← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ثم ذكر سبب هلاك الأمم الماضية، وهو فشو الظلم، وعدم تغيير المنكر، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ١١٦ الى ١١٧] فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا منهم وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) قلت: (لولا) ، تحضيضية، ويقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف، كقوله: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ «١» ، و «إلا قليلاً» : منقطع، ولا يصح اتصاله، إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض. أي: ما كان في القرون الماضية أولو بقية إلا قليل. يقال: فلان من بقية القوم، أي: خيارهم، وإنما قيل فيه «بقية» لأن الشرائع والدول تقوى أولاً ثم تضعف. فمن ثبت في وقت الضعف على ما كان في أوله، فهو بقية الصدر الأول. قاله ابن عطية. وقوله: «بظلم» : حال من «ربك» أي: ما كان ربك ليهلك القرى ظالماً لهم، أو متعلق بيُهلك. يقول الحق ﷻ : فَلَوْلا: فهلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ كقوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكرهم، أُولُوا بَقِيَّةٍ من الرأي، والعقل يُنكرون عليهم، أي: فهلا وجد فيهم من فيه بقية من العقل والحزم والثبوت، يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ، لكن قليلاً ممن أنجينا منهم كانوا كذلك، فأنكروا على أهل الفساد، واعتزلوهم في دينهم فأنجيناهم. وفي هذا تحريض على النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، وأنه سبب النجاة في الدارين. وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ: ما أنعموا فيه من الشهوات، واهتموا بتحصيل أسبابها، وأعرضوا عما وراء ذلك، وَكانُوا مُجْرِمِينَ كافرين. قال البيضاوي: كأنه أراد أن يُبين ما كان السبب لاستئصال الأمم الماضية، وهو: فشو الظلم فيهم، واتباع الهوى، وترك النهي عن المنكرات مع الكفر. هـ. وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ أي: متلبساً بظلم، وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ، فيعذبهم بلا جرم، أي: ما كان ليعذبهم ظالماً لهم بلا سبب. أو ما كان ليهلك القرى بشرك وأهلها مصلحون فيما بينهم، لا يضمون إلى شركهم فساداً وبغياً، وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه. ومن ذلك قدَّم الفقهاءُ، عند تزاحم الحقوق، حقوق العباد. وقال بعضهم: [الذنوب ثلاثة: ذنب لا يغفره الله، وهو الشرك. وذنب لا يعبأ الله به، وهو ما كان بينه وبين عباده، وذنب لا يتركه الله، وهو حقوق عباده] . وقالوا: قد يبقى المُلك مع الشرك ولا يبقى مع الظلم. الإشارة: أولو البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض هم: أهل النور المخزون المستودع في قلوبهم من نور الحق، إذا قابلوا منكراً دمغوه بالحال أو المقال، وإذا قابلوا فسادا أصلحوه، وإذا قابلوا فتنة أطفأوها. وإذا قابلوا بدعة

стр. 1157

أخمدوها. وإذا واجهوا ضالا أرشدوه، أو غافلاً ذكروه، أو طالباً للوصول وصلوه، يمشون في الأرض بالنصيحة، لا يخافون في الله لومة لائم. أولئك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مهتدون. قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لئن شئتُم لأُقسِمَنَّ لكم: إنَّ أحبَّ عبادِ اللهِ إلى الله الذين يُحَبَّبُون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشُون في الأرضِ بالنَّصيِحَة» أما كونهم يحببون الله إلى عباده فلأنهم يَذكرون لهم آلاءه وإحسانه وبره. والنفسُ تحب بالطبع من أحسن إليها. وأما كونهم يحببون عباد الله إلى الله فلأنهم يردونهم عن غيهم وحظوظهم، التي تبعدهم عن ربهم. فإذا رجعوا إليه أحبهم. وسئل ذو النون المصري رضى الله عنه عن وصف الأبدال، فقال: سألتَ عن دياجي الظلام لأكشف لك عنهم، هم قوم ذكروا الله بقلوبهم، تعظيماً لربهم لمعرفتهم بجلاله، فهم حجج الله تعالى على خلقه، ألبسهم الله- تعالى- النور الساطع من محبته، ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته، وأفرغ عليهم من مخافته، وطهَّر أبدانهم بمراقبته، وطيبهم بطيب أهل معاملته، وكساهم حُللاً من نسج مودته، ووضع على رؤوسهم تيجان مبرته، ثم أودع القلوب من ذخائر الغيوب، فهي متعلقة بمواصلته، فهممهم إليه ثائرة، وأعينهم بالغيب ناظرة، قد أقامهم على باب النظر من رؤيته، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته، ثم قال لهم: إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من فراقي فعالجوه، أو خائف مني فانصروه، أو آمن مني فحذروه، أو راغب في مواصلتي فمنوه، أو راحل نحوي فزودوه، أو جبان في متاجرتي فشجعوه، أو آيس من فضلي فرجوه، أو راج لإحساني فبشروه، أو حسن الظن بي فباسطوه، أو محب لي فواصلوه، أو معظم لقدرتي فعظموه، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه، أو مسترشد فأرشدوه. هـ. وهذا بقدر الله ومشيئته، كما قال تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ١١٨ الى ١١٩] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) قلت: الاستثناء من ضمير «يزالون» . يقول الحق ﷻ : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً، متفقين على الإيمان، أو الكفران، لكن مقتضى الحكمة وجود الاختلاف ليظهر مقتضيات الأسماء في عالم الشهادة فاسمه: الرحيم والكريم يقتضي وجود من يستحق الكرم والرحمة، وهم: أهل الإيمان. واسمه: المنتقم والقهار يقتضي وجود من يستحق الانتقام

стр. 1158

والقهرية، وهم أهل الكفر والعصيان. قال البيضاوي: وفيه دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراد يجب وقوعه. هـ. وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ بعضهم على الحق، وهم أهل الرحمة والكرم، وبعضهم على الباطل، وهم أهل القهرية والانتقام. أو مختلفين في الأديان والملل والمذاهب، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ إلا ناساً هداهم الله من فضله، فاتفقوا على ما هو أصل الدين والعمدة فيه، كالتوحيد والإيمان بجميع الرسل وبما جاءوا به، وهم المؤمنون. وقوله: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ إن كان الضمير للناس، فالإشارة إلى الاختلاف، واللام للعاقبة، أي: ولتكون عاقبتهم الاختلاف خلقهم، وإن كان الضمير يعود على «من» ، فالإشارة إلى الرحمة، أي: إلا من رحم ربك وللرحمة خلقه. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الأزلية على ما سَبق له الشقاء، أي: نفذ قضاؤه ووعيده في أهل الشقاء، أو هي قوله للملائكة: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي: من أهل العصيان منهما، لا من جميعهما. الإشارة: الاختلاف بين الناس حكم أزلي، لا محيدَ عنه. وقد وقع بين أهل الحق وبين أهل الباطل. فقد اختلفت هذه الأمة في الأصول والفروع. أما الأصول فأهل توحيد الدليل وقع بينهم تخالف في صفات الحق، كالمعتزلة والقدرية والجهمية والجبرية مع أهل السنة. وأما الفروع فالاختلاف بينهم شهير. فقد كان في أول الإسلام اثنا عشر مذهباً. ولا تجد علماً من علم الفروع إلا وبين أهله اختلاف، إلا أهل التوحيد الخاص، وهم: المحققون من الصوفية، فكلهم متفقون في الأذواق والوجدان، وإن اختلفت طرقهم، وكيفية سيرهم. فهم متفقون في النهايات، التي هي معرفة الشهود والعيان، على طريق الذوق والوجدان، وفي ذلك يقول ابن البنا- ﵀: مذاهبُ الناسِ على اخْتلاف ... ومَذْهَبُ القَوْمِ على ائْتِلاَف وأما قول من قال: [ما زالت الصوفية بخير ما اختلفوا، فإذا اتفقوا فلا خير فيهم] ، فالمراد بالاختلاف: تغيير بعضهم على بعض، عند ظهور نقص أو عيب أو ذنب. فإذا اتفقوا وسكت بعضهم عن بعض فلا خير فيهم. وقوله ﵊: «خلاف أمتي رحمة» . المراد: الاختلاف في الفروع كاختلاف المذاهب ففي ذلك رخصة لأهل الاضطرار لأن من قلد عالماً لقي الله سالماً. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة سرد قصص الأنبياء، فقال: قلت: «وكُلاً» مفعول «نقص» ، و «ما نثبت به» : بدل، أو «ما» مفعول «نَقُصُّ» ، و «كلا» : مصدر. أي: ونقص [سورة هود (١١) : آية ١٢٠] وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)

стр. 1159

عليك كُلاً من الاقتصاص ما نثبت به فؤادك. يقول الحق ﷻ : وكل نبأ نَقُصُّ عَلَيْكَ من أخبار الرسل، ونخبرك به ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، ليزيدك يقيناُ وطمأنينة وثباتاً بما تسمع من أخبارهم، وما جرى لهم مع قومهم، وما لقوا من الأذى منهم، فتتسلى بهم، وتثبت على أداء الرسالة، واحتمال أذى الكفار. وَجاءَكَ فِي هذِهِ السورة، أو الأنباء المقتصة عليك، الْحَقُّ أي: ما هو حق، وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، فيتحملون، ويصبرون لما يواجههم من الأذى والإنكار. الإشارة: ذكر أحوال الصالحين، وسيرهم وكراماتهم جند من جنود القلب، وذكر أشعارهم ومواجيدهم جند من جنود الروح، وقد ورد: أن عند ذكرهم تنزل الرحمة، أي: رحمة القلوب باليقين والطمأنينة. والله تعالى أعلم. ثم أمره بتهديد من خالفه، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ١٢١ الى ١٢٣] وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) يقول الحق ﷻ : وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ: حالكم إِنَّا عامِلُونَ على حالنا، وَانْتَظِرُوا وقوع ما نزل بمن قبلكم ممن خالف رسوله فإنه نازل بكم، إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ما وعدنا ربنا من النصر والعز. وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يعلمه غيره فلا يعلم غيب العواقب، ووقت وقوع المواعد إلا هو. وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك إليه، فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فإنه كافيك أمرهم وأمر غيرهم. وفي تقديم العبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع التوكل العابد دون البطال. وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أنت وهم، فيجازي كلاّ ما يستحقه. أو عما يعمل الكافرون، فيمهلهم ولا يهملهم. الإشارة: (فاعبده وتوكل عليه) : يقول تعالى: يا عبدي قُم بخدمتي أقم لك بقسمتي، قف ببابي وانتسب لجنابي أكفك شئونك، وتكن من أحبابي. أأدعوك لدارى، وأمنعك من وجود إبراري، أأكلفك بخدمتي، ولا أقوم لك بقسمتي، فثق بي كفيلاً، واتخذني وكيلاً، أعطك عطاء جزيلاً، وأمنحك فخراً جليلاً. قال القشيري: ويقال: إن التوكل: سكون القلب بضمان الربِّ. ويقال: سكون الجأش في طلب المعاش، ويقال: الاكتفاء بوعده عند عدم نَقْدِه، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد. وسيأتي تمامه في سورة الفرقان، إن شاء الله. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليماً.

стр. 1160

سورة يوسف مكية. وهى مائة وإحدى عشرة آية. وكأنها تتميم لما ذكر قبلها من قصص الأنبياء، فهى من جملة ما يثبّت به الفؤاد، ويقع به التسلية، مما يواجه به العبد من الأنكاد. وإنما أفردت بالسورة، لمزيد شرح وطول. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) قلت: (قرآناً) : حال، و (عربياً) : نعت له. و (لعلكم) : يتعلق بأنزلناه أو بعربياً. و (أحسن) : مفعول (نَقُصُّ) ، و (بما أوحينا) : مصدرية، ويجوز أن يكون (هذا القرآن) : مفعول (نَقُصُّ) ، و (أحسن القصص) : مصدر. يقول الحق ﷻ : أيها الرسول المجتبى، والمحبوب المنتقى، تِلْكَ الآيات التي تُتلى عليك هي آياتُ الْكِتابِ المنزل عليك من حضرة قدسنا، الْمُبِينِ أي: الظاهر صدقه، الشهير شأنه. أو الظاهر أمره في الإعجاز والبلاغة، الواضح معانيه في الفصاحة، والبراعة. أو المبين للأحكام الظاهرة والباطنة. أو البَينُ لمن تدبره أنه من عند الله. أو المبين لمن سأل تَعنُّتاً من أحبار اليهود سؤالهم إذ رُوي أنهم قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً: لِمَ انتقلَ يعقوب من الشام؟ وعن قصة يوسف. فنزلت السورة. إِنَّا أَنْزَلْناهُ أي: الكتاب، قُرْآناً أي: مقروءاً، أو مجموعاً، عَرَبِيًّا بلغة العرب لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي: أنزلناه بلغتكم كي تفهموه وتستعملوا عقولكم في معانيه فتعلموا أن اقتصاصه كذلك ممن لم يتعلم القصص، ولم يخالط من يعلم ذلك، معجز إذ لا يتصور إلا بالإيحاء. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ أحسن الاقتصاص لأنه اقتص على أبدع الأساليب، أو أحسن ما يُقص لاشتماله على العجائب والحِكَمٍ والآيات والعِبَر، بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ مشتملاً على هذه السورة التي فيها قصة يوسف، التي هي من أبدع القصص، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عن هذه

стр. 1161

القصة، لم تخطر ببالك، ولم تقرع سمعك. قال البيضاوي: وهو تعليل لكونه موحى، و «إنْ» هذه: مخففة، واللام هي الفارقة. هـ. الإشارة: ما نزل القرآن بلسان عربي مبين إلا لنعقل عظمة ربنا ونعرفه، وذلك لا يكون إلاَّ بعد استعمال العقول الصافية، والأفكار المنورة، في الغوص على درر معانيه. فحينئذٍ تطلع على أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وعلى أنوار الصفات، وأسرار الذات، وعلى توحيد الأفعال وتوحيد الصفات وتوحيد الذات. قال تعالى: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ «١» ، لكن لا يحيط بهذا إلا أهل التجريد، الذين صفت عقولهم من الأكدار، وتطهرت من الأغيار، وملئت بالمعارف والأسرار. قال تعالى: لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ «٢» . وهم: أهل العقول الصافية المتفرغة من شواغل الحس. والله تعالى أعلم. ثم شرع فى ذكر القصة، فقال: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٤ الى ٦] إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) قلت: (إذ قال) : معمول لا ذكر، أو بدل من (أحسن القصص) إن جعل مفعولاً، بدل اشتمال، و (يا أبت) : أصله: يا أبي، عوض من الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة، ولذلك قلبت في الوقف هاء، في قراءة ابن كثير وأبي عمر ويعقوب. وإنما أعاد العامل في «رأيتهم» لطول الكلام، وجمع الشمس والقمر والكواكب جمع العقلاء لوصفهم بصفاتهم. يقول الحق ﷻ : إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يعقوب بن اسحق بن إبراهيم: يَآ أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ في النوم أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ. وقد ذكر البيضاوي حديثاً في تفسير هذه الكواكب فانظره. قيل: إن يوسف ﵇ كان نائماً في حجر أبيه، فنظر فيه، وقال في نفسه: أترى هذا الوجه

стр. 1162

أحسن ام الشمس أم القمر؟ فإذا بيوسف قد انتبه من نومه، وقال: يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ... الخ، فلما قص الرؤيا على أبيه بكى، فقال يوسف: لم تبكي يا أبتي؟ قال: يا بني لم يسجد مخلوق لمخلوق إلا عند المحنة، والبلاء، ألا ترى الملائكة لما أسجدهم الله لآدم، كيف ابتلي بالخروج من الجنة؟ ثم قال له: يا بني الشمس والقمر أنا وخالتك- وكانت أمه قد ماتت- والإحدى عشر كوكباً إخوتك. هـ. قالَ يا بُنَيَّ، وهو تصغير ابن، صغر للشفقة أو لصغر السن، وكان ابن ثنتي عشرة سنة، لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً فيحتالوا لإهلاكك حيلة. فَهِمَ يعقوبُ ﵇ من رؤياه أن الله يصطفيه لرسالته، ويفوقه على إخوته، فخاف عليه حسدهم. ومن خاف من شيء سلط عليه. والرؤيا تختص بالنوم، والرؤية، بالتاء بالبصر. قال البيضاوي: وهي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والمصادفة منها إنما يكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ. انظر تمامه فيه. وأخرج الحاكم في المستدرك، والطبراني في الأوسط، عن ابن عمر قال: لقي عمر عليّا- رضى الله عنهما- فقال: يا أبا الحسن، الرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق، ومنها ما يكذب، قال: نعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلي نوماً إلا عرج بروحه إلى السماء. فالتي لا تستيقظ إلا عند العرش فتلك الرؤيا التي تصدقُ، والتي تستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذبُ» «١» . هـ. فمنها ما تكون واضحة المعنى لا تحتاج إلى تعبير، ومنها ما تكون خفية تحتاج إلى تعبير. والمعبر يحتاج إلى علم وفراسة وزيادة إلهام، فعلم التعبير علم مستقل، قد أعطى الله منه ليوسف ﵇ حظاً وافراً. ولما قال يعقوب لابنه: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً قال: يا أبت، الأنبياء لا يكيدون، قال له: إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة لأجل ما فعل بآدم وحواء، فلا يألوا جهداً في تسويلهم، وإثارة الحسد فيهم، حتى يحملهم على الكيد. قيل: لم يسمع كلام يوسف في رؤياه إلا خالته- أم شمعون- فقالت لإخوته: التعب عليكم، والإقبال على يوسف. فحركهم ذلك حتى فعلوا ما فعلوا. وقيل: أخبرت بذلك ولدها شمعون، فأخبر شمعون إخوته فخلوا به وقالوا له: إنك لم تكذب قط. فأخبرنا بما رأيت في نومك، فأبى. فأقسموا عليه، فأخبرهم. فوقعوا فيما فعلوا به. ثم قال له: وَكَذلِكَ أي: وكما اجتَباك لهذه الرؤيا الدالة على شرف وعز وكمال نفس، يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ للنبوة والملك، أو لأمور عظام، وَيُعَلِّمُكَ أي: وهو يعلمك مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ من تعبير

стр. 1163

الرؤيا لأنها أحاديث المَلك إن كانت صادقة، وأحاديث الشيطان إن كانت كاذبة. أو يعلمك من تأويل غوامض علوم كتب الله، وسنن الأنبياء وحكم الحكماء. وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بالنبوة، أو بأن يجمع لك بين نعمة الدنيا، ونعمة الآخرة، وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ يريد: سائر بنيه. ولعله استدل على نبوتهم بضوء الكواكب، كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ من قبلك، أو من قبل هذا الوقت. فأتمها على إبراهيم بالرسالة والخلة والإنجاء من النار، وإسحاق بالرسالة والإنقاذ من الذبح «١» ، وهم: إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ، فهما عطف بيان لأبويك، إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ بمن يستحق الاجتباء، حَكِيمٌ لا يخلو فعله من حكمة، نعمة كانت أو نقمة. الإشارة: البداية مجلاة النهاية، يوسف ﵇ نزلت له أعلام النهاية في أول البداية. وكذلك كل من سَبَقَ له شيءٌ من العناية، لا بد تظهر أعلامه في أول البداية «من أشرقت بدايته أشرقت نهايته» . من كانت بالله بدايته كانت إليه نهايته. وأوصاف النهاية تأتي على ضد أوصاف البداية فكمال العز في النهاية لا يأتي إلا بعد كمال الذل في البداية. وتأمل قول الشاعر: تَذَلَّلَ لمَن تَهْوَى لِتَكْسِبَ عِزةً ... فكم عزةٍ قد نالها المرْء بِالذُّلِّ وتأمل قضية سيدنا يوسف ﵇ ما نال العز والملك حتى تحقق بالذل، والملك وكمال الغنى في النهاية لا يأتي إلا بعد كمال الفقر في البداية، وكمال العلم لا يأتي إلا بعد إظهار كمال الجهل، وكمال القوة لا يأتي إلا بعد كمال الضعف.. وهكذا جعل الله تعالى بحكمته الأشياء كامنة في أضدادها «تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه» . فالاجتباء يكون بعد الابتلاء، وإتمام النعم يكون بعد تقديم النقم، وذلك لتكون أحلى وأشهى، فيعرف قدرها ويتحقق منه شكرها، وهذا السر في تقديم أهوال يوم القيامة على دخول الجنة ليقع نعيمها في النفس كل موقع. ولا فرق بين جنة الزخارف، وجنة المعارف. (حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات) . والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧ الى ٨] لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨)

стр. 1164

قلت: (يوسف) : عجمي، وفي سينه ثلاث لغات: الضم- وهو الأشهر- والفتح، والكسر. يقول الحق ﷻ : لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ أي: في قصصهم آياتٌ دلائل قدرة الله وحكمته، وعلامة نبوتك، حيث أخبرتَ بها من غير تعلم. ففي ذلك آيات لِلسَّائِلِينَ أي: لمن سأل عن قصتهم. والمراد بإخوته: علاته العشرة، والعلات: أبناء أمهات لأب واحد، فكانوا إخوته لأبيه، وهم: يهوذا، ورَوْبيل، وشمعون، ولاوي، وريالون، ويشجر، ودنية من بنت خالته ليّا، تزوجها يعقوب أولاً، فلما توفيت تزوج راحيل، فولدت له بنيامين، ويوسف. وقيل: جمع بينهما، ولم يكن الجمع حينئذٍ محرماً. وأربعة آخرون من سُريتَيْن، وهم: دان، وتفثالى، وجاد، وآشر. إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ بنيامين، وخُص بالإضافة لأنه شقيقه، أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أي: والحال أنا جماعة أقوياء، فنحن أحق بالمحبة لأنهما لا كفاءة فيهما. والعصبة: العشرة ففوق. إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ خطأ مُبِينٍ ظاهر لتفضيل المفضول. رُوي أنه كان أحب إليه لما كان يرى فيه من مخايل الخير، وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة، بحيث لم يصبر عنه، فتناهى حسدهم حتى حملهم على التعرض لقتله. وهكذا شأن الحسد يبلغ بصاحبه امراً عظيماً. الإشارة: كان يعقوب ﵇ لا يفارق يوسف ليلاً ولا نهاراً. وهكذا شأن المحبين. وأنشدوا: وَلِي كَبِدٌ يَسرِي إِليهِم سَلاَمه ... بَجَمر تَلَظَّى، والفؤادُ ضِرامُه وأجفَانُ عَين لا تَمَل من البُكَا ... وصَبٌّ تَشَكِّى للحبيب غَرَامُه فأنتُم سُروري، أنتُم غَايةُ المنى ... وقَلبي إِليكم والغرام زمامه فو الله ما أَحبَبتُ ما عِشتُ غَيرَكم ... لأن اشتياقي لا يحل اكتتامه. هـ. قال الجنيد، رضى الله عنه: رأيت غلاماً حسن الوجه يعنف كهلاً حسناً، فقلت: يا غلام، لِمَ تفعل هذا؟ قال: لأنه يدعي أنه يهواني، ومنذ ثلاث ما رآني، قال: فوقعت مغشياً علي، فلما أفقتُ ما قدرت على النهوض، فقيل لي في ذلك، فقلت: ينبغي للمحب ألا يفارق باب محبوبه على أي حال. وأنشدوا: لاَزم البابَ إن عَشِقتَ الجَمَالا ... واهجُر النَّوم إنْ أردت الوِصَالا واجعل الروحَ منك أَوَّل نَقدٍ ... لحبيبٍ أَنوارُه تَتَلالا

стр. 1165

قلت: فالحبيب غيور لا يُحب أن يرى في قلب حبيبه غيره. فإذا رأى فيه شيئاً أخرجه منه، وفرق بينه وبينه غيرةً منه واعتناء به، وهو السر في افتراق يوسف من أبيه. والله تعالى أعلم. ثم تعرضوا ليوسف، فقالوا: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩ الى ١٠] اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) يقول الحق ﷻ : قال إخوة يوسف لما حركهم الحسد: اقْتُلُوا يُوسُفَ قيل: إنما قاله شمعون ودان، ورضي به الآخرون، أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً أي: في أرض بعيدة يأكله السباع، أو يلتقطه أحد، فإن فعلتم يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ أي: يصفْ إليكم وجه أبيكم فيقبل بكليته عليكم، ولا يلتفت عنكم إلى غيركم، ولا ينازعكم في محبته أحد، وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ من بعد يوسف، أو الفراغ من أمره، أو قتله، أو طرحه، قَوْماً صالِحِينَ تائبين إلى الله عما جنيتم، مع محبة أبيكم. أو صالحين في أمور دنياكم، فإنها تنتظم لكم بخلو وجه أبيكم لكم، قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ هو يهوذا، وكان أحسنهم فيه رأياً، وقيل: روبيل: لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ فإن القتل عظيم، وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ «١» الْجُبِّ: في قعره، سمي به لغيبته عن أعين الناظرين. ومن قرأ بالجمع، فكان بتلك الجب غيابات، يَلْتَقِطْهُ: يأخذه بَعْضُ السَّيَّارَةِ أي: الذين يسيرون في الأرض، إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ما يفرق بينه وبين أبيه ولا بد، أو كنتم فاعلين بمشورتي. الإشارة: إن أردت أن يخلو لك وجه قلبك فيخلو لك وجه حبيبك، حتى تشاهده عياناً وتعرفه إيقاناً، فاقتل كل ما يميل إليه قلبك ويعشقه من الهوى، واطرح عن عين بصيرتك رؤية السِّوى، ترى من أنوار وجهه وأسرار محاسنه، ما تبتهج به القلوب والأسرار، وتتنزه في رياض محاسنه البصائر والأبصار. وأنشدوا: إِنْ تَلاشَى الكونُ عَنْ عَينِ كَشفِي ... شَاهَدَ القلبُ غَيبَهُ في بَيَان فاطْرح الكونَ عن عِيانِكَ وامْحُ ... نقطةَ الغَيْنِ إنْ أردت ترانى

стр. 1166

ثم احتالوا على أبيهم فى إرسال يوسف معهم، كما قال تعالى: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١١ الى ١٤] قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤) قلت: (تأمننا) : اجتمع نونان، فيجوز الإدغام، وبه قرأ أبو جعفر، وقرأ الجماعة بالإشمام. وقوله: (يرتع ويلعب) : جواب الأمر، فمن قرأ بكسر العين فجزمه بحذف الياء، وهو من رعي الإبل، ومن قرأ بالإسكان فهو من الرتع، وهي الإقامة فى الخصب والتنعم، والتاء على هذا أصلية. ووزن الفعل: يفعل، ووزنه على الأول يفتعل، قال ابن عطية: فيرتع على قراءة نافع من رعي الإبل، أي: يتدرب في رعي الإبل وحفظ المال. قال أبو علي: وقراءة ابن كثير: (نرتع) بالنون (ويلعب) بالياء، فنزعها حسن لإسناد النظر في المال والرعاية إليهم، واللعب إلى يوسف لصباه، وقرأ أبو عمر وابن عامر: (نرتع ونلعب) بالنون فيهما، وإسكان العين والباء، من الرتوع، وهو: الإقامة في الخصب والمرعي في أكل وشرب، وقرأ عاصم والأخَوان: (يرتع ويلعب) بإسناد ذلك كله إلى يوسف. هـ. قلت: وكذا قرأ نافع، غير أنه يكسر العين وهم يسكنون. (ونحن عصبة) : حال، والرابط الواو، والعصبة: الجماعة من العشرة إلى فوق. يقول الحق ﷻ : قال إخوة يوسف لأبيهم: يا أَبانا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ أي: لم تخافنا عليه؟ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ نشفق عليه، ونريد له الخير. أرادوا أن يستنزلوه عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم. قلت: قد نصحوه في الحقيقة حيث تسببوا في ملكه وعزه. رُوي أنهم لما قالوا له: (مالك....) الخ، اهتزت أركانه، واصفر لونه، واصطكت أسنانه، وتحركت جوانبه، كأنه علم بما في قلوبهم بالفراسة. ثم قالوا: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ: يتسع في أكل الفواكه ونحوها. أو يتعلم الرعاية، وَيَلْعَبْ بالاستباق والانتضال، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ أن يناله مكروه. قالَ يعقوب: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ لشدة مفارقته عليَّ، وقلة صبري عنه، وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ: لاشتغالكم بالرتع واللعب، أو لقلة اهتمامكم به، وإنما خاف عليه من الذيب

стр. 1167

لأن الأرض كانت مذأبة، وقيل: رأى في المنام أن الذئاب أحدقت بيوسف فكان يخافه، وإنما كان تأويلها: إحداق إخوته به حين أرادوا قتله. قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ: جماعة، إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ: مغبونون من القوة والحزم، أو مستحقون بأن يدعى عليهم بالخسارة. الإشارة: لم يسمح يعقوب ﵇ بفراق حبيبه ساعة، وكذلك العبد لا ينبغي أن يغفل عن سيده لحظة لأن الغفلة فراق، والذكر انجماع، والعبد لا صبر له عن سيده. وأنشدوا: فلأَبكيَن على الفراق كما بكى ... سفا لفُرقةِ يوسفٍ يعقوبُ وَلأَدعُوَنَّكَ في الظلام كما دعا ... عند البلية رَبّةُ أيوبُ وأنشدوا أيضاً في ذم الغفلة: غَفَلتَ عَنِ الأَيَّامِ يا أَخي فَانتَبِهْ ... وَشَمِّرْ فإن الموتَ لا شك واقعْ على أي شيءٍ هو حزنك قائم ... جنود المنايا تأتيك فانهض وسارعْ قيل: إن بعض الصالحين رأى أستاذه في المنام، فقال له: يا أستاذ، أي الحسرات عندكم أعظم؟ قال: حسرة الغافلين. وأنشدوا: تيقظ إلى التّذكار فالعمر قد مضى ... وحتى مَتَى ذا السكرُ من غفلة الهوى ورأى ذو النون المصري بعض الصالحين في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وقال: يا مدعي، ادعيت محبتي ثم غفلت عني. وأنشدوا: تغافلت عن فهم الحقيقة بالهوى ... فلا أُذنٌ تُصغِي ولا عينٌ تَذرِفُ ضعفت ولكن في أمانيك قوةٌ ... فيا تابعَ اللذاتِ كم تتخلفُ ورأى عبد الله بن مسلمة والده في النوم، فقال له: يا أبت، كيف ترى حالك؟ فقال له: يا ولدي عشنا غافلين. وأنشدوا: غفلتَ وحادِي الموتِ يحدوك للبِلاَ ... وجسمك يا مغرور أصبح معتلا وحتى متى يا صاح بابك مغلق ... أتاك نذير الموت والعمر قد ولّى

стр. 1168

قيل: ما أصاب يعقوب ما أصابه في ولده إلا من أجل خوفه عليه، وغفلته عن استيداعه ربه، ولو استودعه ربه لحفظه، لكن لا ينفع حذرٌ من قدر. (وكان أمر الله قدرا مقدورا) . ثم ذكر انصرافهم بيوسف، وما كان من شأنه، فقال: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٥ الى ١٨] فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨) قلت: (لمَّا) حرف وجود لوجود، يطلب الشرط والجواب، وجوابها هنا محذوف، أي: فعلوا به ما فعلوا. وقيل: جوابها: (أجمعوا) ، وقيل: (أوحينا) على زيادة الواو فيهما. وجملة: (وهم لا يشعرون) : حال من (تنبئنهم) ، فيكون خطاباً ليوسف ﵇، أو من (أوحينا) أي: وهم لا يشعرون حين أوحينا إليه. فيكون حينئذٍ الخطاب لسيدنا محمد ﷺ . و (صبر جميل) : مبتدأ، والخبر محذوف، أي: مثل. أو: خبر عن مبتدأ، أي: أمري صبر جميل. و (على قميصه) : في موضع نصب على الظرف، أي: فوق قميصه. أو: حال من الدم إن جوز تقديمها على المجرور. يقول الحق ﷻ : فَلَمَّا ذَهَبُوا بيوسف معهم وَأَجْمَعُوا أي: عزموا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ «١» الْجُبِّ وهو بئر بأرض الأردن، أو بين مصر ومدين، أو على ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب. قال الفراء: كان حفره شداد بن عاد. فانظره. قال السدي: ذهبوا بيوسف وبه عليهم كرامة، فلما برزوا في البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيماً. فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح: يا أبتاه يا يعقوب، لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء. هـ. وكان إخوته سبعة من خالته الحرة، والباقون من سريتين له، كما تقدم. وقال ابن عباس رضى الله عنه: كان يعقوب ﵇ ينظر إلى يوسف ﵇ حتى غاب عنه، وعن نظره، فلما علموا أنهم غيبوه عنه، وضعوه في الأرض وجروه عليها، ولطموا خده، فجرد شمعون سكينه وأراد ذبحه، فتعلق بذيل

стр. 1169

روبيل وضربه، وكذلك جميع إخوته إذا لجأ لواحد منهم طرده، فضحك عند ذلك يوسف ﵇، فقال له يهوذا: ليس هذا موضع الضحك يا يوسف، فقال: من تعزز بغير الله ذل، ظننت أنه لا يصيبني وأنا بينكم مكروه لما رأيت من قوتكم وشدتكم، فسلطكم الله علي بشؤم تلك الفكرة حتى لا يكون التوكل إلا عليه والتعزز إلا به. هـ. بالمعنى. وقال الفراء: كانت زينب بنت يعقوب ﵇ أخت يوسف- وكانت رأت في منامها كان يوسف وضع بين الذئاب وهم ينهشون، فانتبهت فازعة، ومضت إلى أبيها باكية، فقالت يا أبت، أين أخي يوسف؟ قال: أسلمته إلى إخوته، فمضت خلفه حتى لحقت به، فأمسكته، وتعلقت بذيله، وقالت: لا أفارقك اليوم يا أخي أبداً، فقال لها إخوتها: يا زينب، أرسليه من يدك، فقالت: لا أفعل ذلك أبداً لأني لا أطيق فراق أخي، فقالوا: بالعشي نرده إليك ويأتيك. ثم أقبل يوسف ﵇ يقبل رأسها ويديها، ويقول لها: يا أختاه دعيني أسير مع إخوتي أرتع وألعب، فذهب، وجلست تشيعه بعينها، ودموعها تتناثر مما رأت خوفاً عليه. هـ. فلما غابوا به عنها فعلوا به ما تقدم، وهموا بقتله، فقال لهم يهوذا: أما عاهدتمُوني ألا تقتلوه فأتوا به إلى البئر فدلوه فيها فتعلق بشفيرها، فربطوا يده، ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم، ويحتالوا به على أبيهم، فقال: يا إخوتاه رُدّوا عليّ قميصي أتوارى به، فقالوا: ادعُ الأحد عشر كوكباً والشمس والقمرَ يلبسوك ويؤنسوك. فلما بلغ نصفها ألقوه، وكان فيها ماء، فسقط، ثم آوى إلى صخرة كانت فيها فقام عليها يبكي، فجاءه جبريل بالوحي، كما قال: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ ... الخ. وكان ابن سبع عشرة سنة، وقيل: كان مراهقاً. وقال ابن عطية: كان ابن سبع سنين، أوحى إليه في صغره كما أوحي إلى يحيى وعيسى- ﵉. وفي القَصَص: أن إبراهيم ﵇، حين ألقي في النار، جُرد من ثيابه، فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحق، وإسحق إلى يعقوب، فجعله في تميمة علقها على يوسف، فأخرجه جبريل وألبسه يوسف. ثم قال له فيما أوحي إليه: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ أي: لتحدثنهم بِأَمْرِهِمْ هذا بما فعلوا بك، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنك يوسف، لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم، وطول العهد المغير للحال والهيئات. وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر، حين دخلوا عليه ممتارين، فعرفهم وهم له منكرون، إلى أن قال لهم: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ «١» وفي رواية: أوحى إليه: يا يوسف لا تحزن على ما أصابك، فإنك تصل إلى ملك كبير، ويقف إخوتك بين يديك. بشره بما يؤول إليه أمره، أيناساً وتطبيباً لقلبه. وقيل: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ متصل بقوله: وَأَوْحَيْنا أي: آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك.

стр. 1170

وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً آخر النهار، وقرىء عُشي بضم العين والقصر، جمع أعشى، أي: عُشي من البكاء. فجاءوا إليه يَبْكُونَ أي: متباكين. روي أنه لما سمع بكاءهم فزع وقال: يا بني، أين يوسف؟ فقالوا: يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ أي: نتسابق بأقدامنا في العَدْو، أو الرمي وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا: بمصدق لنا، وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ لسوء ظنك، وفرط محبتك ليوسف. وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ: فوق قميصه بِدَمٍ كَذِبٍ، أي: ذي كذب بمعنى مكذوب فيه لأنهم ذبحوا جدياً، ولطخوا قميصه بدمه. رُوي أنه لما سمع بخبر يوسف صاح ودعا بقميصه فأخذه، وألقاه على وجهه، وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص، وقال: ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا! أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه. وفي رواية أخرى: أنه لما رأى صحة القميص ضحك، فقالوا له: الضحك والبكاء من فعل المجانين! فقال: أما بكائي فعلى يوسف لما رأيت الدم، وأما ضحكي، فإني لما رأيت صحة القميص رجوت أن الحديث غير صحيح، ولذلك قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً أي: سهلت لكم، وهونت في أعينكم أمراً عظيماً حتى أقدمتم عليه. وقيل: لما سمع مقالهم غشي عليه إلى الصباح، وهم يبكون بأجمعهم، ويقولون بينهم: بئس ما فعلناه بيوسف ووالده، وأي عذر لنا عند الله. فلما أفاق نظر إلى أولاده وقال: هكذا يا أولادي كان ظني فيكم، بئس ما فعلتم، وبئس ما سولت لكم أنفسكم فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي: فأمري صبري جميل. وفي الحديث: «الصبرُ الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق» «١» . وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ أي: على احتمال ما تصفونه من هلاك ابني يوسف. وهذه الجريمة كانت قبل استنبائهم، إن صح أنهم تنبأوا. وقد تقدّم في سورة البقرة الخلاف في نبوة الأسباط فراجعه «٢» . الإشارة: في هذه الآية رجاء كبير لأهل العصيان، وبشارة وتأنيس لمن أراد مقام الإحسان، بعد الإساءة والغفلة والنسيان، وذلك أن هؤلاء السادات فعلوا بيوسف ﵇ ما فعلوا، فلما تابوا بعد هذا الفعل العظيم اجتباهم الحق تعالى، وتاب عليهم، وقربهم حتى صاروا أنبياء، على حد قول بعض العلماء. ولذلك قيل: [كم من خصوص خرجوا من اللصوص، وكم من عابد ناسك خرج من ظالم فاتك] . وفي الحكم: «مَن استغرب أن يُنقذه الله من

стр. 1171

شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وَكَانَ الله على كُلِّ شيء مقتدراً» . وللشافعى ﵁: فَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي ... جَعَلتُ الرَجَا منِّي لِعَفْوكَ سُلَّمَا تَعَاظَمَني ذَنبِي فَلَمَّا قَرَنتُهُ ... بِعفوكَ رَبِّي كَانَ عَفوُكَ أَعظَمَا وهذا إنما يكون بالتوبة النصوح، والنهوض التام، والمجاهدة الكبيرة، كما فعل إبراهيم بن أدهم، والفضيل ابن عياض، والشيخ أبو يعزى، وغيرهم ممن كانوا لصوصاً فصاروا خصوصاً. قال النبي ﷺ : «مَن لَم يَغلِب نَفسَه وَهَواه فَليس لَهُ حَظٌ في عُقبَاه» . وأنشدوا: جَنَينَا على النَّفس الَّتي لَك رُشدُها ... بِطبْعِ الهَوى فِيها وَتِيهٍ مَن الحِجا جَزَى الله خَيراً مَن أَعَدَّ لِدَائهِ ... دَوَاءَ التُقَى فَاستَعمَلَ الخوف والرّجا جبان وترجو أن تُلقَّبَ فَارساً ... مَتَى شَابه العَضبُ اليَمَانيُّ دُملَجَا وفيها أيضاً: تنويه بمقام الصابرين وعاقبة المتقين، فإن يعقوب ﵇، لما استعمل الصبر الجميل، جمع الله شمله بولده مع ما أعدَّ له من الثواب الجزيل. ويوسف ﵇، لما صبر على ما أصابه من المحن عوضه العز الدائم بترادف المدن. وفي الخبر: «أعلى الدرجات درجات الصابرين» . لكل عمل ثواب محدود، وثواب الصبرين غير محدود ولا معدود. قيل: أن الله تعالى أعطى لكل صابر قصراً في الجنة مسيرة الشمس أربعين يوماً، من درة بيضاء معلقة في الهواء، ليس تحته دعامة، ولا فوقه علاقة، وله أربعة آلاف باب، يدخل من كل باب سبعون ألف ملك، يسلمون على صاحبه ولا ترجع النوبة إليهم أبدا. هـ. ثم ذكر خروج يوسف من البئر، وبيعه، ودخوله مصر، فقال: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٩ الى ٢٢] وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)

стр. 1172

قلت: (بضاعة) : حال من المفعول، أي: وأخفوه مبضعاً به للتجارة. و (لنعلمه) : عطف على محذوف، أي: مكناه في الأرض ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه.. إلخ. و (دراهم) : بدل من (ثمن) . قال الهروي: الأَشُدَّ: من خمسة عشر إلى أربعين سنة. وهو جمع شدة، مثل: نعمة وأنعم، وهي: القوة والجلادة في البدن والعقل. هـ. يقول الحق ﷻ : وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ رفقة تسير من مدين إلى مصر، فنزلوا قريباً من الجب، وكان ذلك بعد ثلاث من إلقائه فيه. فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ الذي يرد الماء، ويستقي لهم، وهو: مالك بن ذعر الخزاعي، فَأَدْلى دَلْوَهُ أرسلها في الجب ليملأها، فتعلق بها يوسف، فلما رآه قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ نادى البشرى، بشارة لنفسه، أو لقومه، كأنه قال: تعالِ هذا أوانك. وقيل: اسم لصاحبه، ناداه ليعينه على إخراجه فأخرجوه، وَأَسَرُّوهُ أي: أخفاه الوارد، وأصحابه عن الرفقة، وقالوا: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه بمصر، حال كونه بِضاعَةً أي: متاعاً مبضعاً به للتجارة، أي: يباع ويتجر بثمنه. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ لم يخف عليه اسرارهم. وَشَرَوْهُ أي: باعه السيارة من الرفقة، أو إخوته، فيكون الضمير راجع لهم. رُوي أن يهوذا كان يأتيه كل يوم بالطعام، فأتاه يومئذٍ فلم يجده فيها، وأخبر إخوته فأتوا الرفقة وقالوا: هذا غلامنا فاشتروه، وسكت يوسف خوفاً من أن يقتلوه. أو اشتروه من إخوته لأن شرى قد يستعمل بمعنى اشترى. فاشتراه الرفقة منهم بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي: مبخوس، لزيفه أو نقصانه، دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ قليلة، فإنهم يَزنُون ما بلغ الأوقية، ويعدُّون ما دونها. قيل: كان عشرين درهماً. وقيل: اثنين وعشرين. رُوي أن الذي اشتراه منهم مالك بن ذعر المتقدم، وكان صعلوكاً، فسأل يوسف أن يدعو له فدعا له فصار غنياً. رُوِيَ أنه قال لهم: بكم تبيعونه؟ فقالوا له: إن اشتريته بعيوبه بعناه لك. فقال: وما عيوبه؟ فقالوا: سارق كذاب، يرى الرؤيا الكاذبة. فقال لهم: بكم تبيعونه لي مع عيوبه؟ ويوسف ﵇ ينظر إليهم ولا يتكلم، وهو يقول في نفسه: ما أظنه يقوم بثمني لأنهم يطلبون أموالاً كثيرة. قال لهم مالك: معي دراهم قليلة تعد ولا توزن، فقالوا له: هاتها. فاشتراه منهم بتلك الدراهم المعدودة. قال ابن عباس: كانت سبعة عشر درهماً، جعل له ذلك جزاء لما قوم نفسه، وظن أنهم يطلبون فيه الأموال. هـ. وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ: الراغبين عنه. يحتمل أن يكون الضمير لإخوته، وزهدهم فيه ظاهر. أو يكون للرفقة، فإن كانوا

стр. 1173

بائعين فزهدهم فيه لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به خائف من انتزاعه، وإن كانوا مبتاعين فلأنهم اعتقدوا أنه آبق. قال الفراء: لما اشتراه منهم مالك، قال لهم: اكتبوا لي كتاباً بخطكم بأنكم بعتم مني هذا الغلام بكذا وكذا، فكتبوا له ذلك، فلما أراد الرحيل قالوا له: اربطه لئلا يهرب، فلما همَّ بربطه قال له يوسف: خلني أودِّع ساداتي فَلَعَلَّي لا ألقاهم بعد هذا اليوم. فقال له مالك: ما أكرمك من مملوك، حيث يفعل بك هذا وأنت تتقرب منهم. فقال له يوسف: كل أحد يفعل ما يليق به، فقال له: دونك، فقصدهم وهُم قيام صفاً واحداً، فلما دنا منهم بكوا وبكى يوسف ﵇، ثم قالوا: والله لقد ندمنا يا يوسف على ما فعلنا، ولولا الخشية من والدنا لرددناك. هـ. ثم ذهبوا به إلى مصر فباعوه، فاشتراه العزيز الذي كان على خزائن مصر. واسمه: «قطفير» ، وكان المَلِك يومئذٍ «ريان بن الوليد العلقمي» ، وقد آمن بيوسف، ومات في حياته. وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ راعيل، أو زليخا، أَكْرِمِي مَثْواهُ اجعلي مقامه عندنا كريماً، والمعنى: أحسني تعهده، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا في ضِياعنا وأموالنا، نستظهر به في مصالحنا، أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي: نتبنَّاه، وكان عقيماً، لما تفرس فيه من الرشد. ولذلك قيل: (أفرس الناس عزيز مصر، وابنة شعيب التي قالت: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ «١» ، وأبو بكر حين استخلف عمر) «٢» . قال البيضاوي: رُوي أنه اشتراه العزيز وهو ابن تسع عشرة سنة، ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة. واختلف فيما اشتراه به مَنْ جعل شراءً غير الأول، فقيل: عشرون ديناراً، وزوجاً نعل، وثوبان أبيضان. وقيل: ملؤه- أي وزنه- فضة، وقيل: ذهباً. هـ. وقيل: مسكاً وحريراً. وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي: وكما مكنا محبته في قلب العزيز، أو كما مكناه في منزله، أو كما أنجيته، وعطفنا عليه العزيز، مكناه في الأرض، ليتصرف فيها بالعدل، وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي: من تأويل كتب الله المتقدمة، أو من تأويل الأحكام الحادثة بين الناس ليحكم فيها بالعدل، أو من تعبير المنامات، ليستعد لها قبل حلولها. أي: كان القصد في إنجائه وتمكينه: إقامته العدل، وتْيسير أمور الناس، وليعلَمَ معاني كُتب الله وأحكامه فينفذها، وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ: لا يرده شيء، ولا ينازعه فيما يريد جبار ولا عنيد، أو: غالب

стр. 1174

على أمر يوسف، فيدبر أمره بالحفظ والرعاية، والنصر والعز في عاقبة أمره، خلاف ما أراد به إخوته، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أن الأمر كله بيده، أو لا يفهمون لطائف صنعه، وخفايا لطفه. وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ منتهى اشتداد جسمه، وكمال عقله. وتقدم تفسير الهروي له، وحده. وقيل: ما بين الثلاثين والأربعين، آتَيْناهُ حُكْماً: حكمة، وهي النبوة. أو العلم المؤيد بالعمل. أو حُكماً بين الناس بالعدل. وَعِلْماً يعني: علم تأويل الأحاديث، أو علماً بأسرار الربوبية، وكيفية آداب العبودية. وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إذا كمل عقلهم، وتوفر آدابهم، وكمل تهذيبهم، آتيناهم الحكمة وكمال المعرفة. وفيه تنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ذلك جزاء على إحسانه وإتقانه عمله في عنفوان شبابه. اَلإشارة: من ظن انفكاك لطف الله عن قدره فذلك لقصور نظره، لا سيما لطفه بالمتوجهين إليه، أو العارفين به الواصلين لحضرته. فكل ما ينزل بهم فإنما هو أقدار جارية، وأمداد سارية، وأنوار بهية، وألطاف خفية، تسبق لهم الأنوار قبل نزول الأقدار، فلا تحوم حول قلوبهم الأكدار، ولا تغير قلوبَهم رؤية الأغيار، عند نزول شدائد الأقدار، يحفظ عليهم أسرار التوحيد، وينزل عليهم أنوار التأييد، عند نزول القضاء الشديد، والبلاء العتيد. ولا بن الفارض ﵁: أَحبائِي أَنتُم، أَحْسَنَ الدَّهرُ أم أَسا ... فَكُونُوا كما شِئتُمُ أَنا ذَلك الخِلُّ وقال صاحب العينية: تَلَذُّ لِيَ الآلامُ إذْ كُنْتَ مُسقِمي ... وَإن تَخْتَبِرني فَهْي عِنْدي صَنَائِعُ تَحَكَّم بِمَا تَهْواهُ فِيّّ فإنَّني ... فَقيرٌ لسُلطان المَحَبَّة طَائِعُ وقد جرت عادة الله تعالى أن يعقب الجلال بالجمال، والمحن بالمنن، والذل بالعز، والفقر بالغنى، فبقدر ما تشتد المحن تأتي بعدها مواهب المنن، وبقدر ما ينزل من الجلال يأتي بعده الجمال. سُنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا. لا راد لما قضى، ولا معقب لما به حكم وأمضى. قال تعالى: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ: قال بعض المفسرين: هذه الآية هي قطب هذه السورة، ثم قال: أراد آدم البقاء في الجنة، وما أراد الله ذلك، فكان الأمْر مُراد الله. وأراد إبليس أن يكون رأس البررة الكرام، وأراد الله أن يكون إمام الكفرة اللئام، فكان الأمر كما أراد الله. وأراد النمرود هلاك إبراهيم ﵇، ولم يرده الله، فكان الأمر كما

стр. 1175

أراد الله. وأراد فرعون هلاك موسى ﵇، فأهلكه الله، ونجى موسى. وأراد داود أن يكون الملك لولده ميشا، وأراد الله أن يكون لسليمان ﵇، فكان كما أراد الله. وأراد أبو جهل هلاك سيدنا محمد ﷺ ونبوة الوليد بن المغيرة، فأهلك الله أبا جهل والوليد ونبأ محمدا ﷺ . وأراد المنذر بن عاد البقاء في الدنيا، فأهلكه الله وخرب ملكه. وأراد إرم العاتي، الذي بنى إرم ذات العماد، يحاكي بها الجنة، أن يسكنها خالداً فيها، فكذبه الله، وحال بينه وبينها، وغيبها عنه، حتى مات بحسرتها. هـ. ثم ذكر مراودة زليخا ليوسف، وما كان من شأنهما، فقال: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٩] وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩) قلت: المراودة: المطالبة، من راد يرود: إذا جاء وذهب لطلب الشيء، ومنه الرائد. و (هيت) : اسم فعل معناه: تعال، أو أقبل، مبني على الفتح كأين، واللام للتبيين، كالتي في: سقيا لك، وقرأ ابن كثير: بالضم تشبيهاً بحيث، ونافع وابن عامر بالفتح، وهي لغة فيه. وقرىء: «هئْت» بالهمز كجئت، من هَاءَ يهيء: إذا تهيأ. و (معاذ الله) : مصدر لمحذوف، أي: أعوذ بالله معاذاً. و (إنه) : ضمير الشأن. و (لولا) : حرف امتناع، وجوابها محذوف، أي: لخالطها، ولا يجوز أن يكون (وهمَّ بها) جوابها لأن حكمها حكم الشرط، فلا يتقدم عليها جوابها. قاله البيضاوي.

стр. 1176

قلت: وبهذا يُرَدّ على مَن وقف على (همت به) ، كالهبطى ومن تبعه، إلا أن يُحمل على أنه ابتداء كلام مع حذف الجواب. واستحسنه البعض ليكون همُّ يوسف خارجاً عن القسم، (وكذلك) : في موضع المصدر، أي: ثبتناه مثل ذلك التثبيت لنصرف.. الخ، و (المخلصين) بالفتح: اسم مفعول من: أخلصه الله. وبالكسر: اسم فاعل بمعنى: أخلص دينه لله. يقول الحق ﷻ : وَراوَدَتْهُ للفاحشة، أي: تمحلت وطلبت منه أن يوافقها الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها وهي زليخا. وترك التصريح بها استهجاناً. فراودته عن نفسه، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ، قيل: كانوا سبعة. والتشديد للتكثير، أو للمبالغة في الإيثاق، وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ أي: أقبل وبادر، أو تهيأتُ لك. رُوي أنها تزينت بأحسن ما عندها، وقالت: تعال يا يوسف، قالَ مَعاذَ اللَّهِ أي: أعوذ بالله معاذاً، إِنَّهُ أي: الشأن، رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ سيدي أحسن إقامتي وتربيتي، إذ قال لك أكرمي مثواي، فما جزاؤه أن أخونه في أهله، أو أنه تعالى ربي أحسن مَنزلي بأن عطف عَلَيَّ قلبَ سيدي، ولطف بي في أموري، فلا أعصيه، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ المجاوزون الإحسان إلى الإساءة، أو الزناة فإن الزنى ظلم على الزاني والمزنيّ بأهله. وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها، قال ابن جزي: أكثر الناس الكلام في هذه الآية، حتى ألفوا فيها التآليف، فمنهم مفرط ومُفرّط وذلك أن منهم من جعل هَمَّ المرأة وهَمَّ يوسف من حيث الفعل الذي أرادته. وذكروا من ذلك روايات من جلوسه بين رجليها، وحله للتكَّة، وغير ذلك مما لا ينبغي أن يقال به لضعف نقله ولنزاهة الأنبياء عن مثله، ومنهم من قال: همت به لتضربه على امتناعه، وهَمَّ بها ليقتلها أو يضربها ليدفعها. وهذا بعيد يرده قوله: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ. ثم قال: والصواب- أنْ شاء الله-: أنها همت به من حيث مرادُها، وهَمَّ بها كذلك، لكنه لم يعزم على ذلك، ولم يبلغ إلى حد ما ذكر من حل التكَّة، بل كان همه خطرة خطرت على قلبه، ولم يتابِعها، ولكنه بادر إلى التوبة والإقلاع عن تلك الخطرة، حتى محاها من قلبه، لمَّا رأى برهان ربه. ولا يقدح هذا في عصمة الأنبياء لأن الهم بالذنب ليس بذنب، ولا نقص في ذلك لأنَّ من هَمَّ بذنب ثم تركه كتب له حسنة. هـ. قلت: وكلامه حسن لأن الخطرات لا طاقة للبشر على تركها، وبمجاهدة مخالفتها فُضِّل البشر على جنس الملائكة، وقال البيضاوي: والمراد بهمه: ميل الطبع، ومنازعة الشهوة، لا القصد الاختياري، وذلك مما لا يدخل تحت التكليف، بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل، لمن يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم أو مشارفته، كقوله: قتلته لو لم أخف الله. هـ. ومثله في تفسير الفخر، وأنه مال إليها بمقتضى الطبع، ومُنع منه بصارف العصمة، كالصائم يشتاق الماء البارد، ويمنعه منه صومه. ومثله أيضاً في لطائف المنن: همت به هَمَّ إرادة، وهَمَّ

стр. 1177

بها هَمَّ ميل لا هَمَّ إرادة. قال المحشي الفاسي: وفيه نظر لأن ذلك لا يتصور في النفوس المطمئنة. وإنما ذلك شأن أرباب التلوين والمجاهدة، دون أهل التمكين والمشاهدة، وخصوصاً الأنبياء إذ صارت نفوسهم مشاكلة للروح، مندرجة فيها، ولذلك صارت مطمئنة، وميلها حينئذ إنما يكون للطاعة، وأما غير الطاعة، فهي بمنزلة القذر والنتن تشمئز منه، ولا يتصور بحال ميلها إليه. ثم أطال الكلام في ذلك. قلت: أما تفسير الهم بالميل فلا يليق بالنفس المطمئنة. وأما تفسيره بالخاطر فيتصور في المطمئنة وغيرها. وإنما سماه الله تعالى هماً في حق يوسف ﵇ لأن الأنبياء- ﵈ لعلو منصبهم، وشدّة قربهم من الحضرة، يشدد عليهم في مطالبة الأدب، فيجعل الخاطر في حقهم هَمّاً، وظناً. كما قال تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا «١» فيمن خفف الذال، أو كما قال تعالى في حق يونس ﵇: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ «٢» على أحد التفاسير. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لخالطها. والبرهان الذي رأى: قيل: ناداه جبريل: يا يوسف تكون في ديوان الأنبياء، وتفعل فعل السفهاء. وقيل: رأى يعقوب عاضاً على أنامله، يقول: إياك يا يوسف والفاحشة. وقيل: تفكر في قبح الزنى فاستبصر. وقيل: رأى زليخا غطت وجه صنمها حياءً منه، فقال: أنا أولى أن أستحي من ربي. كَذلِكَ أي: مثل ذلك التثبيت ثبتناه لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ خيانة السيد، وَالْفَحْشاءَ، الزنى إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ الذين أخلصناهم لحضرتنا. أو من الذين أخلصوا وجهتهم إلينا. وَاسْتَبَقَا الْبابَ أي: تسابقا إلى الباب، وابتدرا إليه، وذلك أن يوسف ﵇ فرَّ منها ليخرج حين رأى البرهان، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج، وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ أي: شقت قميصه من خلف لما اجتذبته لترده. والقدُّ: الشق طولاً، والقَطُّ: الشق عرضاً، وَأَلْفَيا سَيِّدَها: وصادفاً زوجها لَدَى الْبابِ وفيه إطلاق السيد على الزوج، وإنما أفرد الباب هنا، وجمعه في قوله: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ لأن المراد هنا الباب البراني الذي هو المخرج من الدار. قالَتْ لزوجها: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ؟ قالته إيهاماً أنها فرت منه تبرئة لساحتها عند زوجها، وإغراء له عليه انتقاماً لنفسها لما امتنع منها. قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي: طالبتني بالمواقعة بها. قال ذلك تبرئة لساحته، ولو لم تكذب عليه ما قاله.

стр. 1178

وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها، قيل: ابن عمها. وقيل: ابن خالها صبياً في المهد. وكونه من أهلها أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف. وكونه لم يتكلم قط، ثم تكلم كرامة ليوسف ﵇، وعن النبي ﷺ : «تكلم في المهد أربعةٌ: ابنُ ماشِطة ابنة فرعَون، وشَاهِدُ يُوسفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْج، وعيسَى» . وذكر مسلم في صحيحه- في قصة الأخدود-: «أن امرأة أتِي بها لتُطْرَح في النار، ومعها صبي يرضع، فقال لها: يا أمه، اصبري، لا تجزعي. فأنك على الحق..» «١» وعَدَّ بعضهم عشرة تكلموا في المهد، فذكر إبراهيم ﵇، ويحيى ابن زكريا، ومريم، ونبينا محمد ﷺ ، وطفلاً في زمنه ﵇، وهو: مبارك اليمامة، وقد نظمهم السيوطي، وزاد واحداً، فقال: تكلم في المَهدِ النَّبيُّ مُحَمدٌ ... ويحيى وعيسى والخليلُ ومريمُ وصَبِيّ جُريْجٍ ثم شاهِدُ يوسِفُ ... وطِفلٌ لدى الأُخدود يَرويهِ مُسلِمُ وطفلٌ عَلَيهِ مُرَّ بالأمَةِ الَّتي ... يُقالُ لَها تَزنِي ولا تَتَكَلَّمُ وماشِطَةٌ فِي عَهدِ فرعون طِفلُها ... وفي زَمَنِ الهادي المُبَاركُ تُختَمُ وذكر ابن وهب عن أبي لهيعة قال: بلغني أن المولود فيما تقدم كان يولد في الليل، فيصبح يمشي مع أمه. هـ وضعف ابن عطية كون شاهد يوسف صبياً بالحديث: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة» ، وبأنه لو كان الشاهد صبياً لكان الدليل نفس كلامه، دون أن يحتاج إلى الاستدلال بالقميص. هـ. وقد يُجاب بأن الحصر باعتبار بني إسرائيل، مع أن الوحي يتزايد شيئاً فشيئاً، فأخبر بثلاثة، ثم أخبر بآخرين، وبأن الاستدلال وقع بهما تحقيقاً للقضية. ثم ذكر الحق تعالى ما قاله الشاهد، فقال: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ لأنه يدل على أنها قدت قميصه من قُدامه بالدفع عن نفسها. أو لأنه أسرع خلفها فعثر بذيله فانقدَّ جَيبُه. وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ لأنها جذبته إلى نفسها حين فرَّ منها. والجملة الشرطية محكية بالقول، أي: قال: إن كان ... إلخ. وتسميتها شهادة لأنها أدت مؤداها. والجمع بين «إنْ» و «كان» : على تأويل: إن يعلم أنه كان، ونحوه، ونظيره: قولك: إن أحسنت إليَّ فقد أحسنت إليك من قبل. فإن معناه: إن تمدن علي بإحسانك امنن عليك بإحساني. ومعناه: إن ظهر أنه كان قميصه.. الخ.

стр. 1179

فَلَمَّا رَأى زوجُها قميصَ يوسف قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ أي: قَوْلُكِ: ما جَزاءُ ... الخ. مِنْ كَيْدِكُنَّ من حيلتكن. والخطاب لها ولأمثالها ولسائر النساء، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ لأن كيد النساء ألطف وأعلق بالقلب، وأشد تاثيراً من النفس والشيطان لأنهن يواجهن به الرجال، والنفس والشيطان يوسوسان مسارقة. ثم التفت العزيزُ إلى يوسف وقال: يُوسُفُ اي: يا يوسف. وحذف النداء إشارة إلى تقريبه وملاطفته، أَعْرِضْ عَنْ هذا الأمر واكتمه، ولا تذكره، وَاسْتَغْفِرِي يا زليخا لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ من القوم المذنبين، من خطأ إذا أذنب متعمداً. والتذكير للتغليب. قاله البيضاوي. الإشارة: إذا أراد الله أن يصافي عبده بخصوصية النبوة أو الولاية، كلأه بعين الرعاية، وجذبه إليه بسابق العناية فإذا امتحنه أيَّده بعصمته، وسابق حفظه ورعايته. ولا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية فالشهوة في البشر أمر طبيعي، وبمجاهدتها ظهر شرفه. لكن النفس المطمئنة لا تحتاج في دفعها إلى كبير مجاهدة. والنفس اللوامة لا بد في دفعها من المكابدة والمجاهدة فالهواجم والخواطر ترد على القلوب كلها، لكن النفس المطمئنة لها قوة على دفعها، وقد تتصرف فيها بإمضاء ما قدره الله الواحد القهار عليها. وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً. وذلك كمال في حقهم لا نقصان إذ بذلك تتميز قهرية الربوبية من ضعف العبودية، فما ظهرت كمالات الربوبية إلا بظهور نقائص العبودية. أما الإصرار على العيوب فلا يوجد مع الخصوصية مطلقاً، وأما هجومها على العبد من غير إصرار فيكون مع وجود خصوصية النبوة والولاية، وقد تقع بها الزيادة إن صحبها الانكسار والإنابة. وفي الحكم: «ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول» . والله تعالى أعلم. واعلمْ أن ما امتحن به الصديق ﵇ مع العصمة، قد وقع مثله كثيراً في هذه الأمة المحمدية مع الحفظ والامتناع ذكر الرصاع في كتاب التحفة: أن بعض الطلبة كان ساكناً في مدرسة فاس، فخرجت امرأة ذات يوم إلى الحمام بابنتها، فَتَلَفتْ البنت وبقيت كذلك إلى الليل، فرأت باباً خلفه ضوء، فأتت إليه، فوجدت فيه رجلاً ينظر في كتاب، فقالت: إن لم يكن الخير عند هذا فلا يكون عند أحد. فقرعت الباب، فخرج الرجل فذكرت له قصتها، وأنها خافت على نفسها. فرأى أنه تَعَيَّنَ عليه حفظها، فأدخلها وجعل حصيراً بينه وبينها، وبقي كذلك ينظر في كتابه، فإذا بالشيطان زين له عمله، فحفظه الله ببركة العلم، فأخذ المصباح، وجعل يحرك أصابعه واحداً بعد واحدٍ حتى أحرقها، والبنت تنظر إليه وتتعجب، ثم خرج ينظر إلى الليل فوجده ما زال، فأحرق أصابع اليد الأخرى، ثم لاح الضوء، فقال: اخرجى، فخرجت إلى دارها سالمة، فذكرت القضية لوالديها، فأتى أبوها إلى مجلس العلم، وذكر القصة للشيخ، فقال للحاضرين: أخرجوا أيديكم وأمنوا على دعائي لهذا الرجل، فأخرجوا أيديهم، وبقي رجل، فعلم الشيخ أنه صاحب القضية، فناداه، فأخبره، فذكر أنه زوجه الأب منها. هـ. مختصرا.

стр. 1180

فمن ترك شيئاً لله عوضه الله مثله، أو أحسن منه. وكذلك فعل الحق تعالى بيوسف ﵇ قد زوجه زليخاً على ما يأتي إن شاء الله. وحدثنى شيخ شيخى مولاى العربي رضى الله عنه، أنه وقف على حكايات تناسب هذا وهو أن رجلاً صالحاً تعلق قلبه بابنة الملك، فلما رأى نفسه أنه لا يقدر على تزوجها تلطف حتى دخل عليها في قبتها ليلاً، فوجدها نائمة على فراشها ملقى على وجهها رداؤها، وشمعة تشعل عند رأسها، وأخرى عند رجلها، وطعام موضوع عندها. فكشف عن وجهها فرأى من الجمال ما أبهر عقله فجعل يتردد في نفسه، ويخاصمها على فعل الفاحشة، فبينما هو كذلك إذ أبصر لوحاً فوق رأسها مكتوباً فيه وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً «١» ، فتاب لله تعالى عليه، وزجر نفسه عن هواها، فوضع يده في ذلك الطعام ليأكل منه، وترك فيه أثراً، فلما أفاقت البنت رأت أثر اليد في الطعام، فسألت أهل الدار، فكلهم قالوا: ما دخل عليك أحد منا، فتيقنت أن رجلاً دخل عليها، وكان يخطبها كثيرٌ ممن له الرئاسة والجاه، فخافت على نفسها من أن يطرقها أحد منهم فيغضبها، فقالت لأبيها: لا بد أن تزوجنى، فقال في نفسه: والله لا أزوجها إلا لرجل صالح، فخرج مختفياً إلى المدرسة، فأتى بعض الناس، فقال: سمعت هنا برجل صالح، فأردت أن أزوره فأشار إلى ذلك الرجل الذي دخل على بنته ثم سأل ثانياً، وثالثاً، فكلهم أشار إليه، فأتى إليه فقال له: إن لي بنتاً جميلة خطبها مني كثير من الناس، فأردت أن أزوجكها، فجهزها بما يليق بها، وزوجها إياه. هـ. وذكر ابن عرضون: إن رجلاً كان بالقيروان من العلماء الأتقياء، يقال له شقران، وكان جميل الصورة، فهوته امرأة، فأرسلت إلى عجوز، وأسرت إليها أمره على أن توصله إليها، فأتت إليه العجوز، وقالت: عندي ابنة مريضة، وأرادت أن توصي، وعسى أن تصل إليها وتدعو لها، فلبس ثيابه، ومشى معها إلى أن وصلت إلى الدار فأدخلته، فوجد صبية جميلة، فقالت له: هلمّ، فقال: إِني أخاف اللهَ ربَّ العالمين. فقالت له العجوز: هيهات يا شقران، والله لئن لم تفعل لأصيحنَّ، وأقول: إنك دخلت علينا وعارضتنا، فقال لها: إن كان ولا بد فدعيني حتى أدخل الحجرة، فقالت له: افعل ما بدا لك، فدخل الحجرة، فقال: اللهم إنها ما هوت مني إلا صورتي فَغَيَّرها، فخرج من الحجرة، وقد ظهر عليه الجذام. فلما رأته، قالت: اخرج، فخرج سالماً. وهذه الحكاية مشهورة ببلاد القيروان. هـ. قلت: وقد نزل بنا في حال شبابنا كثير مما يشبه هذا، فحفظنا الله بمنّه وكرمه وحسن رعايته. فللَّهِ المنة والحمد، لا أحصى ثناء عليه.

стр. 1181

ولما شاع خبر زليخا مع يوسف ﵇، عاب عليها بعض النسوة، كما قال تعالى: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٣٠ الى ٣٤] وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) قلت: (نسوة) : اسم جمع لامرأة. وتأنيثه غير حقيقي، ولذلك جرد فعله من التاء. و (في المدينة) متعلق بقال، أي: أشعن الخبر في المدينة، أو: صفة لنسوة، فيتعلق بالاستقرار. و (حباً) : تمييز. و (حاشَ لله) : قال أبو علي الفارسي: هي هنا فعل، والدليل على ذلك من وجهين، أحدهما: أنها دخلت على لام الجر، ولا يدخل حرف على حرف. والآخر: أنها حذف منها الألف، على قراءة الجماعة، والحروف لا يحذف منها شيء. وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل، والفاعل بحاش ضميرُ يوسف، أي: بعد يوسف عن الفاحشة لخوف الله. وقال الزمخشري: حاش: وضع موضع المصدر، كأنه قال: تنزيهاً لله. وحذف منه التنوين مراعاة لأصله من الحرفية. وقال البيضاوي: هو حرف يفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء، فوضع موضع التنزيه. واللام للبيان، كما فى قولك: سقيالك. هـ. و (ليكونن) : نون التوكيد الخفيفة كتبت بالألف لشبهها بالتنوين. يقول الحق ﷻ : وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ: مصر، وكانوا خمساً: زوجة الحاجب، والساقي، والخباز، والسجان، وصاحب الدواب. قلن: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها: خادمها عَنْ نَفْسِهِ أي: تطلب مواقعه غلامهِا إياها، قَدْ شَغَفَها حُبًّا قد دخل شغاف قلبها حُبُّه، وهو غلافه، إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ في خطأ عن الرشد بيِّن ظاهر. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ باغتيابهن. وسماه مكراً لأنهن أخفينَه كما يخفي الماكر مكره. وقيل: كانت اسْتَكتَمَتهن سرها فأفشينه. فلما بلغها إفشاؤه أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ تدعوهن. قيل:

стр. 1182

دعت أربعين امرأة فيهن الخمس. وَأَعْتَدَتْ: أعدت لَهُنَّ مُتَّكَأً ما يتكئن عليه من الوسائد ونحوها. وقيل: المتكأ: طعام، فإنهم كانوا يتكئون للطعام عند أكله، وقرىء في الشاذ: «مَتْكاً» ، بسكون التاء وتنوين الكاف، وهو الأترج. وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ليقطعن به. وهذا يدل على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج. وقيل: كان لحما. وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ، فأسعفها لأنه كان مملوك زوجها، فخرج عليهن، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ: عظمن شأنه وجماله الباهر، وعن النبي ﷺ أنه قال: «رأيتً يُوسفَ لَيلَةَ المعراج كالقَمَر لَيلَةَ البَدْرِ» . وقيل: كان يُرى تلألؤ وجهه على الجدران. وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ: جرحنها بالسكين لفرط الدهشة. اشتغلن بالنظر إليه، وبُهتْن من جماله حتى قطعن أيديهن، وهُنَّ لا يشعرن، كما يقطع الطعام. وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تنزيهاً له عن صفات العجز عن أن يخلق مثله. أو تنريها له أن يجعل هذا بشراً. اعتقدوا أن الكمال خاص بالملائكة، وكونه في البشر في حيز المحال، أو تعجباً من قدرته على خلق مثله. ما هذا بَشَراً لأن هذا الجمال غير معهود للبشر.، إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ على الله لأن الجمع بين الجمال الرائق، والكمال الفائق، والعصمة البالغة. من خواص الملائكة. قالَتْ لهن: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ توبيخاً لهن على اللوم، أي: فهو ذلك الغلام الكنعاني، الذي لمتنني في الافتتان به قبل أن ترونه. ولو كنتن رَأَيْتُنَّهُ لعذرتُنَّنِي، وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ: فامتنع طلباً للعصمة. أقرت لهن حين عرفت أنهن يعذرنها كي يعاونها على إلانة عريكته، وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ به لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ الأذلاء، وهو من صِغَر، بالكسر، يَصغَر صغاراً. فقلن له: أطع مولاتك. قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ من فعل الفاحشة بالنظر إلى العاقبة. وإن كان مما تشتهيه النفس. لكن رُبَّ شَهوةَ ساعة أورَثَتْ حُزْناً طويلاً. قيل: إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا، وإنما كان اللائق به أن يسأل الله العافية، فالاختيار لنفسه أوقعه في السجن، ولو ترك الاختيار لكان معصوماً من غير امتحان بالسجن، كما كان معصوماً وقت المراودة، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي: وإن لم تصرف عني كَيْدَهُنَّ من تحبيب ذلك إليَّ، وتحسينه عندي بالتثبيت على العصمة، أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أًمِلْ إلى جانبهن بطبعي ومقتضى شهوتي، وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه. فإن الحكيم لا يفعل ما هو قبيح. أو من الذين لا يعملون بما يعلمون، فإنهم جهال، وكلامه هذا: تضرع إلى الله تعالى، واستغاثة به.

стр. 1183

فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ: أجاب دعاءه الذي تضمنه كلامه، فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ حيث ثبته على العصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن، وآثرها على اللذة الفانية إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لدعاء الملتجئين إليه، الْعَلِيمُ بإخلاصهم أو بما يصلح بهم. الإشارة: الحب إذا كان على ظاهر القلب، ولم يخرق شغافه، كان العبد مع دنياه، وآخرته، بين ذكر، وغفلة. فإذا دخل سويداء القلب، وخرق شغافه نسي العبد دنياه وأخراه، وغاب عن نفسه وهواه، وضل في محبة مولاه. ولذلك قيل لعاشقة يوسف: (إنا لنراها في ضلالٍ مبين) أي: في استغراق في المحبة حتى ضل عنها ما دون محبوبها. ومنه قوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى «١» أي: وجدك ضالاً في محبته، فهداك إلى حضرة مشاهدته ومقام قربه، فكان قاب قوسين أو أدنى. وعلامة دخول المحبة شغاف القلب أربعة أشياء: الاستيحاش، والإيناس، وذكر الحبيب مع الأنفاس، وحضوره مع الخواطر والوسواس. وأنشدوا: تَاللَّهِ مَا طَلَعت شَمسٌ ولا غربت ... إلاَّ وَذكْرُكَ مَقرُونٌ بِأَنفَاسِي وَلاَ جَلَسْتُ إلى قوْمٍ أُحدّثُهُم ... إلاَّ وأَنتَ حَدِيثِي بَينَ جُلاّسي ولا شربتُ لَذيذ الماء مِنْ ظَمَإِ ... إلا رَأيتُ خَيَالاً مَنكَ في الكاسِ إن كَانَ للنَّاسِ وسوَاسٌ يُوسوِسُهُم ... فَأَنتَ واللَّهِ وَسواسِي وخَنَّاسِي لَولا نَسيمٌ بِذكراكُم أَفيقُ بهِ ... لكُنتُ مُحتَرِقاً من حرِّ أَنفَاسي وقال آخر: خَيَالُك في وَهمِي، وذَكرُكَ في فَهمِي ... ومَثواكَ فِي قَلبِي، فَأَين تَغِيب؟ قوله تعالى: (فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن....) الآية: أدهشتهم طلعة يوسف، وجماله الباهر. وزليخا لما استمرت معه لم تفعل شيئاً من ذلك. كذلك المريد إذا استشرف على أنوار الحضرة وجمالها، أدهشته وحيرته، فلولا التأييد الإلهي ما أطاقها، فإذا صبر على صدماتها واستمر مع تجليات أنوارها ذهب دهشه، واطمأن قلبه بشهود محبوبه من وراء أردية العز والكبرياء، وهذه هي الطمأنينة الكبرى والسعادة العظمى. وقوله تعالى: (قال رب السجن أحب إلي) ، هكذا ينبغي للعبد أن يكون يختار ما يبقى على ما يفنى فرب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا، ورب صبر ساعة أورثت نعيماً جزيلاً. وبالله التوفيق.

стр. 1184

ثم ذكر سجن يوسف، وما يتبعه من إخراجه، وتمليكه وتمكينه، فقال: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٣٥ الى ٣٨] ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) قلت: (ليسجننه) : مفسر للفاعل، أي: ظهر لهم سجنه إذ الجملة لا تكون فاعلاً على المشهور، وجوزه بعضهم مستدلاً بالآية. وقيل: محذوف، أي: بدا لهم رأي ليسجننه. وقال الإمام القصار، الفاعل هو القسم المفهوم من اللام الموطئة له، أي: بدا لهم قسمهم ليسجننه. يقول الحق ﷻ : ثُمَّ بَدا لَهُمْ أي: ظهر للعزيز وأهله، مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ الدالة على براءة يوسف كشهادة الصبي، وقَدّ القميص، وقطع الأيدي، واستعصامه منهن، فظهر لهم سجنه. وأقسموا لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ: حتى يظهر ما يكون منه ليظن الناس أنها مُحِقة فيما ادعت عليه. فخدعت زوجها حتى وافقها على سجنه. ورُوي أنه لما أدخل السجن ندَمت زليخاً على سجنه، وعيل صبرها على فراقه، فأرسلت إلى السجان ليطلقه، فأبى، فلبث فيه سبع سنين. وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ أي: فسجنوه واتفق أنه دخل معه في ذلك اليوم رجلان آخران، من عبيد الملك: ساقيه وخبازه، اتُهِمَا أنهما أرادا أن يَسُمَّاه، قالَ أَحَدُهُما وهو الساقي: إِنِّي أَرانِي في المنام أَعْصِرُ خَمْراً أي: عنباً. وسماه خمراً: باعتبار ما يؤول إليه. رُوي أنه قال: رأيت كأن الملك دعاني وردني إلى قصره، فبينما أنا أدور في القصر، وإذا بثلاثة عناقيد من العنب، فعصرتها، وحملت ذلك إلى الملك لأسقيه له.

стр. 1185

وَقالَ الْآخَرُ وهو الخباز: إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ: تنهش الطَّيْرُ مِنْهُ، قال: رأيت كأن العزيز دعاني، وأخرجني من السجن، ودفع لي طيفورة عليها خبز، فوضعتها على رأسي، والطير تأكل منه. نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ من الذين يحسنون تأويل الرؤيا. وإنما قالا له ذلك لأنهما رأياه في السجن يعظ الناس ويعبر رؤياهم، أو من المحسنين إلى أهل السجن، كان ﵇ إذا رأى محتاجاً طلب له، وإذا رأى مضيقا وسع عليه فقالا له: فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا إن كنت تعرفه. قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في النوم، إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما تأويله في الدنيا. أو: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة لتأكلاه إلا أخبرتكما به، ما هو؟ وما لونه؟ وما صفته؟ وكم هو؟ قبل أن يأتيكما، إخباراً بالغيب، فيأتيهما كذلك معجزة. وصَفَ نفسَه بكثرة العلم والمكاشفة ليكون وسيلة إلى دعائهما إلى التوحيد. ثم قال لهما: ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي بالوحي والإلهام. وليس ذلك من قبيل التكهن أو التنجيم. رُوي أنهما قالا له: من أين لك هذا العلم، وأنت لست بكاهن ولا منجم؟ فقال لهما: ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ طريقة قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ أي: علمني ذلك لأني تركت ملة أهلِ الكفر، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، وإنما قال ذلك تمهيداً للدعوة، وإظهاراً أنه من بيت النبوة لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه، والوثوق به. ما كانَ لَنا: ما صح لنا معشر الأنبياء أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أيّ شرك كان، ذلِكَ التوحيد مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا بالوحي وَعَلَى النَّاسِ ببعثنا إليهم، وإرشادنا إياهم وتثبيتهم عليه، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ هذا الفضل فيُعرضون عنه. أو من فضل الله علينا بالوحي والإلهام، وعلى الناس بنصب الدلائل وإنزال الآيات. ولكن أكثرهم لا ينظرون إليها، ولا يستدلون بها، فيوحدون خالقها، فهم كمن كفر النعمة ولم يشكرها. الإشارة: جرت عادة الحق- تعالى- في خلقه أنه لا يأتي الامتكان إلا بعد الامتحان، ولا يأتي السلوان إلا بعد الأشجان، ولا يأتي العز إلا بعد الذل، ولا يأتي الوجد إلا بعد الفقد. فبقدر ما يضيق على البشرية تتسع ميادين الروحانية، وبقدر ما تسجن النفس وتحبس عن هواها، تتسع الروح في مشاهدة مولاها.

стр. 1186

وقوله تعالى: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ: إشارة إلى أن امتحانه بالسجن كان لتكميل حقيقته وشريعته، فمن رأى أنه يحمل الطعام فإشارة إلى حمل لواء الشريعة، ومن رأى أنه يعصر خمراً فإشارة إلى تحقيق خمرة الحقيقة، فيكون من أهل مقام الإحسان، ولذلك قال: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، ثم ذكر نتيجة مقام الإحسان- وهو التوحيد الخاص- فقال: ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ. وذكر أن ذلك ناله من باب الكرم لا من باب العمل، فقال: ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ. والله تعالى أعلم. ثم دعاهم إلى التوحيد، فقال: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٣٩ الى ٤٠] يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) قلت: الإضافة في (صاحبي السجن) : على معنى (في) كقولك: يا سَارِقَ الليْلَةَ أَهْل الدَّارِ. يقول الحق ﷻ : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أي: يا ساكنيه، أو يا صاحبي فيه أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ: متعددون، خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ المتوحّد في الألوهية، الْقَهَّارُ: الغالب على أمره، لا يقاومه غيره، ما تَعْبُدُونَ أنتم ومن على دينكم من أهل مصر، مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أي: ما تعبدون إلا مسميات أسماء من الحجارة والخشب، سميتموها آلهة من غير حجة تدل على استحقاقها للعبادة. والمعنى: سميتم آلهة ما لا يستحق الألوهية، ثم عبدتموها. ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها أي: بعبادتها مِنْ سُلْطانٍ: من حجة ولا برهان. إِنِ الْحُكْمُ في أمر العبادة إِلَّا لِلَّهِ لأنه المستحق لها دون غيره، من حيث أنه الواجب لذاته، الموجد للكل، هو المالك لأمره، أَمَرَ على لسان أنبيائه أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ولا تعبدوا معه سواه ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ القويم الذي لا عوج فيه، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ دلائل توحيده، فيتخبطون في جهالتهم. قال البيضاوي: وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة بَيّن لهم أولاً: رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة، ثم برهن على أن ما يُسمونها آلهة،

стр. 1187

ويعبدونها لا تستحق الألوهية، ثم دل على ما هو الحق القويم، والدين المستقيم، الذي لا يقتضي العقل غيره، ولا يرتضي العلم دونه. هـ. الإشارة: كل مَن لم يجمع قلبه على مولاه، واتبع حظوظه وهواه، فله أرباب متفرقون بقدر ما يميل إليه قلبُه من هذا العرض الفاني. قال ابن عطية: وقد ابتلي بأرباب متفرقين من يخدم أبناء الدنيا ويؤملهم. هـ. وفي الحديث: «خَابَ مَن رَجَى غير الله وضَلَّ سَعيُه، وطَابَ وقَتُ مَن وَثَقَ بِاللِّهِ» . ولله در القائل: حرام على من وحد الله ربه ... وأفرده أن يجتدي أحدا رفدا فيا صاحبي قف بي على الحقِّ وقفَةً ... مُوتُ بَها وجدا وأحيا بها وجدا وَخَلِّ مُلوك الأرضِ تَجهَد جهدها ... فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى ثم فسر لهما الرؤيا، فقال: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٤١ الى ٤٢] يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) قلت: (منهما) : يتعلق بظن، والظن يحتمل أن يكون بمعنى اليقين لأن قوله: (قضي الأمر) يقتضي ذلك، أو يبقى على بابه. يقول الحق ﷻ : قال يوسف: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ المستفتيان عن الرؤيا، أَمَّا أَحَدُكُما وهو الساقي، فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً كما كان يسقيه قبلُ، ويعود إلى ما كان عليه، وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ، فقالا: كَذَبْنا ما رأينا شيئاً، فقال: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ، سبق به القضاءُ في الأزل، وهو ما يؤول إليه أمركما، ولذلك وحده ولم يقل: قضي أمراكما. رُوي أنه لما دعاهما إلى التوحيد أسلم الساقي وأبى الخباز، فأخرج بعد ثلاث وصُلب. وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا يوسف، أي: تيقن، أو غلب على ظنه أنه ناجٍ منهما، إما عن وحي، على الأول، أو باجتهاد بسبب الرؤيا: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ عند سيدك، وهو المَلِك، وقل له: غلامٌ سُجنَ ظُلماً،

стр. 1188

لعله يُخلصني. قال ابن عطية: يحتمل أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل أن يذكره بمظلمته وما امتحن به بغير حق. أو يذكره بهما. هـ. وقال الورتجبي: يحتمل أن قوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ: عَرَّف له طريقتي مع الله حتى يعرفني أني رسول الله، ويطيعني في طاعة الله، وينجو بذلك من عذابه، ويصل إلى ثوابه، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وليوحد الله تعالى، ويتخلص من كيد الشيطان، وما معه من الإنسان. هـ. فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ أي: فأنسى الساقي أن يذكر يوسف لربه. أو أنسي يوسفَ ذكرَ الله حتى استغاث بغير، فأدبه، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ، وفى الحديث عنه ﷺ : «رَحِمَ الله أخِي يُوسُف، لَوْ لَمْ يَقُل: اذْكرْنِي عند رَبِّك، لَمَا لَبِثَ في السِّجنِ سَبْعاً بَعدَ الخَمسِ» . رُوي أن جبريل ﵇ أتاه بعد المقالة، فقال له: مَن أخرجك من الجُبِّ، وخلِّصك من القتل، وعَصَمَكَ من الفاحشة؟ فقال: الله. فقال: كيف تعتصم بغيره، وتثق بالمخلوق، وترفع قصتك إليه، وتترك ربك؟! قال: يا جبريل كلمات جرت على لساني، وأنا تائب لا أعود لمثلها. هـ. والاستعانة بالمخلوق، وإن كانت جائزة شرعاً، لكنها لا تليق بمقام الأقوياء. فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ البضع: من الثلاث إلى التسع. رُوي أن يوسف ﵇ سجن خمس سنين أولاً، ثم سجن بعد المقالة سبع سنين. الإشارة: النسيان والغفلة التي لا تثبت في القلب، والخواطر التي ترد وتذهب من أوصاف البشرية التي لا تنافي الخصوصية، إذ لا انفكاك للعبد عنها. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ «١» فالطيف لا ينجو منه أحد لأنه من جملة أوصاف العبودية التي بها تعرف كمالات الربوبية. وقد قال تعالى في حق سيد العارفين: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «٢» فالعصمة التي تجب للأنبياء إنما هي مما يوجب نقصا أو غضاً من مرتبتهم. وهذه الأمور إنما توجب كمالاً لأنها بها يتحقق كمال العبودية التي هي شرف العبد. فافهم وسلم، ولا تنتقد، فإن هذه الأمور لا يفهمها إلا العارفون بالله، دون غيرهم من أهل العلم الظاهر. وقال الورتجبي: إن يوسف ﵇ لم يعلم وقت إيمان الملك، ولم يأت وقت دخوله في الإسلام، فأنساه الشيطان ذكر ربه، في سابق حكمه، على تقدير وقت إيمان الملك، فلبث في السجن إلى وقت إيمان الملك، فنسيان يوسف: احتجابه عن النظر إلى قدره السابق. هـ.

стр. 1189

ثم ذكر سبب خروجه من السجن، فقال: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٤٣ الى ٤٩] وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) قلت: يقال: عَبرت الرؤيا- بالتخفيف- عبارة، وهو أفصح من عبَّرت- بالتشديد- تعبيراً. واللام للبيان، أو لتقوية العامل لضعف الفعل بتأخيره عن مفعوله. والأصل: تعبرون الرؤيا. وأصل (ادكر) : اذتكر، فقلبت التاء دالاً مهملة، وأدغمت المعجمة فيها فبقيت دالاً. وإليه أشار ابن مالك بقوله: في ادَّانَ وازدد وادَّكِرْ دالاً بَقِي «١» و (دأباً) حال، أي: دائبين، أو مصدر بإضمار فعله، أي: تدأبون دأباً. وفيه لغتان: السكون، والفتح. يقول الحق ﷻ : وَقالَ الْمَلِكُ وهو ملك مصر الذي كان العزيز وزيراً له، واسمه: «ريان بن الوليد» . وقيل: «مصعب بن الريان» ، وكان من الفراعنة- رُوي أن يوسف ﵇ لما لبث في السجن سْبع سنين سجد، وقال: إلهي، خلصني من السجن. فكلما دعا يوسف أمنت الملائكة، فاتفق في الليلة التي دعا فيها يوسف أن رأى الملكُ تلك الرؤيا التي ذكرها بقوله: إِنِّي أَرى في المنام سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خرجن من نهر يابس، وسبع بقرات عجاف- مهازيل- خرجن بأثرهن فابتلعت المهازيلُ السمان، وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قد انعقد حبّها، وَسبعا أُخَرَ يابِساتٍ قد أدركت، فالْتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها. فلما رأى

стр. 1190

ذلك انتبه مرعوباً، وجمع ندماءه، ودعا المفسرين، فقال: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ اعبروها، إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ أي: إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا. قالُوا: هذه أَضْغاثُ أَحْلامٍ تخاليطها، جمع ضَغث، وأصله: ما جمع من أخلاط النبات وحُزم، فاستعير للرؤيا الكاذبة. وإنما جمعوا أَحْلامٍ للمبالغة في وصف الحلم بالكذب. ثم قالوا: وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ، والمعنى: ليس لها تأويل عندنا لأنها أكاذيب الشيطان، وإنما التأويل للمنامات الصادقة. وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما من صاحبي السجن، وهو الساقي، وكان حاضراً وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أي: وتذكر بعد جماعة من السنين، وهي سبع سنين، أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ إلى من عنده علمها، أو إلى السجن. رُوي أنه لما سمع مقالة الملك بكى، فقال الملك: مالك تبكي؟ قال: أيها الملك إن رؤياك هذه لا يعبرها إلا الغلام العبراني الذي في السجن، فتغير وجه الملك، وقال: إني نسيته، وما ذكرته منذ سبع سنين، ما خطر لي ببال. فقال الساقي: وأنا مثلك، فقال له الملك: وما يدريك أنه يعبر الرؤيا؟ فحدثه بأمره، وأمر الساقي فقال له: امض إليه وسله، فقال: إني والله أستحي منه لأنه أوصاني ونسيت، فقال له: لا تستح منه لأنه يرى الخير والشر من مولاه فلا يلومك. فأتاه. فقال: يُوسُفُ أي: يا يوسف، أَيُّهَا الصِّدِّيقُ: المبالغ في الصدق. وإنما وصفه بالصِّدِّيقية لما جرب من أحواله، وما رأى من مناقبه، مع ما سمع من تعبير رؤياه ورؤيا صاحبه، أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ، وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ أي: أفتني في رؤيا ذلك واعبرها لي، لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أي: أعودُ إلى الملك ومن عنده، أو إلى أهل البلد إذ قيل: إن السجن كان خارج البلد. لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ تأويلها. أو يعلمون فضلك ومكانتك. وإنما لم يجزم بعلمهم لأنه ربما اختُرِم دونه، أو لعلهم لا يفهمون ما يقول لهم. قالَ في تعبيرها: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً أي: على عادتكم المستمرة من الخصب والرخاء. فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ: اتركوه فِي سُنْبُلِهِ لئلا تأكله السوس، وهي نصيحة خارجة عن عبارة الرؤيا، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ في تلك السنين، أي: لا تدرسوا منه إلا ما تحتاجون إلى أكله خاصة، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين. فعلمهم حيلة يبقى بها السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهو أن يتركوه في سنبله غير مُدرَس فإن الحبة إذا بقيت في غشائها حُفظت بإذن الله.

стр. 1191

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ أي: ذات شدة وجوع يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي: يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن. أسند الأكل إلى السنين مجازاً تَطْبِيقاً بين المعبر والمعبر به، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي: مما تخزنون وتخبئُون للزراعة والبذر. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ أي: يغيثهم الله بالفرج من القحط، أو يغاث بالمطر، لكن مصر إنما تسقى من النيل. وَفِيهِ أيضاً يَعْصِرُونَ العنب والزيتون لكثرة الثمار. أو يعصرون الضروع لحلب اللبن لأجل الخصب. وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أوَّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة. والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة. ولعله علم ما في السنة الثامنة من الخصب والرخاء بالوحي، أو بأن انتهاء الجدب لا يكون إلا بالخصب، وبأن سنة الله الجارية أن يوسع على عباده بعد ما ضيّق عليهم، لقوله فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً «١» . والله تعالى أعلم. الإشارة: الروح في أصل نشأتها علامة داركَةٌ، تكاشف بالأمور قبل وقوعها، إذا غابت عن إحساسها الذي حجبها عن ذلك العلم، ولو كانت من كافر إذا غابت عن حسها بنوم، أو اصطلام عقل. فمن طهرها من دنس الشرك بالتوحيد، وغيبها عن شواغل الحس بالتفرغ والتجريد، رجعت إلى أصلها، وفاضت عليها العلوم التي كانت لها قبل التركيب فى هذا القالب الحسي، علماً وكشفاً. ولا شيء أنفع لها في الرجوع من السهر والجوع. وفى الجوع أسرار كثيرة حسية، ومعنوية، وبسببه جمع الله شمل يوسف بأبيه وإخوته. وبه أيضاً ملَّك اللَّهُ يوسف ونصره ومكنه في الأرض حتى ملك مصر وأهلها. ولذلك قال نبينا- ﵊: «اللهم إعِنِّي عَلَيهم- أي على قريش- بِسبعٍ كَسَبع يُوسفَ» «٢» . وذكر الغزالي في الإحياء، في أسرار الجوع، أربعين خصلة. وفي بعض الأثر: (إن الله تعالى عذب النفس بأنواع من العذاب، ومع كل عذاب يقول لها: من أنا؟ فتقول هي: ومن أنا؟ حتى عذبها بالجوع، فقالت: أنت ربي سبحانك الواحد القهار) . والممدوح منه هو المتوسط دون إفراط ولا تفريط، كما قال البوصيري: وَاخْشَ الدَّسَائِسَ مِنْ جُوع ومِنْ شِبعٍ ... فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ وبالله التوفيق.

стр. 1192

ثم ذكر خروجه من السجن وتمكينه من الملك، فقال: [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٥٠ الى ٥٧] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) يقول الحق ﷻ : ولما جاء الرسول من عند يوسف بالتعبير، وسمعه الملك، تعجب منه، واستعظم علمه وعقله وقال: لا ينبغي لمثل هذا أن يُسجن، ائْتُونِي بِهِ، فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ليُخرجه، قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ: ما شأنهن حتى قطعن أيديهن، وهل رأين مني ميلاُ إليهن. وإنما تأنى في الخروج، وقدَّم سؤال النسوة، والفحص عن حاله ليظهر براءة ساحته، وليعلم الملك أنه سُجن ظلماً، فلا يقدر الحاسد أن يتوسل به إلى تقبيح أمره. وفيه دليل على أنه ينبغي أن يتقي مواضع التهم، ويجتهد في نفيها، وفي الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَقِفَنَّ مَواقِفَ التُّهَم» . وفيه دليل على حلمه وصبره، وعدم اهتباله بضيق السجن إذ لم يُجب الداعي ساعة دُعي بعد طول سجنه. ومن هذا المعنى تواضع معه نبينا ﷺ حيث قال: «لَو لَبِثت في السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِي» «١» . ولم يذكر امرأة العزيز كرماً، ومراعاةً للأدب، ورعياً لذمام زوجها، وستراً لها. بل ذكر النسوة اللاتي قطعن أيديهن.

стр. 1193

ثم قال: إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ حين قلن لِي: أطع مولاتك. وفي عبارته تعظيم لكيدهن، والاستشهاد عليه بعلم الله، وبراءته مما قذف به، والوعيد لهن على كيدهن. ثم جمع الملك النسوة، وكُن ستاً أو سبعاً، مات منهن ثلاث ويوسف في السجن، وبقي أربع ومعهن امرأة العزيز. وقالَ لهن: ما خَطْبُكُنَّ ما شأنكن إِذْ راوَدْتُنَّ أي: حين راودتن يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ، وأسند المراودة إلى جميعهن لأن المَلِك لم يتحقق أن امرأة العزيز هي التي راودته وحدها. قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تنزيهاً لله أن يعجز عن خلق عفيف مثله، أو تنزيهاً ليوسف أن يعصيه لأجل خوف الله. وهذه تبرئة ليوسف ولهن، أو لهن فقط. وتكون تبرئة يوسف في قولهن: ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ: من ذنب. قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي: تبين ووضح، أو ثبت واستقر، أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ في قوله: راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي فلما رجع إليه الرسول، وذكر ما قالته النسوة، وما أقرت به امرأة العزيز، قال: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ أي: فعلت ذلك التثبت والتأني في الخروج ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته بِالْغَيْبِ في حال غيبته، أو بظهر الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة، بل تعففت عنها. وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ أي: لا ينفذه ولا يسدده. أو لا يهدي الخائنين لكيدهم. وأوقع الفعل على الكيد مبالغةً. وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها زوجها، وتوكيد لأمانته. رُوِي عن ابن عباس أنه لما قال: لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال له جبريل ﵇: ولا حين هممت. فقال: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي لا أنزهها في عموم الأحوال، أو لا أزكيها على الدوام. قاله تواضعاً وإظهاراً للعبودية، وتنبيهاً على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه، ولا العجب بحاله، بل إظهاراً لنعمة العصمة والتوفيق. ثم قال: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ بحيث إنها مائلة بالطبع إلى الشهوات، فتهُم بها، وتستعمل القوى والجوارح في نيلها في كل الأوقات.، إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي: إلا وقت رحمة ربي بالعصمة والحفظ، أو: إلا ما رحم الله من النفوس فيعصمها من ذلك. وقيل: الاستثناء منقطع، أي: لكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، يغفر ما همت به النفوس، ويرحم من يشاء بالعصمة. أو يغفر للمستغفر ذنبه المعترف على نفسه، ويرحمه بالتقريب بعد تعرضه للإبعاد. وقيل: إن قوله تعالى: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ إلى هنا، هو من كلام زليخا. والأول أرجح «١» .

стр. 1194

وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أي: أجعله خاصتي وخلاصتي، أو أجعله خالصاً لنفسي. قال أولاً: ائْتُونِي بِهِ فقط، فلما تبين له حاله وظهر كماله، قال: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي رُوي أنه لما أراد ان يخرجه أرسل إليه بخلعة يأتى فيها، وكان بين السجن والبلد: أربعة فراسخ، فقال يوسف: لا أخرج من السجن حتى لا يبقى فيه أحد، فأمر الملك بخروج جميع مَن فيه. فلما خرج من السجن اغتسل وتنظف، ولبس ثياباً جدداً، فلما دخل على الملك، قال: اللهم إني أسألك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره. ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسان؟. فقال: لسان آبائي. وكان الملك يعرف سبعين لساناً، فكلمه بها، فأجابه بجميعها، فتعجب منه، فقال: أحب أن أسمع رؤياي، فحكاها، ونعت له البقرات والسنابل وأماكنها، فأجلسه على السرير، وفوض إليه أمره. وهذا معنى قوله تعالى: فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ أي: فلما أتوا به وكلمه وشاهد منه الرشد والدهاء، قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ عندنا مَكِينٌ أي: في مكانه ومنزلة، أَمِينٌ: مؤتمن على كل شيء، ثم فوض إليه أمر المملكة. وقيل: توفي قطفير- أي: العزيز- فنَصَّبه منصبه، وزوجه من زليخا بعد أن شاخت، وافتقرت، فدعا الله تعالى فرد عليها جمالها وشبابها، فوجدها عذراء، وولد منها إفرائيم وميشا. ثم قال له الملك: ما ترى نصنع في هذه السنين المخصبة؟. قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ أي: أرض مصر ألى أمرها. والخزائن: كل ما يخزن فيه طعام ومال وغيرهما. إِنِّي حَفِيظٌ لها ممن لا يستحقها، عَلِيمٌ بوجوه التصرف فيها. قال البيضاوي: ولعله ﵇ لما رأى أنه يستعمله في أمره لا محالة، آثر ما تعم فوائده وعوائده، وفيه دليل على جواز طلب التولية، وإظهار أنه مستعد لها، والتولي من يد الكافر، إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به. وعن مجاهد: ان الملك أسلم على يديه. هـ. قلت: وقد تقدم عن الورتجبي ما يدل عليه. وقال ابن عطية: وطلب يوسف للعمل إنما هو حسبة منه ﵇ لرغبته أن يقع العدل، ونحو هذا هو دخول أبى بكر رضى الله عنه في الخلافة، مع نهيه المستشيرَ له من الأنصار عن أن يتأمَّر على اثنين. فجائز للفاضل أن يعمل ويطلب العمل إذا رأى ألا عوض منه. هـ. وفي «الاكتفاء في أخبار الخلفاء» : أن عمر أراد أبا هريرة على العمل، فامتنع، فقال له: أوليس يوسف خيراً منك، وقد طلب العمل؟ فقال: يوسف نبى بن نبي، وأنا ابن أميمَةَ، فأنا أخاف ثلاثاً واثنين: أن أقول بغير علم، وأقضي بغير عدل، وأن يضرب ظهري، ويشتم عرضي، ويؤخذ مالي. هـ.

стр. 1195

وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ أي: ومثل ذلك الصنع الجميل الذي صنعنا بيوسف مكناه فِي الْأَرْضِ أرض مصر، يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ: ينزل من بلادها حيث يريد هو، أو ينزل منها حيث نريد «١» ، نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ في الدنيا والآخرة، وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، بل نوفي أجورهم عاجلاً وآجلاً. ويوسف أفضلهم في زمانه، فمكَّنه الله من أرض مصر، حتى ملكها بأجمعها وذلك أنه لما فوض إليه الملك اجتهد في جمع الطعام وتكثير الزراعات، حتى دخلت السنون المجدبة، وعم القحط مصر والشام، ونواحيهما، وتوجه الناس إليه، فباعهم في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق لهم منها شيء، ثم في السنة الثانية بالحلي والحلل، ثم في السنة الثالثة بأمتعة البيوت، ثم في الرابعة بالدواب، ثم في الخامسة بالرباع والعقار، ثم في السادسة بأولادهم، ثم في السابعة برقابهم حتى استرقهم جميعا، ثم عرض الأمر على الملك فقال: الرأي رأيك. فأعتقهم ورد إليهم أموالهم. قال تعالى: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ الشرك والفواحش، فهو أحق بالرغبة وأولى بالطلبة. وقال ابن جزي في قوله: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ: الرحمة هنا المراد بها الدنيا، وكذلك الأجر في قوله: وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ بدليل قوله بعد ذلك: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ فأخبر تعالى أن رحمته في الدنيا يصيب بها من يشاء من مؤمن وكافر، وطائع وعاص، وأن المحسنين لا بد من أجرهم في الدنيا. فالأول في المشيئة، والثاني واقع لا محالة. ثم أخبر أن أجر الآخرة خير من ذلك كله لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ، وفيه إشارة إلى أنَّ يوسف ﵇ جمع الله له بين الدنيا والآخرة. هـ. الإشارة: في الآية ثلاث فوائد: الأولى: مدح التأني في الأمور، ولو كانت جلالية لأنه يدل على كمال العقل والرزانة، وطمأنينة القلب. وذم العجلة لأنها من خفة العقل والطيش، وعدم الصبر والاحتمال. يؤخذ ذلك من تأني يوسف ﵇ في السجن بعد طول مدته. وفي الحديث: «التَأَنِّي مِن اللَّهِ، والعَجَلَةُ من الشَّيطَانِ» «٢» . الثانية: عدم تزكية النفس، ودوام اتهاما، ولو بلغت من التصفية ما بلغت. وقد تقدّم في قوله تعالى: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْها «٣» ، وقال بعض الصوفية: وكيف يصح لعاقل أن يزكي نفسه والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يقول: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، والنفوس ثلاثة: أمّارة، ولوّامة، ومطمئنة. وزاد بعضهم: اللهامة من قوله تعالى: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها «٤» ..
следующие страницы →