ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ أي: ذات شدة وجوع يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي: يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن. أسند الأكل إلى السنين مجازاً تَطْبِيقاً بين المعبر والمعبر به، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي:
مما تخزنون وتخبئُون للزراعة والبذر. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ أي: يغيثهم الله بالفرج من القحط، أو يغاث بالمطر، لكن مصر إنما تسقى من النيل. وَفِيهِ أيضاً يَعْصِرُونَ العنب والزيتون لكثرة الثمار. أو يعصرون الضروع لحلب اللبن لأجل الخصب. وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أوَّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة. والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة. ولعله علم ما في السنة الثامنة من الخصب والرخاء بالوحي، أو بأن انتهاء الجدب لا يكون إلا بالخصب، وبأن سنة الله الجارية أن يوسع على عباده بعد ما ضيّق عليهم، لقوله فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً «١» . والله تعالى أعلم.
الإشارة: الروح في أصل نشأتها علامة داركَةٌ، تكاشف بالأمور قبل وقوعها، إذا غابت عن إحساسها الذي حجبها عن ذلك العلم، ولو كانت من كافر إذا غابت عن حسها بنوم، أو اصطلام عقل. فمن طهرها من دنس الشرك بالتوحيد، وغيبها عن شواغل الحس بالتفرغ والتجريد، رجعت إلى أصلها، وفاضت عليها العلوم التي كانت لها قبل التركيب فى هذا القالب الحسي، علماً وكشفاً. ولا شيء أنفع لها في الرجوع من السهر والجوع. وفى الجوع أسرار كثيرة حسية، ومعنوية، وبسببه جمع الله شمل يوسف بأبيه وإخوته. وبه أيضاً ملَّك اللَّهُ يوسف ونصره ومكنه في الأرض حتى ملك مصر وأهلها. ولذلك قال نبينا- ﵊: «اللهم إعِنِّي عَلَيهم- أي على قريش- بِسبعٍ كَسَبع يُوسفَ» «٢» .
وذكر الغزالي في الإحياء، في أسرار الجوع، أربعين خصلة. وفي بعض الأثر: (إن الله تعالى عذب النفس بأنواع من العذاب، ومع كل عذاب يقول لها: من أنا؟ فتقول هي: ومن أنا؟ حتى عذبها بالجوع، فقالت: أنت ربي سبحانك الواحد القهار) . والممدوح منه هو المتوسط دون إفراط ولا تفريط، كما قال البوصيري:
وَاخْشَ الدَّسَائِسَ مِنْ جُوع ومِنْ شِبعٍ ... فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ
وبالله التوفيق.
стр. 1192
ثم ذكر خروجه من السجن وتمكينه من الملك، فقال:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٥٠ الى ٥٧]
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)
يقول الحق ﷻ : ولما جاء الرسول من عند يوسف بالتعبير، وسمعه الملك، تعجب منه، واستعظم علمه وعقله وقال: لا ينبغي لمثل هذا أن يُسجن، ائْتُونِي بِهِ، فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ليُخرجه، قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ: ما شأنهن حتى قطعن أيديهن، وهل رأين مني ميلاُ إليهن. وإنما تأنى في الخروج، وقدَّم سؤال النسوة، والفحص عن حاله ليظهر براءة ساحته، وليعلم الملك أنه سُجن ظلماً، فلا يقدر الحاسد أن يتوسل به إلى تقبيح أمره. وفيه دليل على أنه ينبغي أن يتقي مواضع التهم، ويجتهد في نفيها، وفي الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَقِفَنَّ مَواقِفَ التُّهَم» .
وفيه دليل على حلمه وصبره، وعدم اهتباله بضيق السجن إذ لم يُجب الداعي ساعة دُعي بعد طول سجنه.
ومن هذا المعنى تواضع معه نبينا ﷺ حيث قال: «لَو لَبِثت في السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِي» «١» . ولم يذكر امرأة العزيز كرماً، ومراعاةً للأدب، ورعياً لذمام زوجها، وستراً لها. بل ذكر النسوة اللاتي قطعن أيديهن.
стр. 1193
ثم قال: إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ حين قلن لِي: أطع مولاتك. وفي عبارته تعظيم لكيدهن، والاستشهاد عليه بعلم الله، وبراءته مما قذف به، والوعيد لهن على كيدهن. ثم جمع الملك النسوة، وكُن ستاً أو سبعاً، مات منهن ثلاث ويوسف في السجن، وبقي أربع ومعهن امرأة العزيز. وقالَ لهن: ما خَطْبُكُنَّ ما شأنكن إِذْ راوَدْتُنَّ أي: حين راودتن يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ، وأسند المراودة إلى جميعهن لأن المَلِك لم يتحقق أن امرأة العزيز هي التي راودته وحدها. قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تنزيهاً لله أن يعجز عن خلق عفيف مثله، أو تنزيهاً ليوسف أن يعصيه لأجل خوف الله. وهذه تبرئة ليوسف ولهن، أو لهن فقط. وتكون تبرئة يوسف في قولهن:
ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ: من ذنب.
قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي: تبين ووضح، أو ثبت واستقر، أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ في قوله: راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي فلما رجع إليه الرسول، وذكر ما قالته النسوة، وما أقرت به امرأة العزيز، قال: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ أي: فعلت ذلك التثبت والتأني في الخروج ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته بِالْغَيْبِ في حال غيبته، أو بظهر الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة، بل تعففت عنها. وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ أي: لا ينفذه ولا يسدده. أو لا يهدي الخائنين لكيدهم. وأوقع الفعل على الكيد مبالغةً. وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها زوجها، وتوكيد لأمانته.
رُوِي عن ابن عباس أنه لما قال: لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال له جبريل ﵇: ولا حين هممت. فقال:
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي لا أنزهها في عموم الأحوال، أو لا أزكيها على الدوام. قاله تواضعاً وإظهاراً للعبودية، وتنبيهاً على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه، ولا العجب بحاله، بل إظهاراً لنعمة العصمة والتوفيق.
ثم قال: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ بحيث إنها مائلة بالطبع إلى الشهوات، فتهُم بها، وتستعمل القوى والجوارح في نيلها في كل الأوقات.، إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي: إلا وقت رحمة ربي بالعصمة والحفظ، أو: إلا ما رحم الله من النفوس فيعصمها من ذلك. وقيل: الاستثناء منقطع، أي: لكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، يغفر ما همت به النفوس، ويرحم من يشاء بالعصمة. أو يغفر للمستغفر ذنبه المعترف على نفسه، ويرحمه بالتقريب بعد تعرضه للإبعاد.
وقيل: إن قوله تعالى: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ إلى هنا، هو من كلام زليخا. والأول أرجح «١» .
стр. 1194
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أي: أجعله خاصتي وخلاصتي، أو أجعله خالصاً لنفسي. قال أولاً: ائْتُونِي بِهِ فقط، فلما تبين له حاله وظهر كماله، قال: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي رُوي أنه لما أراد ان يخرجه أرسل إليه بخلعة يأتى فيها، وكان بين السجن والبلد: أربعة فراسخ، فقال يوسف: لا أخرج من السجن حتى لا يبقى فيه أحد، فأمر الملك بخروج جميع مَن فيه. فلما خرج من السجن اغتسل وتنظف، ولبس ثياباً جدداً، فلما دخل على الملك، قال: اللهم إني أسألك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره. ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسان؟. فقال: لسان آبائي. وكان الملك يعرف سبعين لساناً، فكلمه بها، فأجابه بجميعها، فتعجب منه، فقال: أحب أن أسمع رؤياي، فحكاها، ونعت له البقرات والسنابل وأماكنها، فأجلسه على السرير، وفوض إليه أمره. وهذا معنى قوله تعالى: فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ أي: فلما أتوا به وكلمه وشاهد منه الرشد والدهاء، قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ عندنا مَكِينٌ أي: في مكانه ومنزلة، أَمِينٌ:
مؤتمن على كل شيء، ثم فوض إليه أمر المملكة.
وقيل: توفي قطفير- أي: العزيز- فنَصَّبه منصبه، وزوجه من زليخا بعد أن شاخت، وافتقرت، فدعا الله تعالى فرد عليها جمالها وشبابها، فوجدها عذراء، وولد منها إفرائيم وميشا. ثم قال له الملك: ما ترى نصنع في هذه السنين المخصبة؟.
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ أي: أرض مصر ألى أمرها. والخزائن: كل ما يخزن فيه طعام ومال وغيرهما. إِنِّي حَفِيظٌ لها ممن لا يستحقها، عَلِيمٌ بوجوه التصرف فيها. قال البيضاوي: ولعله ﵇ لما رأى أنه يستعمله في أمره لا محالة، آثر ما تعم فوائده وعوائده، وفيه دليل على جواز طلب التولية، وإظهار أنه مستعد لها، والتولي من يد الكافر، إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به. وعن مجاهد: ان الملك أسلم على يديه. هـ. قلت: وقد تقدم عن الورتجبي ما يدل عليه.
وقال ابن عطية: وطلب يوسف للعمل إنما هو حسبة منه ﵇ لرغبته أن يقع العدل، ونحو هذا هو دخول أبى بكر رضى الله عنه في الخلافة، مع نهيه المستشيرَ له من الأنصار عن أن يتأمَّر على اثنين. فجائز للفاضل أن يعمل ويطلب العمل إذا رأى ألا عوض منه. هـ. وفي «الاكتفاء في أخبار الخلفاء» : أن عمر أراد أبا هريرة على العمل، فامتنع، فقال له: أوليس يوسف خيراً منك، وقد طلب العمل؟ فقال: يوسف نبى بن نبي، وأنا ابن أميمَةَ، فأنا أخاف ثلاثاً واثنين: أن أقول بغير علم، وأقضي بغير عدل، وأن يضرب ظهري، ويشتم عرضي، ويؤخذ مالي. هـ.
стр. 1195
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ أي: ومثل ذلك الصنع الجميل الذي صنعنا بيوسف مكناه فِي الْأَرْضِ أرض مصر، يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ: ينزل من بلادها حيث يريد هو، أو ينزل منها حيث نريد «١» ، نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ في الدنيا والآخرة، وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، بل نوفي أجورهم عاجلاً وآجلاً. ويوسف أفضلهم في زمانه، فمكَّنه الله من أرض مصر، حتى ملكها بأجمعها وذلك أنه لما فوض إليه الملك اجتهد في جمع الطعام وتكثير الزراعات، حتى دخلت السنون المجدبة، وعم القحط مصر والشام، ونواحيهما، وتوجه الناس إليه، فباعهم في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق لهم منها شيء، ثم في السنة الثانية بالحلي والحلل، ثم في السنة الثالثة بأمتعة البيوت، ثم في الرابعة بالدواب، ثم في الخامسة بالرباع والعقار، ثم في السادسة بأولادهم، ثم في السابعة برقابهم حتى استرقهم جميعا، ثم عرض الأمر على الملك فقال: الرأي رأيك. فأعتقهم ورد إليهم أموالهم.
قال تعالى: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ الشرك والفواحش، فهو أحق بالرغبة وأولى بالطلبة. وقال ابن جزي في قوله: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ: الرحمة هنا المراد بها الدنيا، وكذلك الأجر في قوله: وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ بدليل قوله بعد ذلك: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ فأخبر تعالى أن رحمته في الدنيا يصيب بها من يشاء من مؤمن وكافر، وطائع وعاص، وأن المحسنين لا بد من أجرهم في الدنيا. فالأول في المشيئة، والثاني واقع لا محالة. ثم أخبر أن أجر الآخرة خير من ذلك كله لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ، وفيه إشارة إلى أنَّ يوسف ﵇ جمع الله له بين الدنيا والآخرة. هـ.
الإشارة: في الآية ثلاث فوائد: الأولى: مدح التأني في الأمور، ولو كانت جلالية لأنه يدل على كمال العقل والرزانة، وطمأنينة القلب. وذم العجلة لأنها من خفة العقل والطيش، وعدم الصبر والاحتمال. يؤخذ ذلك من تأني يوسف ﵇ في السجن بعد طول مدته. وفي الحديث: «التَأَنِّي مِن اللَّهِ، والعَجَلَةُ من الشَّيطَانِ» «٢» .
الثانية: عدم تزكية النفس، ودوام اتهاما، ولو بلغت من التصفية ما بلغت. وقد تقدّم في قوله تعالى: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْها «٣» ، وقال بعض الصوفية: وكيف يصح لعاقل أن يزكي نفسه والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يقول: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، والنفوس ثلاثة: أمّارة، ولوّامة، ومطمئنة. وزاد بعضهم: اللهامة من قوله تعالى: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها «٤» ..
стр. 1196
الثالثة: تسلية أهل البلاء، إذا صحبهم الإحسان والتقوى، وبشارتهم بالعز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والنصر والتمكين في الأرض بعد الاستضعاف والهوان، يؤخذ ذلك من قوله: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وفي ذلك يقول الشاعر:
وكُلُّ عَبْدٍ أَرَادَ الله عِزَّتَه ... فَهُو َالعَزِيزُ، وعزُّ اللهِ يغْشَاه
قََدْ لاَحَ عِزُّ لَه في الأرْضِ مُنْتَشِرٌ ... فَهُو الحَبِيبُ لِمَنْ نَادَاهُ لبّاهُ
يا حُسْنَهُ ومَتى قَد طَالَ مَطْلَبُه ... تَاجُ البرية والرحمن صفّاه.
ولما أصاب أرض كنعان ما أصاب سائر البلاد، وسمع يعقوب ﵇ بأن ملك مصر يبيع الطعام، أرسل بنيه- غير بنيامين- إلى مصر للميرة، كما قال تعالى:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٥٨ الى ٦٢]
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (٦١) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)
يقول الحق ﷻ : وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ إلى مصر للميرة، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، إنما أنكروه لبعد العهد ولتغير سنه، ولأنهم فارقوه في سن الحداثة، ولتوهمهم أنه هلك، أو لقلة تأملهم في حاله لشدة هيبتهم إياه، أو لأنه كان مُلثّماً. رُوي أنهم دخلوا عليه في قصر مُلكه وهو في هيئة عظيمة من الملك، والتاج على رأسه، فقال لهم بعد أن عرفهم: من أنتم، وما أمركم، وما جاء بكم إلى بلادي، ولعلكم عيون؟
فقالوا: معاذ الله، نحن بنوا أب واحد، وهو شيخ صدِّيق، نبي من الأنبياء، اسمه يعقوب. قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر، فذهب أحدنا إلى البرية، فهلك. فقال: فكم أنتم هاهنا؟ قالوا: عشرة. قال: فأين الحادي عشر؟ قالوا: عند أبيه يتسلّى به عن الهالك، قال: فمن يشهد لكم؟ قالوا: لا يعرفنا هاهنا من يشهد لنا. قال: فَدَعوا عندي بعضكم رهينة، وائتوني بأخ لكم من أبيكم حتى أصدقكم، فاقترعوا فأصابت شمعون. وهذا معنى قوله: وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ أعطاهم ما اشتروا منه من الطعام، وأوقر ركابهم، قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ
وهو: بنيامين
стр. 1197
- بكسر الباء- على وزن إسرائيل، قاله في القاموس. وقيل: كان يوسف ﵇ يعطي لكل نفس حملاً، ولا يزيد عليه، فسألوه حِملاً زائداً لأخيهم من أبيهم فأعطاهم، وشرط عليهم أن يأتوا به ليعلم صدقهم. ثم قال لهم: أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ للأضيافِ. قال لهم ذلك ترغيباً في رجوعهم، وقد كان أحسن ضيافتهم غاية الإحسان.
رُوِي أنه ﵇ نادى صاحب المائدة، وقال له: لا تنزل هؤلاء بدار الغرباء، ولا بدار الأضياف، ولكن أدخلهم داري، وانصب لهم مائدة كما تنصبها لي، واحفظهم وأكرمهم. فسأله عنهم، فلم يجب، فبسط لهم الفرش والوسائد، فلما جن الليل أمر أن توضع بين أيديهم الموائد، والشماع، والمجامر، وهم ينظرون من كوة إلى دار الأضياف، وقد بلغ بهم الجهد، فكانوا يعطونهم قرصة شعير لكل أحد من الغرباء، وهم يرون ما بين أيديهم من الإكرام والطعام، وقد بلغ الحمل من الطعام ألفاً ومائتي دينار. فقال بعضهم لبعض: إن هذا المَلك أكرمنا بكرامة ما أكرم بها أحداً من الغرباء! فقال شمعون: لعل الملك سمع بذكر آبائنا فأكرمنا لأجلهم. وقال آخر: لعله أكرم فقرنا وفاقتنا. ويوسف ﵇ ينظر إليهم من كوة ويسمع كلامهم، ويبكي. ثم قال لولده ميشا: اشدد وسطك بالمنطقة واخدم هؤلاء القوم، فقال له: من هم يا أبت؟ فقال: هم أعمامك يا بني، قال: يا أبت هؤلاء الذين باعوك؟ قال: نعم، باعوني حتى صرت مَلك مصر، ما تقول يا بني، أحسَنُوا أم أساءوا؟ قال: بل أحسَنوا، فما أقول لهم؟ قال: لا تكلمهم، ولا تُفش لهم سراً حتى يأذن الله بذلك، فبقوا في الضيافة ثلاثاً أو أكثر، ثم جهزهم، وأرسلهم، وشرط عليهم أن يأتوا بأخيه بنيامين.
قال لهم: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ. أي: لا تدخلوا دياري ولا تقربوا ساحتي، قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ أي: سنجهد في طلبه منه، وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ذلك، لا نتوانى فيه، وَقالَ لِفِتْيانِهِ لغلمانه الكيالين، وقرأ الأخوان وحفص: لِفِتْيانِهِ، بجمع الكثرة: اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ أي:
ثمنهم الذي اشتروا به، فِي رِحالِهِمْ في أوعيتهم. فامر أن يجعل بضاعة كل واحد في رحله، وكانت نعالاً وأدَمَا. وإنما فعل ذلك يوسف تكرماً وتفضلاً عليهم، وترفقاً أن يأخذ ثمن الطعام منهم، وخوفاً من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به إليه.
لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها أي: لعلهم يعرفون هذه اليد والكرامة في رد البضاعة إليهم، فيرجعون إلينا. فليس الضمير للبضاعة لأن ميز البضاعة لا يعبر عنه بلعل، وإنما المعنى: لعلهم يعرفون لها يداً وتكرمة، ويرون حقها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، أي: لعل معرفتهم بهذه الكرامة تدعوهم إلى الرجوع. وقصد بذلك
стр. 1198
استمالتهم والإحسان إليهم. أو: لعلهم يعرفون البضاعة، ولا يستحلون متاعنا فيرجعون به إلينا، وضعف هذا ابن عطية، فقال: وقيل: قصد يوسف برد البضاعة أن يتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فيرجعوا لدفع الثمن. وهذا ضعيف من وجوه. ثم قال: ولسرورهم بالبضاعة، وقولهم: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا، يكشف أن يوسف لم يقصد هذا، وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم كما تقدم.
الإشارة: قوله: فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، كذلك أهل الخصوصية من أهل مقام الإحسان، يعرفون مقامات أهل الإيمان ومراتبهم، وأهل مقام الإيمان ينكرونهم ولا يعرفون مقامهم، كما قال القائل:
تَرَكْنَا البُحور الزَّخراتِ ورَاءنا ... فَمِن أَينَ يَدْرِِي النَّاسُ أين تَوَجَّهْنَا؟
فكلما علا بالولي المقام خفي عن الأنام، ولا يعرف مراتب الرجال إلا من دخل معهم، وشرب مشربهم، وإلا فهو جاهل بهم. وقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي: كذلك الحق- ﷻ يقول لعبده: ائتني بقلبك، فإن لم تأتني به فلا أقبل طاعتك، ولا تقرب إلى حضرتي. قال النبي ﷺ : «إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلَى صُوَرِكُم ولاَ إلى أَعْمَالِكُمْ، وإنَّمَا يَنظُرُ إلَى قُلوبِكُم ونيَّاتِكُم» . أو كما قال- ﵊.
وقوله تعالى: سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ: كذلك ينبغي للعبد أن يحتال على قلبه حتى يرده إلى ربه وذلك بقطع العلائق، والفرار من الشواغل والعوائق، حتى تشرق عليه أنوار الحقائق.
وقوله تعالى: اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ ... الآية. كذلك ينبغي للواعظ والمذكر أن يبشر الناس، وينمي بضاعتهم، وهو: الإيمان والمحبة لله ومعرفته، ويجعلها في قلوبهم بحسن وعظه، ونور حاله، فيكون ممن ينهض الناس حاله، ويدل على الله مقاله. ولا يقنط الناس ويفلسهم من الإيمان والمحبة، بل ينبغي أن يجمع بين التبشير والتحذير، والترغيب والترهيب، ويغلب جانب الترغيب بذكر إحسان الله وآلائه.. لعلهم يعرفون ذلك إذا انقلبوا إلى أسبابهم، لعلهم يرجعون إلى الله في غالب أحوالهم. وبالله التوفيق.
ثم ذكر رجوعهم من مصر إلى أبيهم، فقال:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٦٣ الى ٦٧]
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)
стр. 1199
قلت: (نكتل) : أصله: نَكْتَيِِل، بوزن نفتعل، من الكيل، قلبت الياء ألفاً لتحرك ما قبلها، ثم حذفت للساكنين.
و (حفظاً) : تمييز، ومن قرأ بالألف فحال، كقوله: لله دره فارساً. أو تمييز، وهو أرجح. و (ما نبغي) : استفهامية، أو نافية. و (نمير أهلنا) : عطف على محذوف، أي: ردت فنستظهر بها ونمير ... الخ. قال في القاموس: مار يَمير بالكسر: جَلَب الطعام. هـ. و (إلا أن يحاط) : استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم.
يقول الحق ﷻ : فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ أي: حكم بمنعه بعد هذا، إن لم نذهب بأخينا بنيامين، فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ أي: نرفع المانع من الكيل، ونكتل ما نحتاج إليه. وقرأ الأخوان بالياء: يكتل لنفسه، فنضم اكتياله إلى اكتيالنا، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من أن يناله مكروه. قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ أي: ما آمَنكم عليه إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ، وقد قلتم في يوسف: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ، فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً «١» فأثق به، وأفوض أمري أليه، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فأرجو أن يرحمني بحفظه، ولا يجمع عليّ مصيبتين.
وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ: أوعيتهم، وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي أي: ما نطلب، فهل من مزيد على هذه الكرامة، أكرمنا وأحسن مثوانا، وباع منا، ورد علينا متاعنا، ولا نطلب وراء ذلك إحساناً.
أو: ما نتعدى في القول، ولا نزيد على ما حكينا لك من إحسانه. أو: ما نبغي على أخينا، ولا نكذب على الملك.
هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا، هو توضيح وبيان لقولهم: ما نَبْغِي، أي: ردت إلينا فنتقوى بها. وَنَمِيرُ أَهْلَنا
стр. 1200
: نسوق لهم الميرة- وهو: الطعام حين نرجع إلى الملك، وَنَحْفَظُ أَخانا من المكاره في ذهابنا وإيابنا.. وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ بزيادة حِمل بعير أخينا، إذ كان يوسف ﵇ لا يعطي إلا كيل بعير لكل واحد.
ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أي: ذلك الطعام الذي أتينا به شيء قليل لا يكفينا حتى نرجع ويزيدنا كيل أخينا. أوْ ذلك الحِمل الذي يزيدنا لبعير أخينا- كيل قليل عنده، يسهل عليه لا يتعاظمه، فلا يمنعنا منه. كأنهم اسْتَقَلَّوا ما كيل لهم فأرادوا أن يضاعفوه بالرجوع إلى الملك، ويزدادوا إليه ما يكال لأخيهم. وقيل: إنه من كلام يعقوب ﵇، والمعنى: أن حمل بعير شيء قليل لا يخاطرَ لمثله بالولد.
قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ لأني رأيت منكم ما رأيت، حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ حتى تعطوني ما أثق به من عهد الله، وتحلفوا ليَ الأيمان الموثقة لَتَأْتُنَّنِي بِهِ في كل حال، إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ إلا أن تغلبوا، ولا تطيقوا الإتيان به. أو: إلا أن تهلكوا جميعاً ويحيط الموت بكم فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ عهدهم وحلفوا له، قالَ أبوهم: اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ من طلب الموثق وإتيان الولد وَكِيلٌ أي: مطلع رقيب، لا يغيب عنه شيء.
ثم وصاهم وَقالَ لهم: يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ. وكانت في ذلك العهد خمساً: باب الشام، وباب المغرب، وباب اليمن، وباب الروم، وباب طَيْلون. فقال لهم: ليدخل كل أخوين من باب، خاف عليهم العين لأنهم أهل جمال وأُبَّهة، مشتهرين في مصر بالقربة والكرامة فإذا دخلوا كبكبة واحدة أصابتهم العين. ولعله لم يوصهم بذلك في المرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين حينئذٍ، وللنفس آثار من العين، وقد قال ﵊: «العَينُ حَقٌّ، تُدخِل الرَّجُلَ القَبرَ والجَمَلَ القِدرَ» «١» .
وكان ﵊ يتعوذ منها، بقوله: «اللهم إنِّي أَعُوذ بك مِن كَلِّ نَفسٍ هَامَّةٍ، وعَينٍ لامّة» «٢» . ويؤخذ من الآية والحديث: التحصن منها قياماً برسم الحكمة. والأمر كله بيد الله. ولذلك قال يعقوب ﵇: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ مما قُضي عليكم بما أشرت به عليكم، والمعنى: أن ذلك لا يدفع من قدر الله شيئاً، فإن الحذر لا يمنع القدر، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ فما حكم به عليكم لا ترده حيلة، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ أي: ما وثقت إلا به، ولا ينبغي أن يثق أحد إلا به. وإنما كرر حرف الجر زيادة في الاختصاص ترغيباً في التوكل على الله والتوثق به.
стр. 1201
الإشارة: رُوي أن إخوة يوسف لما رجعوا عنه صاروا لا ينزلون منزلاً إلا أقبل عليهم أهل ذلك المنزل بالكرامات والضيافات، فقال شمعون: لما قدمنا إلى مصر ما التفت إلينا أحد، فلما رجعنا صار الناس كلهم يكرموننا؟ فقال يهوذا: الآن أثر الملك عليكم، ونور حضرته قد لاح عليكم. هـ. قلت: وكذلك مَن قصد حضرة العارفين لا يرجع إلا محفوفاً بالأنوار، معموراً بالأسرار، مقصوداً بالكرامة والإبرار.
قوله تعالى: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا ... إلخ قال الأستاذ القشيري: المحبة غيورٌ لما كان ليعقوب تَسَلٍّ عن يوسف برؤية بنيامين، أبت المحبة إلا أن تظهر سُلطانها بالكمال، فغارت على بنيامين أن ينظر إليه يعقوب بعين يوسف. هـ. قلت: وكذلك الحق تعالى غيور أن يرى في قلب حبيبه شيئاً غيره، فإذا رأى ذلك أزاله عنه، وفرق بينه وبين ذلك الشيء، حتى لا يُحب شيئاً سوى محبوبه. هذا مما يجده أهل الأذواق في قلوبهم.
وقوله تعالى في وصية يعقوب: لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ، فيه إشارة إلى أن الدخول على الله لا يكون من باب واحد بحيث يلتزم المريد حالة واحدة وطريقة واحدة كالعزلة فقط، أو الخلطة فقط، أو الصمت على الدوام، أو ذكر الاسم على الدوام. بل لا بد من التلوين قبل التمكين وبعده فالعزلة على الدوام: مقام الضعف، والخلطة من غير عزلة بطالة. بل لا يكون عارفاً حتى يعرف الله، ويكون قلبُه معه في العزلة والخلطة، والصمت والكلام، والقبض والبسط، والفقد والوجد، ويترقى من ذكر الاسم إلى الفكرة والنظرة، كما هو مقرر عند أهل الفن.
وقوله تعالى: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ، فيه تهييج على مقام التوكل، وحث على الثقة بالله في جميع الأمور. وفي ذلك يقول الشاعر:
تَوَكَّل على الرَّحمن في كُلِّ حَاجَةٍ ... وَثِق بالله، دَبَّر الخلق أجمعْ
وضَع عَنكَ هَمَّ الرِّزْقِ فالرَّبُّ ضَامِنٌ ... وكفّ عن الْكَونَينِ والخلق أَربع
قوله: «والخلق أربع» : أراد العالم العلوي والسفلي، والدنيا والآخرة. وكلها أكوان مخلوقة يجب كف البصر والبصيرة عن الميل إليها، والوقوف معها. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر رجوعهم إلى مصر، واتصال يوسف بأخيه، وإمساكه عنده إلى أن اتصل بأبيه، فقال:
стр. 1202
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٦٨ الى ٧٦]
وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)
قلت: (ما كان) : جواب «لما» ، و (إلا حاجة) : استثناء منقطع. و (جزاؤه) : مبتدأ، و (من) : شرطية أو موصولة، وخبرها: (فهو جزاؤه) ، والجملة: خبر (جزاء) الأول. أو (جزاؤه) : مبتدأ، و (من) : خبر، على حذف مضاف، أي:
جزاؤه أخذ من وُجد في رحله، وتم الكلام، و (فهو جزاؤه) : جملة مستقلة تقريرية لما قبلها.
يقول الحق ﷻ : وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ أي: من أبواب متفرقة في البلد، ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ أي: ما أغنى عنهم رأي يعقوب واتَّبَاعهم له مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ مما قضى عليهم، فاتُّهموا بالسرقة وظهرت عليهم، فأخذ بنيامين الذي كان الخوف عليه، وتضاعفت المصيبة على يعقوب، إِلَّا حاجَةً: لكن حاجة فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ يعني: شفقته عليهم، وتحرزه من أن يعانوا، قَضاها أظهرها ووصى بها. وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ بالوحي ونصب الدليل. ولذلك قال: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فلم يغتر بتدبيره، ففيه تنزيه ليعقوب عن الوقوف مع الأسباب والعوائد، ورفع إيهام وقوفه مع عالم الحكمة. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ سر القدر، وأنه لا ينفع منه الحذر.
قال ابن عطية: قوله: ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، معناه: مادرأ عنهم قدراً لأنه لو قَُضِي أن تصيبهم عين لأصابتهم، مفترقين أو مجتمعين. وإنما طمع يعقوب ﵇ أن تصادف وصيته القدر في سلامتهم.
стр. 1203
ثم أثنى الله- على يعقوب بأنه لقن مما علمه الله من هذا المعنى، واندرج غيره في ذلك العموم، وقال:
إن أكثر الناس ليس كذلك. هـ.
وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ أي: ضم إليه بنيامين على الطعام، أو في المنزل. رُوي أنه أضافهم، فأجلسهم اثنين اثنين، فبقي بنيامين وحيداً فبكى، وقال: لو كان يوسف حياً لجلس معي، فأجلسه معه على مائدته، ثم قال: لينزل كل اثنين بيتاً، وهذا لا ثاني له فيكون معي، فبات عنده وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد إذاً مثلك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ وعرفه بنفسه، فَلا تَبْتَئِسْ لا تحزن بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في حقنا من الأذى، أو: لا تحزن بما يعمله فتياني، ولا تبالي بما تراه في تحيُّلي في أخذك.
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ، التي هي الصواع، فِي رَحْلِ أَخِيهِ، وهي إناء يشرب بها الملك، ويأكل فيها، وكان من فضة، وقيل: من ذهب. وقيل: كان صاعاً يُكال به. وقصد بجعله في رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه إذ كان شَرْعُ يعقوب أن من سرق استعبده المسروق منه. ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بعد أن انصرفوا: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ، والخطاب لإخوة يوسف، وإنما استحل رميهم بالسرقة مع علمه بانهم أبرياء لِمَا في ذلك من المصلحة في المآل، وبوحي لا محالة، وإرادة من الله تعالى عَنَتُهم بذلك، يقويه قوله تعالى:
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ، ويمكن من أن يكون فيه تورية، وفيها مندوحة عن الكذب، أي: إنكم لسارقون يوسف من أبيه، حين باعوه.
قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ أي: أيُّ شيء ضاع منكم؟ والفقد: غيبة الشيء عن الحس. قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ الذي يكيل به، أو يشرب فيه، وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ كفيل أؤديه إلى من رده. وفيه دليل على جواز الجعل، وضمان الجعل قبل تمام العمل. قاله البيضاوي.
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ فيما مضى، استشهدوا بعلمهم بديانتهم على براءه أنفسهم لما عرفوا منهم من الديانة والأمانة في دخولهم أرضهم، حتى كانوا يجعلون الأكمة في أفواه إبلهم لئلا تنال زرع الناس، قالُوا فَما جَزاؤُهُ أي: السارق، إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ فى ادعاء البراءة. قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ يحبس في سرقته، ويُسْتَرَقّ للمسروق منه، وهذا كان قصد يوسف ﵇، وهي كانت شريعة يعقوب، وكانت أيضاً شريعتنا في أول الإسلام ثم نسخ بالقطع. ثم قالوا: كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ بالسرقة.
стр. 1204
فَبَدَأَ المؤذن أو يوسف لأنهم رُدُّوا إلى مصر، أي: بدأ في التفتيش، بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ بنيامين، تقية للتهمة، ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أي: السقاية، أو الصواع لأنه يُذكر ويُؤنث، مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ أي: مثل ذلك الكيد كِدْنا لِيُوسُفَ أي: علمناه الحيلة بالوحي في أخذ أخيه، ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ملك مصر لأن دينه كان الضرب وتغريم ضعف ما أخذ دون الاسترقاق. إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك. أو: لكن أخذه بمشيئة الله وإرادته. نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بالعلم والعمل، كما رفعنا درجته، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ أرفع درجة منه.
قال البيضاوي: واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته إذ لو كان ذا علم لكان فوقه من هو أعلم منه- أي:
لدخوله تعالى في عموم الآية- والجواب: أن المراد كل ذي علم من الخلق لأن الكلام فيهم، ولأن العليم هو الله تعالى. ومعناه: الذي له العلم البالغ، ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا: فوق كل العلماء عليم، وهو مخصوص. هـ.
قلت: وقد ورد ثبوت العلم له تعالى في آيات وأحاديث. كقوله تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ «١» ، وأُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ «٢» «وإني على عِلمٍ من عِلمِ اللهِ علَّمَنيهِ» «٣» إلى غير ذلك مما هو صريح في الرد عليهم.
الإشارة: يُؤخذ من قوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ: امتثال أمر الأب فيما يأمر وينهى.
ولا فرق بين أب البشرية وأب الروحانية- وهو الشيخ-، فامتثال أمره واجب على المريد، ولو كان فيه حتف أنفه، وأمره مقدم على أمر الأب كما تقدم في سورة النساء. وقد قالوا: أركان التصوف ثلاثة: الاجتماع، والاستماع، والاتباع. وقوله تعالى: ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً ... الخ: فيه الجمع بين مراعاة القدرة والحكمة، فالقدرة تقتضي التفويض إذ لا فعل لغير الله، والحكمة تقتضي الحذر، واستعمال الأسباب لأن الحكمة رداء للقدرة. فالكمال هو الجمع بينهما ستراً لأسرار الربوبية، فالباطن ينظر لتصريف القدرة، والظاهر يستعمل أستار الحكمة.
وقوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ... الآية. هذا من فعل أهل التصريف بالله، المأخوذين عنهم، لا يدخل تحت قواعد الشرع لأن فاعله مفعول به، أو ناظر بنور الله إلى غيب مشيئة الله، كأفعال
стр. 1205
الخضر ﵇. قال الورتجبي: إن الله سبحانه إذا خصَّ نبياً، أو وليا ألبسه صفاته بتدريج الحال ففي كل حالة له يكسوه نوراً من صفته، فمن جملة صفاته: كيد الأزل ومكر الأبد، فكسى علم كيده قلب يوسُفَ، حتى كاد برؤية كيد الله الأزلي، فعرفه فيه اسرار لطف صنائعه، وعلم حقائق أفعاله وقدرته. هـ.
وقوله: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ: أي: بالعلم بالله كالكشف عن أسرار ذاته وأنوار صفاته، والتخلق بمعاني أسمائه، والتحقق بمقامات اليقين، ومنازل السائرين. وهذه درجات المقربين، وليس فوقها إلا درجة الأنبياء والمرسلين. أو بالعلم بأحكام الله وشرائعه كالعلم بأحكام العبادات والعادات، وسائر المعاملات. وهذه درجات عامة أهل اليمين من العلماء الأتقياء والصالحين، ومنتهى درجاتهم هي ابتداء درجات العارفين المقربين، ثم الأنبياء والمرسلين. وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، ومنتهى العلم إلى الله العظيم.
ثم ذكر جوابهم، فقال:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧٧ الى ٧٩]
قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩)
قلت: معنى الشرط والجواب: إن ثبت أن بنيامين يسرق فقد سرق أخ له، أي: سرقته كسرقة اخيه، و (مكاناً) :
تمييز.
يقول الحق ﷻ : قال إخوة يوسف، لما ظهرت السرقة عليهم: إِنْ يَسْرِقْ بنيامين فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ أخوه يوسف مِنْ قَبْلُ، فهذا الأمر إنما صدر من ابْنَي راحيل، لا منا، قصدوا بذلك رفع المضرة عن أنفسهم، ورموا بها يوسف وشقيقه، وهذه السرقة التي رموه بها قيل: كانت ورثت عمته من أبيها منطقة، وكانت تخصُّ يوسف وتحبه، فلما شب، أراد يعقوب انتزاعه منها، فشدت المنطقة على وسطه، ثم اظهرت ضياعَها، ففتَّش عليها، فوجدت مشدودة على وسطه، فصارت أحق به في حكمهم، وقيل: كان لجده من أمه صنم من ذهب، فسرقه وكسره، وألقاه في الجيف. وقيل: كان في البيت عناق أو دجاجة فأعطاها السائل «١» .
стр. 1206
فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ أي: أخفى هذه الإجابة، ولم يكذبهم فيها. أو: الحزازة التي وجد في نفسه من قولهم: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ أي: أسر كراهية مقالتهم. أو: المقالة التي يفسرها قوله: قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً أي: قال في نفسه خفية: أنتم شر مكاناً، أي: انتم أقبح منزلة في السرقة بسرقتكم أخاكم، أو بسوء صنيعكم بما فعلتم معي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ، وقد علم سبحانه أن الأمر ليس كما يصفون، فهو إشارة إلى كذبهم فيما نسبوا إليه من السرقة.
قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً في السن، أو القدر، ذكروا حاله استعطافاً له، وكانوا أعلموه بشدة محبة أبيه فيه، فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ فإن أباه ثكلان، أي: حزين على أخيه الهالك، يستأنس به، إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إلينا، فأتمم إحسانك، أو من المتعودين الإحسان فلا تغير إحسانك. قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ فإنَّ أَخْذَ غيره ظلم، فلا آخذ أحداً مكانه إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ في مذهبكم لأن الله أمرنا باسترقاق السارق فاسترقاق غيره ظلم.
الإشارة: النفس الأمارة من شأنها الانتصار، ودفع النقائص عنها والعار. والنفس المطمئنة من شأنها الاكتفاء بعلم الله، والرضا بما يجري به القضاء من عند الله، فإذا اختلجها شيء من الانتصار أَسَرَّتْه، ولم تخرجه إلى حالة الإظهار.
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه: آداب الفقير المتجرد أربعة أشياء: الحرمة للأكابر، والرحمة للأصاغر، والانتصاف من نفسه، وعدم الانتصار لها. هـ. فالفقير إذا انتصر لنفسه فقد نقض العهد مع ربه، فيجب عليه التوبة. وقالوا: [الصوفي دمه هدر، وعرضه وماله مباح] . يعني: أنه لا ينتصر لنفسه، فكل من آذاه لا يخاف من جانبه فكأنه مباح، مع كونه حراماً بالشريعة، بل هو أشد حرمة من غيره. والله تعالى أعلم.
ثم قال تعالى:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨٠ الى ٨٣]
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)
стр. 1207
قلت: (نجياً) : حال، أي: انفردوا عن الناس مناجين. وإنما أفرده لأنه مصدر، أو بزنته. و (من قبل ما) :
يحتمل أن تكون مزيدة ومصدرية مرفوعة بالابتداء، أي: تفريطكم في يوسف واقع من قبل هذا. قاله ابن جزي.
وفيه نظر فإن الظرف المقطوع لا يقع خبراً، أوْ منصوبة بالعطف على مفعول (تعلموا) ، أي: لم تعلموا أخذ ميثاق أبيكم، وتفريطكم في يوسف قبل هذا.
يقول الحق ﷻ : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا أي: يئسوا مِنْهُ من يوسف أن يجيبهم إلى ما دعوه إليه من أخذ أحدهم مكان أخيهم، خَلَصُوا أي: تخلصوا من الناس، وانفردوا عنهم نَجِيًّا متناجين، يناجى بعضهم بعض: كيف وقع للصاع؟ وكيف يتخلصون من عهد أبيهم؟ ثم فسر تلك المناجاة: قالَ كَبِيرُهُمْ في السن، وهو رُوَيْبيل، أو في الرأي، وهو شمعون، وقيل يهوذا: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ عهداً وثيقاً، وحلفتم له لتأتن بابنه إلا أن يُحاط بكم؟ فكيف تصنعون معه، وَمِنْ قَبْلُ هذا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ واعتذرتم بالأعذار الكاذبة؟ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ فلن أفارق أرض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي في الرجوع، أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي: أو يقضي لي بالخروج منها، أو بتخليص أخي منهم قهراً، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ لأن حكمه لا يكون إلا بالحق.
رُوي أنهم كلموا العزيز في إطلاقه، فقال رويبيل، وقيل: يهوذا: أيها الملك، لتتركن أخانا أو لأصيحن صيحة تضع منها الحوامل، ووقف شعر جسده فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنه الصغير، واسمه نائل: قم إلى جنبه ومُسَّه، فمسه، وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم لا يسكن غضبه إلا إذا مسه أحد من آل يعقوب، فلما مسه ولد يوسف ﵇ سكن غضبه، فقال: من هذا؟ إن في هذا البلد لبذراً من بذر يعقوب.
وقيل: إنهم هموا بالقتال، وقال يهوذا لإخوته: تفرقوا في أسواق مصر، وأنا أصيح صيحة نشق مراريهم، فإذا سمعتم صوتي، فاخربوا يميناً وشمالاً، فلما غضب، وأراد أن يصيح، مسه ولد يوسف فسكن، فلما لم يسمعوا صوته أتوا إليه فوجدوه قد سكن غضبه، فقال: إن هنا بذراً من آل يعقوب.
ثم قال لهم: ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ على ما شهدنا من ظاهر الأمر، وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا بأن رأينا الصاع استُخرج من وعائه. وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أي: ما كنا
стр. 1208
لباطن الأمر حافظين، فلا ندري أسرق، أو أحد دسه في وعائه؟ أو ما كنا حين أعطيناك العهد حافظين للغيب، عالمين بالقدر المغيب، وأنك تصاب به كما أصبت بأخيه. وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وهي القرية التي لحقهم فيها المنادي، أي: أرسل إليهم واسألهم عن القصة إن اتهمتنا. وَسل أيضاً الْعِيرَ: أهل العير، الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها، والعير: جماعة الإبل. وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما أخبرناك به. هذا تمام وصية كبيرهم. فلما رجعوا إلى أبيهم، وقالوا له ما قال لهم كبيرهم،.
قالَ لهم أبوهم: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً أي: زينت لكم أمراً فصنعتموه، وإلا فمن أين يدري الملك أن السارق يُؤخذ في السرقة، إذ ليست بشريعته، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي: فأمري صبر جميل، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً بيوسف وبنيامين، وأخيهما الذي بقي بمصر إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بحالي وحالهم، الْحَكِيمُ في تدبيره. رُوي أن عزرائيل دخل ذات يوم على يعقوب- ﵉ فقال له يعقوب: جئت لقبض روحي، أو لقبض روح أحد من أولادي وأهلي؟. قال: إنما جئت زائراً، فقال له: أقسمت عليك بالله إلا ما أخبرتني، هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا، بل هو حي سَوِيّ، وهو ملك وله خزائن، وجنود وعبيد، وعن قريب يجمع الله شملك به. هـ.
الإشارة: فلما استيأس القلب من الدنيا، والرجوع إليها، وقطع يأسه من حظوظها وهواها، خلصت له المناجاة، وصفت له أنوار المشاهدات، وأنواع المكالمات، والقلب هو كبير الأعضاء وملكها، فيقول لها: ألم تعلموا أن الله قد أخذ عليكم موثقاً ألا تعصوه ولا تُخالفوه، ومن قبل هذا، وهو زمان البطالة، قد فرطتم في عبادته، فلن أبرح أرض العبودية حتى يأذن لي في العروج إلى سماء شهود عظمة الربوبية، أو يحكم لي بالوصال، وهو خير الحاكمين. فإن وقعت من الجوارح هفوة فيقال لها: ارجعوا إلى أبيكم- وهو القلب- فقولوا: إن ابنك سرق، أي: تعدى وأخذ ما ليس له من الهوى فيما ظهر لنا، وما شهدنا إلا بما علمنا، فرب معصية في الظاهر طاعة في الباطن، واسأل البشرية التي كنا فيها والخواطر التي أقبلنا على المعصية فيها، فيقول القلب: بل زينت لكم أنفسكم أمر الهوى، فدواؤكم الصبر الجميل، والتوبة للعظيم الجليل، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً، فنصرفهم في طاعة الله ومرضاته. والله تعالى أعلم بأسرار حِكَم كتابه، فعلم الإشارة يقبل مثل هذا وأكثر. وإياك والانتقاد فقد قالوا في باب الإشارة أرق من هذا وأغرب. وبالله التوفيق.
стр. 1209
ثم قال تعالى:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨٤ الى ٨٧]
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧)
قلت: يا أسفي، ويا ويلتي، ويا حسرتي، مما عوض فيه الألف عن ياء المتكلم. والأسف: أشد الحزن. وقيل: شدة الحسرة. و (كظيم) : إما بمعنى مفعول، كقوله: (وهو مكظوم) أي: فهو مملوء غيظاً على أولاده، ممسك له في قلبه، تقول: كظم السقاء إذا شد على ملئِه. أو بمعنى فاعل كقوله: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ «١» من كظم البعير جِرَّتَهُ إذا ردها في جوفه. و (تفتأ) : من النواقص اللازم للنفي، وحذفه هنا لعدم الإلباس لأنه لو كان مثبتاً لأكد باللام والنون. والحرض: المريض المشرف على الهلاك، وهو في الأصل مصدر، ولذلك لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. والبث: أشد الحزن.
يقول الحق ﷻ : وَتَوَلَّى يعقوب عن أولاده، أي: أعرض عَنْهُمْ لما لم يصدقهم، كراهةً إما صادف منهم، ورجع إلى تأسفه وَقالَ يا أَسَفى أي: يا شدة حزني عَلى يُوسُفَ. وإنما تأسف على يوسف دون أخويه لأن محبته كانت أشد لإفراط محبته فيه، ولأن مصيبته سبقت عليهما. وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ من كثرة البكاء مِنَ الْحُزْنِ، كأَنَّ العَبْرَةَ محقت سوادها، وقيل: ضعف بصره، وقيل: عمي. وقد رُوي أنه:
«حَزِنَ يعقُوب حُزْن سبعين ثَكْلَى، وأُعطِي أَجر مائَة شَهيدٍ، وما ساءَ ظَنّه بالله قَطّ» .
وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع. ولعل أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف، فإنه قلَّ من يملك نفسه عند الشدائد، وقد بكى رسول الله ﷺ وقال: «القلْبُ يَحْزَنُ، والعَيْنُ تَدمَعُ، ولا نَقُولُ إلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا، وإنَّا على فِراقِكَ يا إبراهِيمُ لَمَحْزُونون» .
فَهُوَ كَظِيمٌ أي: مملوء غيظاً على أولاده لما فعلوا. أو كاظم غيظه، ماسك له، لم يظهر منه شيئاً، ولم يشك لأحد.
стр. 1210
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا: لا تزال تَذْكُرُ يُوسُفَ تفجعاً عليه، حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً: مشرفاً على الهلاك، أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ: من الميتين. الَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي
أي: شدة همي حُزْنِي
الذي لاصبر عليه، لَى اللَّهِ
لا إلى أحد منكم ولا غيركم فَخَلّوني وشِكَايتي، فلست مِمَّن يجزع ويَضْجَر فيستحق التعنيف، وإنما أشكو إلى الله، ولا تعنيف فيه لأن فيه إظهار الفقر، والعجز بين يديه، وهو محمود. أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
أي: أعلم من لطف الله ورأفته ورحمته، ما يوجب حسن ظني وقوة رجائي، وأنه لا يخيب دعائي، ما لا تعلمون. أو: وأعلم من طريق الوحي من حياة يوسف ما لا تعلمون لأنه رأى ملك الموت فأخبره بحياته، كما تقدم. وقيل: علم من رؤيا يوسف أنه لا يموت حتى تخر له إخوته سُجّداً.
يا بَنِيَّ اذْهَبُوا إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم، فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ أي: تعرفوا من خبرهما، وتفحَّصوا عن حالهما. والتحسس: طلب الشيء بالحواس. وإنما لم يذكر الولد الثالث لأنه بقي هناك اختياراً، وفي ذكر يوسف دليل على أنه كان عالماً بحياته. وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ: لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه، أو من رحمته، وقرىء بضم الراء، أي: من رحمته التي يحيي بها العباد، أي: ولا تيأسوا من حي معه روح الله فكل من بقي روحه يرْجى، أي: ويوسف عندي، فمن معه روح الله فلا تيأسوا من رجوعه. إِنَّهُ أي:
الشأن لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ بالله وصفاته لأن العارف لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال. وإنما جعل اليأس من صفة الكافر لأن سببه تكذيبٌ بالربوبية، أو جهل بصفة الله وقدرته، والجهل بالصفة جهل بالموصوف، فالإياس من رحمة الله كفر.
وأما حديث الرجل الذي قال: (إذا متُّ فاحرقوني، ثم اذْروني في البحر والبر في يوم رائح، فلئِنِ قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحد من الناس) ، حسبما في الصحيح «١» ، فليس فيه اليأس ولا تعجيز القدرة، لكن لما غلبه الخوف المفرط لم يتأمل ولم يضبط حاله إما لحقه من الخوف وغمره من الدهش والخشية، دون عقد ولا إصرار على نفي الرحمة واليأس منها. ويدل على ذلك قوله: (لما قال له الرب- تعالى-: ما حملك على هذا؟ قال:
مخافتك، فغفر له) . ولم يقل اليأس من رحمتك. انظر المحشي الفاسي.
الإشارة: لم يتأسف يعقوب ﵇ على فقد صورة يوسف الحسية، إنما تأسف على فقد ما كان يشاهد فيه من جمال الحق وبهائه، في تجلي يوسف وحسن طلعته البهية، وفي ذلك يقول ابن الفارض:
عَينِي لِغَيرِ جَمَالِكُمُ لاَ تَنْظُرُ ... وسِوَاكمُ فِي خَاطِري لا يخطر
стр. 1211
فلما فقد ذلك التجلي الجمالي حزن عليه، وإلا فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- أولى بالغنى بالله عما سواه.
فإذا حصل للقلب الغنى بالله لم يتأسف على شيء، ولم يحزن على شيء لأنه حاز كل شيء، ولم يفته شيء.
«ماذا فقد من وجده، وما الذي وجد من فقده» . ولله در القائل:
أَنَا الفَقِيرُ إِليْكُمُ والْغَنِيُّ بِكُمُ ... وَلَيْس لِي بَعدَكُمُ حِرْصٌ عَلى أَحدِ
وهذا أمر محقق، مذوق عند العارفين أهل الغنى بالله. وقوله: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) : فيه رفع الهمة عن الخلق، والاكتفاء بالملك الحق، وعدم الشكوى فيما ينزل إلى الخلق.. وهو ركن من أركان طريق التصوف، بل هو عين التصوف. وبالله التوفيق.
ثم ذهبوا إلى مصر كما أمرهم أبوهم، قال تعالى:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨٨ الى ٩٢]
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)
قلت: (من يتق ويصبر) : من قرأ بالياء: أجرى الموصول مجرى الشرط لعمومه وإبهامه، فعطف على صلته بالجزم، ومنه قول الشاعر:
كذَلِكَ الذي يَبْغي عَلَى النَّاسِِ ظَالِماً ... تُصْبه عَلَى رغمِ عَوَاقِبُ مَا صَنَعْ
يقول الحق ﷻ : فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ على يوسف حين رجعوا إليه مرة ثالثة، قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ شدة الجوع، وَجِئْنا إليك بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ: رديئة، أو قليلة، أو ناقصة، تدفع
стр. 1212
وترد، من أزجيته، دفعته. ومنه: يُزْجِي سَحاباً «١» قيل: كانت دراهم زيوفاً وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء.
وقيل: سَويق المُقْل أي: الدوم. وقيل: عروضاً. فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ: أتممه لنا، وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا بالمسامحة، وقبول المزجاة، أو بالزيادة على ثمننا. وهذا يقتضي أن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء قبل نبينا ﷺ ، وهو خلاف المشهور. أو برد أخينا، إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ أحسن الجزاء. والتصدق: التفضل مطلقاً، ومنه قوله ﷺ في القصر: «هذهِ صَدَقةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ عَلَيكُمْ بها، فاقبلوا صدقته» «٢» .
رُوي أن يعقوب ﵇ لما أرسلهم المرة الثالثة ليتحسسوا أخبار يوسف وأخيه، أرسل معهم كتاباً ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر، ولو عرفت اسمك لذكرتك في كتابي هذا، يا من أعتز بعز الله، فالله يُعِزُ من يشاء ويُذل من يشاء، وإني أيها العزيز قد اشمأز قلبي، وقطع الحزن أوصالي، وإني ناهٍ إلى الإقراح، دائم البكاء والصياح، وإني من نطفة آباء كرام، فكيف يتولد اللصوص مني وأنا من الخصوص! وقد أخبرت أنك وضعت الصَّاع بالليل في رحل ولدي الأصغر، وإني حزين عليه كما كنتُ حزيناً على أخيه الفقيد، حزناً دائماً سرمداً شديداً. وإن كنت أفجعتنى فى الآخر، فإن قلبي لا محالة طائر. ثم ختمه بالسلام.
فلما دفعوه ليوسف قرأه، وبكى بكاء شديداً، ثم دفعه لأخيه بنيامين فقرأه وبكى أيضاً. ثم نزل عن سريره، ثم دفع لهم الكتاب الذي كانوا كتبوه لمالك بن ذعْر لما باعوه بخطوط شهادتهم، كان أخذه من مالك حين باعه. فلما قرأوه تغيرت ألوانهم وتضعضعت أركانهم، وبُهتوا، فقال لهم: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ من إيذاء يوسف، وتفريقه من أبيه، ومضرة أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، أي: هل علمتم قبحة فتبتم منه؟
قاله نصحاً وتحريضاً لهم على التوبة. إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ أي: فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين قُبح ذلك. وإنما سماهم جاهلين لأن فعلهم حينئذٍ فعل الجهال، أو لأنهم حينئذٍ كانوا صبياناً طياشين، فعرفوه حينئذٍ على ظن، فقالوا: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ؟ بالاستفهام التقريري. وقرأ ابن كثير على الإيجاب. قيل: عرفوه بذوائبه وشمائله حين نزل إليهم وكلمهم. وقيل: تبسم فعرفوه بثناياه. وقيل: رفع التاج عن رأسه فعرفوه بِشَامةٍ كانت في رأسه بيضاء، وكانت لسارة ويعقوب مثلها.
قالَ لهم: أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي من أبي وأمي. ذكره تعريفاً لنفسه به، وتفخيماً لشأنه، وإدخالاً له في المنة بقوله: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالسلامة والكرامة والعز، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ الله وَيَصْبِرْ على بلواه، وعلى طاعته وتقواه فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وضع المحسنين موضع المضمر تنبيهاً على أن المحسن جمع بين الصبر والتقوى. فمن اتقى الله وصبر فهو محسن..
стр. 1213
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا بحسن الصورة وكمال السيرة، أو فضلك علينا رغماً على أنفنا، وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ أي: والحال أن شأننا أنَّا كنا مذنبين فيما فعلنا معك. قالَ لا تَثْرِيبَ: لا عتاب عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ أي: لا عقوبة عليكم في هذا اليوم. ثم دعا لهم فقال: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، فيوقف على اليوم. وقيل: يتعلق بيغفر، فيوقف على ما قبله، وهو بعيد لأنه تحكم على الله، وإنما يصلح أن يكون دعاء، إذ هو الذي يليق بآداب الأنبياء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، ثم دعا الله أن يغفر لهم الله حقه. قاله ابن جزي، وصدر به البيضاوي. وبه تعلم ضعف وقف الهبطي. ثم قال في تمام دعائه: وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فإنه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب.
قال البيضاوي: ومن كرم يوسف ﵇ أنهم لما عرفوه أرسلوا له، وقالوا: إنك تدعوننا بالبكرة والعشي إلى الطعام، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال لهم: إن أهل مصر كانوا ينظرون إليَّ بالعين الأولى، ويقولون:
سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شَرُفْت بكم، وعظمت في أعينهم حيث إنكم إخوتي، وإني من حفدة إبراهيم ﵇. هـ.
الإشارة: من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار، فليدخل من باب الذل والانكسار. وفي الحكم: «ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار» . فإذا قرعت الباب، ورمت الدخول مع الأحباب، فقل بلسان التضرع والانكسار: يا أيها العزيز الغفار مسنا الضر، وهو البعد والغفلة، وجئنا ببضاعة مزجاة عمل مدخول، وقلب معلول، فأوْفِ لنا ما أملناه من الجزاء المأمول، وتفضل علينا بالقبول والوصول، وقل: اليوم نغفر لكم ونغطي مساوءكم، ونوصلكم بما مني إليكم من الإحسان، لا بما منكم إلينا من الطاعة والإذعان. هؤلاء إخوة يوسف لما أظهروا فاقتهم، واستقلوا بضاعتهم، وأحضروا شكايتهم، سمح لهم وقربهم، وكشف لهم عن وجهه الجميل، ومنحهم العطاء الجزيل، فما ظنك بالرب العظيم الجليل، الذي هو أرحم الراحمين، ومحل أمل القاصدين.
ثم أمرهم بالرجوع إلى أبيهم، والإتيان به وبمن معه من أولادهم، فقال:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٣ الى ٩٨]
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧)
قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)
стр. 1214
قلت: جواب (لولا) : محذوف، أي: لولا أن تفندون لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني.
يقول الحق ﷻ : قال يوسف لإخوته لما عرفوه، وأزال ما بينه وبينهم من الوحشة، وقد أخذ قميصه:
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا، رُوي أن هذا القميص كان لإبراهيم الذي لبسه حين كان في النار، وقيل: ألبسه له جبريل حين خرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب، ثم كان دفعه ليوسف، فكان عنده في حِفَاظ من قصب، وكان في عنقه في الجب، وأمره جبريل بإرساله، وقال: إن فيه ريح الجنة، لا يلقى على مبتلى إلا عوفى. قال ابن عطية: وهذا كله يحتاج إلى سند، والظاهر: إنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل أحد. وبهذا تتبين الغرابة في أن وجد يعقوبُ ريحة من بُعدٍ، ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ويجده كل أحد. هـ.
قلت: وما قاله لا ينهض لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى على حاله دائماً لأنه من أسرار الغيب، بل لا يجده إلا أهل الذَّوْق من أهل القرب، كنور الحجر الأسود، وغيره مما نزل من الجنة. والله تعالى أعلم.
ثم قال لهم اذهبوا به: فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً أي: يرجع بصيراً، علم ذلك بوحي، أو تجربة من القميص، وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ نسائكم وذارريكم وأموالكم.
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ من مصر، وخرجت من عمارتها، قالَ أَبُوهُمْ لمن حضره: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ أوجده الله، ريح ما عَبَق من قميصه حين أقبل إليه به يهوذا من ثمانين فرسخاً لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس، ويوسف بمصر، لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ تنسبوني إلى الفِند، وهو: نُقصان عَقْلِ يحدث من هِرَم. ولذلك لا يقال عجوز مفندة لأن نقصان عقلها ذاتي. أي: لولا أن تحمِّقوني لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني في ذلك، أو لولا أن تلوموني، وتردوا عليّ قولي لقلت إنه ريح يوسف. قالُوا أي: الحاضرون: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ أي: إنك لفي خطئك القديم بالإفراط في محبة يوسف، وإكثار ذكره، وتوقع لقائه.
стр. 1215
فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أي: المبشر، وهو: يهوذا. رُوي أنه قال: كنتُ أحزنْتُه بِحَمل قميصه المُلَطَّخ بالدم إليه، اليوم أفرحُه بحمل هذا إليه. وفي رواية عنه قال: إني ذهبت إليه بقميص التَّرْحَة، فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة. فلما وصل إليه أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ طرح البشيرُ القميصَ على وجه يعقوب، أو: القاه يعقوبُ بنفسه على وجهه، فَارْتَدَّ بَصِيراً بقدرة الله وبركة القميص. قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من حياة يوسف، وإنزال الفرج.
قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ، وقد اعترفنا بذنوبنا، وسألنا المغفرة. قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، أخره إلى السَّحَر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحرياً لوقت الإجابة، أو إلى أن يتحلّل لهم من يوسف، فإن عفو المظلوم شرط في المغفرة، ويؤيده ما رُوي أنه لما اجتمع به، وتحلل منه، استقبل يعقوبُ القبلة قائماً يدعو، ويوسفُ خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلةً خاشعين، حتى نزل جبريل وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في أولادك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. وهو، إن صح، دليل نبوتهم، وأن ما صدر منهم كان قبل نبوتهم، قاله البيضاوي.
الإشارة: اعلم أن الحق- ﷻ جعل للبشرية عَيْنَين حسيين، تبصر بهما الحسيات، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني. فالأول: يسمى البصر، والثاني: البصيرة. فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة، والأخرى تبصر أسرار الحقيقة. وقد يغشى القلب ظلمةُ الكفر، فتغطيهما معاً، وهو: عمى البصيرة. وقد يغشاه ظلمة المعاصي، واتباع الحظوظ والهوى، فتعمى عين الحقيقة، وتضعف عين الشريعة، ودواؤهما: إلقاء قميص المعرفة على وجه عين الحقيقة، وجلباب العصمة على عين الشريعة، فيرجع القلب بصيراً. ولا بد من صُحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص، ويقول: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه بصيرتكم، تأتي بصيرة عارفة، فإذا قرب منها هذا القميص هبَّ عليها نسيم الوصال، وهاج عليها الوجدُ والحالُ. وأنشدت بلسان المقال:
سُوَيْداء قََلْبِي أَصْبَحَت حَرماً لَكُم ... تَطُوفُ بها الأسرارُ من عَالَم اللُّطف
وسائلُ ما بينَ المُحبِّين أَصْبَحَتْ ... تَجِلُّ عن التَّعْرِيفِ والرَّسم والعُرْفِ
رَسَائِل جَاءَتْنا بِِرُؤْيَا جَنَابِكُمْ ... عَوارِِفُ عُرف فَاقَ كُلَّ شّذا عرف
стр. 1216
ثم ذكر دخول يعقوب مصر، وجمع شمله بيوسف- ﵉، فقال:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٩ الى ١٠٠]
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)
يقول الحق ﷻ : فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ. قبل هذا الكلام محذوفات، وهي:
فرحل يعقوب بأهله حتى بلغوا إليه، ولما دخلوا على يوسف.... الخ.
رُوي إن يوسف ﵇ وجه إليه رواحل وأموالاً ليتجهز إليه بمن معه، وأرسل إليه مائة وثمانين كسوة من رفيع الثياب والعمائم لإخوته، وقميصان مُذَهبان للإناث، فلما وصلت إلى يعقوب لبس، وألبس أولاده، وركبوا المراكب، وخرجوا من أرض كنعان يريدون مصر، فلما قربوا، أًمَرَ يوسف ﵇ العساكر أن تخرج معه للقائهم، فأول من لقيهم ثلاثون ألف فارس، كلهم يسجدون بين يدي يعقوب، وهو يتعجب من عظم تلك الأجناد، ويضحك من نصر الله تعالى، وعزه لابنه. ثم لقيهم البغال، والجواري لنساء إخوته وأولادهم. ثم لقيهم أربعون ألف شيخ من الوزراء والكبراء. ثم استقبلهم يوسف ﵇ مترجلاً ماشياً على قدميه، متواضعاً لأبيه، في مائة ألف، كلهم على أرجلهم، معهم الملك «ريَّان» ثم سلم يوسف ﵇ والملك على أبيه، ثم اقبلا يبكيان، وبكى إخوته وضج الناس بالبكاء، ثم ضم إليه أبويه، وقيل: أباه وخالته، وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، ثم حُمل يعقوب ﵇ في هودج من الذهب، ويوسف ﵇، وإخوته يمشون بين يديه مترجلين حتى دخلوا مصر، ثم أتوا إلى قصر مملكته.
قال ابن عباس: فجلس يوسف ﵇ على سريره، وأبوه عن يمينه، وخالته عن شماله، وإخوته بين يديه، فخروا له سجداً لأنها كانت عادتهم في ذلك الزمان- يعني تحيتهم على الملوك- رُوي أنهم قالوا في سجودهم:
سبحان مؤلف الشتات بعد الإياس، سبحان كاشف الضر بعد البأس. فقال يوسف لأبيه: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ ... الخ- هكذا ذكر القصة صاحب الزهر الأنيق في قصة يوسف الصديق. وهذا معنى قوله: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ بلده ومملكته آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ أي: اعتنقهما، وسلم عليهما، وضمهما إليه. قيل: الأبوين حقيقة. وقيل: أباه وخالته. ونزَّل الخالة منزلة الأم تنزيلَ العم منزلة الأب في
стр. 1217
قوله: نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ «١» ،.
وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ من القحط وأصناف المكاره. والمشيئة متعلقة بالدخول المكيَّف بتلك الهيئة لا بالأمن. وقال ابن جزي: راجعة إلى الأمن. قال البيضاوي: وكان أولاد يعقوب الذين دخلوا مصر اثنين وسبعين رجلاً، وامرأة، وكانوا حين خرجوا مع موسى ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وتسعين رجلاً سوى الذرية، والهرمى. هـ.
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ، أي: حين دخلوا قصر مملكته، وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً تحية وتكرمة فإن السجود كان عندهم يجري مجرى التحية. وقيل: معناه: خروا لأجله سجداً لله شكراً. وقول البيضاوي: الرفع مؤخر عن الخرور، فيه نظر لما تقدم عن صاحب الزهر الأنيق، ولا داعي إلى الخروج عن الظاهر إلا بنص صريح.
قال ابن عطية: واختلف في هذا السجود فقيل: كان المعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه، مما كان سيرة تحيتهم للملوك في ذلك الزمان. وأجمع المفسرون أن ذلك السجود، كيفما كان، إنما كان تحيةً لا عبادة.
قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. ثم قال: قال أبو عمرو الشيباني: تقدم يوسُفُ يعقوب ﵇ في المشي في بعض تلك المواطن، فهبط جبريل فقال: أتتقدَّم أباك؟ إن عقوبتك لذلك ألا يخرج من نسلك نبي. هـ. قال المحشي الفاسي: وما أظن لهذا صحة، وقد كان من ذريته «يوشع بن نون» ﵇، ويوسف المذكور في سورة الطَّوْل «٢» على قول. وفي البيضاوي: وكان عمر يوسف مائة وعشرين سنة، وقد ولد له من راعيل: إفرائيم وميشا، وهو جد يوشع بن نون ورحمة امرأة أيوب. هـ. قلت: المذكور فى قصة أيوب أن زوجه رحمة إنما كانت ابنة إفرائيم بن يوشع لابنته.
ثم قال: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ التي رأيتها أيام الصبا، وهي: رؤيا أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون لي، قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا: صدقاً. وكان بين رؤياه وبين صدق تأويلها ثمانون عاماً، وقيل:
أربعون، وهو الأصح. وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ، ولم يذكر الجب لئلا يخجل إخوته، ولأنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، فالنعمة هذا أوضح. وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ: من البادية لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو، فعد عليهم من النعم انتقالهم للحاضرة لأنها محل الراحة. مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي: أفسد بيننا وحرش، من نَزَغَ الدابة إذا نخسها. إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ
стр. 1218
أي: لطيف التدبير لما يشاء من الأمور إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته، ويتسهل دونها، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بوجوه المصالح والتدابير، الْحَكِيمُ الذي يفعل كل شيء في وقته، على وجه تقتضيه الحكمة.
رُوي أن يوسف ﵇ طاف بأبيه- ﵉ في خزائنه، فلما أدخله خزانة القرطاس، قال: يا بني، ما أغفلك، عندك هذه القراطيس وما كتبت لي على ثماني مراحل، قال: أمرني جبريل، قال: أو ما تسأله؟ قال:
أنت أبسط مني، سله، فقال جبريل: أمرني ربي بذلك لقولك: (إني أخاف أن يأكله الذئب) ، فهلا خفتني. هـ.
قاله البيضاوي. وزاد في القوت: لِمَ خفت عليه الذئب ولم ترجني؟ ولِمَ نظرت إلى غفلة إخوته، ولم تنظر إلى حفظي له؟ فهذا على معنى قول يوسف ﵇ للساقي: (اذكرني عند ربك) ، فهذا مما يعتب على الخصوص من خفي سكونهم، ولمح نظرهم إلى ما سوى الله . هـ.
الإشارة: ما أحلى الوصال، بعد الفراق، وما ألذ شهود الحبيب على الاشتياق، فبقدر طول البين يعظم قدر الوصول، وبقدر حمل مشاق الطلب يظفر بالمأمول. فجدّ أيها العبد في طلب مولاك، وغبَ في سيرك إليه عن حظوظك وهواك، تظفر بالوصْل الدائم في عزك وعُلاك، وتتصل بكل ما كنت تأمله من مطالبك ومنُاك. وأنشدوا:
وإنِ امْرُؤ أَمْسَى بِقُرْبِك نَازِلاً ... فَأَهْلاً بِه، حَازَ الفَضَائِلَ كُلّها
وألبسته حُلْيَ المحاسِن فاكْتَسَى ... حُلَلَ الرضَا فازْدَادَ قُرْبا ما انْتَهَى
وبالله التوفيق.
ثم إن يوسف ﵇ لما تمكن من الملك الفاني، اشتاق إلى الملك الباقي، فقال:
[سورة يوسف (١٢) : آية ١٠١]
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)
قلت: (فاطر) : نعت المنادي، أو منادى بنفسه.
يقول الحق ﷻ ، حاكيا عن يوسف ﵇: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ أي: من بعض الملك، وهو ملك مصر، وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ الكتب المتقدمة، أو تأويل الرؤيا. و «من» : للتبعيض فيهما إذ لم يعط ملك الدنيا كلها، ولا أحاط بالعلم كله. فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: مبدعهما ومنشئهما، أَنْتَ وَلِيِّي فِي
стр. 1219
الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
: أنت ناصري ومتولي أمري في الدارين، تَوَفَّنِي مُسْلِماً: اقبضنى مسلما، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ من آبائي، أو جماعة الصالحين في الرتبة والكرامة، أو بالصالحين لحضرة قدسك.
رُوي أن يعقوب ﵇ أقام معه أربعاً وعشرين سنة، ثم توفي، فنقله يوسف ﵇ إلى الشام ليُدفن مع أبويه.
هكذا ذكر بعض المفسرين. وقال في الزهر الأنيق: بقي يعقوب ﵇ بمصر أربعين سنة في أطيب وقت، وأكمل عافية، ثم أوحى الله إلى جبريل: أن انزل إلى يعقوب، وقل له: يرحل إلى الأرض المقدسة، عند قبور آبائه، يجاورهم حتى أُلحِقَه بهم. فنادى يعقوب ﵇ يوسفَ وأولاده، وقال لهم: قد أمرني ربي بمجاورة أبي ليقبض روحي هناك، ثم ودَّعهم، وخرج إلى الأرض المقدسة، فزار قبور آبائه فبكى، فرأى في المنام إبراهيم على كرسي، وإسماعيل عن يمينه، وإسحق عن يساره، وهم يقولون: ألْحق بنا يا يعقوب، فانتبه، ثم قام فوجد قبراً محفوراً تخرج منه رائحة المسك، فقال: لمن هذا؟ قال له مَلَكٌ عنده: هو لمن يتمنى سكناه، فقال: أنا، فقبض روحه ملكُ الموت، ثم نزل جبريلُ وميكائيلُ- ﵉ وكفناه، وصليا عليه، ودفناه.
قال كعب الأحبار: توفي يعقوب وهو ابن مائتي سنة، ولما وصل نعيُه يوسفَ بكى، وبكى معه إخوته. هـ.
«قلت» : ظاهره أنهم لم يحضروا موته، وهو خلاف قوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ «١» ، إلا أن يؤول بمعنى: قرب، فتكون وصيته وقعت حين أراد الرجوع إلى الشام، وهو خلاف الظاهر.
ثم أن يوسف تاقت نفسه إلى الملك المخلد، فتمنى الموت، فقال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ... الخ. رُوي أنه عاش بعد قوله هذا مدة، ثم ماتت زليخا، ولم يتزوج بعدها، وعاش بعدها أربعين يوماً، ثم اشتاق إلى اللقاء واللحوق بآبائه، فتوفاه الله طيَّباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر في مدفنه، حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مَرمَر- أي: رخام- فيدفنوه في النيل بحيث يمر عليه الماء، ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرْعاً فيه.
وفي رواية: أنهم دفنوه على ضفة النيل فخصبت وجدبت الأخرى فنقلوه للأخرى فخصبت وجدبت الأولى، فجعلوه في صندوق، ودفنوه في النيل فاخضرت الجهتان، ثم نقله موسى ﵇ إلى مدفن آبائه. وكان عمره:
مائة وعشرين سنة، وقد تقدم ذكر أولاده الثلاثة: إفرائيم، وميشا، ورحمة امرأة أيوب، وتقدم البحث فيها، وذكر في الزهر الأنيق أنه ولد له من زليخا عشرة أولاد، فانظره. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إذا كان العبد في زيادة من الأعمال، وفي الترقي إلى مقامات الكمال، فلا بأس أن يتمنى البقاء في هذه الدار لزيادة الزاد إلى دار القرار، وإذا كان في نقصان من الأعمال، أو خاف النقصان بعد الكمال، فلا بأس بطلب الرحيل والانتقال كما طلبه الصَّديق ﵇ بعد الملك التام. وكما فعل عمر رضى الله عنه حين انتشرت
стр. 1220
رعيته، وخاف التقصير في سيرته. وقد تقدّم في سورة البقرة تفصيل ذلك، ولقد أحسن الشاعر في التحذير، من الاغترار بزخرف هذه الدار، فقال:
هُو الحِمَامُ فلا تُبْعِدْ زِيَارَتَه ... ولا تَقُلْ: لَيْتَني منه على حَذَرِ
يَا وَيحْ مَن غَرَّه دَهْرٌ فَسُرَّ به ... لَم يَخْلُص الصَّفْوُ إلا شِيبَ بالكَدَرِ
انْظُر لِمَنْ باد تنْظُرْ آية عَجَباً ... وعِبْرَةً لأُولِي الأبصَارِ والبَصَرِ
بَادُوا فعَادُوا حَديثاً، إنَّ ذَا عَجَبٌ ... ما أَوْضَحَ الرُّشْدَ لولا غَفلَةُ النَّظَرِ
تَنَافَسَ النَّاسُ في الدُّنيا وَقَدْ عَلِمُوا ... أن المقام بها كاللّمح بالبصر
فخلّ عن زمن تخشى عواقبه ... أن الزمانَ إذا فَكَّرت ذو غِيرِ
وَاعمَل لأُخْرَاكَ لا تَبْخَلْ بِمَكْرمُةٍ ... ومَهَّدِ العُذْرَ ليْس العينُ كَالأَثرِ
ثم نبه الحق تعالى أن الإخبار بقصة يوسف ﵇ من أعلام النبوة لنبينا ﷺ فقال:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠٢ الى ١٠٧]
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)
أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧)
قلت: (ذلك) : مبتدأ، و (من أنباء الغيب) : خبر. و (نوحيه) : حال.
يقول الحق ﷻ : ذلِكَ أي: خبر يوسف وقصته، هو مِنْ أَنْباءِ أخبار الْغَيْبِ التي لم يكن لك بها علم، وإنما عَلِمْتَه بالوحي الذي نُوحِيهِ إِلَيْكَ فأخبرتهم به. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ أي: وما حضرت عندهم، إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ: حين عزموا أمرهم على أن يجعلوه في غَيَِابَةِ الجب، وَهُمْ يَمْكُرُونَ به، وبأبيه ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحداً من الأحبار
стр. 1221
فتعلمت ذلك منه، فتحققوا أنه وحي من عند الله، ولكن جحدوا وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات لهم، بِمُؤْمِنِينَ لعنادهم وتصميمهم على الكفر، وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ على تبليغ هذا النبأ، أو القرآن، مِنْ أَجْرٍ كما يفعله حملة الأخبار من الأحْبار. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ: عظة من الله، لِلْعالَمِينَ من الجن والإنس.
وَكَأَيِّنْ: كثيراً مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الدالة على وجود صانعها وتوحيده، وكمال قدرته وتمام حكمته، يَمُرُّونَ عَلَيْها ويشاهدونها، وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ: لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون. وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ أي: وما يصدق أكثرهم بوجود الله في إقرارهم بوجوده، وخالقيته للأشياء، وأنه الرزّاق المميت، إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ بعبادة الأصنام، أو باتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً، أو بنسبة التبني إليه، أو بالوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك الجلي والخفي. قيل: نزلت في مشركي مكة، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً تملكه وما ملك. وقيل: في أهل الكتاب. أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ: عقوبة تغشاهم وتشملهم، مِنْ عَذابِ اللَّهِ المرسل على الأمم المتقدمة، أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً: فجأة، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بإتيانها، غير مستعدين لها.
الإشارة: قوله تعالى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ: مثله يقال لأهل الوعظ والتذكير الداعين إلى مقام الخصوصية، وما أكثر الناس ولو حرصت على هدايتهم، بمهتدين إلى مقام الخصوصية لأن أهل الخصوصية أفراد قليلون في كل زمان قال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ «١» . وتقدم في سورة هود «٢» ما يتعلق بقوله: وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ.
وقوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ ... الخ، فيه ذم الغفلة، والإعراض عن التفكر والاعتبار فإن الحق- ﷻ ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها، وتظهر فيها أسرار ذاته، وأنوار صفاته. قال في لطائف المدن:
فما نُصبت الكائنات لتراها، ولكن لترى فيها مولاها فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها تراها من حيث ظهوره فيها، ولا تراها من حيث كونيتها. قال «٣» : ولنا في هذا المعنى:
ما أثبت لك المعلم إلا ... لِتَراهَا بعَيْنِ مَن لا يَرَاهَا
فَارْقَ عَنهَا رُقِيَ منْ لَيْس يَرضَى ... حَالةً دُون أن يرى مولاها. هـ.
стр. 1222
وقوله تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ: لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملةً بشهود المكون، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب، برؤية مسبب الأسباب، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب، فإن التفتوا إلى غيره غفلةً، أدبهم، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبداً. جعلنا الله منهم، وخرطنا في سلكهم. آمين.
ثم أوضح طريقهم، فقال:
[سورة يوسف (١٢) : آية ١٠٨]
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)
قلت: (أدعو) : حال من الياء، و (على بصيرة) : حال ثان، و (أنا ومن اتبعني) : الضمير- تأكيد للمستكن في (أدعو) ، أو في (على بصيرة) ، أو مبتدأ خبره: (على بصيرة) ، مقدم.
يقول الحق ﷻ : قُلْ يا محمد: هذِهِ سَبِيلِي: طريقي الذي جئتُ به من عند ربي وهي الدعوة إلى التوحيد، والتاهب ليوم المعاد. ثم فسرها بقوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ، أو حال كوني داعياً إِلى اللهِ أي: إلى توحيده ومعرفته والأدب معه، عَلى بَصِيرَةٍ: حجة واضحة، وبينة من ربي، لا عن تقليد أو عمى. أدعو إلى الله أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي فمن كان على قدمي فهو يدعو أيضاً إلى الله على بصيرة وبينة من ربه، وَسُبْحانَ اللَّهِ:
وأنزهه عن الشركاء والأنداد، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ به شركاً جلياً ولا خفياً، بل مخلصاً موحداً.
الإشارة: لا يصلح العبد أن يكون داعياً إلى الله حتى يكون على بصيرة من ربه، بحيث لا يبقى فيه تقليد بحت، ولا يختلجه شك ولا وهم. والدعاة إلى الله على ثلاث مراتب: فمنهم من يدعو على بصيرة الإسلام وهم الدعاة إلى معرفة أحكام الله وشرائعه، ومنهم من يدعو على بصيرة الإيمان، وهم الدعاة إلى معرفة صفات الله تعالى وكمالاته، ومعرفة ما يجب له تعالى وما يستحيل وما يجوز على طريق البرهان الواضح. ومنهم من يدعو إلى الله على بصيرة الإحسان، وهم الدعاة إلى معرفة الذات العلية على نعت الشهود والعيان، من طريق الذوق والوجدان وهم العارفون بالله، أهل النور المخرق، بحيث كل من واجههم خرق النور إلى باطنه. وهذه الدعوة الحقيقية والبصيرة النافذة، وأهل هذا المقام هم اهل التربية النبوية، فدعوة هؤلاء أكثر نفعاً، وأنجح تأثيراً في زمن يسير يهدي الله على أيديهم الجم الغفير.
стр. 1223
قال في نوادر الأصول: الداعي إلى الله على بصيرة- أي معاينة- هو الذي قلبه عند الله، وعلى بصيرة في الطريق، ومحل القلوب في تلك المراتب ناطقاً بالله، عن الله، فلذلك يلج آذان المستمعين، مع الكسوة التي تخرق كل حجاب، وهو نور الله، لأنه خرج من قلب مشحون بالنور، فخرق كل حجاب قد تراكم على قلوب المخلصين، فخلصها إلى نور التوحيد فأنارها بمنزلة جمرة وصلت النفخة إليها، فالتهبت ناراً، فاضاءت البيت. وهذا سبيل الناطق عن الله. ثم قال: وكيف يجوز الدعاء إلى الله لمن ليس عند الله، وهو لله، وإنما قلبه عند نفسه ولنفسه، مشغول بنهمته وشهواته وأحواله، وإنما هذا لمن تفرغ من نفسه، واشتغل بالله. هـ.
ثم ردّ على مَن زعم من الكفار أن الرسول من البشر، فقال:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠٩ الى ١١٠]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)
قلت: (يوحى) : نعت لرجال، وكذا (من أهل القرى) : نعت ثان، و (حتى) : غاية لمحذوف، أي: وما أرسلنا إلا رجلاً يوحى إليهم فأوذوا مثلك، ودام عليهم، حتى إذا استيأسوا جاءهم نصرنا.
يقول الحق ﷻ : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا محمد إِلَّا رِجالًا بشراً لا ملائكة، وهو رد لقولهم: لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً «١» ، وقيل: معناه: نفي استنباء النساء. وصفة أولئك الرجال: يوحَى إليهم «٢» كما أوحي إليك، فتميزوا بالوحي عن غيرهم، وهم مِنْ أَهْلِ الْقُرى. وهم المدن والأمصار، والمداشر «٣» الكبار لأنهم أحلم وأعلم، بخلاف أهل العمود فإنهم أهل جفاء وجهالة. قال الحسن: (لم يبعث الله نبياً من أهل البادية، ولا من النساء، ولا من الجن) .
قال ابن عطية: والتَّبَدِّي مكروه إلا في الفتن، وحين يُفَرُّ بالدين، لحديث: «يُوشِكُ أن يَكونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِم غَنما يَتْبَعُ بها سَعَفَ الجِبَالِ ... «٤» » الحديث. وفي ذلك أذن رسول الله ﷺ لسلمة بن الأكوع «٥» . هـ.
стр. 1224
قلت: والفتنة تتنوع بتنوع المقامات ففتنة أهل الظاهر: تعذر إقامة الشريعة لكثرة الهرج والفتن، وفتنة أهل الباطن: تعذر جمع القلب بالله لكثرة الحس، وتعرض الشواغل والعلائق. فمن وجد ذلك في الحواضر فلينتقل إلى البوادي، إن وجد من يعينه على الدين. والغالب أن الحواضر في هذا الزمان يغلب فيها العوائد والشهوات، وتعتري فيها الشواغل والشواغب، بخلاف البادية. فإذا كان ﵊ أذن لسَلَمة: خوف فتنة الظاهر، فأولى خوف فتنة الباطن لأنه إذا فسد القلب فسد الجسد كله.
ثم قال ابن عطية: وقال ﷺ : «لا تعرب في الإسلام «١» » . وقال: «مَن بَدَا جَفَا» «٢» . وعن معاذ بن جبل أنه قال: (الشَّيْطَانُ ذِئْبُ الإِنْسَانِ، كذِئبِ الغَنَمِ يَأخُذُ الشَّاةَ القَاصية فإِيَّاكُمْ والشِّعاب، وَعَليكم بالمَسَاجِدِ، والجَمَاعَاتِ، والعَامةَ) «٣» .
ثم قال: ويعترض هذا ببدو يعقوب، وينفصل عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن ذلك البدو لم يكن في أهل العمود، بل بَتَقَرِّ في منازل وربوع، والثاني: إنما جعله بدواً بالإضافة إلى مصر، كما هي بنات الحواضر الصغار بَدْوٌ بالإضافة إلى الحواضر الكبار. هـ.
قلت: فالتعرب المنهي عنه هو اعتزال الرجل وحده في جبل أو شِعْبٍ، وإما إن تقرر في جماعة يقيمون الدين، ويجتمعون عليه، فليس بتعرب ولا بدو. ويدل عليه جواب ابن عطية الأول عن يعقوب ﵇. والحاصل: أن أهل القلوب يفتشون على مصالح قلوبهم، فأينما وجدوها فهي حاضرتهم. وقد ظهر في البوادي أكابر من الأولياء، ربما لم يظهروا في الحواضر. والله تعالى أعلم.
ثم قال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا أي: كفار مكة، فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من المكذبين لرسلهم: كيف هلكوا وتركوا آثارهم يشاهدونها خراباً دارسة، فيحذروا تكذيبك ليؤمنوا ويتأهبوا للدار الآخرة وَلَدارُ الْآخِرَةِ أي: ولدار الحياة الآخرة خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك والمعاصي، أَفَلا تَعْقِلُونَ، وتستعملون عقولكم لتعلموا أنها خير. أو: أفلا يعقلون الذين يسيرون في الأرض ليعلموا أن الدنيا فانية، والدار الآخرة خير لأنها باقية.
стр. 1225
فإن أبيتم وكذبتم نبيكم فقد كذب من قبلكم رسلهم، وآذوهم، وتأخر نصرهم حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ من النصر، أو من إيمان قومهم لانهماكهم في الكفر، وتماديهم من غير وازع، وَظَنُّوا أي: تيقنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا «١» أي: أن قومهم كذبوهم فيئسوا من إيمانهم. أو: وظنوا أن من آمن بهم قد كذبوهم لطول البلاء وتأخر النصر. وأما قراءة (كُذِبُوا) بالتخفيف فمعناه: وظنوا أنهم قد كذب عليهم في وعد النصر.. وأنكرت عائشة- رضى الله عنها- هذه الرواية، وقالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن بربها ذلك. كما في البخاري «٢» .
وقد يجاب بأن ذلك كانت خواطر وهواجس من وسواس النفس، يمر ولا يثبت، وهو من طبع البشر، لا يدخل تحت التكليف. وسماه ظناً مبالغة في طلب المراقبة، كما تقدم في قوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها. وقال ابن جزي، على هذه القراءة: الضميران يعودان على المرسل إليهم، أي: ظن الأتباع أن الرسل قد كذبوا عليهم في دعوى الرسالة، أو في مجيء النصر لما اشتد عليهم البلاء، وتأخر عنهم النصر.
فلما يئسوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ نجاته، وهو: النبي والمؤمنون. وإنما لم يعينهم للدلالة على أنهم الذين يستأهلون نجاتهم بالمشيئة القديمة، لا يشاركهم فيها غيرهم، وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ إذا نزل بهم. وفيه بيان المستثنين بالمشيئة، كأنه قال: ولا نشاء نجاة المجرمين.
الإشارة: قد وجد كثير من الأولياء بالمدن والحواضر، وكثير منهم في القرى والمداشر. وفضل الله يؤتيه من يشاء، لا يختص بمكان ولا زمان، غير أن جلهم جمعوا بين علم المدن وتفرغ البوادي، يعني: جمعوا بين شريعة المدن وحقيقة البوادي لأن أهل المدن شريعتهم قوية، وحقيقتهم ضعيفة. والبوادي بالعكس لكثرة العلائق في المدن وخفتها في البوادي، والحقيقة تحتاج إلى تفرغ كبير وتفكر كَثِير، والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا بالتخفيف، معناه: أنهم لم يقفوا مع ظاهر الوعد لسعة علمهم لأن ذلك الوعد قد يكون في علم الغيب متوقفاً على شروط خفية لا يعلمها ذلك النبي أو الولي، ليتحقق انفراده تعالى بالعلم الحقيقي، والقهرية الغالبة. فلذلك كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم.
وقال الورتجبي: إنهم استغرقوا في قلْزُوم «٣» الأزلية، وغابوا تحت بحار الديمومية، ولم يروا الحق من كمال استغراقهم في الحق. فلما لم يروه ناداهم لسان غيْره قهر القدم: أين أنتم؟ غبتم عنه وعن الحقيقة، فتطُلع أنوار الحقيقة عليهم، ويأخذ لطفها عن شبكات امتحان القهر. وهذا دأب الحق مع الأنبياء والأولياء حتى لا يسكنوا إلى ما وجدوا منه، بل يفنوا به عن كل ماله إليهم. هـ.
стр. 1226
قال المحشي الفاسي: وحاصل ما أشار إليه: أن قراءة التخفيف تشير إلى أخذهم عن الوقوف مع الوعد، والسكون إليه، غيبةً في الحق عن مقتضى وعده، لا تكذيباً لوعده، بل ذلك احوالٌ غالبة آخذة عن الصفة، غيبةً في الموصوف. وهذا حال الصوفي كما يعرف ذلك أهله. وهو صحيح في نفسه ولكنه بعيد عن مرمى الآية فإن صاحب الغيبة لا يوصف بظن خلاف الوعد، وإن كان غائباً عنه. وأقرب منه ما ذكره الترمذي الحكيم: من أن ظن ذلك كان لظن فقد شرط في الموعود أوجب عدَم القطع لوقوع الوعد. والله أعلم.
وقد قال في الحِكم: «لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود، وإن تعين زمنه» . يعني أنه قد يتخلف لفقد شرط كما في قضية الجرْو الذي تخلف جبريل من أجله. أو لعدم تحقيق الوقت لأن تعيينه كان من قبل أنفسهم من غير وحي، فلما تأخر ظنوا ذلك بأنفسهم. والله تعالى أعلم. هـ.
والحاصل: أن الرسل- عليهم الصلاة والسلام- لما تأخر عنهم النصر هجس في أنفسهم تخلف الوعد خوفاً أن يكون متوقفاً على شرط لم يعلموه، أو جعلوا له وقتاً فهموه من أمارات، فلما تأخر عنه ظنوا أنه قد تخلف. وأما قضية الجرو الذي أشار إليها: فكان جبريل ﵇ وعد نبينا ﷺ أن يأتيه في وقت مخصوص، فدخل جرو البيت، فلم ينزل في ذلك الوقت، فلما نزل بعد ذلك، قال: «إنما تَخلَّفْنَا عن الوقت لأَنَّ الملائكة لا تَدخلُ بَيْتاً فيه كَلْبٌ» «١» . كما في الصحيح.
ثم قال تعالى:
[سورة يوسف (١٢) : آية ١١١]
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)
يقول الحق ﷻ : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ أي: في قصص الأنبياء وأممهم، أو في قصة يوسف وإخوته، عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ: لذوي العقول الصافية الخالصة من شوائب الإلف والعادة، ومن الركون إلى الحس لأن الإخبار بهم على يد نبي أمي آية واضحة لمن تفكر بقلب خالص. ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى أي: ما كان القرآن حديثاً مُفترىً، وَلكِنْ كان تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب الإلهية، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه في الدارين إذ ما من أمر ديني إلا وله مستند من القرآن بوسط، أو بغير وسط. وَهُدىً من الضلال، وَرَحْمَةً ينال بها خير الدارين، لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: يصدقون به، ويتدبرون في معانيه.
стр. 1227
الإشارة: تفكر الاعتبار يشد عُروة الإيمان، وفكرة الاستبصار تشد عُروة الإحسان. قال في الحِكَم: «الفكرة فكرتان: فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان. فالأولى: لأهل التفكر والاعتبار، والثانية: لأهل الشهود والاستبصار» . ومرجع الاعتبار إلى خمسة أمور:
الأول: التفكر في سرعة انصرام الدنيا وانقراضها، وذهاب أهلها. قرناً فقرنا، وجيلاً فجيلاً. فيوجب ذلك الزهد في الدنيا، والإعراض عن زخارفها الغرارة، والتأهب للدار الباقية.
الثاني: التفكر في الدار الباقية، ودوام نعيمها، أو عذابها. وذلك مرتب على السَّعْي في هذه الدار، فيوجب ذلك انتهاز الفرصة في الأعمال، واغتنام الأوقات والساعات قبل الفوات.
الثالث: التفكر في النِعَم التي أنعم الحق- تعالى- بها على الإنسان إما ظاهرة كالعافية فى البدن، والرزق الحلال، وما يتبع ذلك مما لا يحصى قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها «١» . وإما باطنة: كنعمة الإسلام والإيمان، وصحيح العرفان، والاستقامة في الدين، ولا سيما إن رزقه الله من يأخذ بيده من شيخ عارف. فهذه نعمة عظمى قَلَّ من يسقط عليها. فيوجب له ذلك الشكر الذي هو أعلى المقامات، ومتكفِّل بالزيادات، قال تعالى:
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «٢» .. ولا يعرف العبد ما عليه من النعم إلا بالتفكر في أضدادها، والنظر إلى أهل البلاء.
الرابع: التفكر في عيوبه ومساوئه، لعله يسعى في تطهيرها، أو يشتغل بها عن عيوب غيره.
الخامس: التفكر فيما أظهر الله تعالى من أنواع المكونات، وضروب المصنوعات فيعرف بذلك جلالة الصانع، وعظيم قدرته، وإحاطة علمه، وحكمته. فإن اتصل بشيخ عارف غيَّبه عنها بشهود مكونها.
وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
стр. 1228
[المجلد الثالث]
سورة الرّعد
مكية إلى قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، والباقي مدنى، وقيل: مدنية كلها. وآيها:
خمس وأربعون. ومناسبتها لما قبلها: قوله: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، مع قوله تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ فإنه كالدليل على كونه غير مفترى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المر....
[سورة الرعد (١٣) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١)
قيل: معناه: أنا أعلم، الله أعلم وأرى. وقيل: مختصرة من لفظ المرسل، على عادة رمز المحبين. أو إشارة إلى العوالم الأربعة: فالألف لوحدة الجبروت، واللام لتدفق أنوار الملكوت، والميم لحس عالم الملك، والراء لسريان أمداد الرحموت.
قال تعالى:
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ ...
قلت: تِلْكَ: مبتدأ، وآياتُ: خبر، والَّذِي أُنْزِلَ: مبتدأ، والْحَقُّ: خبر، والجملة الثانية كالحجة على الجملة الأولى.
يقول الحق ﷻ : أيها المرسل المعظم، والحبيب المفخم، تِلْكَ الآيات التي تتلوها على الناس هي آياتُ الْكِتابِ المنزل من حضرة قدسنا. وَالكتاب أي: القرآن الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هو الْحَقُّ الذي لا ريب فيه، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ لإخلالهم بالنظر والتأمل فيه.
الإشارة: لَوْ صَفَت القلوب من الأكدار، ومُلئت بالمعارف والأنوار لفهمتْ أسرار الكتاب، وجواهر معانيه، ولأدركت معرفة الحق من كلامه لأن الكلام صفة المتكلم، ولكن أكثر الناس اشتغلوا بمتابعة الهوى، فصُرفوا عن فهم الكلام، وفاتهم معرفة المتكلم، ولذلك لم يكتف الحق تعالى بآيات الكتاب حتى ذكر دلائل توحيده وكمال قدرته، فقال:
[سورة الرعد (١٣) : آية ٢]
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)
стр. 1229
قلت: اللَّهُ: مبتدأ، والَّذِي رَفَعَ: خبره، ويجوز أن يكون الموصول صفة، والخبر: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، وعَمَدٍ:
اسم جمع عمود، وقياس جمعه: عُمُد، كرسول ورُسُل، وشهاب وشُهُب، وليس جمعاً خلافاً لأبي عبيد. قاله ابن عطية. وقال البيضاوي: جمع عِمَاد، كإهاب وأهب. وجملة: تَرَوْنَها: إما حال، أو استئنافية فالضمير للسماوات، وإما صفة لعَمد فالضمير لها، أي: ليس لها عَمد مرئية، فيقتضي بالمفهوم أن لها عمداً لا تُرى. وقيل: إن عمدها جبل قاف المحيط بالدنيا. والجمهور: أنه لا عمد لها البتة. فالمراد نفي العمد، ونفي رؤيتها. قاله ابن جزي.
يقول الحق ﷻ مستدلاً على وجوده، وكمال قدرته: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ فوقكم كالسقف المرفوع بِغَيْرِ عَمَدٍ: أساطين، بل بقدرة أزلية، تَرَوْنَها مرفوعة فوقكم. أو بغير عَمَد مرئية، بل بعمد خفية، وهي: أسرار الذات العلية إذ لا فاعل سواه. ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء استيلاء وإحاطة، حتى صار العرشُ غيباً في إحاطة قهريته وأسرار ذاته. وقد كانت العرب تجعل لملوكها سريراً يجلسون عليه لتدبير المملكة، فخاطبنا الحق تعالى بقدر ما نفهم «١» ، ولذلك رتب عليه قوله: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لأن هذا من تدبير ملكه، أي: ذللهما لما أراد منهما، كالحركة المستمرة على حد من السرعة لينتفع بهما عباده في معاشهم ومعالم دينهم. كُلٌّ منهما يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى: لمدة معينة تتم فيها أدواره، أو لغاية مضروبة ينقطع فيها سيرهما وهي يوم القيامة حين تكوّر الشمس والقمر. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أمر ملكه من الإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، وغير ذلك، يُفَصِّلُ الْآياتِ: ينزلها، ويُبين معانيها مفصلة، أو يُحدث الدلائل واحداً بعد واحدٍ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ: لكي تتفكروا فيها، وتتحققوا كمال قدرته، فتعلموا أنَّ مَن قَدَر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قادر على الإعادة والجزاء.
الإشارة: الله الذي رفع سموات الأرواح، وزينها بنجوم العلم وقمر التوحيد، وأشرق عليها شموس العرفان وأسرار التفريد، ثم استوى بأسرار ذاته وأنوار صفاته على العرش، وهو قلب العارف لأنه سرير المعرفة، ومحل بيت الرب، وسخر شمس المعرفة وقمر التوحيد، يجريان بالترقي إلى محل التمكين، وهو الأجل المسمى لهما، يدبر أمر السير والترقي، ويُفصِّل دلائل الطريق الموصلة إلى عين التحقيق لعلكم بالوصال إلى ربكم توقنون، حين يكون ذوقاً وكشفاً. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر العالم السفلى، فقال:
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣ الى ٤]
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)
стр. 1230
قلت: رَواسِيَ: جمع راسية، من رسى الشيء: ثبت، وجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ مَنْ خَفَضَ عطف على أَعْنابٍ، ومن رفع عطف على جَنَّاتٌ. وصِنْوانٌ: نعت تابع، وغَيْرُ:
عطف عليه.
يقول الحق ﷻ : وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ بسطها طولاً وعرضاً لتثبت عليها الأقدام وتتقلب عليها الحيوان والأنام، وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ: جبالاً ثوابت لتستقر وتثبت، فلا تميد كالسفينة، وَجعل فيها أَنْهاراً مطرده دائمة الجري، من غير نفاد ولا فتور. ضمها إلى الجبال لأنها أسبابٌ لتولدها في العادة.
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أي: وجعل فيها صنفين اثنين من كل الثمرات فكل ثمرة فيها صنفان أحمر وأسود، أو حلو وحامض، قال ابن جزي: فإن قيل: تقتضى الآية أنه تعالى خلق من كل ثمرة صنفين، وقد خلق من كثير من الثمرات أصنافاً كثيرة؟ فالجواب: أن ذلك زيادة في الاعتبار، وأعظم في الدلالة على القدرة بذكر الاثنين لأن دلالة غيرهما من باب أولى. هـ.
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ، أي: يجعل الليلَ غشاءً على النهار ولباساً له، فيصير الجو مظلما بعد ما كان مضيئاً.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ دلائل وجوده وباهر قدرته لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فيها فإن وجودها وتخصيصها في هذا الشكل العجيب، دليل على وجود صانع حكيم، دبر أمرها، وهيأ أسبابها.
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ قريب بعضها من بعض، مع اختلاف أوصافها، بعضها طيبة وبعضها سبخة، وبعضها رخوة وبعضها صلبة، وبعضها يصلح للزرع دون الشجر، وبعضها بالعكس، وبعضها معادن مختلفة. ولولا تخصيص قادر مخصص لتلك الأفعال، على وجهٍ دون وجه، لم يكن الحكم كذلك لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية، وما يلزمها ويعرض لها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية، من حيث إنها متضامة متشاركة في السبب والأوضاع. قاله البيضاوي. وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ أي: وفي الأرض أيضاً بساتين فيها أنواع من الأعناب والزروع، والنخيل، من صفة تلك النخيل: صِنْوانٌ أي: نخلات كثيرة متفرعة من أصل واحد، وَغَيْرُ صِنْوانٍ أي: غير متفرعة، بل كل نخلة منفردة بأصل واحد، يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ. وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ أي: في الثمر المأكول قدراً وشكلاً، وطعماً، ورائحةً ولوناً،