حيث استخرجهم واستشهدهم، فاتفقوا على الإقرار، ثم اختلفوا في عالم الأشباح باتباع الهوى والأباطيل، أو ببعثة الرسل فتبعتهم طائفة وكفرت اخرى. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ في اللوح المحفوظ، بتأخير الحكم، أو العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة، فإنه يوم الفصل والجزاء، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ عاجلاً فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ بإهلاك المُبْطِل وإبقاء المحق.
الإشارة: اختلاف الناس على الأولياء كاختلافهم على الأنبياء، أمر سبق به الحكم الأزلي لا محيد عنه، فمن طلب اتفاقهم عليه فهو جاهل بالله وبطريق أهل الله. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر اقتراحهم الآيات، فقال:
[سورة يونس (١٠) : آية ٢٠]
وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)
يقول الحق ﷻ : وَيَقُولُونَ يقول الكفار: لَوْلا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ظاهرة مِنْ رَبِّهِ تدل على صدقه، يعاينُها الناس كلهم، فتلجئهم إلى الإيمان به، وهذا الأمر على هذا الوجه لم يكن لنبي قط، إنما كانت الآية تظهر معرّضة للنظر، فيهتدي بها قوم، ويكفر بها آخرون، فَقُلْ لهم: إِنَّمَا علم الْغَيْبُ لِلَّهِ مختص به، فلم أَطََّلع عليه حتى أعلم وقت نزولها، ولعله علم ما في نزولها من الضرر لكم فصرفها عنكم، فَانْتَظِرُوا نزول ما اقترحتموه، إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لذلك، وهذا وعد قد صدقه الله بنصرته- عليه الصلاة السلام- وأخذهم ببدر وغيره، أو من المنتظرين لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات.
الإشارة: ما زالت العامة تطلب من مشايخ التربية الكرامات، فجوابهم ما قال تعالى لنبيه ﷺ : (قل إنما الغيب لله) فانتظروا ما يظهر على أيديهم من الهداية والإرشاد، وإحياء البلاد والعباد بذكر الله، وهذا أعظم الكرامة، فإن إخراج الناس عن عوائدهم وعن دنياهم خارق للعادة، سيما في هذا الزمان الذي احتوت فيه الدنيا على القلوب، فلا ترى عالماً ولا صالحاً ولا منتسباً إلا وهو مغروق في بحر ظلماتها، فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
ثم ذكر جزئيات من الآيات لمن فهم واعتبر، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٢١ الى ٢٣]
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)
стр. 1052
قلت: (جاءتها) : جواب «إذا» ، وجملة (دعوا) : بدل من «ظنوا» بدل اشتمال لأن دعاءهم من لوازم الظن.
يقول الحق ﷻ : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً، كصحة وعافية وخصب مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ، كمرض أو قحط إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا بالطعن فيها، والاحتيال في دفعها، فقد قحط أهل مكة حتى أكلوا الجلود والميتة، ثم رحمهم بالغيث، فطعنوا في آياته بالتكذيب، وكادوا رسوله- ﵊ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً منكم، فقد دبر عقابكم قبل أن تدبروا كيدكم، ووصف مكر الله بالسرعة وإن كان الاستدراج يمهلهم لأنه متيقن واقع لا محالة، وكل آت قريب.
إِنَّ رُسُلَنا الحفظة يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ فنجازيكم عليه. قال البيضاوي: هو تحقيق للانتقام، وتنبيه على أن ما يدبرون في إخفائه لم يَخفْ على الحفظة فضلاً أن يخفى على الله. وعن يعقوب: «يمكرون» بالياء ليوافق ما قبله. هـ. قال ابن جزي: هذه الآية للكفار، وتتضمن النهي لمن كان كذلك من غيرهم، والمكر هنا:
الطعن في آيات الله وترك شكره، ومكر الله الموصوف بالسرعة هو عقابه لهم، سماه مكراً مشاكلة لفعلهم، وتسمية للعقوبة باسم الذنب. هـ.
فنزول الرحمة بعد الشدة آية تدل على كمال قدرته. وقد وَرَدَ أنه لما نزل بهم القحط التجئوا إليه ﷺ وقالوا:
يا محمد إنك جئت تأمر بمكارم الأخلاق، وإن قومك قد هلكوا، فادعُ الله يغيثنا، فدعا، فنزل عليهم الغيث، فكانت معجزة له- ﵊.
ثم ذكر آية أخرى فقال: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ بقدرته فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ:
السفن، وَجَرَيْنَ بِهِمْ بمن فيها، عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة، كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم، ففيه التفات. ومقتضى القياس: وجرين بكم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ: لينة الهبوب، وَفَرِحُوا بِها لسهوله السير بها، جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ أي: شديد الهبوب، وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ من كل جهة لهيجان البحر حينئذ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ أي: أهلكوا، أو سُدت عليهم مسالك الخلاص، كمن أحاط به العدو.
стр. 1053
قال ابن عطية: ركوب البحر وقت حسن الظن به للجهاد والحج متفق على جوازه، وكذا لضرورة المعاش بالصيد ويتصرف للتجر، وأما ركوبه لطلب الدنيا والاستكثار فمكروه عند الأكثر. قلت: ما لم يكن لبلد تجري فيه أحكام الكفار على المسلمين وإلا حرم. ثم قال: وأما ركوبه وقت ارتجاجه فممنوع، وفي الحديث: «من ركب البحر في ارتجاجه فقد برِئَتْ منه الذمة» وقال النبي ﷺ : «البحر لا أركبه أبداً» .
وعن عليّ- كرّم الله وجهه- أنه قال: لولا هذه الآية، لضربت عنق من يركب البحر. فقال ابن عباس: إني لأعلم كلمات من قالهُن عند ركوب البحر وأصابه عطب فعليّ ديته، قيل: وما هي؟ قال: اللهم يا من له السموات خاشعة، والأرضون السبع خاضعه، والجبال الراسية طائعة، أنت خير حفظاً وأنت أرحم الراحمين، وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ «١» صلى الله على محمد النبي المصطفى، وعلى أهل بيته، وأزواجه وذريته، وعلى جميع النبيين والمرسلين، والملائكة المقربين، وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ «٢» . قال بعض الفضلاء:
جربته فصح. هـ.
ثم قال تعالى في وصف الكفار عند إحاطة البحر بهم: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ من غير إشراك لتراجع الفطرة وزوال المعارض من شدة الخوف، قائلين: لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ الشدة لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إجابة لدعائهم إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بالكفر والمعاصي، بِغَيْرِ الْحَقِّ أي: سارعوا إلى ما كانوا عليه من البغي والفساد في الأرض بغير الحق، واحترز بقوله: بِغَيْرِ الْحَقِّ عن تخريب المسلمين ديار الكفرة، وإحراق زروعهم، وقلع أشجارهم، فإنها إفساد بحق. قاله البيضاوي. قلت: وفي كونه بغياً نظر، والأظهر أن قوله: بِغَيْرِ الْحَقِّ تأكيد لا مفهوم له.
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ فإن وباله عائد عليكم، أو على أبناء جنسكم، وذلك مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا تتمتعون به ساعة، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ في القيامة، فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بالجزاء عليه.
الإشارة: وإذا أذقنا الناس حلاوة المعرفة والعلم، بعد ضرر الجهل والغفلة، إذا لهم مكر في آياتنا وهم الأولياء والمشايخ، الذين فتح الله بسببهم عليهم- بالطعن عليهم والانتقال عنهم، كما يفعله بعض المريدين، أو جُلُّ طلبة
стр. 1054
العلم، بنسيان مشايخهم ونسيان العهد إليهم، قل الله أسرع مكراً بهم، فيريهم أن الأمداد باقية، تجري عليهم استدراجاً، ثم يحبس ذلك عنهم فتيبس أشجار معانيهم، وتظلم قلوبهم.
ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ إليه في بر الشريعة، وبحر الحقيقة، فيقع السير بينهما، فإذا كانت الشريعة أقوى نقص له منها وزاد في حقيقته، وإذا قويت حقيقته نقص له منها إلى شريعته، هكذا حتى تعتدلا، فتكمل تربيته، فإذا ركبوا سفن الأفكار وساروا بأرواحهم في تيار البحار، فخاضوا بأفكارهم بحار التوحيد وأسرار التفريد، وجرت أفكارهم في عالم الملكوت بريح طيبة- وهي ريح السلوك- جاءتها ريح عاصف، وهي الواردات الإلهية، تأتي من حضرة القهّار، لا تُصادم شيئاً إلا دمغته، فإذا خافوا على نفوسهم صدمات الجذب او المحْو دََعوا الله مخلصين له الدينَ، فلما ردهم إلى السلوك اشتغلوا برياضة نفوسهم بالمجاهدة والمكابدة، فبغوا عليها كما بغت عليهم في أيام غفلتهم. وبالله التوفيق.
ثم حذّر من زهرة الدنيا، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٢٤ الى ٢٥]
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)
يقول الحق ﷻ : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا في سرعة تقضيها، وذهاب نعيمها بعد إقبالها، واغترار الناس بها كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ أي: اشتبك بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ حتى اختلط بعضه ببعض، مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ من الزرع والبقول والحشيش، حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها أي:
زينتها وبهجتها بكمال نباتها، وَازَّيَّنَتْ أي: تزينت بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة كعروس أخذت من ألوان الثياب والحلي فتزينت بها.
وَظَنَّ أَهْلُها أي: أهل الأرض أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها متمكنون من حصدها ورفع غلتها، أَتاها أَمْرُنا أي: بعض الجوائح، كالريح والمطر، لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها أي: زرعها حَصِيداً: شبيهاً بما
стр. 1055
حصد من أصله، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ: كأن لم تُقم بِالْأَمْسِ، أو كأن لم يغن زرعها، أي: لم ينبت. والمراد:
تشبيه الدنيا في سرعة انقضائها بنبات اخضرَّ ثم صار هشيماً، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ويتدبرون عواقب الأمور، فيعلمون أن الدنيا سريعة الزوال، وشيكة التغير والانتقال، فيزهدون فيها ويجعلونها مزرعة لدار السلام، التي هي دار البقاء.
وهي التي دعا إليها عبادة بقوله: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ أي: السلامة من الفناء وجميع الآفات، أو دار الله الذي هو السلام. وتخصيص هذا الاسم للتنبيه على ذلك، أو دار يُسلم اللهُ والملائكةُ فيها على من يدخلها، وهي الجنة، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ توْفِيقَه إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، التي توصل إليها وإلى رضوانه فيها، وهو الإسلام والتدرُّع بلباس التقوى، وفي تعميم الدعوة وتخصيص الهداية بالمشيئة دليل على أن الأمر غير الإرادة، وأن المُصِرّ على الضلالة لم يرد الله رشده. قاله البيضاوي.
الإشارة: ما ذكره الحق تعالى في هذه الآية هو مثال لمن صرف همته إلى الدنيا، وأتعب نفسه في جمعها، فبنى وشيد وزخرف وغرس، فلما أشرف على التمتع بذلك اختطفته المنية، فلا ما كان أمَّل أدرك، ولا إلى ما فاته من العمل الصالح رجع.
وفي بعض خطبه- ﵊ أنه قال: «أما رأيتم المؤاخَذين على الغرة، المزعَجين بعد الطمأنينة، الذين أقاموا على الشبهات، وجنحوا إلى الشهوات، حتى أتتهم رسلُ ربهم، فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا ما فاتهم رجعوا، قدِموا على ما قدَّموا، وندموا على ما خلفوا، ولم ينفع الندم وقد جف القلم» . وقال أيضا ﷺ :
«لا تخدعنكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات عالية، فكأنْ قد كشف القناع، وارتفع الارتياب ولا فى كل امرئ مستقره، وعرف مثواه ومنقلبه» .
ورُوي عن جابر رضى الله عنه أنه قال: شهدت مجلساً من مجالس رسول الله ﷺ ، إذ أتاه رجل أبيض، حسن الشعر واللون، فقال: السلام عليك يا رسول الله، قال: وعليك السلام. قال: يا رسول الله، ما الدنيا؟ فقال: حلم النائم، وأهلها مجازَون ومعاقبون. قال: يا رسول الله، فما الآخرة؟. قال: الأبد، فريق في الجنة، وفريق في السعير، قال: يا رسول الله، فما الجنة؟ قال: ترك الدنيا بنعيمها أبداً، ثم قال: فما خير هذه الأمة؟ قال: الذي يعجل بطاعة الله، قال:
فكيف يكون الرجل فيها؟ - أي في الدنيا- قال: متشمراً كطالب قافلة، قال: وكم القرار بها؟ قال: كقدر المتخلف عن القافلة، قال: فكم ما بين الدنيا والآخرة؟ قال كغمضة عين. ثم ذهب الرجل فلم يُر، فقال ﷺ : «هذا جبريل، أتاكم يزهدكم في الدنيا» .
стр. 1056
وقال الورتجبي عند قوله: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ: الله تعالى يدعو العبادَ من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، لئلا يفتنوا بزخرفها وغرورها، وليصلوا إلى جواره ونعيم مشاهدته. هـ.
قال المحشي: قلت: وذلك أن أعلى اللذات التحقق بصفات الربوبية، وهي محبوبة للقلب والروح بالطبع، لما فيه من المناسبة لها. ولذلك قال: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي «١» ، ثم المناسب إنما هو بقاء لا فناء فيه، وعز لا ذل فيه، وغنى لا فقر فيه، وكمال لا نقص فيه، وأمن لا خوف فيه، وهذا كله من أوصاف الربوبية، وحق كل عبد أن يطلب ملكاً عظيماً لا آخر له، ولا يكون ذلك في الدنيا لانصرافها وشوبها بآلام مكدّرات، وإنما ذلك في الآخرة، ولكن الشيطان بتلبيسه وحسده يدعو إلى ما لا يدوم من العاجلة، متوسلاً بما في الطبع من العجلة، والله يدعو إلى المُلك الحقيقي، وذلك بالزهد في العاجل والراحة منه عاجلاً، ليكون ملكاً في الدنيا، وبالقرب من الله والرغبة في التحقق به وبأوصافه ليكون ملكاً في الآخرة.
وفي الطيبي: قيل لابن أدهم: مالنا ندعو فلا نجاب؟ فقال: لأنه دعاكم فلم تُجيبوه، ثم قرأ: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ، وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا «٢» . هـ.
ثم فسَّر ما دعا إليه، فقال:
[سورة يونس (١٠) : آية ٢٦]
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦)
يقول الحق ﷻ : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فيما بينهم وبين ربهم بتوحيده وعبادته، وفيما بينهم وبين عباده بكف أذاهم وحمل جفاهم، لهم الْحُسْنى أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة وزيادة، وهي النظر إلى وجهه الكريم، أو الحسنى: ما يثيب به على العمل، والزيادة: ما يزيد على ما يستحق العبد تفضلاً كقوله:
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ «٣» ، أو الحسنى: مثل حسناتهم، والزيادة: التضعيف بعشر أمثالها إلى سبعمائة أو أكثر، وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ: لا يغشاها قَتَرٌ: غبرة فيها سواد تغبر الوجه وَلا ذِلَّةٌ أي: هوان، والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل النار، أو لا يرهقهم ما يوجب ذلك من خزي وسوء حال، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ: دائمون، لا زوال لهم عنها، ولا انقراض لنعيمها، بخلاف الدنيا وزخارفها فقد تقدم مثالها.
стр. 1057
الإشارة: للذين أحسنوا بالانقطاع إلى الله والزهد فيما سواه، الحسنى، وهي المعرفة، وزيادة، وهي الترقي في المقامات، والعروج في سماء المشاهدات، والازدياد من الأسرار والمكاشفات، وترداف المناجاة والمكالمات، ولا يغشى وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلآ ذِلَّةُ، بل وجوههم بنور البقاء ضاحكة مستبشرة، وهم خالدون في نعيم الفكرة والنظرة.
ثم ذكر أضدادهم، فقال:
[سورة يونس (١٠) : آية ٢٧]
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧)
قلت: (والذين) : مبتدأ على حذف مضاف، أي: جزاء الذين كسبوا، و (جزاء) : خبر. أو على تقدير «لهم» ، أو معطوف على (للذين أحسنوا) على مذهب من يُجوز: في الدار زيد والحجرةِ عمرو. أو (جزاء) : مبتدأ، و (بمثلها) :
خبر، والجملة حينئذٍ كبرى. ومن قرأ (قِطعَاً) بفتح الطاء فجمع قطيع، وهو مفعول ثان، و (مظلماً) : حال من الليل، ومن قرأ (قِطعَاً) بالسكون فمصدر، و (مظلماً) نعت له، أو حال منه أو من الليل.
يقول الحق ﷻ : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ كالكفر والشرك، وما يتبعهما من المعاصي، جزاؤهم سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها لا يزاد عليها، فلا تضاعف سيئاتهم، عدلاً منه سبحانه، وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي: هوان عند حشرهم للنار، ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يعصمهم من عذاب الله وغضبه، كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أي: يحشرون مسودة وجوههم، كأنما أُكْسِيَتْ وجوههم قطْعاً كثيرة من الليل المظلم، أو قطْعاً مظلماً من الليل، أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
قال البيضاوي: هذا مما يحتج به الوعيدية- يعني المعتزلة- في تخليد العصاة. والجواب: أن الآية في الكفار لاشتمال السيئات على الكفر والشرك، ولأن الذين أحسنوا يتناول الكثير من أهل القبلة، فلا يتناوله قسيمُه. هـ.
الإشارة: جزاء المعاصي البُعد والهوان، وتسْويد وجوه القلوب والأبدان، كما أن جزاء الطاعة التقريب والإبرار، وتنوير وجوه القلوب والأسرار والإحسان، وفي ذلك يقول ابن النحوي في منفرجته:
وَمَعَاصِي اللَّهِ سَماجَتُها ... تَزَدَانُ لِذي الخُلْقِ السَّمِج «١»
وَلِطَاعَتِه وَصَبَاحَتِهَا ... أنْوارُ صَبَاحٍ مُنْبَلِجِ
стр. 1058
قيل لبعض الصالحين: ما بال المجتهدين من أحسن الناس خلَقاً؟ قال: لأنهم خلَوْا بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره. هـ نعم، إن صحب المعصية توبةٌ وانكسارٌ، وصحب الطاعة عز واستكبارُ، انقلبت حقيقتهما، فقد تُقرب المعصية وتبعد الطاعة. وفي الحِكَم: «معصية أورثت ذُلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزا واستكبار، وقال أيضاً:
«وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول» .
ثم ذكر موطن وعد المحسنين ووعيد المسيئين، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ مَّا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)
قلت: (مكانكم) : مفعول، أي: الزموا مكانكم، و (أنتم) تأكيد للضمير المنتقل إليه، و (شركاؤكم) عطف عليه.
يقول الحق ﷻ : وَاذكر يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يعني فريق الحسنى، وفريق النار، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا: الزموا مَكانَكُمْ من الخزي والهوان، حتى تنظروا ما يفعل بكم، أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ معكم، تمثل حينئذ معهم، فَزَيَّلْنا: فرَّقنا بَيْنَهُمْ وقطعنا الوُصل التي كانت بينهم، وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ، ينطقها الله تعالى تكذيباً لهم فتقول: مَّا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ، وإنما عبدتم فى الحقيقة أهواءكم لأنها الأمارة لكم بالإشراك. وقيل المراد بالشركاء: الملائكة والمسيح.
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ، فإنه العالم بحقيقة الحال، إِنْ كُنَّا أي: إنه الأمر والشأن كنا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ، لم نأمركم بها ولم نرضها. قال ابن عطية: وظاهر هذه الآية أن محاورتهم إنما هي مع الأصنام دون الملائكة وعيسى، بدليل القول لهم: مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ. ودون فرعون، ومن عُبد من الجن، بدليل قوله: إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ، وهؤلاء لم يغفلوا قط عن عبادة من عبدهم. هـ.
هُنالِكَ تَبْلُوا: فى ذلك المقام تبلوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ أي: تختبر ما قدمت من الأعمال خيراً أو شراً فتعاين نفعه وضرره، وقرأ الأخوان: «تتلوا» من التلاوة، أي: تقرأه في صحائف أعمالها، أو من التلوِ، أي:
تتبع عملها فتقودها إلى الجنة أو إلى النار. والمعنى: تفعل بها فعل المختبر لحالها المعرّف لسعادتها وشقاوتها،
стр. 1059
فتعرف ما أسلفت من أعمالها، وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ: إلى جزائه إياهم بما أسلفوا، مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أي متولِّي أمورهم على الحقيقة، لا ما اتخذوه مَولى بافترائهم، وَضَلَّ أي: ضاع وغاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من أن آلهتهم تشفع لهم، أو ما كانوا يدّعون أنها آلهة.
الإشارة: من أحب شيئًا كان عبداً له، ومن عبد شيئاً حُشر معه. رُوي: أن الدنيا تبعث على صورة عجوز شمطاء زرقاء، تنادي: أين أولادي وأحبابي؟ ثم تذهب إلى جهنم فيذهبون معها. فمن عبد دنياه وهواه وقف موقف الهوان، ومن أحب مولاه ولم يحب معه شيئاً سواه، وقف موقف العز والتقريب في مواطن الإحسان. فهناك تفضح السرائر، وتكشف الضمائر، وتظهر مقامات الرجال، ويفتضح من أسر النقص وادعى الكمال فيرتفع المقربون إلى شهود مولاهم الحق، ويبقى المدعون مع حظوظهم في حجاب الحس والخلق. والله تعالى أعلم.
ثم عرفهم من يستحق العبادة، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٣١ الى ٣٣]
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)
يقول الحق ﷻ : قُلْ لهم: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ بإنزال الأمطار، وإنبات الحبوب، فإن الأرزاق تحْصل بأسباب سماوية ومواد أرضية، أو من كل واحد منهما توسعة عليكم، أو من السماء لأهل التوكل، وَمن الْأَرْضِ لأهل الأسباب. وقل لهم أيضاً: أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ أي: من يستطيع خلقهما وتسويتهما، أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتهما، وسرعة انفعالهما من أدنى شيء، أو مَن أمرهُما بيده، إن شاء ذهب بهما؟ وقل لهم أيضاً: وَمَنْ يقدر أن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، فيخرج الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان؟ وهكذا.
وقل لهم أيضاً: وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي: ومن يلي تدبير العالم، من عرشه إلى فرشه؟ وهو تعميم بعد تخصيص، فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، لا محيص لهم عن الإقرار بسواه إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحُه. فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ عقاب الله وغضبه؟ بسبب إشراككم معه ما لا يشاركه في شيء من ذلك، فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ أي: المتولي لهذه الأمور هو ربكم، الذي يستحق أن تعبدوه، الثابت ربوبيته، لأنه هو
стр. 1060
الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم، دون من تعبدونه من الأوثان. فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ أي:
ليس بعد الحق إلاّ الضلال، فمن تخطى الحق- الذي هو عبادة الله- وقع في الضلال.
قال ابن عطية: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والضلال منزلة ثالثة في هذه المسألة- التي هي توحيد الله تعالى- وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأصول التي الحقّ فيها في طرف واحد، لأن الكلام فيها إنما هو في تقرير وجود ذات كيف هي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال تعالى فيها: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً «١» . هـ.
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عن الحق إلى الضلال.
كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي: كما حق الحق في الاعتقادات كَذلِكَ حَقَّتْ أي: وجبت وثبتت- كَلِمَةُ رَبِّكَ في اللوح المحفوظ أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، وذلك فى قوم مخصوصين. قال البيضاوي: أي: كما حقت الربوبية لله، أو أن الحق بعده الضلال، أو أنهم مصروفون عن الحق، كذلك حقت كلمة الله وحكمه عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا: تمردوا في كفرهم، وخرجوا عن حد الإصلاح أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، وهو بدل من الكلمة، أو تعليل لها، والمراد بها العِدَة بالعذاب. وقرأ نافع وابن عامر:
«كلمات» بالجمع هنا، وفي آخر السورة، وفي غافر «٢» . هـ.
الإشارة: قل من يرزقكم من سماء الأرواح علوم الأسرار والحقائق، ومن أرض النفوس علوم الشرائع والطرائق؟ أمَّن يملك السمع والابصار فيصرفهما إلى سماع الوعظ والتذكار، ونظر التفكر والاعتبار ليلتحق صاحبهما بالمقربين الأبرار؟ وقدَّم السمع لأنه أنفع لإيصال النفع إلى القلب من البصر. أم من يخرج الحي من الميت، فيخرج العارف من الجاهل، والذاكر من الغافل، أو يخرج القلب الحي من الميت بحيث يحييه بالمعرفة بعد الجهل؟ ومن يدبر الأمر لخواص عباده؟ أي: تدبيراً خاصاً، بحيث يقوم لهم بتدبير شئونهم، حيث لم يدبروا معه.
فمن لم يدبر دبر له، فالفاعل لهذه الأمور هو الحق المنفرد بالوجود، فكل ما سواه باطل، كما قال القائل:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا مَحَالَةَ زَائِلُ
قال ﷺ «أَصْدَقُ كَلِمَةُ قَالَها الشاعِرُ كَلَِمَةُ لَبيدٍ: أَلا كُلُ شيءٍ ... » الخ «٣» . فكل من صُرف عن شهود الحق إلى نظر السِّوى فهو في ضلال. قال تعالى فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ، لكن من حقت عليه
стр. 1061
كلمة الشقاء لا يُؤمن بأهل الفناء والبقاء، فلا يزال في تعب وشقاء، إذ لا طريق إلى شهود الحق وإفراده بالوجود إلا بصحبة أهل الفناء والبقاء، الموصوفين بالكرم والجود، واعلم أن كل مَن لم يصل إلى مقام الشهود، فهو ضال عندهم في مذهبهم، وبالله التوفيق.
ثم ذكر عجز آلهتهم، احتجاجا عليهم، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٣٤ الى ٣٥]
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)
قلت: من قرأ (يَهَدّي) «١» بفتح الهاء، فأصله: يهتدي، نقلت حركة التاء إلى الهاء، وأدغمت في الدال. ومن قرأ بكسر الهاء فعلى التقاء الساكنين، حين سكنت التاء لتدغم. ومن كسر الياء فعلى الاتباع، ومن قرأ بالاختلاس فإشارة إلى عروض الحركة، ومن قرأ: «يهدي» بالسكون، فمعناه يهدي غيره.
يقول الحق ﷻ : قُلْ لهم: هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ بإظهاره للوجود ثُمَّ يُعِيدُهُ بالبعْث. فإن قلت كيف يحتج عليهم بالإعادة، وهم لا يعترفون بها؟ فالجواب: أنها لظهور برهانها وتواتر أخبارها كأنها معلومة عندهم، فلو أنصفوا ونظروا لأقروا بها، ولذلك أمر الرسول بأن ينوب عليهم في الجواب، فقال: قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لأن لجاجهم وجحودهم لا يتركهم يعترفون بها، ولذلك قال لهم: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ: تُصرفون عن سواء السبيل. وقُلْ لهم أيضاً: هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ بنصب الدلائل، وإرسال الرسل، والتوفيق للنظر والتدبر؟ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ. قال البيضاوي: وهدى كما يعدى بإلى لتضمنه معنى الانتهاء، يعدى باللام للدلالة على منتهى غاية الهداية. انظر تمامه.
أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وهو الله أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إلى شيء، فأولى ألا يهدي غيره إِلَّا أَنْ يُهْدى؟ أي: إلا أن يهديه غيره، وهي معبوداتهم، كالملائكة والمسيح وعزير، فلا يستطيعون أن يهدوا أنفسهم إلا أن يهديهم الله. وحمل ابن عطية الآية على الأصنام، وقال: معنى قوله: أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى هى
стр. 1062
عبارة عن أنها لا تنتقِل إلا أن تنقلَ. قال: ويحتمل أن يكون ما ذكره الله من تسبيح الجمادات هو اهتداؤه.
ويحتمل أن يكون الاستثناء في اهتدائها إشارة إلى مذاكرة الكفار يوم القيامة حسبما مضى في هذه السورة. هـ.
فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي: أيُّ شيء حصل لعقولكم، فكيف تحكمون بشيء يقتضي العقل بطلانه بأدنى تفكر؟.
اِلإشارة: في الآية تحريض على رفع الهمة عن السِّوى، إلى من بيده البدء والإعادة، والإرشاد والهداية، إلا من جعل على يديه الإرشاد والهداية، وهم الأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، فالخضوع إليهم خضوع إلى الله على الحقيقة، واتباعهم اتباع لله على الحقيقة، وكل من تبع غيرهم فإنما يتبع الظن والهوى دون الحق، كما أبان ذلك بقوله تعالى:
[سورة يونس (١٠) : آية ٣٦]
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦)
يقول الحق ﷻ : وَما يَتَّبِعُ أكثر المشركين في اعتقادهم إِلَّا ظَنًّا مستنداً إلى خيالات فارغة وأقيسة فاسدة، كقياس الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق، بأدنى مشاركة موهومة. والمراد بالأكثر:
الجميع، أو من ينتسب منهم إلى تمييز ونظر، ولم يرض بالتقليد الصرف، إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ من علم التحقيق شَيْئاً، أو مِنَ الاعتقاد الْحَقِّ شَيْئاً من الإغناء. قال البيضاوي: وفيه دليل على أنَّ تحصيل العلم في الأصول واجب، وأن الاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز. هـ. وعدم الاكتفاء بالظن إنما هو في الأصول، وأما الفروع فالظن فيها كاف. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ، هذا وعيد لهم على اتباعهم الظن، وإعراضهم عن النظر والاستدلال، وعلى عدم اتباعهم من يدلهم على الحق. والله تعالى أعلم.
الإشارة: الناس على قسمين: أهل تصديق وإيمان، وأهل شهود وعيان. فأهل التصديق والإيمان هم عامة أهل اليمين، وهم أكثر المسلمين من العلماء والصالحين، يستندون في معرفتهم بالله إلى الدليل والبرهان، فتارة يقوى عندهم الدليل فيترقَّون عن اتباع الظن إلى الجزم والتصميم، وتارة يضعف فيرجعون إلى اتباع الظن الراجح.
وأما أهل الشهود والعيان، فقد غابت عنهم الأكوان في شهود المكون، فصاروا يستدلون بالله على وجود غيره، فلا يجدونه، حتى قال بعضهم: لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى اشهده، مُحال أن تشهده وتشهد معه سواه. وقال شاعرهم:
مُذْ عَرفْتُ الإِلَهَ لَمْ أَرَ غَيْراً ... وكَذّا الْغَيْرُ عندنا ممنوع
مُذْ تَجَمَّعْتْ مَا خَشيتُ افْتِراقًا ... فأَنّا اليَوْمَ وَاصلٌ مجموع
стр. 1063
وقال آخر:
عجبتُ لِمْنَ يَبْغِي عَلَيكَ شَهَادَةً ... وَأَنتَ الَّذي أَشهَدتُه كُلَّ شَاهِد
وقال في الحكم: «شتان بين مَن يستدل به أو يستدل عليه، المستدل به عرف الحق لأهله، فأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا.. فمتى غاب حتى يستدل عليه، ومتى بَعُدَ حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه!» .
ولا مطمع لأحد في التطهير من الظنون والأوهام إلا بصحبة شيخ كامل عارف بالله، فيلقي إليه نفسه، فلا يزال يسير به، حتى يقول له: ها أنت وربك، فحينئذٍ ترتفع عنه الشكوك والظنون والأوهام، ويبلغ في مشاهدة الحق إلى عين اليقين وحق اليقين. وأما قول الجنيد رضى الله عنه: (أدركت سبعين صديقاً، كلهم يعبدون الله على الظن والوهم، حتى الشيخ أبا يزيد، ولو أدرك صبياً من صبياننا لأسلم على يديه) . فقال الشيخ أبو العباس المرسي رضى الله عنه:
معنى كلامه: أنهم ظنوا وتوهموا أنهم بلغوا إلى مقام النهاية، بحيث لا مقام فوق ذلك، ولو أدرك أحدهُم صبيَّاً لنبههم على أن ما فاتهم أكثر مما أدركوا ولا نقادوا له. هـ بالمعنى. والله تعالى أعلم.
ولما ذكر أن اتباع الظن غير كاف، ذكر ما يجب اتباعه وهو القرآن، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٣٧ الى ٤٠]
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)
قلت: «تصديق» : مصدر، والعامل فيه «كان» محذوفة، أو «أنزل» ، و «لا ريب» : خبر ثالث لها، و «من رب العالمين» : خبر آخر، أي: كائناً من رب العالمين، أو متعلق بتصديق أو بتفصيل، و «لا ريب» : اعتراض، أو بالفعل المعلل بهما- وهو «نزل» - ويجوز أن يكون حالاً من «الكتاب» ، أو من الضمير في «فيه» ، و «أم» : منقطعة بمعنى بل مع الاستفهام الإنكاري، و «كيف» خبر كان.
يقول الحق ﷻ : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: ما صح له أن يفترى من الخلق، إذ لا قدرة له على ذلك، وَلكِنْ كان تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب، أو: ولكن أنزله تصديقاً
стр. 1064
لما سلف قبله من الكتب الإلهية، المشهود على صدقها لأنه مطابق لها، فلا يكون كذباً، كيف وهو لكونه معجزاً عيار عليها، شاهد على صحتها؟ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ أي: وأنزله تفصيلَ ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع، التي تضمنها الكتاب، لا رَيْبَ فِيهِ: لا ينبغي أن يرتاب فيه لِمَا احتفت به من شواهد الحق، وارتياب الكفار فيه كلا ريب. كائناً مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ، أو نزل منه.
أَمْ: بل يَقُولُونَ افْتَراهُ محمد من عند نفسه؟ قُلْ فَأْتُوا أنتم بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البلاغة وحسن النظم، وجودة المعنى، فإنكم مثلي في العربية والفصاحة، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ: مَنْ قدرتم عليه من الجن والإنس، يُعينكم على ذلك، مِنْ دُونِ اللَّهِ فإنه وحده قادر على ذلك، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنه مفترىً.
بَلْ كَذَّبُوا أي: سارعوا إلى التكذيب بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وهو القرآن، بحيث لم يستمعوه، ولم يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه، حتى يعلموا أحق هو أم لا، أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علماً، من ذكر البعث والجزاء، وسائر ما يخالف دينهم، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أي: ولم يقفوا بعدُ على تأويله، ولم تبلغ أذهانهم معانيه، أو لم يأتهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإخبار بالغيوب، حتى يتبين لهم أنه صدق أو كذب، والمعنى: أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى، ثم إنهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه، ويتصفحوا معناه.
ومعنى التَّوقع في لَمَّا: أنه قد ظهر بالآخرة إعجازه لمّا كرر عليهم التحدَّي فزادوا أذْهانهم في معارضته فتضاءلت دونها، أو لمّا شاهدوا وقوع ما أخبر به طبق ما أخبر مراراً فلم يقلعوا عن التكذيب تمرداً وعناداً. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: لمَّا يأتهم ما فيه من الوعيد لهم، أي: وسيأتيهم يوم القيامة أو قبله.
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أنبياءهم، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ، فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم.
وَمِنْهُمْ من المكذبين مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أي: يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند، أو مَن يؤمن به ويتوب عن كفره، وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في نفسه لفرط غباوته وقلة تدبره، أولا يؤمن فيما يستقبل فيموت على كفره، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ: بالمعاندين أو المصرين.
الإشارة: إذا تطهرت القلوب من الأغيار، وتصفّتْ من الأكدار، أوحى إليها بدقائق العلوم والأسرار، وما كان لتلك العلوم أن تُفترى من دون الله ولكن تكون تصديقاً لما قبلها من علوم القوم وأسرارها، التي يهبها الله لأوليائه، وفيها تفصيل طريق السير، وما أوجبه الله على المريدين من الآداب، وشروط المعاملة، فمن طعن في ذلك فليأت بشيء من ذلك من عند نفسه، ويستعنْ على ذلك بأبناء جنسه، بل كذَّب بما لم يُحط به علمُه، ولم يبلغه عقلُه
стр. 1065
وفهمُه، فإن كشفت عند الله الحقائق ظهر تأويل ما ينطق به أهل الحقائق، ومن الناس من يؤمن بهذه الأسرار، ومنهم من لا يؤمن بها ويطعن على أهلها، حتى ربما رموهم بالزندقة لأجلها، وربك أعلم بالمفسدين.
ثم أمر نبيه بالبراءة ممن كذبه، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)
قلت: «من» الموصولة لفظها مفرد، ومعناها واقع على الجمع أو غيره، فإن عاد الضمير عليها جاز فيه مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ، فقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ راعى جانب المعنى، وقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ راعى جانب اللفظ، فإن راعى أولاً اللفظ جاز أن يرجع إلى مراعاة المعنى، كقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا «١» وأما إن راعى أولاً المعنى فلا يرجع إلى مراعاة اللفظ، لأن مراعاة المعنى أقوى. انظر الإتقان.
يقول الحق ﷻ : وَإِنْ كَذَّبُوكَ كذبك قومك بعد إلزام الحجة لهم فَقُلْ لهم: لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أي: فتبرأ منهم وقل لهم: لي جزاء عملي، ولكم جزاء عملكم، حقاً كان أو باطلاً، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ، لا تؤاخذون بعملي ولا أُؤاخذ بعملكم، ولأجل ما فيه من إيهام الإعراض عنهم وتخلية سبيلهم قيل: إنه منسوخ بآية السيف.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ إذا قرأت القرآن، أو علمت الشرائع، ولكن لا يقبلون، كالأصم الذي لا يسمع أصلاً، أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ تقدر على إسماعهم وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ أي: ولو انضم إلى صممهم فَقْدُ عقولهم، فهو احرى في عدم الاستماع.
قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام هو فهم المعنى المقصود منه، ولذلك لا توصف به- أي: بالاستماع- البهائم، وهو لا يتأتى إلاّ باستعمال العقل وتدبره. وعقولهم لما كانت مؤوفة- أي: قاصرة بمعارضة الوهم ومشايعة الإلف والتقليد بعدت أفهامهم عن فهم الحِكَم والمعاني الدقيقة، فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق. هـ.
стр. 1066
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أي: يعاينون دلائل نبوتك، ولكن لا يصدقون، كأنهم عمي عنها، أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ: تقدر على هدايتهم وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ أي: وإن انضم إلى عدم البصرَ عدم البصيرة، فإن المقصود من الإبصار هو الاعتبار والاستبصار، والعمدة في ذلك البصيرة، فإذا فقدت فلا اعتبار ولا استبصار، ولذلك يُحدس الأعمى المتبصر، ويتفطن لما لا يدركه البصير الأحمق. والآية كالتعليل للأمر بالتبري.
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً بسلب حواسهم وعقولهم، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بإفسادها وإهمالها، وتفويت منافعها عليهم. وفيه دليل على أنَّ للعبد كسباً، وأنه ليس مسلوب الاختيار بالكلية، كما زعمت الجبرية، ويجوز ان يكون وعيداً لهم، بمعنى: أن ما يحيق بهم يوم القيامة من العذاب عدل من الله، لا يظلمهم به، ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه. قاله البيضاوي.
الإشارة: إذا رأى أهل الوعظ والتذكير قوماً غرقوا في بحر الهوى، وأخذتهم شبكة الدنيا واستحوذت عليهم الغفلة، فذكروهم وبذلوا جهدهم في نصحهم، فلم يقلعوا، فليتبرؤا منهم، وليقولوا: نحن براءٌ مما تعملون، وأنتم بريئون مما نعمل. ومنهم من يستمع إلى وعظك أيها الواعظ، ولكن لا يتعظ، أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من يشاهد كرامتك وخصوصيتك ولكن لا يهتدى، أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً، بل في كل زمان يبعث من يذكر ويُدَاوي أمراض القلوب، (ولكن الناس أنفسهم يظلمون) ، حيث حادوا عنهم، وأساءوا الظن بهم، وبالله التوفيق.
ثم ذكر وقت مجىء تأويل ما كذبوا به، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٤٥ الى ٤٨]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨)
قلت: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا: حال، أي: نحشرهم مشبّهين بمَن لم يلبث إلا ساعة. أو صفة ليوم، والعائد محذوف، أي: كأن لم يلبثوا قبله، أو لمصدر محذوف، أي: حشراً كأن لم يلبثوا قبله. وجملة: يَتَعارَفُونَ: حال أخرى مقدرة، أو بيان لقوله: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا، أو لتعلق الظرف، والتقدير: يتعارفون يوم نحشرهم. و «إما» : شرط،
стр. 1067
ونُرِيَنَّكَ فعله، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ: عطف عليه. فَإِلَيْنا جواب نَتَوَفَّيَنَّكَ، وجواب الأول محذوف، أي: إن أريتك بعض عذابهم في الدنيا فذاك، وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا مرجعهم.
يقول الحق ﷻ : وَاذكر يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ونجمعهم للحساب، فتقصر عندهم مدّة لبثهم في الدنيا وفي البرزخ، كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا، أو في القبور لهول ما يرون، حال كونهم يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ أي: يعرف بعضهم بعضاً، كأن لم يتفارفوا إلا قليلاً، وهذا في أول حشرهم، ثم ينقطع التعارف لشدة الأمر عليهم لقوله: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً. يُبَصَّرُونَهُمْ «١» .
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ خسرانا لاربح بعده، وَما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى طريق الربح أصلاً، أو إلى طريق توصلهم إلى معرفة الله ورضوانه، لترك استعمال ما منحوه من العقل فيما يوصل إلى الإيمان بالله ورسله، فاستكسبوا جهالات أدت بهم إلى الرّدى والعذاب الدائم.
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ أي: مهما نبصرنك بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب في حياتك، كما أراه يوم بدر.
أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن نريك فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فنريكه في الآخرة، ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ، فيجازيهم عليه حينئذٍ، فالترتيب إخباري.
وقال البيضاوي، تبعاً للزمخشري: ذكر الشهادة وأراد نتيجتها ومقتضاها، وهو العقاب، ولذلك رتبها على الرجوع بثم، أو مؤدِّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة. هـ.
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم الماضية رَسُولٌ يبعثه إليهم، يدعوهم إلى الحق، فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ بالمعجزات «فكذبوه» قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ: بالعدل، فأنجى الرسولَ ومن تبعه، وأهلك المكذبين وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، حيث أعذر إليهم على ألسنة الرسل. وقيل معناه: لكل أمة يوم القيامة رسول تنسب إليه.
كقوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ «٢» فإذا جاء رسولهم الموقفَ ليشهد عليهم بالكفر أو بالإيمان قُضِيَ بَيْنَهُمْ بإنجاء المؤمنين وعقاب الكافرين، كقوله: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ «٣» .
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ الذي تعدنا، استبعاداً له واستهزاء به إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيه، وهو خطاب منهم للنبى ﷺ .
стр. 1068
الإشارة: أهل الغفلة إذا بعثوا أو ماتوا ندموا على ما فوّتوا، وقصر بين أعينهم ما عاشوا في البطالة والغفلة، كأن لم يَلبثوا في الدنيا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ. فالبدار البدار أيها الغافل إلى التوبة واليقظة، قبل أن تسقط إلى جنبك، فتنفرد رهيناً بذنبك.
فأما أهل اليقظة- وهم العارفون بالله- فقد حصل لهم اللقاء، قبل يوم اللقاء، قد خسر الوصول من كذَّب بأهل الوصول، وما كان أبداً ليهتدي إلى الوصول إلا بصحبة أهل الوصول. وإما نرينك أيها العارف بعضَ الذي نَعدهُم من الوصول لمن تعلق بك، أو نتوفينك قبل ذلك، فإلينا مرجعهم فنوصلهم بعدك بواسطة أو بغيرها. ولكل أمة رسول يبعثه الله يُذكر الناس ويدعوهم إلى الله، فإذا جاء رسولهم قُضي بينهم بالقسط، فيوصل من تبعه ويبعد من انتكبه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
ثم أجاب عن قولهم متى هذا الوعد، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٤٩ الى ٥٢]
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)
قلت: قدَّم في الأعراف «١» النفع، وهنا الضر لأن السؤال في الأعراف عن مطلق الساعة المشتملة على النفع والضر، وهنا السؤال عن العقاب الذي وعدهم به، بدليل قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ. وقوله: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ منقطع، ويصح الاتصال. وقوله ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ وضع المُظْهَرَ موضع المُضْمَرِ، أي: ماذا تستعجلون منه؟. والجملة الاستفهامية جواب الشرط، كما يقال: إن أتيتك ماذا تعطيني؟، أو محذوف، أي: إن أتاكم ألكم منه منعة أو به طاقة فماذا تستعجلون منه؟
وقال الواحدي: الاستفهام للتهويل والتفظيع، أي: ما أعظم ما تستعجلون منه، كما تقول: أعلمت ماذا تجْني على نفسك؟. أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ، دخلت همزة التقرير على «ثم» العاطفة، أي: إن استعجلتم ثم وقع بكم العذاب آمنتم به حين لا ينفعكم.
стр. 1069
يقول الحق ﷻ : قُلْ لهم: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً، فكيف أملك لكم ما تستعجلون من طلب العذاب؟ إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ: لكن ما شاء الله من ذلك يكون، أو: لا أملك إلا ما ملكني ربي بمشيئته وقدرته، لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ مضروب إلى هلاكهم، إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ عنه ساعَةً، وَلا هم يَسْتَقْدِمُونَ عنه، فلا تستعجلوا، فسيحين وقتكم وينجز وعدكم، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ الذي تستعجلون بَياتاً أي: وقت بيات واشتغال بالنوم، أَوْ نَهاراً حين تشتغلون بطلب معاشكم، ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ؟ أيّ شيء من العذاب يستعجلونه وكله مكروره لا يلائم الاستعجال؟
وهو متعلق بأرأيتم، لأنه في معنى أخبروني، و «المجرمون» وضع موضع المضمر للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء العذاب، لا أن يستعجلوه. قاله البيضاوي.
أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ أي: أثم تؤمنون إذا وقع العذاب وعاينتموه، حين لا ينفعكم إيمانكم، آلْآنَ أي: فيقال لكم الآن آمنتم حين فات وقته، وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ تكذيباً واستهزاء، ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا بعد هلاكهم: ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ أي: العذاب المؤلم الذي تخلدون فيه، هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ من الكفر والمعاصي.
الإشارة: لا يشترط في الولي أن يكاشف بالأمور المغيبة حتى يحترز من المكاره أو يجلب المنافع، إذ لم يكن ذلك للنبي، فكيف يكون للولي؟ بل هو معرض للمقادير الجارية على الناس، يجري عليه ما يجري عليهم، نَعْم..
باطنه محفوظ من السخط أو القنط، يتلقى كل ما يلقى إليه بالرضا والتسليم. فمن شرط ذلك فيه فهو محروم من بركة أولياء زمانه. والله تعالى أعلم.
ثم استخبروا عن العذاب أو الوحى، هل هو حق أم لا؟ كما قال تعالى:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٥٣ الى ٥٤]
وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤)
قلت: (أحق) : مبتدأ، والضمير فاعله سد مسد الخبر، و (إي) : حرف جواب، بمعنى نعم، وهو من لوازم القسم، ولذلك يوصل بواوه، فيقال: إي والله، ولا يقال «إي» وحُده.
стр. 1070
يقول الحق ﷻ : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أي: يستخبرونك أَحَقٌّ هُوَ أي: ما تقول من الوعد أو ادعاء النبوة. قيل: قاله حيي بن أخطب لما قدم مكة. قُلْ لهم: إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ أي: العذاب الموعود لحق، أو ما ادعيته من النبوة لثابت، والأول أرجح لقوله: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ: بفائتين العذاب الموعود.
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ بالشرك أو التعدي على الغير ما فِي الْأَرْضِ من خزائنها وأموالها لَافْتَدَتْ بِهِ: لجعلته فدية لها من العذاب، وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ أي: أخفى رؤساء هؤلاء الكفار الندامة خوف الشماتة والتعيير من سفلتهم، لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ، أو جميعهم، لأنهم بهتوا بما عاينوا، مما لم يحتسبوا من فظاعة الأمر وهوله، فلم يقدروا أن ينطقوا، وقيل أظهروها، من قولهم: أسر الشيء: أظهره، ومنه: أسارير الوجه، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، ليس تكراراً لأن الأول قضاء بين الأنبياء ومكذبيهم، والثاني في جزاء المشركين على شركهم. قاله البيضاوي.
الإشارة: كثير من الناس من يستخبر عن شيخ التربية، أحق وجوده أم لا؟ قل: إي وربي إنه لحق، ولا يخلو منه زمان، إذ القطب والعدد الذي يقوم الوجود بهم لا ينقطع، والقطبانية لا تدرك من غير تربية أصلاً، وما أنتم بفائتين عنه إن طلبتموه بصدق الاضطرار. ولو أنَّ لكلِّ نفسٍ ظلمت نفسها- حيث بقيت بعيبها وغم حجابها حتى لقيت مولاها- ما في الأرض جميعاً لافتدت به من البعد وغم الحجاب، وفوات القرب من الأحباب، وقد قضى بين الخلائق بالحق، فارتفع المقربون الذين لقوا الله بقلب سليم، وانحط الغافلون، الذين لقوا الله بقلب سقيم، وندموا على ترك صحبة من يخلصهم من عيبهم، فإن كانت لهم رئاسة علم أو صلاح أضمروا ذلك عمن قلدهم، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً.
ولذلك قال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٥٥ الى ٥٦]
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)
يقول الحق ﷻ : أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقًا وملكاً وعبيداً، يتصرف فيهم تصرف المالك في ملكه، فلا يتطرقه ظلم ولا جور. ويحتمل أن يكون تقريراً لقدرته على الإثابة والعقاب، أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي: ما وعد به من الثواب والعقاب، لا خلف فيه، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ لقصور
стр. 1071
عقولهم، فلا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ يُحيي من يريد إظهاره للدنيا، ويميت من يريد نقله للآخرة، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالموت والنشور لأن من قدر على الإيجاد والإعدام في الدنيا قدر عليها في العقبى لأن القادر لذاته لا تزول قدرته، والمادة القابلة بالذات للحياة والموت قابلة لهما أبداً. هـ. من البيضاوي.
الإشارة: ما وعد به الحق سبحانه القاصدين إليه من الوصول والمعرفة به حق، إن وفوا بشرطه، وهو صحبة من يوصل إليه، مع الصدق والتعظيم، وإخلاص القصد، هو يحيي قلوباً بمعرفته، ويميت قلوباً بالغفلة والجهل به، وإليه ترجعون، فيظهر العارف من الجاهل والذاكر من الغافل.
فهذه موعظة لمن اتعظ، كما قال تعالى:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٥٧ الى ٥٨]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)
قلت: (بفضل الله) يتعلق بمحذوف، يُفسره ما بعده، أي: ليفرحوا بفضل الله، أو بقوله «فليفرحوا» . وكرر قوله: (فبذلك) تأكيداً، والفاء بمعنى الشرط، كأنه قال: إن فرحوا بشيء فبهما فليفرحوا.
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعنى القرآن العظيم، وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ من الشك والجهل، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ هداية في بواطنهم بأنوار التحقيق، ورحمة في ظواهرهم بآداب التشريع.
قال البيضاوي: قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية «١» ، الكاشفة عن محاسن الأعمال وقبائحها، والراغبة في المحاسن، والزاجرة عن القبائح، والحكمة النظرية التي هي شفاءٌ لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد، وهدى إلى الحق واليقين، ورحمة للمؤمنين حيث أنزلت عليهم فنجوا من ظلمات الضلال بنور الإيمان، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان. والتنكير فيها للتعظيم. هـ.
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ أي: بمطلق الفضل والرحمة، فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا لا بغيره، أو الفضل:
الإسلام، والرحمة: القرآن. وقرأ يعقوب بتاء الخطاب، ورُوي مرفوعاً، ويؤيده قراءة مَن قرأ: «فافرحوا» ، هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
стр. 1072
من حطام الدنيا، فإنها إلى الزوال، وقرأ ابن عامر: «تجمعون» بالخطاب، على معنى: فبذلك فليفرح المؤمنون، فهو خير مما تجمعون أيها المخاطبون.
الإشارة: قد جعل الله في خواصِّ أوليائه موعظة للناس بما يسمعون منهم من التذكير والإرشاد، وشفاءٌ لما في الصدور، لما يسري منهم إلى القلوب من الإمداد، وما يكتسبه مَنْ صحبهم من أنوار التحقيق، وهدى إلى صريح العرفان وإشراق أنوار الإحسان، ورحمة بسكون القلوب والطمأنينة بذكر علام الغيوب، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، ففضل الله: أنوار الإسلام والإيمان، ورحمته: أنوار الإحسان، أو فضل الله: أحكام الشريعة، ورحمته: الطريقة والحقيقة، أو فضل الله: حلاوة المعاملة، ورحمته: حلاوة المشاهدة، أو فضل الله:
استقامة الظواهر، ورحمته: استقامة البواطن، أو فضل الله: محبته، ورحمته: معرفته. إلى غير ذلك مما لا ينحصر، ولم يقل: فبذلك فلتفرح يا محمد لأن فرحه ﷺ بالله، لا بشيءٍ دونه.
ولمّا كانت موعظة القرآن العظيم مشتملة على التحليل والتحريم، رد الله تعالى على من افترى خلافه، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٥٩ الى ٦٠]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠)
قلت: (ما أنزل) : نصب بأنزل أو بأرأيتم لأنه بمعنى اخبروني.
يقول الحق ﷻ : قُلْ أَرَأَيْتُمْ: أخبروني ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ بقدرته، وإن سترها بالأسباب العادية، وقوله: لَكُمْ دل على أن المراد منه: ما حلّ، ولذلك وبَّخ على التبعيض بقوله: فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا كالبحائر وأخواتها، وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا «١» .
قُلْ لهم: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ في التحريم والتحليل، فتقولون ذلك عنه، أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ في نسبة ذلك إليه؟، وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أيُّ شيء ظنهم يفعل بهم، أيحسبون
стр. 1073
أنه لا يجازيهم عليه؟ وفيه تهديد عظيم لهم، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ، حيث أنعم عليهم بالعقل، وهداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وشرع لهم الأحكام، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ هذه النعمة.
قال ابن عطية: ثنَّى بإيجاب الفضل على الناس في الإمهال لهم مع الافتراء والعصيان، والإمهال داعية إلى التوبة والإنابة، ثم استدرك من لا يرى حق الإمهال ولا يشكره، ولا يبادر فيه على جهه الذم لهم، والآية بعد هذا تعم جميع فضل الله، وجميع تقصير الخلق في شكره، لا رب غيره. هـ.
الإشارة: الوقوف مع حدود الشريعة، والتمسك بالسنة النبوية قولاً وفعلاً، وأخذاً وتركاً، والاهتداء بأنوار الطريقة تخلية وتجلية، هو السير إلى أسرار الحقيقة، فمن تخطى شيئاً من ذلك فقد حاد عن طريق السير.
وبالله التوفيق.
ثم هددهم بمراقبته عليهم، فقال:
[سورة يونس (١٠) : آية ٦١]
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)
قلت: الضمير في مِنْهُ يعود على القرآن، وإن لم يتقدم ذكره لدلالة ما بعده عليه، كأنه قال: وما تتلو شيئاً من القرآن، وقيل: يعود على الشأن، والأول أرجح لأن الإضمار قبل الذكر تفخيم للشيء. قاله ابن جزي. قلت:
والأحسن أن يعود على الله تعالى لتقدم ذكره قبل، ومن قرأ: وَلا أَصْغَرَ، وَلا أَكْبَرَ بالفتح فعطف على مِثْقالِ ممنوع من الصرف، أو مبني مع «لا» ، ومن قرأ بالرفع فعطف على موضعه، أو مبتدأ، وإِلَّا فِي كِتابٍ:
خبر.
يقول الحق ﷻ : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ أي: أمر من الأمور، والخطاب للنبى ﷺ والمراد هو وجميع الخلق، ولذلك قال في آخرها. وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ، ومعنى الآية: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء، وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ أي: وما تتلو شيئاً من القرآن، أو وما تتلو من الله من قرآن، أي: تأخذه عنه.
وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ أي عمل كان، وهو تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم «١» ، ولذلك ذكر الحق تعالى، حيث خص بالذكر ما فيه فخامة وتعظيم، وذكر حيث عمم ما يتناول الجليل والحقير، أي: لا تعملون شيئا
стр. 1074
إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً: رقباء مطلعين عليه ظاهراً وباطناً، إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ: حين تخوضون فيه وتندفعون إليه، يقال: أفاض الرجل في الأمر: إذا أخذ فيه بجد واندفع إليه، ومنه: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ «١» ، وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ أي: ما يغيب عنه مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ: ما يوازن نملة، فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ والمراد: لا يغيب عنه شيء في الوجود بأسره، وخصهما لأن العامة لا تعرف غيرهما. قال في الكشاف: فإن قلت: لِمَ قدَّم هنا الأرض بخلاف سورة سبأ»
؟ فالجواب: أن السماء قدمت في سبأ لأن حقها التقديم، وقدمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادةُ على أهل الأرض. هـ. وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي: اللوح المحفوظ، أو علمه تعالى المحيط، المُبيّن للأشياء على ما هي عليه.
الإشارة: هذه الآية وأمثالها هي أصل المراقبة عند القوم، وهي على ثلاثة أقسام: مراقبة الظواهر، ومراقبة القلوب، ومراقبة السرائر. فالأولى للعوام، والثانية للخواص، والثالثة لخواص الخواص.
فأما مراقبة الظواهر: فهي اعتقاد العبد أن الله يراه، ومطلع عليه في كل مكان، فينتجُ له الحياء من الله، فيستحيي أن يسيء الأدب معه وهو بين يديه، وفي بعض الأخبار القدسية: «إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخَللُ في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلِمَ جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟» .
وقال- ﵊: «أفضل الناس إيماناً من يعلم أن الله معه في كل مكان» أو كما قال ﷺ :
ورُوي إنَّ عبد الله بن عمر رضى الله عنه مرَّ براعي غنم، فقال له: أعطنا شاة من غنمك، فقال له: ليست لى. فقال له: قل لصاحبها أكلها الذئب، فقال له الراعي: وأين الله؟!. ورُويَ أن رجلاً خلا بجارية فراودها على المعصية، وقال لها:
لا ترانا إلا الكواكب، فقالت له: وأين مُكوكُبها؟.
وأما مراقبة القلوب فهي: تحقيق العبد أن الله مطلع على قلبه، فيستحي منه أن يجول فيما لا يعني، أو يدبر ما لا يفيد ولا يجدي، أو يهم بسوء أدب فإنْ جال في ذلك استغفر وتاب.
وأما مراقبة السرائر فهي: كشف الحجاب عن الروح، حتى ترى الله أقرب إليها من كل شيء، فتستحي أن تجول فيما سواه من المحسوسات، فإن فعلت بادرت إلى التوبة والاستغفار، فالتوبة لا تفارق أهل المراقبة مطلقاً، وقد تقدم في أول سورة النساء «٣» بعض الكلام على المراقبة، فمَن لم يُحْكِم أمر المراقبة، لم يذق أسرار المشاهدة.
стр. 1075
فالمراقبة مفتاح المشاهدة، والمشاهدة مفتاح المعرفة، والمعرفة هى الولاية، التي أشار إليها بقوله:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)
قلت: «الذين آمنوا» : صفة للأولياء، أو منصوب على المدح، أو مرفوع به على تقدير: «هم» ، أو مبتدأ، و «لهم البشرى» : خبر.
يقول الحق ﷻ : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ الذين يتولونه بالطاعة، وهو يتولاهم بالكرامة لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بفوات مأمول.
ثم فسَّرهم بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ، فمن جمع بين الإيمان والتقوى فهو ولي- أعني الولاية العامة- وسيأتي بقية الكلام في الإشارة إن شاء الله، هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وهو ما بشّر به المتقين في كتابه، على لسان نبيه ﷺ من الحفظ والعز والكفاية، والنصر في الدنيا وما يثيبهم به في الآخرة، أو ما يريهم من الرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له. رُوي ذلك عن رسول الله ﷺ «١» ، أو محبة الناس للرجل الصالح، أو ما يتحفهم به من المكاشفات، أو التوفيق لأنواع الطاعات، أو بشرى الملائكة عند النزع، أو رؤية المقعد قبل خروج الروح، فِي الْآخِرَةِ
هي الجنة أو تلقي الملائكة إياهم عند الحشر بالبشرى والكرامة.
تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
أي: لا تغيير لأقواله ولا اختلاف لمواعيده، واستدل ابن عمر بالآية على أن القرآن لا يقدر أحد أن يغيره، لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
الإشارة إلى كونهم مبشَّرين في الدارين، أو لانتفاء الخوف والحزن عنهم مع ما بُشروا به، والله تعالى أعلم.
الإشارة: الولاية على قسمين: ولاية عامة، وولاية عرفية خاصة، فالولاية العامة، هي التي ذكرها الحق تعالى، فكل من حقق الإيمان والتقوى فله من الولاية على قدر ما حصًّل منها، والولاية الخاصة خاصة بأهل الفناء والبقاء، الجامعين بين الحقيقة والشريعة، بين الجذب والسلوك، مع الزهد التام والمحبة الكاملة، وصحبة من
стр. 1076
تحققت ولايته. فقد سئل- عليه الصلاة السلام- عن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فقال: «الذينَ نَظَرُوا إلى بَاطِنِ الدنْيَا، حينَ نَظََرَ النَّاسُ إلى ظََاهِرهَا، واهْتَمُّوا بآجِلِ الدُّنيا حِين اهتَمَّ النَّاسُ بعَاجِلِها فأمَاتُوا منها ما خَشوا أن يُمِيتهم، وتركوا منها ما علموا أن سيتركُهُم، فما عارضهم من نائلها عارض إلا رفضوه، ولا خادعهم من رفعتها خادعٍ إلا وضعوه، خلقتِ الدنيا في قلوبهم فما يجددونها وخربت بينهم فما يعمرونها، وماتت في صدورهم فما يُحْيونها، بل يهدمُونها، فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، نظروا إلى أهلها صرْعى قد حلَّت بهم المَثُلات، فما يرون أماناً دون ما يرجون، ولا خوفاً دون ما يجدون» .
وفي حديث آخر: قيل: يا رسول الله مَنْ أولياء الله؟ قال «المتحابَّون في الله» . وقال القشيري رضى الله عنه: علامة الولي ثلاث: شغله بالله، وفراره إلى الله، وهمه الله. هـ وقال أبو سعيد الخراز رضى الله عنه: إذا أراد الله أن يوالي عبداً من عباده فتح عليه باب ذكره، فإذا اشتد ذكره فتح عليه باب القرب، ثم رُفع إلى مجلس الأنس، ثم أجلسه على كرسي التوحيد، ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار الفردانية، وكشف له عن الجلال والعظمة، فإذا عاين ذلك بقي بلا هو، فحينئذٍ يفني نفسه ويبرأ من دعاويها. هـ.
فأنت ترى كيف جعل الفناء هو نهاية السير والوصول إلى الولاية، فَمن لا فناء له لا محبة له، ومن لا محبة له لا ولاية له. وإلى ذلك أشار ابن الفارض رضى الله عنه، في تائيته بقوله:
فلمْ تهْوَني ما لم تكنْ فيَّ فانياً ... ولم تَفْنَ ما لم تجْتَل فيك صُورتي
وقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا أي: إيمان الخصوص، وَكانُوا يَتَّقُونَ ما سوى الله فلا يطمئنون إلى شىء سواه، هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
حلاوة الذوق والوجدان، مع مقام الشهود والعيان، فِي الْآخِرَةِ
بإدراك ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر ببال من المعارف والأسرار، فمن أدرك هذا فليوطن نفسه على الإنكار.
ولذلك سلّى نبيه، وينسحب على ورثته مما يلقونه من أهل الإنكار، فقال:
[سورة يونس (١٠) : آية ٦٥]
وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)
قلت: (إن) استئناف، ومن قرأ بالفتح فعلى إسقاط لام العلة.
يقول الحق ﷻ لنبيه ﷺ : وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ في جانب الربوبية، أو فى جانبك بالطعن والشتم والتهديد، فالعاقبة لك بالنصر والعز فإن الله يُعز أولياءه، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أي: إن الغلبة لله جميعاً،
стр. 1077
لا يملك غيرُه منها شيئاً، فهو يقهرهم وينصرك عليهم، هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم، الْعَلِيمُ بمكائدهم، فيجازيهم عليها.
الإشارة: الداخل على الله منكور، فكل من رام الخصوصية فليعوِّلْ على الطعن والإنكار، وليتسلَّ بما تسلى به النبي المختار، ولينتظر العز والنصر من الواحد القهار، فإن الأمر كله بيده كما قال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٦ الى ٦٧]
أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)
قلت: (وما يتبع) : يحتمل الاستفهام، فتكون منصوبة بيتبع، أي: أيُّ شيء يتبعون ما يتبعون؟ إلا الظن، ويحتمل النفي، أي: ما يتبع الذين يدعون الشركاء يقيناً إِن يتبعونَ إِلا الظن، أو تكون «إن» تأكيداً لها، و «إلا الظن» إبطال لنفي «ما» .
يقول الحق ﷻ : أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من الملائكة والثقلين ملكاً وعبيداً، فلا يصلح أحد منهم للألوهية، وإذا كان هؤلاء الذين هم أشرف الممكنات لا تصلح للربوبية، فأحرى الجامدات التي يدعونها آلهة، وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ أي: أيُّ شيء يتبعون، تحقيراً لهم، أو ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء يقيناً، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وما سولت لهم أنفسهم، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ: يكذبون فيما ينسبون إلى الله، أو يحزرُون «١» ويقدرون أنها شركاء تقديراً باطلاً، بل الواجب أن يعبدوا من عمت قدرته ونعمُه على خلقه، ولذلك قال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ راحة لأبدانكم، وَالنَّهارَ مُبْصِراً طلباً لمعاشكم، وفيه تنبيه على كمال قدرته وعظيم نعمته، ليدُلهم على تفرده باستحقاق العبادة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع تدبر واعتبار.
الإشارة: كل مَن ركن إلى شيء دون الله، محبة أو خوفاً أو طمعاً فيه، فقد أشرك مع الله، ولم يتبع إلا الظن والوهم، وفي الحِكَم: «ما قادك شيءٌ مثلُ الوهم، أنت حرٌ مما أنت عنه آيس، وعبد لما أنت فيه طامع، فكيف يترك العبد سيده الذي بيده ملك السموات والأرض، ويتعلق بعبد مثله حقير؟. يترك الملك الكبير ويتعلق بالعبد الصغير» .
стр. 1078
هو الذي جعل ليل القبض لتسكنوا فيه عن التعلق بالغير، ونهار البسط لتبصروا في انتشاركم الحقائق العرفانية والأسرار الربانية، إن كنتم تسمعون به ومنه، فتنزهونه عما لا يليق به، كما قال تعالى:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٨ الى ٧٠]
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)
قلت: (عندكم) : متعلق بالاستقرار، و (من سلطان) فاعل به لأن المجرور والظرف إذا نفى يرفع الفاعل بالاستقرار، و (متاع) : خبر، أي: ذلك متاع ... الخ.
يقول الحق ﷻ : قالُوا أي: المشركون ومن تبعهم: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً أي: تبنّاه كالملائكة وغيرهم، سُبْحانَهُ أي: تنزيهاً له عما يقول الظالمون، فإن التبني لا يصح إلا ممن يتصور منه الولد، هُوَ الْغَنِيُّ عن كل شيء، مفتقر إليه كلُّ شيء، والولد مسبب عن الحاجة، والحق تعالى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مُلكاً وعبيداً، فلا يفتقر إلى اتخاذ الولد، وهو الغني بالإطلاق، لا يحتاج إلى من يعينه، واجب الوجود لا يفتقر إلى من يخلفة في ملكه. إِنْ عِنْدَكُمْ أي: ما عندكم مِنْ سُلْطانٍ أي:
برهان بِهذا، بل افتريتموه من عندكم، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ، وهو توبيخ وتقريع على اختلاقهم وجهلهم، وفيه دليل على أنَّ كل قول لا دليل عليه فهو جهالة، وأن العقائد لا بد فيها من قاطع، وأن التقليد فيها غير سائغ. قاله البيضاوي.
قلت: والتحقيق أن إيمان المقلِّد صحيح، وأن تقليد الأنبياء والرسل والكتب السماوية صحيح مكتفٍ عن الدليل.
ثم هدد أهل الشرك فقال: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ باتخاذ الولد وإضافة الشريك إليه، لا يُفْلِحُونَ: لا ينجون من النار، ولا يفوزون بالجنة، إنما ذلك الافتراء مَتاعٌ فِي الدُّنْيا يقيمون به رئاستهم في الكفر، فيتمتعون به قليلاً، أو لهم تمتع في الدنيا مدة أعمارهم، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ بالموت، فيلقون الشقاء المؤبد، ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ.
الإشارة: إظهار الكائنات من الغيب إلى الشهادة كلها على حد سواء في الاختراع والافتقار، ليس بعضها أقرب من بعض، وأما قوله: ﵊: «الخَلقُ عِيَالُ اللَّهِ وأحبُّ الخَلْقِِِ إلى اللَّهِ أَنفَعُهُم لِعِيَالِهِ» فمعناه أنهم في حفظه وكفالته مفتقرون إليه في إيصال المادة، كافتقار الولد إلى أبيه.
стр. 1079
وأما قرب العبد من ربه بطاعته فمعناه قرب محبة ورضا، لا قرب مسافة أو نسب إذ أوصاف العبودية غير مجانسة لأوصاف الربوبية، بل هي بعيدة منها مع شدة قربها، ولذلك قال في الحِكَم: «إلهي ما أقربَكَ مِنَّي وما أَبعَدَني عنك..» الخ،، وقد تشرق على العبد أنوار الربوبية فتكسوه حتى يغيب عن حسه ورسمه فلا يرى إلا أنوار ربه، فربما تغلبه الأنوار، فيدَّعي الاتحاد أو الحلول، وهو معذور عند أهل الباطن لسكره، وقد رفع التكليف عن السكران، فإذا صحى وبقي على دعواه قُتل شرعاً. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر بعض قصص الأنبياء ﵈، تسلية لرسوله ﷺ ، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٧١ الى ٧٣]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)
قلت: (وشركاءكم) : مفعول معه، أو بفعل محذوف أي: اعزموا أمركم وأجمعُوا شركاءكم ومن قرأ: «اجمَعُوا» بهمزة وصل، فشركاءكم: معطوف، و «غمة» : خفيّا، وفي الحديث: «فَإنْ غُمَّ عَلَيكُمْ فَاقدَروا له» .
يقول الحق ﷻ : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ أي: خبره مع قومه، قيل: اسمه عبد الغفار، وسمي نوحاً لكثرة نَوحه من هيبة ربه، إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ أي: عَظُمَ وشقَّ عَلَيْكُمْ مَقامِي أي: كوني بين أظهركم، وإقامتي بينكم مدة مديدة أذكركم بالله، أو قيامي علّيكم لوعظكم، أو نفسى ووجودى معكم، كقولك:
فعلت كذا لمكان فلان، أي: له، أي: لو صعب عليكم وجودى بينكم، وَتَذْكِيرِي لكم بِآياتِ اللَّهِ أدعوكم بها إلى الله، فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ: وثقت به، فلا أبالي ببعدكم عني وتخويفكم إياي، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ أي: اعزموا عليه، وَشُرَكاءَكُمْ مع شركائكم، أو وأمر شركائكم، أو أجْمِعُوا أمركم واتَّفَِقُوا عليه وأجمِعُوا شركاءكم. والمعنى: أنه أمرهم بالعزم والإجماع على قصده، والسعي في إهلاكه، على أي وجه يمكنهم لشدة ثقته بالله وعدم مبالاته بهم.
ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ في قصد إهلاكي عَلَيْكُمْ غُمَّةً: مستوراً خفيَّاً، بل اجعلوه ظاهراً مكشوفاً تتمكنون فيه، لأن من يكتم أمراً ويخفيه لا يقدر أن يفعل ما يريد، أو ثم لا يكن حالكم عليكم غمَّاً، أي: لا يلحقكم غم إذا
стр. 1080
أهلكتموني وتخلصتم من ثقل مقامي وتذكيري. ثُمَّ اقْضُوا أي: انفذوا قضاءكم إِلَيَّ فيما تريدون. وقرأ السري بن يَنْعَم: «أفضوا» بالفاء وقطع الهمزة، أي: انتهوا إليَّ بشرِّكم، وَلا تُنْظِرُونِ: ولا تمهلون.
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ: أعرضتم عن تذكيري، فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ يوجب توليكم وإعراضكم لثقله عليكم.
واتهامكم إياي لأجله، أو يفوتني إذا توليتم عني، إِنْ أَجْرِيَ: ما ثوابي على الدعوة والتذكير إِلَّا عَلَى اللَّهِ لا تعلق لي بشيء دونه، آمنتم أو توليتم، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ المنقادين لحكمه، لا أخالف أمره، ولا أرجو غيره.
فَكَذَّبُوهُ: فأصروا على تكذبيه بعد إلزامهم الحجة، وتبين ان توليهم ليس إلا لعنادهم وتمرُّدهم فلا جرَم حقت عليهم كلمةُ العذاب، فهلكوا بالغرق، فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ آمن مَعَهُ فِي الْفُلْكِ، وكانوا ثمانين، وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ عمروا الأرض بعد الهالكين وخلفوهم فيها، ولم يُعقب منهم إلا أولاد نوح ﵇، وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بالطوفان، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ، تعظيم لما جرى عليهم، وتحذير لمن كذب الرسول، وتسلية له. والله تعالى أعلم.
الإشارة: لا يكون الرجل كامل اليقين حتى يسقط من قلبه خوف المخلوقين، فلا يبالي بهم ولو أجمعوا على كيده، إذ ليس بيدهم شيء، وإنما أمْرهم بيد الله، ويقول لهم كما قال نوح ﵇: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم.)
وكما قال هود ﵇: فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ «١» . وفي الحديث: «لو اجتَمَعَ الخَلْقُ كَلُهمْ عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدَّرَهُ الله عَلَيكَ، جَفْتِ الأقلامُ وطُويت الصّحف» . وقال أيضا ﷺ : «لا يَكمُلُ إيمَانُ العَبدِ حتَّى يَكُون الناسُ عندَه كالأباعد» ، يعني: لا يهابهم ولا يراقبهم. وبالله التوفيق.
ثم ذكر ما بين نوح وموسى- ﵉ من الأنبياء، على سبيل الإجمال، فقال:
[سورة يونس (١٠) : آية ٧٤]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)
стр. 1081
قلت: (بما كذبوا به) ذكر هنا الرابط، وحذفه في سورة الأعراف، إشارة إلى جواز الأمرين، وإليه أشار في الألفية، بقوله:
كذَا الذي جُرَّ بما الموصُولُ جَر ... ك «مُرَّ بالّذي مررْتُ فَهْو بَر» «١»
يقول الحق ﷻ : ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ: من بعد نوح ﵇ رُسُلًا كهود وصالح وإبراهيم وغيرهم إِلى قَوْمِهِمْ، كل رسول إلى قومه، فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ: بالمعجزات الواضحات المثبتة لدعواهم، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا فما استقام لهم أن يُؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر، ولسبق شقاوتهم، فما آمنوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ مجيئهم المعجزات، يعني أنهم طلبوا المعجزات ليؤمنوا، فلما جاءتهم استمروا على تكذيبهم، كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ فلا تنفع فيهم معجزة ولا تذكير، وفيه دليل على أنَّ الأفعال واقعة بقدرة الله، مع إثبات كسب العبد، لقيام عالم الحكمة- الذي هو رداء لتصرف القدرة-. والله تعالى أعلم.
الإشارة: كما بعث الله في كل أمة رسولا يُذكِّرهم ويدعوهم إلى الله، بعث الله في كل عصر وليَّاً عارفاً، يدعو الخلق إلى معرفة الله وتوحيده الخاص، فمن سبقت له العناية آمن به من غير طلب آية، ومن سبق له الخُذلان لا يصدق به ولو راى ألف برهان. وبالله التوفيق.
ثم ذكر بعثة موسى وهارون- ﵉ مفصلة لما فيها من التأسى والتسلية، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٧٥ الى ٧٨]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)
يقول الحق ﷻ : ثُمَّ بَعَثْنا، من بعد هؤلاء الرسل مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا التسع، فَاسْتَكْبَرُوا عن اتباعها، وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ معتادين الإجرام، فلذلك تهاونوا برسالة ربهم، واجترءوا على ردها، فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا وعرفوه، وهو بعثه موسى ﵇ لتظاهر المعجزات على يديه، القاهرة المزيحة للشك، قالُوا من فرط تمردهم: إِنَّ هذا الذي جئت به لَسِحْرٌ مُبِينٌ: ظاهر.
قالَ لهم مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ إنه سحر، فكيف يقدر السحرة على مثله؟ أَسِحْرٌ هذا: أيتوهم أحد أن يكون هذا سحراً؟ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ أي: لو كان سحرا لا ضمحلّ، ولم يبطل سحر
стр. 1082
السحرة، والعالم بأن الساحر لا يُفلح لا يستعمل السحر، فهذا كله من كلام موسى ﵇، أو من تمام قولهم إن جعل قوله: «أسحرٌ هذا» محكياً لقولهم، كأنهم قالوا: أجئتنا بالسحر لتطلب به الفلاح ولا يفلح الساحرون، والأول أرجح.
قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا لتصرفنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام، وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ: الملك فيها، سمى الملك كبرياء لاتَّصاف الملوك بالتكبر، وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ: بمصدّقين.
الإشارة: السحر على قسمين: سحر يسحر القلوب إلى حضرة الرحمن، وسحر يسحرها إلى حضرة الشيطان، فالسحر الذي يسحر إلى حضرة الرَّحمن: هو ما جاءت به الأنبياء والرسل، وقامت به الأولياء بعدهم من الأمور التي تقرب إلى الحضرة، إما ما يتعلق بالظواهر، كتبيين الشرائع، وإمّا ما يتعلق بالبواطن، كتبيين الطرائق والأمور التي تُشرق بها أسرارُ الحقائق، وأما السحر الذي يسحر إلى حضرة الشيطان: فكل ما يشغل عن ذكر الرَّحمن، ولذلك قال ﵇: «اتَقُوا الدُّنْيَا فإنْهَا أسْحَرُ مَنْ هاروت وماروت» .
ثم ذكر معارضة فرعون، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٧٩ الى ٨٢]
وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)
قلت: (ما جئتم به) موصوله على من قرأ: «السحر» بلا استفهام، ومن قرأ بالاستفهام ف «ما» مبتدأ، و (جئتم) خبرها، و (السحر) : بدل منه، أو خبر لمحذوف، أي: أهو السحر؟ أو مبتدأ حُذف خبره، أي: السحر هو.
يقول الحق ﷻ : وَقالَ فِرْعَوْنُ لما أراد معارضة موسى ﵇: ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ وفى قراءة الأخوين: «سحَّار» ، عَلِيمٍ: حاذق في فنه، فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ، فَلَمَّا أَلْقَوْا حبالهم وعصيهم، فانقلبت حَيَّات في أعين الناس، يركب بعضها بعضاً، قالَ لهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أي: الذي جئتم به هو السحر، لا ما سماه فرعون وقومه سحراً من معجزات العصا. وقرأ البصري: «آلسحر» أي: أيّ شىء جئتم به هو السحر هو؟ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ: سيمحقه، أو سيظهر بطلانه، إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ لا يثبته ولا يديمُه، وفيه دليل على أنَّ السحر تمويه لا حقيقة له، وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ السابقة الأزلية، أو بأوامره وقضاياه، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ذلك.
الإشارة: الأكوان كلها عند اهل التحقيق شعوذة سحرية، خيالية كخيال السحر الذي يظهره المشعوذ، تظهر ثم تبطن، وليس في الوجود حقيقة إلا الواحد الأحد الفرد الصمد، فهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته. وهي أيضاً
стр. 1083
أشبه شيء بالظلال، والظلال لا وجود لها من ذاتها، وإنما تابعة لشواخصها، ولذلك قالوا: ظلال الأشجار لا تعوق السفن عن التِّسْيار، فظلال الأكوان وأجرامها لا تعوق سفن الأفكار عن التسيار في بحار معاني الأسرار، بل تغيب عن ظلال حسها إلى فضاء شهود معانيها، فالعارف لا يحجبه عن الله شيء لنفوذه إلى شهود أسرار الربوبية في كل شيء، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر من تبع موسى، فقال:
[سورة يونس (١٠) : آية ٨٣]
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)
قلت: الضمير في «ملئهم» يعود على فرعون، وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء، أو باعتبار آل فرعون، كما يقال: ربيعة ومُضَر، أو على الذرية، أو على «قومه» ، و (ان يفتنهم) بدل من فرعون، أو مفعول بخوف، وأفرد ضمير الفاعل، فلم يقل: أن يفتنوهم للدلالة على أن الخوف من الملأ كان بسبب فرعون.
يقول الحق ﷻ : فَما آمَنَ لِمُوسى أي: صدّقه في أول مبعثه إِلَّا ذُرِّيَّةٌ: إلا شباب وفتيان مِنْ قَوْمِهِ: من بني إسرائيل، آمنوا عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أي: مع خوف من فرعون وقومه، أو على خوف من فرعون وملأ بني إسرائيل لأن الأكابر من بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم من الإيمان خوفاً من فرعون، وهذا أرجح. خافوا أَنْ يَفْتِنَهُمْ: يعذبهم حتى يردهم عن دينهم، وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ: لغالب فيها، وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ في الكفر والعُتُوِّ حتى ادعى الربوبية، واسترقَّ أسباط الأنبياء.
الإشارة: أهل التصديق بأهل الخصوصية قليل في كل زمان، وإيذاء المنتسبين لهم سنة جارية في كل أوان، فكل زمان له فراعين يُؤذون المنتسبين، والعاقبة للمتقين.
ثم أمرهم بالتوكل والثبات، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٨٤ الى ٨٦]
وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦)
стр. 1084
يقول الحق ﷻ : وَقالَ مُوسى لقومه، لمّا رأى خوفهم من فرعون: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا أي: ثِقُوا به واعتمِدُوا عليه، ولا تُبالوا بغيره، إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ مستسلمين لقضاء الله، أو منقادين لأحكامه، قائمين بطاعته بعد تحصيل الإيمان به، وقال لهم ذلك مع علمه بإيمانهم وإسلامهم إنهاضاً لهم وتحريضاً على الصبر، كما تقول: إن كنت رجلاً فافعل كذا.
فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا لأنّا مؤمنون مخلصون، رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً أي: موضع فتنة لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي: لا تسلطهم علينا فيفتنونا، وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي: من كيدهم، أو من شؤم مشاهدتهم. وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي أن يتوكل أولاً لتُجاب دعوته لأنه يتسبب في نجاح أمره، ثم يدعو. والله تعالى أعلم.
الإشارة: التوكل هو ثمرة الإيمان ونتيجته، فكلما قوي الإيمان واشتدت أركانه قوي التوكل وظهرت أسراره، وكلما ضعف الإيمان ضعف التوكل، فالتَّوَغل في الأسباب نتيجة ضعف الإيمان، والتقلل منها نتيجة صحة التوكل والإيقان، والتوكل: أن تكون بما في يد الله أوثق مما في يدك. قال تعالى: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ «١» والتوكل قد يوجد مع الأسباب، ومع التجريد أنفع، وقد تقدّم الكلام عليه في آل عمران «٢» . وبالله التوفيق.
ثم أمر بنى إسرائيل باتخاذ المساجد، وجعلها فى البيوت خوفا من فرعون، فقال:
[سورة يونس (١٠) : آية ٨٧]
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)
يقول الحق ﷻ : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا أي: اتخذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً للصلاة والعبادة، وقيل: أراد الإسكندرية، وهي من مصر، وَاجْعَلُوا أنتما وقومكما بُيُوتَكُمْ التي تسكنون فيها قِبْلَةً: مصلّى ومساجد. روى أن فرعون أخافهم، وهدم مواضع كانوا اتخذوها للصلاة، فأمروا بإخفائها وجعلها في بيوتهم، وتكون متوجهة نحو القبلة- يعني مكة- وكان موسى يصلي إليها.
فإن قلتَ: لِمَ خُصَّ موسى وهارون بالخطاب في قوله: أَنْ تَبَوَّءا، ثم خُوطب بها بنو إسرائيل في قوله:
وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ؟، فالجواب: أن التبوأ واتخاذ المساجد مما يتعاطاه رؤوس القوم للتشاور، بخلاف جعل البيوت قبلة فمما ينبغي أن يفعله كل أحد.
стр. 1085
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ في تلك البيوت، أُمروا بذلك أول مرة لئلا تظهر عليهم الكفرة ويفتنونهم عن دينهم، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالنصر والعز في الدنيا، وبالجنة في العقبى.
الإشارة: اتخاذ الأماكن للعبادة والعزلة مطلوب عند القوم، وفي الحِكَم: «ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة» ، وأصلهم في ذلك: اعتزاله ﷺ في غار حراء في مبدأ الوحي، فالخلوة للمريد لا بد منها في ابتداء أمره، فإذا قوي نوره ودخل مقام الفناء صلح له حينئذٍ الخلطة مع الناس، بحيث يكون جسده مع الخلق وقلبه مع الحق، فإن لله رجالاً أشباحُهم مع الخلق تسعى، وأرواحهم في الملكوت ترعى. وقال بعضهم: [الجَسدُ في الحانوت والقلب في الملكوت] ، فإذا رجع إلى البقاء لم يختَرْ حالاً على حال لأنه مع الله على كل حال، وهذا من أقوياء الرجال. نفعنا الله بهم.
ثم ذكر دعاء موسى على فرعون، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٨٨ الى ٨٩]
وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩)
قلت: اللام في (ليُضلوا) لام كي، متعلقة بآتيت محذوفة، أو بالمذكورة، ولفظ (ربنا) تكرار، أو تكون لام الأمر، فيكون دعاء عليهم بلفظ الأمر، بما علم من قرائن أحوالهم أنه لا يكون غيره. فَلا يُؤْمِنُوا: جواب الدعاء، أو عطف على (ليضلوا) .
يقول الحق ﷻ : وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً: ما يتزين به من الملابس والمراكب ونحوها، وَأَمْوالًا: أنواعاً من المال فِي الْحَياةِ الدُّنْيا استدراجاً، رَبَّنا آتيتهم ذلك لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ طغياناً وبطراً بها، وصرفها في غير محلها، أو ربنا اجعلهم ضالين عن سبيلك، كقول نوح ﵇: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا «١» لما أيس من إيمانهم، رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ أي: أهلكها وامحقها، وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ بالقسوة، واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان، فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ أي: إن تطمس على أموالهم وتشدد على قلوبهم لا يؤمنوا إلا قهرا.
стр. 1086
وفي الآية دليل على جواز الدعاء على الظالم بالمعصية، أو الكفر، وقد فعله سعد بن أبي وقاص على الذي شهد فيه بالباطل، ووجْهُ جوازه مع استلزامه وقوع المعاصي: أنه لم يُعتبر من حيث تاديته إلى المعاصي، ولكن من حيث تأديته إلى نِكاية الظالم وعقوبته، وهذا كما قيل في تمني الشهادة أنه مشروع، وإن كان يؤدي إلى قتل الكافر للمسلم، وهو معصية ووهن في الدين، ولكن الغرض من تمنى الشهادة ثوابُها، لا نفسها.
قالَ تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما يعني موسى وهارون، وكان يُؤمِّن على دعاء أخيه، فَاسْتَقِيما أي: اثبتا على ما أنتما عليه من الاستقامة والدعوة وإلزام الحجة، ولا تستعجلا، فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته، روي أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة، وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ: طريق الجهلة في استعجال الأشياء قبل وقتها، أو في عدم الوثوق والاطمئنان بوعدنا، وقرأ ابن ذكوان: «ولا تتبعان» بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين، وهو قليل، قال ابن مالك:
وَلم تَقَعْ خَفِيفَةٌ بَعدَ الأَلفْ «١» .
ويحتمل أن تكون نون الرفع، و «لا» نافية، أي: والأمر لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون.
الإشارة: دعاء الأولياء على الظالم مشروع بعد الإذن الإلهامي على ما يفهمونه، وقد مكث الشيخ أبو الحسن سنين لم يدع على ابن البراء «٢» حتى كان سنة في عرفة، فقال: الآن أًذن لي في الدعاء على ابن البراء.... الخ.
فإن لم يكن إذن فالصبر أوْلى، بل الأولى الدعاء له بالهداية، حتى يأخذ الله بيده وهذا مقام الصديقين، فإذا وقع الدعاء مطلقاً وتأخرت الإجابة فلا يستعجل، فيكون تبع سبيل الذين لا يعلمون، وفي الحكم: «لا يكن تأخرُ أمدِ العطاءِ مع الإلحاحِ في الدعاء موجباً ليأسك، فقد ضمن لك الإجابة فيما يختار لك لا فيما تختار أنت لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد» ، وقال أيضاً: «لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قَدْحاً في بصيرتك، وإخماداً لنور سريرتك» . وبالله التوفيق.
ثم أجاب دعاءهما، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٠ الى ٩٢]
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢)
стр. 1087
قلت: (فأتبعهم) أي: تبعهم، يقال: تبع وأتبع، لغتان.
يقول الحق ﷻ : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ أي: جوزناهم في البحر يبساً حتى بلغوا الشط الآخر حافظين لهم. رُوِي أن بني إسرائيل حين جاوزوا البحر كانوا ستمائة ألف، وكان يعقوب ﵇ قد دخل مصر في نيف وسبعين من ذريته، فتناسلوا حتى بلغوا وقت موسى العدد المذكور.
فَأَتْبَعَهُمْ: فأدركهم فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، رُوي أنهم كانوا ثمانمائة ألف أدهم، سوى ما يناسبها من أواسط الخيل. تبعهم بَغْياً وَعَدْواً: باغين وعادين عليهم. مستمراً على بغيه حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ أي: بأنه لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فآمن حين لا ينفع الإيمان بمعاينة الموت، ومن قال بصحة إيمانه فغلطٌ كالحاتمي «١» فإنه قال في الفصوص: إنه من الناجين، وذلك من جملة هفواته.
قال تعالى لفرعون: آلْآنَ أي: أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك، وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ مدة عمرك وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ: الضالين المضلين، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ أي: ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر، ونجعلك طافياً على وجه الماء، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك الناس، فيتحققوا بغرق من معك، حال كونك بِبَدَنِكَ عارياً عن الروح، أو عرياناً بلا لباس، أو بدرعك، وكانت له دُروع من ذهب يعرف بها، وكان مظاهراً بينها.
لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً: لمن وراءك علامة يعرفون أنك من الهالكين، والمراد: بنو إسرائيل إذ كان فى نفوسهم من عظمته ما خيّل إليهم أنه لا يهلك، حتى كذبوا موسى ﵇ حين أخبرهم بغرقه، إلى أن عاينوه منطرحاً على ممرهم من الساحل، أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل امرك، فيكون ذلك عبرة ونكالاً للطغْيان، أوْ حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من عظيم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور، بعيد عن مظانِّ الربوبية، أو آية تدل على كمال قدرته وإحاطة علمه وحكمته، فإن إفراده بالإلقاء إلى الساحل دون غيره يفيد أنه مقصود لإزاحة الشك في أمره.
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها، والإخبار بهذا الأخذ الذي وقع في قعر البحر من أعلام النبوة إذ لا يمكن أن يخبر بها إلا عَلاَّم الغيوب الذي لا يخفى عليه شيء، ولا يخلو منه مكان. والله تعالى أعلم.
стр. 1088
الإشارة: كل من دخل بحر التوحيد علماً- وهو فرعون برؤية نفسه-، ولم يصحب من يغيبُه عنها غَرِقَ في بحر الزندقة والدعوى، فإن رجع إلى الإيمان بعد معاينة الهلاك بسيف الشريعة قيل له: الآن وقد عصيت قبلُ وكنتَ من المفسدين؟ فإن تاب حقيقة رجى له النجاة، وإن قتل كان آية ونكالاً لمن خلفه.
والله تعالى أعلم.
ثم ذكّر بنى إسرائيل بما أنعم عليهم، فقال:
[سورة يونس (١٠) : آية ٩٣]
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)
قلت: (مُبوَّأ) : ظرف بمعنى منزل يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ بَوَّأْنا أي: أنزلنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي: منزل صدق، أي:
منزلاً صالحاً مرضياً يصدق فيه ظن قاصده وساكنه، فما ظن فيه من الكمالات وجدها صدقاً وحقاً، والمراد به: الشام وقراها، وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من اللذائذ، وكانوا متفقين على دينهم، وعلى ظهور دين الإسلام، فَمَا اخْتَلَفُوا في أمر دينهم حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ بأن قرؤوا التوراة وعلموا أحكامها، ثم طغوا وعصوا، أو في أمر محمد ﷺ إلا من بعد ما علموا صدقه بنعوته وتظاهر معجزاته، إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، فيميز المحقَّ من المبطل بالإنجاء والإهلاك.
الإشارة: قد يمد الله عباده بأنواع النعم، ثم يبعث لهم من يذكرهم بأيام الله، ويعرفهم به، فإذا اختلفوا عليه ظهر الشاكر من غيره، فيغير عليهم تلك النعم، فيوصل إليه أهل التصديق والاستماع والاتباع، ويبعد أهل الإنكار والابتداع. وبالله التوفيق.
ثم أمر بالسؤال لأهل العلم لمن وقعت له شبهة، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٤ الى ٩٥]
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥)
стр. 1089
يقول الحق ﷻ : فَإِنْ كُنْتَ يا محمد فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ الخطاب للرسول ﷺ ، والمراد به: من وقع له شك، فإن الملك إذا إراد أن يُعرض بأحد خاطب كبير القوم وهو يريد غيره، فهو كقول العامة: الكلام مع السارية وافهمي يا جارية.
وأما النبي ﷺ فهو بعيد من الشك لأنه عين اليقين، وهو الذي علَّم الناس اليقين، ولذلك قال- عليه الصلاة السلام- لما نزلت: «لا أشُكُ وَلاَ أَسأَل» «١» والمراد بالذين يقرءون الكتاب: من أسلم منهم، كعبد الله بن سلام وغيره، أو فإن كنت أيها المستمع في شك مما أنزلنا إليك على لسان فاسأل ... الخ، وفيه تنبيه على أن من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها، بالرجوع إلى أهل اليقين إن كانت في التوحيد، أو إلى أهل العلم إن كانت في الفروع.
قال ابن عطية: الخواطر التي لا ينجو منها أحد، هي خلاف الشك الذي يحال فيه على الاستشفاء بالسؤال. هـ.
أي: فإنها معفوّ عنها.
ثم قال تعالى: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ واضحاً لا مدخل للمرية فيه بالآيات القاطعة فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ: الشاكِّين بالتزلزل على ما أنت عليه من الجزم واليقين، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ، وهذا كله يجري على ما تقدم من أنه لكل سامع. وقال البيضاوي: هو من باب التهييج والتثبيت، وقطع الأطماع عنه، كقوله: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ «٢» هـ.
الإشارة: لا تنقطع عن العبد الأوهام والشكوك والخواطر، حتى يدخل مقام الإحسان ويكاشف بمقام الشهود والعيان، بالغيبة عن حس الأكوان، بسطوع أنوار المعاني عند غيبة الأواني، ومن غاب عن حس نفسه غاب عنه حس جميع الأكوان وذلك بصحبة أهل العرفان، الذين سلكوا الطريق حتى أفضوا إلى عين التحقيق، فزاحت عنهم الشكوك والأوهام، وانحلت عنهم الشُّبَه، وزالت عن قلوبهم الأسقام، واطلعوا على تاويل المتشابه من القرآن، فبصحبة هؤلاء ترتفع الخواطر والشكوك، ويرتفع العبد إلى حضرة ملك الملوك، فجلوس ساعة مع هؤلاء تعدل عبادة سنين. وفي بعض الآثار: (تعلموا اليقينَ بمجالسةِ أهل اليقين) قلت: وقد مَنَّ الله علينا بمعرفتهم وصحبتهم، بعد أن تحققنا بخصوصيتهم، فلله الحمد وله الشكر.
ثم أخبر عمن سبق له الشقاء، فلا ينفع فيه سؤال ولا صحبة، فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٦ الى ٩٧]
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)
стр. 1090
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ أي: ثبتت عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ بأنهم لا يؤمنون، أو بأنهم مخلدون في العذاب لا يُؤْمِنُونَ أبداً إذ لا يكذب كلامه ولا ينتقض قضاؤه، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ وعاينوها فإن السبب الأصلي لإيمانهم هو تعلق إرادته تعالى، وقد أرادَ خلافه، فلا يؤمنوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ وحينئذٍ لا ينفعهم، كما لم ينفع فرعون، وبالله التوفيق.
الإشارة: من انتكبه التوفيق لا يصدق بأهل التحقيق، ولو رأى منهم ألف كرامة، فلا تنفك عنه الشكوك والأوهام حتى يفضي إلى شرب كأس الحِمام، فيلقى الله بقلب سقيم، وربما مات على الشك، فيلحقه العذاب الأليم، عائذاً بالله من ذلك.
ثم وبخ من فوت إيمانه عن وقته، فقال:
[سورة يونس (١٠) : آية ٩٨]
فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨)
قلت: (فلولا) تحضيضية، و (إلا قوم يونس) : استثناء منقطع، ويجوز الاتصال فيكون الاستثناء من معنى النفي الذي تضمَّنَهُ حرف التحضيض لأن المراد بالقُرى: أهلها، كأنه قال: ما آمن أهل قرية من القرى الماضية فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، ويؤيده قراءةُ الرفع. و «يونس» : عجمي مثلث النون.
يقول الحق ﷻ : فَلَوْلا كانَتْ هلاَّ وُجدت قَرْيَةٌ من القرى التي أهلكناها آمَنَتْ قبل معاينة العذاب، ولم تؤخر الإيمان إلى نزوله كما فعل فرعون، فَنَفَعَها حينئذٍ إِيمانُها بأن يقبله الله منها فيكشف عنها العذاب، إِلَّا لكن قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، فرفعنا عنهم العذاب حين آمنوا بعد أن ظهرت مخايله، فنجوا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ: إلى تمام آجالهم.
رُوي أن يونس ﵇ بُعث إلى أهل نينوى من الموصل، فكذبوه وأصروا على تكذيبه، فوعدهم بالعذاب إلى ثلاث، فلما دنا الموعد وأغامت السماء غيماً أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشي مدينتهم، فهابوا، فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه، فلبسوا المُسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، وفرقوا بين كل والدة وولدها، فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والضجيج، وأخلصوا التوبة والإيمان، وتضرعوا إلى الله تعالى، فرحمهم وكشف العذاب عنهم، وكان يوم عاشوراء ويوم الجمعة. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ينبغي للعبد أن يعتني بتربية إيمانه وتقوية إيقانه قبل فوات إبّانه، وهو انصرام أجله. وتربيته تكون بصحبة أهل اليقين، فإن لم يعثر بهم فبمطالعة كتبهم، والوقوف على أخبارهم ومناقبهم، مع دوام التفكر والاعتبار،