← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

منك عبدٌ لي بمجمع البحرين، وهو الخضر «١» ، وكان قبل موسى ﵇، وكان في مُقَدَّمَةِ ذي القرنين، فبقي إلى زمن موسى ﵇، وسيأتي ذكر التعريف به في محله، إن شاء الله. وقال ابن عباس ﵁: أن موسى ﵇ سأل ربه: أيُّ عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يستقي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمةً تدله على هدى، أو ترده عن ردى، قال: يا رب إن كان في عبادك من هو أعلم مني فدلني عليه؟ قال: أعلم منك الخضر، قال: أين أطلبه؟ قال: على ساحل البحر عند الصخرة «٢» . قال: يا رب، كيف لي به؟ قال: خُذ حُوتًا في مِكْتَلٍ، فحيثما فقدتَه فهو هناك، فأخذ حُوتًا مشويًا، فجعله في مِكْتَلٍ، فقال لفتاه: إذا فقدتَّ الحوت فأخبرني، وذهبا يمشيان إلى أن اتصلا بالخضر، على ما يأتي تمامه، إن شاء الله تعالى. وحديث الخطبة هو الذي في صحيح البخاري «٣» وغيره. والله تعالى أعلم أيُّ ذلك كان. الإشارة: قصة سيدنا موسى مع الخضر- ﵉ هي السبب في ظهور التمييز بين أهل الظاهر وأهل الباطن، فأهل الظاهر قائمون بإصلاح الظواهر، وأهل الباطن قائمون بتحقيق البواطن. أهل الظاهر مغترفون من بحر الشرائع، وأهل الباطن مغترفون من بحر الحقائق. وقيل: هو المراد بمجمع البحرين، حيث اجتمع سيدنا موسى، الذي هو بحر الشرائع، والخضر ﵇، الذي هو بحر الحقائق، ولا يُفهم أن سيدنا موسى ﵇ خال من بحر الحقائق، بل كان جامعًا كاملاً، وإنما أراد الحق تعالى أن يُنزله إلى كمال الشرف، بالتواضع في طلب زيادة العلم تأديبًا له وتربية، حيث ادعى القوة في نسبته العلم إلى نفسه، وفي الحكم: «منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين!» . وهذه عادة الله تعالى مع خواصِّ أحبائه، إذا أظهروا شيئًا من القوة، أو خرجوا عن حد العبودية، ولو أنملة، أدبهم بأصغر منهم علمًا وحالاً عناية بهم، وتشريفًا لهم لئلا يقفوا دون ذروة الكمال، كقضية الشاذلي مع المرأة التي قالت له: تَمُنُّ على ربك بجوع ثمانين يومًا، وأنا لى تسعة أشهر ماذقت شيئًا. وكقضية الجنيد والسَّرِي في جماعة من الصوفية، حيث تكلموا في المحبة، وفاض كل واحد على قدر اتساع بحره فيها، فقامت امرأة بالباب، عليها جُبة صوف، فردت على كل واحد ما قال، حيث أظهروا قوة علمهم، فأدبهم بامرأة. ويؤخذ من طلب موسى الخضر- ﵉ والسفر إليه: الترغيب في العلم، ولا سيما علم الباطن، فطلبه أمر مؤكد. قال الغزالي ﵁: هو فرض عين إذ لا يخلو أحد من عيب إو إصرار على ذنب، إلا الأنبياء- ﵈ وقد قال الشاذلي ﵁: من لم يغلغل في علمنا هذا مات مُصرًا على الكبائر وهو لا يشعر. وبالله التوفيق.

стр. 1507

ثم ذكر بقية القصة، فقال: [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦١ الى ٦٥] فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥) قلت: بَيْنِهِما: ظرف مضاف إليه اتساعًا، أو بمعنى الوصل، وسَرَباً: مفعول ثان لاتخذ، وإِذْ أَوَيْنا: متعلق بمحذوف، أي: أخبرني ما دهاني حين أويتُ إلى الصخرة حتى لم أخبرك بأمر الحوت، فإني نسيتُ أن أذكر لك أمره. وأَنْ أَذْكُرَهُ: بدل من الهاء في (أَنْسانِيهُ) بدل اشتمال للمبالغة، وعَجَباً: مفعول ثان لاتخذ، وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: (فِي الْبَحْرِ) ، ثم ابتدأ التعجب فقال: (عَجَباً) أي: أَعْجَبُ عَجَبًا، وهو بعيد. قاله ابن جزي. قلت: وهذا البعيد هو الذي ارتكب الهبطي. و (قَصَصاً) : مصدر، أي: يقصان قصصًا. يقول الحق ﷻ : ثم إن موسى ويوشع- ﵉ حملا حوتًا مشويًا وخُبزًا، وسارا يلتمسان الخضر، فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما بين البحرين، أو مجمع وصل بعضهما ببعض، وجدا صخرة هناك، وعندها عين الحياة، لا يصيب ذلك الماءُ شيئًا إلا حَيِيَ بإذن الله، وكانا وَصَلاَ إليها ليلاً، فناما، فلما أصاب السمكة رَوْحُ الماء وبردُه اضطرب في المِكْتَلِ، ودخل البحر، وقد كانا أَكَلاَ منه، وكان ذلك بعد استيقاظ يوشع، وقيل: توضأ ﵇ من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فحيى ودخل البحر، فاستيقظ موسى، وذهبا، ونَسِيا حُوتَهُما أي: نسيا تفقد أمره وما يكون منه، أو نسي يوشع أن يعلمه، وموسى ﵇ أن يأمر فيه بشيء، فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ أي: طريقه فِي الْبَحْرِ سَرَباً مسلكًا كالطّاق، قيل: أمسك الله جرية الماء على الحوت فجمد، حتى صار كالطاق في الماء معجزة لموسى أو الخضر- ﵉. فَلَمَّا جاوَزا مجمع البحرين، الذي جُعل موعدًا للملاقاة، وسارا بقية ليلتهما ويومهما إلى الظهر، وجد موسى ﵇ حَرَّ الجوع، ف قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا أي: ما نتغدى به، وهو الحوت، كما يُنبئ عنه الجواب، لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً: تعبًا وإعياء. قيل: لم يَنْصَبْ موسى ولم يَجُعْ قبل ذلك، ويدل عليه الإتيان بالإشارة، وجملة (لَقَدْ لَقِينا) : تعليل للأمر بإيتاء الغذاء، إما باعتبار أن النَّصَب إنما يعتري بسبب الضعف الناشئ عن الجوع، وإمَّا باعتبار ما في أثناء التغذي من استراحة مَّا.

стр. 1508

قالَ فتاه ﵇: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ أي: التجأنا إليها ونِمنا عندها، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ أي: أخبرني ما دهاني حتى لم أذكر لك أمر الحوت، فإني نسيتُ أن أذكر لك أمره، ومراده بالاستفهام تعجيب موسى ﵇ مما اعتراه من النسيان، مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى، وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ بوسوسته الشاغلة له عن ذلك، أَنْ أَذْكُرَهُ، ونسبته للشيطان هضمًا لنفسه، واستعمال الأدب في نسبة النقائص إلى الشيطان، وإن كان الكل من عند الله. وهذه الحالة، وإن كانت غريبة لا يعهد نسيانها، لكنه قد تعَوَدَّ بمشاهدة أمثالها من الخوارق مع موسى ﵇، وأَلِفَهَا قبل اهتمامه بالمحافظة عليها، أو لاستغراقه وانجذاب سره إلى جناب القدس، حتى غاب عن الإخبار بها. قلت: والظاهر أن نسيانه كان أمرًا إلهياً قهريًا بلا سبب، وحكمتُه ما لقي من النصب لتعظُم حلاوة العلم الذي يأخذه عن الخضر ﵇، فإن المُساق بعد التعب ألذ من المساق بغير تعب، ولذلك: «حفت الجنة بالمكاره» . ثم قال: وَاتَّخَذَ الحوتُ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً، فيه حذف، أي: فحيى الحوت، واضطرب، ووقع في البحر، واتخذ سبيله فيه سبيلاً عجبًا، أو اتخاذًا عجبًا يُتعجب منه، وهو كون مسلكه كالطاق، قالَ موسى ﵇: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي: ذلك الذي ذكرت من أمر الحوت هو الذي كُنا نطلبه لكونه أمارة للفوز بالمرام، فَارْتَدَّا أي: رجعا عَلى طريقهما الذي جاءا منه، يَقُصَّان. يتبعان آثارِهِما قَصَصاً، حتى أتيا الصخرة فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا، التنكير للتفخيم والإضافة للتعظيم، وهو الخضر ﵇ عند الجمهور، واسمه: بَلْيَا بن مَلْكَان يُعْصوا، والخضر لقب له لأنه جلس على فروةٍ بيضاء فاهتزّت تحته خضراء، كما في حديث أبي هريرة عنه- ﷺ «١» . وقال مجاهد: سمي خضرًا لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله، ثم قال: وهو ابن عابر بن شالِخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان أبوه ملكًا. هـ. وفي الحديث أن النبي ﷺ ذكر قصة الخضر، فقال: كان ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فأبى وهرب، ولحق بجزائر البحر، فلم يقدر عليه. قيل: إنه شرب من عين الحياة فمُتع بطول الحياة. رُوِي أن موسى ﵇ حين انتهى إلى الصخرة رأى الخضر ﵇ على طنْفَسَةٍ- أي: بساط- على وجه الماء، فسلم عليه. وعنه- ﵊ أنه قال: انتهى موسى إلى الخضر، وهو نائم مُسَجى عليه ثوب، فسلَّمَ عليه فاستوى جالسًا، وقال: عليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى: من أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ قال: الذي أدراكَ بي، وذلك عليَّ.

стр. 1509

قال تعالى في حق الخضر: آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا، هي الوحي والنبوة، كما يُشعر به تنكير الرحمة، وإضافتها إلى جناب الكبرياء، وقيل: هي سر الخصوصية، وهي الولاية. وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً خاصًا، لا يكتنه كُنْهه، ولا يُقدر قدره، وهو علم الغيوب، أو أسرار الحقيقة، أو علم الذات والصفات، علمًا حقيقيًا. فالخضر ﵇ قيل: إنه نبي بدليل قوله فيما يأتي: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، وقيل: وَلِيٌّ، واخْتلف: هل مات، أو هو حي؟ وجمهور الأولياء: أنه حي، وقد لقيه كثيرٌ من الصلحاء والأولياء، حتى تواتر عنهم حياته «١» . والله تعالى أعلم. الإشارة: إنما صار الحوت دليلاً لسيدنا موسى ﵇ بعد موته وخروجه عن إلفه، ثم حيى حياة خصوصية لَمَّا أنفق عليه من عين الحياة، كذلك العارف لا يكون دالاً على الله، وإمامًا يقتدى به حتى يموت عن شهود حسه، ويخرق عوائد نفسه، ويفنى عن بشريته، ويبقى بربه، حينئذ تحيا روحه بشهود عظمة ربه، ويصير إمامًا ودليلاً موصلاً إليه، ويَظهر منه خرق العوائد، كما ظهر من الحوت، حيث أمسك عن الماء الجرية فصار كالطَّاق، وذلك اقتدار، وإلى ذلك تشير أحوال الخضر، فكان الحوت مظهرًا لحاله في تلك القصة. قاله في الحاشية بمعناه. وقال قبل ذلك في قوله: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً: أي اتخذ الحوتُ، وجوِّزَ كونُ فاعلِ (اتَّخَذَ) : موسى، أي: اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبًا وخرقَ عادةٍ بأن مشى على الماء في طريق الحوت، حتى وجد الخضر على كبد البحر. ثم قال: وعلى الجملة: فالقضية تشير من جهة الخضر: للاقتدار وإسقاط الأسباب، ومن جهة موسى: لإثبات الأسباب حكمة، وحالة الاقتدار أشرف، وصاحب الحكمة أكمل ونفعه عام، بخلاف الآخر، فإن نفعه خاص. هـ. وقوله تعالى: وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً، العلم اللدني: هو الذي يفيض على القلب من غير اكتساب ولا تعلم، قال ﵊: «من عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللهُ علمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» . وذلك بعد تطهير القلب من النقائص والرذائل، وتفرغه من العلائق والشواغل، فإذا كمل تطهير القلب، وانجذب إلى حضرة الرب، فاضت عليه العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، منها ما تفهمها العقول وتدخل تحت دائرة النقول، ومنها ما لا تفهمها العقول ولا تحيط بها النقول، بل تُسلم لأربابها، من غير أن يقتدى بهم في أمرها، ومنها ما تفيض عليهم في جانب علم الغيوب كمواقع القدر وحدوث الكائنات المستقبلة، ومنها ما تفيض عليهم في علوم الشرائع وأسرار الأحكام، ومنها في أسرار الحروف وخواص الأشياء، إلى غير ذلك من علوم الله تعالى. وبالله التوفيق.

стр. 1510

ثم تمم قصتهما بعد التقائهما، فقال: [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٦ الى ٧٠] قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠) قلت: «رُشْداً» : مفعول ثاني لعلمت، أو: علة لأتبعك، أو: مصدر بإضمار فعله، أو: حال من كاف «أَتَّبِعُكَ» ، أو: على إسقاط الخافض، أي: من الرشد، وفيه لغتان: ضم الراء وسكون الشين، وفتحهما، وهو: إصابة الخير، وخُبْراً: تمييز محول عن الفاعل، أي: لم يحط به خبرك. و «لا أَعْصِي» : عُطِفَ على: «صابِراً» . يقول الحق ﷻ : ولما اتصل موسى بالخضر- ﵉ استأذنه في صحبته ليتعلم منه، ملاطفة وأدباً وتواضعاً، وكذلك ينبغي لمن يريد التعلم من المشايخ: أن يتأدب ويتواضع معهم. قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً أي: مما علمك الله من العلم الذي يدل على الرشد وإصابة الصواب، لعلي أرشد به في ديني. ولا ينافي كونه نبيًا ذا شريعة أن يتعلم من غيره من أسرار العلوم الخفية إذ لا نهاية لعلمه تعالى، وقد قال له تعالى فيما تقدم: أعلم الناس من يبتغي علم غيره إلى علمه. رُوي أنهما لما التقيا جلسا يتحدثان، فجاءت خُطافة أو عصفور فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، فقال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنك أعلم أهل الأرض؟ ما علمك وعلمي وعلم الأولين والآخرين في جنب علم الله إلا أقل من الماء الذي حمله هذا العصفور. ولَمَّا سأله صُحْبَتَهُ قالَ له: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لأنك رسول مكلف بحفظ ظواهر الشرائع، وأنا أطلعني الله تعالى على أمور خفية، لا تتمالك أن تصبر عنها لمخالفة ظاهرها للشريعة. وفي صحيح البخاري: «قال له الخضر: يا موسى، إني على علم من علم الله عَلَّمَنِيهِ، لا تعلمه أنت، وأنتَ على علمٍ من علم الله علَّمكَه الله، لا أعلمه» «١» . ثم علّل عدم صبره بقوله: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً؟ لأني أتولى أموراً خفية لا خُبر لك بها، وصاحب الشريعة لا يُسلم لصاحب الحقيقة العارية من الشريعة، قالَ له موسى ﵇: سَتَجِدُنِي إِنْ

стр. 1511

شاءَ اللَّهُ صابِراً معك، غير مُعترض عليك. وتوسيط الاستثناء بين مفعولي الوجدان لكمال الاعتناء بالتيمن، ولئلا يتوهم تعلقه بالصبر، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً، هو داخل في الاستثناء، أي: ستجدنى إن شآء الله صابرًا وغير عاص. وقال القشيري: وعد من نفسه شيئين: الصبر، وألاَّ يعصيه فيما يأمره به. فأما الصبر فَقَرنَه بالمشيئة، حتى وجده صابرًا، فلم يقبضْ على يدي الخضر فيما كان منه من الفعل. والثاني قال: وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً، فأطلق ولم يستثن، فعصى، حيث قال له الخضر: فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ، فكان يسأله، فبالاستثناء لم يخالف، وبالإطلاق خالف. هـ. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وفيه نظر للحديث الصحيح: «يرحم الله موسى، لو صبر ... » مع أن قوله: «ولا أعصي ... » الخ، غير خارج عن الاستثناء، كما تقدم، وإن احتمل خروجه، والظاهر: أن الاستثناء، كالدعاء، إنما ينفع إذا صادف القدر، وهو هنا لم يصادف، مع أنه هنا عارضه علم الخضر بكونه لم يصبر من قوله: لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، وقد أراد الله نفوذ علم الخضر. هـ. وقال ابن البنا: أن العهد إنما هو على قدر الاستطاعة، وإن الوفاء بالملتزم إنما يكون فيما لا يخالف الشرع، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق لأنَّ موسى ﵇ لم يلتزم إلا ذلك. ولمّا رأى ما هو محرم تكلم.. فافهم. هـ. ثم شرط عليه التسليم لِمَا يرى، فقال: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ تشاهده من أفعالي، فهمْتَه أم لا، أي: لا تفاتحني بالسؤال عن حكمته، فضلاً عن مناقشته واعتراضه، حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً حتى أبتدي بيانه لك وحكمته، وفيه إيذان بأن ما يصدر منه له حكمة خفية، وعاقبة صالحة. وهذا من أدب المتعلم مع العالم، والتابع مع المتبوع، أنه لا يعترض على شيخه بل يسأل مُسترشدًا بملاطفةٍ وأدب، وهذا في العلم الظاهر. وسيأتي في الإشارة ما يتعلق بعلم الباطن. الإشارة: قد أخذ الصوفية- رضى الله عنهم- آداب المريد مع الشيخ من قضية الخضر مع موسى- ﵉ فطريقتهم مبنية على السكوت والتسليم، حتى لو قال لشيخه: لِمَ؟ لَمْ يفلح أبدًا، سواء رأى من شيخه منكرًا أو غيره، ولعله اختبار له في صدقه، أو اطلع على باطن الأمر فيه، فأحوالهم خضرية، فالمريد الصادق يُسلم لشيخه في كل ما يرى، ويمتثل أمره في كل شيء، فَهِم وجه الشريعة فيه أم لا، هذا في علم الباطن، وأما علم الظاهر فمبني على البحث والتفتيش، مع ملاطفة وتعظيم. قال الورتجبي: امتحن الحق تعالى موسى ﵇ بصحبة الخضر لاستقامة الطريقة ولتقويم السنة في متابعة المشايخ، ويكون أسوة للمريدين والقاصدين في خدمتهم أشياخ الطريقة. هـ. قال القشيري في قوله: (فلا تسالن عن شيء) : قال: ليس للمريد أن يقول لشيخه: لِمَ، ولا للمتعلم أن يقول لأستاذه، ولا للعامي أن يقول للمفتي فيما يفتي ويحكم: لِمَ. هـ.

стр. 1512

وقال ابن البنا في تفسيره: يُؤخذ من هذه القصة: ترك الاعتراض على أولياء الله إذا ظهر منهم شيء مخالف للظاهر لأنهم فيه على دليل غير ظاهر لغيرهم، اللهم إلا أن يدعوك إلى اتباعه، فلا تتبعه إلا عن دليل، ويُسلم له في حاله، ولا تعترض عليه، ولا يمنعك ذلك من طلب العلم والتعلم منه، وإن كنت لا تعمل بعمله لأنه لا يجب عليك تقيده إلا عن دليل، فلا تعمل مثل عمله، وأنت ترى أنه مخالف لك في ظنك، ولا علم لك بحقيقة باطن الأمر، فلا تقفُ مَا لَيْسَ لَكَ به علم. والله الموفق والمرشد. هـ. قلت: ما ذكره إنما هو في حق مَن لم يدخل تحت تربيته، فإنما هو طالب علم أو تبرك، وأما من التزم صحبته على طريق التربية فلا يتأخر عن امتثال ما أمره به، كيفما كان، نعم، إن لم ينبغ التوقف والتأني في الاقتداء به. وقال في القوت في قوله: فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ: الشيء في هذا الموضع وصف مخصوص من وصف الربوبية من العلم، الذي علمه الخضر ﵇ من لدنه، لا يصلح أن يسأل عنه، من معنى صفات التوحيد ونعوت الوحدانية، لا يوكل إلى العقول، بل يخص به المراد المحمول. هـ. قال المحشي الفاسي: وهو- أي: المحمول- ما يرشَقْ فيهم من وصف الحق وقدرته، فيتصرفون، وهم في الحقيقة مُصرِّفُون، وهؤلاء هم أهل القبضة، الذين علَّمهم سِرَّ الحقيقة، فلهم قدرة لنفوذ شعاعها فيهم، فتتكوّن لهم الأشياء، وتنفعل لحملهم سر الحقيقة وظهورها لهم وفيهم، وهم كما قال: مرادون محمولون، فما يجري عليهم: قدر وَما رَمَيْتَ ... الآية. هـ. ثم ذكر ما أراه من الخوارق، فقال: [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧١ الى ٧٧] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧)

стр. 1513

قلت: ضمَّن ركوب السفينة معنى الدخول فيها، فعداه بفي، وقد تركه على أصله في قوله: لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً «١» . يقول الحق ﷻ : فَانْطَلَقا أي: موسى والخضر، وسكت عن الخادم لكونه تبعًا، وقيل: إن يوشع لم يصحبهما، بل رجع، فصارا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نَوْل، فلما لَجَّجُوا البَحْرَ أخذ الخضرُ فأسًا فخرق السفينة، فقلع لوحًا أو لوحين مما يلي الماء، فحشاها موسى بثوبه، وقالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها أو: ليَغرَق أهلُها «٢» ، لَقَدْ جِئْتَ أي: أتيتَ وفعلت، شَيْئاً إِمْراً أي: عظيمًا هائلاً، يقال: أَمِر الأمرُ: عظم، قالَ الخضر: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً تذكيرًا لما قاله له من قبلُ، وإنكارًا لِعدم الوفاء بالعهد، قالَ موسى ﵇: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ أي: بنسياني، أو بالذي نسيته، وهو وصيته بأن لا يسأله عن حكمة ما صدر عنه من الأفعال الخفية الأسباب قبل بيانه، أراد: نسي وصيته، ولا مؤاخذة على الناسي، وفي الحديث: «كانت الأولى مِن مُوسى نسيانًا» . أو: أراد بالنسيان الترك، أي: لا تُؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة. وَلا تُرْهِقْنِي أي: لا تُغْشِنِي ولا تُحَمِّلْنِي مِنْ أَمْرِي، وهو اتباعك، عُسْراً أي: لا تعَسِّرْ عليّ في متابعتك، بل يسرها عليّ بالإغضاء والمسامحة. فَانْطَلَقا أي: فقبل عذره فخرجا من السفينة فانطلقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قيل: كان يلعب مع الغلمان ففتَلَ عنقه، وقيل: ضرب رأسه بحجر، وقيل: ذبحه، والأول أصح لوروده في الصحيح، رُوي أن اسم الغلام «جيسور» بالجيم، وقيل: بالحاء المهملة، فإِن قلت: لِمَ قال خَرَقَها بغير فاءٍ، وقال فَقَتَلَهُ بالفاء؟ فالجواب: أن «خَرَقَها» : جواب الشرط، وقتله: من جملة الشرط، معطوفًا عليه، والجزاء هو قوله: (قالَ أَقَتَلْتَ) ، فإن قلت: لِمَ خولف بينهما؟ فالجواب: أن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقب القتل لِقاء الغلام. هـ. وأصله للزمخشري. وقال البيضاوي: ولعل تغيير النظم بأن جعل خرقها جزاء، واعتراض موسى ﵇ مستأنفًا في الأولى، وفي الثانية فَقَتَلَهُ من جملة الشرط، واعتراضه جزاء لأن القتل أقبح، والاعتراض عليه أدخل، فكان جديرًا بأن يجعل عمدة الكلام، ولذلك وصله بقوله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً أي: منكرًا. هـ. وناقشه أبو السعود بما يطول ذكره.

стр. 1514

قالَ موسى ﵇ في اعتراضه: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً «١» : طاهرة من الذنوب، وقرئ بغير ألف مبالغةً، بِغَيْرِ نَفْسٍ أي: بغير قتلِ نفسٍ محرمةٍ، فيكون قصاصًا. وتخصيص نفي هذا القبيح بالذكر من بين سائر القبيحات من الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد إحصان لأنه أقرب إلى الوقوع نظرًا لحال الغلام. لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً أي: مُنكرًا، قيل: أنكرُ من الأول، إذ لا يمكن تداركه، كما يمكن تدارك الأول بالسد ونحوه. وقيل: «الإمْر» أعظم لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة. قالَ له الخضرُ ﵇: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، زاد «لَكَ» لزيادة تأكيد المكافحة بالعتاب على رفض الوصية وقلة التثبت والصبر، لما تكرر منه الإنكار، ولم يَرْعَوِ بالتذكير، حتى زاد في النكير في المرة الثانية بذكر المنكر. قالَ موسى ﵇: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها بعد هذه المرة فَلا تُصاحِبْنِي إن سألتُ صُحبتَكَ، وقرأ يعقوب: «فلا تصحبني» رباعيًا، أي: لا تجعلني صاحبًا لك، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً أي: قد أعذرتَ ووجدت مِنْ قِبَلِي عذرًا في مفارقتي، حيث خالفتك ثلاث مرات. وعن النبي ﷺ : «يرحم الله أَخِي مُوسَى، استحيا، فقال ذلك، لو لَبِثَ مَعَ صَاحِبِهِ لأبْصرَ أَعْجَبَ الأعَاجِيب» «٢» . وفي البخاري: «وددنا لو صبر موسى، حتى يقص الله علينا من أمرهما» «٣» . فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ، هي أنطاكية، وقيل: أَيْلة، وقيل الأبُلة، وهي أبعد أرض الله من السماء، وقيل: برقة، وقال أبو هريرة وغيره: هي بالأندلس. ويُذكر أنها الجزيرة الخضراء. قلت: وهي التي تسمى اليوم طريفة، وأصلها بالظاء المشالة. وذلك على قول إن مجمع البحرين عند طنجة وسبتة. وعن النبي ﷺ : «كانوا أهل قرية لِئامًا» . وقال قتادة: شر القرى التي لا يُضاف فيها الضيف، ولا يعرف لابن السبيل حقه. ثم وصف القرية بقوله: اسْتَطْعَما أَهْلَها أي: طلبا منهم طعامًا، ولم يقل: استطعماهم، على أن يكون صفة لأهل لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعهم، فإن الإباء من الضيافة، مع كونهم أهلها قاطنين بها، أشنع وأقبح. رُوي أنهما طافا بالقرية يطلبان الطعام، فلم يطعموهما. واستضافاهم فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما بالتشديد، وقرئ بالتخفيف. يقال: ضافه: إذا كان له ضيفًا، أضافه وضيّفه: أنزله ضيفًا. وأصل الإضافة: الميل، من: ضاف السهم

стр. 1515

عن الغرض: مال، ونظيره: زاره، من الازْوِرَار، أي: الميل. فبينما هما يمشيان، فَوَجَدا فِيها جِداراً، قال وهب: كان طوله مائة ذراع، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أي: يسقط، استعار الإرادة للمشارفة للدلالة على المبالغة في ذلك، والانقضاض: الإسراع في السقوط، وهو انفعال، من القض، يقال: قضضته فانقض، ومنه: انقضاض الطير والكوكب لسقوطه بسرعة. وقرئ: أن ينقاض، من انقاضت السنُّ: إذا سقطت طولاً. فَأَقامَهُ قيل: مسحه بيده فقام، وقيل: نقضه وبناه، وهو بعيد. قالَ له موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً نتعشى به، وهو تحريض له على أخذ الجُعل، أو تعريض بأنه فُضول، وكأنه لَمَّا رأى الحِرمَان ومساس الحاجة كان اشتغاله بذلك في ذلك الوقت مما لا يعني، فلم يتمالك الصبر عليه. قال ابن التين: إن الثالثة كانت نسيانًا لأنه يبعد الإنكار لأمر مشروع، وهو الإحسان لمن أساء. هـ. وفيه نظر فقد قال القشيري في تفسير الآية: لم يقل موسى: إنك ألْمَمْتَ بمحظور، ولكن قال: لو شئتَ، أي: فإن لم تأخذ بسببك فهلا أخذت بسببنا، فكان أخْذُ الأجر خيرًا من الترك، ولئن وَجَبَ حقُّهم فَلِمَ أخللت بحقنا؟ ويقال: إنَّ سَفَرَه ذلك كان سفرَ تأديب، فَرُدَّ إلى تَحَمُّلِ المشقة، وإلاَّ فهو نسي، حيث سقى لبنات شعيب، وكان ما أصابه من التعب والجوع أكثر، ولكنه كان في ذلك الوقت محمولاً، وفي هذا الوقت مُتَحَمِّلا. هـ. قلت: لأن الحق تعالى أراد تأديبه فلم يحمل عنه، فكان سالكًا محضًا، وفي وقت السقي: كان مجذوبًا محمولاً عنه. ثم قال القشيري: وكما أن موسى كان يُحب صحبة الخضر لما له فيه من غرض استزادةٍ من العلم، كان الخضر يحب ترك صحبته إيثارًا للخلوة بالله عنه. هـ. قاله في الحاشية الفاسية. الإشارة: يُؤخذ من خرق السفينة أن المريد لا تفيض عليه العلوم اللدنية والأسرار الربانية حتى يخرق عوائد نفسه، ويعيب سفينة وجوده، بتخريب ظاهره، حتى لا يقبله أحد «١» ، ولا يُقبل عليه أحد، فبذلك يخلو بقلبه ويستقيم على ذكر ربه، وأما مادام ظاهره متزينًا بلباس العوائد، فلا يطمع في ورود المواهب والفوائد. ويُؤخذ من قتل الغلام: أنه لا بد من قتل الهوى، وكل ما فيه حظ للنفس والشيطان، والطريق في ذلك أن تنظر ما يثقل على النفس فتُحمله لها، وما يخف عليها فتحجزها عنه، حتى لا يثقل عليها شيء من الحق. ويؤخذ من إقامة الجدار رسم الشرائع قيامًا بآداب العبودية، وصونًا لكنز أسرار الربوبية. ويؤخذُ منه أيضًا: الإحسان لمن أساء إليه، فإن أهل القرية أساءوا بترك ضيافة الخضر، فقابلهم بالإحسان حيث أقام جدارهم. والله تعالى أعلم.

стр. 1516

ثم ذكر افتراقهما، وبيان الحكمة فى تلك الخوارق التي فعل، فقال: [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٨ الى ٨٢] قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢) قلت: هذا، الإشارة إما إلى نفس الفراق، كقولك: هذا أخوك، أو إلى الوقت الحاضر، أي: هذا وقت الفراق. أو إلى السؤال الثالث. و (بَيْنِي) : ظرف مضاف إليه المصدر مجازًا، وقرئ بالنصب، على الأصل، وغَصْباً: مصدر نوعي ليأخذ. يقول الحق ﷻ : قالَ الخضر ﵇: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ فلا تصحبني بعد هذا، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي: سأخبرك بالخبر الباطن، فيما لم تستطع عليه صبرًا لكونه منكرًا في الظاهر، فالتأويل: رجوع الشيء إلى مآله، والمراد هنا: المآل والعاقبة، وهو خلاص السفينة من اليد العادية، وخلاص أَبَوَيْ الغلام من شره، مع الفوز بالبدل الأحسن، واستخراج اليتيمين للكنز، وفي جعل صلة الموصول عدم استطاعته، ولم يقل: «بتأويل ما رأيت» نوعُ تعريضٍ به، وعتابه ﵇. ثم جعل يفسر له، فقال: أَمَّا السَّفِينَةُ التي خرقتُها، فَكانَتْ لِمَساكِينَ: ضُعفاء، لا يقدرون على مدافعة الظلمة، فسماهم مساكين لذلهم وضعفهم، ومنه قوله ﷺ : «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المَسَاكِينِ» «١» . فلم يُرد مسكنة الفقر، وإنما أراد التواضع والخضوع، أي: احشرني مخبتًا متواضعًا، غير جبار ولا متكبر، وقيل: كانت السفينة لعشرة إخوة: خمسة زَمْنَى» ، وخمسة يَعْمَلُونَ فِي

стр. 1517

الْبَحْرِ. وإسناد العمل إلى الكل، حينئذ، بطريق التغليب، ولأن عمل الوكيل بمنزلة الموكل. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها: أجعلها ذات عيب، «١» وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ أي: أمامهم، وقرئ به، أو خلفهم، وكان رجوعهم عليه لا محالة، وكان اسمه: «جلندي بن كركر» وقيل: «هُدَدُ بن بُدَد» ، قال ابن عطية: وهذا كله غير ثابت، يعني: تسمية الملك. يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة، وقرئ به، غَصْباً من أصحابها. وكان حق النظم أن يتأخر بيانُ إرادةِ التعيُّبِ عن خوف الغصب، فيقول: فكانت لمساكين، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة، فأردت أن أعيبها لأن إرادة التعيب مُسَبَّبٌ عن خوف الغصب، وإنما قدّم للاعتناء بشأنها إذ هي المحتاجة إلى التأويل، ولأن في التأخير فصلاً بين السفينة وضميرها، مع توهم رجوعه إلى الأقرب. قال البيضاوي: ومبني ذلك- أي: التعيب وخوف الغصب- على أنه متى تعارض ضرران يجب حمل أهونهما بدفع أعظمهما، وهو أصل ممهد، غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة. هـ. وَأَمَّا الْغُلامُ الذي قتلتُه، فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ وقد طُبع هو كافرًا، وإنما لم يصرح بكفره لعدم الحاجة إليه لظهوره من قوله: فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما: فخفنا أن يغشى الوالدَيْنِ المؤمنَيْنِ طُغْياناً عليهما وَكُفْراً بنعمتهما لعقوقه وسوء صنيعه، فَيُلْحِقُهُمَا شرًا، أو لشدة محبتهما له فيحملهما على طاعته، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر، فلعله يميلهما إلى رأيه فيرتدا. وإنما خشي الخضر ﵇ منه ذلك لأن الله سبحانه أعلمه بحاله وأطلعه على عاقبة أمره، وقرئ: «فخاف ربك» ، أي: كره سبحانه كراهية من خاف سوء عاقبة الأمر. ويجوز أن يكون القراءة المشهورة من قول الله سبحانه على الحكاية، أي فكرهنا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ بأن يرزقهما بدله ولدًا خَيْراً مِنْهُ زَكاةً: طهارة من الذنوب والأخلاق الردية، وَأَقْرَبَ رُحْماً أي: رحمة وعطفًا، وفي التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إليهما ما لا يخفى من الدلالة على وصول الخير إليهما، فلذلك قيل: ولدت لهما جارية، تزوجها نبي من الأنبياء فولدت نبيًا، هدى الله تعالى على يديه أمة من الأمم، وقيل: ولدت سبعين نبيًا، وقيل: أبدلهما ابنًا مؤمنًا مثلهما. وَأَمَّا الْجِدارُ الذي أقمتُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ أي: القرية المذكورة فيما سبق، ولعل التعبير عنها بالمدينة لإظهار نوع اعتداد بها، باعتداد ما فيها من اليتيمين وأبيهما الصالح، قيل: اسم اليتيمين: أصرم وصريم. وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما من فضة وذهب، كما في الحديث «٢» ، والذم على كنزهما إنما هو لمن لم يؤد زكاته، مع أن هذه شريعة أخرى. قال ابن عباس: (كان لوحًا من ذهب، مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن

стр. 1518

بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب؟ وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله) «١» . وقيل: كانت صحفًا فيها علم مدفون. وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً، فيه تنبيه على أن سَعْيَهُ في ذلك كان لصلاح أبيهما، وفيه دليل على أنَّ الله تعالى يحفظ أولياءه في ذريتهم، قيل: كان بينهما وبين الأب الذي حُفظا به سبعة أجداد. قال محمد بن المنكدر: (إن الله تعالى ليحفظ بالرجل الصالح ولده، وولد ولده، ومَسربته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فلا يزالون في حِفْظِ الله وستره) . وكان سعيد بن المسيب يقول لولده: إني لأزيد في صلاتي من أجلك، رجاء أن أُحْفَظَ فيك، ويتلو هذه الآية. وفي الحديث: «ما أحسن أحدٌ الخلافة في مَاله إلا أحْسَنَ الله الخلافة في تركته» «٢» . ويؤخذ من الآية: القيام بحق أولاد الصالحين إذ قام الخضر ﵇ بذلك. فَأَرادَ رَبُّكَ أي: مالكك ومُدبر أمرك. وفي إضافة الرب إلى ضمير موسى ﵇، دون ضميرهما، تنبيه له ﵇ على تحتم كمال الانقياد، والاستسلام لإرادته سبحانه، وَوُجوب الاحتراز عن المناقشة فيما برز من القدرة في الأمور المذكورة وغيرها. أراد أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما: حُلُمَهُمَا وكمالَ رأيِهِمَا، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما من تحت الجدار، ولولا أنى أقمته لا نقض، وخرج الكنز من تحته، قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميته، وضاع بالكلية رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ مصدر في موضع الحال، أي: يستخرجا كنزهما مَرْحُومَيْنِ به من الله تعالى. أو: يتعلق بمضمر، أي: فعلت ما فعلت من الأمور التي شاهدتها، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ بمن فُعل له أو به. وقد استعمل الخضر ﵇ غاية الأدب في هذه المخاطبة فنسب ما كان عيبًا لنفسه، وما كان ممتزجًا له ولله تعالى فإن القتل بلا سبب ظاهرهُ عيبٌ، وإبداله بخير منه خير، فأتى بضمير المشاركة، وما كان كمالاً محضًا، وهو إقامة الجدار، نسبه لله تعالى. ثم قال: وَما فَعَلْتُهُ أي: ما رَأَيْتَ من الخوارق عَنْ أَمْرِي أي: عن رأيي واجتهادي، بل بوحي إلهي مَلَكي، أو إلهامي، على اختلافٍ في نبوته أو ولايته، ذلِكَ أي: ما تقدّم ذكره من التأويلات، تَأْوِيلُ أي: مآل وعاقبة ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي: تفسير ما لم تستطع عليه صبرًا، فحذف التاء تخفيفًا، وهو فذلكة لِمَا تقدم، وفي جعل الصلة غير ما مرَّ تكرير للتنكير عليه وتشديد للعتاب. قيل: كل ما أنكر سيدنا موسى

стр. 1519

عليه السلام على الخضر قد جرى له مثله، ففي هذه الأمثلة حجة عليه، وذلك أنه لما أنكر خرق السفينة، نودي: يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت مطروح في اليم؟ فلما أنكر قتل الغلام قيل له: أين إنكارك من وكْزك القبطي وقضائك عليه؟ فلما أنكر إقامة الجدار، نودي: أين هذا من رفعك الحجر لبنات شعيب دون أجر؟ والله تعالى أعلم. رُوِيَ أنه قال له: لو صبرتَ لأتيتُ بك على ألفي عجيبة، كلها مما رأيت. ولما أراد موسى ﵇ أن يفارقه، قال له: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتحدث به، واطلبه لتعمل به. هـ. وفي رواية: قال له: اجعل همتك في معادك، ولا تخض فيما لا يعنيك، ولا تأمن الخوفَ، ولا تيأس الأمْن، وتدبر الأمور في علانيتك، ولا تذر الإحسان في قدرتك. فقال له: زدني يا ولي الله، فقال: يا موسى إياك واللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عَجَب، ولا تُعير أحدًا بخطيئة بعد الندم، وابك على خطيئَتك يا ابن عمران، وإياك والإعجاب بنفسك، والتفريط فيما بقي من عمرك، فقال له موسى: قد أبلغت في الوصية، أتم الله عليك نعمته، وغمرك في رحمته، وكلأك من عدوه. فقال الخضر: آمين. فأوصني أنت يا نبي الله، فقال له موسى: إياك والغضب إلا في الله، ولا ترضى عن أحد إلا في الله، ولا تحب لدنيا ولا تبغض لدنيا، فإنك تخرج من الإيمان وتدخل في الكفر، فقال له الخضر: قد أبلغت في الوصية يا ابن عمران، أعانك الله على طاعته، وأراك السرور في أمرك، وحببك إلى خلقه، وأوسع عليك من فضله، قال موسى: آمين. تنبيه: قد تقدم أن الجمهور على حياة الخضر ﵇. وسبب تعميره أنه كان على مقدمة ذي القرنين، فلما دخل الظلمات أصاب الخضر عين الحياة، فنزل فاغتسل منها، وشرب من مائها، فأخطأ ذو القرنين الطريق، فعاد، فلم يصادفها، قالوا: وإلياس أيضًا في الحياة، يلتقيان في كل سنة بالموسم، واحتج من قال بموت الخضر بقوله- ﵊، كما في الصحيح، بعد صلاة العشاء: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّه عَلَى رأسِ مِائَةِ سَنَةِ، لا يَبْقَى ممَنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظهر الأرض أحد» «١» ، ويجاب بأن الخضر ﵇ كان في ذلك الوقت في السحاب، أو يخصص الحديث به كما يخص بإبليس ومن عَمَّر من غيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: الاعتراض على المشايخ موجب للبُعد عنهم، والبُعد عنهم موجب للبُعد عن الله، فلا وصول إلى الله إلا بالوصول إليهم مع التعظيم والاحترام «سبحان مَن لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يصل إليهم إلا مَن أراد أن يوصله إليه» كما في الحِكَم. فالواجب على المريد، إذا كان بين يدي الشيخ، السكوت

стр. 1520

والتسليم والاحترام والتعظيم، إلا أن يأمره بالكلام، فيتكلم بآداب ووقار وخفض صوت، فإذا رأى منه شيئًا يخالف ظاهر الشريعة فليسلم له، ويطلب تأويله، فإن الشريعة واسعة، لها ظاهر وباطن، فلعله على ما لم يفهمه المريد. وكذلك الفُقراء لا ينكر عليهم إلا ما كان محرّمًا مجمعًا على تحريمه، ولا تأويل فيه، كالزنا بالمعينة أو اللواط، وأما ما اختلف فيه، ولو خارج المذهب، فلا ينكر عليه، وكذلك ما فيه تأويل. هذا إن صحت عدالته، فقد قالوا: إن صحت عدالة المرء فليترك وما فعل. وتأمل قضية شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن المجذوب في مسألة الثور الذي أمر الفقراء بذبحه، فلما ذبحوه تبين أنه كان صدقة عليه، وكذلك غيره من أرباب الأحوال، يُلتمس لهم أحسن المخارج، فإن أحوالهم خضرية، وما رأينا أحدًا أولع بالإنكار فأفلح أبدًا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة ذى القرنين، الذي وقع السؤال عنه مع الروح وأهل الكهف، فقال: [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٣ الى ٨٨] وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) يقول الحق ﷻ : وَيَسْئَلُونَكَ أي: اليهود، سألوه على وجه الامتحان، أو قريش، بتلقينهم. والتعبير بالمضارع للدلالة على استمرارهم على ذلك إلى ورود الجواب، والمراد: ذو القرنين الأكبر، وكان على عهد إبراهيم ﵇، ويقال: إنه الذي قضى لإبراهيم حين تحاكم إليه في بئر السبع بالشام، واسمه تبرس، وقيل: هرديس «١» ، وأما ذو القرنين الأصغر، بالقرب من زمن عيسى ﵇، واسمه الإسكندر، وهو صاحب أرسطو الفيلسوف، وقيل: المراد به هنا الأصغر، واقتصر عليه المحلِّي. قال الإمام الرازي: والأول أظهر لأن من بلغ مُلكه من السعة والقوة إلى الغاية التي نطق بها التنزيل إنما هو الأكبر، كما شهدت به كتب التواريخ. قلت: كلاهما بلغا الغاية القصوى، وملكا المشارق والمغارب، أما ذو القرنين الأكبر، فقيل: إنه كان ملِكًا عادلاً صالحًا، ملك الأقاليم، وقهر أهلها من الملوك، ودانت له البلاد، وإنه كان داعيا

стр. 1521

إلى الله تعالى، سائرًا في الخَلْق بالمعونة التامة والسلطان المؤيد المنصور، وكان الخضر على مقدمة جيشه، بمنزلة المستشار الذي هو من الملك بمنزلة الوزير. وقيل: كان ابن خالته. وذكر الأزرقي وغيره أنه أسلم على يد إبراهيم ﵇، فطاف معه بالكعبة مع إسماعيل. ورُوي أنه حج ماشيًا، فلما سمع إبراهيم ﵇ بقدومه تلقاه ودعا له، وأوصاه بوصايا. ويقال: إنه أُتي بفرس ليركب، فقال: لا أركب في بلد فيه الخليل، فعند ذلك سخّر له السحاب، وطوى له الأسفار، فكانت السحاب تحمله وعساكيره وجميع آلاتهم، إذا ارادوا غزو قوم. وسئل عنه علىّ ﵁: أكان نبيًا أو ملَكًا- بالفتح؟ فقال: لم يكن نبيًا ولا ملَكًا، ولكن كان عبدًا أحبَّ الله فأحبه الله، وناصَحَ الله فناصحه، فسخر له السحاب، ومدَّ له الأسباب «١» . وقال مجاهد: ملك الأرض أربعةٌ: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان وذو القرنين، والكافران: نمرود وبختنصر. هـ. وأما ذو القرنين الأصغر، وهو الإسكندر اليوناني، فرُوِيَ انه لما مات أبوه جمع مُلْكَ الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك العرب وقهرهم، ثم مضى حتى أتى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصر، فبنى الإسكندرية وسماها باسمه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل، وورد بيت المقدس وذبح في مذبحةٍ، ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب، ودان له العراقيون والقبط والبربر، واستولى على ملوك الفرس، وقصد السند وفتحه، وبنى مدينة سرنديب وغيرها، ثم قصد الصين، وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى العراق ومرض ومات. رُوِيَ أن أهل النجوم: قالوا له: إنك تموت على أرض من حديد، وتحت سماء من خشب، فبلغ بابل، ورعُف، وسقط عن دابته، فبسطت له دروع من حديد، فنام عليها، فآذته الشمس، فأظلوه بترس من خشب، فنظر، فقال: هذه أرض من حديد وسماء من خشب، فمات، وهو ابن ألف وستمائة سنة، وقيل: ثلاثة آلاف، قال ابن كثير: وهو غريب. قلت: والذي لابن عساكر: أنه عاش ستًا وثلاثين سنة، وأنه كان بعد داود وسليمان- ﵉ ثم قال ابن عساكر بعد كلام: وإنما بينّا هذا لأن كثيرًا من الناس يعتقدون أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن العظيم هو المتأخر، فيقع بذلك خطأ كبير. كيف لا، والأول كان عبدًا صالحًا مؤمنًا، ملكًا عادلاً، وزيره الخضر ﵇، وقد قيل: إنه كان نبيًا، وأما الثاني فقد كان كافرًا، وزيره أرسْطَاطَاليس الفيلسوف، وقد كان بينهما من الزمان أكثر من ألفي سنة، فأين هذا من ذلك؟!. هـ فتأمله مع ما ذكر في اللُباب من تعزيته أمه، مما يدل على إسلامه، قال فيه: لما علم ذو القرنين أن الموت استعجله، دعا بكاتبه، فقال له: اكتب تعزيتي لأمي، بسم الله

стр. 1522

الرحمن الرحيم، من الإسكندر ابن قيصر، رفيق أهل الأرض بجسده وأهل السماء بروحه، إلى أمي رومية ذات الصفا، التي لم تتمتع بثمرتها في دار الفناء، وعما قريب تجاوره في دار البقاء، يا أماه أسألك بودك لي وودي لك، هل رأيت لِحَيِّ قرارًا في الدار الدنيا؟ وانظري إلى الشجر والنبات يخضر ويبتهج، ثم يهشم ويتناثر، كأن لم يغنَ بالأمس، وإني قد قرأت في بعض الكتب فيما أنزل الله: يا دنياي ارحلي بأهلِكِ، فإنكِ لستِ لهم بدار، إنما الدنيا واهبة الموت، موروثة الأحزان، مفرقة الأحباب، مخربة العمران، وكل مخلوق في دار الأغيار ليس له قرار. انظر بقية كلامه فيه. ولا يلزم من صحبته أرسطاطاليس أن يكون على دينه. والله تعالى أعلم. واختُلِفَ في ذي القرنين المذكور في القرآن: هل كان نبيًا أو ملَكًا- بفتح اللام- أو ملِكًا- بالكسر- وهو الصحيح، واختلف في وجه تسميته بذي القرنين فقيل: كان في رأسه أو تاجه ما يشبه القرنين، وقيل: لأنه كان له ذؤابتان، وقيل: لأنه دعا الناس إلى الله ، فضُرب بقرنه الأيمن، ثم دعا إلى الله فضرب بقرنه الأيسر، وقيل: لأنه رأى في منامه أنه صعد الفلك فأخذ بقرني الشمس، وقيل: لأنه انقرض في عهده قرنان، وقيل: لأنه سخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه، وتحوطه الظلمة من ورائه. هـ. ثم ذكر الحق تعالى الجواب، فقال: قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ أي: سأذكر لكم مِنْهُ ذِكْراً أي: خبرًا مذكورًا، أو قرآنا يخبركم بشأنه، والسين للتأكيد، والدلالة على التحقق المناسب لمقام تأييده ﷺ ، وتصديقه بإنجاز وعده، لا للدلالة على أن التلاوة ستقع في المستقبل لأن هذه الآية نزلت موصولة بما قبلها، حين سألوه ﷺ عنه، وعن الروح، وعن أهل الكهف، فقال: غدًا أُخبركم، فتأخر الوحي كما تقدم، ثم نزلت السورة مفصلة. ثم شرع في تلاوة ذلك الذكر، فقال: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أي: مكنا له فيها قوة يتصرف فيها كيف يشاء، بتيسير الأسباب وقوة الاقتدار، حيث سخر له السحاب، ومد له في الأسباب، وبسط له النور، فكان الليل والنهار عليه سواء، وسهل له السير في الأرض، وذللت له طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أراده من مهمات ملكه ومقاصده المتعلقة بسلطانه سَبَباً أي: طريقًا يُوصله إليه من علم، أو قدرة، أو آلة، فأراد الوصول إلى الغرب فَأَتْبَعَ سَبَباً: طريقًا يوصله إليه. حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ أي: منتهى الأرض من جهة المغرب، بحيث لا يتمكن أحد من مجاوزته، ووقف على حافة البحر المحيط الغربي، الذي فيه الجزاير المسماة بالخالدات، التي هي مبدأ الأطوال على أحد القولين. وَجَدَها أي: الشمس، تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ أي: ذات حمأ، وهو الطين الأسود،

стр. 1523

وقرئ: حامية، أي: حارة، روى أن معاوية ﵁ قرأ حامية، وعنده ابن عباس، فقال ابن عباس: حمئة، فقال معاوية لعبد الله بن عمرو بن العاص: كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذا نجده في التوراة، فوافق قول ابن عباس ﵁. وليس بينهما تنافٍ، لجواز كون العين جامعة بين الوصفين، وأما رجوع معاوية إلى قول ابن عباس بما سمعه من كعب الأحبار، مع أن قراءته أيضًا متواترة، فلكون قراءة ابن عباس قطعية في مدلولها، وقراءته محتملة، ولعله لَمَّا بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك، إذ ليس في مطمح نظره غير الماء، كما يلوح به قوله تعالى: وَجَدَها تَغْرُبُ، ولم يقل: كانت تغرب فإن الشمس في السماء لا تغرب في الأرض. وَوَجَدَ عِنْدَها أي: تلك العين قَوْماً قيل: كان لباسهم جلود الوحش، وطعامهم ما لفظه البحر، وكانوا كفارًا، فخيّره الله تعالى بين أن يعذبهم بالقتل، وأن يدعوهم إلى الإيمان، فقال: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ بالقتل من أول الأمر، وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً أمرًا ذا حُسْنٍ، وذلك بالدعوة إلى الإسلام والإرشاد إلى الشرائع، واستدل بهذا على نبوته، ومن لم يقل بها قال: كان بواسطة نبي كان معه في ذلك العصر، أو إلهامًا، بعد أن كان التخيير موافقًا لشريعة ذلك النبي، قالَ ذو القرنين، لمن كان عنده: مختارًا للشق الأخير، وهو الدعاء إلى الإسلام: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ في نفسه، وأصرّ على الكفران، ولم يقبل الإيمان فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ بالقتل. وعن قتادة: أنه كان يطبخ من كفر في القدور «١» ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة نُعَذِّبُهُ فيها عَذاباً نُكْراً منكراً فظيعاً، لم يُعهد مثله، وهو عذاب النار. وفيه دلالة ظاهرة على أن الخطاب لم يكن بطريق الوحي إليه، أي: حيث لم يقل: «ثم يرد إليك» ، وأن مقاولته كانت مع النبي، أو مع من عنده من أهل مشورته. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ بموجب دعوته وَعَمِلَ عملاً صالِحاً حسبما يقتضيه الإيمان فَلَهُ في الدارين جَزاءً الْحُسْنى «٢» ، أي: المثوبة الحسنى، أو الفعلة الحسنى جزاء، على قراءة النصب، على أنه مصدر مؤكد للجملة، قُدِّم عليه المبتدأ اعتناءً، أو حال، أو تمييز. وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا أي: مما نأمر به يُسْراً: سهلاً ميسرًا، غير شاق عليه. والله تعالى أعلم.

стр. 1524

الإشارة: ذو القرنين لَمَّا أقبل بكليته على مولاه، ودعا إلى الله، ونصح لله، مكّنه الله تعالى من الأرض، ويسر له أموره، حتى قطع مشارقها ومغاربها، وكذلك من انقطع إلى الله، ورفع همته إلى مولاه، وأرشد الخلق إلى الله، تكون همته قاطعة، يقول للشيء كن فيكون، بقدرة الله وقدره. وسخر له الكون بأسره، يكون عند أمره ونهيه «أنت مع الأكوان مالم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك» ، يقول الله تعالى، في بعض كلامه: «يا عبدي كن لي كما أريد، أكن لك كما تريد» . قال القشيري: ذو القرنين مكَّن له في الأرض جهرًا، فكانت تُطوى له إذا قطع أحوازها، وسُهل له أن يندرج في مشارقها ومغاربها، ويحظر أقطارها ومناكبها، ومن كان في محل الإعانة من الأولياء فالحق سبحانه يُمكنه في المملكة، ليحصل عند همته ما أراد من حصول طعام أو شراب، أو غيره من قطع مسافة، أو استتار عن أبصار، وتصديق مأمول، وتحقيق سؤال، وإجابة دعاء، وكشف بلاء، وفوق ذلك تمكينه من تحقيق همه له في أمره، ثم فوق ذلك في التمكين في أن يُحضِر بهمتهم قوما بما شاءوا، ويمنع قوما عما شاءوا، فلهم من الحق تحقيق أمل، إذا تصرفوا في المملكة بإرادات في سوانح وحادثات، وفوق هذا التمكين في المملكة إيصال قوم إلى منازل ومحالُ، فالله يحقق فيهم همتهم. هـ. قلت: وفوق ذلك كله تمكينهم من شهود ذاته، في كل وقت وحين، حتى لو طلبوا الحجاب لم يُجابوا، ولو كُلفوا أن يروا غيره لم يستطيعوا، وهؤلاء هم الذين لهم التمكين في الإيصال إلى منازل السائرين ومحالُ الواصلين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر سير ذى القرنين إلى جهة المشرق، فقال: [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٩ الى ٩١] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) قلت: مَطْلِعَ فيه لغتان: الكسر والفتح، وكَذلِكَ: خبر عن مضمر، أي: أمر ذي القرنين كما وصفنا لك، أو صفة مصدر محذوف لِوَجَد، أو نَجْعَلْ أي: وجدا أو جعلا كذلك، أو صفة لقوم، أي: على قوم مثل ذلك القبيل، الذي تغرب عليهم الشمس في الكفر والحكم، أو صفة لستر، أي: سترًا مثل ستركم. يقول الحق ﷻ : ثُمَّ أَتْبَعَ ذو القرنين سَبَباً: طريقًا راجعًا من مغرب الشمس، موصلاً إلى مشرقها، حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ أي: الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولاً من معمورة الأرض، قيل: بلغه في اثنتي عشرة سنة، وقيل: في أقل من ذلك.

стр. 1525

وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ عراة لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً من اللباس والبنيان، قيل: هم الزنج، وفي اللباب: قيل: إنهم بنو كليب، وقيل: إن بني كليب طائفة منهم، وهم قوم بآخر صين الصين، على صور بني آدم، إلاّ أنهم لهم أذناب كأذناب الكلاب، ووجوه كوجوه الكلاب، وأكثر قُوتِهم الحوت، ومَن مات منهم أكلوه، وملأوا موضع دماغه مسكًا وعنبرًا، وحبسوه عندهم تبركًا بآبائهم وأبنائهم. ثم قال: وليس لهم لباس إلا الجلود على عورتهم. هـ. وعن كعب: أن أرضهم لا تمسك الأبنية، وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس دخلوا الأسراب أو البحر، فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم، يتراعون فيها كما ترعى البهائم. قال رجل من سمَرْقَنْد: خرجت حتى جاوزت الصين، فقالوا لي: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فاستأجرت رجلاً حتى بلغتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه، ويلبس الأخرى، وكان صاحبي يُحسن لسانهم، فسألهم فقالوا: جئتنا تنظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة، فغشي عليَّ، ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلَعت الشمس على الماء، إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت، فأدخلونا سربًا لهم، فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر يصطادون السمك فيطرحونه في الشمس فينضج «١» . هـ. وعن مجاهد: من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض. هـ. وقوله تعالى: كَذلِكَ أي: أمر ذي القرنين كما وصفنا، في رفعة المحل وبسط الملك، أو أمره فيهم كأمره في أهل مغرب الشمس، من التخيير والاختيار، أو وجد قومًا عند مطلع الشمس كذلك، وحكم فيهم، بحكم أولئك. أو: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ) سترًا مثل ستركم من اللباس والأكنان والجبال. قال الحسن: كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، ولا تحمل البناء، فإذا طلعت الشمس هربوا إلى البحر. هـ. قال تعالى: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ من الأسباب والعُدَد، وما صدر عنه وما لاقاه خُبْراً: علمًا تعلق بظواهره وخفايا أمره، يعني: أن ذلك بلغ من الكثرة بحيث لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير. الإشارة: كان ذو القرنين في الظاهر يلتمس مطلع الشمس الحسية، وفي الباطن يلتمس مطلع الشمس المعنوية، وهي شمس القلوب، التي تكشف أستار الغيوب، ثم أتبع سبَبًا يُوصل إلى شمس العيان، فوجدها تطلع على قلوب أهل العرفان، لم يجعل لهم من دونها سِتْرًا على الدوام، لما أتحفهم به من غاية الوصال والإكرام، حتى قال قائلهم: لو حجب عني الحق تعالى طرفة عين ما أعددت نفسي من المسلمين، وكذلك رسول الله ﷺ ، أو تقول: وجدها تطلع على أهل التجريد، الخائضين في بحار التوحيد، وأسرار التفريد، وفيهم قال المجذوب ﵁: أقارئين علم التوحيد ... هنا البحور إلي تنبي هذا مقام أهل التجريد ... الواقفين مع ربّى

стр. 1526

قد تجرّدوا من لباس الزينة والافتخار، ولبسوا لباس المسكنة والافتقار، فعوضهم الله تعالى في قلوبهم لباس الغنى والعز والاقتدار، صبروا قليلاً، واستراحوا زمنًا طويلاً، تذللوا قليلاً، وعزّوا عزًا طويلاً، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. ثم أخذ ذو القرنين من الجنوب إلى الشمال، كما قال تعالى: [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٢ الى ١٠١] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) . قلت: بَيْنَ السَّدَّيْنِ: مفعول، لا ظرف لأنه يستعمل متصرفًا. يقول الحق ﷻ : ثُمَّ أَتْبَعَ ذو القرنين سَبَباً: طريقًا ثالثًا بين المشرق والمغرب، سالكًا من الجنوب إلى الشمال، حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ: بين الجبلين، اللذين سُدَّ ما بينهما، وهو منقطع أرض الترك، مما يلي المشرق، لا جبال أرمينية وأذربيجان، كما توهم، وفيه لغتان: الضم والفتح، وقيل: ما كان من فعل الله فهو مضموم، وما كان من عمل الخلق فهو مفتوح. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما أي: من ورائهما: مما يلي بر الترك، قَوْماً: أمة من الناس لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ: يفهمون قَوْلًا لغرابة لغتهم، وقلة فطنتهم، وقرئ بالضم رباعيًا، أي: لا يُفصحون بكلامهم، واختلف فيهم، قيل: هم جيل من الترك قال السدي: الترك سُرْبة من يأجوج ومأجوج، خرجت، فضرب ذو القرنين السد، فبقيت خارجة. قلت: ولعلهم طلبوا منه ذلك، حين اعتزلوا قومهم، ثم قال: فجميع الترك منهم. وعن قتادة: أنهم، - أي: يأجوج ومأجوج- اثنتان وعشرون قبيلة،

стр. 1527

سد ذو القرنين على إحدى وعشرين، وبقيت واحدة، فسُموا الترك لأنهم تُرِكُوا خارجين. قال أهل التاريخ: أولاد نوح ﵇ ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أَبو العرب والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافث أبو الترك والخرز والصقالبة ويأجوج ومأجوج. هـ. وقُرِئ بالهمز فيهما لأنه من أجيج النار، أي: ضوؤها وشررها، شُبهوا به في كثرتهم وشدتهم، وهو غير منصرف للعجمة والعلَمية. قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ، إما أن يكون قالوه بواسطة ترجمان، أو يكون فَهم كلامهم، فيكون من جملة ما آتاه الله تعالى من الأسباب، فقالوا له: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ «١» ، قد تقدم أنهم من أولاد يافث. وما يقال: إنهم من نطفة احتلام آدم لم يصح، واختلف في صفاتهم، فقيل: في غاية صغر الجثة وقصر القامة، لا يزيد قدمهم على شبر، وقيل: في نهاية عِظم الجسم وطول القامة، تبلغ قدودهم نحو مائة وعشرين ذراعًا، وفيهم من عرضه كذلك. قال عبد الله بن مسعود: سألتُ النبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «هم أمم، كل أمة أربع مائة ألف، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذَكَر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح» ، قيل: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز- وهو شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع- وصنف عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ذراع، وصنف يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مُقَدَّمَتُهُمْ بالشام، وسَاقَتُهُمْ بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية» . «٢» . فقالوا له: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أي: في أرضنا، بالقتل، والتخريب، وإتلاف الزرع، قيل: كانوا يخرجون أيام الربيع، فلا يتركون أخضر إلا أكلوه، ولا يابسًا إلا احتملوه، وكانوا يأكلون الناس أيضًا. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً أي: جُعْلاً من أموالنا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا بالفتح وبالضم، أي: حاجزًا يمنعهم منا؟ قالَ ما مَكَّنِّي- بالفك وبالإدغام- أي: ما مكنني فِيهِ رَبِّي، وجعلنى فيه مكينًا قادرًا من الملك والمال وسائر الأسباب، خَيْرٌ من جُعْلِكم، فلا حاجة لي به، فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ الأبدان وعمل الأيدي، كصُنَّاع يحسنون البناء والعمل، وبآلاتٍ لا بد منها في البناء، أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً أي: حاجزًا حصينًا، وبرزخًا مكينًا، وهو أكبر من السد وأوثق، يقال: ثوب مُردم إذا كان ذا رقاع فوق رقاع، وهذا إسعاف لهم فوق ما يرجون.

стр. 1528

آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ: جمع زبرة، وهي القطعة الكبيرة، وهذا لا ينافي رد خراجهم لأن المأمور الإيتاء بالثمن أو المناولة، كما ينبئ عنه قراءة: «ائتوني» بوصل الهمزة، أي: جيئوني بزبر الحديد، على حذف الباء، ولأن إيتاء الآلة من قبيل الإعانة بالقوة، دون الخراج على العمل. قال القشيري: استعان بهم في الذي احتاج إليه منهم، ولم يأخذ منهم عُمالة لما رأى أن من الواجب عليه حق الحماية على حسب المُكنة. هـ. ولعل تخصيص الأمر بالإتيان بها دون سائر الآلات من الفحم والحَطب وغيرهما لأن الحاجة إليها أمسُّ لأنها الركن في السد، ووجودها أعز. قيل: حفر الأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب، والبنيان من زبر الحديد، وجعل بيْنهما الفحم والحطب، حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، وكان بينهما مائة فرسخ، وذلك قوله تعالى: حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وقرئ بضمهما «١» ، أي: مازال يبني شيئًا فشيئًا حتى إذا جعل ما بين ناصيتي الجبلين من البنيان مساويًا لهما في السُّمْك. قيل: كان ارتفاعه: مائتي ذراع، وعرضه: خمسون ذراعًا. وقرئ (سوَّى) بالتشديد، من التسوية. فلما سوّى بين الجبلين بالبناء، قالَ للعَمَلة: انْفُخُوا النيران في الحديد المبني، ففعلوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ أي: المنفوخ فيه نارًا أي: كالنار في الحرارة والهيئة. وإسناد الجعل إلى ذي القرنين، مع أنه من فعل العملة للتنبيه على أنه العمدة في ذلك، وهم بمنزلة الآلة. قالَ للذين يتولون أمر النحاس من الإذابة وغيرها: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً أي: آتوني نحاسًا مُذابًا أُفرغه عليه، وإسناد الإفراغ إلى نفسه، لِمَا تقدم. فَمَا اسْطاعُوا أي: استطاعوا أَنْ يَظْهَرُوهُ أيْ: يعلوه بالصعود لارتفاعه، والفاء فصيحة، أي: ففعلوا ما أمرهم به من إيتاء القطر، فأفرغوه عليه، فاختلط والتصق بعضه ببعض، فصار جبلاً صلَدًا، فجاء يأجوج ومأجوج فقصدوا أن يعلوه أو ينتقبوه فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ لارتفاعه وملاسته، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً لصلابته، وهذه معجزة له لأن تلك الزُبَر الكبيرة إذا أثرت فيها حرارة النار لا يقدر أحد أن يجول حولها، فضلاً عن إفراغ القطر عليها، فكأنه تعالى صرف النار عن أبدان المباشرين للأعمال. واللهُ على كل شيءٍ قدير. قالَ ذو القرنين، لمن عنده من أهل تلك الديار وغيرهم: هذا أي: السد، أو تمكينه منه، رَحْمَةٌ عظيمة مِنْ رَبِّي على كافة العباد، لا سيما على مجاوريه، وفيه إيذان بأنه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق، بل هو إحسان إلهي محض، وإن ظهر بمباشرتي. والتعرض لوصف الربوبية لتربية معنى الرحمة.

стр. 1529

فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي: وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، أو بقيام الساعة بأن شارف قيامُها، جَعَلَهُ أي: السد المذكور، مع متانته ورصانته، دَكَّاءَ: مدكوكًا مبسوطًا مستويًا بالأرض، وفيه بيان عظمة قدرته تعالى، بعد بيان سعة رحمته، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا: كائنًا لا محالة. رُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: «إِنَّ يأجُوجَ ومأجُوجَ يَحْفِرُون السد، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشمس، قال الذي عليهم: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرونه غَدًا، فيُعِيدُهُ اللهُ كأشَدّ مَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغتْ مُدَّتُهُمْ، حَفَرُوا، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، قَالَ الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غَدًا إِنْ شَاءَ الله، فَيَعُودُونَ إِلَيْه، وهُوَ على هَيْئَتِهِ كما تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ فيخْرُجُونَ عَلَى النَّاس» «١» . وسيأتي في الأنبياء تمام قصة خروجهم، إن شاء الله، وهذا آخر كلام ذي القرنين. قال تعالى: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ: يوم مجيء الوعد، ويخرجون، يَمُوجُ فِي بَعْضٍ يزدحمون في البلاد، أو: يموج بعض الخلق في بعض، فيضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم، حيارى من شدة الهول. رُوي أنهم يأتون البحر فيشربونه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر وما ظفروا به، ممن لم يتحصن منهم من الناس، ولا يقدرون على دخول مكة والمدينة وبيت المقدس، ثم يبعث الله عليهم مرضًا في رقابهم، فيموتون مرة واحدة، فيرسل الله طيرًا فترميهم في البحر، ثم يرسل مطرًا تغسل الأرضَ منهم، ثم تُوضع فيها البركة، وهذا بعد خروج الدجال ونزول عيسى ﵇، ثم تنقرض الدنيا، كما قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ لقيام الساعة، فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً، وسكت الحق تعالى عن النفخة الأولى اكتفاء بذكرها في موضع آخر، أي: جمعنا الخلائق بعد ما تفرقت أوصالهم، وتمزقت أجسادهم، في صعيد واحد للحساب والجزاء، جمعًا عجيبًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ، وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ أظهرناها وأبرزناها يَوْمَئِذٍ أي: يوم إذ جمعنا الخلائق كافة، لِلْكافِرِينَ منهم، بحيث يرونها ويسمعون لها تغيظًا وزفيرًا، عَرْضاً فظيعًا هائلاً لا يقدر قدره، وخص العَرض بهم، وإن كان بمرْأى من أهل الموقف قاطبة لأن ذلك لأجلهم. ثم ذكر وصفهم بقوله: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ وهم في الدنيا فِي غِطاءٍ كثيف وغشاوة غليظة عَنْ ذِكْرِي: عن سماع القرآن وتدبره، أو: عن ذكري بالتوحيد والتمجيد، أو كانت أعين بصائرهم في غطاء عن ذكري على وجه يليق بشأني، وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً أي: وكانوا مع ذلك لفرط تصامُمِهم عن الحق وكمال عداوتهم للرسول ﷺ ، لا يستطيعون استماعًا منه لذكري وكلامي، الذي لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خلفه، وهذا تمثيل لإعراضهم عن الأدلة السمعية، كما أن الأول تصوير لتعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار.

стр. 1530

الإشارة: السياحة في أقطار الأرض مطلوبة عند الصوفية في بداية المريد، أقلها سبع سنين، وقال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل ﵁: أقلها أربع عشرة سنة. وفيها فوائد، منها: زيارة الإخوان، والمذاكرة معهم، وهي ركن في الطريق، ومنها: نفع عباد الله، إن كان أهلاً لتذكيرهم، (فلأن يهدي الله به رجلاً واحداً خير له مما طلعت عليه الشمس) . ومنها: تأسيس باطنه وتشحيذ معرفته، ففي كل يوم يلقى تجليًا جديدًا، وتلوينًا غريبًا، يحتاج معه إلى معرفة كبيرة وصبر جديد، فالمريد كالماء، إذا طال مُكثه في مكانه أنتن وتغيَّر، وإذا جرى عَذُبَ وصَفَى. ومنها: أنه قد يلقى في سياحته من يربَحُ منه، أو يزيد به إلى ربه. رُوِيَ أن ذا القرنين بينما هو يسير في سياحته إذ رُفع إلى أمة صالحة، يهدون بالحق وبه يعدلون، يقسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليْسَتْ لبيوتهم أبواب، وليس عليهم أُمراء، وليس بينهم قضاة، ولا يختلفون ولا يتنازعون، ولا يقتتلون، ولا يضحكون ولا يحزنون، ولا تُصيبهم الآفات التي تُصيب الناس، أطول الناس أعمارًا، وليس فيهم مسكين ولا فظ ولا غليظ، فعجب منهم، وقال: خبِّروني بأمركم، فلم أر في مشارق الأرض ومغاربها مثلكم، فما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟ قالوا: لئلا ننسى الموت ليمنعنا ذلك من طلب الدنيا، قال: فما بال بيوتكم لا أبواب لها؟ قالوا: ليس فيها مُتهم، ولا فينا إلا أمين مؤتمن. قال: فما بالكم ليس فيكم حُكَّام؟ قالوا: لا نختصم، قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟ قالوا: لا نتكاثر. قال: فما بالكم ليس فيكم ملوك؟ قالوا: لا نفتخر، قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟ قالوا: من أُلفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا، قال: فما بال طريقتكم واحدة وكلمتكم مستقيمة؟ قالوا: من أجل أننا لا نتكاذب، ولا نتخادع، ولا يغتاب بعضنا بعضًا. قال: أخبروني من أين تشابهت قلوبكم واعتدلت سيرتكم؟ قالوا: صلحت صدورنا فنزع منها الغل والحسد، قال: فما بالكم ليس فيكم فقير ولا مسكين؟ قالوا: من قبل أنا نقسم بيننا بالسوية. قال: فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟ قالوا: من قِبَل الذلة والتواضع، قال: فما جعلكم أطول الناس أعمارًا؟ قالوا: من قِبَل أنَّا لا نتعاطى إلا الحق ونحكم بالسوية. قال: فما بالكم لا تضحكون؟ قالوا: لا نغفُل عن الاستغفار. قال: فما بالكم لا تحزنون؟ قالوا: من قِبَل أَنَّا وَطَّنَّا أنفسنا للبلاء. فقال: فما بالكم لا تصيبكم الآفاتُ كما تصيب الناس؟ قالوا: لأنا لا نتوكل على غير الله، قال: هل وجدتم آباءكم هكذا؟ قالوا: نعم، وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويُواسون فقراءهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويُحسنون إلى مَن أساء إليهم، ويحلمون عمن جهل عليهم، ويَصلُون أرحامهم، ويُؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويُوفون بعهدهم، ويَصدُقون في مواعدهم، فأصلح الله تعالى بذلك أمرهم وحفظهم، ما كانوا أحياء، وكان حقًا علينا أن نخلفهم في تركتهم. فقال ذو القرنين: لو كنت مُقيمًا لأقمت فيكم، ولكن لم أُومر بالمقام. هـ. ذكره الثعلبي.

стр. 1531

وقال في القوت: قوله تعالى، في صفة أعدائه المحجوبين: كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي: دليل الخطاب في تدبر معناه أن أولياءه المستجيبين له سامعون منه مكاشفون بذكره، ناظرون إلى غيبه، قال تعالى في ضده: مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ «١» ، وقال: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ... «٢» الآية. هـ. وسبب غطاء القلوب عن الاستماع والاستبصار هو اتباع الهوى ومحبة غير المولى، فلذلك أنكره الحق تعالى على الكفار بقوله: [سورة الكهف (١٨) : آية ١٠٢] أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قلت: أَنْ يَتَّخِذُوا: سد مسد المفعولين، أو حذف الثاني، أي: أَحَسِبُوا اتخاذهم نافعهم ونُزُلًا: حال من جهنم. يقول الحق ﷻ منكرا على الكفار المتقدمين: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا حين أعرضوا عن ذكري، وكانت أعينهم في غطاء عن رؤية دلائل توحيدي، أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي كالملائكة والمسيح وعزير، أو الشياطين لأنهم عباد، مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ أي: معبودين من دوني، يُوالونهِم بالعبادة، أن ذلك ينفعهم، أو: ألا نعذبهم على ذلك، بل نعذبهم على ذلك، إِنَّا أَعْتَدْنا يَسَّرنا وهيأنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا أي: شيئًا يتمتعون به أول ورودهم القيامة. والنزُل: ما يقدم للنزيل أي: الضيف، وعدل عن الإضمار ذمًا لهم على كفرهم، وإشعارا بأن ذلك الاعتداد بسبب كفرهم، وعبَّر بالإعْتادِ تهكمًا بهم، وتخطئة لهم، حيث كان اتخاذهم أولياء من قبيل العتاد، وإعداد الزاد ليوم المعاد، فكأنه قيل: إنا أعتدنا لهم، مكان ما أعدوا لأنفسهم من العدة والذُّخْرِ، جهنم عدة لهم. وفي ذكر النُزل: إيماء إلى أن لهم وراء جهنم من العذاب ما هو أنموذج له، وتستحقر دونه، وقيل: النزل: موضع النزول، أي: أعتدناها لهم منزلاً يقيمون فيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أحببتَ شيئاً إلا وكنتَ له عبداً، وهو لا يُحب أن تكون لغيره عبدًا، فأَفْرد قلبك لله، وأَخْرِج منه كلَّ ما سواه، فحينئذ تكونُ عبدًا لله، حرًا مما سواه، فكل ما سوى الله باطلٌ، وظل آفل، فكن إبراهيميًا، حيث قال: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ «٣» ، فارفع أيها العبد همتك عن الخلق، وعلقها بالملك الحق، فلا تُحب إلا الله، ولا تطلب شيئًا

стр. 1532

سواه، كائناً ما كان، من جنس الأشخاص، أو من جنس الأحوال أو المقامات أو الكرامات لئلا تنخرط في سلك من اتخذ من دون الله أولياءَ، فتكون كاذبًا في العبودية. رُوِيَ عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي ﵁ أنه قال: قرأتُ الفاتحة، فقلت: الحمد لله رب العالمين. فقال لي الهاتف مِنْ قِبَل الله تعالى: صدقت، فقلت: الرحمن الرحيم، فقال: صدقت. فقلت: مالك يوم الدين، فقال: صدقت. فلما قلتُ: إياك نعبد، قال كذبتَ لأنك تعبد الكرامات، قال: ثم أدبني، وتبت لله تعالى. ذكره ابن الصباغ مُطولاً. قلت: ولعله قبل ملاقاة الشيخ، ولذلك عاتبه بقوله: يا أبا الحسن عِوَضُ ما تقول: «سَخِّر لي خلقك» ، قل: يا رب كن لي، أرأيت إن كان لك أيفوتك شيء؟ نفعنا الله بجميعهم. وهذا الغلط يقع للمتوجهين ولغيرهم، يظنون أنهم يُحسنُون صُنعًا، وهم يسيئون، كما قال تعالى: [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٦] قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) . قلت: أَعْمالًا: تمييز، وفِي الْحَياةِ: متعلق بسعيهم. يقول الحق ﷻ : قُلْ يا محمد: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ يا معشر الكفرة بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا أي: بالذين خسروا من جهة أعمالهم كصدقةٍ، وعتق، وصلة رحم، وإغاثة ملهوف، حيث عملوها في حال كفرهم فلم تُقبل منهم، وهم: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ أي: بطل بالكلية فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي: بطل ما سَعْوا فيه في الحياة الدنيا وعملوه، وَهُمْ يَحْسَبُونَ: يظنون أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أي: يأتون بها على الوجه الأكمل، وقد تركوا شرط صحتها وكمالها، وهو الإيمان، واختلف في المراد بهم، فقيل: مشركو العرب، وقيل: أهل الكتابين، ويدخل في الأعمال ما عملوه في الأحكام المنسوخة المتعلقة بالعبادات. وقيل: الرهبان الذين يحبسون أنفسهم في الصوامع ويحْملونَها على الرياضات الشاقة. والمختار: العموم في كل من عمل عملاً فاسدًا، يظن أنه صحيح من الكفرة، بدليل قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ: بدلائل التوحيد، عقلاً ونقلاً، وَلِقائِهِ: البعث وما يتبعه من أمور الآخرة، فَحَبِطَتْ لذلك أَعْمالُهُمْ المعهودة حبوطًا كليًا، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ أي: لأولئك الموصوفين بحبوط

стр. 1533

الأعمال، يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً أي: فنُهينُهم، ولا نجعل لهم مقدارًا واعتبارًا لأن مدار التكريم: الأعمالُ الصالحة، وقد حبطت بالمرة قال ﷺ : «يُؤتى بالرَّجُل السَّمِين العَظِيم يَوْمَ القِيَامَةِ، فلاَ يَزنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ اقْرَأوا إن شِئْتُمْ: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً «١» . أو: لا نضع لأجل وزن أعمالهم ميزانًا لأن الكفر أحبطها. أو: لا نقيم لهم وزنًا نافعًا. قال أبو سعيد الخدري ﵁: يأتي أناسٌ بأعمالهم يوم القيامة، هي عندهم في العِظَم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لا تزن شيئًا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً. ثم بيَّن مآل كفرهم بعد أن بيَّن مآل أعمالهم، فقال: ذلِكَ الصنف الذين حبطت أعمالهم جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ، أو الأمر ذلك، ثم استأنف بقوله: جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا أي: بسبب كفرهم المتضمن لسائر القبائح، التي من جملتها ما تضمنه قوله: وَاتَّخَذُوا آياتِي الدالة على توحيدي أو كلامي، أو معجزاتي، وَرُسُلِي هُزُواً أي: مهزوًا بهم، فلم يقتنعوا بمجرد الكفر، بل ارتكبوا ما هو أعظم، وهو الاستهزاء بالآيات والرسل. عائذاً بالله من ذلك. الإشارة: كل آية في الكفار تجر ذيلها على الغافلين، فكل من قنع بدون عبادة فكرة الشهود والعيان، ينسحب عليه من طريق الباطن أنه ضل سعيه، وهو يحسب أنه يُحسن صُنعًا، فلا يقام له يوم القيامة وزن رفيع، فتنسحب الآية على طوائف، منها: من عبد الله لطلب المنزلة عند الناس، وهذا عين الرياء رُوي عن عثمان أنه قال على المنبر: (الرياء سبعون بابًا، أهونها مثل نكاح الرجل أمه) . ومنها: من عَبَدَ الله لطلب العوض والجزاء عند الخواصِّ، ومنها: من عبد الله لطلب الكرامات وظهور الآيات، ومنها: من عبد الله بالجوارح الظاهرة، وحجب عن الجوارح الباطنة، وهي عبادة القلوب، فإن الذرة منها تعدل أمثال الجبال من عبادة الجوارح، ومنها: من وقف مع الاشتغال بعلم الرسوم، وغفل عن علم القلوب، وهو بطالة وغفلة عند المحققين، ومنها: من قنع بعبادة القلوب، كالتفكر والاعتبار، وغفل عن عبادة الأسرار، كفكرة الشهود والاستبصار، والحاصل: أن كل من وقف دون الشهود والعيان فهو بطّال، وإنْ كان لا يشعر، وإنما ينكشف له هذا الأمر عند الموت وبعده، وسيأتي عند قوله تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ «٢» ، زيادة بيان على هذا إن شاء الله. فقد يكون الشيء عبادة عند قوم وبطالة عند أخرين حسنات الأبرار سيئات المقربين. ولا يفهم هذا إلا من ترقى عن عبادة الجوارح إلى عبادة القلوب والأسرار. وبالله التوفيق.

стр. 1534

ثم ذكر ضد من تقدم من الكفرة، فقال: [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٧ الى ١١٠] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) . يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بآيات ربهم ولقائه، وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ، كانَتْ لَهُمْ فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده، جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ، وهي أعلى الجنان. وعن كعب: أنه ليس في الجنة أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهُون عن المنكر، أي: أهل الوعظ والتذكير من العارفين. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «في الجنة مِائَةُ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ كُل دَرَجتين كَمَا بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ، أَعلاها الفِرْدَوس، ومِنْها تَفَجَّرُ أنْهَارُ الجنَّةِ، فَوْقَها عَرْشُ الرحمن، فإذَا سَأَلْتُمُ اللهُ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ» «١» . وقال أيضا ﷺ : «جنان الفردوس أربع: جنتان من فِضَّةٍ، أبنيتهما وآنيتُهُما، وجنَّتان من ذهب، أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظُرُوا إلى ربهمْ إلا رِدَاءُ الكبْرياءِ على وَجْهِه» «٢» ، وقال قتادة: الفردوس: ربوة الجنة. وقال أبو أمامة: هي سرة الجنة. وقال مجاهد: الفردوس: البستان بالرومية. وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة الأشجار. كانت لهم نُزُلًا أي: مقدمة لهم عند ورودهم عليه، على حذف مضاف، أي: كانت لهم ثمار جنة الفردوس نُزلاً، أو جعلنا نفس الجنة نُزلاً مبالغةً في الإكرام، وفيه إيذان بأن ما أعدَّ الله لهم على ما نطق به الوحي على لسان النبوة بقوله: «أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» . هو بمنزلة النُزُل بالنسبة إلى الضيافة وما بعدها، وإن جُعِلَ النُزل بمعنى المنزل فظاهر. خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي: لا يطلبون تحولاً عنها إذ لا يتصور أن يكون شيء أعز عندهم، وأرفع منها، حتى تنزع إليه أنفسهم، أو تطمح نحوه أبصارهم. ونعيمهم مجدد بتجدد أنفاسهم، لا نفادَ له ولا نهاية لأنه مكون بكلمة «كن» ، وهي لا تتناهى.

стр. 1535

قال تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ أي: جنس البحر مِداداً، وهو ما تمد به الدواة من الحِبْر، لِكَلِماتِ رَبِّي وهي ما يقوله سبحانه لأهل الجنة، من اللطف والإكرام، مما لا تكيفُه الأوهام، ولا تحيط به الأفكار، فلو كانت البحار مدادًا والأشجار أقلامًا لنفدت، ولم يبق منها شيء، قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي لأن البحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية. ثم أكّده بقوله: وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً أي: لنفد البحر من غير نفاد كلماته تعالى، هذا لو لم يجئ بمثله مددًا، بل ولو جئنا بمثله مَدَداً عونًا وزيادة لأن ما دخل عالم التكوين كله متناهٍ. قُلْ لهم: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يتناهى كلامي، وينقضي أجلي، وإنما خُصصت عنكم بالوحي والرسالة يُوحى إِلَيَّ من تلك الكلمات: أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له في الخلق، ولا في سائر أحكام الألوهية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: يتوقعه وينتظره، أو يخافه، فالرجاء: توقع وصول الخير في المستقبل، فمن جعل الرجاء على بابه، فالمعنى: يرجو حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضى وقبول. ومن حمله على معنى الخوف، فالمعنى: يخاف سوء لقائه. قال القشيري: حَمْلُه على ظاهره أَوْلى لأن المؤمنين قاطبةً يرجون لقاءَ الله، فالعارفون بالله يرجون لقاءه والنظر إليه، والمؤمنون يرجون لقاءه وكرامته بالنعيم المقيم. هـ بالمعنى. والتعبير بالمضارع فى (يَرْجُوا) للدلالة على أن اللائق بحال المؤمنين: الاستمرار والاستدامة على رجاء اللقاء، أي: فمن استمر على رجاء لقاء كرامة الله ورضوانه فَلْيَعْمَلْ لتحصيل تلك الطلبة العزيزة عَمَلًا صالِحاً، وهو الذي توفرت شروط صحته وقبوله، ومدارها على الإتقان ظاهرًا، والإخلاص باطنًا. وقال سهل: العمل الصالح: المقيد بالسُنَّة، وقيل: هو اعتقاد جواز الرؤية وانتظار وقتها. وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً إشراكًا جليًا، كما فعل الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الحَيَاةِ الدنيا حيث كفروا بآيات ربهم ولقائه، أو إشراكًا خفيًا، كما يفعله أهل الرياء، ومن يطلب به عوضًا أو ثناءً حسنًا. قال شهر بنُ حَوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلاً يُصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يُحمد عليه، ويتصدق يبتغي وجه الله ويحب أن يُحمد عليه، ويحج كذلك؟ قال عبادة: ليس له شيء، أن الله تعالى يقول: «أنا خيرُ شريك، فمن كان له شريك فهو له» . ورُوي أن جُنْدبَ بْنَ زُهَيْرٍ قال لرسول الله ﷺ : إِنِّي لأعْمَلُ العَمَلَ للهِ تَعَالى، فإذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سرّنى، فقال له ﵊: «لَكَ أَجْرَان: أجْرُ السِّرِّ، وأجر العلانية» «١»

стр. 1536

وذلك إذا قصد أن يُقْتَدَى به، وكان مُخْلصًا فى عمله. وعنه ﷺ أنه قال: «اتقوا الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء» «١» . وقال ﷺ لَمَّا نزلت هذه الآية-: «إن أخوَفُ ما أخافُ على أمتي الشرك الخفي، وإياكم وشرك السرائر، فإنَّ الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء» ، فشق ذلك على القوم، فقال النبي ﷺ : «ألا أدلكم على ما يذهب الله عنكم صغير الشرك وكبيره؟ قالوا: بلى، قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك من كل ما لا أعلم» . وعنه ﷺ أنه قال: «مَنْ قَرَأ آخرَ سورة الكَهف- يعني: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ... إلى آخره- كَانَتْ لَهُ نُورًا من قرنه إلى قدمه، وَمَنْ قَرَأَهَا كُلَّها كانَتْ له نُورًا من الأرْضِ إلى السماء» «٢» . وعنه ﷺ : «مَنْ قَرَأَ عِنْدَ مَضْجِعِهِ: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ... الخ، كَانَ لَهُ مِنْ مَضْجَعِهِ نُورًا يَتَلألأ إلى مَكّةَ، حَشْوُ ذلِكَ النُّور مَلائِكَةٌ يُصَلُون حَتَّى يَقُومَ، وإنْ كَانَ بِمَكَةَ كانَ لَهُ نُورًا إلى البيتِ المَعْمُور» . قلت: ومما جُرِّب أن من قرأَ هذه الآيةَ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ... ) الخ، ونوى أن يقوم في أي ساعة شاء، فإن الله تعالى يُوقظه بقدرته. وانظر الثعلبي. الإشارة: إنَّ الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا عمل الخصوص- وهو العمل الذي يقرب إلى الحضرة- كانت لهم جنة المعارف نُزلاً، خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً لأنَّ من تمكن من المعرفة لا يُعزل عنها، بفضل الله وكرمه، كما قال القائل: مُذْ تَجَمَّعْتْ مَا خَشيتُ افْتِراقًا ... فأَنّا اليَوْمَ وَاصلٌ مَجْمُوعُ ثم يترقون في معاريج التوحيد، وأسرار التفريد، أبدًا سرمدًا، لا نهاية لأن ترقيتهم بكلمة القدرة الأزلية، وهي كلمة التكوين، التي لا تنفد (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي ... ) الآية. هذا مع كون وصف البشرية لا يزول عنهم، فلا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. قل: إنَّما أنا بَشرٌ مثلُكُم يُوحى إليّ وحي إلهام، ويلقى في رُوعي أَنَّما إِلهكُم إِله واحد، لا ثاني له في ذاته ولا في أفعاله، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا لقاء الشهود والعيان، ولقاء الوصول إلى صريح العرفان فليعمل عملاً صالحًا، الذي لا حظ فيه للنفس عاجلاً ولا آجلاً، وَلآ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أحدًا، فلا يقصد بعبادته إلا تعظيم الربوبية، والقيام بوظائف العبودية، والله تعالى أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم «٣» .

стр. 1537

سورة مريم مكية- وهى ثمان وتسعون آية. والمقصود من السورة الرد على النصارى فى إشراكهم عيسى ﵇ لله تعالى فى ألوهيته، فهى كالتتميم لقوله: وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً «١» . قال تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كهيعص (١) قيل: هي مختصرة من أسماء الله تعالى، فالكاف من كافٍ، والهاء من هادٍ، والياء من يمين، والعين من عليم أو عزيز، والصاد من صادق. قاله الهروي عن ابن جبير. قال أبو الهيثم: جعل الياء من يمين، من قولك: يَمَن الله الإنسانَ يَيْمنُهُ يمنًا فهو ميْمون. هـ. ولذا ورد الدعاء بها، فقد رُوي عن علي- كرم الله وجهه- أنه كان يقول: (يا كهيعص أعوذ بك من الذنوب التي تُوجب النقم، وأعوذ بك من الذنوب التي تغير النعم، وأعوذ بك من الذنوب التي تهتِك العِصَم، وأعوذ بك من الذنوب التي تحبس غيث السماء، وأعوذ بك من الذنوب التي تُديل الأعداء، انصرنا على من ظلمنا) «٢» . كان يقدم هذه الكلمات بين يدي كل شدة. فيحتمل أن يكون توسل بالأسماء المختصرة من هذه الحروف، أو تكون الجملة، عنده، اسمًا واحدًا من أسماء الله تعالى، وقيل: هو اسم الله الأعظم. ويحتمل أن يشير بهذه الرموز إلى معاملته تعالى مع أحبائه، فالكاف كفايته لهم، والهاء هدايته إياهم إلى طريق الوصول إلى حضرته، والياء يُمنه وبركته عليهم وعلى من تعلق بهم، والعين عنايته بهم في سابق علمه، والصاد صدقه فيما وعدهم به من الإتحاف والإكرام. والله تعالى أعلم. وقيل: هي مختصرة من أسماء الرسول- ﵊ أي: يا كافي، يا هادي، يا ميمون، يا عين العيون، أنت صادق مصدق. وعن ماضي بن سلطان تلميذ أبي الحسن الشاذلى- رضى الله عنهما-: [أنه رأى في منامه أنه اختلف مع بعض الفقهاء في تفسير قوله: (كهيعص. حم. عسق) ، فقلت: هي أسرار بين الله تعالى وبين رسوله ﷺ ، وكأنه قال: «كاف» أنت كهف الوجود، الذي يؤم إليه كلُّ موجود، «ها» هبنا لك الملك، وهيأنا لك الملكوت، «يَعَ» يا عين العيون، «ص» صفات الله (مَن يُطع الرسولَ فقد أطاع الله) ، «حاء» حببناك، «ميم»

стр. 1538

ملَّكناك، «عين» علمناك، «سين» ساررناك، «قاف» قربناك. فنازعوني في ذلك ولم يقبلوه، فقلت: نسير إلى النبي ﷺ ليفصل بيننا، فسرنا إليه، فلقينا رسول الله ﷺ ، فقال لنا: الذي قال محمد بن سلطان هو الحق] . وكأنه يشير إلى أنها صفات أفعال. قال تعالى: [سورة مريم (١٩) : الآيات ٢ الى ٦] ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) قلت: (ذِكْرُ) : خبر عن مضمر، أي: هذا ذكر، والإشارة للمتلو في هذه السورة لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر في حكم الحاضر الشاهد. وقيل: مبتدأ حُذف خبره، أي: فيما يُتلى عليك ذكر رحمت ربك. وقيل: خبر عن (كهيعص) ، إذا قلنا هي اسم للسورة، أي: المسمى بهذه الحروف ذكر رحمة ربك، و (عَبْدَهُ) : مفعول لرحمة ربك، على أنها مفعول لما أضيف إليها، أو لذكر، على أنه مصدر أضيف إلى فاعله على الاتساع. ومعنى ذكر الرحمة: بلوغها إليه، و (زَكَرِيَّا) : بدل منه، أو عطف بيان، و (إِذْ نادى) : ظرف لرحمة، وقيل: لذكر، على أنه مضاف إلى فاعله، وقيل: بدل اشتمال من زكريا، كما في قوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ ... «١» ، و (مِنِّي) : حال من العَظْم، أي: كائنًا مني، و (شَيْئاً) : تمييز. يقول الحق ﷻ : هذا الذي نتلوه عليك في هذه السورة هو ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. قال الثعلبي: [فيه تقديم وتأخير] . أي: ذكر ربك عبده زكريا برحمته، إِذْ نادى رَبَّهُ وهو في محرابه في طلب الولد نِداءً خَفِيًّا: سرًا من قومه، أو في جوف الليل، أو مخلصًا فيه لم يطلع عليه إلا الله. ولقد راعى ﵇ حسن الأدب في إخفاء دعائه، فإنه أَدْخَلُ في الإخلاص وأَبَْعَدُ من الرياء، وأقرب إلى الخلاص من كلام الناس، حيث طلب الولد في غير إِبَّانِهِ ومن غائلة مواليه الذين كان يخافهم. قالَ في دعائه: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أي: ضعف بدني وذهبت قوتي. وإسناد الوهن إلى العَظْم لأنه عماد البدن ودعامة الجسد، فإذا أصابه الضعف والرخاوة أصاب كله، وإفراده للقصد إلى الجنس المنبئ عن شمول الوهن إلى كل فرد مِن أفراده. ووهن بدنه ﵇: لكبر سنه، قيل: كان ابن سبعين، أو خمسًا وسبعين، وقيل: مائة، وقيل: أكثر.

стр. 1539

وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً أي: ابيضَّ شَمَطًا. شبه ﵇ الشيب من جهة البياض والإنارة بشواظ النار، وانتشاره في الشعر وفُشوِّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعالها، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى محل الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرجه مخرج التمييز، ففيه من فنون البلاغة وكمال الجزالة ما لا يخفى، حيث كان الأصل: واشتعل شيب رأسي، فأسند الاشتعال إلى الرأس لإفادة شموله لكلها، فإن وِزَانَهُ: اشتعل بيته نارًا بالنسبة إلى اشتعلت النار في بيته، ولزيادة تقريره بالإجمال أولاً، والتفصيل ثانيًا، ولمزيد تفخيمه بالتكثير من جهة التنكير. ثم قال: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا أي: لم أكن بدعائي إياك خائبًا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل، بل كنت كلما دعوتك استجبتَ لي. توسل إلى الله بسابق حسن عوائده فيه، لعله يشفع له ذلك بمثله، إثر تمهيد ما يستدعي ويستجلب الرأفة من كبر السن وضعف الحال. والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع، ولذلك قيل: من أراد أن يُستجاب له فليدعُ الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته. ثم قال: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ أي: الأقارب، وهم: بنو عمه، وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف ألا يحسنوا خلافته في أمته، فسأل الله تعالى ولدًا صالحًا يأمنه على أمته. وقوله: مِنْ وَرائِي: متعلق بمحذوف، أي: جور الموالي، أو مما في الموالي من معنى الولاية، أي: خفت أن يلوا الأمر من ورائي، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً: لا تلد من حين شبابها، فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أي: أعطني من محض فضلك الواسع، وقدرتك الباهرة، بطريق الاختراع، لا بواسطة الأسباب العادية لأن التعبير بِلَدُنَ يدل على شدة الاتصال والالتصاق، وَلِيًّا: ولدًا من صلبى، يليى الأمر من بعدي. والفاء: لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنَّ ما ذكره ﵇ من كبر السن وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه عن الولد بتوسط الأسباب، فاستوهبه على الوجه الخارق للعادة، ولا يقدح في ذلك أن يكون هناك داعٍ آخر إلى الإقبال على الدعاء المذكور، من مشاهدته للخوارق الظاهرة عند مريم، كما يُعرب عنه قوله تعالى: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ «١» . وعدم ذكره هنا اكتفاء بما تقدم، فإن الاكتفاء بما ذكر في موطن عما ترك في موطن آخر من النكتة التنزيلية. وقوله: يَرِثُنِي: صفة لوليًّا، وقرئ بالجزم هو وما عطف عليه جوابًا للدعاء، أي: يرثني من حيث العلم والدين والنبوة، فإن الأنبياء- ﵈ لا يورثون من جهة المال. قال: ﷺ «نحن مَعاشر الأنبيَاءِ لا نُورَثُ» «٢» . وقيل: يرثني في الحبورة، وكان ﵇ حبرا.

стр. 1540

وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوة والمُلك والمال. قيل: هو يعقوب بن إسحاق. وقال الكلبي ومقاتل: هو يعقوب ابن ماثان، أخو عمران بن ماثان، أبي مريم، وكانت زوجة زكريا أخت أم مريم، وماثان من نسل سليمان ﵇، فكان آل يعقوب أخوال يحيى. قال الكلبي: كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، وكان زكريا رئيس الأحبار يومئذ، فأراد أن يرث ولده حبُورته، ويرث من بني ماثان ملكهم. هـ. وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي: مرضيًا، فعيل بمعنى مفعول، أي: ترضى عنه فيكون مرضيًا لك، ويحتمل أن يكون مبالغة من الفاعل، أي: راضيًا بتقديرك وأحكامك التعريفية والتكليفية. والله تعالى أعلم. الإشارة: طلب الوارث الروحاني- وهو وارث العلم والحال- جائز ليبقى الانتفاع به بعد موته. وقيل: السكوت والاكتفاء بالله أولى، ففي الحديث: «يرحَم اللهُ أخانا زَكَرِيَّا، وَمَا كَان عَلَيْه مَنْ يَرِثُه» «١» . وقوله تعالى: نِداءً خَفِيًّا. الإخفاء عند الصوفية أولى في الدعاء والذكر وسائر الأعمال، إلا لأهل الاقتداء من الكَمَلَة، فهم بحسب ما يبرز في الوقت. وقوله تعالى: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. فيه قياس الباقي على الماضي، فالذي أحسن في الماضي يحسن في الباقي، فهذا أحد الأسباب في تقوية حسن الظن بالله وأعظم منه من حسَّن الظن بالله لما هو متصف به تعالى من كمال القدرة والكرم، والجود والرأفة والرحمة، فإن الأول ملاحظ للتجربة، والثاني ناظر لعين المِنَّة. قال في الحكم: «إن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه، حسّن ظنك به لوجود معاملته معك، فهل عَوَّدَكَ إلا حَسَنًا؟ وهل أسدى إليك إلا مننا؟» . ثم ذكر إجابته لزكريا ﵇، فقال: [سورة مريم (١٩) : الآيات ٧ الى ١١] يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)

стр. 1541

قلت: «عِتِيًّا» : مصدر، من عتا يعتو، وأصله: عتوو، فاستثقل توالي الضمتين والواوين، فكسرت التاء، فقلبت الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم قُلبت الثانية أيضّا لاجتماع الواو والياء، وسبق إحداهما بالسكون. (قالَ كَذلِكَ) : خبر، أي: الأمر كذلك، فيوقف عليه، ثم يقول: (قالَ رَبُّكَ) ، أو مصدر لقال الثانية، أي: مثل ذاك القول قال ربك. و (سَوِيًّا) : حال من فاعل (تُكَلِّمَ) . يقول الحق ﷻ : يا زَكَرِيَّا، كلمهُ بواسطة المَلك: إِنَّا نُبَشِّرُكَ ونجيب دعوتك بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لأنه حيى به عُقْمُ أمه. أجاب نداءه في الجملة، لا من كل وجه، بل على حسب المشيئة، فإنه طلب ولدًا يرثُه، فأجيب في الولد دون الإرث فإن الجمهور على أن يحيى مات قبل موت أبيه- ﵉ وقيل: بقي بعده برهة، فلا إشكال حينئذ. وفي تعيين اسمه تأكيد للوعد وتشريف له، وفي تخصيصه به- كما قال تعالى: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا أي: شريكًا في الاسم، حيث لم يتسم به أحد قبله- مزيد تشريف وتفخيم له ﵇ فإن التسمية بالأسماء البديعة الممتازة عن أسماء الناس تنويه بالمسمى لا محالة» . وقيل: (سَمِيًّا) : شبيهًا في الفضل والكمال، كما قال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا «٢» فإنه ﵇ لم يكن قبله أحد مثله في بعض أوصافه، لأنه لم يهم بمعصية قط، وأنه ولد لشيخ فانٍ، وعجوز عاقر، وأنه كان حصورًا، ولم تكن هذه الخصال لغيره. قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ أي: من أين وكيف يحدث لي غلام، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً: عقيمة، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا: يبسًا في الأعضاء والمفاصل، ونحولاً في البدن، لِكِبَرِهِ، وكان سنُّه إذ ذاك مائة وعشرين، وامرأته ثمان وتسعين. وتقدم الخلاف فيه. وإنما قاله ﵇ مع سبق دعائه وقوة يقينه، لا سيما بعد مشاهدته للشواهد المذكورة في آل عمران استعظامًا لقدرة الله تعالى، وتعجيبًا منها، واعتدادًا بنعمته تعالى عليه في ذلك، بإظهار أنه من محض فضل الله وكرمه، مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلة عادة. وقيل: كان دهشًا من ثمرة الفرح، وقيل: كان ذلك منه استفهامًا عن كيفية حدوثه. وقيل: بل كان ذلك بطريق الاستبعاد، حيث كان بين الدعاء والبشارة سِتُّون سنة، وكان قد نسي دعاءه، وهو بعيد. قالَ كَذلِكَ أي: الأمر كما ذكر من كبر السن وعقم المرأة، لكن هو على قدرتنا هين، ولذلك قال: قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، أو مثل ذلك القول البديع قال ربك، ثم فسَره بقوله: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، أو «مثل» مقحمة، أي: ذلك قال ربك. والإشارة إلى مصدره، الذي هو عبارة عن إيجاد الولد السابق، أو كذلك قضى ربك.

стр. 1542

ثم قال: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً أي: وقد أوجدت أصلك «آدم» من العدم، ثم نشأتَ أنت من صلبه، ولم تك شيئًا، فإن نشأة آدم ﵇ وتصويره منطوية على نشأة أولاده، ولذلك قال في آية أخرى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ «١» الآية. انظر تفسير أبي السعود. قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي: علامة تدلنى على تحقق المسئول، وبلوغ المأمول، وهو حمل المرأة بذلك الولد، لأتلقى تلك النعمة العظيمة بالشكر حين حدوثها، ولا أؤخر الشكر إلى وقت ظهورها، وينبغي أن يكون سؤاله الآية بعد البشارة ببرهة من الزمان لما يُروى أن (يحيى كان أكبر من عيسى- ﵉ بستة أشهر، أو بثلاث سنين) ، ولا ريب في أنَّ دعاء زكريا ﵇ كان في صغر مريم، لقوله تعالى: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ «٢» ، وهي إنما ولدت عيسى ﵇ وهي بنت عشر سنين، أو ثلاث عشرة سنة، أو يكون تأخر ظهورُ الآية إلى قرب بلوغ مريم- ﵍. قالَ له تعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ أي: أن لا تقدر على أن تُكلم الناسَ مع القدرة على الذكر، ثَلاثَ لَيالٍ بأيامهن، للتصريح بها في آل عمران «٣» ، حال كونك سَوِيًّا أي: سَوِيّ الخَلْقِ سليم الجوارح، مابك شائبَةُ بَكَمٍ ولا خَرَس، وإنما مُنعت بطريق الاضطرار مع كمال الأعضاء. وحكمة منعه لينحصر كلامه في الشكر والذكر في تلك الأيام. فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ: من المصلّى، وكان مغلقًا عليه، فالمحراب مكان التعبد، أو من الغرفة، وكانوا من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب، ليدخلوا ويُصلوا، إذ خرج عليهم متغيرًا لونه، فأنكروه، وقالوا له: مالك؟ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أي: أوْمَأ إليهم، وقيل: كتب في الأرض: أَنْ سَبِّحُوا أي: صلوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا: صلاة الفجر وصلاة العصر، ولعلها كانت صلاتهم. أو: نزهوا ربكم طرفي النهار، ولعله أُمِر أن يُسبح فيها شكرًا، ويأمر قومه بذلك. والله تعالى أعلم. الإشارة: إجابة الدعاء مشروطة بالاضطرار، قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ «٤» وفي الحكم: «ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار» . فإذا اضطررت إلى مولاك، فلا محالة يجيب دعاك، لكن فيما يريد لا فيما تريد، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد. فلا تيأس ولا تستعجل (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) . فإذا رأيت مولاك أجابك فيما سألته، فاجعل كلامك كله في شكره وذكره، واستفرغ أوقاتك، إلا من شهود إحسانه وبره. وبالله التوفيق.

стр. 1543

ثم ذكر وصيته ليحيى ﵇ ونعوته، فقال: [سورة مريم (١٩) : الآيات ١٢ الى ١٥] يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) . قلت: «صَبِيًّا» : حال من مفعول «آتَيْناهُ» ، و «حَناناً» و «زَكاةً» : عطف على «الْحُكْمَ» . و «مِنْ لَدُنَّا» : متعلق بمحذوف، صفة له مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية، أي: وآتيناه الحكم وتحنُّنًا عظيمًا واقعًا من جنابنا، أو شفقة في قلبه ورحمة على أبويه وغيرهما. قال ابن عباس: (ما أدري ما حنانًا إلا أن يكون تعطف رحمة الله على عباده) . ومنه قولهم: «حَنَانَيْكَ» ، مثل سعديْك، وأصله: من حنين الناقة على ولدها، و (بَرًّا) : عطف على «تَقِيًّا» . يقول الحق ﷻ : يا يَحْيى أي: قلنا يا يحيى، وهذا استئناف طُوي قبله جمل كثيرة، مما يدل على ولادته ونشأته، حتى أوحي إليه، ثم قال له: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ أي: التوراة، وقيل: كتاب خُص به، فدلت الآية على رسالته. وفي تفسير ابن عرفة: أن يحيى رسول كعيسى. هـ. وقوله: بِقُوَّةٍ أي: بجد واجتهاد، وقيل: بالعمل به، وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، قال ابن عباس: (الحكم هنا النبوة، استنبأهُ وهو ابن ثلاث سنين) ، قلت: كون الصبي نبيًا جائز عقلاً، واقع عند الجمهور، وأما بعثه رسولاً فجائز عقلاً، وظاهر كلام الفخر «١» هنا أنه واقع، وأن يحيى وعيسى بُعثا صغيرين. وقال ابن مرزوق في شرح البخاري ما نصه: (الأعم: بعث الأنبياء بعد الأربعين) لأنه بلوغ الأشد، وقيل: أرسل يحيى وعيسى- ﵉ صبيين. وقال ابن العربي: يجوز، ولم يقع. وقول عيسى ﵇: (إني عبد الله) إخبار عما وجب في المستقبل، لا عما حصل. واستُشْكِلَ جواز بعث الصبي بأنه تكليف، وشرطُه: البلوغُ، إن كانت الشرائع فيه سواء. انظر المحشي الفاسي. قلت: والذي يظهر أن يحيى وعيسى- ﵉ تنبئا صغيرين، وأرسلا بعد البلوغ. والله تعالى أعلم. وقيل: الحكم: الحكمة وفهم التوراة والفقه في الدين. رُوي أنه دعاه الصبيان إلى اللعب، فقال: ما لِلَعِبٍ خلقت. وَآتيناه حَناناً أي: تحنُّنًا عظيمًا مِنْ لَدُنَّا: من جناب قدسنا، أو تحننًا من الناس عليه. قال عوف: الحنان المحبّب، وَزَكاةً: طهارة من العيوب والذنوب، أو صدقة تصدقنا به على أبويه، أو: وفّقناه للتصدق على الناس. وَكانَ تَقِيًّا مطيعًا لله، متجنبًا للمعاصي، وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ : لطيفًا بهما محسنا إليهما،

стр. 1544

وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا متكبرًا عاقًا، فالجبّار: هو المتكبر، لأنه يجبر الناس على أخلاقه. وقيل: من لا يقبل النصيحة، أو عاصيًا الله تعالى. وَسَلامٌ عَلَيْهِ أي: سلامة من الله تعالى عليه، يَوْمَ وُلِدَ من أن يناله الشيطان بما ينال بني آدم، وَيَوْمَ يَمُوتُ من عذاب القبر، وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا من هول القيامة وعذاب النار. رُوِيَ أن يحيى وعيسى- ﵉ التقيا، فقال له يحيى: استغفر لي، فأنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني، أنا سلمت على نفسي وأنت سلم الله عليك. الإشارة: أخذ الكتاب بالقوة- وهو الجد والاجتهاد في قراءته- هو أن يكون متجردًا لتلاوته، منصرف الهمة إليه عن غيره، فلا يصدق على العبد أن يأخذ كتاب ربه بقوة، حتى يكون هكذا عند تلاوته. قال الورتجبي: خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ أي: خذ كتابنا بنا لابك، والكتاب كلام الحق الأزلي، أي: خذ الكتاب الأزلي بالقوة الأزلية. هـ. ومعناه أن يكون التالي فانيًا عن نفسه، متكلمًا بربه، ويسمعه من ربه، فهذا حال المقربين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة مريم- ﵍ فقال: [سورة مريم (١٩) : الآيات ١٦ الى ٢١] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) قلت: (إِذِ انْتَبَذَتْ) : بدل اشتمال من مريم، على أن المراد بها نبؤها، فإن الظرف مشتمل على ما فيها، وقيل: بدل الكل، على أن المراد بالظرف ما وقع فيه. وقيل: «إِذِ» ظرف لنبأ المقدر، أي: اذكر نبأ مريم حين انتبذت لأن الذكر لا يتعلق بالأعيان، لكن لا على أنّ يكون المأمور به ذكر نبأها عند انتباذها فقط، بل كل ما عطف عليه وحكي بعده بطريق الاستثناء داخل في حيز الظرف متمم للنبأ. و (مَكاناً) : مفعول بانتبذت، باعتبار ما فيه من معنى الإتيان، أي: اعتزلت وأتَتْ مكانًا شرقيًا، أو ظرف له، أي: اعتزلت في مكان شرقي. و (بَشَراً) : حال. وجواب (إِنْ كُنْتَ) : محذوف، أي: إن كنت تقيًا فإني عائذة بالرحمن منك. و (بَغِيًّا) أصله: بغوي، على وزن فعول،

стр. 1545

فأدغمت الواو- بعد قلبها ياء- في الياء، وكسرت الغين للياء «١» ، و (لِنَجْعَلَهُ) : متعلق بمحذوف، أي: ولنجعله آية فعلنا ذلك، أو معطوف على محذوف، أي: لنُبين لهم كمال قدرتنا ولنجعله.. الخ. أو على جملة: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) لأنها في معنى العلة، أي: كذلك قال ربك لقدرتنا على ذلك ولنجعله.. الخ. يقول الحق ﷻ : وَاذْكُرْ يا محمد فِي الْكِتابِ : القرآن، والمراد هذه السورة الكريمة لأنها هي التي صُدرت بذكر زكريا، واستتبعت بذكر قصة مريم لما بينهما من الاشتباك. أي: اذكر في الكتاب نبأ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ حين اعتزلت مِنْ أَهْلِها وأتت مَكاناً شَرْقِيًّا من بيت المقدس، أو من دارها لتتخلى فيه للعبادة، ولذلك اتخذت النصارى المشرق قبلة. وقيل: قعدت في مشربة لتغتسل من الحيْض، محتجبة بشيء يسترها، وذلك قوله تعالى: فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً ، وكان موضعها المسجد، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، وإذا طهرت عادت إلى المسجد. فبينما هي تغتسل من الحيض، محتجبة دونهم، أتاها جبريل ﵇ في صورة آدمي، شاب أمرد، وضيء الوجه. قال تعالى: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا : جبريل ﵇، عبَّر عنه بذلك توفية للمقام حقه. وقرىء بفتح الراء لكونه سببًا لِمَا فيه روح العباد، يعني اتباعه والاهتداء به، الذي هو عدة المقربين في قوله: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ «٢» . فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا : سَويّ الخَلق، كامل البنية، لم يفقد من حِسان نعوت الآدمية شيئًا، وقيل: تمثل لها في صورة شاب تِرْبٍ «٣» لها، اسمه يوسف، مِنْ خدَم بيت المقدس، وإنما تمثل لها في تلك الصورة الجميلة لتستأنس به، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلامه تعالى إذ لو ظهر لها على صورة الملَكية، لنفرت منه ولم تستطع مقاومته. وأما ما قيل من أنَّ ذلك لتَهيج شهوتُها، فتنحدر نطفتها إلى رحمها، فغلط فاحش، ينحو إلى مذهب الفلاسفة، ولعلها نزعة مسروقة من مطالعة كتبهم، يُكذبه قوله تعالى: قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، فإنه شاهد عدل بأنه لم يخطر ببالها ميل إليه، فضلاً عن ما ذكر من الحالة المترتبة على أقصى مراتب الميل والشهوة. نعم يمكن أن يكون ظهر على ذلك الحُسن الفائق والجمال اللائق لابتلائها واختبار عِفّتها، ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه. وذِكْرُ عنوان الرحمانية للمبالغة في العِيَاذ به تعالى، واستجلاب آثار الرحمة الخاصة، التي هي العصمة مما دهمها. قاله أبو السعود. وقولها: إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا أي: تتقي الله فتُبَالى بالاستعاذة به.
следующие страницы →