والمشهور: أن الرقيم هو اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم، وكان جُعِل ذلك الكتاب في خزانة الملك، وهو لوح من رصاص أو حجر، أمر بكتب أسمائهم فيه لما شكا قومُهم فقْدَهم. وقيل: اسم كلبهم.
أي: أظننت أنهم كانُوا في قصتهم مِنْ بين آياتِنا عَجَباً أي: كانوا عجبًا دون باقي آياتنا، ليس الأمر كذلك. والمعنى: أن قصتهم، وإن كانت خارقة للعادة، ليست بعجيبة، بالنسبة إلى سائر الآيات التي من تعاجيبها ما ذكر مِن خلق الله تعالى على الأرض، من الأجناس والأنواع الفائتة الحصر من مادة واحدة، بل هي عندها كالنزر الحقير. وقال القشيري: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم، بما أضاف إلى نفسه بقوله: (مِنْ آياتِنا) ، وقَلْبُ العادةِ مِنْ قِبَلِ اللهِ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ ولا مُبْتَدَعٍ. هـ.
ثم ذكر أول قصتهم، فقال: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ: جمع فتى، وهو الشاب الكامل، أي: اذكر حين التجأ الفتية إلى الكهف، هاربين بدينهم، خائفين على إيمانهم من كفار قومهم، ورأسهم «دقيانوس» ، على ما يأتي في قصتهم.
فَقالُوا حين دخلوا الغار: رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ من مستبطن أمورك وخزائن رحمتك الخاصة المكنونة عن أعين العادات، رَحْمَةً خاصة تستوجب الرفق والأمن من الأعداء، وَهَيِّئْ: أصلح لَنا مِنْ أَمْرِنا الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ومهاجرتهم، رَشَداً: هداية نصير بها راشدين مهتدين، أو: اجعل أمرنا كله رشدًا وصوابًا، كقولك: لقيت منك أسدًا، فتكون من باب التجريد، أو: إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب، وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء.
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أي: أَنَمْنَاهُمْ، شبَّه الإنامة الثقيلة المانعة من وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها، وتخصيص الآذان بالذكر مع اشتراك سائر المشاعر لها في الحَجْب عن الشعور عند النوم لأنها تحتاج إلى الحجب أكثر، إذ هي الطريقة للتيقظ غالبًا. والفاء في (فَضَرَبْنا) : مثلها في قوله: فَاسْتَجَبْنا لَهُ «١» ، بعد قوله: إِذْ نادى، فإنَّ الضرب المذكور، وما ترتب عليه من التقليب ذات اليمين وذات الشمال، والبعث، وغير ذلك، إيتاءُ رحمةٍ لَدُنِّيَّةٍ خفيةٍ عن أبصار المستمسكين بالأسباب العادية استجابة لدعوتهم، أي: فاستجبنا لهم وأَنَمْناهم، فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً أي: ذوات عدد، أو تُعَدُّ عددًا، أو معدودة، ووصْف السنين بذلك: إمَّا للتكثير، وهو الأنسب بكمال القدرة، أو التقليل، وهو الأليق بمقام إنكار كون القصة عجبًا من سائر الآيات العجيبة فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده تعالى.
стр. 1472
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ أيقظناهم من تلك النومة الشبيهة بالموت، لِنَعْلَمَ علم مشاهدة، أي: ليتعلق علمنا تعلقًا حاليًّا كتعلقة أولاً تعلقًا استقباليًّا، أَيُّ الْحِزْبَيْنِ: الفريقين المختلفين في مدة لبثهم المذكور في قوله: قالُوا لَبِثْنا يَوْماً ... الخ، أَحْصى أي: أضبط لِما لَبِثُوا: للبثهم، أَمَداً أي: غاية، فيظهر بذلك عجزهم، ويُفوضوا ذلك إلى العليم الخبير، ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، من حفظ أبدانهم وأديانهم، فيزدادوا يقينًا بكمال قدرته وعلمه، وليتيقنوا به أمر البعث، ويكون ذلك لطفًا بمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفارهم، وعبرةً لمن يأتي بعدهم، فهذه حِكَمُ إيقاظهم بعد نومهم، والله عليم حكيم.
الإشارة: عادته تعالى فيمن انقطع إليه بكليته، وآوى إلى كهف رعايته، وآيس من رفق مخلوقاته، أن يكلأه بعين عنايته، ويرعاه بحفظ رعايته، ويُغَيِّبَ سمع قلبه عن صوت الأكدار، ويصون عين بصيرته عن رؤية الأغيار، حين انحاشوا إلى حِمى رحمته المانع، وتظللوا تحت ظل رشده الواسع. وبالله التوفيق.
ثم تمّم قصتهم، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٣ الى ١٦]
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦)
قلت: (بِالْحَقِّ) : إما صفة لمصدر محذوف، أو حال من ضمير «نَقُصُّ» ، أو من «نَبَأَهُمْ» ، أو صفة له، على رأي من يرى حذف الموصول مع بعض صلته، أي: نَقُصُّ قصصًا ملتبسًا بالحق، أو نقصه متلبسين بالحق، أو نقص نبأهم ملتبسًا بالحق، أو نبأهم الذي هو ملتبس بالحق. وإِذْ قامُوا: ظرف لربطنا، وشَطَطاً: صفة لمحذوف، أي:
قولاً شططًا، أي: ذا شطط، وُصِف به للمبالغة. و (هؤُلاءِ) : مبتدأ، وفي اسم الإشارة: تحقير لهم، و (قَوْمُنَا) : عَطْفُ بيانٍ له. و (اتَّخَذُوا) : خبر، و (ما يَعْبُدُونَ) : موصول، عطف على الضمير المنصوب، أو مصدرية، أي: وإذ
стр. 1473
اعتزلتموهم ومَعْبُودِيهِمْ إلا الله، أو عبادتهم إلا عبادة الله، وعلى التقديرين: فالاستثناء متصل على تقدير أنهم كانوا مشركين يعبدون الله والأصنام. ومنقطع على تقدير تمحضهم بعبادة الأوثان، ويجوز أن تكون (ما) نافية على أنه إخبار من الله- تعالى- عن الفتية بالتوحيد، معترض بين «إِذِ» وجوابه العامل فيها.
يقول الحق ﷻ : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ، والنبأ: الخبر الذي له شأن وخطر، قصصًا ملتبسًا بِالْحَقِّ: بالصدق الذي لا يطرقه كذب ولا ريبة.
وخبرهم، حسبما ذكر محمد بن إسحاق: أنه قد مرج أهل الإنجيل، وظهرت فيهم الخطايا، وطغت ملوكهم، فعبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وكان مَنْ بَالَغَ في ذلك وعتا عتوًا كبيرًا: «دقيانوس» فإنه غلا فيه غلوًا كبيرًا، فجاس خلال الديار والبلاد بالعبث والفساد، وقتل من خالفه ممن تمسك بدين المسيح، وكان يتتبع الناس فيُخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فمن رغب في الحياة الدنيا الدنية: تبعه وصنع ما يصنع، ومن آثر عليها الحياة الأبدية: قتله وقطع آرابه «١» ، وعلّقها بسور المدينة وأبوابها. فلما رأى الفتيةُ ذلك، وكانوا عظماء مدينتهم، وكانوا بني الملوك، قاموا فتضرعوا إلى الله تعالى، واشتغلوا بالصلاة والدعاء، فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أعوان الجبار، فأحضروهم بين يديه، فقال لهم ما قال، فخيَّرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فقالوا: إن لنا إلهًا ملأ السماواتِ والأرض عظمةً وجبروتًا، لن ندعو من دونه أحدًا، ولن نُقر بما تدعونا إليه أبدًا، فاقض ما أنت قاض، فأمر بنزع ما عليهم من الثياب الفاخرة، وأخرجهم من عنده. زاد في رواية: وضمنهم أهلهم، وخرج إلى مدينة (نينوى) لبعض شأنه، وأمهلهم إلى رجوعه ليتأملوا في أمرهم، وإلاَّ فعل بهم ما فعل بسائر المسلمين.
فأجمعت الفتيةُ على الفرار والالتجاء إلى الكهف الحصين، فأخذ كلٍّ منهم من بيت أبيه شيئًا، فتصدقوا ببعضه، وتزودوا بالباقي، فأَوَوْا إلى الكهف. وفي رواية: أنهم مروا بكلب فتبعهم، على ما يأتي في شأنه، فجعلوا يُصَلُّون في ذلك الكهف آناء الليل وأطراف النهار، ويبتهلون إلى الله- سبحانه- بالأنين والجُؤَار، ففوضوا أمر نفقتهم إلى «يمليخا» ، فكان إذا أصبح يضع عنه ثيابه الحسان، ويلبس ثياب المساكين، ويدخل المدينة ويشتري ما يهمهم، ويتحسس ما فيها من الأخبار، ويعود إلى أصحابه، فلبثوا على ذلك إلى أن قَدِم الجبارُ المدينةَ فطلبهم، وأحضر آباءهم، فاعتذروا بأنهم عَصَوْهم ونهبوا أموالهم، وبذروها في الأسواق، وفروا إلى الجبل.
فلما رأى «يمليخا» ما رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو يبكي، ومعه قليل من الزاد، فأخبرهم بما شهد من الهول، ففزعوا إلى الله- وخروا له سُجدًا، ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم، فبينما هم كذلك
стр. 1474
إذ ضرب الله على آذانهم فناموا، ونفقتُهم عند رؤوسهم. فخرج «دقيانوس» في طلبهم بخيله ورَجله، فوجدهم قد دخلوا الكهف، فأمر بإخراجهم فلم يُطق أحدٌ منهم أن يَدخله، فلما ضاق بهم ذرعًا، قال قائل منهم: أليس لو كنتَ قدرتَ عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابْنِ عليهم باب الكهف وَدَعْهم يموتوا جُوعًا وعَطَشًا، ففعل فكان شأنهم ما قص الله تعالى، إذ قال:
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ، استئناف بياني، كأن سائلاً سأل عن حالهم، فقال: إنهم فتية شبان كاملون في الفتوة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، فيه التفات إلى ذكر الربوبية التي اقتضت تربيتهم وحفظهم، وَزِدْناهُمْ هُدىً بأن ثبَّتناهم على ما كانوا عليه، وأظهرنا لهم من مكنونات محاسننا ما آثروا به الفناء على البقاء. وفيه التفات إلى التكلم لزيادة الاعتناء بشأنهم، وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أي: قويناهم، حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الأهل والأوطان، والنعيم والإخوان، واجترءوا على الصدع بالحق من غير خوف ولا حذر، والرد على دقيانوس الجبار إِذْ قامُوا أي: انتصبوا لإظهار شعار الدين، قال مجاهد: خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعاد. فقال أكبرهم: إني لأجد في نفسي شيئًا، إن ربى هو ربُّ السمواتِ والأرضِ، فقالوا: نحن أيضًا كذلك، فقاموا جميعًا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وعزموا على التصميم بذلك. وقيل: قاموا بين يدي الجبار من غير مبالاة به، حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى: (هؤُلاءِ ... ) الخ: منقطعًا صادرًا عنهم، بعد خروجهم من عنده.
ثم قالوا: لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً، لا استقلالاً ولا اشتراكاً، ولم يقولوا: ربًا للتصميم على الرد على المخالفين، حيث كانوا يُسمون أصنامهم آلهة، وللإشعار بأن مدار العبودية على وصف الألوهية. لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً: قولاً ذا شطط، وهو الجور والتعدي، أي: لقد جُرنا وأفرطنا في الكفر، وقلنا قولاً خارجًا عن حد المعقول، إنْ دعونا إلهًا غير الله جَزْمًا.
هؤُلاءِ قَوْمُنَا قد اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، فيه معنى الإنكار، لَوْلا: هلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ:
على ألوهيتهم بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ: بحجة ظاهرة، فَمَنْ أَظْلَمُ أي: لا أحد أظلمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك إليه فإنه أظلم من كل ظالم.
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ أي: فارقتموهم وَفارقتم ما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ: فالتجئوا إليه، والمعنى: وإذ اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقاديًا فاعتزلوهم اعتزالاً جسمانيًا، يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ: يبسط لكم ويوسع عليكم مِنْ رَحْمَتِهِ في الدارين، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين، مِرفَقاً: ما ترتفقون به، أي: تنتفعون، وجزمهم بذلك لنصوع يقينهم، وقوة وثوقهم بفضل الله. والله تعالى أعلم.
стр. 1475
الإشارة: قد وصف الله- تعالى- أهلَ الكهف بخمسة أوصاف هي من شعار الصوفية الإيمان، الذي هو الأساس، وزيادة الاهتداء بتربية الإيقان إلى الوصول إلى صريح العرفان، وربط القلب في حضرة الرب، والقيام في إظهار الحق أو لداعي الوجد، والصدع بالحق من غير مبالاة بأحد من الخلق.
وقال الورتجبي في قوله تعالى: وَزِدْناهُمْ هُدىً: أي: زدناهم نورًا من جمالي، فاهتدوا به طرق معارف ذاتي وصفاتي، وذلك النور لهم على مزيد الوضوح إلى الأبد لأن نوري لا نهاية له. وقال عند قوله: إِذْ قامُوا: قد استدل بهذه الآية بعضُ المشايخ على حركة الواجدين في وقت السماع والذكر لأن القلوب إذا كانت مربوطة بالملكوت ومحل القدس حرَّكها أنواعُ الأذكار وما يَرِد عليها من فنون السماع. والأصل قوله: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا، نعم هذا المعنى إذا كان القيام قيامًا بالصورة، أي: الحسية في القيام الحسي، وإذا كان القيام من جهة الحفظ والرعاية، والربط من جهة النقل من محل التلوين إلى محل التمكين، فالاستدلال بها في السكون في الوجد أحسن، إذا كان الربط بمعنى التسكين والقيام بمعنى الاستقامة. هـ.
قلت: الحاصل: أنا إذا حملنا القيام على الحسي ففيه دليل لأهل البداية على القيام في الذكر والسماع. وإذا حملناه على القيام المعنوي، وهو النهوض في الشيء، أو الاستقامة عليه كان فيه دلالة لأهل النهاية على السكون وعدم التحرك، وكأنه يشير إلى قضية الجنيد في بدايته ونهايته. والله تعالى أعلم.
وقال ابن لب: قد اشتهر الخلاف بين العلماء في القيام لذكر الله- تعالى- وقد أباحته الصوفية، وفعلته ودامت عليه، واستفادوه من كتاب الله تعالى من قوله- في أصحاب الكهف: إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وإن كانت الآية لها محامل أخر سوى هذا. هـ. قلت: وقوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً «١» : صريح في الجواز.
وقال في القوت: وقد روينا أنه ﷺ مرَّ برجل يظهر التأوه والوجد، فقال مَنْ كان معه: أتراه يا رسولَ الله مُرائيًا؟ فقال: «لا، بل أَوَّاهٌ مُنِيبٌ» «٢» ، وقال لآخر: أظهر صوته بالآية: «أِسْمِع الله ولا تُسَمِّع» ، فأنكر عليه بما شهد فيه، ولم ينكر على أبي موسى قوله: (لو علمتُ أنك تَسمع لحبَّرته لك تحبيرًا) لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به، ولذا كل من كان له حسن قصد، ونية خير، في إظهار عمل، فليس من السمعة والرياء في شيء لتجرده من الآفة الدنيوية، وهي الطمع والمدح. هـ.
стр. 1476
ثم ذكر حالهم فى الكهف، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٧ الى ١٨]
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨)
قلت: (تزاور) أصله: تتزاور، فأُدغمت التاء في الزاي. وقرأ الكوفيون بحذفها، وابن عامر ويعقوب: «تَزَوَّرُ» كتَمرد، كلها من الزَّوْر بمعنى الميل. و (ذات اليمين) : ظرف بمعنى الجهة. وجملة: (وهم في فجوة) : حال، و (ذراعيه) : مفعول «باسط» لأنه حكاية حال، أي: يبسط، و (فرارًا) : مصدر لأنه عبارة عن معنى التولية، أو حال، أي: لوليت فارا، ورُعْباً: مفعول ثان لملئت، أو تمييز.
يقول الحق ﷻ ، في بيان حالهم بعد ما أووا إلى الكهف: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ أي:
تنتحي وتميل عَنْ كَهْفِهِمْ الذي أووا إليه، والخطاب للرسول ﷺ ، أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب. وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية تحقيقًا، بل الإنباء بكون الكهف بحيث لو رأيته ترى الشمس إذا طلعت تميل عن كهفهم ذاتَ الْيَمِينِ أي: جهة ذات يمين الكهف، عند الداخل إلى قعره، وَإِذا غَرَبَتْ أي: وتراها إذا غربت تَقْرِضُهُمْ أي: تقطعهم وتتعدى عنهم ذاتَ الشِّمالِ أي: جهته وجانبه الذي يلي المشرق. وكان ذلك بتصريف الله تعالى على منهاج خرق العادة كرامة لهم. وقيل: كان باب الكهف شماليًا يستقبل بنات نعش «١» ، وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ: في موضع واسع منه، وذلك موقع لإصابة الشمس، ومع ذلك يُنحيها الله عنهم.
ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ أي: ما صنع الله بهم من ميل الشمس عنهم عند طلوعها وغروبها، من آيات الله العجيبة الدالة على كمال علمه وقدرته، وفضيلة التوحيد وكرامة أهله عنده سبحانه. قال بعضهم: هذا قبل سد دقيانوس باب الكهف، قلت: كان قبل السد وبعد هدم السد لأنه هُدم بعدُ، فما قام أهل الكهف حتى وجدوه مهدومًا. وظاهر الآية يُرجح من قال: إنه من باب خرق العادة.
стр. 1477
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ الذي أصاب الفلاح. والمراد: إما الثناء عليهم، والشهادة بإصابة المطلوب، والإخبار بتحقيق ما أمَّلُوه من نشر الرحمة وتهيئة المرافق، أو التنبيه على أن أمثال هذه الآية كثيرة، ولكن المنتفع بها هو مَنْ وفقه الله وهداه للاستبصار بها، وَمَنْ يُضْلِلْ أي: يخلق فيه الضلال بصرف اختياره إليه، فَلَنْ تَجِدَ لَهُ، ولو بالغت في التتبع والاستقصاء، وَلِيًّا: ناصرًا مُرْشِداً، يهديه إلى ما ذكر من الفلاح.
والجملة معترضة بين أجزاء القصة.
ثم قال: وَتَحْسَبُهُمْ بالفتح والكسر، أي: تظنهم أَيْقاظاً، لانفتاح أعينهم، أو لكثرة تقلبهم، وهو جمع «يقظ» بضم القاف وكسرها، وَهُمْ رُقُودٌ أي: نيام، وَنُقَلِّبُهُمْ في رقودهم ذاتَ الْيَمِينِ أي: جهة تلي أيمانهم، وَذاتَ الشِّمالِ أي: جهة تلي شمائلهم لكي لا تأكل الأرضُ ما يليها من أبدانهم. قال ابن عباس ﵁: لو لم يتقلبوا لأكلتهم الأرض. قيل: كانوا يتقلبون مرتين في السنة. وقيل: مرة يوم عاشوراء. وقيل: في تسع سنين.
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ، حكاية حال ماضية أي: يبسط ذراعيه، وهو من المرفق إلى رأس الأصابع.
بِالْوَصِيدِ أي: بموضع من الكهف، وقيل: بالفِناء من الكهف، وقيل: العَتَبة. وهذا الكلب، قيل: هو كلبٌ مَروا به فتبعهم، فطردوه مرارًا، فلم يرجع، فأنطقه الله، فقال: يا أولياء الله لا تخشوا إصابتي فإني أُحب أحباء الله، فناموا حتى أحرُسَكم. وقيل: هو كلبُ راعٍ مروا به فتبعهم «١» على دينهم، ومر معه كلبه، ويؤيده قراءة: (وَكَالِبُهُمْ) أي: وصاحب كلبهم، وقيل: هو كلب صيد لهم أو زرع، واختُلف في لونه قيل أحمر، وقيل: أصفر، وقيل: أصهب «٢» .
لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ أي: لو عاينتهم وشاهدتهم. والاطلاع: الإشراف على الشيء بالمعاينة والمشاهدة، لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً: هربًا بما شاهدت منهم، وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً، أي: خوفًا يملأ الصدور برُعبه، لِمَا ألبسهم الله من الرهبة، أو لعظم أجرامهم وانفتاح أعينهم، وكانت منفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم. وعن معاوية: أنه غزا الروم فمرّ بالكهف، فقال: لو كُشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال ابن عباس ﵁: ليس لك ذلك قد منع الله تعالى مَنْ هو خير منك، حيث قال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ... الآية، فلم يسمع، وقال: ما أنتهي حتى أعْلَم علمهم، فبعث ناسًا، وقال: اذهبوا فانظروا، ففعلوا، فلما دخلوا بعث الله ريحًا فأحرقتهم. هـ «٣» .
الإشارة: للصوفية- رضى الله عنهم- تشبه قويّ بأهل الكهف، في الانقطاع إلى الله، والتجرد عن كل ما سواه، والانحياش إلى الله، والفرار من كل ما يشغل عن الله، والتماس الرحمة الخاصة من الله، وطلب التهيئة لكل رشد
стр. 1478
وصواب، ولهذا المعنى ختم الشيخ القطب ابن مشيش تصليته المشهورة بما دَعَوْا به، حين أووا إلى كهف الإيواء تَشَبُّهًا بهم في مطلق الانقطاع والفرار من مواطن الحس. ولذلك لَمَّا تشبهوا بهم حفظهم الله- أي: الصوفية- ممن رام أذاهم، وغيّبهم عن حس أنفسهم، وأشهدهم عجائب لطفه وقدرته، ومن تمام التشبه بهم: أنك قلَّ أن تجد فرقة تُسافر منهم إلا ويتبعهم كلب يكون معهم، حتى شهدتُ ذلك في جُل أسفارنا مع الفقراء تحقيقًا لكمال التشبيه. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر بعثهم من نومهم، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠)
يقول الحق ﷻ : وَكَذلِكَ أي: وكما أنمناهم وحفظنا أجسادهم من البلاء والتحلل، وكان ذلك آية دالة على كمال قدرتنا، بَعَثْناهُمْ من النوم لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ أي: ليسأل بعضُهم بعضًا، فيترتب عليه ما فصّل من الحِكَم البالغة، أو: ليتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيزدادوا يقينًا على كمال قدرة الله، ويستبصروا أمر البعث، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم.
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ هو رئيسهم، واسمه: «مكْسلَيمنيا» : كَمْ لَبِثْتُمْ في منامكم؟ لعله قال ذلك لِمَا رأى من مخالفة حالهم، لِمَا هو المعتاد في الجملة، قالُوا أي: بعضهم: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قيل: إنما قالوا ذلك لأنهم دخلوا الكهف غُدوة، وكان انتباههم آخر النهار، فقالوا: لَبِثْنا يَوْماً، فلما رأوا أن الشمس لم تغرب بعدُ قالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وكان ذلك إخبارًا عن ظنِّ غالب، فلم يُعْزَوْا إلى الكذب.
قالُوا أي: بعضٌ آخر منهم، بما سنح له من الأدلة، ولِمَا رأى من طول أظافرهم وشعورهم: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ أي: أنتم لا تعلمون مدة لبثكم، وإنما يعلمها الله- سبحانه-، وهذا رد منهم على الأولين بأجمل ما يكون من حسن الأدب، فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ «١» هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، أعرضوا عن البحث عن المدة، وأقبلوا على
стр. 1479
ما يهم في الوقت، والورق: الفضة، مضروبة أو غير مضروبة، ووصْفُها باسم الإشارة يقتضي أنها كانت معينة ليشتري بها قوت ذلك اليوم، وحملها دليل على أن التزود لا ينافي التوكل، وقد كان نبينا ﷺ يتزود لغار حراء ليتعبد فيه. ثم قالوا: فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أي: أيُّ أهلها أَزْكى طَعاماً أي: أحل وأطيب، أو أكثر وأرخص، فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ أي: من ذلك الأزكى طعامًا، وَلْيَتَلَطَّفْ: وليتكلف اللطفَ في دخول المدينة وشراء الطعام، لئلا يُعرف، وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ولا يخبر بكم ولا بمكانكم أحدًا من أهل المدينة، أو: لا يفعل ما يؤدي إلى ذلك.
ثم علل النهي بقوله: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ: يطلعوا عليكم، أو يظفروا بكم، والضمير: للأهل المقدر في «أيها» أي: إنَّ أهل المدينة إن يظفروا بكم يَرْجُمُوكُمْ إن ثبتم على ما أنتم عليه، أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ أي: يصيروكم إليها ويدخلوكم فيها كرهًا، كقوله تعالى: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا «١» ، وقيل: كانوا على ملتهم ثم خالفوهم للحق. وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً إن دخلتم فيها، ولو بالكره والجبر، أَبَداً، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وفيه من التشديد والتحذير ما لا يخفى.
الإشارة: وكذلك بعثنا مَنْ توجه إلينا من نوم الغفلة والجهالة ليتساءلوا بينهم ليتعرفوا ما أنعم الله به عليهم من اليقظة والنجاة من البطالة، فإذا انتبهوا من نوم الغفلة، استصغروا أيام البطالة لأن أيام الغفلة قليلة أمدادها، وإن كثرت آمادها، وفي الحِكَم: «رُبّ عمر اتسعت آماده، وقَلَّْتْ أمداده» ، بخلاف زمان اليقظة، فإنه كثيرة أمداده، وإن قلّتْ آماده، فهو طويل معنىً، وإن قلَّ حسًا، ولذلك قال في الحِكَم أيضًا: «ورُبّ عمر قليلةٌ آماده، كثيرةٌ أمداده» . وقال أيضاً: «مَن بورك له في عمره: أدرك في يسيرٍ من الزمان مِنْ مِنَن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة» .
فإن توقفوا على قوت أشباحهم التمسوا أطيبه وأزكاه وأحله، فإنَّ أكل الحلال يُنور القلوب وينشط الأعضاء للطاعة، وتلطفوا في أخذه من غير مزاحمة ولا حرص ولا تعب، فإنْ أطلعهم الله على سره المكنون من أسرار ذاته بالغوا في إخفائه، حتى لا يُشْعروا به أحدًا من خلقه، غير من هو أهلٌ له لأنهم، إن أظهروه لغيرهم، رجموهم أو أعادوهم إلى ملتهم، بأن يقهروهم إلى الرجوع عن طريق القوم، ولن يفلحوا إذًا أبدًا. وبالله التوفيق.
стр. 1480
ثم ذكر اطلاع قوم أهل الكهف عليهم، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : آية ٢١]
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١)
قلت: إِذْ يَتَنازَعُونَ: ظرف لقوله: (أَعْثَرْنا) ، لا ليعلموا، أي: أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم ... الخ، و (رَجْماً) : حال، أي: راجمين بالغيب، أو مفعول مُطلق، أي: يرجمون رجمًا.
يقول الحق ﷻ : وَكَذلِكَ أي: وكما أنمناهم وبعثناهم لازدياد يقينهم أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ:
أطلعنا الناس عليهم لِيَعْلَمُوا أي: ليعلم القوم الذين كانوا في ذلك الوقت أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ أي: وعده بالبعث والثواب والعقاب حَقٌّ صادق لا خُلْف فيه، أو: ثابت لا مرد له لأن نومهم وانتباههم كحال من يموت ثم يُبعث، وَأَنَّ السَّاعَةَ أي: القيامة، التي هي عبارة عن وقت بعث الخلائق جميعًا للحساب والجزاء، لا رَيْبَ فِيها: لا شك في قيامها، فإنَّ مَنْ شاهد أنه جلّ وعلا تَوفَّى نفوسهم وأمسكها ثلاثمائة سنة وأكثر، حافظًا لأبدانها من التحلل والفساد، ثم أرسلها كما كانت، لا يبقى معه ريب، ولا يختلجه شك، في أن وعده تعالى حق، وأنه يبعث مَنْ في القبور، ويجازيهم بأعمالهم.
وكان ذلك الإعثار إِذْ يَتَنازَعُونَ: حين كانوا يتنازعون بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ، في أمر البعث مختلفين فيه ففرقة أقرّت، وفرقة جَحَدّتْ، وقائل يقول: تُبعث الأرواح فقط، وآخر يقول: تُبعث جميعُ الأجسام بالأرواح، قيل:
كان ملك المدينة حينئذ رجلاً صالحًا، ملَكها ثمانيًا وعشرين سنة، ثم اختلف أهلُ مملكته في البعث كما تقدم، فدخل الملِكُ بيته وغلق الباب، ولبس مسحًا وجلس على رماد، وسأل ربه أن يظهر الحق، فألقى الله- في نفس رجل من ذلك البلد الذي فيه الكهف، أن يهدم بنيان فم الكهف، فهدم ما سدَّ به «دقيانوس» بابَ الكهفِ ليتخذه حظيرة لغنمه، فعند ذلك بعثهم الله- تعالى- فجرى بينهم من التقاول ما جرى.
رُوِيَ أنَّ المبعوث لمَّا دخل المدينة ليشتري الطعام، أخرج دراهمه، وكانت على ضرب (دقيانوس) ، فاتهموه أنه وجد كنزاً، فذهبوا به إلى الملك، فقص عليه القصة، فقال بعضهم: إن آباءنا أخبرونا أن فتية فروا بدينهم من
стр. 1481
(دقيانوس) ، فلعلهم هؤلاء، فانطلق الملكُ وأهلُ المدينة من مسلم وكافر، فدخلوا عليهم وكلموهم، ثم قالت الفتية للملك:
نُودعك الله ونعيذك به من الإنس والجن، ثم رجعوا إلى مضاجعهم، فماتوا، فألقى المَلِكُ عليهم ثيابه، وجعل لكل منهم تابوتًا من ذهب، فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج، وبنى على باب الكهف مسجدًا. وقيل: لما انتهوا إلى الكهف قال لهم الفتى: مكانَكَم حتى أدخل أولاً لئلا يفزعوا، فدخل، فَعُمِّي عليهم المدخل، فبنوا ثَمَّةَ مسجدًا.
وقيل: المتنازَع فيه: أمر الفتية قبل بعثهم، أي: أعثرنا عليهم حين يتذاكرون بينهم أمرهم، وما جرى بينهم وبين دقيانوس من الأحوال والأهوال، ويتلقون ذلك من الأساطير وأفواه الرجال. وعلى التقديرين: فالفاء في قوله:
فَقالُوا ابْنُوا فصيحة، أي: أعثرنا عليهم فرأوا ما رأوا، ثم ماتوا، فقال بعضهم: ابْنُوا عَلَيْهِمْ: على باب كهفهم بُنْياناً لئلا يتطرق إليهم الناس، ففعلوا ذلك ضنًا بمقامهم ومحافظة عليهم.
ثم قالوا: رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ، كأنهم لما عجزوا عن إدراك حقيقة حالهم من حيث النسبة، ومن حيث العدد، ومن حيث بُعد اللبث في الكهف، قالوا ذلك تفويضًا إلى علام الغيوب. أو: يكون من كلامه سبحانه ردًا لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ، وهو الملك والمسلمون، وكانوا غالبين في ذلك الوقت:
لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً، فذكر في القصة أنه جعل على باب الكهف مسجدًا يصلي فيه.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٢ الى ٢٦]
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦)
ثم وقع الخوض في عهد نبينا- ﵊ بين نصارى نجران حين قدموا المدينة، فجرى بينهم ذكر أهل الكهف وبين المسلمين في عددهم، كما قال تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، وهو قول اليعقوبية من النصارى، وكبيرهم السيد، وقيل: قالته اليهود، وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ، هو قول النسطورية منهم، وكبيرهم العاقب، رَجْماً بِالْغَيْبِ: رميًا بالخبر من غير اطلاع على حقيقة الأمر، أو ظنًا بالغيب من غير تحقيق، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، وهو ما يقوله المسلمون بطريق التلقي من هذا الوحي، وعدم نظمه في سلك الرجم بالغيب، وتغيير سبكه بزيادة الواو المفيدة لزيادةِ تأكيد النسبة فيما بين طرفيها، يَقضي بصحته.
قال تعالى: قُلْ يا محمد تحقيقًا للحق، وردًا على الأولين: رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ أي: ربي أقوى علمًا بعدتهم، ما يَعْلَمُهُمْ أي: ما يعلم عددهم إِلَّا قَلِيلٌ من الناس، قد وفقهم الله تعالى للاطلاع عليهم بالدلائل أو بالإلهام. قال ابن عباس ﵁: «أنا من ذلك القليل» ، قال: حين وقعت الواو انقطعت العدة، وأيضًا حين سكت عنه تعالى ولم يقل: رجمًا بالغيب، علم أنه حق. وعن عليّ- كرّم الله وجهه-: أنهم سبعة، أسماؤهم:
يمليخا، وهو الذي ذهب بورقهم، ومكسيلمينيا، وهو أكبرهم والمتكلم عنهم، ومشلينا، وفي رواية الطبري: ومجْسَيْسِيا بدله، وهؤلاء أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوش ودبرنوش وجشاذنوس، وكان يستشير هؤلاء الستة
стр. 1482
فى أمره، والسابع: الراعي الذي تبعهم حين هربوا من دقيانوس، واسمه: كفشططيوش «١» . وذكر ابن عطية عن الطبري غير هؤلاء، وكلهم عجميون، قال: والسندُ في معرفتهم واهْ. والله تعالى أعلم.
الإشارة: عادة الحق تعالى في أوليائه أن يُخْفِيهم أولاً عن أعين الناس، رحمةً بهم إذ لو أظهرهم في البدايات لفتنوهم وردوهم إلى ما كانوا عليه، حتى إذا تخلصوا من البقايا، وتمكنوا من معرفة الحق وشهوده، أعثر عليهم من أراد سعادته ووصوله إلى حضرته ليعلموا أن وعد الله بإبقاء العدد الذين يحفظ الله بهم نظام العالم في كل زمان حق، وأنّ خراب العالم بانقراضهم، وقيام الساعة لا ريب فيه. وفي الآية تنبيه على ذم الخوض بما لا علم للعبد به، ومدح من رد العلم إلى الله في كل شيء. والله تعالى أعلم.
ثم نهى نبيه عن المجادلة بعد وضوح الحق، فقال:
فَلا تُمارِ فِيهِمْ ...
قلت: (إِلَّا أَنْ يَشاءَ) : استثناء مفرغ من النهي، أي: لا تقولن في حال من الأحوال، إلا حال ملابسةٍ بمشيئته تعالى على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو: في وقت من الأوقات، إلا وقت إن شاء الله.
يقول الحق ﷻ : فَلا تُمارِ أي: لا تجادل فِيهِمْ في شأن أهل الكهف إِلَّا مِراءً ظاهِراً قدر ما تعرض له الوحي من وصفهم، من غير زيادة عليه، مع تفويض العلم إلى الله، فلا تُصرح بجهلهم، ولا تفضح خطأهم، فإنه يُخل بمكارم الأخلاق، وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ: في شأنهم مِنْهُمْ من الخائضين أَحَداً فإن فيما أوحي إليك لمندوحة عن ذلك، مع أنهم لا علم لهم بذلك.
стр. 1483
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ أي: لأجل شيء تعزم عليه: إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ الشيء غَداً: فيما يُستقبل من الزمان مطلقًا، فيصدق بالغد وما بعده لأنه نزل حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين. فسألوه ﷺ فقال: «غدًا أخبركم» ، ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي، حتى شقَّ عليه، وكذبته قريشٌ، ثم نزلت السورة بعد أربعة عشر يومًا، أو قريبًا منها «١» ، على ما ذكره أهل السِّيَر، أي: لا تَقُلْ إني فاعل شيئًا في حال من الأحوال إلا متلبسًا بمشيئته على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات، إن شاء الله أن تقوله، بمعنى: أن يأذن لك فيه، فإن النسيان بمشيئته تعالى.
وَاذْكُرْ رَبَّكَ بقولك: إلا أن يشاء الله مستدركًا له، إِذا نَسِيتَ: إذا فرط منك نسيان ثم ذكرته. وعن عبد الله بن عباس ﵁: ولو بعد سنة ما لم يحنث. ولذلك جوَّز تأخير الاستثناء. وعامة الفقهاء على خلافه، إذ لو صح ذلك لما تقرر طلاق ولا عتاق، ولم يعلم صدق ولا كذب، وقال القرطبي: هذا في تدارك الترك والتخلص من الإثم، وأما الاستثناء المغير للحكم فلا يكون إلا متصلاً به، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه، أو: اذكر ربك إذا اعتراك نسيان لتستدرك ما فات، وحُمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. وسيأتي في الإشارة بقية الكلام عليها.
وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي: يوفقني لِأَقْرَبَ مِنْ هذا أي: لنبأ أقرب وأظهر من نبأ أصحاب الكهف، من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي، رَشَداً أي: إرشادًا للناس ودلالة على ذلك. وقد فعل ذلك حيث آتاه من البينات ما هو أعظم وأبين لقصص الأنبياء، المتباعدة أيامهم، والإخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعمار المستقبلة إلى قيام الساعة. أو: لأقرب رشدًا وأدنى خيرًا من المَنْسِي، أي: عسى أن يدلني على ما هو أصلح لي من الذي نسيته إذ يجوز أن يكون نسيانه خيرًا له من ذكره إذ فيه إظهار قهريته تعالى، وغناه عن خلقه، وعدم مبالاته بإدبار من أدبر وإقبال من أقبل، أو: الطريق الأقرب من هذا الذي هدى إليه أهل الكهف رشدًا وصوابًا، وقد فعل ذلك حيث هداه إلى الدين القيِّم الذي أظهره على الأديان كلها، ولو كره المشركون.
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ أحياءً، مضروبًا على آذانهم، ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً، روي عن علي- كرم الله وجهه- أنه قال: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية، والله تعالى ذكر السنة القمرية، والتفاوت بينهما في كل مائة ثلاثُ سنين، فيكون ثلاث مائة سنة وتسع سنين. هـ. قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا أي: الزمان
стр. 1484
الذي لبثوا فيه. لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: ما غاب فيهما، وخفي من أحوال أهلها، أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ أي: ما أسمعه وما أبصره. دل بصيغة التعجب على أن سمعه تعالى وبصره خارج عما عليه إدراك المدركين لأنه تعالى لا يحجبه شيء، ولا يحول دونه حائل، ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيف والكثيف، والصغير والكبير، والخفي والجلي. والتعجب في حقه تعالى مجاز لأنه إنما يكون مما خفي سببه، ولأنه دهشة وروعة تلحق المتعجب عند معاينة ما لم يعتَدْه، وهو تعالى منزَّه عن ذلك، فيُؤَوَّل بأنه مبالغة في إحاطة سمعه وبصره بكل شيء، كما تقدّم.
ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ أي: ما لأهل السموات والأرض من دونه تعالى من ولي يتولى أمورهم وينصرهم إلا هو سبحانه، وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ: في قضائه في علم الغيب أَحَداً منهم، ولا يجعل له فيه مدخلاً، وقرئ بالخطاب لكل أحد، أي: ولا تشرك أيها السامع في حكمه وتدبيره أحدًا من خلقه، فإنه لا فعل له ولا تدبير. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قد تضمنت إشارة الآية خمس خصال من خصال الصوفية:
الأولى: ترك المراء والجدال، إلا ما كان على وجه المذاكرة والمناظرة في استخراج الحق أو تحقيقه، من غير ملاججة ولا مخاصمة، في سهولة وليونة وسلامة القلوب.
الثانية: استفتاء القلوب فيما يعرض من الأمور قال ﷺ : «استَفت قلبَكَ، وإنْ أفتَاكَ المفْتونَ وأفتَوْك، فالبر ما اطمأن القلب وسكن إليه، والإثم ما حاك في الصدر وتردد» «١» ، والمراد بالقلوب التي تُسْتَفْتَى. القلوب الصافية المنورة بذكر الله، الزاهدة فيما سوى الله، فإنها إذا كانت بهذه الصفة لا يتجلى فيها إلا الحق، ولا تسكن إلا إلى الحق، بخلاف القلوب المخوضة بحب الدنيا والهوى، فلا تفتي إلا بما يوافق هواها.
الثالثة: التفويض إلى مشيئة الله وتدبيره، والرضا بما يبرز به القضاء، بحيث لا يعقد على شيء، ولا يجزم بفعل شيء، إلا ملتبسًا بمشيئة الله، فينظر ما يفعل الله، فالعاقل إذا أصبح نظر ما يفعل الله به، والجاهل إذا أصبح نظر ما يفعل بنفسه، كما قال صاحب الحِكم.
الرابعة: الاشتغال بالذكر والفكر، حتى يغيب عما سوى المذكور قال تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ) أي: إذا نسيت ما سواه، حينئذ تكون ذاكرًا حقيقة، فالذكر الحقيقي: هو الذي يغيب صاحبه عن شهود نفسه ورسمه وحسه، حتى يكون الحق تعالى هو المتكلم على لسانه لشدة غيبته فيه، وهذا أمر مشاهد لمن عثر على شيخ التربية والتزم صحبته.
стр. 1485
الخامسة: التماس الترقي والزيادة في الاهتداء واليقين، فكل مقام يدركه ينبغي أن يطلب مقامًا أعلى منه، ولا نهاية لعلمه تعالى ولا لعظمته، (وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدًا) ، وبالله التوفيق.
ثم أمره بتلاوة كتابه الذي هو أصل كل رشد وصواب، وأقرب هداية لذوى الألباب، فقال تعالى:
[سورة الكهف (١٨) : آية ٢٧]
وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧)
يقول الحق ﷻ : وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ أي: أسرده على ما نزل، ولا تسمع لقولهم: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا «١» ، أو اتبع أحكامه، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ: لا قادر على تبديله غيره، أو:
لا مغير لما وعد بكلماته للمخالفين له، وَلَنْ تَجِدَ أبدًا مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً أي: ملجأ، تعدل إليه عند إلمام مُلمة، أو: لن تجد، إن بدلت تقديرًا، وخالفت ما أنزل إليك، ملتحدًا: ملجأ تميل إليه. والله تعالى أعلم.
الإشارة: القرآن شفاء لكل داء فمن نزلت به شدة حسية أو معنوية، دنيوية أو دينية، ففزع إليه بالتلاوة أو الصلاة به، رأى فَرَجًا، وقريبًا، فالالتجاء إلى كلام الله هو الالتجاء إلى الله، فإنَّ الحق تعالى يتجلى في كلامه للقلوب على قدر صفائها، وأما من التجأ إلى غير الله فقد خاب رجاؤه وبطل سعيه قال تعالى: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) تميل إليه فيأويك. والله تعالى أعلم.
ثم أمر بصحبة الفقراء، الذين يعينونه على تلاوة كتابه ونصر دينه والتمسك به، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : آية ٢٨]
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨)
قلت: (وَلا تَعْدُ) : نهي مجزوم بحذف الواو، و (عَيْناكَ) : فاعل، و (تُرِيدُ) : حال من الكاف، أو من فاعل (تَعْدُ) .
يقول الحق ﷻ : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ أي: احبسها مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أي: يعبدونه بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، قيل: الصلوات الخمس، فالغداة: الصبح، والعَشِيِّ: الظهر وما بعده، وقيل: الصبح والعصر،
стр. 1486
قلت: والأظهر أنها الصلاة التي كانوا يُصلونها قبل فرض الصلاة، وهي ركعتان بالغداة والعشي. قال ابن عطية:
ويدخل في الآية مَنْ يدعو في غير صلاة، ومن يجمع لمذاكرة علم، وقد رَوى عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «لَذِكْرُ اللهِ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَطْمِ السُّيُوف فِي سَبيل اللهِ، ومِنْ إعْطَاءِ المَال سحا» «١» .
وقيل: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) في جميع الأوقات، وفي طرفَيْ النهار، والمراد بهم فقراء المؤمنين كعمَّار وصُهَيب وخبَّاب وبِلال، رُوي أن رؤساء الكفرة من قريش قالوا لرسول الله ﷺ : لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك وصحبناك، وقالوا: إن ريح جِبَابِهم تؤذينا، فنزلت الآية «٢» . رُوي أنه ﷺ لما نزلت خرج إليهم وجلس بينهم، وقال: «الحمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ في أمتي مَنْ أُمرْتُ أنْ أصبرْ نَفْسِي معه» «٣» . وقيل: نزلت في بيان أهل الصُّفَّة، وكانوا نحو سبعمائة، فتكون الآية مدنية.
ثم وصفهم بالإخلاص، فقال: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي: معرفة ذاته، لا جنة ولا نجاة من نار، وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ أي: لا تجاوزهم بنظرك إلى غيرهم، من عداه: إذا جاوزه، وفي الوجيز: ولا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة، تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: تطلب مجالسة الأشراف والأغنياء وأصحاب الدنيا.
وَلا تُطِعْ في تنحية الفقراء عن مجلسك مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا أي: جعلناه غافلاً عن الذكر وعن الاستعداد له، كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراء عن مجلسك، فإنهم غافلون عن ذكرنا، على خلاف ما عليه المؤمنون من الدعاء في مجامع الأوقات، وفيه تنبيه على أن الباعث على ذلك الدعاء غفلة قلبية عن جناب الله- سبحانه- حتى خفي عليه أن الشرف إنما هو بتحلية القلب بالفضائل، لا بتحلية الجسد بالملابس والمآكل. وَاتَّبَعَ هَواهُ: ما تهواه نفسه، وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً: ضياعًا وهلاكًا، وهو من التفريط والتضييع، أو من الإفراط والإسراف، فإن الغفلة عن ذكر الله- تعالى- تُؤدي إلى اتباع الهوى المؤدي إلى التجاوز والتباعد عن الحق والصواب. والله تعالى أعلم.
الإشارة: في الآية حثٌّ على صحبة الفقراء والمُكْث معهم، وفي صحبتهم أسرار كبيرة ومواهب غزيرة، إذ بصحبتهم يَكتسبُ الفقير آداب الطريق، وبصحبتهم يقع التهذيب والتأديب، حتى يتأهل لحضرة التقريب،
стр. 1487
وبصحبتهم تدوم حياة الطريق، ويصل العبد إلى معالم التحقيق، وفي ذلك يقول الشيخ أبو مدين ﵁:
مَا لذّةُ العَيشِ إلا صُحبَةُ الفُقَرا ... هُم السّلاَطين والسَّادَاتُ والأُمَرَا
فاصْحَبْهُمُ وتأدَّب فِي مَجَالِسِهِم ... وخلِّ حظَّكَ مَهمَا خلَّفُوكَ ورَا
إلى آخر كلامه.
وقوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ قال القشيري: لم يقل: واصبر قلبك لأن قلبه كان مع الحق تعالى، فأمره بصحبة الفقراء جَهْرًا بجهر، واستخلص قلبه لنفسه سِرًا بِسرٍّ. هـ. قال الورتجبي: اصبر نفسك مع هؤلاء الفقراء، العاشقين لجمالي، المشتاقين إلى جلالي، الذين هم في جميع الأوقات يسألون متى لقاء وجهي الكريم، ويريدون أن يطيروا بجناح المحبة إلى عالم وَصْلي، حتى يكونوا مُتسلين بصحبتك عن مقام الوصال، وفي رؤيتهم لك رؤية ذلك الجمال. هـ.
وقوله تعالى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، بيَّن أن دعاءهم وسؤالهم إنما هو رؤيته ولقاؤه، شوقًا إليه ومحبة فيه، من غير تعلق بغيره، أو شُغل بسواه، بل همتهم الله لا غيره، وإِلاَّ لَمَا صدق قصر إرادتهم عليه. قال في الإحياء: من يعمل اتقاء من النار خوفًا، أو رغبة في الجنة رجاء، فهو من جملة النيات الصحيحة لأنه ميل إلى الموعود في الآخرة، وإن كان نازلاً بالإضافة إلى قصد طاعة الله وتعظيمه لذاته ولجلاله، لا لأمرٍ سواه. ثم قال: وقول رويم: الإخلاص: ألا يريد صاحبه عليه عوضًا في الدارين، هو إشارة لإخلاص الصدِّيقين، وهو الإخلاص المطلق، وغيره إخلاص بالإضافة إلى حظوظ العاجلة. هـ. من الحاشية.
ثم أمره بالصدع بالحق، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : آية ٢٩]
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩)
قلت: «الْحَقُّ» : خبر، أي: هذا الذي أُوحي إليَّ الحقُّ.
يقول الحق ﷻ : وَقُلِ يا محمد لأولئك الغافلين المتبعين أهواءهم، أو: لمن جاءك من الناس: هذا الذي جئتكم به من عند ربي هو الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ أي: من جهة ربكم، لا من جهتي، حتى يتصور فيه التبديل، أو يمكن التردد في اتباعه. فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ، وهو تهديد، أي: فمَن شاء أن يؤمن فليؤمن كسائر المؤمنين، ولا يتعلل بما لا يكاد يصلح للتعليل، ومن شاء أن يكفر فليفعل، وفيه مع التهديد الاستغناء عن متابعتهم، وعدم المبالاة بهم وبإيمانهم.
стр. 1488
ثم أوعدهم على الكفر، فقال: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ أي: هيأنا للكافرين بالحق، بعد ما جاء من الله سبحانه، والتعبير عنهم بالظالمين للتنبيه على أن اختيارهم الكفر ظلمٌ وتجاوزٌ عن الحد، ووضعٌ للشيء في غير محله، أي:
هيأنا لهم نارًا عظيمة أَحاطَ بِهِمْ أي: محيطُ بهم سُرادِقُها أي: سورها المحيط بها، والتعبير بالماضي لتحقُّق وقوعه، والسرادق: ما يحيط بالشيء، كالجدار ونحوه. قيل: هو حائط من نار، وقيل: دخانها.
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا من العطش يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ: كَمُذَاب الحديد والرصاص في الحرارة. وقيل: كرديء الزيت في اللون، يَشْوِي الْوُجُوهَ إذا قُدم ليشرب بحرارته. عن النبي ﷺ أنه قال: «هو كَعَكِرِ الزَّيْتِ، فَإِذَا قُرّبَ مِن الكافر سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ، فإذَا شَرِبَهُ تقَطَّعَت أَمْعَاؤُه» «١» .
بِئْسَ الشَّرابُ ذلك، وَساءَتْ النار مُرْتَفَقاً: مُتَّكًا، وأصل الارتفاق: نصب المِرفق تحت الخد ليتكئ عليه، وأنى ذلك في النار، وإنما هو لمقابلة قوله في المؤمنين: وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً.
الإشارة: ينبغي للواعظ، أو المُذكر، أو العالم، ألا يحرص على الناس، بل يستغني بالله في أموره كلها، وإنما يُبين الحق من الباطل، ويقول: هذا الحق من ربكم، فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن يشاء فليكفر. هذا إذا كان لعامة الناس، وأما إن كان لخاصتهم كأهل الرئاسة والجاه، فاختُلف فيه فقال بعضهم: يسلك هذا المنهاج، يُبين الحق ولا يبالي، محتجًا بالآية، قال: نحن أمة محمدية، قال تعالى له: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآية، وقال بعضهم: ينبغي أن يلين لهم القول لقوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى «٢» ، وهو الأليق بطريق السياسة، فمن أعرض عن الوعظ، وبقي على ظلمه، فالآية تجر ذيلها عليه. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر ضدهم، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٠ الى ٣١]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١)
стр. 1489
قلت: جملة: (إِنَّا لا نُضِيعُ) : خبر «إِنَّ» ، والعائد محذوف، أي: أحسن عملاً، أو: وقع الظاهر موقعه فإن من أحسن عملاً في الحقيقة هو الذي آمن وعمل صالحا. وأُولئِكَ: استئناف لبيان الأجر، أو: خبر «إِنَّ» ، وما بينهما اعتراض، أو خبر بعد خبر. و (مِنْ أَساوِرَ) : ابتدائية، و (مِنْ ذَهَبٍ) : بيانية، و (أَساوِرَ) : جمع أسورة، أو أسوار جمع سوار، فهو جمع الجمع.
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أي: اختاروا الإيمان، من قوله: (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ) ، وكأنه في المعنى عطف على قوله: (أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ) ، أي: والذين آمنوا هيأنا لهم كذا وكذا، ولعل تغيير سبكه: للإيذان بكمال تنافي مآلَيْ الفريقين، أي: إن الذين آمنوا بالحق الذي أُوحي إليك وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ، حسبما بيَّن فيما أوحي إليك، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وأتقنه على ما تقتضيه الشريعة.
أُولئِكَ المنعوتون بهذه النعوت الجليلة لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي من تحت قصورهم الْأَنْهارُ من ماء ولبن وخمر وعسل، يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ أي: كل واحد يُحلَّى بسوارين من ذهب.
وكانت الأساور عند العرب من زينة الملوك، وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً، وخصت الخضرة بثيابهم لأنها أحسن الألوان وأكثرها طراوة. وتلك الثياب مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ، السندس: ما رقَّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه، جمع النوعين للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ جمع أريكة، وهو السرير في الحجَال، أي: متكئين على الأسرة المُزينة بالستور الرفيعة، كحال العرائس المتنعمين. نِعْمَ الثَّوابُ ذلك، وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً: متَّكأ. والآية عامة وإن نزلت في خصوص الصحابة رضى الله عنهم، وأماتنا على منهاجهم. آمين.
الإشارة: إنَّ الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا الأعمال التي تقرب إلى حضرة القدوس وهي تحملُ ما يثقل على النفوس، أولئك لهم جنات المعارف، تجري من تحت قلوبهم أنهار العلوم والمواهب، يُحلَّون فيها بمقامات اليقين، ويلبسون ثياب العز والنصر والتمكين، متكئين على سرر الهنا والسرور، قد انقضت عنهم أيام المحن والشرور، جعلنا الله فيهم بمنِّه وكرمه.
ثم ضرب مثلا لمن اغتر بدنياه، ولمن زهد فيها وأقبل على مولاه، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٢ الى ٤٤]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦)
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١)
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤)
стр. 1490
قلت: «رَجُلَيْنِ» : بدل من «مَثَلًا» ، وجملة جَعَلْنا ... بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، وما شاءَ اللَّهُ:
خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حُذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أيْ: أيّ شيء شاء الله كان، و (هُنالِكَ) : ظرف مقدم، و (الْوَلايَةُ) : مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن.
يقول الحق ﷻ : وَاضْرِبْ لَهُمْ أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، مَثَلًا من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مَشَاقَّ الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي رَجُلَيْنِ مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قُطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثَاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعًا وعقارًا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر.
رُوِيَ: أن الكافر اشترى أرضًا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانًا اشترى أرضًا بألف، وإني أشتري منك أرضًا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارًا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارًا بألف، وإني أشتري منك دارًا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج
стр. 1491
امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانًا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادمًا ومتاعًا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادماً ومتاعاً من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يُناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئًا، فلما تُوفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ... «١» الآية.
وبيَّن حالهما في الدنيا بقوله: جَعَلْنا لِأَحَدِهِما وهو الكافر، جَنَّتَيْنِ: بستانين مِنْ أَعْنابٍ: من كروم متنوعة، وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظًا بها كرومهما، وَجَعَلْنا بَيْنَهُما:
وسطهما زَرْعاً ليكون كل منهما جامعًا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها: ثمرها وبلغ مبلغًا صالحًا للأكل، وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً أي: لم تنقص من أكلها شيئًا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبًا تكثر في عام وتقل في عام، وَفَجَّرْنا خِلالَهُما: فيما بين كل من الجنتين نَهَراً على حدةٍ، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها.
ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض.
وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثَمُرَ مالُه: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة، والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. فَقالَ لِصاحِبِهِ المؤمن، أخيه أو شريكه، وَهُوَ يُحاوِرُهُ: يراجعه في الكلام، من حَار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمتُه بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً: حَشمًا وأعوانًا وأولادًا ذكورًا لأنهم الذين ينفرون معه.
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحدٍ واحد. فدخله وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ضارُّ لها بعُجْبه وكفره، قالَ حين دخوله: ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ الجنة، أي: تفنى أَبَداً لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارًا لفناء الدنيا
стр. 1492
وقيام الساعة، ولذلك قال: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً أي: كائنة فيما سيأتي، وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي بالبعث عند قيامها، كما تقول، لَأَجِدَنَّ حينئذ خَيْراً مِنْها: من الجنتين مُنْقَلَباً أي: مرجعًا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاتِهِ، وكرامته عليه، ولم يَدْرِ أن ذلك استدراج.
قالَ لَهُ صاحِبُهُ أخوه المسلم وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ أي: أصلك مِنْ تُرابٍ، فإن خلق آدم ﵇ من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجًا منطويًا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواءً مجانسًا مُستتْبعًا لجريان آثارها على الكل، فكان خلْقُه ﵇ من تراب خلقًا للكل منه، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ هي مادتك القريبة، ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا أي: عدلك وكملك إنسانًا ذكرًا، أو صيرك رجلاً، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث، الذي نطق به قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ «١» .
قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرًا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتَّب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن مَن قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. هـ.
ثم قال أخوه المسلم: لكِنَّا أصله: لكن أنا، وقُرئ به، فحُذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، هُوَ اللَّهُ رَبِّي، «هُوَ» : ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: «هُوَ اللَّهُ رَبِّي» ، وتلك الجملة: خبر «أَنَا» ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات «أنا» في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: أَكَفَرْتَ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود.
قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ ... الآية، ومن قوله:
يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ ... الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: (قرأت في تسعين كتابًا من كتب الله أن من وَكل إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر) ، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. هـ.
وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ: بستانك، قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ أي: هلاَّ قُلتَ عند دخولها: ما شاءَ اللَّهُ أي:
الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره.
стр. 1493
قال النبي ﷺ : «مَنْ رَأَى شَيْئًا فأعْجَبه فَقَالَ: مَا شَاءَ اللهُ لا قوة إلا بالله، لَمْ يضُرّهُ شَيءٌ» »
. وقال لأبي هريرة: «أَلاَ أَدُلُك عَلى كَلِمَةٍ مِن كُنُوزِ الجنة؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: لا قوةَ إلاَّ بالله، إن قالها العبد قال اللهُ : أسْلم عبدي واسْتَسْلم» «٢» . وقال لعبْدِ اللهِ بْنَ قَيْسٍ: «ألاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» «٣» .
ثم قال له أخوه المسلم: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ في الآخرة أو في الدنيا خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صُنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرًا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً: عذابًا مِنَ السَّماءِ يُذهبها، من بَرَدٍ أو صاعقة، وهو جمع: حُسْبَانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضًا، في اللغة، على سهام تُرمى دفعة واحدة، فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً أي: أرضًا ملساء، يزلق عليها لاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها أي: النهر الذي خِلالَها غَوْراً: غائرًا ذاهبًا في الأرض، و «زَلَقاً» و «غَوْراً» : مصدران، عبَّر بهما عن الوصف مبالغةً. فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً أي: لن تستطيع أبدًا للماء الغائر طلبًا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلاً عن وجدانه ورده.
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مُقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، رُوي أنَّ الله تعالى أرسل عليها نارًا فأحرقتها وغار ماؤها. فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ظهرًا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم عَلى ما أَنْفَقَ فِيها أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود.
وَهِيَ أي: الجنة خاوِيَةٌ: ساقطة عَلى عُرُوشِها أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولاً ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إِمَّا لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإِمَّا لأن ذكر هلاكها مُغْن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك
стр. 1494
ما عداها أولى، وإِمَا لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. وَيَقُولُ أي: يقلب وهو يقول: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعَلِمَ أنه إنما أُتِيَ من قِبَلِ شِرْكِهِ، فتمنى أنْ لم يكن مشركًا فلم يصبه ما أصابه.
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ: جماعة يَنْصُرُونَهُ: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، مِنْ دُونِ اللَّهِ، فإنه القادر على ذلك وحده، وَما كانَ مُنْتَصِراً أي: وما كان في نفسه ممنوعًا بقوته من انتقامه سبحانه منه.
هُنالِكَ في ذلك المقام، وفي تلك الحال الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقُرئ: «الحقِ» بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويُحتمل أن يكون: هُنالِكَ ظرفًا لمنتصرًا، أي:
وما كان ممتنعًا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا «١» . وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن مَن اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ: رد لقوله: وَأَعَزُّ نَفَراً أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره.
والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبتُه الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تَم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: هُنالِكَ عند ذلك، يعني: يوم القيامة الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ يتولون الله ويُؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، هُوَ خَيْرٌ ثَواباً أي: خير من يرجى ثوابه، وَخَيْرٌ عُقْباً أي: عاقبة لأوليائه. والعُقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعُقْبَاهُ وعقبه، أي: آخره.
والله تعالى أعلم.
الإشارة: قد ضرب الله مثلاً لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدَّم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أوْ لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه.
قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذِل، فأخبر الله عنه بقوله: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ... الآية. ولكن ادخلها كما بيّن
стр. 1495
لك، وقل كما رَضي لك: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وافهم هاهنا قوله ﷺ :
«لا حول ولا قوة إلاَّ بالله كَنْزٌ من كُنُوزِ الجنة» «١» . وفي رواية أخرى: «كنز من كنوز تحت العرش» .
فالترجمة: «٢» ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته.
ثم ضرب مثلا فى سرعة ذهابها وفنائها، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٥ الى ٤٦]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦)
قلت: كَماءٍ: خبر عن مضمر، أي: هي كماء، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانيا لا ضرب، على أنه بمعنى «صيِّر» .
يقول الحق ﷻ : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: واذكر لهم ما يشبهها في زهرتها ونضارتها، وسرعة انقراضها وفنائها لئلا يطمئنوا إليها ويغفُلوا عن الآخرة، هي كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ وهو المطر، فَاخْتَلَطَ بِهِ أي: بسببه نَباتُ الْأَرْضِ بحيث التف وخالط بعضُه بعضًا من كثرته وتكاثفه، ثم مرت مدة قليلة فَأَصْبَحَ هَشِيماً أي: مهشومًا مكسورًا، تَذْرُوهُ الرِّياحُ أي: تُفرقه وتطيره، كأن لم يَغْنَ بالأمس، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً: قادرًا، ومن جملة الأشياء: الإفناء والإنشاء.
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: مما تذروه رياح الأقدار، ويلحقه الفناء والبوار، ويدخل في الزينة:
الجاهُ، وجميعُ ما فيه للنفس حظ فإنه يفنى ويبيد، ثم ذكر ما لا يفنى فقال: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ وهي أعمال الخير بأسرها، أو: الصلوات الخمس، أو: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» ، زاد بعضهم: «ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» . قال ﵊: «هي من كنز الجنة، وصفايا الكلام، وهن الباقيات الصالحات، يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات» «٣» .
стр. 1496
أو: الهمات العالية والنيات الصالحة إذ بها ترفع الأعمال وتُقبل. أو: كل ما أريد به وجه الله، وسميت باقيةً:
لبقاء ثوابها عند فناء كل ما تطمح إليه النفس من حظوظ الدنيا وزينتها الفانية.
قال في الإحياء: كل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا، كالمال والجاه مما ينقضي على القرب، وكل ما لا يقطعه الموت فهو الباقيات الصالحات، كالعلم والحرية لبقائهما كمالاً فيه، ووسيلة إلى القرب من الله تعالى، أما الحرية من الشهوات فتقطع عن غير الله، وتجرده عن سواه، وأما العلم الحقيقي فيفرده بالله ويجمعه عليه. هـ.
وهي، أي: الباقيات الصالحات خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ أي: في الآخرة ثَواباً أي: عائدة تعود على صاحبها، بخلاف ما شأنه الفناء من المال والبنين فإنه يفنى ويبيد. وهذا كقوله تعالى: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ «١» . وقوله: عِنْدَ رَبِّكَ: بيان لما يظهر فيه خيريتها، لا لأفضليتها من المال والبنين مع مشاركتها لها في الخيرية إذ لا مشاركة لهما في الخيرية في الآخرة. ثم قال تعالى: وَخَيْرٌ أَمَلًا أي: ما يُؤمله الإنسان ويرجوه عند الله تعالى، حيث ينال صاحبها في الآخرة كل ما كان يُؤمله في الدنيا، وأما ما مرّ من المال والبنين فليس لصاحبه فيه أمل يناله. وتكرير «خَيْرٌ» للإشعار باختلاف حيثيتي الخيرية والمبالغة فيه.
الإشارة: قد تقدّم، مراراً، التحذير من الوقوف مع بهجة الدنيا وزخارفها الغرارة لسرعة ذهابها وانقراضها.
روى أبو هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: «يا أبا هريرة تريد أن أريك الدنيا؟ قلت: نعم، فأخذ بيدي، وانطلق، حتى وقف بي على مزبلة، رؤوس الآدميين ملقاة، وبقايا عظام نخرة، وخِرَق بالية قد تمزقت وتلوثت بنجاسات الآدميين، فقال: يا أبا هريرة هذه رؤوس الآدميين التي تراها، كانت مثل رؤوسكم، مملوءة من الحرص والاجتهاد على جمع الدنيا، وكانوا يرجون من طول الأعمار ما ترجون، وكانوا يَجِدُّون في جمع المال وعمارة الدنيا كما تَجِدُّون، فاليوم قد تعرّت عظامهم، وتلاشت أجسامهم كما ترى، وهذه الخرق كانت أثوابهم التي كانوا يتزينون بها، وقت التجمل ووقت الرعونة والتزين، فاليوم قد ألقتها الرياح في النجاسات، وهذه عظام دوابهم التي كانوا يطوفون أقطار الأرض على ظهورها، وهذه النجاسات كانت أطعمتهم اللذيذة التي كانوا يحتالون في تحصيلها، وينهبها بعضُهم من بعض، قد ألقوها عنهم بهذه الفضيحة التي لا يقربها أحد من نتنها، فهذه جملة أحوال الدنيا كما تُشاهد وترى، فمن أراد أن يبكي على الدنيا فليبك، فإنها موضع البكاء. قال أبو هريرة ﵁:
فبكى جماعة الحاضرين» «٢» .
стр. 1497
ثم ذكر ما يكون بعد فناء الدنيا التي تقدم مثالها من أهوال الحشر والحساب، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٧ الى ٤٩]
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩)
قلت: وَيَوْمَ: معمول لمحذوف، أي: واذكر، أو عطف على قوله: «عند ربك» ، أي: والباقيات الصالحات خير عند ربك ويوم القيامة، و (حَشَرْناهُمْ) : عطف على (نُسَيِّرُ) للدلالة على تحقق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المشركون، وعليه يدور أمر الجزاء، وكذا الكلام فيما عطف عليه منفيًا وموجبًا، وقيل: هو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ليعاينوا تلك الأهوال، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك. و (نُغادِرْ) : نترك، يقال: غادره وأغدره: إذا تركه، ومنه: الغدير لما يتركه السيل في الأرض من الماء، وَفًّا)
: حال، أي: مصْطفين.
يقول الحق ﷻ : وَاذكر يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ أي: حين نقلعها من أماكنها ونسيرها في الجو، على هيئتها، كما ينبئ عنه قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ «١» أو: نسير أجزاءها بعد أن نجعلها هباء منثورًا، والمراد من ذكره: تحذير الغافلين مما فيه من الأهوال، وقرئ: «تُسَيَّر» بالبناء للمفعول جريًا على سَنَن الكبرياء، وإيذانًا بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لظهور تعينه، ثم قال: وَتَرَى الْأَرْضَ أي:
جميع جوانبها، والخطاب للرسول ﷺ ، أو لكل من يسمع، بارِزَةً: ظاهرة، ليس عليها جبل ولا غيره. بل تكون قَاعاً صَفْصَفاً، لاَّ تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً «٢» . وَحَشَرْناهُمْ: جمعناهم إلى الموقف من كل حدب، مؤمنين وكافرين، فَلَمْ نُغادِرْ أي: لم نترك مِنْهُمْ أَحَداً.
عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ
، شبهت حالتهم بحال جُنْدٍ عُرِضَ على السلطان، ليأمر فيهم بما يأمر. وفي الالتفات إلى الغيبة، وبناء الفعل للمفعول، مع التعرض لعنوان الربوبية، والإضافة إلى ضميره- ﵊ من
стр. 1498
تربية المهابة، والجري على سَنَن الكبراء، وإظهار اللطف به ﷺ ما لا يخفى. قاله أبو السعود. فًّا
أي:
مصْطَفِّينَ غير متفرقين ولا مختلطين، كل أمة صَفٌّ، وفي الحديث الصحيح: «يَجْمَعُ اللهُ الأولين والآخرين في صَعِيدٍ واحِد، صفوفًا، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِيِ وَيَنْفُذُهُم البَصَرُ ... » «١» الحديث بطوله. وفي حديث آخر: «أهل الجنة، يوم القيامة، مائة وعشرون صفًا، أنتم منها ثمانون صفًا» «٢» .
يقال لهم- أي: للكفرة منهم: قَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
، وتركتم ما خولناكم وما أعطيناكم من الأموال وراء ظهوركم. أو: حفاة عراة غُرْلاً، كما في الحديث.
وهذه المخاطبة، بهذا التقريع، إنما هي للكفار المنكرين للبعث، وأما المؤمنون المُقِرون بالبعث فلا تتوجه إليهم هذه المخاطبة، ويدل عليه ما بعده من قوله: لْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
أي: زعمتم في الدنيا إنه، أي: الأمر والشأن، لن نجعل لكم وقتًا يَتَنَجَّزُ فيه ما وعدته من البعث وما يتبعه. وهو إضراب وانتقال من كلام، إلى كلام، كلاهما للتوبيخ والتقريع.
وَوُضِعَ الْكِتابُ أي: كتاب كل أحد، إما في يمينه أو شماله، وهو عطف على: ُرِضُوا)
، داخلٌ تحت الأمور الهائلة التي أريد بذكرها تذكير وقتها، وأورد فيه ما أورد في أمثاله من صيغة الماضي لتحقق وقوعه، وإيثار الإفراد للاكتفاء بالجنس، والمراد: صحائف أعمال العباد. ووضعها إما في أيدي أصحابها يمينًا وشمالاً، أو في الميزان. فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ قاطبة، المنكرون للبعث وغيرهم، مُشْفِقِينَ: خائفين مِمَّا فِيهِ من الجرائم والذنوب، وَيَقُولُونَ، عند وقوفهم على ما في تضاعيفه نقيرًا أو قطميرًا: يا وَيْلَتَنا أي:
ينادون بتهلكتهم التي هُلكوها من بين التهلكات، ومستدعين لها ليهلكوا، ولا يرون تلك الأهوال، أي: يا ويلتنا احضري فهذا أوان حضورك، يقولون: مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ: لا يترك صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً من ذنوبنا إِلَّا أَحْصاها أي: حواها وضبطها، وجملة لا يُغادِرُ: حال محققة لِمَا في الاستفهام من التعجب، أو استئنافية مبنية على سؤال مقدر، كأنه قيل: ما شأنه حتى يتعجب منه؟ فقال: لا يغادر سيئة صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا في الدنيا من السيئات، أو جزاء ما عملوا حاضِراً: مسطورًا عتيدًا، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً، فيكتب مالم يعمل من السيئات، أو يزيد في عقابه المستحق له. والله تعالى أعلم.
стр. 1499
الإشارة: ويوم نُسير جبال الحس، أو الوهم، عن بساط المعاني، وترى أرض العظمة بارزة ظاهرة لا تَخْفَى على أحدٍ، إلا على أَكْمَهِ لا يُبْصِرُ القمر في حال كماله، وحشرناهم إلى الحضرة القدسية، فلم نغادر منهم، أي:
ممن ذهب عنه الحس والوهم، أحدًا، وعُرضوا على ربك لشهود أنوار جماله وجلاله، صفًا، للقيام بين يديه، فيقول لهم: لقد جئتمونا من باب التجريد، كما خلقناكم أول مرة، مُطَهَّرِينَ من الدنس الحسي، غائبين عن العلائق والعوائق، وكنتم تزعمون أن هذا اللقاء لا يكون في الدنيا، وإنما موعده الجنة، ومن مات عن شهود حسه، وعن حظوظه، حصل له الشهود واللقاء قبل الموت الحسي، ووضع الكتاب في حق أهل الحجاب، فترى المجرمين من أهل الذنوب مشفقين مما فيه، ووجود العبد: ذَنْبٌ لا يقاس به ذنب، فَنَصْبُ الموازين، ومناقشةُ الحسابِ إنما هو لأهل الحجاب، وأما العارفون الفانون عن أنفسهم، الباقون بربهم، لم يبق لهم ما يُحاسبون عليه إذ لا يشهدون لهم فعلاً، ولا يرون لأحد قوة ولا حولا. والله تعالى أعلم.
ولمّا كان سبب العذاب ووجود الحجاب هو التكبر على رب الأرباب، ذكر وبالَهُ بإثر الحشر والحساب، أو تقول:
لمَّا ذكر قصة الرجلين ذكر قُبح صنيع من افتخر بنفسه، وأنه شبيه بإبليس، وكل من افتخر واستنكف عن الانتظام في سلك فقراء المؤمنين كان داخلا فى حزبه. وقال الواحدي: ثم أمر الله تعالى نبيه أن يذكر لهؤلاء المتكبرين عن مجالسة الفقراء قصة إبليس وما ورّثه الكبر، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٠ الى ٥١]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١)
قلت: (إِلَّا إِبْلِيسَ) : استثناء منقطع، إذا قلنا: إن إبليس لم يكن من الملائكة، وإذا قلنا: إنه منهم يكون متصلاً، ويكون معنى «كانَ» : صار، أي: إلا إبليس صار من الجن لمَّا امتنع من السجود، أو بأن الملائكة كان منهم قوم يقال لهم الجن، وهم الذين خُلقوا من النار. وجملة (كانَ مِنَ الْجِنِّ) : استئنافية سيقت مساق التعليل، كأنه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان أَصْلُهُ جنِّيًا.
يقول الحق ﷻ : وَاذكر إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ أي: وقت قوْلنا لهم: اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود تحية وتكريم، فَسَجَدُوا جميعًا امتثالاً للأمر، إِلَّا إِبْلِيسَ أبى واستكبر لأنه كانَ مِنَ الْجِنِ
،
стр. 1500
وكان رئيسهم في الأرض، فلما أفسدوا أرسل الله عليهم جندًا من الملائكة، فغزوهم، فهربوا في أقطار الأرض، وأُخذ إبليس أسيرًا، فعرجوا به إلى السماء، فأسلم وتعبد في أقطار السموات، فلما أُمرت الملائكة بالسجود امتنع ونزع لأصله، فَفَسَقَ أي: خرج عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي: عن طاعته، أو صار فاسقًا كافرًا بسبب أمر الله تعالى إذ لولا ذلك لَمَا أبى، والتعرض لوصف الربوبية المنافية للفسق لبيان كمال قُبح ما فعله.
قال تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أي: أولاده، أو أتباعه، وهم الشياطين، جُعلوا ذريةً مجازًا. وقال قتادة:
إنهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم. وقيل: يُدْخِل ذنَبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين.
والهمزة للإنكار والتعجب، والفاء للتعقيب، أي: أَعقبَ عِلْمكُم بصدور تلك القبائح منه، تتخذونه وذريته أَوْلِياءَ أحباء مِنْ دُونِي فتستبدلونهم، وتطيعونهم بدل طاعتي، والحال أنهم، أي: إبليس وذريته لَكُمْ عَدُوٌّ أي: أعداء. وأُفرد تشبيهًا له بالمصدر، كالقبول والولوع، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ: الواضعين للشيء في غير محله، بَدَلًا استبدلوه من الله تعالى، وهو إبليس وذريته. وفي الالتفات إلى الغيبة، مع وضع الظاهرَ موضع الضمير، من الإيذان بكمال السخط، والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلم قبيح، ما لا يخفى.
ما أَشْهَدْتُهُمْ أي: ما أحضرت إبليس وذريته، أو: جميع الكفار خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، حيث خلقتهما قبل خلقهم، وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض، كقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ «١» . قاله البيضاوي.
قلت: الظاهر إبقاء الأنفس على ظاهرها، أي: ما أحضرتهم خلق أنفسهم، أي: ما كانوا حاضرين حين خلقت أنفسهم، بل هم مُحْدَثُونَ في غاية العجز والجهل، فكيف تتخذونهم أولياء من دوني؟ وفي الآية رد على المنجِّمين الذين يخوضون في أسرار غيب السموات بالتخمين، وعلى الطبائعيين من الأطباء ومن سواهم، من كل متخوض في هذه الأشياء، وعلى الكُهَّان وكل من يتطلع على الغيب بطريق الحدس، والمصدقين لهم. انظر ابن عطية.
قال تعالى: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ من الشياطين عَضُداً أي: أعوانًا في شأن الخلق، أو في شأن من شؤوني، حتى تتخذوهم أولياء وتُشركوهم في عبادتي، وكان الأصل أن يقول: وما كنت متخذهم، فوقع المظهر موقع الضمير ذمًا لهم، وتسجيلاًً عليهم بالإضلال، وتأكيدًا لما سبق من إنكار اتخاذهم أولياء، وفيه تهكم بهم وإيذان بكمال ركاكة عقولهم وسخافة آرائهم حيث لا يفهمون هذا الأمر الجلي الذي لا يكاد يشتبه على أبلدِ الصبيان، فيحتاجون إلى التصريح به. انظر أبا السعود.
стр. 1501
الإشارة: في الآية تنفيرٌ من الاستكبار والترفع على عباد الله تشبيها بإبليس، وحثٌ على التواضع والخضوع لله في خلقه وتجلياته كيفما كانت، وفيها أيضًا الحض على إفراد الوجهة والمحبة لله، والتبري من كل ما سواه مما يشغل عن الله، وفيها أيضًا: النهي عن التطلع إلى ما لم يَرِدْ به من أسرار القدر نصٌ صريح في كتاب الله ولا في سنة رسول الله من أسرار القدر، وفيها أيضًا: النهي عن الاستعانة بأعداء الله فى أي شأن كان. وبالله التوفيق.
ثم ذكر وبال من اتخذ وليًا غير الله، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٢ الى ٥٣]
وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣)
قلت: «مَوْبِقاً» : اسم مكان، أو مصدر، من: وَبَقَ وبوقًا، كوثب وثوبًا، ووَبِقَ وبَقًا، كفرح فرحًا.
يقول الحق ﷻ : وَاذكر يَوْمَ يَقُولُ الحق تعالى للكفار توبيخًا وتعجيزًا لهم: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنهم شفعاؤكم ليشفعوا لكم، والمراد بهم كل ما عُبد من دون الله، أو إبليس وذريته، فَدَعَوْهُمْ أي: نادوهم للإغاثة، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ: فلم يُغيثوهم، وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ أي: بين الداعين والمدعوين مَوْبِقاً أي: مهلكًا يهلكون فيه جميعًا، وهو النار، وقيل: العداوة، وهي نوع من الهلاك، لقول عمر ﵁: «لا يكن حُبك كَلَفًا، ولا بُغْضك تلفًا» «١» . وقيل: المراد بالبيْن: الوصل، أي: وجعلنا وصلهم في الدنيا هلاكًا في الآخرة، كقوله: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ «٢» ، وقيل: المراد بالشركاء: الملائكة، وعُزير، وعيسى- ﵈، ويراد حينئذ بالموبق: البرزخ البعيد، أي: وجعلنا بينهم وبين من عبدوهم برزخًا بعيدًا لأنهم في قعر جهنم، وهم في أعلى عليين.
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ، وضع المُظْهَرَ موضع المُضْمَرِ تصريحًا بإجرامهم، وذمًا لهم، أي: ورأوا النار فَظَنُّوا أي: أيقنوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها مخالطوها وواقعون فيها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً أي: انصرافًا ومعدلاً ينصرفون إليه، نسأل الله السلامة من مواقع الهلاك.
стр. 1502
الإشارة: من اتخذ الله وليًا، بموالاة طاعته وإفراد محبته، كان الله له وليًا ونصيرًا عند احتياجه وفاقته، ومجيبًا له عند دعائه واستغاثته، ومن اتخذ وليًا غير الله خاب ظنه ومناه، فإذا استغاث به جعل بينه وبين المستغيث به موبقًا وبرزخًا بعيدًا، ومن وَالَى أولياء الله فإنما والى الله، إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ «١» . وبالله التوفيق.
ثم ذكر كفرهم بالقرآن، مع كونه آية واضحة للعيان، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٤ الى ٥٩]
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨)
وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩)
قلت: جَدَلًا: تمييز، ورَبُّكَ: مبتدأ، والْغَفُورُ: خبره، وذُو الرَّحْمَةِ: خبر بعد خبر، وقيل: الخبر: (لَوْ يُؤاخِذُهُمْ) ، والْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ: صفتان للمبتدأ،، وإيراد المغفرة على جهة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب، وأيضًا: المغفرة ترك المؤاخذة، وهي غير متناهية، والرحمة فعل، وهو متناهي، وتقديم الوصف الأول لأن التخلية قبل التحلية، و (المُهْلَك) بضم الميم وفتح اللام: اسم مصدر، من أهلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للمفعول لأن الفعل متعد، وقرئ بفتح الميم، من هلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للفاعل.
يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ صَرَّفْنا أي: كررنا وأوردنا على وجوهٍ كثيرة من النظر العجيب، فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ لمصلحتهم ومنفعتهم، مِنْ كُلِّ مَثَلٍ من كل خبر يحتاجون إليه، أو: من كل مثل
стр. 1503
مضروب يعتبرون به، ومن جملته ما مر من مثل الرجلين، ومثل الحياة الدنيا. أو: من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي، في الغرابة والحسن واستجلاب القلوب، كالمثل المضروب، ليتلقوه بالقبول، فلم يفعلوا. وَكانَ الْإِنْسانُ بحسب جِبلَّته أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا أي: أكثر الأشياء، التي يتأتى منها الجدل، جدلاً، وهو هنا شدة الخصومة بالباطل، والمعنى: أن جدله أكثر من جدل كل مجادل، وفيها ذم الجدل. وسببها:
مجادلة النضر بن الحارث كما قيل، وهي عامة.
وَما مَنَعَ النَّاسَ أي: أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم، من أَنْ يُؤْمِنُوا بالله تعالى، ويتركوا ما هم فيه من الإشراك، إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى أي: حين جاءهم القرآن الهادي إلى الإيمان، بسبب ما فيه من فنون العلوم وأنواع الإعجاز، فيؤمنوا، وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ عما فرط منهم من أنواع الذنوب، التي من جملتها: مجادلتهم للحق بالباطل، إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي: ما منعهم إلا إتيان سنة الأولين، وهو نزول العذاب المستأصل أو انتظاره، فيكون على حذف مضاف، أي: انتظار سنة الأولين، وهو الهلاك. قال ابن جزي: معناها أن المانع للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن تأتيهم سُنَّة الأمم المتقدمة، وهي الإهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب أي: عذاب الآخرة. هـ. قلت: والظاهر أنَّ معنى الآية: ما منعهم من الإيمان إلا انتظار آية يرونها عيانًا، كعادة الأمم الماضية، فيهلكوا كما هي سُنَّة الله في خلقه، أو: عذاب ينزل بهم جهرًا، وهو معنى قوله: أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا أي: مقابلة وعيانًا.
قال تعالى: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلى الأمم إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي: مبشرين للمؤمنين بالثواب، ومنذرين للكافرين بالعقاب، دون إظهار الآيات واقتراح المعجزات، وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ باقتراح الآيات كالسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها. يفعلون ذلك لِيُدْحِضُوا بِهِ أي: بالجدال الْحَقَّ، أي:
يزيلونه عن مركزه ويبطلونه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها. وجدالهم: قولهم لرسلهم ﵈: مَآ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا «١» ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً «٢» ، ونحوها. وَاتَّخَذُوا آياتِي التي تخرّ لها صُمّ الجبال، وهو القرآن، وَما أُنْذِرُوا أي: وإنذاري لهم، أو: الذي أنذروا به من العذاب والعقاب، هُزُواً مهزوءًا به، أو محل استهزاء.
стр. 1504
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ وهو القرآن العظيم، فَأَعْرَضَ عَنْها فلم يتدبرها ولم يؤمن بها، أي:
لا أحد أظلم منه لأنه أظلم من كل ظالم حيث ضم إلى المجادلة التكذيب والإعراضَ، وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ من الكفر والمعاصي، ولم يتفكر في عاقبتها، إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً: أغطية كثيرة تمنعهم من التدبر في الآيات، وهو تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، فعل ذلك بهم كراهة أَنْ يَفْقَهُوهُ، أو: منعناهم أن يقفوا على كنهه. وَجعلنا فِي آذانِهِمْ وَقْراً أي: ثِقلاً يمنعهم من استماعه، وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً أي: فلن يكون منهم اهتداء الْبتةَ مدة التكليف للطبع المتقدم على قلوبهم، وهذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء.
و «إِذاً» : حرف جزاء وجواب، وهو، هنا، عن سؤال من النبي ﷺ المدلول عليه بكمال عنايته بإسلامهم، كأنه قال ﷺ : مالى لا أدعوهم؟ فقال: إن تدعهم ... الخ. وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في هذه المواضع الخمسة باعتبار معناه، كما أنَّ إفراده في المواطن الخمسة المتقدمة باعتبار اللفظ.
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ: البليغ المغفرة ذُو الرَّحْمَةِ الموصوف بها، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا من المعاصي، التي من جملتها: ما حكي عنهم من مجادلتهم بالباطل، وإعراضهم عن آيات ربهم، وعدم مبالاتهم بما اجترحوا من الموبقات، لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ قبل يوم القيامة لاستجلاب أعمالهم لذلك، والمراد: إمهال قريش، مع إفراطهم في عداوة رسول الله ﷺ ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، والمعطوف عليه ببل: محذوف، أي: لكنهم ليسوا بمؤاخذين، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا أي: ملجأ يلتجئون إليه، أو مَنْجىً ينجون به، يقال: وأَلَ: أي: نجا، ووأل إليه: أي: التجأ إليه.
وَتِلْكَ الْقُرى أي: قرى عاد وثمود وأضرابها، أي: وأهل تلك القرى أَهْلَكْناهُمْ بالعذاب لَمَّا ظَلَمُوا أي: وقت ظلمهم، كما فعلت قريش بما حكى عنهم، وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ أي: عَيَّنَّا لهلاكهم مَوْعِداً أي: وقتًا مُعَينًا، لا محيدَ لهم عن ذلك، فلتعتبر قريش بذلك ولا تغتر. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قد صرّف الله في كتابه العزيز كل ما يحتاج إليه العباد، من علم الظاهر والباطن، لكن خوض القلوب فيما لا يعني، وكثرة مجادلتها بالباطل، صرفتها عن فهم أسرار الكتاب واستخراج غوامضه. فمن صفت مرآة قلبه أدرك ذلك منه. وتصفيتها بصحبة أهل الصفاء، وهم العارفون بالله، ولا تخلو الأرض منهم حتى يأتي أمر الله، وما منع الناس من الإيمان بهم وتصديقهم إلا انتظارهم ظهور كرامتهم، ونزول العذاب على من آذاهم، وهو جهل بطريق الولاية لأنهم رحمة للعباد، أرسلهم الحق تعالى في كل زمان، يُذكِّرون الناس بالتحذير والتبشير، وبملاطفة الوعظ والتذكير، فاتخذهم الناس وما ذكروا به هزوًا ولعبًا، حيث حادوا عن تذكيرهم، ونفروا عن
стр. 1505
صحبتهم، فلا أحد أظلم ممن ذُكِّر بالله وبآياته، فأعرض واستكبر ونسي ما قدَّمت يداه من المعاصي والأوزار، سَبَبُ ذلك: جَعْلُ الأكنة على القلوب، وسَفْحُ رَانِ المعاصي والذنوب، فلا يفقهون وعظًا ولا تذكيرًا، ولا يستمعون تحذيرًا ولا تبشيرًا، وإن تدعهم إلى الهدى والرجوع عن طريق الردى، فلن يهتدوا إذًا أبدًا لِمَا سبق لهم في سابق القضاء، فلولا مغفرته العامة، ورحمته التامة، لعجل لهم العذاب، لكن له وقت معلوم، وأجل محتوم، لا محيد عنه إذا جاء، ولا ملجأ منه ولا منجا. نسأل الله العصمة بمنِّه وكرمه.
ولمَّا ذكر الحق ﷻ قصة أهل الكهف، وكان وقع فيها عتاب للرسول- ﵊ حيث لم يستثن بتأخير الوحي، وبقوله: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ ... الخ، ذكر هنا قصة موسى مع الخضر- ﵉ وكان سَبَبُها عتابَ الحق لموسى ﵇ حيث لم يردَّ العلم إليه، حين قال له القائل: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا، فذكر الحق تعالى قصتهما تسلية لنبينا ﵊ بمشاركة العتاب، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : آية ٦٠]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠)
قلت: لا أَبْرَحُ: ناقصة، وخبرها: محذوف: اعتمادًا على قرينة الحال إذ كان ذلك عن التوجه إلى السفر، أي: لا أبرح أسير في سفري هذا، ويجوز أن تكون تامة، من زال يزول، أي: لا أفارق ما أنا بصدده حتى أبلغ ... الخ.
يقول الحق ﷻ : وَاذكر إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف ﵇، وكان ابن أخته، سُمي فتاه إذ كان يخدمه ويتبعه ويتعلم منه العلم. والفتى في لغة العرب: الشاب، ولمَّا كانت الخدمة أكثر ما تكون من الفتيان، قيل للخادم: فتى، ويقال للتلميذ: فتى، وإن كان شيخًا، إذا كان في خدمة شيخه، فقال موسى ﵇: لا أَبْرَحُ: لا أزال أسير في طلب هذا الرجل، يعني: الخضر ﵇، حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، وهو ملتقى بحر فارس والروم مما يلي المشرق، وهذا مذهب الأكثر. وقال ابن جزي: مجمع البحرين:
عند «طنجة» حيث يتجمع البحر المحيط والبحر الخارج منه، وهو بحر الأندلس. قلت: وهو قول كعب بن محمد القرظي. أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً أي: زمنًا طويلاً أتيقن معه فوات الطلب. والحقب: الدهر، أو ثمانون سنة، أو سبعون.
وسبب هذا السفر: أن موسى ﵇ لما ظهر على مصر، بعد هلاك القبط، أمره اللهُ تعالى أن يُذّكر قومه هذه النعمة، فقام فيهم خطيبًا بخطبة بليغة، رقَّت بها القلوب، وذرفت منها العيون، فقالوا له: من أعلم الناس؟ فقال: أنا.
وفي رواية: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا. فعَتَب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه ، فأوحى الله إليه: أعلم
стр. 1506
منك عبدٌ لي بمجمع البحرين، وهو الخضر «١» ، وكان قبل موسى ﵇، وكان في مُقَدَّمَةِ ذي القرنين، فبقي إلى زمن موسى ﵇، وسيأتي ذكر التعريف به في محله، إن شاء الله.
وقال ابن عباس ﵁: أن موسى ﵇ سأل ربه: أيُّ عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال:
فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يستقي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمةً تدله على هدى، أو ترده عن ردى، قال: يا رب إن كان في عبادك من هو أعلم مني فدلني عليه؟ قال: أعلم منك الخضر، قال: أين أطلبه؟ قال: على ساحل البحر عند الصخرة «٢» . قال: يا رب، كيف لي به؟ قال: خُذ حُوتًا في مِكْتَلٍ، فحيثما فقدتَه فهو هناك، فأخذ حُوتًا مشويًا، فجعله في مِكْتَلٍ، فقال لفتاه:
إذا فقدتَّ الحوت فأخبرني، وذهبا يمشيان إلى أن اتصلا بالخضر، على ما يأتي تمامه، إن شاء الله تعالى. وحديث الخطبة هو الذي في صحيح البخاري «٣» وغيره. والله تعالى أعلم أيُّ ذلك كان.
الإشارة: قصة سيدنا موسى مع الخضر- ﵉ هي السبب في ظهور التمييز بين أهل الظاهر وأهل الباطن، فأهل الظاهر قائمون بإصلاح الظواهر، وأهل الباطن قائمون بتحقيق البواطن. أهل الظاهر مغترفون من بحر الشرائع، وأهل الباطن مغترفون من بحر الحقائق. وقيل: هو المراد بمجمع البحرين، حيث اجتمع سيدنا موسى، الذي هو بحر الشرائع، والخضر ﵇، الذي هو بحر الحقائق، ولا يُفهم أن سيدنا موسى ﵇ خال من بحر الحقائق، بل كان جامعًا كاملاً، وإنما أراد الحق تعالى أن يُنزله إلى كمال الشرف، بالتواضع في طلب زيادة العلم تأديبًا له وتربية، حيث ادعى القوة في نسبته العلم إلى نفسه، وفي الحكم: «منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين!» .
وهذه عادة الله تعالى مع خواصِّ أحبائه، إذا أظهروا شيئًا من القوة، أو خرجوا عن حد العبودية، ولو أنملة، أدبهم بأصغر منهم علمًا وحالاً عناية بهم، وتشريفًا لهم لئلا يقفوا دون ذروة الكمال، كقضية الشاذلي مع المرأة التي قالت له: تَمُنُّ على ربك بجوع ثمانين يومًا، وأنا لى تسعة أشهر ماذقت شيئًا. وكقضية الجنيد والسَّرِي في جماعة من الصوفية، حيث تكلموا في المحبة، وفاض كل واحد على قدر اتساع بحره فيها، فقامت امرأة بالباب، عليها جُبة صوف، فردت على كل واحد ما قال، حيث أظهروا قوة علمهم، فأدبهم بامرأة.
ويؤخذ من طلب موسى الخضر- ﵉ والسفر إليه: الترغيب في العلم، ولا سيما علم الباطن، فطلبه أمر مؤكد. قال الغزالي ﵁: هو فرض عين إذ لا يخلو أحد من عيب إو إصرار على ذنب، إلا الأنبياء- ﵈ وقد قال الشاذلي ﵁: من لم يغلغل في علمنا هذا مات مُصرًا على الكبائر وهو لا يشعر. وبالله التوفيق.
стр. 1507
ثم ذكر بقية القصة، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦١ الى ٦٥]
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥)
قلت: بَيْنِهِما: ظرف مضاف إليه اتساعًا، أو بمعنى الوصل، وسَرَباً: مفعول ثان لاتخذ، وإِذْ أَوَيْنا:
متعلق بمحذوف، أي: أخبرني ما دهاني حين أويتُ إلى الصخرة حتى لم أخبرك بأمر الحوت، فإني نسيتُ أن أذكر لك أمره. وأَنْ أَذْكُرَهُ: بدل من الهاء في (أَنْسانِيهُ) بدل اشتمال للمبالغة، وعَجَباً: مفعول ثان لاتخذ، وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: (فِي الْبَحْرِ) ، ثم ابتدأ التعجب فقال: (عَجَباً) أي: أَعْجَبُ عَجَبًا، وهو بعيد. قاله ابن جزي. قلت: وهذا البعيد هو الذي ارتكب الهبطي. و (قَصَصاً) : مصدر، أي: يقصان قصصًا.
يقول الحق ﷻ : ثم إن موسى ويوشع- ﵉ حملا حوتًا مشويًا وخُبزًا، وسارا يلتمسان الخضر، فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما بين البحرين، أو مجمع وصل بعضهما ببعض، وجدا صخرة هناك، وعندها عين الحياة، لا يصيب ذلك الماءُ شيئًا إلا حَيِيَ بإذن الله، وكانا وَصَلاَ إليها ليلاً، فناما، فلما أصاب السمكة رَوْحُ الماء وبردُه اضطرب في المِكْتَلِ، ودخل البحر، وقد كانا أَكَلاَ منه، وكان ذلك بعد استيقاظ يوشع، وقيل: توضأ ﵇ من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فحيى ودخل البحر، فاستيقظ موسى، وذهبا، ونَسِيا حُوتَهُما أي: نسيا تفقد أمره وما يكون منه، أو نسي يوشع أن يعلمه، وموسى ﵇ أن يأمر فيه بشيء، فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ أي: طريقه فِي الْبَحْرِ سَرَباً مسلكًا كالطّاق، قيل: أمسك الله جرية الماء على الحوت فجمد، حتى صار كالطاق في الماء معجزة لموسى أو الخضر- ﵉.
فَلَمَّا جاوَزا مجمع البحرين، الذي جُعل موعدًا للملاقاة، وسارا بقية ليلتهما ويومهما إلى الظهر، وجد موسى ﵇ حَرَّ الجوع، ف قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا أي: ما نتغدى به، وهو الحوت، كما يُنبئ عنه الجواب، لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً: تعبًا وإعياء. قيل: لم يَنْصَبْ موسى ولم يَجُعْ قبل ذلك، ويدل عليه الإتيان بالإشارة، وجملة (لَقَدْ لَقِينا) : تعليل للأمر بإيتاء الغذاء، إما باعتبار أن النَّصَب إنما يعتري بسبب الضعف الناشئ عن الجوع، وإمَّا باعتبار ما في أثناء التغذي من استراحة مَّا.
стр. 1508
قالَ فتاه ﵇: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ أي: التجأنا إليها ونِمنا عندها، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ أي: أخبرني ما دهاني حتى لم أذكر لك أمر الحوت، فإني نسيتُ أن أذكر لك أمره، ومراده بالاستفهام تعجيب موسى ﵇ مما اعتراه من النسيان، مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى، وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ بوسوسته الشاغلة له عن ذلك، أَنْ أَذْكُرَهُ، ونسبته للشيطان هضمًا لنفسه، واستعمال الأدب في نسبة النقائص إلى الشيطان، وإن كان الكل من عند الله. وهذه الحالة، وإن كانت غريبة لا يعهد نسيانها، لكنه قد تعَوَدَّ بمشاهدة أمثالها من الخوارق مع موسى ﵇، وأَلِفَهَا قبل اهتمامه بالمحافظة عليها، أو لاستغراقه وانجذاب سره إلى جناب القدس، حتى غاب عن الإخبار بها.
قلت: والظاهر أن نسيانه كان أمرًا إلهياً قهريًا بلا سبب، وحكمتُه ما لقي من النصب لتعظُم حلاوة العلم الذي يأخذه عن الخضر ﵇، فإن المُساق بعد التعب ألذ من المساق بغير تعب، ولذلك: «حفت الجنة بالمكاره» .
ثم قال: وَاتَّخَذَ الحوتُ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً، فيه حذف، أي: فحيى الحوت، واضطرب، ووقع في البحر، واتخذ سبيله فيه سبيلاً عجبًا، أو اتخاذًا عجبًا يُتعجب منه، وهو كون مسلكه كالطاق، قالَ موسى ﵇: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي: ذلك الذي ذكرت من أمر الحوت هو الذي كُنا نطلبه لكونه أمارة للفوز بالمرام، فَارْتَدَّا أي: رجعا عَلى طريقهما الذي جاءا منه، يَقُصَّان. يتبعان آثارِهِما قَصَصاً، حتى أتيا الصخرة فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا، التنكير للتفخيم والإضافة للتعظيم، وهو الخضر ﵇ عند الجمهور، واسمه: بَلْيَا بن مَلْكَان يُعْصوا، والخضر لقب له لأنه جلس على فروةٍ بيضاء فاهتزّت تحته خضراء، كما في حديث أبي هريرة عنه- ﷺ «١» .
وقال مجاهد: سمي خضرًا لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله، ثم قال: وهو ابن عابر بن شالِخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان أبوه ملكًا. هـ. وفي الحديث أن النبي ﷺ ذكر قصة الخضر، فقال: كان ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فأبى وهرب، ولحق بجزائر البحر، فلم يقدر عليه. قيل: إنه شرب من عين الحياة فمُتع بطول الحياة.
رُوِي أن موسى ﵇ حين انتهى إلى الصخرة رأى الخضر ﵇ على طنْفَسَةٍ- أي: بساط- على وجه الماء، فسلم عليه. وعنه- ﵊ أنه قال: انتهى موسى إلى الخضر، وهو نائم مُسَجى عليه ثوب، فسلَّمَ عليه فاستوى جالسًا، وقال: عليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى: من أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ قال:
الذي أدراكَ بي، وذلك عليَّ.
стр. 1509
قال تعالى في حق الخضر: آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا، هي الوحي والنبوة، كما يُشعر به تنكير الرحمة، وإضافتها إلى جناب الكبرياء، وقيل: هي سر الخصوصية، وهي الولاية. وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً خاصًا، لا يكتنه كُنْهه، ولا يُقدر قدره، وهو علم الغيوب، أو أسرار الحقيقة، أو علم الذات والصفات، علمًا حقيقيًا. فالخضر ﵇ قيل: إنه نبي بدليل قوله فيما يأتي: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، وقيل: وَلِيٌّ، واخْتلف: هل مات، أو هو حي؟
وجمهور الأولياء: أنه حي، وقد لقيه كثيرٌ من الصلحاء والأولياء، حتى تواتر عنهم حياته «١» . والله تعالى أعلم.
الإشارة: إنما صار الحوت دليلاً لسيدنا موسى ﵇ بعد موته وخروجه عن إلفه، ثم حيى حياة خصوصية لَمَّا أنفق عليه من عين الحياة، كذلك العارف لا يكون دالاً على الله، وإمامًا يقتدى به حتى يموت عن شهود حسه، ويخرق عوائد نفسه، ويفنى عن بشريته، ويبقى بربه، حينئذ تحيا روحه بشهود عظمة ربه، ويصير إمامًا ودليلاً موصلاً إليه، ويَظهر منه خرق العوائد، كما ظهر من الحوت، حيث أمسك عن الماء الجرية فصار كالطَّاق، وذلك اقتدار، وإلى ذلك تشير أحوال الخضر، فكان الحوت مظهرًا لحاله في تلك القصة. قاله في الحاشية بمعناه.
وقال قبل ذلك في قوله: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً: أي اتخذ الحوتُ، وجوِّزَ كونُ فاعلِ (اتَّخَذَ) : موسى، أي: اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبًا وخرقَ عادةٍ بأن مشى على الماء في طريق الحوت، حتى وجد الخضر على كبد البحر. ثم قال: وعلى الجملة: فالقضية تشير من جهة الخضر: للاقتدار وإسقاط الأسباب، ومن جهة موسى: لإثبات الأسباب حكمة، وحالة الاقتدار أشرف، وصاحب الحكمة أكمل ونفعه عام، بخلاف الآخر، فإن نفعه خاص. هـ.
وقوله تعالى: وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً، العلم اللدني: هو الذي يفيض على القلب من غير اكتساب ولا تعلم، قال ﵊: «من عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللهُ علمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» . وذلك بعد تطهير القلب من النقائص والرذائل، وتفرغه من العلائق والشواغل، فإذا كمل تطهير القلب، وانجذب إلى حضرة الرب، فاضت عليه العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، منها ما تفهمها العقول وتدخل تحت دائرة النقول، ومنها ما لا تفهمها العقول ولا تحيط بها النقول، بل تُسلم لأربابها، من غير أن يقتدى بهم في أمرها، ومنها ما تفيض عليهم في جانب علم الغيوب كمواقع القدر وحدوث الكائنات المستقبلة، ومنها ما تفيض عليهم في علوم الشرائع وأسرار الأحكام، ومنها في أسرار الحروف وخواص الأشياء، إلى غير ذلك من علوم الله تعالى. وبالله التوفيق.
стр. 1510
ثم تمم قصتهما بعد التقائهما، فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٦ الى ٧٠]
قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠)
قلت: «رُشْداً» : مفعول ثاني لعلمت، أو: علة لأتبعك، أو: مصدر بإضمار فعله، أو: حال من كاف «أَتَّبِعُكَ» ، أو:
على إسقاط الخافض، أي: من الرشد، وفيه لغتان: ضم الراء وسكون الشين، وفتحهما، وهو: إصابة الخير، وخُبْراً: تمييز محول عن الفاعل، أي: لم يحط به خبرك. و «لا أَعْصِي» : عُطِفَ على: «صابِراً» .
يقول الحق ﷻ : ولما اتصل موسى بالخضر- ﵉ استأذنه في صحبته ليتعلم منه، ملاطفة وأدباً وتواضعاً، وكذلك ينبغي لمن يريد التعلم من المشايخ: أن يتأدب ويتواضع معهم. قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً أي: مما علمك الله من العلم الذي يدل على الرشد وإصابة الصواب، لعلي أرشد به في ديني. ولا ينافي كونه نبيًا ذا شريعة أن يتعلم من غيره من أسرار العلوم الخفية إذ لا نهاية لعلمه تعالى، وقد قال له تعالى فيما تقدم: أعلم الناس من يبتغي علم غيره إلى علمه. رُوي أنهما لما التقيا جلسا يتحدثان، فجاءت خُطافة أو عصفور فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، فقال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنك أعلم أهل الأرض؟ ما علمك وعلمي وعلم الأولين والآخرين في جنب علم الله إلا أقل من الماء الذي حمله هذا العصفور.
ولَمَّا سأله صُحْبَتَهُ قالَ له: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لأنك رسول مكلف بحفظ ظواهر الشرائع، وأنا أطلعني الله تعالى على أمور خفية، لا تتمالك أن تصبر عنها لمخالفة ظاهرها للشريعة. وفي صحيح البخاري:
«قال له الخضر: يا موسى، إني على علم من علم الله عَلَّمَنِيهِ، لا تعلمه أنت، وأنتَ على علمٍ من علم الله علَّمكَه الله، لا أعلمه» «١» .
ثم علّل عدم صبره بقوله: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً؟ لأني أتولى أموراً خفية لا خُبر لك بها، وصاحب الشريعة لا يُسلم لصاحب الحقيقة العارية من الشريعة، قالَ له موسى ﵇: سَتَجِدُنِي إِنْ