← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

قلت: (وأُزلفت) : عطف على (ينفع) ، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق ﷻ ، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: وَأُزْلِفَتِ أي: قُّربت الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ: أُظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، لِلْغاوِينَ: للكافرين، وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ بدفع العذاب عنكم، أَوْ يَنْتَصِرُونَ بدفعه عن أنفسهم، يوبّخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وَقُودُ النار، كما قال تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها أي: أُلقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبّه: قَلَبَهُ وصرعه، كأكبه وكبكبه. هـ. أي: صُرِعُوا منكبين في الجحيم على وجوههم، هُمْ أي: آلهتهم وَالْغاوُونَ أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مُؤَخِّرُونَ عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غماً على غم، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أي: يكبكبون معهم أَجْمَعُونَ، وهم شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويُسَوِّلُونَ لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو: متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. قالُوا أي: العبدة وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ أي: قالوا معترفين بخطائهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين، فيجوز أن يُنطق الله الأصنامَ، حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، إِذْ نُسَوِّيكُمْ نَعْدِلُكُم بِرَبِّ الْعالَمِينَ فنعبدُكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسْويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ أي:

стр. 1962

رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سنَّ الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا «١» . وعن السُّدِّي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيّا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ. ثم قالوا: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء- ﵈ وغيرهم ممن أُهِّلَ للشفاعة. وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية. أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان لهم أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحّد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: (اسم لا معنى له) ، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عَبْدٌ فيُحاسَبُ، فتستوي حسناتُه وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرْضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدى بقيت لك حسنةٌ، إن كانت أدخلناك الجنةََ، انْظُرْ، وتَطَلَّبْ من الناس لعلَّ أحداً يهبها لَكَ. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحدٌ إلا بقوله: أنا اليومَ فقيرٌ إلى حسنةٍ واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحقُّ- سبحانه: ما جئتَ به؟ فيقول: يا ربِّ لم يُعْطِني أحد حسنةً، فيقول الله تعالى: عبدي.. ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبدُ، ويقول: فلان كان صديقاً لي فيك، فيأتيه ويدله الحق عليه، فيكلِّمه، فيقول: بل لي عباداتٌ كثيرة، فإن قَبِلَها الله مني فقد وهبتُها لك، فيُسَرُّ ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربَّه تعالى، فيقول: قد قَبِلتُها منه، ولم أنقص من حقِّه شيئاً، وقد غفرت لك وله- فهذا معناه. هـ. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفَّعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. هـ. ثم قالوا: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً أي: رجعة إلى الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وجواب لو التَّمْنِيَةِ: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ «لو» ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. إِنَّ فِي ذلِكَ أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، لَآيَةً عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدَّعون أنهم على ملة

стр. 1963

إبراهيم ﵇، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن مانتلوه عليهم وحْيٌ صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مُصِرُّون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن كانَ أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم. وبالله التوفيق. الإشارة: وأُزلفت جنة المعارف للمتقين السِّوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحِكَم: «لا يُخَافُ أن تلتبس الطرقُ عليك، إنما يُخَافُ من غلبة الهوى عليك» وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكُبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا- وهم في غم الحجاب ونار القطيعة يختصمون-: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيهات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليُصدِّقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح ﵇، فقال: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٠٥ الى ١٢٢] كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)

стр. 1964

قلت: اسم الجمع واسم الجنس يُذكر ويُؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق ﷻ : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ، وهو نوح بن لامَك. قيل: وُلد في زمن آدم ﵇، قاله النسفي، وإنما قال: الْمُرْسَلِينَ، والمراد: نوح فقط لأنَّ مَن كذَّب واحداً من الرسل فقد كذّب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يُراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وما له إلا فرس واحد وبُرد واحد. إِذْ قالَ لَهُمْ: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم أَخُوهُمْ نُوحٌ نسباً، لا ديناً، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية: بِلِسانِ قَوْمِهِ «١» : أَلا تَتَّقُونَ خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، كان مشهوراً بالأمانة عندهم، كحال نبينا ﷺ في قريش، ما كانوا يُسمونه إلا محمداً الأمين. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي: على ما أنا مُتصدٍ له من الدعاء والنصح، مِنْ أَجْرٍ أصلاً إِنْ أَجْرِيَ فيما أتولاه إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ لا أطمع في غيره، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه ﵇ عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ والحالة أنه قد تبعك الْأَرْذَلُونَ أي: الأرذلون جاهاً ومالاً، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة- جمع إسكاف- وهو الخَفَّافُ- أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ

стр. 1965

ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف مَنْ جَمَعَهَا، والأرذل مَنْ حُرمَها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عندَ الله جَنَاحَ بعُوضَةٍ، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف مَنْ فازَ بِه، وسكن في جوار الله، والأرذل من حُرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لَقِيَ من قومه، وقوله: وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم- في حُكم الله- هم المقدّمون الأكرمون، قال ﷺ : «نُصِرْتُ بضعفائكم» «١» ، إلخ كلامه. قالَ وَما عِلْمِي أي: وأيّ شيء علمي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان. وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعاً في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، لَوْ تَشْعُرُونَ بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعاً في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعاً عنه، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ وما علي إلا أن أُنذركم إنذاراً بيّناً بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ عما تقول لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يَزِدْهُم دعائي إِلاَّ فِراراً، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ من شرهم، أو من شؤم عملهم.

стр. 1966

فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ حسب دعائه فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ أي: بعد إنجائهم الْباقِينَ من قومه، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ليَعْلَمَ الكافةُ أنه من عَمِلَ له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيهٌ للعلماء- الذين هم ورثة الأنبياء- أن يتأدبوا بآدابهم، وألاّ يطلبوا من الناس شيئاً في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يَعِظُ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يَسْمعون منه، ولا للعلماءِ أيضاً بركةٌ فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينَهم بَعَرَضٍ يسيرٍ، ثم لا برضكة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. هـ. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفسٍ ولا طمعٍ ولا تكلفٍ. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود ﵇، فقال: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٢٣ الى ١٤٠] كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)

стр. 1967

يقول الحق ﷻ : كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ، وهي قبيلة، ولذلك أنَّث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نسباً، هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، وقد مر تفسيره، فَاتَّقُوا اللَّهَ في تكذيب الرسول الأمين، وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويُبعده من العقاب، وأنَّ الأنبياء- ﵈ مُجْمِعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبَّخهم بقوله: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. آيَةً علَماً للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاماً ليهتدوا بها عبثاً، وقيل: برج حمام، دليله: تَعْبَثُونَ أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ، مآخذ الماء، أو قصوراً مشيدة، أو حصوناً، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ما صنع وأتقن في بنيانه، لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. وَإِذا بَطَشْتُمْ بسوط او سيف، أو أخذتم أحداً لعقوبة بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظراً للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. فَاتَّقُوا اللَّهَ في البطش، وَأَطِيعُونِ فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصّلها بقوله: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. وَجَنَّاتٍ بساتين وَعُيُونٍ: أنهار خلال الجنات، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ «١» .

стр. 1968

قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ فإنّا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ بضم اللام «١» ، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألاَّ بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة مَنْ قَبْلَنَا، فنحن نقتدي بهم، وما نُعَذَّبُ على ذلك. وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خَلْقُنا هذا إلا كخلْقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ على ما نحن عليه من الأعمال. فَكَذَّبُوهُ أي: أصروا على تكذيبه، فَأَهْلَكْناهُمْ بسبب ذلك بريح صَرْصَرٍ، تقدم في الأعراف كيفيته «٢» ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ أي: قوم هود مُؤْمِنِينَ ما أسلم معه ثلاثمائة ألف ... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أَكْثَرُ قَوْمِكَ بمؤمنين بهذا، على أن كانَ: صلة. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر. هود ﵇ على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البُعد عن الله الأول: التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يُكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادةُ على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر آخر: «إذا علا العبد البناء فوق ستة أذْرُعٍ ناداه ملك: إلى أين يا أفْسَقَ الفاسِقينَ؟» «٣» . والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى ﵇: (لا تُكثِرُوا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلبَ القاسِيَ بعيدٌ من الله، ولكن لا تشعرون) . وفي الحديث عن نبينا ﷺ : «لا تنظُرُوا إلى عيوب الناس كأنكم أربابٌ، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عَبِيدٌ، فإنما الناس مُبْتَلى ومُعَافىً، فارحموا أهل البلاء وسلوا الله العافية» «٤» . وبالله التوفيق،

стр. 1969

ثم ذكر قصة صالح ﵇، فقال: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٤١ الى ١٥٩] كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) يقول الحق ﷻ : كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نسباً، صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ الله تعالى، فتوحدونه، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ: مشهور فيكم بالأمانة، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ، أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ أي: أتطمعون أن تتركوا فيما هاهنا من النعمة والتَّرَفُّهِ، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسّر ما هم فيه من النعمة بقوله: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ هو داخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفاً له. أو: في جنات بلا نخل، طَلْعُها هَضِيمٌ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقياً في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد

стр. 1970

أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضاً: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دَانٍ من الأرض، قريب التناول. وَتَنْحِتُونَ أي: تنقبون مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أَشِرينَ بَطِرِينَ. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الكافرين المجاوزين الحدّ في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالإسراف فى الكفر والمعاصي، وَلا يُصْلِحُونَ بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ الذين سحروا، حتى غَلَبَ على عقلهم السحر، ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعوى الرسالة، قالَ هذِهِ ناقَةٌ، قالها بعد ما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه ﵇، لَها شِرْبٌ نصيب من الماء، فلا تُزاحموها فيه، وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ لا تزاحمكم فيه. رُوي أنهم قالوا: نُريد ناقة عُشَرَاءَ، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سَقْباً- والسقب: ولد الناقة- فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل ﵇: صَلِّ ركعتين، وسَلْ رَبَّك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقباً مثلها في العِظم، وصدرها ستون ذراعاً- أي: طولها- وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، فَعَقَرُوها عَقَرَها «قَدَّار» ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به. رُوي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ على عقرها خوفاً من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحاً ليقتلوه لَمَّا أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين مُعَايَنَةِ العذاب. فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. رُوي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفاً، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي. قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماءٌ إلى أنه لو آمن أكثرهم أو:

стр. 1971

شطرهم لما أُخذوا بالعذاب، وأن قريشاً إنما عُصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن (كان) زائدةٌ يكون الضمير لقريش، كما تقدم. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. الإشارة: قوله: أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيِّس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلاً وربح كثيراً، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث: «الدُّنيا دَارُ مَن لا دَار لَه، وَمَالُ مَن لا مَالَ لَهُ، لَهَا يَجَمعُ مَن لاَ عَقل لَهُ، وعلَيها يُعَادى مَن لا علم عنده» «١» . ثم ذكر قصة لوط ﵇ فقال: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٦٠ الى ١٧٥] كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) يقول الحق ﷻ : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ... إلخ، وهو ظاهر، ثم قال: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ من الإناث. أو: ما خلق لكم لأجل

стр. 1972

استمتاعكم من الفروج، مِنْ أَزْواجِكُمْ، فَمِنْ للبيان، إن أريد ب «ما» : جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضاً بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضاً، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيماً. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ أي: متعدون، والعادي: المتعدي في ظُلْمِهِ، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقَّاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يُخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقِلَى: أَشَدُّ البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قالٍ، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ من عقوبة عملهم، فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ يعني: بناته، ومن آمن معه، إِلَّا عَجُوزاً هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه- ولو لم تكن مؤمنة- لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت فِي الْغابِرِينَ في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزاً غابرة، أي: مُقَدَّراً غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً أي: مطراً غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شُذّاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد- حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطراً من حجارة، فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ أي: قَبُحَ مَطَرُ المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب، الرَّحِيمُ حيث لم يُعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أُولِعَ فقيرٌ بمخالطتهما فأفلح أبداً، إن سلم من الفاحشة اتُّهِمَ بها، ولا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البُعد عن ساحتهن، إلا على وجهٍ أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غَضِّ البصر، أو حجابٍ بينه وبينهن، وبالله التوفيق.

стр. 1973

ثم ذكر قصة شعيب- ﵇ فقال: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٧٦ الى ١٩١] كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) يقول الحق ﷻ : كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب ﵇، وكان أجنبياً منهم، ولذلك قيل: إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين فإنه منهم، ولذلك قال: أَخاهُمْ شُعَيْباً «١» ، وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيباً إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحابَ الأيكة بالظُلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: «لَيْكَةِ» «٢» بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي «ص» «٣» باللام اتباعاً للفظ.

стр. 1974

إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ الله، فتوحدوه ولا تُطففوا، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي: التبليغ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ، أَوْفُوا الْكَيْلَ أي: أتموه وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ أي: حقوق الناس بالتطفيف، وَزِنُوا أشياءكم التي تبيعونها بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ السوي. والقسطاس- بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط- وهو العدل، وجعلت العين مكررة- فوزنه: فُعْلاَس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فُعْلاَلٌ. وقيل: عجمي. وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي: لا تنقصوا شيئاً من حقوقهم، أيّ حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فَتَرْكُهُ دَليلٌ على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهُوا عنه، يقال: عَثِيَ كفرح، وعثا يعثو، كنصر. وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ، وَخلق الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ، وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالةٍ على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود، حيث تركه فدل على معنى واحد، وهو كونه مسحوراً، وقرره بكونه بشراً. ثم قالوا: وَإِنْ نَظُنُّكَ «إن» : مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك لَمِنَ الْكاذِبِينَ فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ أي: قطعاً، جمع كِسْفة، وقرئ بالسكون. أي جزأ منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلاً عن أن يطلبوه. قالَ شعيب ﵇: رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدّر له لا محالة، فَكَذَّبُوهُ أي: فتمادوا على تكذيبه، وأَصروا عليه فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا بها برداً ونسيماً، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا جميعاً «١» . وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى

стр. 1975

السحابة صيح بهم فهلكوا. إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ قيل: آمن بشعيب من القِسْمَيْنِ- مدين والأيكة- تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. هذا آخر القصص السبع التي أُوحيت إلى رسول الله ﷺ لصرفه- ﵊ عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقاً لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ.. «١» ، إلخ، وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا ... «٢» الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهُم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ بعد ما سمعوها على التفصيل، قِصَّةً بعد قصةٍ، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه- ﵊ لم يسمع شيئاً من ذلك من أحدٍ أصلاً، فلم يفعلوا شيئاً من ذلك، واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يُخرجه حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيَّره، وإن كان فيه ضررٌ بادَرَ إلى محوه من قلبه، قبل أن يصيرهما أو عزماً. فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقيّة القرآن، فقال: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٩٢ الى ٢٠٣] وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)

стр. 1976

قلت: «آية» : خبر «كان» ، و «أَنْ يعلمه» : اسمها، ومن قرأ «آية» بالرفع فآية اسمها، وإِنَّ ... إلخ: خبر. أو: «كان» : تامة، و «آية» : فاعل، و «أن يعلمه» : بدل منه. يقول الحق ﷻ : وَإِنَّهُ أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. نَزَلَ بِهِ أي: أنزله الرُّوحُ الْأَمِينُ أي: جبريل ﵇، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به، أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلاً به. والباء للتعدية، نزل به عَلى قَلْبِكَ، أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا يُنْسَى، كقوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى «١» . لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ بلغة قريش وجُرْهُم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أَنْذَرُوا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل- ﵈ أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتُنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيراً في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. وَإِنَّهُ أي: القرآن لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات

стр. 1977

والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أنَّ القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآناً، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. هـ. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقاً، أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى: وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ «١» . والمعنى: أَوَ لَمْ يكفهم دليلاً على كون القرآن من عند الله عَلِم أَحْبَارِ بني إسرائيل به، ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: «وجاءوا على قميصه بدم كذب» عندهم فى التوراة: وجاءوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جُلهَا في التوراة. وقد تقدم الحديث: «أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى» «٢» . وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ قراءة صحيحة، خارقد للعادة، ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنّا أنزلنا هذا القرآنُ على رَجُل عربيٍّ مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنّه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمّنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسمّوه شعراً تارة، وسحراً أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلاً أن يقدر على نظم مثله، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ هكذا معجزاً، لكفروا به، ولتمحّلوا لجحودهم عذراً، ولسموه: سحراً. هـ. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر. وأصل الأعجمين: الأعجميين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. كَذلِكَ سَلَكْناهُ أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ، فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السَّلْكِ الغريب سلكناه فى

стр. 1978

قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: لا يُؤْمِنُونَ: توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالاً، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حَيْثُ النَّظْم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فجأة في الدنيا والآخرة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بإتيانه، فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ مُؤَخَّرُون ساعة. قالوه تَحَسُّراً على ما فات من الإيمان، وتمنياً للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مَهْبِطاً لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلاً لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شِرْبٌ ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يُفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقاً لما في زُبُر الأولين، وإن كان أمياً لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد ﷺ محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه- ﵊ صَدَف لآلِئَ خطابِ الحق، يسْبَح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل- ﵇ في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ ... لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلاً للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزله جبريل جعله للخلق، فقال: لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق،

стр. 1979

فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقامٍ لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. هـ. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٢٠٤ الى ٢٠٩] أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩) يقول الحق ﷻ توبيخاً لمن اقترح نزول العذاب، كقولهم: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «١» : أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ مع كونهم لا يطيقونه إذا نزل بهم؟ وتقديم الجار للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ هو كون المُسْتَعْجَلِ به عذابَه، مع ما فيه من رعاية الفواصل. أَفَرَأَيْتَ أي: أخبرني. ولما كانت الرؤية من أقوى أسباب الإخبار بالشيء وأشهرها شاع استعمال «أرأيت» في معنى أخبرني. والخطاب لكل من يسمع، أي: أخبرني أيها السامع: إِنْ مَتَّعْناهُمْ إن متعنا هؤلاء الكفرة سِنِينَ متطاولة بطول الأعمار وطيب المعاش، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ من العذاب، ما أَغْنى عَنْهُمْ أي: أىّ شىء، أو أيُّ إغناء أغنى عنهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ أي: كونهم متمتعين ذلك التمتع المديد، أيُّ شيء أغنى في دفع العذاب، و (ما) : مصدرية، أو: ما كانوا يتمتعون به من متاع الحياة الدنيا، على أنها موصولة، حذف عائدها، وأيا ما كان فالاستفهام للإنكار والنفي. وقيل: (ما) : نافية، أي: لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب. والأول أرجح. وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ من القرى المهلكةَ، إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ قد أنذروا أهلها لتقوم الحجة عليهم، ذِكْرى أي: تذكرة، وهو مصدر منذرون لأن أنذر وذكر متقاربان، كأنه قيل: لها مُذكرون تذكرة. أو مفعول له، أي: ينذرونهم لأجل التذكرة والموعظة، أو خبر، أي: هذه ذكرى، أو يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولاً له، والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة، بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصون مثل عصيانهم، وَما كُنَّا ظالِمِينَ فنهلك قوماً غير ظالمين، أو قبل

стр. 1980

إنذارهم. والتعبير عن ذلك بنفي الظالمية مع أن إهلاكهم قبل الإنذار ليس بظلم إذ لا يجب عليه تعالى شيء- كما تقرر من قاعدة أهل السنة- لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك، وتحقيقاً لكمال عدله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق ﷻ ، في جانب أهل البطالة والغفلة: أفرأيت إن متعناهم سنين بالأموال والنساء والبنين، فاشتغلوا بجمع الأموال والدثور، وبناء الغرف وتشييد القصور، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون من الموت، والرحيل من الأوطان، ومفارقة الأحباب والعشائر والإخوان، أيُّ شيء أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون به، من لذيذ المآكل والمشارب، ومفاخر الملابس والمراكب، هيهات هيهات، قد انقطعت اللذات، وفنيت الشهوات، وما بقي إلا الحسرات، فتأمل أيها العبد فيما مضى من عمرك، فما بقي في يدك منه إلا ما كان في طاعة مولاك، من ذكرٍ، أو تلاوةٍ، أو صلاةٍ، أو صيام، أو علم نافع، أو تعليم، أو فكرة، أو شهود، وما سوى ذلك بطالة وخسران، فالوقت الذي تصرفه في طاعة مولاك ذخائره موجودة، وكنوز مَذْخُورة، والوقت الذي تصرفه في هوى نفسك ضائع، تجد حسرته يوم القيامة، ففي الحديث: «ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مضت لهم، لم يذكروا الله تعالى فيها» «١» قال يحيى بن معاذ: أشدُّ الناس عذاباً يومَ القيامة من اغتر بحياته والْتَذَّ بمراداته، وسكن إلى مألوفاته، والله تعالى يقول: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ... الآية. وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن في الطواف، وكان يتمنى لقاءه، فقال له: عِظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال: لقد وَعظت فأبلغت. وعن عمر ابن عبد العزيز ﵁: أنه كان يقرؤها عند جلوسه ليحكم بين الناس. هـ. وبالله التوفيق. ثم تمم قوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، بقوله: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٢١٠ الى ٢١٣] وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) يقول الحق ﷻ : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ بالقرآن، الشَّياطِينُ، رداً لما يزعمه الكفرة من أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة، بعد تحقيق الحق فيه، ببيان أنه نَزَلَ به الروح الأمين. وَما يَنْبَغِي لَهُمْ أي: وما يصح وما يستقيم لهم ذلك، وَما يَسْتَطِيعُونَ إنزاله أصلاً، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ أي: عن استراقة السمع من الملائكة لَمَعْزُولُونَ لممنوعون بالشهب، أو: لانتفاء المشاركة بينهم وبين الملائكة في قبول الاستعداد لفيضان أنوار الحق، والانتعاش بأنوار العلوم الربانية والمعارف القدسية لأن نفوس الشياطين خبيثة

стр. 1981

ظلمانية شريرة، ليست مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه، من فنون الشرور، فمن أين لهم أن يحوموا حول القرآن الكريم، المنطوي على الحقائق الرائقة الغيبية، التي لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة الكرام- ﵈؟. فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ كما هو شأن الأنفس الخبيثة الشيطانية، فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ، تهديد لغيره على سبيل التعريض، وتحريك له على زيادة الإخلاص، وتنبيه لسائر المكلفين على أن الإشراك بلغ من القبح والسوء، بحيث يُنهي عنه مَن لا يمكن صدوره منه، فكيف بمن عداه. والله تعالى أعلم. الإشارة: وحي الإلهام الذي يتنزل على القلوب الصافية من الأغيار، كوحي الأحكام، ما تتنزل به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون لأنه ممنوعون من قلوب العارفين لِمَا احتفت به من الأنوار، وما صانها من الأسرار، أعني أنوار التوحيد وأسرار التفريد. وقال في لطائف المنن: إذا كان الحق تعالى حرس السماء من الشياطين بالشُهب، فقلوب أوليائه أولى بأن يحرسها من الأغيار. هـ. بالمعنى. فلا تدع مع الله إلها آخر، وهو ما سوى الله، فتكون من المعذبين بوساوس الشياطين والخواطر والشكوك لأن القلب إذا مال إلى غير الله سلط الله عليه الشيطان، فيكون ذلك القلب جراباً للشيطان، يحشو فيه ما يشاء. والعياذ بالله. ثم أمر نبيه بالإنذار والتذكير، فقال: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٢١٤ الى ٢٢٠] وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) يقول الحق ﷻ : وَأَنْذِرْ يا محمد عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، إنما خصهم بالذكر لئلا يتكلوا على النسب، فَيَدَعُوا ما يجب عليهم، لأن من الواجبات ما لا يشفع فيها، بقوله في تارك الزكاة وقد استغاث به: «لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله شيئاً» ، وفي الغالِّ كذلك. وقيل: إنما خصهم لنفي التهمة إذ الإنسان يساهل قرابته، وليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئاً إذ النجاة في اتباعه، لا في قربه منهم. ولما نزلت صعد النبي ﷺ الصَّفا، ونادى الأقربَ فالأقرب، وقال: «يا بَني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بنى عبد مناف، يا عباسُ- عم النبي ﷺ يا صفيَّةُ- عمَّة النبي ﷺ لا أملك لكم من الله شيئاً» «١» . وقال ابن عباس

стр. 1982

رضي الله عنه: صعد النبي ﷺ الصَّفا، ونادى: «يا صباحَاه» : فاجتمع الناس، فقال ﷺ : «يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، إنْ أخبرتُكم أن خَيْلاً بسَفْح هذا الجَبَل، تريد أن تُغير عليكم، صدقتُموني؟ قالوا: نَعَمْ. قال: فإني نذير لكم بين يَدَيْ عَذَاب شديدٍ. فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ما جمعتنا إلا لهذا» ؟ فنزلت: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ «١» . ثم قال: وَاخْفِضْ جَناحَكَ أي: وألن جانبك وتواضعْ، وأصله: أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض الجناح مثلاً في التواضع ولين الجانب. ويكون ذلك التواضع لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ من قرابتك وغيرهم. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ أي: أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم، ومن أعمالهم من الشرك وغيره. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أي: على الذي يقهر أعداءك بعزته، وينصرك عليهم برحمته، فإنه يكفيك شر من يعاديك. الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ للتهجد، وَيرى تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ في المصلين. أتبع كونه رحيماً برسوله ما هو من أسباب الرحمة، وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل، من قيامه للتهجد، وتقلبه في تصفح أحوال المُتَهَجِّدِينَ، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون. وقيل: معناه: ويراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة، وتقلبك في الساجدين: تصرفه فيما بينهم، بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم. وعن مقاتل: أنه سأل أبا حنيفة: هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن؟ فقال: لا يحضرني، فتلا له هذه الآية. وقيل: تقلبه في أصلاب الرجال. وروى عنه ﷺ في الآية أنه قال: «من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبياً» «٢» . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لِمَا تقول، الْعَلِيمُ بما تنويه وتعمله. هَوَّنَ عليه مشاقّ العبادة، حيث أخبره برؤيته له، إذ لا مشقّة على من يعْلَم أنه يعمل بمرأى من مولاه، وهو كقوله في الحديث القدسي: «بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي» . والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لمن أُهِّلَ للوعظ والتذكير أن يبدأ بالأقرب فالأقرب، ولو علم أنه لا ينتفع به إلا النزر القليل. فمن تبعه على مذهبه فَلْيُلِنْ له جانبه وليتواضع له، ومن أعرض عنه واشتغل بهواه فليتبرأ من فعله، ولا ينساه من نصحه، ولذلك قال تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ، ولم يقل: «منكم» ، وهذا مذهب الجمهور،

стр. 1983

وأن الأخ إذا زلّ إنما يُبغض عمله فقط. وعن بعض الصحابة- وقد قيل له في أخيه، فقال: إنما أبغض عمله، وإلا فهو أخي، وذُكر مثل ذلك عن أبي الدرداء. وأن الأخ في الله لا يُبغض لزلته، ولا يترك لشيء من الأشياء، وإنما يبغض عمله، ووافقه على ذلك سلمان، وتابعهما عمر، وخالف في ذلك أبو ذر، فقال: إذا وقعت المخالفة، وانقلب عما كان عليه، فَأَبْغِضْهُ مِنْ حَيْثُ أحببتَهُ. قال صاحب القوت: وأبو ذر صاحب شدائد وعزائم، وهذا من عزائمه وشدائده. هـ. وهذا في المؤمن بدليل قول أبي الدرداء: الأخ في الله لا يبغض لزلة. وأما الكافر فصريح آياته: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ «١» ، ونحوها. وحديث ابن عمر وتبرئه من نفاة القدر- كما في مسلم- موجب للبراءة، وليس لكون حكم الأصول أشد من الفروع. وذكر في الإحياء تأكيد الإعراض عمن يتعدى أذاه لغيره بظلم، أو غصب، أو غيبة، أو نميمة، أو شهادة زور لأن المعصية شديدة فيما يرجع لأذى الخلق. هـ من الحاشية. قوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، قيل: التوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره، وهو الله وحده، والمتوكل من إذا دهمه أمرٌ لم يحاولْ دفعه عن نفسه بما هو معصية. وقال الجنيد ﵁: التوكل أن تقبل بالكلية على ربك، وتُعرض بالكلية عمن دونه فإنَّ حاجتك إنما هي إليه في الدارين. هـ. قال القشيري: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ من أصحابك، ويقال: تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين، الذين عرفوا الله، فسجدوا له، دون من لم يعرفه. هـ. وفي القوت: قيل: وتقلبك في أصلاب الأنبياء- ﵈، يقلبك في صلب نبي بعد نبي، حتى أخرجك من ذرية أسماعيل، وروينا معنى ذلك عن رسول الله ﷺ ، والحاصل: أنه من ذرية الأنبياء والمؤمنين الساجدين في الجملة، ولا يقتضي كل فرد من الأفراد. هـ. ثم كمل قوله: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، فقال: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٢٢١ الى ٢٢٧] هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)

стр. 1984

قلت: «أيَّ منقلب» : مفعول مطلق لينقلبون، والأصل: ينقلبون أيّ انقلاب، وليست «أيا» : مفعول «يعلم» لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وجملة: «ينقلبون» : مُعَلَّقٌ عنها العامل، فهى في محل نصب على قاعدة التعليق، فإنه في اللفظ دون المحل. يقول الحق ﷻ : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أي: أخبركم أيها المشركون عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ، ودخل حرف الجار على «من» الاستفهامية لأنها ليست للاستفهام بالأصالة. ثم أخبرهم، فقال: تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ: كثير الإفك، وهو الكذب، أَثِيمٍ كثير الإثم، وهم الكهنة والمتنبئة، كشق وسطيح ومسيلمة. وحيث كانت حالة رسول الله ﷺ منزهة أن يحوم حولها شيء من ذلك، اتضح استحالة تنزلهم عليه ﷺ . يُلْقُونَ السَّمْعَ وهم الشياطين، كانوا، قبل أن يُحجبوا بالرجم، يلقون أسْماعهم إلى الملأ الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به، مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يُوحون به إلى أوليائهم. وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ فيما يوحون به إليهم لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وفي الحديث: «إنهم يخلطون مع ما سمعوا مائة كذبةٍ» «١» ، فلذلك يُخطئون ويصيبون، وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع، أي: المسموع من الملائكة. وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين، ثم يبلغون ما يسمعون منهم إلى الناس، وَأَكْثَرُهُمْ أي: الأفاكون كاذِبُونَ: مفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم. والأفّاك: الذي يكثر الإفك، ولا يدلّ على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قلَّ من يصْدُق منهم فيما يحكيه عن الجِنَّةِ. ولما ذكر الكهنة ذكر الشعراء وحالهم لينبه على بُعد كلامهم من كلام القرآن، فينتفي كونه كهانة وشعراً، كما قيل فيه، فقال: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ: مبتدأ وخبر، أي: لا يتبعهم على باطلهم إلا الغاوون، فإنهم يصغون إلى باطلهم وكذبهم، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، ومدح من لا يستحق المدح، وهجاء من لا يستحق الهجو، ولا يستحسن ذلك منهم إلا الْغاوُونَ، أي: السفهاء، أو الضالون عن طريق الرشد، الحائرون فيما يفعلون ويذرون، لا يستمرون على وتيرة واحدة فيما يقولون ويفعلون، بخلاف غيرهم من أهل الرشد، المهتدون إلى طريق الحق، الثابتين عليه.

стр. 1985

أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ أي: الشعراء فِي كُلِّ وادٍ من الكلام يَهِيمُونَ، أو: في كل فن من الإفك يتحدثون، أو: في كل لغو وباطل يخوضون. والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له، وهو تمثيل لذهابهم في كل شِعْبٍ من القول، وهو استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، للقصد إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا تختص به رؤية راء دون الآخر، أي: ألم تر أن الشعراء في كل وادٍ من أودية القيل والقال، وفي كل شِعْبٍ من الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال، يهيمون. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ من الأفاعيل، غير مبالين بما يستتبعه من اللوم، فكيف يتوهم أن ينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن تحوم حوله شائبةُ الاتصافِ بشيء من الأمور المذكورة، واتصف بمحاسن الصفات الجليلة، والأخلاق الحميدة، مستقراً على المنهاج القويم، مستمراً على الصراط المستقيم، ناطقاً بكل أمر رشيد، داعياً إِلى صراط العزيز الحميد، مؤيداً بمعجزة قاهرة، وآيات ظاهرة، مشحونة بفنون من الحِكَم الباهرة، وصنوف المعارف الزاخرة، مستقل بنظم رائق، أعجز كل مِنْطِيقٍ ماهر، وبكت كل مُفْلِقٍ ساحر. هذا وقد قيل في تنزيهه ﷺ عن أن يكون من الشعراء: أن أتباع الشعراء الغاوون، وأتباع محمد ﷺ ليسوا كذلك، ولا ريب في أنَّ تعليل عدم كونه ﷺ منهم بكون أتباعه ﷺ غير غاوين مما لا يليق بشأنه العلي. هـ. قاله أبو السعود. ثم استثنى الشعراء المؤمنين، فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كعبد الله بن رواحة، وحسّان، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك. وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً أي: كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا الشعر قالوا في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والأدب، ومدح الرسول ﷺ والأولياء. وأحق الخلق بالهجاء من كَذَّبَ رسولَ الله ﷺ وهجاه. وعن كعب بن مالك: أن رسول ﷺ قال: «اهجهم، فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُو أشدُّ عَلَيْهِمْ مِن رَشْقِ النَّبْلِ» «١» ، وكان يقول لحسّان: «قل، وروح القدس معك» «٢» .

стр. 1986

وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا أي: ردوا على المشركين، الذين هجوا النبي ﷺ والمؤمنين. وروي أنه لمّا نزلت الآية: جاء حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، يبكون، فقالوا: يا رسول الله: أنزل الله تعالى هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء؟ فقال: «اقرءوا ما بعدها: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا.. هم أنتم وانتصروا، هم أنتم» » . ومرَّ عمر ﵁ وحسان ﵁ ينشد الشعر في المسجد، فَلَحَظَ إليه، فقال: كنتُ أُنْشِدُ فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أَنْشُدُكَ بالله، أسمعت النبي ﷺ يقول: «أجبْ عني، اللهم أيِّدْه بروح القدس» قال: اللهم نعم «١» . وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ أي مرجع يرجعون إليه، وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد لما في سَيَعْلَمُ من تهويل متعلقة، وفي الَّذِينَ ظَلَمُوا من الإطلاق والتعميم. وفي أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ من الإيهام والتهويل. وتلاها أبو بكر لعمر ﵁ حين عهد إليه، وكان السلف يتواعظون بها. والمعنى: سيعلم أهل الظلم ما تكون عاقبتهم، حين يقدمون عليَّ، وأيَّ منقلب ينقلبون، حين يفدون إليّ. اللهم ثبت أقدامنا على المنهاج القويم، حتى نلقاك يا أرحم الراحمين. الإشارة: هل أنبئكم على قَلْبِ مَنْ تَنَزَّلَتْ الشياطينُ، وسكنت فيه، تنزل على قلب كل أفاك أثيم، خارب من النور، محشو بالوسواس والخواطر، يلقون السمع إلى هرج الدنيا وأخبارها، وهو سبب فتنتها فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا وأهلها، سكن فيه النور وتأنس بالله، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها سكنت فيه الظلمة، وتأنس بالخلق، وغاب عن الحق. ولذلك قيل: ينبغي للمؤمن أن يكون كالفكرون إذا كان وحده انبسط، وإذا رأى أحداً أدخل رأسه معه. وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب، وإليه الإشارة بقوله: وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ، ومن جملة ما يفسد القلب: تولهه بالشعر، وفي الحديث: «لأن يمتلئ جوفُ أحدِكُم قَيْحَاً خيرٌ له من أن يمتلئ شِعْراً» «٢» . أو كما قال ﷺ ، إلا من كان شعره في توحيد الله، أو في الطريق، كالزهد في الدنيا، والترهيب من الركون إليها، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة، والافتنان بملاذها الفانية، وغير ذلك، أو في مدح النبي ﷺ ، والمشايخ الموصلين إليه تعالى، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر الله.

стр. 1987

وقوله تعالى: وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا، أي: جاروا على نفوسهم بعد ما جارت عليهم، وقهروها بعد ما قَهَرَتْهُمْ. وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ قال ابن عطاء: سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. هـ. وفي الحكم: «ماذا فقد مَن وجدك، وما الذي وجد من فَقَدَكَ؟ لقد خاب مَنْ رَضِي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك مُتحولاً، كيف يُرْجَى سِوَاك وأنت ما قَطَعْتَ الإحسانَ، أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان؟» «١» وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

стр. 1988

سورة النّمل مكية. وهى ثلاث وتسعون آية. وقيل: أقل. ومناسبتها لما قبلها: قوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ «١» إلى ما قرره من نفى تنزل الشياطين به، مع ما افتتح به السورة، من الإشارة إليه بقوله: تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ. ثم افتتح السورة برموز بينه وبين حبيبه، على عادته، فقال: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) يقول الحق ﷻ : طس أي: يا طاهر يا سيد. قال ابن عباس: «هو اسم من أسماء الله تعالى» «٢» ، أقسم به أن هذه السورة آياتها القرآن وكتاب مبين. قلت: ولعلها مختصرة من اسمه «اللطيف والسميع» . وقيل: إشارة إلى طهارة سر حبيبه. تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ، الإشارة إلى نفس السورة، وما في معنى الإشارة من معنى البُعد، مع قرب العهد بالمشار إليه، للإيذان ببُعد منزلته في الفضل والشرف، أي: تلك السورة الكريمة التي نتلوها عليك هي آيات القرآن، المعروف بعلو الشأن. وَآيات كِتابٍ عظيم الشأن مُبِينٍ مظهر بما في تضاعيفه من الحِكَم، والأحكام، وأحوال الآخرة، أو: مبين: مُفرق بين الرشد والغي، والحلال والحرام، أو: ظاهر الإعجاز، على أنه من: أبان، بمعنى بان، وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى، نحو: هذا فعل السخي والجواد. ونكّر الكتاب ليكون أفخم له. وقيل: إنما نكّر الكتاب وعرّفه في الحِجْر «٣» ، وعرّف القرآن ونكره في الحِجْر لأن القرآن والكتاب اسمان علمان على المنزّل على محمد ﷺ ، ووصفان له لأنه يُقرأ ويكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف. قاله النسفي.

стр. 1989

وما قيل من أن الكتاب هو اللوح المحفوظ، وإبانته أنه خُطَّ فيه ما هو كائن، لا يساعده إضافة الآيات إليه. والوصف بالهداية والبشارة في قوله: هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي: حال كون تلك الآيات هادية ومبشرة للمؤمنين، فهما منصوبان على الحال، من الآيات، على أنهما مصدران بمعنى الفاعل للمبالغة، كأنهما نفس الهداية والبشارة، والعامل فيها ما في «تلك» من معنى الإشارة، أو: خبر، أي: هي هدى وبشرى للمؤمنين خاصة إذ لا هداية لغيرهم بها. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يُديمون على إقامة فرائضها وسننها، ويحافظون على خشوعها وإتقانها، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي: يؤدون زكاة أموالهم، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ حق الإيقان. إما من جملة الموصول، وإما استئناف، كأنه قيل: هؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة حق الإيقان، لا من عداهم لأن من تحمل مشاق العبادات، إنما يكون لخوف العقاب، ورجاء الثواب، أولاً، ثم عبودية آخراً، لمن كمل إخلاصه. ثم ذكر ضدهم، فقال: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي: لا يُصدّقون بها، وبما فيها من الثواب والعقاب، زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ الخبيثة، حيث جعلناها مشتهية للطبع، محبوبة للنفس، حتى رأوها حسنة، كقوله: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً «١» ، فَهُمْ يَعْمَهُونَ يترددون في ضلالتهم. كما يكون حال الضال عن الطريق. أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ في الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ أشدّ الناس خسراناً لأنهم لو آمنوا لكانوا من أكرم الناس، شهداء على جميع الأمم يوم القيامة، فخسروا ذلك مع خسران ثواب الله والنظر إليه. عائذاً بالله من جميع ذلك. الإشارة: طس: طهر سرك أيها الإنسان، لتكون من أهل العيان، طهر سرك من الأغيار لتشاهد سر الأسرار، وحينئذٍ تذوق أسرار القرآن والكتاب المبين، وتصير هداية وبشارة للمؤمنين. فإنَّ من قرأ القرآن وعمل به فقد أدرج النبوة بين كتفيه، كما في الخبر «٢» . ثم ذكر من امتلأ قلبه بالأكدار فقال: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ.. إلخ، قال القشيري: أغشيناهم فهم لا يُبصِرون، وعَمَّيْنَا عليهم المسالك، فهم عن الطريقة المُثْلَى يَصدون. أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون، وفي حيرتهم يترددون. أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ هو أن يجد الألم ولا يجد شهود المُبْتَلِي «٣» ، ولو وجدوه تحمل عنهم ثِقَله، بخلاف المؤمنين. هـ.

стр. 1990

ثم ذكر الحق تعالى كيفية نزول القرآن، الذي تقدم ذكره، فقال: [سورة النمل (٢٧) : آية ٦] وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) قلت: (تُلَقَّى) : مبني للمفعول. والفاعل هو الله لدلالة ما تقدم عليه، من قوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. و (لقى) : يتعدى إلى واحد، وبالتضعيف إلى اثنين. وكأنه كان غائباً فلقيه، فالمفعول الأول صار نائباً. و «القرآن» : مفعول ثان، أي: وإنك ليلقيك الله القرآن. يقول الحق ﷻ : وَإِنَّكَ يا محمد لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ أي: لتؤتاه بطريق التلقية والتلقين مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ أي: من عند أيّ حكيم وأيّ عليم، فالتنكير للتفخيم. وفي تفخيمه تفخيم لشأن القرآن. وتنصيص على علو طبقته- ﵊ في معرفته، والإحاطة بما فيه من العلوم والحِكَم والأسرار، فإن من تلقى العلوم والحِكَم من الحكيم العليم يكون عَلَماً في إتقان العلوم والحِكَم. والجمع بينهما مع دخول العلم في الحكمة لعموم العلم، ودلالة الحكمة على إتقان الفعل، والإشعار بأن ما في القرآن من العلوم، منها ما هو حكمة، كالعقائد والشرائع، ومنها ما ليس كذلك، كالقصص والأخبار الغيبية. قاله أبو السعود. قال ابن عطية: في الآية رد على كفار قريش في قولهم: القرآن من تلقاء محمد. وقال القرطبي: الآية تمهيد لما يريد أن يسوق من الأقاصيص، وما في ذلك من لطائف حكمته ودقائق علمه، ومن آثار ذلك: قصة موسى إذ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ ... إلخ. هـ. الإشارة: قال أبو بكر بن طاهر: وإنك لَتُلَقَّى القرآن من الحق حقيقية، وإن كنت تأخذه في الظاهر عن واسطة جبريل ﵇. قال تعالى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ «١» هـ. قلت: العارفون بالله لا يسمعون القرآن إلا من لدن حكيم عليم، بلا واسطة، الواسطة محذوفة في نظرهم، فهم يسمعون مِن الله إلى الله، ويقرأون بالله على الله، كما قال القائل: أنا بالله أنطق، ومن الله أسمع. ومما يحقق لك حذف الواسطة: قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ «٢» وسمعت شيخى البوزيدى ﵁، يقول: لا يكون الإنسان من الراسخين في العلم حتى يقرأ كله وهو مجموع فيه، أي: يقرأ بالله ويسمعه من الله. والله تعالى أعلم.

стр. 1991

ثم شرع فى قصص الأنبياء، تسلية لرسوله ﷺ ، فقال: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧ الى ١١] إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) يقول الحق ﷻ : واذكر إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ زوجته ومن معه، عند مسيره من مدْين إلى مصر: إِنِّي آنَسْتُ أي: أبصرت نارا، سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ عن حال الطريق التي ضل عنها. والسين للدلالة على نوع بُعد في المسافة، وتأكيد الوعد. أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ «١» قَبَسٍ أي: شعلة نار مقبوسة، أي: مأخوذة. ومن نوّن فبدل، أو صفة، وعلى القراءتين فالمراد: تعيين المقصود الذي هو القبس، الجامع لمنفعتي الضياء والاصطلاء لأن من النار ما ليس بقبس، كالجمرة. وكلتا العِدتين منه ﵇ بطريق الظن، كما يُفصح عن ذلك ما في سورة طه، من صيغتي الترجي والترديد «٢» لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه التخلف. وأتى بأو لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه معاً لم يعدم واحدة منهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ولم يدر أنه ظافر بحاجته الكبرى، وهي عزّ الدنيا والآخرة. واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين، والقصة واحدة، دليل على نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج. قاله النسفي. لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ تستدفئون بالنار من البرد إذا أصابكم. فَلَمَّا جاءَها أي: النار التي أبصرها نُودِيَ من جانب الطور أَنْ بُورِكَ، على أنّ «أنْ» مفسرة لما في النداء من معنى القول. أو: بأن بورك، على أنها مصدرية، وقيل: مخففة، ولا ضرر في فُقدان الفصل ب «لا» ،

стр. 1992

أو قد، أو السين، أو سوف لأن الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام، أي: إنه، أي: الأمر والشأن بُورِكَ أي: قدّس، أو: جعل فيه البركة والخير، مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها أي: من في مكان النار، وهم الملائكة، وَمَنْ حَوْلَها أي: موسى ﵇، بإنزال الوحي عليه، الذي فيه خير الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس والحسن: (بورك من في النار أي: قُدِّس من في النار، وهو الله تعالى) «١» أي: نوره وسره، الذي قامت به الأشياء، من باب قيام المعاني بالأواني، أو: من قيام أسرار الذات بالأشياء، بمعنى أنه نادى موسى منها وسمع كلامه من جهتها، ثم نزّه- سبحانه- ذاته المقدسة عن الحلول والاتحاد، فقال: وَسُبْحانَ اللَّهِ أي: تنزيهاً له عن الحلول في شيء، وهو رَبِّ الْعالَمِينَ. ثم فسر نداءه، فقال: يا مُوسى إِنَّهُ أي: الأمر والشأن أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أو: إنه، أي: مكلمك، الله العزيز الحكيم، وهو تمهيد لِما أراد أن يظهر على يديه من المعجزات. وَأَلْقِ عَصاكَ لتعلم معجزتها، فتأنس بها، وهو عطف على (بُورك) أي: نودي أن بورك وأنْ ألق عصاك. والمعنى: قيل له: بورك من في النار، وقيل له: أَلقِ عصاك، فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك يميناً وشمالاً، كَأَنَّها جَانٌّ حية صغيرة وَلَّى موسى مُدْبِراً أي: أدبر عنها، وجعلها تلي ظهره، خوفاً من وثوب الحية عليه، وَلَمْ يُعَقِّبْ لم يرجع على عقبيه، من: عقّب المقاتل: إذا كرّ بعد الفر. والخوف من الشيء المكروه أمر طبيعي، لا يتخلف، وليس في طوق البشر. قال له تعالى: يا مُوسى لا تَخَفْ من غيري، ثقة بي، أو: لا تخف مطلقاً إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ أي: لا يخاف المرسلون عند خطابي إياهم، فإنهم مستغرقون في شهود الحق، لا يخطر ببالهم خوف ولا غيره. وأما في غير أحوال الوحي فهم أشد الناس خوفاً منه سبحانه، أو: لا يخافون من غيري، لأنهم لديَّ في حفظي ورعايتي. إِلَّا مَنْ ظَلَمَ أي: لكن من ظلَم مِن غيرهم لأن الأنبياء لا يَظلمون قط، فهو استثناء منقطع، استدرك به ما عسى يختلج في العقل، من نفي الخوف عن كلهم، مع أن منهم من فرطت منه صغيرة مما يجوز صدوره عن الأنبياء- ﵈ كما فرط من آدم، وموسى، وداود، وسليمان- ﵈ فحسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد قصد به التعريض بما وقع من موسى- ﵇ من وكزه القبطيّ. وسماها ظلماً، كقوله ﵇ في سورة القصص: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ «٢» .

стр. 1993

قال في الحاشية الفاسية: والظاهر في الاستثناء كونه متصلاً، وأطلق الظلم باعتبار منصب النبوة، وإشفاقهم مما لا يشفق منه غيرهم، كما اتفق لموسى في مدافعة القبطي عن الإسرائيلي، مع أن إغاثة المظلوم مشروعة عموماً، ولكن لَمَّا لم يُؤذَن له خصوصاً عُد ذلك ظلماً وذنباً. وأما ما سرى من القتل فلم يقصده، وإنما اتفق من غير قصد. هـ. قوله: ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ أي: أتبع زلته حسنة محلها، كالتوبة وشبهها، فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ أقبل توبته، وأغفر حوبته، وأرحمه، فأحقق أمنيّة. والله تعالى أعلم. الإشارة: تقدم بعض إشارة الآية في سورة طه «١» . وقوله تعالى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ... تقدم قول ابن عباس وغيره: أن المراد بمن في النار: نور الحق تعالى. قال بعض العلماء: كانت النار نوره تعالى، وإنما ذكره بلفظ النار لأن موسى حسبه ناراً، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. هـ. ومنه حديث: «حجُابه النَّارُ، لَوْ كَشَفَهُ لأحْرَقَتْ سُبحات وجهه كلَّ شيء ادركه بصره» «٢» ، أي: حجابه النور الذي تجلى به في مظاهر خلقه، فالأواني حجب للمعانى، والمعاني هى أنوار الملكوت، الساترة لأسرار الجبروت، السارية في الأشياء. وقال سعيد بن جبير: (هي النار بعينها) «٣» ، وهي إحدى حجب الله تعالى. ثم استدل بالحديث: «حجابة النار» ومعنى كلامه: أن الله تعالى احتجت في مظاهر تجلياته، وهي كثيرة، ومن جملتها النار، فهي إحدى الحجب التي احتجب الحق تعالى بها، وإليه أشار ابن وفا بقوله: هو النورُ المحيط بكل كَون ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء في الذات، العارفون بالله، وحسْب مَن لم يَبلُغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه، وإلا وقع الإنكار على أولياء الله بالجهل، والعياذ بالله.

стр. 1994

ثم ذكر معجزة اليد، فقال: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ١٢ الى ١٤] وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) يقول الحق ﷻ : وَأَدْخِلْ يَدَكَ يا موسى فِي جَيْبِكَ في جيب قميصك. والجيب: الفتح في الثوب لرأس الإنسان. قال الثعلبي: إنما أمره بذلك لأنه كان عليه مدرعة صوف، لا كُم لها. تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ من غير آفة، كَبَرَصٍ ونحوه، فِي تِسْعِ آياتٍ أي: هاتان الآيتان في جملة تسع آيات، وهي الفلق، والطوفان، والجراد، والقُمل، والضفادع، والدم، والطمس، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم. ومن عدّ اليد والعصا من التسع عدّ الاخيرين واحداً، ولم يعد الفلق لأنه لم يبعث به إلى فرعون. وقوله: إِلى فِرْعَوْنَ متعلق بمحذوف، أي: مرسلاً، أو: ذاهباً إلى فرعون وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ خارجين عن أمر الله، كافرين به. فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا معجزاتنا، وظهرت على يد موسى، حال كونها مُبْصِرَةً بيّنة واضحة، وهي اسم فاعل، أطلق على المفعول، إشعاراً بأنها لفرط ظهورها كأنها تبصر نفسها مبالغة في وضوحها، وإلا فهي مبصرة لمن ينظر ويتفكر فيها. أو: ذات تبصر لأنها تهدي من يتبصر بها. فلما جاءتهم قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ واضح سحريته. وَجَحَدُوا بِها أي: كذّبوا بها وَقد اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ أي: علمتها علماً يقيناً، فالاستيقان: أبلغ من الإيقان. يعني: أنهم جحدوا بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم. ظُلْماً: حال من ضمير (جحدوا) أي: ظالمين في ذلك، ولا ظلم أفحش ممن تيقن أنها آيات من عند الله، وسماها سحراً بيّناً، وَعُلُوًّا تكبراً وترفعاً عن الإيمان بموسى ﵇، وهو أيضاً حال، أو: علة، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وهو الإغراق في الدنيا، والإحراق في الآخرة. نسأل الله العافية. الإشارة: وأدْخِل يد فكرتك في جيب قلبك، تخرج بيضاء شعشعانية، يستولي شعاعها على وجود بشريتك، فتنخنس البشرية تحت أنوار المعاني، ثم يستولي على الوجود بأسره، فيصير كله نوراً ملكوتياً جبروتياً، متصلاً

стр. 1995

بالنور الأعظم، والبحر الطام، بعد قطع مقامات التوبة، والتقوى، والإستقامة، والإخلاص، والصدق، والطمأنينة، والمراقبة والمحبة، والمشاهدة، فيكون حينئذٍ آية مبصرة واضحة، من آيات الله، يدلّ على الله، ويدعوا إليه على بصيرة منه. فمن جحدها انخرط في سلك من قال تعالى في حقه: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ... الآية. ثم ذكر قصة داود وسليمان- ﵉ فقال: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ١٥ الى ١٦] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً أي: أعطينا كل واحد منهما طائفة خاصة به من علم الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما يختص به كل واحد منهما، كصنعة الدروع، ومنطق الطير. أو: علماً لدُنِيا. وَقالا أي: كل واحد منهما، شكراً لما أُوتيه من العلم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا بما آتانا من العلم عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. قال النسفي: وهنا محذوف، ليصلح عطف الواو عليه، ولولا تقدير المحذوف لكان الوجه: الفاء، كقولك: أعطيته فشكر، وتقديره: آتيناهما علماً، فعملا به، وعرفنا حق النعمة فيه، وقالا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ. والكثير المفضّل عليه: من لم يؤت علماً، أو: من لم يؤت مثل علمهما. وفيه: أنهما فُضّلا على كثير، وفضل عليهما كثير. وفي الآية دليلٌ على شرف العلم، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجلّ النعم، وأن من أوتيه فقد أُوتي فضلاً على كثير من عباده، وما سماهم رسول الله ﷺ ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم في الشرف والمنزلة لأنهم القوّام بما بُعِثُوا من أجله. وفيها: أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله تعالى على ما أوتوه، وأن يعتقدَ العالم أنه إذا فُضّل على كثير فقد فُضّل عليه مثلهم. وما أحسن قول عمر ﵁: (كُلّ الناسِ أفقه من عمر) . هـ. والعلماء على قسمين: علماء بالله وعلماء بأحكام الله. فالعلماء بالله هم العارفون به، أهل الشهود والعيان. وهم أهل علم الباطن، أعني: علم القلوب، والعلماء بأحكام الله هم علماء الشرائع والنوازل. وحيث انتهت درجة العلماء بأحكام الله ابتدئت درجة العلماء بالله. فنهاية علماء الظاهر بداية علماء الباطن لأن علم أهل الظاهر جله ظني،

стр. 1996

وعلم أهل الباطن عياني، ذوقي، وليس الخبر كالعيان، مع ما فاقوهم به من المجاهدة، والمكابدة، ومقاساة مخالفة النفوس، وقطع المقامات، حتى ماتوا موتات، ثم حييت أرواحهم، فشاهدوا من الأنوار والأسرار ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه النقول. ثم قال تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ، وَرِثَ منه النبوة والملك دون سائر بنيه، وكانوا تسعة عشر. ووراثته للنبوة: انتقالها إليه بعد أبيه، وإلا فالنبوة لا تورث. وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ تشهيراً لنعمة الله، واعترافاً بمكانها، ودعاء للناس إلى تصديقه بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير. والمنطق: كل ما يصوَّت به من المفرد والمؤلّف، والمفيد وغير المفيد. وكان سليمان ﵇ يفهم عنها كما يفهم بعضها بعضاً. يُحكى أنه مرَّ على بلبل على شجرة، يحرك رأسه، ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله ونبيه أعلم، قال يقول: إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العَفَاء. وصاحت فاختة «١» ، فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يُخلقوا، وصاح طاووس، فقال: يقول: كما تدين تدان، وصاح هُدهد، فقال: يقول: من لا يرحم لا يُرحم، وصاح صُّرَد «٢» - وهو طائر ضخم الرأس- فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبين، وصاح طيطوى «٣» ، فقال: يقول: كل حي ميت، وكل جديد بال. وصاح خُطَّاف «٤» ، فقال: يقول: قَدِّموا خيراً تجدوه. وصاح قُمْرِيّ «٥» ، فأخبر أنه يقول: سبحان ربي الأعلى. وصاحت رخمة «٦» ، فقال: إنها تقول سبحان ربي الأعلى ملء أرضه وسمائه. وفي رواية: هدرت حمامة، فقال: إنها تقول: سبحان ربي الأعلى- مثل الرخمة- وقال: الغراب يدعو على العشَّار. والحِدَأة تقول: كل شيء هالك إلا وجهه. والقطاة «٧» تقول: من سكت سَلِمَ، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه، والديك يقول: اذكروا الله يا غافلين، والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت، آخرك الموت. والعقاب «٨» يقول:

стр. 1997

في البُعد من الناس أُنس. والضفدع تقول: سبحان ربي القدوس. والبازي «١» يقول: سبحان ربي وبحمده، المذكور في كل مكان. والدراج «٢» يقول: الرحمن عَلَى العرش استوى. والقنب «٣» يقول: إلهي العن مبغض آل محمد، ﵊ «٤» . وقيل: إن سليمان كان يفهم صوت الحيوانات كلها، وإنما خصّ الطير لأنه معظم جنده. ثم قال: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي: ما نحتاج إليه. والمراد به كثرة ما أُوتي، كما تقول: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، كناية عن كثرة علمه. إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ والإحسان من الله تعالى الْمُبِينُ أي: الواضح، الذي لا يخفى على أحد، أو: إن هذا الفضل الذي أوتيته هو الفضل المبين. على أنه ﵇ قاله على سبيل الشكر والمحمدة. كما قال رسول الله ﷺ «أنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ» أي: أقول هذا القول شكراً، لا فخراً، والنون في (عُلمنا) و (أُوتينا) نون الواحد المطاع، وكان حينئذٍ ملكاً، فكلم أهل طاعته على الحالة التي كان عليها، وليس فيه تكبر ولا فخر لعصمة الأنبياء من ذلك. والله تعالى أعلم. الإشارة: أشرف العلوم وأعظمها وأعزها العلم بالله، على سبيل الذوق والكشف والوجدان، ولا يكون إلا من طريق التربية على يد شيخ كامل لأنه إذا حصل هذا العلم أغنى عن العلوم كلها، وصغرت في جانبه، حتى إن صاحب العلم بالله يعد الاشتغال بطلب علم الرسوم بطالة وانحطاطاً، ومَثَله كمن عنده قناطير من الفضة، ثم وجد جبلاً من الإكسير، فهل يلتفت صاحبُ الإكسير إلى الفضة أو الفلوس؟ لأن من كانت أوقاته كلها مشاهدة ونظراً لوجه الملك، كيف يلتفت إلى شيء سواه. ولذلك قال الجنيد ﵁: لو نعلم تحت أديمِ السماء أشرف من هذا العلم، الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه. هـ. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن العارف: كنتُ أعرف أربعة عشر علما، فلما أدركت علم الحقيقة، سرطت ذلك كله، ولم يبق إلا التفسير والحديث، نتكلم فيه مع أصحابنا. أو قريباً من هذا الكلام. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن المجذوب ﵁: أقارئين علم التوحيد ... هنا البحور إلي تنبي هذا مقام أهل التجريد ... الواقفين مَع ربي وهذا أمر بيِّن عند أهل هذا الفن، وقال الورتجبي: العلم علمان: علم البيان وعلم العيان. علم البيان ما يكون بالوسائط الشرعية، وعلم العيان مستفاد من الكشوفات الغيبية. ثم قال: فالعلم البياني معروف بين العموم، والعلم

стр. 1998

العياني مشهور بين الخصوص، لم يطلع عليه إلا نبي أو وَليّ، لأنه صدر من الحق لأهل شهوده، من المحبين العارفين، والموحدين والصديقين، والأنبياء والمرسلين. انظر بقية كلامه. وقال أيضاً في قوله: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ: أفْهَم أن أصوات الطيور والوحوش وحركات الأكوان جميعاً هي خطابات من الله للأنبياء والمرسلين، والعارفين والصديقين، يفهمونها من حيث أحوالهم ومقاماتهم. فللأنبياء والمرسلين علم بمناطقها قطعياً. ويمكن أن يقع ذلك بوحي، ولكن أكثر فهوم الأنبياء «١» أنهم يفهمون من أصواتها ما يتعلق بحالهم، بما يقع في قلوبهم من إلهام الله، لا بأنهم يعرفون لغاتهم بعينها. هـ. قلت: وكذلك الأولياء يفهمون عنها ما يليق بمقاماتهم، من ألفاظ، أو أنس، أو إعلام، أو غير ذلك. والله تعالى أعلم. ولما أراد سليمان الغزو، جمع جنوده، كما قال تعالى: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ١٧ الى ١٩] وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) قلت: قالَتْ نَمْلَةٌ: التاء للوحدة، لا للتأنيث. قال الرضي: تكون التاء للفرق بين المذكور والمؤنث، وتكون لآحاد الجنس، كنحلة ونحل، وثمرة وثمر، وبطة وبط، ونملة ونمل، فيجوز أن تكون النملة مذكراً، والتاء للوحدة، وأنث الفعل باعتبار تأنيث اللفظ. هـ. مختصراً. و (لا يحطمنكم) : يحتمل أن يكون جواباً للأمر، أو: نهياً بدلاً من الأمر لتقارب المعنى لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده. والضد ينشأ عنه الحطْم، فلا: ناهية، ومثله الحديث: «فليُمسك بِنَصَالها، لا يعقر مسلماً» «٢» . هـ.

стр. 1999

يقول الحق ﷻ : وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ أي: جُمع له جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ بمباشرة مخاطبيه، فإنهم رؤساء مملكته، وعظماء دولته، من الثقلين وغيرهم. وتقديم الجن على الإنس للإيذان بكمال قوة ملكه وعزة سلطانه لأن الجن طائفة عاتية، وقبيلة طاغية، ماردة، بعيدة من الحشر والتسخير، فَهُمْ يُوزَعُونَ أي: يحبس أوائلهم على أواخرهم، أي: يوقف سلاف العسكر «١» حتى يلحقهم الثواني، فيكونوا مجتمعين، لا يختلف منهم أحد، وذلك لكثرة العظمة والقهرية. قال قتادة: فكان لكل صنف منهم وزعة «٢» . أو: لترتيب الصفوف، كما هو المعتاد في العساكر. والوزع: المنع، ومنه قول الحسن البصري، حين ولي القضاء: (لا بد للحاكم من وزعة) أي: شُرط يمنعون الناس من الظلم. وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر، دون سوق أواخرهم، مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضاً لأن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع، وهذا إن لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو. قال محمد بن كعب: كان عسكر سليمان مائة فرسخ، خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش. وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية. وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم، فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب، فيقعد عليه، وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء- ﵈ على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها، حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط، فتسير به مسيرة شهر، من الصباح إلى الرواح. ورُوي أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله، ويأمر الرخاء تُسيِّره، فأوحى الله تعالى إليه، وهو يسير بين السماء والأرض: إني زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك. قال وهب: حدثني أبي: أن سليمان مرّ بحرّاثٍ، فقال: لقد أُوتي آلَ داود مُلكاً عظيماً، فالتفت ونزل إلى الحرّاث، فقال: إني سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير لك مما أوتي آلُ داود. هـ. حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ أي: فساروا حتى بلغوا وادي النمل، وهو واد بالشام، كثير النمل، قاله مقاتل. أو: بالطائف، قاله كعب. وقيل: هو واد يسكنه الجن، والنمل مراكبهم «٣» . وعدي الفعل ب «على» لأن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء. ولعلهم أرادوا أن ينزلوا بأعلى الوادي إذ حينئذٍ يخافهم من فى

стр. 2000

الأرض، لا عند سيرهم في الهواء. وجواب (إذ) قوله: قالَتْ نَمْلَةٌ، وكأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرّت منهم، فصاحت صيحة، فنبهت بها ما بحضرتها من النمل. قال كعب: مرّ سليمان ﵇ بوادي السدير، من أودية الطائف، فأتى على واد النمل، فقالت نملة، وهي تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، مثل الذئب في العِظَم. قال الضحاك: كان اسم تلك النملة طاحية، وقيل: منذرة، وقيل: جرمي. وقال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان أمثال الذباب «١» . وعن قتادة: أنه دخل الكوفة، فالتف عليه الناس، فقال: سلوني عما شئتم، فسأله أبو حنيفة، وهو شاب، عن نملة سليمان، أكان ذكراً أو أنثى؟ فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: بم عرفت؟ فقال: قوله تعالى: قالَتْ نَمْلَةٌ ولو كان ذكراً لقال: قال نملة. هـ. قلت: وهو غير صحيح لِمَا تقدم عن الرضي «٢» . قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لم يقل: ادخلن لأنه لَمَّا جعلها قائلة، والنمل مقولاً لهم، كما يكون من العقلاء، أجرى خطابهن مجرى ذوي العقل، لا يَحْطِمَنَّكُمْ لا يكسرنّكم. والحطم: الكسر، وهو في الظاهر نهى لسليمان عن الحطم، وفي الحقيقة نهى لهم عن البروز والوقوف على طريقه، نحو: لا أرينك هاهنا، أي: لا تتعرضوا فيكسرنكم سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ، وقيل: أراد: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو أبلغ. وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ لا يعلمون بمكانكم، أي: لو شعروا ما فعلوا. قالت ذلك على وجه العذر، واصفةً سليمان وجنوده بالعدل، فحمل الريح قولها إلى سليمان على ثلاثة أميال. رُوي أن سليمان قال لها: لم حذرت النمل، أَخفتِ ظلمي؟ أما عَلِمتِ أني نبي عدل، فلِمَ قُلتِ: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؟ فقالت: أما سمعتَ قولي: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، مع أني لم أُرد حَطْم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب، خشيتُ أن يتمنينَّ ما أُعطيتَ، ويشغلن بالنظر إليك عن التسبيح، فقال لها سليمان: عظيني، فقالت: هل علمتِ لِمَ سُمي أبوك داود؟ قال: لا، قالت: لأنه داوى حرجه. هل تدري لِمَ سميت سليمان؟ قال: لا، قالت: لأنك سليم، ما ركنت إلى ما أوتيت، لسلامة صدرك، وأنَى لك أن تلحق أباك. ثم قالت: اتدري لِمَ سخر الله لك الريح؟ قال: لا، قالت: أخبرك الله أن الدنيا كلها ريح. قال ابن عباس: ومن هنا «نهى النبي ﷺ عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد، والصُّرد، والنحلة، والنملة «٣» » .
следующие страницы →