← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وفي الآية دليل على جواز الدعاء على الظالم بالمعصية، أو الكفر، وقد فعله سعد بن أبي وقاص على الذي شهد فيه بالباطل، ووجْهُ جوازه مع استلزامه وقوع المعاصي: أنه لم يُعتبر من حيث تاديته إلى المعاصي، ولكن من حيث تأديته إلى نِكاية الظالم وعقوبته، وهذا كما قيل في تمني الشهادة أنه مشروع، وإن كان يؤدي إلى قتل الكافر للمسلم، وهو معصية ووهن في الدين، ولكن الغرض من تمنى الشهادة ثوابُها، لا نفسها. قالَ تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما يعني موسى وهارون، وكان يُؤمِّن على دعاء أخيه، فَاسْتَقِيما أي: اثبتا على ما أنتما عليه من الاستقامة والدعوة وإلزام الحجة، ولا تستعجلا، فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته، روي أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة، وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ: طريق الجهلة في استعجال الأشياء قبل وقتها، أو في عدم الوثوق والاطمئنان بوعدنا، وقرأ ابن ذكوان: «ولا تتبعان» بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين، وهو قليل، قال ابن مالك: وَلم تَقَعْ خَفِيفَةٌ بَعدَ الأَلفْ «١» . ويحتمل أن تكون نون الرفع، و «لا» نافية، أي: والأمر لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون. الإشارة: دعاء الأولياء على الظالم مشروع بعد الإذن الإلهامي على ما يفهمونه، وقد مكث الشيخ أبو الحسن سنين لم يدع على ابن البراء «٢» حتى كان سنة في عرفة، فقال: الآن أًذن لي في الدعاء على ابن البراء.... الخ. فإن لم يكن إذن فالصبر أوْلى، بل الأولى الدعاء له بالهداية، حتى يأخذ الله بيده وهذا مقام الصديقين، فإذا وقع الدعاء مطلقاً وتأخرت الإجابة فلا يستعجل، فيكون تبع سبيل الذين لا يعلمون، وفي الحكم: «لا يكن تأخرُ أمدِ العطاءِ مع الإلحاحِ في الدعاء موجباً ليأسك، فقد ضمن لك الإجابة فيما يختار لك لا فيما تختار أنت لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد» ، وقال أيضاً: «لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قَدْحاً في بصيرتك، وإخماداً لنور سريرتك» . وبالله التوفيق. ثم أجاب دعاءهما، فقال: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٠ الى ٩٢] وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢)

стр. 1087

قلت: (فأتبعهم) أي: تبعهم، يقال: تبع وأتبع، لغتان. يقول الحق ﷻ : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ أي: جوزناهم في البحر يبساً حتى بلغوا الشط الآخر حافظين لهم. رُوِي أن بني إسرائيل حين جاوزوا البحر كانوا ستمائة ألف، وكان يعقوب ﵇ قد دخل مصر في نيف وسبعين من ذريته، فتناسلوا حتى بلغوا وقت موسى العدد المذكور. فَأَتْبَعَهُمْ: فأدركهم فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، رُوي أنهم كانوا ثمانمائة ألف أدهم، سوى ما يناسبها من أواسط الخيل. تبعهم بَغْياً وَعَدْواً: باغين وعادين عليهم. مستمراً على بغيه حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ أي: بأنه لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فآمن حين لا ينفع الإيمان بمعاينة الموت، ومن قال بصحة إيمانه فغلطٌ كالحاتمي «١» فإنه قال في الفصوص: إنه من الناجين، وذلك من جملة هفواته. قال تعالى لفرعون: آلْآنَ أي: أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك، وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ مدة عمرك وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ: الضالين المضلين، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ أي: ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر، ونجعلك طافياً على وجه الماء، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك الناس، فيتحققوا بغرق من معك، حال كونك بِبَدَنِكَ عارياً عن الروح، أو عرياناً بلا لباس، أو بدرعك، وكانت له دُروع من ذهب يعرف بها، وكان مظاهراً بينها. لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً: لمن وراءك علامة يعرفون أنك من الهالكين، والمراد: بنو إسرائيل إذ كان فى نفوسهم من عظمته ما خيّل إليهم أنه لا يهلك، حتى كذبوا موسى ﵇ حين أخبرهم بغرقه، إلى أن عاينوه منطرحاً على ممرهم من الساحل، أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل امرك، فيكون ذلك عبرة ونكالاً للطغْيان، أوْ حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من عظيم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور، بعيد عن مظانِّ الربوبية، أو آية تدل على كمال قدرته وإحاطة علمه وحكمته، فإن إفراده بالإلقاء إلى الساحل دون غيره يفيد أنه مقصود لإزاحة الشك في أمره. وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها، والإخبار بهذا الأخذ الذي وقع في قعر البحر من أعلام النبوة إذ لا يمكن أن يخبر بها إلا عَلاَّم الغيوب الذي لا يخفى عليه شيء، ولا يخلو منه مكان. والله تعالى أعلم.

стр. 1088

الإشارة: كل من دخل بحر التوحيد علماً- وهو فرعون برؤية نفسه-، ولم يصحب من يغيبُه عنها غَرِقَ في بحر الزندقة والدعوى، فإن رجع إلى الإيمان بعد معاينة الهلاك بسيف الشريعة قيل له: الآن وقد عصيت قبلُ وكنتَ من المفسدين؟ فإن تاب حقيقة رجى له النجاة، وإن قتل كان آية ونكالاً لمن خلفه. والله تعالى أعلم. ثم ذكّر بنى إسرائيل بما أنعم عليهم، فقال: [سورة يونس (١٠) : آية ٩٣] وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) قلت: (مُبوَّأ) : ظرف بمعنى منزل يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ بَوَّأْنا أي: أنزلنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي: منزل صدق، أي: منزلاً صالحاً مرضياً يصدق فيه ظن قاصده وساكنه، فما ظن فيه من الكمالات وجدها صدقاً وحقاً، والمراد به: الشام وقراها، وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من اللذائذ، وكانوا متفقين على دينهم، وعلى ظهور دين الإسلام، فَمَا اخْتَلَفُوا في أمر دينهم حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ بأن قرؤوا التوراة وعلموا أحكامها، ثم طغوا وعصوا، أو في أمر محمد ﷺ إلا من بعد ما علموا صدقه بنعوته وتظاهر معجزاته، إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، فيميز المحقَّ من المبطل بالإنجاء والإهلاك. الإشارة: قد يمد الله عباده بأنواع النعم، ثم يبعث لهم من يذكرهم بأيام الله، ويعرفهم به، فإذا اختلفوا عليه ظهر الشاكر من غيره، فيغير عليهم تلك النعم، فيوصل إليه أهل التصديق والاستماع والاتباع، ويبعد أهل الإنكار والابتداع. وبالله التوفيق. ثم أمر بالسؤال لأهل العلم لمن وقعت له شبهة، فقال: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٤ الى ٩٥] فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥)

стр. 1089

يقول الحق ﷻ : فَإِنْ كُنْتَ يا محمد فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ الخطاب للرسول ﷺ ، والمراد به: من وقع له شك، فإن الملك إذا إراد أن يُعرض بأحد خاطب كبير القوم وهو يريد غيره، فهو كقول العامة: الكلام مع السارية وافهمي يا جارية. وأما النبي ﷺ فهو بعيد من الشك لأنه عين اليقين، وهو الذي علَّم الناس اليقين، ولذلك قال- عليه الصلاة السلام- لما نزلت: «لا أشُكُ وَلاَ أَسأَل» «١» والمراد بالذين يقرءون الكتاب: من أسلم منهم، كعبد الله بن سلام وغيره، أو فإن كنت أيها المستمع في شك مما أنزلنا إليك على لسان فاسأل ... الخ، وفيه تنبيه على أن من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها، بالرجوع إلى أهل اليقين إن كانت في التوحيد، أو إلى أهل العلم إن كانت في الفروع. قال ابن عطية: الخواطر التي لا ينجو منها أحد، هي خلاف الشك الذي يحال فيه على الاستشفاء بالسؤال. هـ. أي: فإنها معفوّ عنها. ثم قال تعالى: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ واضحاً لا مدخل للمرية فيه بالآيات القاطعة فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ: الشاكِّين بالتزلزل على ما أنت عليه من الجزم واليقين، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ، وهذا كله يجري على ما تقدم من أنه لكل سامع. وقال البيضاوي: هو من باب التهييج والتثبيت، وقطع الأطماع عنه، كقوله: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ «٢» هـ. الإشارة: لا تنقطع عن العبد الأوهام والشكوك والخواطر، حتى يدخل مقام الإحسان ويكاشف بمقام الشهود والعيان، بالغيبة عن حس الأكوان، بسطوع أنوار المعاني عند غيبة الأواني، ومن غاب عن حس نفسه غاب عنه حس جميع الأكوان وذلك بصحبة أهل العرفان، الذين سلكوا الطريق حتى أفضوا إلى عين التحقيق، فزاحت عنهم الشكوك والأوهام، وانحلت عنهم الشُّبَه، وزالت عن قلوبهم الأسقام، واطلعوا على تاويل المتشابه من القرآن، فبصحبة هؤلاء ترتفع الخواطر والشكوك، ويرتفع العبد إلى حضرة ملك الملوك، فجلوس ساعة مع هؤلاء تعدل عبادة سنين. وفي بعض الآثار: (تعلموا اليقينَ بمجالسةِ أهل اليقين) قلت: وقد مَنَّ الله علينا بمعرفتهم وصحبتهم، بعد أن تحققنا بخصوصيتهم، فلله الحمد وله الشكر. ثم أخبر عمن سبق له الشقاء، فلا ينفع فيه سؤال ولا صحبة، فقال: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٦ الى ٩٧] إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)

стр. 1090

يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ أي: ثبتت عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ بأنهم لا يؤمنون، أو بأنهم مخلدون في العذاب لا يُؤْمِنُونَ أبداً إذ لا يكذب كلامه ولا ينتقض قضاؤه، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ وعاينوها فإن السبب الأصلي لإيمانهم هو تعلق إرادته تعالى، وقد أرادَ خلافه، فلا يؤمنوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ وحينئذٍ لا ينفعهم، كما لم ينفع فرعون، وبالله التوفيق. الإشارة: من انتكبه التوفيق لا يصدق بأهل التحقيق، ولو رأى منهم ألف كرامة، فلا تنفك عنه الشكوك والأوهام حتى يفضي إلى شرب كأس الحِمام، فيلقى الله بقلب سقيم، وربما مات على الشك، فيلحقه العذاب الأليم، عائذاً بالله من ذلك. ثم وبخ من فوت إيمانه عن وقته، فقال: [سورة يونس (١٠) : آية ٩٨] فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) قلت: (فلولا) تحضيضية، و (إلا قوم يونس) : استثناء منقطع، ويجوز الاتصال فيكون الاستثناء من معنى النفي الذي تضمَّنَهُ حرف التحضيض لأن المراد بالقُرى: أهلها، كأنه قال: ما آمن أهل قرية من القرى الماضية فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، ويؤيده قراءةُ الرفع. و «يونس» : عجمي مثلث النون. يقول الحق ﷻ : فَلَوْلا كانَتْ هلاَّ وُجدت قَرْيَةٌ من القرى التي أهلكناها آمَنَتْ قبل معاينة العذاب، ولم تؤخر الإيمان إلى نزوله كما فعل فرعون، فَنَفَعَها حينئذٍ إِيمانُها بأن يقبله الله منها فيكشف عنها العذاب، إِلَّا لكن قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، فرفعنا عنهم العذاب حين آمنوا بعد أن ظهرت مخايله، فنجوا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ: إلى تمام آجالهم. رُوي أن يونس ﵇ بُعث إلى أهل نينوى من الموصل، فكذبوه وأصروا على تكذيبه، فوعدهم بالعذاب إلى ثلاث، فلما دنا الموعد وأغامت السماء غيماً أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشي مدينتهم، فهابوا، فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه، فلبسوا المُسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، وفرقوا بين كل والدة وولدها، فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والضجيج، وأخلصوا التوبة والإيمان، وتضرعوا إلى الله تعالى، فرحمهم وكشف العذاب عنهم، وكان يوم عاشوراء ويوم الجمعة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد أن يعتني بتربية إيمانه وتقوية إيقانه قبل فوات إبّانه، وهو انصرام أجله. وتربيته تكون بصحبة أهل اليقين، فإن لم يعثر بهم فبمطالعة كتبهم، والوقوف على أخبارهم ومناقبهم، مع دوام التفكر والاعتبار،

стр. 1091

والإكثار من الطاعة والخضوع والافتقار، والتمسك بالذل والانكسار. قال تعالى في بعض الأخبار: «أنا عند المنكسرة قلوبُهم من أَجلِي» وبالله التوفيق. كما أشار إلى ذلك بقوله: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٩ الى ١٠٠] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) يقول الحق ﷻ : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ هداية الخلق كلهم لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً بحيث لا يتخلف عنه أحد، لكن حكمته اقتضت وجود الخلاف، فمن رام اتفاقهم على الإيمان فقد رام المحال، ولذلك قال: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ بالقهر على ما لم يشأ الله منهم حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ كلهم. قال البيضاوي: وترتيب الإكراه على المشيئة بالفاء، وإيلاؤها حرف الاستفهام الإنكاري، وتقديم الضمير على الفعل، للدلالة على أن خلاف المشيئة مستحيل، فلا يمكنه تحصيله بالإكراه فضلاً عن الحث والتحريض عليه، إذ روى أنه- عليه الصلاة السلام- كان حريصاً على إيمان قومه، شديد الاهتمام به، فنزلت، ولذلك قرره بقولة: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بمشيئته وألطافه وتوفيقه فلا تجهد نفسك في هداها، فإنه إلى الله تعالى. وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ: العذاب أو الخذلان فإنه سببه عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ: لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات، أو لا يعقلون دلائل القرآن وأحكامه لِمَا على قلوبهم من الطبع. ويؤيد الأول قوله قُلِ انْظُرُوا ... الخ. هـ. الإشارة: في الآية تسلية لأهل التذكير حين يرون الناس لم ينفع فيهم تذكيرهم، وفيها تأديب لمن حرص على هداية الناس كلهم، أو يتمنى أن يكونوا كلهم خصوصاً، فإن هذا خلاف حكمته تعالى. قال تعالى: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ «١» فالداعون إلى الله لا يكونون حُرصاً على الناس أبداً، بل يدعون إلى الله، ويذكرون بالله، وينظرون ما يفعل الله اقتداء بنبي الله، بعد أن علمه الله كيف يكون مع عباد الله. والله تعالى أعلم. ثم أمر باستعمال العقل فى التفكر والاعتبار، فقال: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣] قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)

стр. 1092

قلت: (ماذا) إن كانت استفهامية علقت (انظروا) عن العمل، وإن كانت موصولة فمفعول به، و (ما تغني الآيات) : يحتمل الاستفهام في محل نصب بتُغني، أو النفي. «ثم ننجي» معطوف على محذوف دل عليه: (إلا مثل أيام) أي: فكانت عادتنا معهم أن نهلك المكذبين، ثم ننجي رسلنا ومن آمن معهم. و «كذلك» مصدر معمول لننجي، و (حقاً) اعتراض بينهما، وهو مصدر لفعل محذوف، أي: مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين يحق ذلك حقاً، وعلى هذا يوقف على: (الذين آمنوا) ، ثم يُبْتدأ بقوله: (كذلك حقاً..) الخ. وقيل: خبر عن (الذين آمنوا) أي: والذين آمنوا مثلهم في الإنجاء، وهو ضعيف. يقول الحق ﷻ : قُلِ للمشركين الذين طلبوا منك الآية: انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مِن الآيات والعِبَر، وعجائب الصنع ليدلكم على وحدانية الله تعالى، وكمال قدرته، ثم بيَّن أن الآيات لا تفيد من سبق عليه الشقاء، فقال: وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ في علم الله وحُكمه، ثم هددهم بالهلاك فقال: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ أي: مثل وقائعهم ونزول العذاب بهم إذ لا يستحقون غيره، فهو من قولهم: أيام العرب، لوقائعها. قُلْ لهم: فَانْتَظِرُوا هلاككم إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لذلك، أو فانتظروا هلاكي إني معكم من المنتظرين هلاككم، ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا أي: عادتنا أن ننجي رسلنا وَالَّذِينَ آمَنُوا معهم من ذلك الهلاك، كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ من أصحاب محمد ﷺ حين نُهلك المجرمين حقاً واجباً علينا كما هي عادتنا مع من تحبب إلينا بالإيمان والطاعة. الإشارة: أمر الحق- ﷻ أهل النظر والاستبصار بأن ينظروا ماذا في السموات والأرض من الأسرار والأنوار، أمرهم أن يشاهدوا أسرار الذات وأنوار الصفات، دون الوقوف مع الأجرام الحسِّيات، أمرهم أن ينظروا المعاني خلف رقة الأواني، لا أن يقفوا مع الأواني، وإليه أشار ابن الفارض في خمريته، حيث قال: ولُطفُ الأَواني- في الحقيقة- تَابعٌ ... لِلُطْفِ المَعَانِي، والمَعَانِي بِها تَسْمُو فالأكوان كلها أواني حاملة للطف المعاني، وأصل الأواني معانى، تحسست وتكثفت فمن لطَّف الأواني وذوّبها بفكرته رجعت معاني، واتصلت المعاني بالمعاني، وغابت حينئذٍ الأواني، ولا يعرف هذا إلا من صحب أهل المعاني، وهم أهل الفناء والبقاء، ومن لم يصحبهم فحسبه الوقوف مع الأجرام الحسية، ويستعمل فكرة التصديق والإيمان، وهي عبادة التفكر والاعتبار والأولى فكرة أهل الشهود والاستبصار، وفي أمثالهم قال الشاعر: هُم الرِّجَالُ وغَبْنٌ أنْ يُقَالَ لِمَنْ ... لَمْ يَتَّصِفُ بِمَعَانِي وَصْفِهِم رَجُلُ وقد ذكر في الحِكَم هذه الإشارة فقال: «أباح لك أن تنظر ما في المُكَوِّنات، وما أباح لك أن تَقِفَ مع ذوات المكونات، (قل انظروا ماذا فى السموات) فتح لك باب الأفهام، ولم يقل: انظروا السموات لئلا يدلك على وجود الأجرام» .

стр. 1093

ومن سبق له في العلم القديم الخذلان لا يخرج عن دائرة الأكوان، فلا يؤمن بوجود أهل الشهود والعيان، فما ينتظر مثل هذا إلا ما نزل بأمثالهِ، من هجوم الحِِمام قبل خروجه من سجن الأجرام، فإنه لا ينجو من سجن الأكوان إلا من صحب أهل العرفان، الذين أفضوا إلى فضاء الشهود والعيان، وقليل ما هم. ثم أمر نبيه بالتبرء من الشرك وأهله، فقال: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٧] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قلت: (وأن اقم) : عطف على (أن أكون) وإن كان بصيغة الأمر لأنَّ الغرض وصل «أن» بما يتضمن معنى المصدر ليدل معه عليه، وصِيغ الأفعال كلها كذلك، سواء الخبر منها والطلب، والمعنى: وأمرت بالإيمان والاستقامة. يقول الحق ﷻ : قُلْ يا محمد لأهل مكة أو لجميع الناس: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي بأن شككتم في صحته حتى عبدتم غير الله، فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ فهذا خلاصة ديني اعتقاداً وعملاً، فاعرضوها على العقل السليم، وانظروا فيها بعين الإنصاف، لتعلموا صحتها، وهو أني لا أعبد ما تخلقونه وتعبدونه، ولكن أعبد خالقكم، الذي هو يوجدكم ويتوفاكم. وإنما خص التوفي بالذكر لأنه أليق بالتهديد، انظر البيضاوي. وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بالله وحده، الذي دل عليه العقل ونطق به الوحي. وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً مائلاً عن الأديان الفاسدة، أي: أمرت بالاستقامة بذاتي كلها في الدين والتوغل فيه، بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح، أو: أن أقيم وجهي في الصلاة باستقبال القبلة. وقيل لي: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بالله في شيء، وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ بنفسه ولا بدَعْوَته، فَإِنْ فَعَلْتَ ودعَوْتَهُ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ، وهو تنفير وتحذير للغير من الميل إليه. ثم بيَّن من يستحق العبادة والدعاء، وهو الله تعالى فقال: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ أي: يصيبك بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ: لا رافع له إِلَّا هُوَ أي: الله، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ: لا دافع لِفَضْلِهِ الذي أرادك به.

стр. 1094

قال البيضاوي: ولعله ذكر الإرادة مع الخير، والمس مع الضر، مع تلازم الأمرين للتنبيه على أن الخير مراد بالذات، وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول، ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد بهم من الخير لا لاستحقاق لهم عليه، ولم يستثن لأن مراد الله لا يمكن رده. هـ. يُصِيبُ بِهِ بذلك الخير مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فتعرّضوا لخيره بالتضرع والسؤال، ولا يمنعكم من ذلك ما اقترفتم من العصيان والزلل، فإنه غفور رحيم. الإشارة: ينبغي لمن تمسك بطريق الخصوص، وانقطع بكليته إلى مولاه، أن يقول لمن خالفه في ذلك: إن كنتم في شك من ديني- من طريقي- فلا أعبدُ ما تعبدون من دون الله، من متابعة الهوى والحرص على الدنيا، ولكن أعبدُ الله الذي يتوفاكم، وأُمرت أن أكون من المؤمنين، وأن اقيم وجهي للدين حنيفاً مائلاً عن دينكم ودنياكم، كما قال القائل: تَرَكتُ لِلنَّاسِ دنياهم ودِينَهُم ... شُغلاً بِذِكرك يَا دِينِي ودُنيَائِي وقال آخر: تَركتُ للنَّاسِ مَا تَهوَى نُفوسُهم ... مِن حُبِّ دُنيا وَمِن عزِّ وَمِن جَاهِ كذَاكَ تَرْكُ المَقَامَاتِ هُنَا وَهُنَا ... والقَصدُ غَيبَتُنَا عَمَّا سِوَى اللَّهِ. وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ، وهو ما سوى الله، فليس بيد أحد ضر ولا نفع، ولا جلب ولا دفع، قال في الحكم: «لا ترفعنَّ إلى غيره حاجة هو مُوردها عليك، فكيف يرفع إلى غيره ما كان هو له واضعا؟! من لا يستطيع أن يرفع حاجته عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً؟!» . قال بعضهم: من اعتمد على غير الله فهو في غرور لأن الغرور ما لا يدوم، ولا يدوم شيء سواه، وهو الدائم القديم، لم يزل ولا يزال، وعطاؤه وفضله دائمان، فلا تعتمد إلا على من يدوم عليك منه الفضل والعطاء، في كل نفس وحين وأوان وزمان. هـ. وقال وَهْبُ بن منبه: أوحى الله إلى داود ﵇: يا داود أما وعزتي وجلالي وعظمتي لا ينتصر بي عبد من عبادي دون خلقي، أعلم ذلك من نيته فتكيده السموات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت له منهن فرجاً ومخرجاً، أما وعزتي وجلالي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق، دوني، أعلم ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السموات من يده، وأسخطتُّ الأرض من تحته ولا أُبالي في أي وادٍ هلك. هـ. وقال بعضهم: قرأت في بعض الكتب: إن الله يقول: [وعزتي وجلالي، وجودي وكرمي، وارتفاعي فوق عرشي في عُلو مكاني، لأقطعن آمال كل مؤمّل لغيري بالإياس، ولأكسونه ثوب المذلة بين

стр. 1095

الناس، ولأنحينَّه من قربي، ولأقطعنه من وصلي، أيؤمِّل غيري في النوائب، والشدائدُ بيدي، وأنا الحي، ويُرجى غيرى ويقرع بالفكر باب غيري، وبيدي مفاتح الأبواب، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني، ومن ذا الذي أملني لنائبة فقطعت به دونها؟ ومن ذا الذي رجاني بعظيم جرمه فقطعت رجاءه مني؟ ومن ذا الذي قرع بابي فلم أفتح له؟ جَعلت آمال خلقي بيني وبينهم متصلة، فقطعت بغيري، وجعلت رجاءهم مدخُوراً لهم عندي فلم يرضوا بحفظي، وملأت سمواتى بمن لا يملُّون تسبيحي من ملائكتي، وأمرتهم ألا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي، فلم يثقوا بقولي، ألم يعلم من طرقَتْه نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحدٌ غيري؟ فما لي أراه بآماله معرضا عنى؟ ومالى أراه لاهياً إلى سواي، أعطيته بجودي ما لم يسألني، ثم انتزعته منه فلم يسألني رده، وسأل غيري، أفتراني أبداً بالعطية قبل المسألة ثم أسأل فلا أجيب سائلي؟ أبخيل أنا فيبخلني خلقي؟ أليس الدنيا والآخرة لي؟ أوَليس الفضل والرحمة بيدي؟ أوَليس الجود والكرم لي؟ أوَليس أنا محل الآمال؟ فمن ذا الذي يقطعها دوني؟ وما عسى أن يؤمل المؤملون لو قُلت لأهل سمواتي وأهل أرضي: أمِّلوني، ثم أعطيتُ كل واحد منهم من الفكر مثل ما أعطيت الجميع، ما انتقص ذلك من ملكي عضو ذرَّة، وكيف ينقص ملك كامل أنا فيه؟. فيا بؤس القانطين من رحمتي، ويا بؤسَ من عصاني ولم يراقبني، وثَبَ على محارمي ولم يستح منّى.] هـ. ثم أزاح عذرهم بإرسال النذير، فقال: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠٨ الى ١٠٩] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩) يقول الحق ﷻ : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ الرسول أو القرآن، فَمَنِ اهْتَدى بالإيمان والمتابعة فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ لأن نفعه لها، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها لأن وبال الضلال عليها، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي: موكلٌ عليكم، فأقهركم على الإيمان، وإنما أنا بشير ونذير. وهو منسوخ بآية السيف. وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ بالامتثال والتبليغ، وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بينك وبين عدوك، بالأمر بالقتال ثم بالنصر والعز، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ إذ لا يمكن الخطأ في حكمه، لاطلاعه على السرائر كاطلاعه على الظواهر.

стр. 1096

الإشارة: يا أيها الناس قد جاءكم من يُعرفكم بالحق من ربكم، فمن اهتدى بمعرفته واتباعه نفع نفسه، حيث أخرجها من غم الحجاب، وشفاها من سقم الشك والارتياب، ومن ضل عن معرفته فوبالهُ عليه، حيث ترك نفسه في أودية الخواطر تَجُول، وحرمها من الله حقيقة الوصول. ويقال للعارف إذا اعرض الخلق عنه، ولم ينفع فيهم تذكيره ووعظه: اتبع ما يُوحى إليك من وحي الإلهام، فإنه حق في حق الخصوص إذ لا يتجلى في قلوبهم إلا ما هو حق، حيث تطهرت من خواطر الخلق. واصبر حتى يحكم الله بإرسال ريح الهداية، وهو خير الحاكمين. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

стр. 1097

سورة هود مكية إلا قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ نزلت فى نبهان التمار بالمدينة، وهى مائة وثلاث وعشرون آية. ووجه المناسبة لما قبلها: قوله تعالى: وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ «١» وهو كتاب أحكمت آياته. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الر. [سورة هود (١١) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) قال فى القوت، فى تفسير الر: هذه ثلاثة أسماء: (الله، لطيف، رحيم) . وقيل: هى حرف من اسم الرحمن. قلت: أو مختصرة من الرسول خطابا للنبى ﷺ . ويمكن أن يشير بالحروف للعوالم الثلاثة فالألف لوحدة الجبروت، واللام لتدفق أنوار الملكوت، والراء لسريان أمداد الرحموت فى سائر الموجودات، وأعظمها وعنصرها: نزول الكتاب العزيز. ولذلك بدأ بذكره، فقال: الر كِتابٌ ... قلت: (كتاب) : خبر، أي: هذا كتاب. و (أحكمت) : صفة. و (من لدن) : خبر ثان، أو خبر «كتاب» إن جعل مبتدأ، أو صفة له، إن كان خبراً. و (أَلاَّ تعبدوا) : «أن» : مفسرة، أو مصدرية في موضع مفعول لأجله، أو بدل من الآيات، أو مستأنف. و (أن استغفروا) : عطف عليه. و (حين) : متعلق بمحذوف، أي: ألا إنهم يثنونها حين يستغشون ... الخ. و (يعلم) : استئناف لبيان النقض عليهم. يقول الحق ﷻ : أيها الرسول المصطفى، هذا الذي تقرؤه كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أتقنت، ونظمت نظماً محكماً، لا يعتريه خلل من جهة اللفظ ولا المعنى، أو أحكمت من النسخ بشريعة أخرى، أو أحكمت

стр. 1098

بالحُجج والبراهين، أو جعلت حكيمة لأنها مشتملة على أمهات الحكم العملية. ثُمَّ فُصِّلَتْ بُينت لاشتمالها على بيان العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار. أو فصلت سورة سورة ليسهل حفظها، وفُصلت بالإنزال نجماً نجماً، في أزمنة مختلفة. أو فصل فيها ولخص ما يحتاج إليه من الأحكام. و (ثم) : للتفاوت في الحكم لأن الأحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له. نزل ذلك الكتاب مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، ولذلك كان محكماً مفصلاً بالغاً في ذلك الغاية لأن الحكيم الخبير لا يخفى عليه ما يخل بنظم الكلام. قائلاً ذلك الكتاب: ألا تعبدوا معه غيره. وقال في القوت: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ يعني: بالتوحيد، ثُمَّ فُصِّلَتْ أي: بالوعد والوعيد. ثم قال: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ أي: بالإحكام للأحكام، خَبِيرٍ بالتفصيل للحلال والحرام. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ هذا هو التوحيد الذي أحكمه. إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ بالعذاب، وَبَشِيرٌ بالثواب لمن آمن به. هذا هو الوعد والوعيد. قال البيضاوي: إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ أي: من الله، (نذير وبشير) بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد. وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ: عطف على «ألاَّ تعبدوا» ، ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ثم توصلوا إلى مطلبكم بالتوبة فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من رجوع. وقيل: استغفروا من الشرك، ثم توبوا إليه بالطاعة، ويجوز أن يكون «ثم» : للتفاوت بين الأمرين. هـ. قال ابن جزي: (استغفروا ربكم) مما تقدم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة. هـ. وقال الواحدي: (استغفروا ربكم) من ذنوبكم السابقة، (ثم توبوا إليه) من المستأنفة متى وقعت. هـ. يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً يحييكم حياة طيبة بالأرزاق والنعم والخيرات، فتعيشوا في أمن ودعة. إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى تمام أجلكم، فلا يستأصلكم بالعذاب، أو يمتعكم بالرجاء فيه والرضا بقضائه لأن الكافر قد يمتع بالأرزاق في الدنيا استدراجاً، وَيُؤْتِ في الآخرة كُلَّ ذِي فَضْلٍ عمل صالحاً، فَضْلَهُ أي: جزاء فضله، فيوفى ثواب عمله، أو يعطي كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة. وهو وعد للمؤمن التائب بخير الدارين. وَإِنْ تَوَلَّوْا أي: وإن تتولوا عما أمرتكم به، فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ يوم القيامة، أو يوم الشدة بالقحط والجوع، وقد نزل بهم حتى أكلوا الجيف. أو يوم بدر إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ أي: رجوعكم في ذلك اليوم الكبير، أو بالموت، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على بعثهم وعذابهم أشد العذاب. وكأنه تقرير لكبر اليوم. أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ يلوونها عن الحق وينحرفون عنه، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي ﷺ ، أو يولون ظهورهم إلى النبي ﷺ لئلا يروه من شدة البغض والعداوة، لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أي: من الرسول- ﵊ أو: من الله بسرهم، فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه. قيل: إنها نزلت في طائفة من المشركين، قالوا: إن أرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وطوينا صدورنا على عداوة محمد ﷺ كيف يعلم ذلك؟

стр. 1099

والحاصل: أن الإثناء إن كان عن الحق- فالضمير في: (منه) ، يعود على الله، وإن كان عن النبي ﷺ فالضمير يعود عليه وفي البخاري عن ابن عباس: (أنها نزلت فيمن كان يستحي أن يتخَلّى أو يجامع فيفضي إلى السماء) . وقوله: أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ: يحتمل أن يكون عند النوم، فيكون الإثناء عن الحق، أو عن الله، أو عند مواجهة الرسول، فيكون الإثناء عن رؤيته- عليه الصلاة السلام، أو عن سماع القرآن. قال تعالى: يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ في قلوبهم، وَما يُعْلِنُونَ بأفواههم، - فقد استوى في علمه سرهم وعلانيتهم، فكيف يخفى عليه أمرهم واستخفاؤهم منه؟ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: بالأسرار صاحبة الصدور، أو بحقائق الصدور وما احتوت عليه. الإشارة: يقول الحق ﷻ : هذا كتاب أحكمت آياته بالتعريف بالذات، ثم فصلت ببيان الصفات، أو: أحكمت بتبيين الحقائق، ثم فصلت بتبيين الشرائع. أو: أحكمت ببيان ما يتعلق بعالم الأرواح من التعريف، ثم فصلت ببيان ما يتعلق بعالم الأشباح من التكليف، أو: أحكمت ببيان أسرار الملكوت، ثم فصلت ببيان أحكام الملك. ثم بيَّن ما يتعلق بالذات فقال: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وبيَّن ما يتعلق بالصفات من التفصيل فقال: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) ، أو: بيَّن ما يتعلق بالحقائق، ثم ما يتعلق بالشرائع، وهكذا. فإن جمعتم بين الحقائق والشرائع يمتعكم متاعاً حسناً بشهود ذاته، والتنزه في أنوار صفاته، إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى، وهو: النزول في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويؤت كل ذي فضل من المعرفة جزاء فضله من الشهود، فمن تولى عن هذا خاف من عذاب يوم كبير، وهو: غم الحجاب، والتخلف عن الأحباب. ثم عاتب أهل الشهود حيث تركوا مقام المشاهدة وتنزلوا إلى مقام المراقبة، بقوله: (ألا إنهم يثنون صدورهم ... ) الآية. ثم بيّن كمال علمه تكميلا لقوله: (يعلم ما يُسرون وما يعلنون) ، فقال: [سورة هود (١١) : آية ٦] وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) يقول الحق ﷻ : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ أي: كل ما يدب عليها عاقلاً أو غيره، إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها غذاؤها ومعاشها لتكفله إياه بذلك تفضلاً وإحساناً. وإنما أتى بعلى التي تقتضي الوجوب تحقيقاً لوصوله، وتهييجاً على التوكل وقطع الوساوس فيه، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها أماكنها في الحياة والممات، أو الأصلاب والأرحام. أو: مستقرها في الأرض بعد وجودها، ومستودعها: موادها قبل إيجادها. أو بالعكس: مستقرها: موادها في العلم قبل الظهور، ومستودعها: إقامتها في الدنيا بعد الوجود. كُلٌّ واحد من الدواب على اختلاف أجناسها وأصنافها فِي كِتابٍ مُبِينٍ مذكور في اللوح المحفوظ، أو في العلم القديم المبين للأشياء، قال البيضاوي: وكأنه أريد بالآية كونه عالماً بالمعلومات كلها، وبما بعدها بيان كونه قادراً على الممكنات بأسرها، تقريراً للتوحيد ولما سبق من الوعد والوعيد. هـ.

стр. 1100

الإشارة: هم الرزق، وخوف الخلق، من أمراض القلوب، ولا ينقطعان عن العبد حتى يكاشف بعلم الغيوب وهو التوحيد الخاص أعني: الرسوخ في الشهود والعيان. وإنما يضر العبدَ ما كان ساكناً، وأما الخواطر التي تلمع وتذهب، فلا تضر لأن الإنسان خلق ضعيفاً. واعلم ان الرزق على قسمين: رزق الأرواح، ورزق الأشباح. فرزق الأرواح معنوي، وهو: قوت الروح من المعرفة وعلم اليقين. ورزق الأشباح حسي، وهو: الطعام والشراب. وقد تكفل الله بالأمرين معاً، وأمر بالتسبب فيهما، قياماً برسم الحكمة. فالتكفل حقيقة، والتسبب شريعة، فالعامة اشتغلوا بالتسبب في الرزق الحسي والبحث عنه، ولم يعبأوا بالرزق المعنوي، ولا عرفوه من شدة إعراضهم عنه، مع أنهم لو فقدوا الرزق المعنوي لماتت أرواحهم. والخاصة اشتغلوا بالتسبب في الرزق المعنوي والبحث عنه، ولم يعبأوا بالرزق الحسي من شدة إعراضهم عنه، مع أنهم لو فقدوا الرزق الحسي لهلكت أشباحهم. وخاصة الخاصة يتسببون في الرزق الحسي والمعنوي، وليس هم مع إرادتهم في واحد منهما، وإنما هم أبداً مع إرادة مولاهم راتِعين أبداً، حيث دفعتهم إرادة سيدهم في الحسي أو في المعنوي من غير تبرم ولا التفات لغيره، كما قال القائل «١» . آرَانِي كالآلات وَهو مُحَرَّكي ... أَنَا قَلَمٌ، والاقتِدارُ أصَابِعُ العامة قد حُجبوا عن الله بإرادتهم للرزق الحسي، حيث صار الرزق الحسي هو حظ النفوس. صاروا مع حظ نفوسهم لا غير، والخاصة وجدوا الله في طلبهم للرزق المعنوي، لأنه حق الله، لا حظ للنفس فيه، لأجل ذلك لمّا كانوا لله كان الله لهم. وخاصة الخاصة ليس هم مع إرادتهم في شيء، بل هُم بالله في الأحوال كلها لا بنفوسهم. قد انمحت إرادتهم في إرادة الله، فصارت إرادتهم إرادة الله، وفعلهم فعله. وهذا المقام يقال له: التمكين بالتلوين. هـ. قاله شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضى الله عنه في كتابه، نفعنا الله بهم جميعاً. قوله تعالى: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها أي: يعلم مستقرها في العلم، ومستودعها في العمل، أو مستقرها في الحال، ومستودعها في المقام، أو مستقرها في الفناء، ومستودعها في البقاء، أو مستقرها في التلوين ومستودعها في التمكين، أو مستقرها في عالم الأشباح، ومستودعها في عالم الأرواح. وأنشدوا: كُلُّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ أو تَرَاه ... فَهوَ للقبضتين يُشيرُ ضع قميصي عن العيون ترى ما ... غاب عنك فقد أتاك البشير

стр. 1101

فالمراد بالقبضتين: الحس والمعنى، وإن كانا في الأصل قبضة واحدة، لكن لما تجلت بالضدين سمَّاها قبضتين. فالحس رداء للمعاني. وسماه هنا قميصاً لأنه يستر كالرداء، فإذا رفع القميص عن عُيون البصيرة رأت ما غاب عنها من أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، وهذا معنى قوله: ضع قميصي عن العيون. إلخ ... وَرَفْعُ حجاب المعنى عن البصيرة هو بشير الولاية وعنوانها. والله تعالى أعلم. ولما بيّن كمال علمه ذكر كمال قدرته، فقال: [سورة هود (١١) : آية ٧] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) يقول الحق ﷻ : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وما بينهما وما فيهما فِي مقدار سِتَّةِ أَيَّامٍ من أيام الدنيا، أو خلق العالم العلوي والسفلي في مقدار ذلك. وجمع السموات دون الأرض لاختلاف العلويات بالأصل والذات دون السفليات. وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قيل: لم يكن بينهما حائل، وكان موضوعاً على متن الماء. واستدل به على إمكان الخلاء، وعلى أن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم. وقيل: كان الماء على متن الريح. والله أعلم بذلك. قاله البيضاوي. قلت: الخلاء هو الفضاء الخارج عن دائرة الأكوان. وهو عند المتكلمين من جملة الممكنات، ووجه الاستدلال من الآية على إمكانه: أن العرش والماء لما كانا محصورين لزم أن يكون ما خرج عنهما خلاء، وكل ما سوى الله فهو ممكن. وعند الصوفية: هو أسرار الذات الأزلية الجبروتية، كما أن الأكوان هي أنوار الصفات الملكوتية، ولا شيء معه، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. ونقل بعض أهل التاريخ: إنّ اللهَ تعالى خَلَقَ بعد العرش ياقوته صفراء، ذكروا من عظمتها وسعتها، ثم نظر إليها، فذابت من هيبته، فصارت ماء، فكان العرش مرتفعاً فوقها، ثم اضطرب ذلك الماء، فعلته زبدة، خلق منها الأرض، ثم ارتفع من الماء دخان خلق منه السموات «١» . هـ. خلق ذلك لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي: ليختبركمْ اختباراً تقوم به الحجة عليكم، أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا بالزهد في هذا العالم الفاني، وتعلق الهمه بالعالم الباقي قال البيضاوي: أي: يعاملكم معاملة المبتلى لأحوالكم، كيف تعملون؟ فإن جملة ذلك أسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم، وما تحتاج إليه أعمالكم، ودلائل

стр. 1102

وأمارات تستدلون بها وتستنبطون منها. ثم قال: فالمراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح. ولذلك قال ﷺ : «أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله.» والمعنى: أكمل علماً وعملاً. هـ. قال المحشي: ويتجه كون المعنى: أيكم أكثر شكراً لله على تمهيد تلك المنافع والمصالح. والشكر يشمل الطاعات القلبية والبدنية. ويحتمل أنه كآية: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «١» . وأن بقاء الدنيا وخلقها إنما هو للتكليف، فإذا لم يبق في الأرض مَن يعبد الله انقضت الدنيا، وجاءت الساعة، كما تقتضيه الأحاديث الصحاح «٢» والمتبادر ما قدمناه، وحاصله: أنه خلق الأشياء من أجل ابن آدم، ولتدله على خالقه فيجني بها ثمار معرفته تعالى، ويعترف بشكره، وإفراد عبادته. وقد جاء. «خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي» . قلت: فيكون المعنى: هو الذي أظهر الوجود من عرشه إلى فرشه، ليختبركم أيكم أحسن عملاً بالاشتغال بالله، والعكوف في حضرته دون الوقوف مع ظاهر الكون، والاشتغال بحسه، مع كونه خُلق من أجله. ثم قال: وقوله تعالى: (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ ... ) الآية، هو: تنبيه على أن إنكار الكفار للبعث بعد إقرارهم بأن الله تعالى خالق العالم، الذي هو أعظم من البعث، تناقض منهم لأن إقرارهم بقدرته على الأكبر، ثم إنكارهم لما هو أيسر تناقض هـ أي: ولئن ذكرت لهم البعث بعد الموت لقالوا ما هذا إلا سحر ظاهر. أي: ما البعث أو القول به، أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان. وقرأ حمزة ساحر أي: القائل بهذا. والله تعالى أعلم. الإشارة: في صحيح البخاري قال ﷺ : «كان الله ولا شيء مَعه، وكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء» الحديث. فأخبر ﷺ أن الحق ﷻ كان في أزله لا شيء معه، ثم أظهر الأشياء من نوره بنوره لنوره، فهو الآن على ما كان عليه. وعن أبي رَزِينٍ: قلنا: يا رسول الله! أين كان ربُّنَا قَبْل أنْ يَخْلُقَ خَلقَهُ؟ قال: «كَان في عَمَاءٍ ما فَوْقَه هَوَاءٌ، ومَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وخَلَق عَرشَه عَلَى المَاءِ» «٣» والعماء هو: الخفاء، قال تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ «٤» ، أي: خفيت. ويقال للسحاب عماء لأنه يخفى ما فيه، وقال الششتري: في المقاليد «٥» : كان في عمّى، ما فوقه هواء وما تحته هواء. هي الوحدة المُصْمتة الصّمدية، البحر الطامس «٦» الذي هو الأزل والأبد، فلم يكن موجود غير الوجود الذي هو هو. هـ.

стр. 1103

والحاصل: أن الحق ﷻ كان في سابق أزله ذاتاً مقدسة، لطيفة خفية عن العقول، نورانية متصفة بصفات الكمال، ليس معها رسوم ولا أشكال، ثم أظهر الحق تعالى قبضة من نوره حسية معنوية إذ لا ظهور للمعنى إلا بالحس، فقال لها: كوني محمداً، فمن جهة حسها محصورة، ومن جهة معناها لا نهاية لها، متصلة ببحر المعاني الأزلي، الذي برزت منه، وما نسبتها من ذلك البحر من جهة حسها إلا كخردلة في الهواء. وقد أشار ابن الفارض إلى وصف هذه الخمرة الأزلية- وهو تفسير للعماء المذكور قبلُ- فقال: صفاءٌ ولا ماءٌ، ولُطفٌ ولاَ هواً ... ونورٌ ولا نارٌ، وروحٌ ولا جِسمٌ تَقَدَّمَ كلَّ الكائنات حديثُها ... قديماً ولا شكلٌ هناك، ولا رَسْم وقامت بها الأشياءُ ثمَّ لحكمَةِ ... بها احتَجَبَت عن كلّ من لا له فَهْمُ فالأشكال والرسوم متفرعة من تلك القبضة المحمدية، والقبضة متدفقة من بحر الجبروت الذي لا نهاية له، فهى منه حقيقة، وما ظهر تحديدها إلا من جهة حسها. فهي كثلجة في بحرٍ، ماؤها الباطني متصل في البحر، وظاهرها محدود محصور. فالأشكال كلها غريقة في بحر الجبروت، ولذلك قال صاحب العينية «١» : هو العرش والكرسىّ والمَنْظَرُ البهي ... هو السِّدرةُ التي إِليهَا المَرَاجعُ وقال أيضاً: هُوَ المُوجِدُ الأَشْيَاءِ وهو وجودها ... وعين ذوات الكُلّ وهْوَ الجَوَامعُ فَأوْصَافُهُ والاسْمُ والأثَرُ الذي ... هُو الكَونُ عَيْنُ الذَّات والله جَامِعُ فالأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فالحق تعالى كما كان لا شيء معه، فهو الآن كما كان. إذ التغير في حقه تعالى مُحال، ولا يعلم هذه الأسرار إلا من صحب أهل الأسرار، وحسب من لم يصحبهم التسليم. كما رمزوا وأشاروا إليه: وإن لَمْ ترَ الهلالَ فسَلِّم ... لأناس رَأوْهُ بالأبْصارِ وقوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي: ليظهر منكم من يقف مع الأكوان، ومن ينفذ إلى شهود المكون. وهو الذي حسن عمله، وارتفعت همته. ولئن قلت أيها العامي: إنكم تحيون بالمعرفة من بعد موت قلوبكم بالجهل والغفلة إن صحبتمُوني، ليقولن أهلُ الإنكار: إن هذا إلا سحر مبين.

стр. 1104

ثم خوفهم بالعذاب الذي استعجلوه، فقال: [سورة هود (١١) : آية ٨] وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) قلت: (يوم) : معمول لخبر ليس، وهو دليل جواز تقديمة إن كان ظرفاً. يقول الحق ﷻ : وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ الموعود في الدنيا، أو في الآخرة، إِلى أُمَّةٍ أي: أوقات معدودة قلائل، لَيَقُولُنَّ استهزاء: ما يَحْبِسُهُ؟ أي: ما يمنعه من الوقوع الآن؟ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ وينزل بهم كيوم بدر، أو يوم القيامة لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ليس مدفوعاً عنهم حين ينزل بهم، وَحاقَ نزل وأحاط بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ، وضع الماضي موضع الاستقبال تحقيقاً للوقوع، ومبالغة في التهديد. الإشارة: إمهال العاصي ليس بإهمال له فإن الله تعالى يمهل ولا يهمل. فإمهاله إما استدراج، أو انتظار لتوبته، فليبادر العبد بالتوبة قبل الفوات، وبالعمل الصالح قبل الممات. فما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت، وبالله التوفيق. ومما وقع به الاختبار: الوقوف مع النعم دون شهود المنعم، كما أبان ذلك بقوله: [سورة هود (١١) : الآيات ٩ الى ١١] وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) قلت: (ولئن) : شرط وقسم، ذكر جواب القسم، واستغنى به عن جواب الشرط. يقول الحق ﷻ : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً أي: أعطيناه نعمة يجد لذتها. ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ أي: سلبنا تلك النعمة منه إِنَّهُ لَيَؤُسٌ قنوط، حيث قلَّ رجاؤه من فضل الله لقلة صبره، وعدم ثقته بربه، كَفُورٌ: مبالغ في كفران ما سلف له من النعم، كأنه لم ير نعمة قط. وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ كصحة بعد سقم، وغنى بعد فقر، أو علم بعد جهل، لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ. أي: المصائب التي مستثنى، عَنِّي، ونسي مقام الشكر. إِنَّهُ لَفَرِحٌ أي: بطر متعزز بها، فَخُورٌ على الناس، متكبر بها، مشغول بذلك عن شكرها، والقيام بحقها. قال البيضاوي: وفي لفظ الإذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم

стр. 1105

والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفر والبطر بأدنى شيء لأن الذوق: إدراك المطعم، والمس مبدأ الوصول إليه. هـ. إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا على الضراء إيماناً بالله، واستسلاماً لقضائه، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ شكراً لآلائه، سابقها ولا حقها، أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم، وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أقلة الجنة، وغايته النظرة. والاستثناء مِن الإنسان لأنَّ المراد به الجنس. ومن حمله على الكافر- لسبق ذكرهم- جعله منقطعاً. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد أن يكون شاكراً للنعم، صابراً عند النقم، واقفاً مع المنعم دون النعم. إن ذهبت من يدة نعمة رَجَى رجوعها، وإن أصابته نقمة انتظر انصرافها. والحاصل: أنه يكون عبد الله في جميع الحالات. حُكي أن سيدنا موسى ﵇ قال: يا رب دلني على عمل إذا عملته رضيت عني. قال: إنك لا تطيق ذلك، فخر موسى ساجداً متضرعاً، فقال: يا ابن عمران إن رضاي في رضائك بقضائي. هـ. وقال ابن عباس- رضى الله عنه- أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ: أنا اللهُ لا إِله إلاّ أنا، محمد رسولي، فمن استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته صديقاً، وبعثته مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يَصْبِرْ على بَلائِي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ رباً سوائي. هـ. ورُوي عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: ثلاث من رزقهن رزق خير الدنيا والآخرة: الرضا بالقضاء، والصبر على الأذى، والدعاء في الرخاء. هـ. من جملة الأذى: التكذيب والإنكار، كما أبان ذلك بقوله تعالى لنبيه- ﵊: [سورة هود (١١) : الآيات ١٢ الى ١٤] فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) يقول الحق ﷻ لنبيه ﷺ : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ، فلا تبلغه وهو ما فيه تشديد على المشركين، مخافة ردهم واستهزائهم به. ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه. فالعصمة مانعة من ذلك. فالرسول- ﵊ لم يترك شيئاً من الوحي إلا بلغه، ولكن الحق تعالى شجعه وحرضه على التبليغ في المستقبل. ولو قوبل بالإنكار.

стр. 1106

ثم قال له: وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أي: ولعله يعرض لك في بعض الأحيان ضيق في صدرك، فلا تتلوه عليهم مخافة أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ ينفقه للاستتباع كالملوك، أو يستغني به عن طلب المعاش، أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ يشهد له، والقصد تسليته ﷺ عن قولهم، حتى يُبلغ الرسالة ولا يبالي بهم. وإنما قال: ضائِقٌ ليدل على اتساع صدره ﷺ ، وقلة ضيقه في الحال. إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك، ولا عليك، ردوا أو اقترحوا، فلا يضيق صدرك بذلك. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ فتوكل عليه، فإنه عالم بحالهم ومجازيهم على أقوالهم وأفعالهم. أَمْ بل يَقُولُونَ افْتَراهُ أي: ما يوحى إليه، قُلْ لهم: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في البيان وحسن النظم. تحداهم أولاً بعشر سور، فلما عجزوا سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة. وتوحيد المثل باعتبار كل واحد. مُفْتَرَياتٍ مختلقات من عند أنفسكم، إن صح أني اختلقته من عند نفسي فإنكم عرب فصحاء مثلي. وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ للمعاونه على المعارضة، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنه مفترى. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فإن عجزوا عن الإتيان، فَاعْلَمُوا أيها الرسول والمؤمنون أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ بإذنه، أو بما لا يعلمه إلا الله من الغيوب. والمعنى: دوموا على إيمانكم، وزيدوا يقيناً فيه. قال البيضاوي: وجمع الضمير إما لتعظيم الرسول ﷺ ، أو لأن المؤمنين كانوا يتحدونهم، فكان أمر الرسول- ﵊ متناولاً لهم من حيث إنه يجب اتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصّه الدليل. أو للتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم. ولذلك رتب عليه قوله: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله، لأنه العالم والقادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره. وَأَنْ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ لظهور عجز آلهتهم. فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟ ثابتون على الإسلام، راسخون مخلصون فيه، إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقاً. ويجوز أن يكون الكل خطاباً للمشركين، والضمير في يَسْتَجِيبُوا لمن استطعتم، أي: فإن لم يستجيبوا لكم، أي: من استعنتم به على المعارضة لعجزهم، وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة، فَاعْلَمُوا أنه نظم لا يعلمه إلا الله وأنه منزل من عنده، وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق، فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة؟ وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب، والتنبيه على قيام الموجب، وزوال العذر. هـ. وقال في الوجيز: فإن لم يستجيبوا لكم من تدعون إلى المعاونة، ولا تهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليكم الحجة، فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ أي: أنزل والله عالم بإنزاله، وعالم أنه من عنده، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟ استفهام، معناه الأمر، كقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «١» . هـ.

стр. 1107

الإشارة: ينبغي لأهل الوعظ والتذكير أن يعمموا الناس في التذكير، ولا يفرقوا بين أهل الصدق، وأهل التنكير. بل ينصحوا العباد كلهم، ولا يتركوا تذكيرهم، مخافة الرد عليهم، ولا تضيق صدورهم بما يسمعون منهم، اقتداء بنبيهم ﷺ ، وقد قال لقمان لابنه حين أمره بالتذكير: وَاصْبِرْ عَلى مَآ أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «١» ، فإن طلبوا من المذكر الدليل فليقل: إنما أنا نذير، والله على كل شيىء وكيل. فإن قالوا: هذا الذي تذكر كلنا نعرفه، فليقل: فأتوا بسورة من مثله، أو بعشر سور من مثله. والله تعالى أعلم. ولا ينفع الوعظ والإنذار إن كانت همته كلها مصروفة للدنيا، كما قال تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ١٥ الى ١٦] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) قلت: «ما صنعوا فيها» : الضمير يعود على الدنيا، والظرف يتعلق بصنعوا. أو يعود على الآخرة، ويتعلق الظرف بحبط، أي: حبط في الآخرة ما صنعوا من الأعمال في الدنيا. يقول الحق ﷻ : مَنْ كانَ يُرِيدُ بعمله الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها، فكان إحسانه وبره رياء وسمعَة، نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها أي: نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا، من الصحة والرئاسة، وسعة الأرزاق، وينالُون ما قصدوا من حمد الناس، وإحسانهم وبرهم، وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ لا يُنقصون شيئاً من أجورهم، فيحتمل: أن تكون الآية نزلت في أهل الرياء من المؤمنين الذين يراؤون بأعمالهم كما ورد في حديث الغازي والغني القارئ المرائين، وأنهم أول من تُسعر بهم جهنم. ويحتمل أن تكون نزلت في الكفار، وهو أليق بقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ لأنهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة، وبقيت لهم أوزار العزائم السيئة. وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها أي: في الدنيا، فكل ما صنعوا في الدنيا من الإحسان حبط يوم القيامة لأنهم لم يريدوا به وجه الله. والعمدة في انتظار ثواب الأعمال هو الإخلاص، وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لأنه لم تتوفر فيه شروط الصحة التي من جملتها الإخلاص. الإشارة: في الحديث: «مَنْ كَانَت الدُّنيا هَمَّهُ: فَرَّقَ اللهُ عَلَيْه أمْرَه، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلا ما قُسِمَ لَهُ. ومَن كَانَتِ الآخرةُ نيته: جَمَعَ اللهُ عليه أمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ في قَلْبه، وأتتْهُ الدُنيَا وهى صاغرة» «٢» .

стр. 1108

قلت: ومَن كان الله همُّه كفاه هَم الدارين. فطالبُ الدنيا أسير، وطالب الآخرة أجير، وطالب الحق أمير. فارفع همتك أيها العبد عن الدار الفانية، وعلق قلبك بالدار الباقية، ثم ارفعها إلى شهود الذات العالية، ولا تكن ممن قصرَ همته على هذه الدار فتكن ممن ليس له في الآخرة إلا النار. وحصّن أعمالك بالإخلاص، وإياك وملاحظة الناس فتبوأ بالخيبة والإفلاس، وبالله التوفيق. ثم ذكر ضد من تقدم، فقال: [سورة هود (١١) : آية ١٧] أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) قلت: (أفمن كان) : مبتدأ، والخبر محذوف، أي: كمن كان يريد الدنيا وزينتها. يقول الحق ﷻ : أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، طريقة واضحة مِنْ رَبِّهِ وهو النبي ﷺ والمؤمنون، كمن ليس كذلك، ممن همه الدنيا؟! والمراد بالبينة: ما أدرك صحتَه العقلُ والذوقُ، أي: على برهان واضح من ربه، وهو الدليل العقلي والأمر الجلي. أو برهان من الله يدله على الحق والصواب فيما ياتيه ويذره، وَيَتْلُوهُ ويتبع ذلك البرهان- الذي هو دليل العقل، شاهِدٌ مِنْهُ أي: من الله يشهد بصحته، وهو: القرآن، لأنه مصباح البصيرة والقلب فهو يشهد بصحة ما أدركه العقل من البرهان. وَمِنْ قَبْلِهِ أي: مِن قبل القرآن، كِتابُ مُوسى يعنى: التوراة، فإنها أيضاً متلوة شاهدة بما عليه الرسول ومن تبعه من البينة الواضحة. أو البينة: القرآن، والشاهد: جبريل ﵇، أو عَلِيٌّ- كرم الله وجهه-، أو الإنجيل. وهو حسن، لقوله: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى فإن التوراة قبل الإنجيل. قال ابن عطية: وهنا اعتراض وهو أن الضمير فى «قبله» عائد على القرآن، فَلِمَ لَمْ يذكر الإنجيل- وهو قبله- بينه وبين كتاب موسى؟ فالانفصال عنه: أنه خَصَّ التوراة بالذكر لأن الملّتين متفقتان على أنها «١» من عند الله، والإنجيل قد خالف فيها. فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الكتابين أولى. وهذا كقول الجن: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى «٢» . وقول النجاشي: «إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاه واحدة» . هـ. وإذا فسرنا الشاهد بالإنجيل سقط الاعتراض.

стр. 1109

ثم وصف التوراة بقوله: إِماماً. أي: مؤتماً به في الدين، لأجله، وَرَحْمَةً على المنزل عليهم. أُولئِكَ أي: من كان على بينة من ربه، يُؤْمِنُونَ بِهِ أي: بالقرآن، وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ: كأهل مكة، ومن تحزب منهم على رسول الله ﷺ ، فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ يدخلها لا محالة، فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ شك مِنْهُ أي: من ذلك الموعد، أو القرآن، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ الثابت وقوعه، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ لقلة نظرهم، وإخلال فكرتهم. الإشارة: لا يكون العبد على بينة من ربه حتى يتحقق فيه أمران، أولهما: التوبة النصوح، والثاني: الزهد التام. فإذا تحقق فيه الأمران كان على بينة من ربه. وهي درجات أولها: بينة ناشئة عن صحيح النظر والاعتبار، وهي لقوم نظروا في الحجج والبراهين العقلية والدلائل السمعية، فأدركوا وجود الحق من طريق الإيمان بالغيب، وهم: أهل الدليل والبرهان. وثانيها: بينة ناشئة عن الرياضات والمجاهدات والاعتزال في الخلوات، فخرقت لهم العوائد الحسيات فرأوا كرامات وخوارق عادات، فأدركوا وجود الحق على وجه التحقيق والبيان، مع رقة الحجاب والوقوف بالباب. وهم: العُبّاد، والزهاد، والصالحون من أهل الجد والاجتهاد. وثالثها: بينة ناشئة عن الذوق والوجدان، والمكاشفة والعيان، وهي لقوم دخلوا في تربية المشايخ، فتأدبوا وتهذبوا، وشربوا خمرة غيبتهم عن حسهم ورسمهم فغابوا عن الأكوان بشهود المكون. فهم يستدلون بالله على غيره. قَدَّّسُوا الحق أن يحتاج إلى دليل، وهؤلاء هم الأفراد وخواص العباد، وإليهم أشار الشاعر بقوله: الطُّرقُ شَتَّى وطَريقُ الحَقِّ مُقفِرَةٌ ... والسَّالكون طَريق الحقّ أَفرادُ لا يُعرفُون ولا تُدرَى مَسالِكُهم ... فهم على مَهَلٍ يَمشُونَ قُصّادُ والنَّاسُ في غفلة عما يراد بِهِم ... فَجُلُّهم عَن سَبِيل الحَقِّ رُقَّادُ وقال في القوت: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ أي: من شهد مقام الله- بالبيان، فقام له بشهادة الإيقان، فليس هذا كمن زُين له سُوء عمله، واتبع هواه، فآثره على طاعة مولاه. بل هذا قائم بشهادته، متبع لشهيده، مستقيم على محبة معبوده. هـ. وقال الورتجبي: تقدير الآية على وجه الاستفهام: أفمن كان على بينة من ربه كمن هو في الضلالة والجهالة؟ أفمن كان على معرفة من ربه، وولاية وسلامة وكرامة، وكل عارف إذا شاهد الحق سبحانه بقلبه وروحه، وعقله وسره، فأدرك فيض أنوار جماله، وقربه، يؤثر ذلك في هيكله حتى يبرز من وجهه نور الله الساطع، ويراه كل صاحب نظر، قال تعالى: وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ، والبينة: بصيرة المعرفة، والشاهد: بروز نور المشاهدة منه. وأيضاً: البينة: كلام المعرفة. والشاهد: الكتاب والسنة. ثم قال عن الجنيد: البينة: حقيقة يؤيدها ظاهر العلم. هـ.

стр. 1110

والحاصل: أن البينة أمر باطني، وهي: المعرفة، إما بالبرهان، أو بالعيان، والشاهد الذي يتلو هو العلم الظاهر، فيتفق ما أدركه العقل أو الذوق مع ما أفاده النقل، فتتفق الحقيقة مع الشريعة. كلِّ في محله، الباطن منور بالحقائق، والظاهر مُؤيد بالشرائع. وهذا غاية المطلوب والمرغوب. رزقنا الله من ذلك الحظ الأوفر بمنه وكرمه. ثم ذكر وعيد مَن كذّب بها فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ١٨ الى ٢٤] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤) قلت: (مثلاً) : تمييز. يقول الحق ﷻ : وَمَنْ أَظْلَمُ أي: لا أحد أظلمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن أسند إليه مالم يقله، وكذب بما أنزله، أو نسب لله ما لا يليق بجلاله. أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ يوم القيامة، بأن يحبسوا فى الموقف، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد، وَيَقُولُ الْأَشْهادُ من الملائكة والنبيين، أو كل من شهد الموقف: هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذٍ، لظلمهم بالكذب على الله، ورد الناسَ عن طريق الله. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن دينه، وَيَبْغُونَها عِوَجاً يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب. أو يبغون أهلها أن يعوجوا عنها بالردة والكفر، أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها. وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ أي: والحال أنهم كافرون بالبعث. وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به.

стр. 1111

أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي: ما كانوا ليعجروا الله في الدنيا أن يعاقبهم. بل هو قادر على ذلك، واخرهم ليوم الموعود، ليكون أشد وأدوم. وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يمنعونهم من العقاب، يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ بسبب ما اتصفوا به، كما ذكره بقوله: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ لتصاممهم عن الحق، وبغضهم أهله. أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ حين اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من أن الأصنام تشفع لهم، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما أملوا، فلم يبق لهم سوى الحسرة والندامة. لا جَرَمَ لا شك، أو لا بد أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ: فلا أحد أكثر خسراناً منهم حيث حرموا النعيم المخلد، واستبدلوه بالعذاب المؤيد. ثم ذكر ضدهم فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا، أي: اطمأنوا أو خشعوا، أو تابوا إِلى رَبِّهِمْ. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون. مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ المتقدمين فريق الكافر، وفريق المؤمن: كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ، فمثل الكافر كمن جميع بين العمى والصمم، ومثل المؤمن كمن جمع بين السمع والبصر. فالواو لعطف الصفات، ويجوز أن يكون شبه الكافر بمن هو أعمى فقط، وبمن هو أصم فقط، والمؤمن بضدهما، فهو تمثيل للكافرين بمثالين، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي: يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام الله، وتأبيه عن تدبره معانيه. وتشبيه المؤمن بالسميع والبصير لأن أمره بالضد، فيكون كل منهما مشّبهاً باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم، والمؤمن بالجامع بين ضديهما، والعاطف لعطف الصفة على الصفة، كقوله: فالأيب الصَّابُح فالغانم «١» فهذا من بيان اللف والطباق. هـ. هَلْ يَسْتَوِيانِ: هل يستوي الفريقان؟ مَثَلًا أي: من جهة التمثيل، بل لا استواء بينهما، أَفَلا تَذَكَّرُونَ تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم. الإشارة: كل من ترامى على مراتب الرجال، أو ادعى مقاماً من المقامات وهو لم يدركه، يريد بذلك إمالة وجوه الناس إليه، يُفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ويقال له: هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ... الآية. فكل آية في الكفار تجر ذيلها على عُصاة المؤمنين. وقد تقدم أمارات من كان على بنية من ربه، فمن ادعى مقاماً من تلك المقامات وهو يعلم أنه لم يصله نادت عليه الآية.

стр. 1112

ثم شرع فى ذكر قصص الأنبياء- ﵈ تسلية لنبيه ﷺ وتتميما لقوله: (فلعلك تارك) ، (وضائق) . فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٢٥ الى ٢٧] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) قلت: من قرأ: إني بالكسر، فعلى إرادة القول، ومن قرأ بالفتح، فعلى إسقاط الخافض، أي: بأني، و (بادي الرأي) : ظرف ل (اتبعك) ، على حذف مضاف أي: وقت حدوث أول رأيهم. وهو من البدء أي: الحدوث، أو من البُدُوِّ، أي: الظهور. أي: اتبعوك في ظاهر الرأي دون التعمق في النظر. يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فقال لهم: إِنِّي لَكُمْ، أو بأني لكم نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: بين ظاهر، أو أبين لكم موجبات العذاب، ووجه الخلاص منه، قائلا: أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، ولا تعبدوا معه غيره، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ مُؤلم، وهو في الحقيقة صفة للعذاب، ووصف به زمانه على طريقة [جَدَّ جَدُّه، ونهاره صائم] للمبالغة. فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا لا مزية لك علينا تخصك بالنبوءة ووجوب الطاعة، وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا أخساؤنا وسُقَّاطنا جمع ارذل. بادِيَ الرَّأْيِ من أول الرأي من غير تفكر ولا تدبر، أي: اتبعك هؤلاء بادي الرأي من غير ترو. أو ظاهراً رأيهم خفيفاً عقلهم. وإنما استرذلوهم، لأجل فقرهم، جهلاً منهم، واعتقاداً أن الشرف هو المال والجاه. وليس الأمر كذلك. بل الشرف إنما هو بالإيمان والطاعة، ومعرفة الحق. وقيل: إنهم كانوا حاكة وحجامين. وقيل: أراذل في أفعالهم، لقوله: وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ «١» . ثم قالوا: وَما نَرى لَكُمْ أي: لك ولمتبعيك عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ يؤهلكم للنبوءة، واستحقاق المتابعة. بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ أنت في دعوى النبوءة، وهم في دعوى العلم بصدقك. فغلب المخاطب على الغائبين.

стр. 1113

الإشارة: تكذيب الصادقين سُنَّة ماضية، وأتباع الخصوص موسومون بالذلة والقلة، وهم أتباع الرسل والأولياء، وهم أيضاً جُل أهل الجنة لأن المصطفى ﷺ قال: «أَهلُ الجَنَّة كُلُّ ضَعِيفٍ مُستَضعَفٍ» «١» وقالت الجنة: مالى لا يَدخُلُني إلا سُقَّطُ الناس؟ فقال لها الحق تعالى: «أنتِ رَحمَتي أَرحَمُ بِك مَنْ أَشاء» حسبما فى الصحيح. ثم أجابهم بقوله: [سورة هود (١١) : آية ٢٨] قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) قلت: «أنلزمكموها» : يصح في الضمير الثاني الوصل والفصل لتقدم الأخص. يقول الحق ﷻ : قالَ نوح لقومه: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ: أخبروني، إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي على طريقة واضحة من عند ربي، أو حجة واضحة شاهدة بصحة دعواي، وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ النبوة، فَعُمِّيَتْ خفيت عَلَيْكُمْ فلم تهتدوا إليها، أَنُلْزِمُكُمُوها أنكرهكم على الاهتداء بها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ لا تختارونها ولا تتأملون فيها. ولم يؤمر بالجهاد، بل تركهم حتى نزل بهم العذاب. الإشارة: طريقة أهل التذكير- الذين هم على بينة من ربهم-: أنهم يُذكرون الناس، ولا يكرهون أحداً على الدخول في طريقهم، إذا عميت عليهم. والله تعالى أعلم. ثم قال: [سورة هود (١١) : الآيات ٢٩ الى ٣٠] وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) يقول الحق ﷻ ، حاكياً عن نوح ﵇: وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ على التبليغ المفهوم من السياق، مالاً: جُعلاً أنتفع به، إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ فإنه المأمول منه. ثم طلبوا منه طرد الضعفاء ليجالسوه، فقال لهم: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فيخاصموني إن طردتهم، أو: إنهم ملاقوه

стр. 1114

فيفوزون بقربه، فكيف أطردهم؟ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ لقاء ربكم، أو بأقدارهم، أو تسفهون عليهم فتدعُوهم أراذل، أو قوماً جُهالاً استحكم فيكم الجهل وشختم فيه، فلا ينفع فيكم الوعظ والتذكير. وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ: من يدفع انتقامه عني إِنْ طَرَدْتُهُمْ وهم بتلك الصفة الكاملة من الإيمان والخوف منه؟ أَفَلا تَذَكَّرُونَ فتعلموا أن التماس طردهم، وتوقيف الإيمان عليه ليس بصواب. الإشارة: قال القشيري: قوله تعالى: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً، فيه تنبيه للعلماء- الذين هم ورثة الأنبياء أن يتأدبوا بأنبيائهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقوا منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، وما ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكر بها من الدين، ويعظ بها المسلمين فلا يبارك الله فيما يُسمعون به عن الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون به على سخط من الله هـ «١» . قلت: هذا إن كان له تشوف وتطلع بذلك، بحيث لو لم يُعلم، أو لم يُذكر. وأما إن كان يعلم ويذكر لله، ثم يتصدق عليه لله، فلا بأس به إن شاء الله. وما زالت الأشياخ والأولياء يقبضون زيارات الفقراء، وكل من يأتيهم، ويذكرونهم ويعرفونهم بالله، لأن ذلك ربح للمعطي وتقريب له. وما ربح الناس إلا من فلسهم ونفسهم بذلوها لله، فأغناهم الله. وقد تقدم عند قوله: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ... «٢» بعض الكلام على هذا المعنى، والله تعالى أعلم. ولما قالوا له: لو كنت نبى الله، لأغناك الله عن التكسب، ولأعلمك بما يفعل أتباعك فإنهم ما اتبعوك إلا فى الظاهر دون الباطن، قال لهم: [سورة هود (١١) : آية ٣١] وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) يقول الحق ﷻ : قال نوح لقومه: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ حتى أنفق منها متى شئت، فأستغني عن مباشرة الأسباب، بل ما أنا إلا بشر، أو لا أدعي ما ليس لي فتنكروا قولي، أي: لا أفوه لكم، ولا أتعاطى غير ما ألهمني الله له، فلست أقول: عندي خزائن الله، أي: القوة التي توجد بها الأشياء بعد عدمها. أو: عندي خزائن الله التي ينزل منها الأشياء، كالريح والمياه ونحوها، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ «٣» فتبرأ ﵇ من هذه الدعوى.

стр. 1115

ثم قال: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ أي: ولا أقول: إني أعلم الغيب، فأعلم من أصحابي ما يسترونه عني في نفوسهم، فسبيلي قبول ما ظهر منهم. أو: لا أعلم أنهم اتبعوني في بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ حتى تقولوا: ما نَراك إلا بشراً مثلنا. وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ أي: تحتقرهم. من زريت على الرجل: قصرت به. قلبت تاؤه دالاً لتجانس الزاي للتاء «١» ، والمراد بهم ضعفاء المؤمنين، أي: لا أقول في شأن من احتقرتموهم، لفقرهم: لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً فإنَّ ما أعد الله لهم في الآخرة خير مما آتاكم فى الدنيا. اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ من خير أو غيره. إِنِّي إِذاً أي: إن قلتُ شيئاً من ذلك، لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قال البيضاوي: وإسناده إلى الأعين للمبالغة، والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرأي من غير روية، مما عاينوه من رثاثة حالهم وقلة منالهم، دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم. وقال أيضاً: وإنما استرذلوهم لفقرهم لأنهم لمَّا لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا كان الأحظ «٢» بها أشرف عندهم، والمحروم منها أرذل. هـ. الإشارة: لا يشترط في وجود الخصوصية ظهور الكرامة فقد تظهر الكرامة على من لم تكمل له الاستقامة، فلا يشترط فيه الاطلاع على خزائن الغيوب، وإنما يشترط فيه التطهير من نقائص العيوب، لا يشترط فيه الإنفاق من الغيب، وإنما يشترط فيه الثقة بما ضمن له في الغيب. والله تعالى أعلم. ثم استعجلوا العذاب، كما قال تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ٣٢ الى ٣٤] قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) قلت: إِنْ أَرَدْتُ: شرط حذف جوابه لتقدم ما يدل عليه، وكذا (إن كان الله يريد أن يُغويكم) ، والتقدير: إن كان الله يريد أن يُغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت ان أنصح لكم. أي: فكذلك. فهو من تعليق الشرط، كقولك: إن دخلتِ الدار، إن كلمت زيداً، فأنتِ طالق. فلا تطلق إلا بهما، ثم استأنف: (هو ربكم) . يقول الحق ﷻ : قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا: خاصمتنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا: خصامنا ومخاطبتنا، فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في الدعوى والوعيد، فإن مناظرتك

стр. 1116

ووعظك لا يؤثر فينا. قالَ نوح ﵇: إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ دوني إِنْ شاءَ عاجلاً أو آجلاً، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ بدفع العذاب عنكم، أو الهرب منه حتى تعجزوا القدرة الإلهية، وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ، وأراد الله أَنْ يُغْوِيَكُمْ، فإن النصح مع سابق الشقاء عنت. وهذا جواب لما أوهموا من أن جداله كلام لا طائل تحته، وهو دليل على أن إرادة الله تعالى يصح تعلقها بالإغواء، وأن خلاف مراد الله تعالى محال. ولذلك قيل: مراد الله من خلقه ما هم عليه. ثم قال: هُوَ رَبُّكُمْ خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيجازيكم على أعمالكم. الإشارة: ينبغي لأهل الوعظ، والتذكير أن لا يملوا- ولو أكثروا- إذا قابلهم الناس بالبعدُ والإنكار، وليقولوا: ولا ينفعكم نصحنا إن أردنا ان ننصحكم إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ... الآية. ولما كان المقصود من القصة تسلية رسوله ﷺ خاطبه فى أثنائها بقوله: [سورة هود (١١) : آية ٣٥] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) يقول الحق ﷻ : أَمْ يَقُولُونَ أي: كفار قريش: هذا الذي يقرؤه محمد علينا، ويقصه من خبر مَن قبلنا افْتَراهُ من عنده. قُلْ لهم: إِنِ افْتَرَيْتُهُ تقديراً فَعَلَيَّ إِجْرامِي اي: وباله عليَّ دونكم، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ مما ترتكبون من الإجرام بتكذيبكم وكفركم. الإشارة: ينبغي لمن قوبل بالتكذيب والإنكار أن يكتفي بعلم الله، ويقول لمن كذبه ما قال نبيه ﷺ لمن كذبه: (إن افتريته فعلي إجرامي ... ) الآية. وفي الحِكَم: «متى آلمك عدم إقبال الناس عليك، أو توجههم بالذم إليك، فارجع إلى علم الله فيك، فإن كان لا يقنعك علمه فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم..» . قال الشيخ زروق رضى الله عنه: وذلك لأن عدم قناعتك بعلمه يُصيبك في قلبك ودينك، وأذاهم يُصيبك في عرضك وبدنك ودنياك، وأيضاً: أذاهم يردك إليه، فهو فائدتك، وعدم القناعة بعلمه يردك إليهم، فهى مصيبة توجب ثلاثاً، هي علامة عدم القناعة بعلمه: أولها: التصنع والمراءة، الثاني: طلب رضاهم بما أمكن في جميع الحالات. الثالث: إظهار علمه وعمله وحاله، ليعلموا برتبته. والقناعة بعلمه علامتها ثلاث: أولها: قصد الإخلاص في كلٍّ، بحيث لا يبالي أين رآه الخلق، وكيف رأوه. الثاني: طلب رضاه بالعمل بطاعته، وترك ما لا يرضيه، رضوا بذلك أو سخطوا. الثالث: الاكتفاء بعلمه فيما يجري عليه من حكمه وحكمته، قال إبراهيم التيمي رضى الله عنه لبعض أصحابه: ما يقول الناس فِيّ؟ فقال:

стр. 1117

يقولون إنه مرائي، فقال: الآن طاب العمل. قال بشر الحافي: اكتفى- والله- بعلم الله. فلم يحب أن يدخل مع علم الله غيره، وقال أيضاً: سكون النفس لقبول المدح لها أشد عليها من المعاصي. وقال أحمد بن أبى الحوارى رضى الله عنه: من أحب أن يعرف بشيء من الخير، أو يُذكر به، فقد أشرك مع الله في عبادته لأن من عمل على المحبة لا يُحب أن يرى عمله غير محبوبه. وقال الشيخ أبو الحسن رضى الله عنه. لا تنشر علمك، ليصدقك الناس، وانشر علمك ليصدقك الله. وإن كان لام العلة موجوداً، فَعِلَّةٌ تكون بينك وبين الله من حيث أمرك، خير لك من عِلَّة تكون بينك وبين الناس، من حيث نهاك. ولعِلَّةٌ تردك إلى الله خير لك من علة تقطعك عن الله. هـ. المراد منه. ثم تمم قصة نوح ﵇، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٣٦ الى ٣٩] وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) يقول الحق ﷻ : وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ بعد هذا إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ قبل، وكان هذا الوحي بعد ان مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله تعالى. فكان الرجل منهم يأتيه بابنه، ويقول: يا بُني لا تصدق هذا الشيخ، فهكذا عَهد إليَّ أبي وجَدّي. فلما نزل الوحي وأيس من إيمانهم دعا عليهم، وقال: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «١» . قال له تعالى: فَلا تَبْتَئِسْ: تحزن وتغتم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ من التكذيب والإيذاء، أقنطه أولاً من إيمانهم، ونهاه أن يغتم لأجلهم. ثم أمره بصنع السفينة، فقال: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا بحفظنا ورعايتنا، أو بمرأى منا ومسمع غير محتاج إلى آلة حفظ وحرس، وَوَحْيِنا إليك، كيف تصنعها، رُوي أنه لما جهل صنعها أوحى الله إليه: أن اصنعها على مثال جُؤجؤ الطائر. وروي أيضا: أنها كانت مربعة الشكل، طويلة في السماء، ضيقة الأعلى، وأن المراد منها إنما كان الحفظ، لا سرعة المشي. والأول أرجح. أعني: على صورة ظهر الطائر. قال في الأساس: عملت سفينة نوح ﵇

стр. 1118

من ساج، وهو خشب أسود، رزان، لا تكاد الأرض تبليه، يجلب من الهند. هـ. وفي رواية أخرى: صنعها نوح ﵇، وجبريل يصف له، فكان أسفلها كأسفل السفن وأعلاها كالسقف، وداخلها كالبيت، ولها أبواب في جوانبها. هـ. ثم إن نوحاً ﵇ لما تحقق هلاك قومه، رق عليهم، فَهَمَّ ان يُراجع الله في شأنهم، فقال له تعالى: وَلا تُخاطِبْنِي ولا تراجعني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولا تدع باستدفاع العذاب عنهم إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ: محكوم عليهم بالغرق لا محالة. فلا سبيل إلى كفه. وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ، حكي ما وقع بصيغة الحال استحضاراً لتلك الحال العجيبة، وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ: جماعة مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ: استهزءوا به، لأنه كان يعمل السفينة في برية بعيدة من الماء. أو أن عزته تنفى صنعته، فكانوا يضحكون منه، ويقولون له: صرت نجاراً بعد أن كنت نبياً. قالَ لهم: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ، فنسخر منكم حين يأخذكم في الدنيا الغرق، وفي الآخرة الحرق. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، وهو: الغرق، والحرق بعده، وَيَحِلُّ أي: ينزل عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ: دائم، وهو النار يوم القيامة. الإشارة: إذا تحقق الولي بإعراض الخلق عنه، وأيس منهم أن يتبعوه. فلا يحزن، ولا يغتم منهم، ففي الله غنى عن كل شيء، وليس يُغني عنه شيء. وفي إعراض الخلق راحة لقلب الولي ولبدنه، فإذا سخروا منه فليقل في نفسه: إن تسخروا منا اليوم، فنسخر منكم حين تحقق الحقائق، فيرتفع المقربون، وينسفل الباطلون، وكان شيخ أشياخنا سيدي علي العمراني رضى الله عنه كثيراً ما يقول: ليت القيامة قامت، حتى يظهر الرجال من غيرهم. أو ما هذا معناه. ثم ذكر مبدأ الطوفان، فقال: [سورة هود (١١) : آية ٤٠] حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠) قلت: حتى: غاية لقوله: (ويصنع الفلك) ، أو ابتدائية. و (اثنين) مفعول باحمل، و (أهلك) : عطف عليه. يقول الحق ﷻ : حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا بغرقهم، أو أمرنا للأرض بالفوران وللسحاب بالإرسال، وَفارَ التَّنُّورُ نبع الماء منه وارتفع كالقدر تفور. والتنور: تنور الخبز، ابتدأ منه النبوع، على خرق العادة، أرادت ابنته أن تسجره ففار الماء في النار، رُوي أنه كان تنور آدم، خلص إلى نوح، فكان يوقد فيه، وقيل: كان في الكوفة في موضع مسجدها. وقيل: في الهند، وقيل: التنور: وجه الأرض «١» . قاله ابن عباس.

стр. 1119

فلما فار بالماء قُلْنَا احْمِلْ فِيها في السفينة، مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ من كل نوع من الحيوان ذكراُ وأنثى- رُوي إن نوحا ﵇ وقف على باب السفينة، وحشر إليه الوحوش، فكان الذكر يقع في يمينه، والأنثى في شماله، وهو يُدخل في السفينة. وآخر ما دخل الحمار، فتمسك الشيطان بذنبه فزجره نوح فلم ينعق، فدخل معه، فجلس عند مؤخر السفينة. ورُوي أن نوحاً ﵇ آذاه نتن الزبل والعذرة، فأوحى الله إليه: أن امسح على ذنب الفيل، ففعل فخرج من انفه خنزير وخنزيرة، فكفياه أمر ذلك الأذى. ورُوي أن الفأر آذى الناس، فأوحى الله إليه: أن امسح على جبهة الأسد ففعل، فعطس فخرج منه هرٌّ وهرَّة. فكفياه أمر الفأر «١» . انظر ابن عطية. وَاحمل أيضاً أَهْلَكَ أي: امرأتك وبنيك ونساءهم، إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أنه من المغرقين يريد: ابنه كنعان وأمه وَاعِلة، فإنهما كانا كافرين. وَاحمل مَنْ آمَنَ بك. قال تعالى: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ، قيل: كانوا تسعةَ وسبعين: زوجته المسلمة، وبنوه الثلاثة: حام وسام ويافث، ونساؤهم، واثنان وسبعون رجلاً وامرأة من غيرهم. وفي بعض الآثار: أن النبي ﷺ قال: «سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش» «٢» . قاله ابن عطية. وسيأتي خلافه في سورة الصافات. وهو الراجح. وقال البيضاوي: روي أن نوحا ﵇ اتخذ السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وسمكها ثلاثين. وجعل لها ثلاثة بطون. فحمل في أسفلها الدواب والوحش، وفي وسطها الإنس، وفي أعلاها الطير. هـ. والله تعالى أعلم. الإشارة: حتى إذا جاء أمرنا بكمال الطهارة من العيوب، وفار تنور القلب بعلم الغيوب، وجرت سفينة الفكرة في بحار التوحيد، وأسرار التفريد، قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين علم الشريعة والحقيقة، وعلم الحكمة والقدرة، وعلم الحس والمعنى، وعلم الأشباح والأرواح، وعلم الملك والملكوت. وتحمل من تمسك بها من أهل المحبة والوداد، إلا من سبق عليه القول بالمكث في مقام البعاد، وتحمل من آمن بخصوصيتها من العباد، فتقربه من مسلك التوفيق والتسديد، حين يمن الحق تعالى عليها بالقرب من أهل المحبة والوداد. وبالله التوفيق. ثم أمرهم بالركوب فى السفينة، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٤١ الى ٤٣] وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)

стр. 1120

قلت: (مَجْريها ومرساها) : مشتقان من الجري والإرسال، أي: الثبوت، وهما إما ظرفان زمانيان، أو مكانيان، وإما مصدران، والعامل فيهما: ما في (بسم الله) من معنى الفعل. وإعراب «بسم الله» : إما حال مقدرةٌ من الضمير في «اركبوا» ، أي: اركبوا متبركين بسم الله، أو قائلين: بسم الله، وقت إجرائها وإرسائها. أو (مجراها ومرساها) : مبتدأ، و (بسم الله) : خبر. فيوقف على (فيها) أي: إجراؤها وإرساؤها حاصل بسم الله. يقول الحق ﷻ : وَقالَ نوح لمن كان معه: ارْكَبُوا في السفينة وسيروا فيها. رُوي أنهم ركبوا أول يوم من رجب، وقيل: يوم العاشر منه، واستوت على الجودي يوم عاشوراء، بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها أي: متبركين بسم الله وقت إجرائها، أو قائلين بسم الله وقت إجرائها وإرسائها، رُوِي: أنه ﵇ كان إذا أراد أن يجري السفينة قال: بسم الله، فتجري، وإن أراد أن يوقفها قال: بسم الله، فتوقف. إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، فلولا مغفرته لما فرط منكم، ورحمته إياكم، لَما أنجاكم. فركبوا مسلمين وساروا. وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ، والموج: ما يرتفع من الماء عند اضطرابه، أي: كل موجة من الطوفان كالجبال في تراكمها وارتفاعها، وما قيل من أن الماء أطبق ما بين السماء والأرض، وكانت السفينة تجري في جوفه، لم يثبت. وكيف يكون الموج كالجبال؟ والمشهور أنه علا شوامخ الجبال، خمسة عشر ذراعاً، وإنْ صح ذلك فلعل ارتفاع الموج كالجبال كان قبل التطبيق. وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ، كان كنعان. وقيل: كان لغير رشدة، وهو خطأ لأن الأنبياء عُصمت من أن تزني أزواجهم. والمراد بالخيانة في قوله: فَخانَتاهُما «١» . في الدين. وَكانَ فِي مَعْزِلٍ في ناحية، عزل نفسه فيها عن أبيه، أو عن دينه، فقال له أبوه: يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا في السفينة، وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ في الدين، أو في الأعتزال عنا، وكان يظنه مؤمناً، لإخفاء كفره. قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي يمنعني مِنَ الْماءِ، فلا أغرق، قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ أي: إلا الراحم، وهو الله، فلا عاصم إلا أرحم الراحمين. أو: لا عاصِمَ لا ذو عصمة إلا من رحم الله، فلا معصوم إلا من ﵀. فالاستثناء حينئذٍ متصل. أو: لا عاصم اليوم من أمر الله لكن من ﵀ فهو المعصوم. أو: لا ذو عصمة لكن الراحم يعصم من شاء، والاستثناء منقطع. وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ بين نوح وابنه، فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ فصار من المهلكين بالماء. رُوي أنه صنع بيتاً من زجاج، وحمل معه طعامه وشرابه، وصعد على وجه الماء فسلط الله عليه البول حتى غرق في بوله «٢» . والله تعالى أعلم بشأنه.

стр. 1121

الإشارة: إذا دخل العارف في بحر الفناء، وغاب عن حسه ورسمه، واتصل معناه ببحر معاني الأسرار، جرت سفينة فكرته في بحر الذات وأنوار الصفات، فقال لأصحابه: اركبوا فِيهَا، بِسْمِ الله مجريها وَمُرْسَاهَا، إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رحيم، حيث غطى وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته. فوصلكم بما منه إليه، لا بما منكم إليه. فصارت سفن الأفكار تجري بهم في موج كالجبال، وهي تيار بحر الذات. فالخمرة الأزلية الخفية الصافية بحر لا ساحل له، وما ظهر من أنوار الصفات أمواجه. فأنوار الآثار هي أمواج البحار، وما عظم من أمواجه يسمى التيار، ولذلك قيل: العارفون يغرقون في بحر الذات، وتيار الصفات، فتراهم إذا غرقوا في بحر الأسرار وتيار الأنوار، وساروا فيها بمدد أسرارهم، تلاطمت عليهم أمواجه. وهي تجري بهم في موج كالجبال، فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، فآواه إلى جبل السنة المحمدية. فكان من الناجين. وآخرون حال بينهم الموج، فكانوا من المغرقين، فالتبس الأمر عليهم، فقالوا بالحلول والاتحاد، أو نفي الحكمة والأحكام. وهذا في حق مَن ركب بلا رئيس ماهر، وإلا رده إلى سفينة النجاة، وهي: التمسك بالشريعة المحمدية في الظاهر، والتحقق بالحقيقة الأصلية. وبالله التوفيق. ثم ذكر انتهاء الطوفان، فقال: [سورة هود (١١) : آية ٤٤] وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) قلت: (بعداً) : منصوب على المصدر، أي: أبعَدوا بعداً. يقول الحق ﷻ : وَقِيلَ أي: قال الله: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ الذي خرج منك، فانفتحت أفواهاً، فرجع إليها ما خرج منها، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي: أمسكي عن الإمطار. رُوي أنها أمطرت من كل موضع، فبقي ما نزل منها بحاراً على وجه الأرض. قال البيضاوي: نوديا بما ينادى به أولو العلم، وأُمرا بما يؤمرون به، تمثيلاً لكمال قدرته، وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما، بالأمر المطاع، الذي يأمر المنقاد لحكمه، المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته، وخشية من أليم عقابه. والبلع: النشف، والإقلاع: الإمساك. هـ. وَغِيضَ الْماءُ نقص ولم ينشف ما خرج منها، وَقُضِيَ الْأَمْرُ: وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين، وإنجاء المؤمنين، وَاسْتَوَتْ: استقرت السفينة عَلَى الْجُودِيِّ جبل بالموصل. وقيل: بالشام. وتقدم أنه

стр. 1122

نزل يوم عاشوراء، فصامه شكراً. وبقي ستة أشهر على الماء. وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ هلاكاً لهم. يقال: بعد، إذا بعد بعداً بعيداً، بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك. وخص بدعاء السوء. والآية- كما ترى- في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال. وإيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه، مستغن عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره للعلم به، فإن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار. قاله البيضاوي. فإن قلت: قد عم الغرق الدنيا كلها، مع أن دعوة نوح ﵇ لم تكن عامة، وقد قال تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «١» ؟ فالجواب: أن الكفر قد كان عم الموجودين في ذلك الزمان، مع تمكنهم من النظر والاستدلال على الصانع وتوحيده، ومع قدرتهم على الإتيان إلى نوح في أمر الشرائع، فقصروا في الجهتين. وأيضاً: لم تكن الأرض كلها معمورة بالناس، فكل من كان موجوداً سمع بدعوة نوح فجحدها. والله تعالى أعلم. وانظر ابن عطية عند قوله: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا توالت على القلب الواردات الإلهية السماوية، والأحوال النفسانية المزعجة، خيف على العقل الاختطاف والاصطلام، فقيل يا أرض النفس ابلعي ماءك واسكني، ويا سماء الواردات أقلعي، وغيض الماء، أي: نقص هيجان الحال، وقضي الأمر بالاعتدال، واستوت سفينة الفكرة على جبل العقل، فحاز الشرف والكمال لكونه برزخاً بين بحرين، يعطي الحقيقة حقها والشريعة حقها، فيعطي كلّ ذي حق حقه، ويُوفي كل ذي قسط قسطه. وقيل: بُعداً لمن تخلف عن هذا المقام، وظلم نفسه بإلقائها في سجن الهوى وغيهب الظلام. والله تعالى أعلم. ولما غرق كنعان مع من غرق، استفهم نوح ﵇ ربه عن الوعد الذي وعده بإنجاء أهله، كما قال تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ٤٥ الى ٤٧] وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧)

стр. 1123

قلت: (وإنَّ وعدك) : عطف على (إن ابني) . و (أنت أحكم) : حال من الكاف. و (إني أعظك) : مفعول من أجله، أي: كراهية أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. يقول الحق ﷻ : وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ بعد تعميم الغرق، أي: أراد النداء بدليل عطف قوله: فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، فإنه هو النداء، أو تكون فصيحة جواباً عن مقدَّر، كأن قائلاً قال: ماذا قال في ندائه؟ فقال: إن ابني من أهلي وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي، وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ لا يتطرقه الخلف، فما باله غرِق؟ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ لأنك أعلمهم وأعدلهم، فلم أعرف وجه حكمك عليه بالغرق. أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم، فلم أفهم حكمة غرقه. قالَ تعالى: يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ لأنه خالفك في الدين، ولا ولاية بين الكافر والمؤمن، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أي: ذو عمل فاسد. جعل ذاته نفس العمل مبالغةً. وقرأ الكسائي ويعقوب: (عَمِلَ) بلفظ الماضي. أي: عمل عملاً فاسداً، استحق به البعد عنك. أو: إنه- أي سؤالك- عملٌ غير صالح. ويقوي هذا قراءة ابن مسعود: «إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم» . وقراءة الجماعة: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أصواب هو أم لا، حتى تقف على كنهه. وإنما سمي نداءه سؤالاً لتضمنه معنى السؤال، بذكر الوعد واستنجازه واستفسار المانع. ثم وعظه بقوله: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أي: إني أعظك كراهة أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، الذين يسألون ما لا يوافق القدر. وقد استثنيته بقولي: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ. وليس فيه وصفه بالجهل، بل وعظه لئلا يقع فيه، والحامل له على السؤال، مع أنه استثنى له غلبة الشفقة على الولد، مع كونه لم يتحقق أنه ممن سبق عليه القول. قالَ نوح: يا رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ في المستقبل ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ما لا علم لي بصحته. وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي ما فرط مني من السؤال، وَتَرْحَمْنِي بالتوبة تفضلاً وإحساناً، وبالتوفيق والعصمة في المستقبل، أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ بسوء أدبي معك. الإشارة: قال الورتجبي: أدَّب نبيه نوحاً ﵇ بأن لا يسأل إلا ما وافق القدر. وكل دعاء لم يوافق مراده تعالى في سابق علمه لم يؤثر في مراد الداعي. وقوله: (إنه عمل غير صالح) أي: ليس عمله على موافقة السنة، ثم وعظه، وقال: (إِنّيَ أَعِظُكِ أَن تَكُونَ من الجاهلين) ، الجاهل: من جهل قدر الله، أي: أنزهك عن سوء الأدب في السؤال، على غير قاعدة مرادك. هـ. وقال في الحكم: «ليس الشأن وجوب الطلب، إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب» .

стр. 1124

ثم أمره بالنزول إلى الأرض من السفينة، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٤٨ الى ٤٩] قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) قلت: «تلك» : مبتدأ. و «من أنباء» : خبر. و «نُوحيها» : خبر ثان، و «ما كنت تعلمها» : خبر ثالث، أو حال من الهاء، أي: حال كونها مجهولة عندك وعند قومك. يقول الحق ﷻ : قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ من السفينة إلى عمارة الأرض بِسَلامٍ مِنَّا، أي: متلبساً بسلامة من المكاره، من جهة حفظنا ورعايتنا. أو مسلماً عليك. وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وزيادات في نسلك حتى تصير آدماً ثانياً. فالبركة هي: الخير النامي. أو: مباركاً عليك، وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ أي: هم الذين معك، أو ناشئة ممن معك، فقد تشعبت الأمم ممن معه من ذريته. والمراد: المؤمنون، بدليل قوله: وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ في الدنيا، ونوسع عليهم فيها، ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة، وهم الكفار ممن نشأ من ذريته. وقيل: هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب، والعذاب: ما نزل بهم في الدنيا. تِلْكَ القصة، أو خبر نوح ﵇، هي مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أي: بعض أخبار الغيب نُوحِيها إِلَيْكَ لا طريق إلى معرفتها إلا الوحي، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا الوقت لولا إيحاؤنا إليك بها، فهي من دلائل نبوتك لأنك لم تغب عنهم، ولم تخالط غيرهم، فتعين أنه من عند الله. فإن كذبوك فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ وأنت أعظمهم. فالعاقبة لك في الدنيا بالنصر والعز، وفي الآخرة بالرفيق الأعلى. أو فاصبر على مشاق التبليغ مع إيذاية قومك، كما صبر نوح ﵇. إن العاقبة للمتقين بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة. الإشارة: يقال للمريد إذا تمكن من الفناء، وارتفعت فكرته عن عالم الأكوان: اهبط إلى مقام البقاء لتقوم بآداب العبودية بعد مشاهدة عظمة الربوبية، انزل إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، لا بقصد متابعة الشهوة والمتعة. اهبط بسلام منا أي: بسلامة من الرجوع أو الشقاء، وبركات عليك وعلى من تبعك. ولذلك قيل: من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء. وأمم قد ضلوا عن متابعتك، سنمتعهم في الدنيا بمتابعة الهوى، ثم يمسهم منا عذاب الحجاب وسوء الحساب. تلك الواردات الإلهيةُ نُوحيها إليك، ما كنت تعلمها أيها العارف من قبل هذا، أنت ولا من تبعك، فاصبر فإن الجمال مقرون بالجلال، والعاقبة للمتقين. والله تعالى أعلم.

стр. 1125

ثم ذكر قصة هود ﵇، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٥٠ الى ٥٢] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لآَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قلت: «أخاهم» : عطف على نوح في قوله: (ولقد أرسلنا نوحاً) ، و (هوداً) : بدل. يقول الحق ﷻ : وَأرسلنا إِلى قبيلة عادٍ أَخاهُمْ هُوداً، قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده، ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يستحق أن يعبد، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ على الله، باتخاذ الأوثان آلهة. يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ: على التبليغ أَجْراً حتى يثقل عليكم، أو تتهموني لأجله، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي خلقني. بهذا خاطب كل رسول قومَه إزاحةً للتهمة، وتمحيصاً للنصيحة، فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع. أَفَلا تَعْقِلُونَ: أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل، والصواب من الخطأ. وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ من الشرك، ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، ثم ارجعوا إليه بطاعته فيما أمر ونهى. أو: ثم توبوا من المعاصي لأن التوبة من الذنوب لا تصح إلا بعد الإيمان، والتطهير من الشرك، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً أي: كثير الدر، أي النزول، وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ: يضاعف قوتكم، ويزدكم فيها. وإنما دعاهم إلى الله، ووعدهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات. وقيل: حبس اللهُ عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم ثلاثين سنة فوعدهم هود ﵇ على الإيمان والتوبة بالأمطار وتضاعف القوة بالتناسل. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: وفي الآية دليل على أن التوبة والاستغفار سبب لنزول المطر. رُوي: أن عاداً كان المطر قد حُبس عنهم ثلاث سنين، فأمرهم بالتوبة والاستغفار، ووعدهم على ذلك بالمطر. هـ. وَلا تَتَوَلَّوْا: ولا تُعرضوا عما أدعوكم إليه، مُجْرِمِينَ مصرين على إجرامكم. الإشارة: في تكرير القصص والأخبار وَعظ وتذكير لأهل الاعتبار، وزيادة إيقان لأهل الاستبصار، وتهديد وتخويف لأهل الإصرار، وحث على المبادرة إلى التوبة والاستغفار. قوله تعالى: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) ، أي: استغفروا ربكم من الشرك الخفي، ثم توبوا إليه من النظر إلى وجودكم، ورؤية أعمالكم، يرسل سحاب
следующие страницы →