك ميراث الحصة، وفيها قولان
(أحدهما)
أنها بينهم على عدد رؤوسهم، الزوجة والابن فيها سواء على ما حكاه المزني عن الشافعي.
(والثانى)
أنها مقسطة بينهم على قدر مواريثهم للزوجة الثمن وللابن الباقي وعلى هذا لو عفا أحد الورثة لم يسقط حق من لم يعف، وكان لمن بقى من الورثة - ولو كان واحدا - أن يأخذ جميع الشفعة كالشراء، فإذا عفا بعضهم عاد حقه إلى من بقى، وان مات الشفيع بعد البيع فقد ملك الشفعة بالبيع وانتقلت عنه بالموت إلى ورثته، ويستوى فيها الوارث بنسب وسبب، وهى بينهم على قدر مواريثهم للزوجه الثمن والباقى للابن قولا واحدا، لانهم إنما يأخذونها عن ميتهم فكانت بينهم على قدر مواريثهم، ويكون تأويل ما نقله المزني عن الشافعي أن امرأته وابنه في ذلك سواء، يعنى في استحقاقها لجميع الورثة، لا يختصر بها بعضهم دون بعض.
قال الماوردى: كان بعض أصحابنا يغلط فيخرج ذلك على قولين ويجعل ما نقله المزني أحد القولين.
فعلى هذا لو أن أحد الورثة حضر مطالبا قضى له بجميع الشفعه، والقول الثاني وهو أصح أنه لا يرجع على من بقى، لان جميعهم شفيع واحد.
وليسوا كالشركاء الذين كل واحد منهم شفيع مستقل، فعلى هذا لو حضر أحد الورثة مطالبا لم يقض له بشئ حتى يجتمعوا، فإن عفا أحدهم عن حقه فهل تبطل بحقه
стр. 787
شفعة من بقى على وجهين " أحدهما " وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إنها قد
بطلت وسقط حق من لم يعف لانها شفعة واحدة عفا عن بعضها فصار كالشفيع إذا عفا عن بعض شفعته سقط جميعها.
والثانى وبه قال أبو حامد الاسفرايينى: إن من لم يعف على شفعته يأخذ منها بقدر ميراثه ولا يكون عفو غيره مبطلا لحقه بخلاف الواحد إذا عفا عن بعض شفعته، لان الواحد قد كان له أخذ جميعها فجاز أن يسقط بعفوه عن البعض جميعها، وليس كذلك أحد الورثة لانه لا يملك منها إلا قدر حقه فلم يبطل بالعفو عن غير حقه، ولان العافى عن البعض مختار للعفو فجاز أن يسرى عفوه في جميع حقه، وليس الباقي من الورثة مختارا للعفو فلم يسر عفو غيره في حقه.
(فرع)
إذا ادعى على شريكه: أنك اشتريت نصيبك من عمرو فلى شفعته فصدقه عمرو فأنكر الشريك وقال: بل ورثته من أبى فأقام المدعى بينة أنه كان ملك عمرو لم تثبت الشفعة بذلك، وقال محمد بن الحسن: تثبت.
ويقال له: إما أن تدفعه وتأخذ الثمن وإما أن ترده إلى البائع فيأخذه الشفيع منهما لانهما شهدا بالملك لعمرو فكأنهما شهدا بالبيع فإذا ادعى الشفيع على بعض الشركاء أنك اشتريت نصيبك فلى أخذه بالشفعة فإنه يحتاج إلى تحرير دعواه فيحدد المكان الذى فيه الشقص، ويذكر قدر الشقص والثمن ويدعى الشفعة فيه، فإذا فعل ذلك سئل المدعى عليه، فإن أقر لزمه.
وان أنكر وقال: انما اتهبته أو ورثته فلا شفعة لك فيه فالقول قول من ينفيه، كما لو ادعى عليه نصيبه من غير شفعة، فإن حلف برئ وان نكل وقضى عليه.
وان قال: لا تستحق على الشفعة، فالقول قوله مع يمينه، ويكون يمينه على حسب قوله في الانكار.
وإذا نكل وقضى عليه بالشفعة عرض عليه الثمن فإن أخذه دفع إليه، وان قال لا أستحقه ففيه ثلاثة أوجه ١ - يقر في يد الشفيع إلى أن يدعيه المشترى فيدفع إليه، كما لو أقر له بدار
فأنكرها.
٢ - أن يأخذه الحاكم فيحفظه لصاحبه إلى أن يدعيه المشترى.
ومتى ادعاه دفع إليه
стр. 788
٣ - يقال له: اما أن تقبضه واما أن تبرئ منه كسيد المكاتب إذا جاءه المكاتب بمال المكاتبة فادعى أنه حرام، اختار هذا القاضى، وهذا مفارق للمكاتب لان سيده يطالبه بالوفاء من غير هذا الذى أتاه به فلا يلزمه ذلك بمجرد دعوى السيد تحريم ما أتاه به، وهذا لا يطالب الشفيع بشئ، فلا ينبغى ان يكلف ابراءه مما لا يدعيه.
والوجه الاول أولى، وبهذا قال الحنابله (فرع)
إذا كانت دار بين رجلين، فادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه يستحق ما في يديه بالشفعة سألناهما متى ملكتماها؟ فإن قالا: ملكناها دفعة واحدة، فلا شفعة لاحدهما على الآخر، لان الشفعة انما تثبت بملك سابق في ملك متجدد بعد وان قال كل واحد منهما ملكى سابق ولاحدهما بينة بما ادعاه قضى له، وان كان لكل واحد منهما بينة قدمنا أسبقهما تاريخا، وان شهدت بينة كل واحد منهما بسبق ملكه وتجدد ملك صاحبه تعارضتا، وان لم تكن لواحد منهما بينة نظرنا إلى السابق بالدعوى فقدمنا دعواه وسألنا خصمه، فان أنكر فالقول قوله مع يمينه لانه منكر، فان حلف سقطت دعوى الاول ثم تسمع دعوى الثاني على الاول فان أنكر وحلف سقطت دعواهما جميعا وان ادعى الاول فنكل الثاني عن اليمين قضينا عليه ولم تسمع دعواه، لان خصمه قد استحق ملكه، وان حلف الثاني ونكل الاول قضينا عليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان اختلفا في الثمن فقال المشترى الثمن ألف وقال الشفيع هو
خمسمائة فالقول قول المشترى مع يمينه لانه هو العاقد فكان أعرف بالثمن ولانه مالك للشقص فلا ينزع منه بالدعوى من غير بينة
(فصل)
وان ادعى الشفيع أن الثمن ألف، وقال المشترى لا أعلم قدره فالقول قول المشترى، لان ما يدعيه ممكن، فانه يجوز أن يكون قد اشترى بثمن جزاف، ويجوز أن يكون قد علم الثمن ثم نسى، فإذا حلف لم يستحق الشفعا لانه لا يستحق من غير بدل ولا يمكن أن يدفع إليه ما لا يدعيه
стр. 789
وقال أبو العباس: يقال له إما أن تبين قدر الثمن أو نجعلك ناكلا فيحلف الشفيع أن الثمن ألف ويستحق كما نقول فيمن ادعى على رجل ألفا فقال المدعى عليه لا أعلم القدر، والمذهب الاول، لان ما يدعيه ممكن، فإنه يجوز أن يكون قد اشتراه بثمن جزاف لا يعرف وزنه، ويجوز أن يكون قد علم ثم نسى، ويخالف إذا ادعى عليه ألفا، فقال: لا أعرف القدر، لان هناك لم يجب عن الدعوى.
وههنا أجاب عن استحقاق الشفعه، وإنما ادعى الجهل بالثمن
(فصل)
وإن قال المشترى: الثمن ألف.
وقال الشفيع لا أعلم هل هو ألف أو أقل، فهل له أن يحلف المشترى؟ فيه وجهان
(أحدهما)
ليس له أن يحلفه حتى يعلم، لان اليمين لا يجب بالشك
(والثانى)
له أن يحلفه لان المال لا يملك بمجرد الدعوى، وإن قال المشترى الثمن ألف، وقال الشفيع لا أعلم كم هو؟ ولكنه دون الالف، فالقول قول المشترى، فإن نكل لم يحلف الشفيع حتى يعلم قدر الثمن، لانه لا يجوز أن يحلف على ما لم يعلم
(فصل)
وإن اشترى الشقص بعرض وتلف العرض (واختلفا) ؟ في قيمته، فالقول قول المشترى، لان الشقص ملك له فلا ينتزع بقول المدعى
(فصل)
وإن أقر المشترى أنه اشترى الشقص بألف وأخذ الشفيع بألف ثم ادعى البائع أن الثمن كان ألفين وصدقه المشترى لم يلزم الشفيع أكثر من الالف، لان المشترى أقر بأنه يستحق الشفعه بألف فلا يقبل رجوعه في حقه فان كذبه المشترى فأقام عليه بينة أن الثمن ألفان لزم المشترى الالفان، ولا يرجع على الشفيع بما زاد على الالف، لانه كذب البينة بإقراره السابق (الشرح) قال الشافعي: وان اختلف فالثمن فالقول قول المشترى مع يمينه، وهذا كما قال: إذا اختلف الشفيع والمشترى في قدر الثمن فادعى المشترى أن الثمن ألف.
وقال الشفيع خمسمائة ولا بينه لواحد منهما فالقول قول المشترى مع يمينه لامرين:
стр. 790
(أحدهما)
أنه مباشر للعقد فكان أعلم به من غيره
(والثانى)
أنه مالك للشقص فلم ينتزع منه الا بقوله، فإن حلف المشترى على ما ادعاه من الثمن أخذه الشفيع به، وإن نكل المشترى ردت اليمين على الشفيع، فإن حلف أخذه بما قال.
فإن قيل: فهذا تحالفا عليه كما يتحالف المتبايعان.
قيل لان كل واحد من المتبايعين مدع ومدعى عليه فتحالفا لاستوائهما في الشقص.
والشفيع وحده منفرد بالدعوى أنه مالك للشقص بما ادعى، فكان القول قول المشترى لتفرده بالانكار، فلو أقام أحدهما بينة بما ذكره من الثمن حكم بها: والبينة شاهدان أو شاهد وامرأتان أو شاهد ويمين، فإن أقامها المشترى استفاد بها سقوط اليمين، فلو شهد له البائع بما ادعاه من الثمن ردت شهادته لانه شاهد بالزيادة لنفسه.
ولو أقام الشفيع البينة استفاد بها الحكم لقول الشافعي: فإن شهد له البائع بما ادعى من الثمن ردت شهادته لانه متهوم في شهادته بنقص الثمن عند الرجوع
عليه بالدرك مع أنه عاقد في الحالين فلم تقبل شهادته فيما تولى عقده فلو أقام كل واحد منهما بينة على ما ادعاه من الثمن، فعند أبى حنيفة ومحمد ابن الحسن أن بينة الشفيع أولى للاتفاق عليها.
وعند أبى يوسف أن بينة المشترى أولى، لان فيها زيادة علم، ويخرج في مذهب الشافعي على قولين من تعارض البينتين.
١ - اسقاطهما بالتعارض.
ويكون القول قول المشترى مع يمينه ٢ - الاقراع بينهما فمن قرعت بينته كان أولى، وهل يحلف معها أم لا؟ على قولين من اختلاف قولين في القرعة، هل جاءت مرجحة للدعوى أو مرجحة للبينة.
فعلى هذا لو أخذه الشفيع بالالف عند يمين المشترى ثم قامت البينه أن الثمن خمسمائه رجع الشفيع على المشترى بخمسمائه ولا خيار للشفيع، لانه لما رضى الشقص بالالف كان له بخمسمائة أرضى ولو أخذه الشفيع بخمسمائة بيمينه ثم قامت البينه أن الثمن ألف كان الشفيع مخيرا بين أن يأخذه بالالف أو يرده
стр. 791
ولو ادعى المشترى أن الثمن سيارة قيمتها ألف فأخذه الشفيع بها ثم ظهر أن الثمن (ريكوردر) المسجل للصوت، فان كانت قيمته ألفا لم يتراجعا بشئ، لان المستحق فيه القيمة وهما سواء، وإن كانت قيمة المسجل أكثر لم يرجع المشترى بالزيادة لانه مقر باستيفاء حقه.
وإن كانت قيمة المسجل أقل رجع الشفيع بنقصها على المشترى ولا خيار له.
فلو قال المشترى ان الثمن ألف وقال الشفيع لست أعلم قدر الثمن مع علمي بنقصه عن الالف فله إحلاف المشترى، فإن رد اليمين عليه لم يكن له أن يحلف حتى يعلم قدر الثمن، ولو لم يعلم الشفيع هل الثمن ألف أو أقل فهل
يستحق إحلاف المشترى أم لا؟ على وجهين: ١ - لا يستحق إحلافه حتى يعلم خلاف قوله، لان اليمين لا يجب بالشك.
٢ - يستحق إحلافه ما لم يعلم صدقه لان المال لا يملك بمجرد القول.
(فرع)
ولو قال المشترى: لا أعلم قدر الثمن لنسيان حدث.
قيل للشفيع: أتعلم قدره أم لا؟ فان قال لا أعلم قدره فلا شفعة له، وله إحلاف المشترى أنه لا يعلم قدر الثمن، وإنما يطلب لانها تستحق بالثمن فكان جهلها به مانعا من استحقاقها بمجهول.
فان قال الشفيع أنا أعلم قدر الثمن وهو خمسمائة درهم.
وقال المشترى: قد نسيت قدر الثمن، قيل للمشترى: أفتصدق الشفيع على ما ذكر من الثمن فان قال نعم، أخذ الشفيع الشقص بخمسمائة من غير يمين.
وإن أكذبه قال الشافعي حلف المشترى بالله ما يعلم قدر الثمن ولا شفعته.
واختلف أصحابنا في ذلك.
فكان أبو حامد المروروذى وأبو حامد الاسفرايينى يجعلان هذا القول مذهبا له في هذه المسألة، ويبطلان بيمين المشترى الشفعه تعليلا بأن الثمن موقوف على عاقده وقد جهل الثمن بنسيانه فبطلت الشفعة به.
стр. 792
وكان أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أبى هريرة يجعلان هذا الجواب مصروفا إلى المسألة الاولى عند نسيان المشترى وجهل الشفيع دون المشترى، ويحكم له بالشفعه، وهذا هو الصحيح لان نسيان المشترى كالنكول فوجب رد اليمين على الشفيع.
قال الشافعي: وسواء في ذلك قديم الشراء وحديثه، وهذا إنما أراد به
ما ادعى، فانه قال: إن ادعى المشترى نسيان الثمن والشراء حديثا حلف الشفيع وحكم له بالشفعه، وإن كان الشراء قديما حلف المشترى وبطلت الشفعه ورفض الماوردى هذا الفرق وقال: هذا قول مرذول وفرق معلول.
فأما إن اختلف البائع والمشترى في الثمن فقال البائع: بعته بألف، وقال المشترى: اشتريته بخمسمائه فانهما يتحالفان، فإذا حلفا ففى بطلان البيع بتحالفهما وجهان ذكرا في البيوع.
أحدهما: أنه قد بطل فعلى هذا يعود الشقص إلى البائع ولا شفعة فيه.
والثانى: أن البيع لا يبطل إلا بالفسخ، فعلى هذا لا يخلو حال المثمن من أحد أمرين إما أن يكون معينا أو غير معين، فان كان المثمن معينا كقول البائع بعتك شقصى بهذه السيارة فيقول المشترى: اشتريته بهذا (الريكوردر) المسجل فإذا تحالفا وامتنع المشترى أن يأخذه بالسيارة التى ادعاها البائع ثمنا لم يعرض على الشفيع لان عين هذه السيارة لا تحصل للبائع من جهة الشفيع، وفسخ الحاكم البيع بينهما وأبطل الشفعة فيه، وإن كان الثمن غير معين كقول البائع بعتك الشقص بألف فيقول المشترى بخمسمائة، عرض الشقص على المشترى والشفيع بالالف ليأخذاه أو يرداه لانه قد يحصل للبائع ما ادعاه من القدر من الشفيع والمشترى، فلذلك عرض عليها، وإذا كان كذلك فللشفيع والمشترى أربعة أحوال.
ا - أن يرضيا جميعا به فيلزم المشترى الالف وللشفيع أن يأخذ منه الشقص بالالف.
ب - أن يرداه جميعا بالالف فيفسخ البيع وتبطل الشفعة.
стр. 793
ج - أن يرضاه المشترى بالالف ويرده الشفيع بها فيلزم البيع للمشترى
بالالف وتبطل شفعة الشفيع.
د - أن يرضى به الشفيع بالالف ويرده المشترى فيكون رد المشترى باطلا لما فيه من إسقاط حق الشفيع، ويصير البيع لازما للمشترى ليتوصل به الشفيع إلى حقه من الشفعة ويأخذ الشقص فيه بالالف، فلو رده الشفيع بعيب رده على المشترى ورجع عليه بالثمن لان عهدته عليه، وللمشترى حينئذ أن يفسخ البيع فيه وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى
(فصل)
فإن كان بين رجلين دار وغاب أحدهما وترك نصيبه في يد رجل فادعى الشريك على من في يده نصيب الغائب أنه اشتراه منه، وأنه استحق أخذه بالشفعة، فأقر به، فهل يلزمه تسليمه إليه بالشفعة؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يسلمه، لانه أقر بالملك للغائب، ثم ادعى انتقاله بالشراء، فلم يقبل قوله
(والثانى)
يسلم إليه لانه في يده فقبل قوله فيه.
(فصل)
وإن أقر أحد الشريكين في الدار أنه باع نصيبه من رجل ولم يقبض الثمن، وصدقه الشريك وأنكر الرجل، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لا تثبت الشفعة للشريك، لان الشفعه تثبت بالشراء ولم يثبت الشراء، فلم تثبت الشفعة للشريك، وذهب عامة أصحابنا إلى أنه تثبت الشفعة، وهو جواب المزني فيما أجاب فيه على قول الشافعي ﵀، لانه أقر للشفيع بالشفعه، وللمشترى بالملك، فإذا أسقط أحدهما حقه لم يسقط حق الآخر كما لو أقر لرجلين بحق فكذبه أحدهما وصدقه الاخر، وهل يجوز للبائع أن يخاصم المشترى.
فيه وجهان.
أحدهما: ليس له ذلك لانه يصل إلى الثمن من جهة الشفيع فلا حاجة به إلى خصومة المشترى.
والثانى: له أن يخاصمه لانه قد يكون المشترى أسهل في المعاملة من الشفيع،
فإن قلنا: لا يخاصم المشترى أخذ الشفيع الشقص من البائع وعهدته عليه لانه منه أخذ، واليه دفع الثمن.
стр. 794
وإن قلنا: يخاصمه، فان حلف أخذ الشفيع الشقص من البائع ورجع بالعهدة عليه، وإن نكل فحلف البائع سلم الشقص إلى المشترى وأخذ الشفيع الشقص من المشترى، ورجع بالعهدة عليه لانه منه أخذ، واليه دفع الثمن، وان أقر البائع بالبيع وقبض الثمن، وأنكر المشترى، فمن قال: لا شفعة إذا لم يقر بقبض الثمن لم تثبت الشفعة إذا أقر بقبضه، ومن قال: تثبت الشفعة إذا لم يقر بقبض الثمن اختلفوا إذا أقر بقبضه، فمنهم من قال: لا تثبت لانه يأخذ الشقص من غير عوض، وهذا لا يجوز، ومنهم من قال: تثبت، لان البائع أقر له بحق الشفعة وفى الثمن الاوجه الثلاثة التى ذكرناها، فيمن ادعى الشفعه على شريكه وحلف بعد نكول الشريك، والله أعلم.
(الشرح) قال الشافعي: وعهدة المشترى على البائع وعهدة الشفيع على المشترى، قال الماوردى في الحاوى: أما العهدة فمشتقة من العهد لما فيه من الوفاء بموجبه قال تعالى " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم " وقال الفيومى في المصباح: العهد الوصية يقال: عهد إليه يعهد من باب تعب إذا أوصاه وعهدت إليه بالامر قدمته وفى التنزيل " ألم أعهد اليكم يا بنى آدم ألا تعبدوا الشيطان " والعهد الامان والموثق والذمه، ومنه قيل للحربى يدخل بالامان ذو عهد.
ومعاهد أيضا بالبناء للفاعل والمفعول، لان الفعل من اثنين فكل واحد يفعل بصاحبه مثل ما يفعل صاحبه - إلى أن قال - وقولهم: عهدته عليه من ذلك لان المشترى يرجع على البائع بما يدركه وتسمى وثيقة المتبايعين عهدة لانه يرجع إليها عند الالتباس اه.
ونعود إلى قول الشافعي فنقول: لقد سمى ضمان الدرك عهدة ثم سمى كتاب
الشراء (الفاتورة) عهدة، واختلف الفقهاء في عهدة الشفيع هل تجب على البائع أو على المشترى؟ فذهب الشافعي إلى أن عهدة الشفيع على المشترى وعهدة المشترى على البائع.
وقال ابن أبى ليلى: عهدة الشفيع على البائع، وقال أبو حنيفة: ان كان الشفيع
стр. 795
قد قبضه من المشترى فعهدته على المشترى، وان كان قد قبضه من البائع فسخ عقد المشترى وكانت عهدته على البائع.
فأما ابن أبى ليلى فاستدل بأن البائع أصل والمشترى فرع، فكان الرجوع على البائع أولى من المشترى، لانه لا اعتبار بالفرع مع وجود الاصل.
قال: ولان المشترى يحل محل الوكيل للشفيع لدخوله على علم بانتقال الشراء إلى الشفيع، ثم ثبت في شراء الوكيل أن العهدة على البائع دون الوكيل، كذلك في استحقاق الشفيع.
وأما أبو حنيفة فاستدل على أن للشفيع أن يفسخ عقد المشترى بأنه لما استحق إزالة ملكه عنه استحق فسخ عقده فيه لان ثبوت العقد لاستيفاء الملك ودليلنا هو أن الشفيع يملك الشقص عن المشترى، بدليل أنه لو تركه لكان مقرا على ملك المشترى، ولو حدث منه نماء لكان للمشترى، فوجب أن تكون العهدة عليه كما كانت على البائع للمشترى، وتحريره قياسا أن انتقال الملك بالعوض ممن يظاهر بملك المعوض يوجب أخذه بالعهدة كالبيع، ولان الرجوع بالثمن قد يستحق في الرد بالعيب كما يستحق في الاستحقاق بالشفعة فلما كان الرجوع به في الرد بالعيب مستحقا على المشترى دون البائع وجب أن يكون الرجوع به في الاستحقاق بالشفعة مستحقا على المشترى دون البائع وقد يتحرر من اعتلال هذا الاستدلال قياسان:
(أحدهما)
أن أحد نوعيه ما يوجب الرجوع بالثمن فوجب أن يستحقه الشفيع على المشترى دون البائع قياسا على الرد بالعيب
(والثانى)
أن من استحق عليه الثمن في الرد بالعيب لم يستحق عليه الثمن في الاستحقاق وبالغصب قياسا على المشترى لو كان بائعا فأما الجواب عن استدلال ابن أبى ليلى بأن البائع أصل والمشترى فرع فمنتقض بالمشترى لو باع على الشفيع، ثم نقول ان المشترى وان كان فرعا للبائع فانه أصل للشفيع.
وأما الجواب عن استدلاله بالوكيل فهو امتناع الجمع بينهما من وجهين: (ا) ان الشفيع لما كان مخيرا بين أخذه من المشترى وبين تركه عليه صار مالكا
стр. 796
عنه لا عن البائع، ولما لم يكن للموكل خيار في أخذه من الوكيل وتركه عليه صار مالكا عن البائع دون الوكيل.
(ب) إنه لما استحق الشفيع الرد بالعيب على المشترى دون البائع صار مالكا عنه لا عن البائع، ولما استحق الموكل الرد بالعيب على البائع دون الوكيل صار مالكا عنه لا عن الوكيل.
وأما الجواب عن استدلال أبى حنيفة بأنه لما ملك إزالة ملكه رفع عقده فمن وجهين: (ا) انه قد يملك إزالة ملكه بعد القبض ولا يملك رفع عقده فكذلك قبل القبض.
(ب) أنه بالعقد ملك الشفعة، وفى رفعه إبطال الشفعة.
(فرع)
فأما قبض الشفيع الشقص من البائع قبل قبض المشترى له أو من ينوب عنه ففيه وجهان حكاهما ابن سريج
(أحدهما)
ليس له ذلك لانه يحل محل المشترى في الاخذ بالثمن، ولا يجوز شراء ما لم يقبض، فكذلك لا يجوز أخذ
شفعة ما لم يقبض.
فعلى هذا يأخذ الحاكم المشترى بالقبض، فإذا صار بيده انتزعه الشفيع منه، فإن كان المشترى غائبا وكل الحاكم عنه من يقبض له ثم حكم للشفيع بأخذه منه.
(والثانى)
وهو اختيار ابن سريج أن للشفيع أخذه من البائع قبل قبض المشترى، لان الشفيع يأخذه جبرا بحق، وإن كره المشترى فجاز، وإن كان قبل قبضه، كما يجوز الفسخ والاقالة قبل القبض ويبرأ البائع من ضمانها بقبض الشفيع لانه يأخذها بحق توجه على المشترى، وبالوجه الاول قال أبو إسحاق المروزى.
(فرع)
قال المزني: ولو أن البائع قال قد بعت من فلان شقصا بألف درهم وأنه قبض الشقص وأنكر ذلك فلان وادعاه الشفيع، فإن الشفيع يدفع الالف إلى البائع ويأخذ الشقص.
وصورتها في رجل ادعى بيع شقصه على رجل فأنكر المشترى الشراء وحضر الشفيع مصدقا للبائع ومطالبا بالشفعة، فهذا على ضربين (ا) أن يكون البائع مدعيا بقاء الثمن على المشترى (ب) أن يكون مقرا بقبضه، فان كان مع ادعاء البيع مدعيا بقاء الثمن
стр. 797
حكم عليه للشفيع بالشفعة لانه مدع على المشترى ومقر للشفيع فيحكم عليه باقراره وإن ردت دعواه.
وفى منعه من محاكمة المشترى واحلافه على الانكار وجهان: ١ - أن يكون البائع مدعيا بقاء الثمن على المشترى ٢ - أن يكون مقرا بقبضه، فان كان مع ادعاء البيع مدعيا بقاء الثمن حكم عليه للشفيع بالشفعة لانه مدع على المشترى ومقر للشفيع فيحكم عليه باقراره وإن ردت دعواه.
وفى منعه من محاكمة المشترى وإحلافه على الانكار وجهان: ١ - قول أبى على بن أبى هريرة: ليس له إحلافه، لان قصده حصول الثمن وقد حصل له، وسواء حصل له من مشترى أو شفيع، ولانه لا يؤمن ان أحلف أن يحكم بفسخ البيع، وفيه إبطال لحق الشفيع ٢ - له إحلافه لاستحقاق اليمين عليه بانكاره، ولما فيه من البغية لوصول الملك إلى مستحقه، ولا يبطل ليمينه حق الشفيع، فإذا قضى للشفيع بالشفعة لزمه دفع الثمن إلى البائع وتكون عهدة الشفيع هنا على البائع دون المشترى، لانه لما لم يلزمه الشراء مع انكاره لم تلزمه عهدته.
هذا ولم يتسع المقام لاستقصاء فروع الشفعة وجميع الاوجه وأحكامها، وسأفرد ما قيدته فيها في كتاب مستقل ان شاء الله تعالى.
والله أعلم بالصواب.
стр. 798
كتاب القراض
القراض جائز لما روى زيد بن أسلم عن أبيه أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر ابن الخطاب رضى الله عنهم خرجا في جيش إلى العراق فلما قفلا مرا على عامل لعمر بن الخطاب رضى الله عنه فرحب بهما وسهل وقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ههنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكما فتبتاعان به متاعا من متاع العراق ثم تبيعانه في المدينة وتوفران رأس المال إلى أمير المومنين ويكون لكما ربحه، فقالا وددنا، ففعل فكتب إلى عمر أن يأخذ منهما المال، فلما قدما وباعا وربحا فقال عمر أكل الجيش قد أسلف كما أسلفكما؟ فقالا لا، فقال عمر ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما.
أديا المال وربحه فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين لو هلك المال ضمناه فقال أدياه، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر:
يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا، فأخذ رأس المال ونصف ربحه.
وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال، ولان الاثمان لا يتوصل إلى نمائها المقصود الا بالعمل فجاز المعاملة عليها ببعض النماء الخارج منها كالنخل في المساقاة
(فصل)
وينعقد بلفظ القراض لانه لفظ موضوع له في لغة أهل الحجاز وبلفظ المضاربة لانه موضوع له في لغة أهل العراق وبما يؤدى معناه لان المقصود هو المعنى فجاز بما يدل عليه كالبيع بلفظ التمليك
(فصل)
ولا يصح إلا على الاثمان وهى الدراهم والدنانير، فأما ما سواهما من العروض والنقار والسبائك والفلوس، فلا يصح القراض عليها لان المقصود بالقراض رد رأس المال والاشتراك في الربح، ومتى عقد على غير الاثمان لم يحصل المقصود لانه ربما زادت قيمته فيحتاج أن يصرف العامل جميع ما اكتسبه في رد مثله ان كان له مثل، وفى رد قيمته ان لم يكن له مثل.
وفى هذا إضرار بالعامل، وربما نقصت قيمته فيصرف جزءا يسيرا من الكسب في رد مثله أو رد قيمته، ثم يشارك رب المال في الباقي، وفى هذا إضرار برب المال، لان
стр. 799
العامل يشاركه في أكثر رأس المال.
وهذا لا يوجد في الاثمان لانها لا تقوم بغيرها، ولا يجوز على المغشوش من الاثمان لانه تزيد قيمته وتنقص كالعروض
(فصل)
ولا يجوز إلا على مال معلوم الصفة والقدر، فإن قارضه على دراهم جزاف لم يصح، لان مقتضى القراض رد رأس المال، وهذا لا يمكن فيما لا يعرف صفته وقدره، فان دفع إليه كيسين في كل واحد منهما ألف درهم فقال قارضتك على أحدهما وأودعتك الآخر ففيه وجهان
(أحدهما)
يصح لانهما متساويان
(والثانى)
لا يصح لانه لم يبين مال القراض من مال الوديعة، وإن قارضه
على ألف درهم هي له عنده وديعة جاز لانه معلوم، وان قارضه على ألف درهم هي له عنده مغصوبة ففيه وجهان " أحدهما " يصح كالوديعة " والثانى " لا يصح لانه مقبوض عنده قبض ضمان، فلا يصير مقبوضا قبض أمانة (الشرح) قال ابن بطال: القراض مشتق من القرض وهو القطع، كأنه يقطع له قطعة من ماله أو قطعة من الربح.
وقيل اشتقاقه من المساواة، يقال: تقارض الشاعران إذا ساوى كل منهما صاحبه في المدح، وتقارضا الثناء.
وقال الصنعانى في سبل السلام: القراض بكسر القاف وهو معاملة العامل بنصيب من الربح.
وهذه تسميته في لغة أهل الحجاز، وتسمى مضاربة، مأخوذة من الضرب في الارض لما كان الربح يحصل في الغالب بالسفر أو من الضرب في المال وهو التصرف.
اه وقال الرافعى: ولم يشتق للمالك منه اسم فاعل لان العامل يختص بالضرب في الارض، فعلى هذا تكون المضاربة من المفاعلة التى تكون من واحد، مثل عاقبت اللص.
وقال ابن قدامة في المغنى من كتب الحنابلة: وهذه المضاربة تسمى قراضا أيضا، ومعناها أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه، على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه، فأهل العراق يسمونه مضاربة، مأخوذة من الضرب في الارض.
اه وقد جمع النووي بين الاسمين في المنهاج فقال: القراض والمضاربة أن يدفع
стр. 800
إليه مالا ليتجر فيه والربح مشترك.
قال السبكى.
قد يشاح النووي في قوله: أن يدفع.
ويقال القراض العقد المقتضى للدفع لا نفس الدفع.
قال الشربينى في شرح المنهاج: وأركانه خمسة: مال وعمل وربح وصيغه وعاقدان.
وقال الرشيدى في حاشيته على شرح شمس الدين الرملي للمنهاج في عطف
الشارح: المقارضة على القرض، أي إن القراض يجوز أن يكون مشتقا من القرض ومن المقارضة.
وهذا الصنيع ظاهر في أن دفع المال على الوجه الآتى لا يسمى مقارضة بل قراضا ومضاربة، وهو ظاهر المتن حيث اقتصر عليهما.
لكن ظاهر كلام المحلى يخالفه حيث عطف المقارضة على ما في المتن فأفاد أن القراض والمضاربة بمعنى قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة.
وقال الصنعانى لا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الاسلام وقال ابن حزم: كل أبواب الفقه فيه أصل من الكتاب والسنة حاشا القراض فما وجدنا له أصلا في السنة لكنه إجماع صحيح، ويقطع بأنه كان في عصره ﷺ وعلم به وأقره.
(قلت) ولسنا نخالف ابن حزم الا في أن أمرا مجمعا عليه من الامة منذ عهد نبيها ﷺ ثم لا يتبين مصدره واضحا بالاخبار، ولعل ابن حزم لم يبلغه لبعد الشقه ما بلغ غيره، وإن كانت هذه الاخبار المرفوعة يعتريها بعض الوهن من ناحية الاسناد فانها مؤيدة بأخرى صحيحة موقوفة على الصحابة، وهو لا يدل بالاستقراء على أنه كان موجودا في عهده ﷺ ، وانما يدل بمنطوقه على وجوده، فيكون استقراؤه من الاجماع على وجوده ينقصه ما رويناه عن الصحابة من صحيح الاخبار فأما المرفوع فقد روى ابن ماجه عن صهيب إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل والمقارضة وخلط البر بالشعير للبيت لا للبيع " أورده ابن حجر في بلوغ المرام وضعف اسناده.
وأما الموقوف فما رواه الدارقطني ورجاله ثقات عن حكيم بن حزام أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة أن لا تجعل مالى في كبد رطبة ولا تحمله في بحر ولا تنزل به في بطن مسيل، فان فعلت شيئا من ذلك فقد
стр. 801
ضمنت مالى.
وقال مالك في الموطأ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عن أبيه عن جده أنه عمل في مال لعثمان على أن الربح بينهما، وروى حميد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة يعمل به في العراق، وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر خرجا في جيش إلى العراق فتسلفا من أبى موسى مالا وابتاعا به متاعا، وقدما به إلى المدينة، فباعاه وربحا فيه، فأراد عمر أخذ رأس المال والربح كله فقالا: لو تلف كان ضمانه علينا، فلم لا يكون ربحه لنا؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا قال: قد جعلته، وأخذ منهما نصف الربح، وقد ساقها المصنف بأوفى من هذا.
وعن قتادة عن الحسن أن عليا قال: إذا خالف المضارب فلا ضمان، هما على ما شرطا، وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام أنهما قارضا.
قال الماوردى في الحاوى: والاصل في إحلال القراض وإباحته قوله تَعَالَى " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا من ربكم " وفى القراض ابتغاء فضل وطلب نماء وقد استدل بحديث " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " على جوازها وقد ضارب النبي ﷺ لخديجة بأموالها إلى الشام وأنفذت لخدمته عبدا لها يقال له ميسرة، وروى ابن أبى الجارود حبيب بن يسار عن ابن عباس قال: كان العباس إذا دفع مالا مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرا ولا ينزل به واديا ولا يشترى به ذات كبد رطبة، فإن فعل فهو ضامن، قال الماوردى: فرفع ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فأجازه.
وقد اختلف أصحابنا في وجه الاستدلال من حديث عمر على ثلاثة أوجه: (أحدها) قول الجليس: لو جعلته قراضا، وإقرار عمر على صحة القراض ولو علم عمر فساده لرده، فلم يكن ما فعله معهما قراضا لا صحيحا ولا فاسدا،
ولكن استطاب طهارة انفسهما بما أخذه من ربحهما لاسترابته بالحال واتهامه أبا موسى بالميل لانهما ابنا أمير المؤمنين، الامر الذى ينفر منه الامام العادل وتأباه طبيعة الاسلام.
(والثانى)
أن عمر أجرى عليهما في الربح حكم القراض الفاسد لانهما عملا
стр. 802
على أن يكون الربح لهما ولم يكن قد تقدم في المال عقد يصح حملهما عليه، فأخذ منهما جميع الربح، وعاوضهما على العمل بأجرة المثل وقدره بنصف الربح فرده عليهما أجرة، وهو اختيار أبى إسحاق المروزى.
(والثالث) أن عمر أجرى عليهما أجرا في الربح حكم القراض الصحيح، وإن لم يتقدم منهما عقد، لانه كان من الامور العامة ما يتسع حكمه عن العقود الخاصة، فلما رأى المال لغيرهما والعمل منهما ولم يرهما متعديين فيه، جعل ذلك عقد قراض صحيح، وهذا ذكره أبو على بن أبى هريرة، فعلى هذا الوجه يكون القول والفعل معا دليلا، ثم الحديث الذى ساقه المصنف من مساقاة النبي ﷺ أهل خيبر على شطر ما يخرج من تمر وزرع لا يدل بمنطوقه على هذا وإنما يدل بالمفهوم أو المحمول، لان المساقاة عمل في محل استوجب به شطر ثمرها فاقتضى ذلك جواز القراض من طريق المعنى.
وقد ذهب الماوردى إلى أن صحة القراض دليل على جواز المساقاة.
قوله: النقار وهو مذاب الفضة وقبل الذوب هي تبر، والسبائك جمع سبيكة القطعة المستطيلة من الذهب.
والفلوس جمع فلس وهو أدنى ما يتعامل من المال، ويسمى في الشام قرشا وفى العراق فلسا، وفى مصر والسودان مليما، وفى الحجاز ونجد هللة، وفى اليمن بقشة، وفى المغرب والجزائر بيزا أو بسيطة، وفى اليونان دراخما، وفى
اليابان ين، وفى انجلترا وأمريكا بنس، والفرق بين الفلوس قديما وحديثا أوضحناها في كتابنا تاريخ النقود الاسلامية.
فإذا ثبت أن القراض جائز بين المتعاقدين لانه عقد معونة وإرفاق، فانه عقد اختيار وليس عقد لزوم ويجوز لمن شاء منهما أن يفسخه، ومن.
أجل تيسير رد رأس المال على صاحبه لم يبحه الفقهاء إلا بالدراهم والدنانير.
قال الشافعي: ولا يجوز القراض إلا في الدراهم والدنانير التى هي أثمان الاشياء وقيمتها، وحكى عن طاوس والاوزاعي وابن أبى ليلى جواز القراض بالعروض لانها كالدراهم والدنانير، ولان كل عقد صح بالدراهم والدنانير صح بالعروض
стр. 803
كالبيع، وهذا خطأ لان القراض مشروط برد رأس المال واقتسام الربح وعقده بالعروض يمنع من هذين الشرطين، أما رد رأس المال فلان من العروض مالا مثل لها فلم يمكن ردها.
وأما الربح فقد يفضى إلى اختصاص أحدهما به دون الآخر لانه إن زاد خيره العامل بالربح فاختص به رب المال، وان نقص أخذ العامل شطر فاضله من غير عمل، وهذه أمور يمنع القراض منها فوجب أن يمنع مما أدى إليها ولان كل مال يوجب القراض منع من أن ينعقد عليه القراض كالمنافع.
فأما الجواب عن قياسهم على الدراهم والدنانير فهو أنها لا تمنع موجب القراض وأما قياسهم على البيع فالمعنى فيه أنه لا يلزم فيه رد مثل ولا قسمة ربح فجاز بكل مال، فإذا ثبت أن القراض لا يصح إلا بالدراهم والدنانير فلا يصح إلا بما كان منها مضروبا لا غش فيه، فإنه بالنقار والسبائك لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة، وكذلك بالفضة المغشوشة، وذهب أبو حنيفة إلى جوازها إذا كانت الفضة أكثر اعتبارا بحكم الاغلب، وهذا خطأ لان غش الفضة بالنحاس لو تميز عنها
لم يجز به القراض فإذا خالطها لم يجز به القراض، ولان ما لم تخلص فضته لم تجز مقارضته كالكثير الغش.
فإن قيل: فمن شرطها أن تكون معلومة القدر والصفة عند عقد القراض بها فإن تقارضا على مال لا يعلمان قدره كان القراض باطلا للجهل بما تعاقدا عليه، وإن علما قدره وجهلا صفته بطل القراض، لان الجهل بالصفة كالجهل بالقدر في بطلان العقد، فلو عقد القراض على ألف من أنواع شتى، فإن علما كل نوع منها صح العقد، وإن جهلاه بطل.
فلو دفع إليه ألف درهم وألف دينار على أن يقارض بأى الالفين شاء ويستودعه الاخرى لم يجز للجهل بالقراض هل عقد بألف درهم أو بألف دينار، كما لو أعطاه مبلغا من العملة الصعبة كالدولار والمارك والاسترلينى ومبلغا من العمله الاخرى ولكل من النقدين قيمة رسمية وقيمة حرة، وقيمة محلية وأخرى في أسواقها الرسمية أو الدوليه، ولم يحدد له أحد النوعين المراد به القراض كان العقد باطلا
стр. 804
ولو دفع إليه بكيسين في كل واحد منهما ألف دينار على أن تكون إحدى الالفين قراضا والاخرى وديعة ففيه وجهان.
(أحدهما)
يجوز ويكون قراضا صحيحا لانه معقود على ألف دينار معلومة لتساوي الالفين.
(والثانى)
لا يجوز للجهل بمال القراض من مال الوديعة، ولكن لو دفع إليه ألفا وألفا على أن له من ربح أحد الالفين النصف ومن ربح الآخر الثلث، فإن عين الالف التى شرط له نصف ربحها من الالف التى شرط له ثلث ربحها جاز وكانا عقدين، وإن لم يعين لم يجز للجهل بمال كل واحد من العقدين.
وإذا كانت لرجل في يد رجل ألف درهم وديعه فقارضه عليها وهما يعلمان
قدرها وصفتها جاز، ولو كانا يجهلان القدر أو الصفة لم يجز، ولو قال له: قد قارضتك على ألف من ديتي التى على فلان فاقتضى منه قراضا لم يجز لانه قراض على ملك غائب، فان قبضها وأنجز بها صح القبض لانه وكل فيه، وكان الربح والخسران لرب المال وعليه، لحدوثها عن ملكه في قراض فاسد، ولو كان له على العامل دين فقال له: قد جعلت ألفا من دينى عليك قراضا في بدل لم يجز تعليلا بأنه قراض على مال غائب، وفيما حصل فيه من الربح والخسران قولان حكاهما أبو حامد في جامعه تخريجا.
(أحدهما)
أنه لرب المال وعليه، كالحادث عن مقارضة من دين على غيره، فعلى هذا تبرأ ذمة العامل من الدين إذا اتجر به.
(والقول الثاني) وهو الاصح أن الربح والخسران للعامل وعليه دين رب المال، والفرق بين كون الدين عليه وبين كونه على غيره أن قبضه من غيره صحيح لانه وكيل فيه لرب المال فعاد الربح والخسران على رب المال لحدوثها عن ملكه وقبضه من نفسه فاسد لانه يصير مشتريا لنفسه بنفسه فعاد الربح والخسران عليه دون رب المال لحدوثها عن ملكه لان في كل واحد من الموضعين يعود الربح والخسران على من له المال.
(فرع)
فأما إذا غصبه ألفا ثم قارضه عليها فهذا على ضربين.
أحدهما: أن
стр. 805
يكون قد استهلكها بالغصب فقد صارت بالاستهلاك دينا، فيكون على ما ذكرنا والثانى أن تكون باقية فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن يقارض عليهما بعد إبرائه من ضمانها فيجوز لانها تصير بعد الابراء وديعة
(والثانى)
أن تقارضه عليها من غير تصريح بإبرائه منها، ففى القراض وجهان
(أحدهما)
باطل لانها مضمونة عليه كالدين وبما حصل فيها من ربح وخسران
فلرب المال وعليه.
(والثانى)
وهو الصحيح أن القراض صحيح لانه قراض على مال حاضر كما لو باعها عليه أو وهبها منه.
وفى براءته بذلك من ضمانها ثلاثة أوجه: ١ - براءته من ضمانها لانه قد صار مؤتمنا عليها ٢ - لا يبرأ من ضمانها كما لا يبرأ الغاصب من ضمان ما ارتهن ٣ - أنه ما لم يتصرف فيها بعقد القراض فضمانها باق عليه، وإن تصرف فيها بدفعها في ثمن ما ابتاعه بها برئ من ضمانها إن عاقد عليها بأعيانها، ولم يبرأ إن عاقد بها في ذمته لانها في التعيين مدفوعة إلى مستحقها بإذن مالكها، فصار كردها عليه، وفيما تعلق بذمته يكون مبرئا لنفسه.
فأما إذا دفع إليه عرضا وأمره ببيعه والمضاربة بثمنه لم يجز لعلتين (ا) جهالة ثمنه والقراض بالمال المجهول باطل (ب) عقده بالصفة، والقراض بالصفات باطل فإن باعه العامل كان بيعه جائزا لصحة الاذن فيه، وإن اتجر به كان الربح والخسران لرب المال لحدوثها عن ملكه، وللعامل أجرة مثله في عمل القراض دون القرض، لانه لم يجعل له في بيع القرض جعلا، وإنما جعل له في عمل القراض ربحا فصار متطوعا بالبيع معتاضا على القراض.
ولو قال خذ من وكيلى ألف درهم فضارب بها لم يجز لعلة واحدة، وهو أنه قراض بصفة وما حصل من ربح وخسران فلرب المال وعليه.
فأما إذا دفع شبكة إلى صياد ليصيد بها ويكون الصيد بينهما لم يجز وكان الصيد للصياد وعليه أجرة الشبكة، وقد مضى تفصيل ذلك من التكملة الاولى ومناقشة كل من القائلين بأن الشبكة لمالكها وعليه أجر المثل للصياد.
أو أن المصيد للصياد وعليه أجر الشبكة، والاتفاق على أن الصيد لا يقسم بين الصياد والمالك مرابحة
стр. 806
قياسا على المزارعة.
والفرق بين صيد الصياد ونتاج الماشية أن حدوث النتاج من أعيانها فكان لمالكها دون عالفها وحصول الصيد بفعل الصياد فكان له دون مالك الشبكة في رأى الماوردى وكان لمالك الشبكة حتى لا يضيع تعب العامل إذا لم تخرج الشبكة صيدا في رأى السبكى وعلى صاحبها أجر مثله، وعلى هذا لو دفع سفينة إلى ملاح ليعمل فيها بنصف كسبها لم يجز، وكان الكسب للملاح لانه بعمله وعليه لمالك السفينة أجرة المثل، وهذه الاصول من أعظم ما تتميز به شريعتنا الالهية من حماية العامل وجهده وكسبه، وهى السمات الظاهرة المشرقة المشرفة في مجتمع مسلم يقوم على الاسلام.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يجوز إلا على جزء من الربح معلوم، فان قارضه على جزء مبهم لم يصح، لان الجزء يقع على الدرهم والالف فيعظم الضرر، وإن قارضه على جزء مقدر كالنصف والثلث جاز، لان القراض كالمساقاة، وقد ساقى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ خيبر على شطر ما يخرج من تمر وزرع، وان قارضه على درهم معلوم لم يصح، لانه قد لا يربح ذلك الدرهم فيستضر العامل، وقد لا يربح إلا ذلك الدرهم فيستضر رب المال.
وإن قال قارضتك على أن الربح بيننا ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يصح لانه مجهول، لان هذا القول يقع على التساوى وعلى التفاضل
(والثانى)
يصح لانه سوى بينهما في الاضافة فحمل على التساوى، كما لو قال: هذه الدار لزيد وعمرو.
وإن قال قارضتك على أن لى نصف الربح ففيه وجهان
(أحدهما)
يصح ويكون الربح بينهما نصفين، لان الربح بينهما، فإذا شرط لنفسه النصف دل على أن الباقي للعامل
(والثانى)
لا يصح وهو الصحيح، لان الربح كله لرب المال بالملك، وإنما يملك العامل جزءا منه بالشرط ولم يشرط له شيئا فبطل
وإن قال قارضتك على أن لك النصف ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يصح، لانه لم يبين ما لرب المال
(والثانى)
يصح، وهو الصحيح، لان ما لرب المال لا يحتاج إلى شرط، لانه يملكه بملك المال، وانما يحتاج إلى شرط ما للعامل،
стр. 807
فإذا شرط للعامل النصف بقى الباقي على ملك رب المال، فعلى هذا لو قال قارضتك على أن لك النصف ولى الثلث وسكت عن السدس صح، ويكون النصف له، لان الجميع له إلا ما شرطه للعامل، وقد شرط له النصف، فكان الباقي له.
(فصل)
وإن قال: قارضتك على أن الربح كله لى أو كله لك بطل القراض لان موضوعه على الاشتراك في الربح، فإذا شرط الربح لاحدهما فقد شرط ما ينافى مقتضاه فبطل، وإن دفع إليه ألفا وقال: تصرف فيه والربح كله لك فهو قرض لا حق لرب المال في ربحه، لان اللفظ مشترك بين القراض والقرض، وقد قرن به حكم القرض، فانعقد القرض به كلفظ التمليك لما كان مشتركا بين البيع والهبة إذا قرن به الثمن كان بيعا، وإن قال: تصرف فيه والربح كله لى فهو بضاعة، لان اللفظ مشترك بين القراض والبضاعة، وقد قرن به حكم البضاعة فكان بضاعة كما قلنا في لفظ التمليك.
(فصل)
ولا يجوز أن يختص أحدهما بدرهم معلوم ثم الباقي بينهما لانه ربما لم يحصل ذلك الدرهم فيبطل حقه وربما لم يحصل غير ذلك الدرهم فيبطل حق الآخر، ولا يجوز أن يخص أحدهما بربح ما في الكيسين لانه قد لا يربح في ذلك فيبطل حقه أو لا يربح إلا فيه فيبطل حق الاخر ولا يجوز أن يجعل حق أحدهما في عبد يشتريه فان شرط أنه إذا اشترى عبدا أخذه برأس المال أو أخذه العامل بحقه لم يصح العقد لانه قد لا يكون في المال ما فيه ربح غير العبد فيبطل حق الاخر (الشرح) حديث المساقاة رواه الجماعة عن ابن عمر وَلَفْظُهُ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع " ورواه الشيخان بلفظ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا ظهر على خيبر سأله اليهود أن يقرهم بها على أن يكفون عملها ولهم نصف الثمرة فقال لهم: نقركم بها على ذلك ما شئنا " وللبخاري " أعطى يهود خيبر أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها " ولمسلم وأبى داود والنسائي " دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم، ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها " ورواه أحمد عن عمر بلفظ
стр. 808
" أن النبي ﷺ عامل يهود خيبر على أن نخرجهم متى شئنا " ورواه البخاري بمعناه، ورواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس بلفظ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ خيبر أرضها ونخلها مقاسمة على النصف " ورواه البخاري عن أبى هريرة بلفظ " قالت الانصار للنبى ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا - المهاجرين - النخل، قال: لا، فقالوا: تكفونا العمل ونشرككم في الثمرة، فقالوا سمعنا وأطعنا ".
أما الاحكام فقد قال الشافعي: ولا يشترط أحدهما درهما على صاحبه وما بقى سهما ويشترط أن يوليه سلعة، أو على أن يرتفق أحدهما بشئ دون صاحبه، وهذا صحيح، فقد ظهر ان عقد القراض موجب لاشتراك رب المال والعامل في الربح ولا يختص به أحدهما دون الاخر، لان المال والعمل متقابلان، فرأس المال في مقابلة عمل العامل، ولذلك وجب أن يشتركا في الربح، ولم يجز أن يختص به أحدهما مع تساويهما، وإذا منعنا من اختصاص أحدهما بالربح دون الاخر وجب أن يمنعا مما يؤدى إلى اختصاص أحدهما بالربح دون الاخر، فمن ذلك أن يشترط أحدهما لنفسه من الربح درهما معلوما والباقى لصاحبه أو بينهما، فلا يجوز، لانه قد لا يحصل من الربح إلا الدرهم المشروط فينفرد به أحدهما
وينصرف الاخر بغير شئ مع وجود العمل وحصول الربح، ومثاله في البيوع أن يبيعه الثمرة إلا مدا يستثنيه لنفسه فيبطل البيع لانه قد يجوز أن تهلك الثمرة إلا ذلك المد، فيصير البائع آخذا للثمن والثمرة معا ولو شرطا تفاضلا في الربح مثل أن يشترط أحدهما عشر الربح وتسعة أعشاره للآخر جاز لانه ليس ينصرف أحدهما بغير ربح، ومثاله في البيوع أن يبيع الثمرة إلا عشرها فيصح البيع لان ما بقى منها فهو مبيع وغير مبيع.
قال الماوردى: ومن ذلك أن يشترط أحدهما أن يولى ما يرتضيه أو ما يكتسبه برأس ماله فيبطل القراض لانه قد لا يكون في المشترى ربح إلا فيما تولاه فيصير مختصا بجميع الربح ويخرج الآخر بغير ربح، ومن ذلك أن يشترط أحدهما ربحا دون صاحبه، مثل أن يشترط ركوب ما اشتراه من الدواب أو لبس ما اشتراه
стр. 809
من الثياب مدة بقائها في القراض فيبطل العقد لانه قد لا يكون في أثمانها فضل إلا ما اختص به أحدهما من الرفق فيصير منفردا بالربح لان المنفعة مقومة كالاعيان فأما إذا شرطا جميع الربح لاحدهما فهما مسألتان: ١ - أن يشترطا جميع الربح لرب المال ٢ - أن يشترطا جميع الربح للعامل، فإذا شرطا الاول نظر فيه، فان لم يقل رب المال عند دفعه: انه قراض ولكن قال: خذه فاشتر به وبع ولى جميع الربح فهذه استعانة بعمله وليس بقراض والعامل متطوع بعمله فيه وجميع الربح لرب المال ولا أجرة للعامل في عمله.
وإن قال خذه قراضا على أن جميع الربح لى، فهذا قراض فاسد وجميع الربح لرب المال، وفى استحقاق العامل أجرة مثله وجهان
(أحدهما)
وهو قول المزني إنه لا أجرة له، لانه مع الرضا بأن لا ربح له متطوع بعمله
(والثانى)
وهو قول
ابن سريج إن له أجرة مثله لعمله في قراض فاسد، فصار كالمزوجة من غير صداق تستحق بذلك مهر المثل.
وأما ان شرطا جميع الربح للعامل فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن يقول رب المال خذه قراضا على أن جميع الربح لك، فهذا فاسد وجميع الربح لرب المال على حكم القراض الفاسد وللعامل أجرة مثله لدخوله على عوض لم يحصل له.
والضرب الثاني: أن يقول: خذه على أن جميع ربحه لك ولا يصرح في حال الدفع بأنه قراض، ففيه لاصحابنا وجهان
(أحدهما)
أن يكون سلفا ولا يكون قراضا لانه غير منطوق به، فعلى هذا يكون ضامنا للمال وجميع الربح له.
والوجه الثاني: أن يكون قراضا فاسدا ولا يكون قراضا ولا سلفا لانه غير منطوق به.
فعلى هذا لا يكون ضامنا للمال، ويكون جميع الربح لرب المال، وللعامل أجرة المثل.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
ولا يجوز أن يعلق العقد على شرط مستقبل لانه عقد يبطل بالجهالة فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل كالبيع والاجارة.
стр. 810
(فصل)
قال الشافعي ﵀: ولا تجوز الشريطة إلى مدة، فمن أصحابنا من قال لا يجوز شرط المدة فيه لانه عقد معاوضة يجوز مطلقا فبطل بالتوقيت كالبيع والنكاح، ومنهم من قال: إن عقده إلى مدة على أن لا يبيع بعدها لم يصح لاأ العامل يستحق البيع لاجل الربح، فإذا شرط المنع منه فقد شرط ما ينافى مقتضاه فلم يصح.
وإن عقده إلى مدة على أن لا يشترى بعدها صح، لان رب المال يملك المنع من الشراء إذا شاء، فإذا شرط المنع منه فقد شرط ما يملكه بمقتضى العقد فلم يمنع صحته.
(فصل)
ولا يصح إلا على التجارة في جنس يعم كالثياب والطعام والفاكهة في وقتها، فان عقده على ما لا يعم كالياقوت الاحمر والخيل البلق وما أشبهها أو على التجارة في سلعة بعينها لم يصح لان المقصود بالقراض الربح فإذا علق على ما لا يعم أو على سلعة بعينها تعذر المقصود لانه ربما لم يتفق ذلك ولا يجوز عقده على أن لا يشترى إلا من رجل بعينه، لانه قد لا يتفق عنده ما يربح فيه أو لا يبيع منه ما يربح فيه فيبطل المقصود
(فصل)
وعلى العامل أن يتولى ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه من النشر والطى والايجاب والقبول، وقبض الثمن ووزن ما خف كالعود والمسك، لان إطلاق الاذن يحمل على العرف، والعرف في هذه الاشياء أن يتولاها بنفسه، فان استأجر من يفعل ذلك لزمه الاجرة في ماله.
فأما ما لم تجر العادة أن يتولاه بنفسه كحمل المتاع ووزن ما يثقل وزنه فلا يلزمه أن يتولاه بنفسه، وله أن يستأجر من مال القراض من يتولاه، لان العرف في هذه الاشياء أن لا يتولاه بنفسه، فان تولى ذلك بنفسه لم يستحق الاجرة لانه تبرع به.
وإن سرق المال أو غصب فهل يخاصم السارق والغاصب؟ فيه وجهان:
(أحدهما)
لا يخاصم، لان القراض معقود على التجارة فلا تدخل فيه الخصومة
(والثانى)
أنه يخاصم فيه لان القراض يقتضى حفظ المال والتجارة ولا يتم ذلك الا بالخصومة والمطالبة
следующие страницы →