وعلم أهل الباطن عياني، ذوقي، وليس الخبر كالعيان، مع ما فاقوهم به من المجاهدة، والمكابدة، ومقاساة مخالفة النفوس، وقطع المقامات، حتى ماتوا موتات، ثم حييت أرواحهم، فشاهدوا من الأنوار والأسرار ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه النقول.
ثم قال تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ، وَرِثَ منه النبوة والملك دون سائر بنيه، وكانوا تسعة عشر.
ووراثته للنبوة: انتقالها إليه بعد أبيه، وإلا فالنبوة لا تورث. وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ تشهيراً لنعمة الله، واعترافاً بمكانها، ودعاء للناس إلى تصديقه بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير.
والمنطق: كل ما يصوَّت به من المفرد والمؤلّف، والمفيد وغير المفيد. وكان سليمان ﵇ يفهم عنها كما يفهم بعضها بعضاً. يُحكى أنه مرَّ على بلبل على شجرة، يحرك رأسه، ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله ونبيه أعلم، قال يقول: إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العَفَاء. وصاحت فاختة «١» ، فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يُخلقوا، وصاح طاووس، فقال: يقول: كما تدين تدان، وصاح هُدهد، فقال: يقول: من لا يرحم لا يُرحم، وصاح صُّرَد «٢» - وهو طائر ضخم الرأس- فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبين، وصاح طيطوى «٣» ، فقال: يقول: كل حي ميت، وكل جديد بال. وصاح خُطَّاف «٤» ، فقال: يقول: قَدِّموا خيراً تجدوه.
وصاح قُمْرِيّ «٥» ، فأخبر أنه يقول: سبحان ربي الأعلى. وصاحت رخمة «٦» ، فقال: إنها تقول سبحان ربي الأعلى ملء أرضه وسمائه.
وفي رواية: هدرت حمامة، فقال: إنها تقول: سبحان ربي الأعلى- مثل الرخمة- وقال: الغراب يدعو على العشَّار. والحِدَأة تقول: كل شيء هالك إلا وجهه. والقطاة «٧» تقول: من سكت سَلِمَ، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه، والديك يقول: اذكروا الله يا غافلين، والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت، آخرك الموت. والعقاب «٨» يقول:
стр. 1997
في البُعد من الناس أُنس. والضفدع تقول: سبحان ربي القدوس. والبازي «١» يقول: سبحان ربي وبحمده، المذكور في كل مكان. والدراج «٢» يقول: الرحمن عَلَى العرش استوى. والقنب «٣» يقول: إلهي العن مبغض آل محمد، ﵊ «٤» .
وقيل: إن سليمان كان يفهم صوت الحيوانات كلها، وإنما خصّ الطير لأنه معظم جنده.
ثم قال: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي: ما نحتاج إليه. والمراد به كثرة ما أُوتي، كما تقول: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، كناية عن كثرة علمه. إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ والإحسان من الله تعالى الْمُبِينُ أي:
الواضح، الذي لا يخفى على أحد، أو: إن هذا الفضل الذي أوتيته هو الفضل المبين. على أنه ﵇ قاله على سبيل الشكر والمحمدة. كما قال رسول الله ﷺ «أنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ» أي: أقول هذا القول شكراً، لا فخراً، والنون في (عُلمنا) و (أُوتينا) نون الواحد المطاع، وكان حينئذٍ ملكاً، فكلم أهل طاعته على الحالة التي كان عليها، وليس فيه تكبر ولا فخر لعصمة الأنبياء من ذلك. والله تعالى أعلم.
الإشارة: أشرف العلوم وأعظمها وأعزها العلم بالله، على سبيل الذوق والكشف والوجدان، ولا يكون إلا من طريق التربية على يد شيخ كامل لأنه إذا حصل هذا العلم أغنى عن العلوم كلها، وصغرت في جانبه، حتى إن صاحب العلم بالله يعد الاشتغال بطلب علم الرسوم بطالة وانحطاطاً، ومَثَله كمن عنده قناطير من الفضة، ثم وجد جبلاً من الإكسير، فهل يلتفت صاحبُ الإكسير إلى الفضة أو الفلوس؟ لأن من كانت أوقاته كلها مشاهدة ونظراً لوجه الملك، كيف يلتفت إلى شيء سواه. ولذلك قال الجنيد ﵁: لو نعلم تحت أديمِ السماء أشرف من هذا العلم، الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه. هـ. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن العارف: كنتُ أعرف أربعة عشر علما، فلما أدركت علم الحقيقة، سرطت ذلك كله، ولم يبق إلا التفسير والحديث، نتكلم فيه مع أصحابنا. أو قريباً من هذا الكلام. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن المجذوب ﵁:
أقارئين علم التوحيد ... هنا البحور إلي تنبي
هذا مقام أهل التجريد ... الواقفين مَع ربي
وهذا أمر بيِّن عند أهل هذا الفن، وقال الورتجبي: العلم علمان: علم البيان وعلم العيان. علم البيان ما يكون بالوسائط الشرعية، وعلم العيان مستفاد من الكشوفات الغيبية. ثم قال: فالعلم البياني معروف بين العموم، والعلم
стр. 1998
العياني مشهور بين الخصوص، لم يطلع عليه إلا نبي أو وَليّ، لأنه صدر من الحق لأهل شهوده، من المحبين العارفين، والموحدين والصديقين، والأنبياء والمرسلين. انظر بقية كلامه.
وقال أيضاً في قوله: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ: أفْهَم أن أصوات الطيور والوحوش وحركات الأكوان جميعاً هي خطابات من الله للأنبياء والمرسلين، والعارفين والصديقين، يفهمونها من حيث أحوالهم ومقاماتهم.
فللأنبياء والمرسلين علم بمناطقها قطعياً. ويمكن أن يقع ذلك بوحي، ولكن أكثر فهوم الأنبياء «١» أنهم يفهمون من أصواتها ما يتعلق بحالهم، بما يقع في قلوبهم من إلهام الله، لا بأنهم يعرفون لغاتهم بعينها. هـ. قلت: وكذلك الأولياء يفهمون عنها ما يليق بمقاماتهم، من ألفاظ، أو أنس، أو إعلام، أو غير ذلك. والله تعالى أعلم.
ولما أراد سليمان الغزو، جمع جنوده، كما قال تعالى:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ١٧ الى ١٩]
وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)
قلت: قالَتْ نَمْلَةٌ: التاء للوحدة، لا للتأنيث. قال الرضي: تكون التاء للفرق بين المذكور والمؤنث، وتكون لآحاد الجنس، كنحلة ونحل، وثمرة وثمر، وبطة وبط، ونملة ونمل، فيجوز أن تكون النملة مذكراً، والتاء للوحدة، وأنث الفعل باعتبار تأنيث اللفظ. هـ. مختصراً. و (لا يحطمنكم) : يحتمل أن يكون جواباً للأمر، أو: نهياً بدلاً من الأمر لتقارب المعنى لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده. والضد ينشأ عنه الحطْم، فلا: ناهية، ومثله الحديث:
«فليُمسك بِنَصَالها، لا يعقر مسلماً» «٢» . هـ.
стр. 1999
يقول الحق ﷻ : وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ أي: جُمع له جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ بمباشرة مخاطبيه، فإنهم رؤساء مملكته، وعظماء دولته، من الثقلين وغيرهم. وتقديم الجن على الإنس للإيذان بكمال قوة ملكه وعزة سلطانه لأن الجن طائفة عاتية، وقبيلة طاغية، ماردة، بعيدة من الحشر والتسخير، فَهُمْ يُوزَعُونَ أي: يحبس أوائلهم على أواخرهم، أي: يوقف سلاف العسكر «١» حتى يلحقهم الثواني، فيكونوا مجتمعين، لا يختلف منهم أحد، وذلك لكثرة العظمة والقهرية.
قال قتادة: فكان لكل صنف منهم وزعة «٢» . أو: لترتيب الصفوف، كما هو المعتاد في العساكر. والوزع:
المنع، ومنه قول الحسن البصري، حين ولي القضاء: (لا بد للحاكم من وزعة) أي: شُرط يمنعون الناس من الظلم.
وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر، دون سوق أواخرهم، مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضاً لأن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع، وهذا إن لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو. قال محمد بن كعب: كان عسكر سليمان مائة فرسخ، خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش. وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية. وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم، فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب، فيقعد عليه، وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء- ﵈ على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها، حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط، فتسير به مسيرة شهر، من الصباح إلى الرواح.
ورُوي أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله، ويأمر الرخاء تُسيِّره، فأوحى الله تعالى إليه، وهو يسير بين السماء والأرض: إني زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك. قال وهب: حدثني أبي: أن سليمان مرّ بحرّاثٍ، فقال: لقد أُوتي آلَ داود مُلكاً عظيماً، فالتفت ونزل إلى الحرّاث، فقال: إني سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير لك مما أوتي آلُ داود. هـ.
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ أي: فساروا حتى بلغوا وادي النمل، وهو واد بالشام، كثير النمل، قاله مقاتل. أو: بالطائف، قاله كعب. وقيل: هو واد يسكنه الجن، والنمل مراكبهم «٣» . وعدي الفعل ب «على» لأن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء. ولعلهم أرادوا أن ينزلوا بأعلى الوادي إذ حينئذٍ يخافهم من فى
стр. 2000
الأرض، لا عند سيرهم في الهواء. وجواب (إذ) قوله: قالَتْ نَمْلَةٌ، وكأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرّت منهم، فصاحت صيحة، فنبهت بها ما بحضرتها من النمل.
قال كعب: مرّ سليمان ﵇ بوادي السدير، من أودية الطائف، فأتى على واد النمل، فقالت نملة، وهي تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، مثل الذئب في العِظَم. قال الضحاك: كان اسم تلك النملة طاحية، وقيل: منذرة، وقيل:
جرمي. وقال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان أمثال الذباب «١» . وعن قتادة: أنه دخل الكوفة، فالتف عليه الناس، فقال: سلوني عما شئتم، فسأله أبو حنيفة، وهو شاب، عن نملة سليمان، أكان ذكراً أو أنثى؟ فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: بم عرفت؟ فقال: قوله تعالى: قالَتْ نَمْلَةٌ ولو كان ذكراً لقال: قال نملة. هـ.
قلت: وهو غير صحيح لِمَا تقدم عن الرضي «٢» .
قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لم يقل: ادخلن لأنه لَمَّا جعلها قائلة، والنمل مقولاً لهم، كما يكون من العقلاء، أجرى خطابهن مجرى ذوي العقل، لا يَحْطِمَنَّكُمْ لا يكسرنّكم. والحطم: الكسر، وهو في الظاهر نهى لسليمان عن الحطم، وفي الحقيقة نهى لهم عن البروز والوقوف على طريقه، نحو: لا أرينك هاهنا، أي: لا تتعرضوا فيكسرنكم سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ، وقيل: أراد: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو أبلغ. وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ لا يعلمون بمكانكم، أي: لو شعروا ما فعلوا. قالت ذلك على وجه العذر، واصفةً سليمان وجنوده بالعدل، فحمل الريح قولها إلى سليمان على ثلاثة أميال.
رُوي أن سليمان قال لها: لم حذرت النمل، أَخفتِ ظلمي؟ أما عَلِمتِ أني نبي عدل، فلِمَ قُلتِ: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؟ فقالت: أما سمعتَ قولي: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، مع أني لم أُرد حَطْم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب، خشيتُ أن يتمنينَّ ما أُعطيتَ، ويشغلن بالنظر إليك عن التسبيح، فقال لها سليمان: عظيني، فقالت: هل علمتِ لِمَ سُمي أبوك داود؟ قال: لا، قالت: لأنه داوى حرجه. هل تدري لِمَ سميت سليمان؟ قال: لا، قالت: لأنك سليم، ما ركنت إلى ما أوتيت، لسلامة صدرك، وأنَى لك أن تلحق أباك. ثم قالت: اتدري لِمَ سخر الله لك الريح؟
قال: لا، قالت: أخبرك الله أن الدنيا كلها ريح. قال ابن عباس: ومن هنا «نهى النبي ﷺ عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد، والصُّرد، والنحلة، والنملة «٣» » .
стр. 2001
فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً، معجباً مِنْ قَوْلِها ومِن حَذَرِها، واهتدائها لمصالحها، ونُصحها للنمل، وفرحاً بظهور عدله. والتبسم: ابتداء الضحك، وأكثر ضحك الأنبياء التبسّم، أي: فتبسم ابتداء، ضاحكاً انتهاء. وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي، الإيزاع في الأصل: الكف، أي: كُفَّني عن كل شيء إلاّ عن شكر نعمتك، ويطلق على الإلهام، أي: ألهمني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ من النبوة والمُلك والعلم، وَعَلى والِدَيَّ لأن الإنعام على الوالدين إنعام على الولد، وَألهمنى أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ في بقية عمري، وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ أي: وأدخلني الجنة برحمتك، لا بصالح عملي إذ لا يدخل الجنة إلا برحمتك، كما في الحديث.
فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ أي: في جملة أنبيائك المرسلين، الذين صلحوا لحضرتك. أو: مع عبادك الصالحين.
رُوي أن النملة أحست بصوت الجنود، ولم تعلم أنهم في الهواء، فأمر سليمان ﵇ الريح، فوقفت لئلا يذعرن، حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة. قاله النسفي.
الإشارة: من أقبل بكليته على مولاه، وأطاعه في كل شيء، سخرت له الأكوان، وأطاعته في كل شيء.
ومن أعرض عن مولاه أعرض عنه كلُّ شيء، وصعب عليه كلُّ شيء. «أنت مع الأكون ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك» . فإذا سخرت له الأشياء، وزهد فيها، وأعرض عنها، واختار مقام العبودية، ارتفع قدره، ولم ينقص منه شيئاً، كحال نبينا- ﵊. ومن سخرت له الأشياء، ونظر إليها، انتقص قدره، وإن كان كريماً على الله، ولذلك ورد في الخبر أن سليمان ﵇: هو آخر مَن يدخل الجنة من الأنبياء. ذكره في القوت.
وذكر فيه أيضاً: أن سليمان ﵇ لبس ذات يوم ثياباً رفيعة، ثم ركب على سريره، فحملته الريح، وسارت به، فنظر إلى عطفيه نظرة، فأنزلته إلى الأرض، فقال لها: لِمَ أنزلتني ولم آمرك؟ فقالت له: نطيعك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وتاب، فحملته. وهذا مما يعتب على المقربين لِكِبر مقامهم، فكل نعيم فى الدنيا ينقض في الآخرة. والله تعالى أعلم.
ثم قال تعالى:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٦]
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤)
أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)
стр. 2002
يقول الحق ﷻ : وَتَفَقَّدَ سليمانُ الطَّيْرَ أي: تعرف أحوال الطير تعرف َالمَلِك لمملكته، حسبما تقتضيه عناية الملك بمملكته، والاهتمام بكل جزء منها، أو: تفقده لمعرفته بالماء، أو: لغير ذلك على ما يأتي. فلما تفقده لم ير الهدهد فيما بينها. والتفقد: طلب ما غاب عنك. فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أساتر ستره؟ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ، و «أم» : بمعنى «بل» ، كأنه قال: مالى لا أراه؟ ثم بدا له أنه غائب، فأضرب عنه، وقال: بل هو من الغائبين.
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً، قيل: كان عذابه للطير: نتفه ريشه وتشميسه، أو: يجعله مع أضداده في قفص، أو: بالتفريق بينه وبين إلفه. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد، ومفارقة الأحباب. أو: نتفه، وطرحه بين يدي النحل تلدغه، أو: النمل تأكله. وحلّ له تعذيب الهدهد لينزجر غيره، ولِما سخرت له الحيوانات- ولا يتم التسخير إلا بالتأديب- حلّ له التأديب.
أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ليعتبر به أبناء جنسه، أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ بحُجة تُبين عذره، والحلف في الحقيقة على أحد الأمرين، على تقدير عدم الثالث. قال بعضهم: وسبب طلبته للهدهد، لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقيل: كانت الطير تظله، فأصابته لمعة من الشمس، فنظر، فرأى موضع الهدهد خالياً، فتفقده، وقيل:
احتاج إلى الماء، وكان عِلْمُ ذلك إلى الهدهد، فتفقده، فلم يجده، فتوعده.
والسبب فيه: أن سليمان ﵇ لَمَّا فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم، للحج، فتجهز للمسير، وخرج بجنوده- كما تقدم- فبلغ الحرم، وأقام به، وكان ينحر كل يوم بمكة خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، قرباناً. وقال: إن هذا مكان يخرج منه نبي عزيزُ، صفته كذا وكذا، يُعطَى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد في الحق عنده سواء، لا تأخذه في الله
стр. 2003
لومة لائم، دينه دين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، وبيننا وبين خروجه زهاء ألف عام. ثم قضى نسكه، وخرج نحو اليمن صباحاً، يؤم سهيلاً، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً حسناء، تزهو خضرتها، فأحب النزول بها ليصلي، ويتغذى، فطلبوا الماء فلم يجدوه، وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض، كما نرى الماء في الزجاجة، فينقر الأرض فتجيء الشياطين يستخرجونه. وبحث فيه القشيري بأن الهدهد متعدد في عسكره، إذا فقدوا واحداً بقي آخر، قال: اللهم إلا أن يكون ذلك الواحد مخصوصاً بمعرفة ذلك، والله أعلم. هـ.
قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا الحديث: قال له نافع بن الأزرق: كيف ينظر الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخ حتى يقع فيه؟ قال ابن عباس: ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر. هـ. قلت: ونافع هذا هو رأس الخوارج والمعتزلة.
فلما نزل سليمانُ، قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء، ونظر طول الدنيا وعرضها، ونظر يميناً وشمالاً، فرأى بستاناً لبلقيس فيه هدهد. وكان اسم هدهد سليمان «يعفور» واسم هدهد اليمن «عنفير» .
فقال هدهد اليمن لهدهد سليمان: من أين أقبلتَ وأين تريد؟ قال: أقبلتُ من الشام، مع صاحبي سليمان بن داود، قال:
ومَن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمِن أين أنت؟ قال من هذه البلد، ملكها امرأة، يقال لها «بلقيس» تحت يديها اثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل. فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس ومُلكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر. وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة، فلم يجده، وكان على غير ماء.
قال ابن عباس: فدعا عريف الطير- وهو النسر- فسأله؟، فقال: ما أدري أين هو، فغضب سليمان وقال:
(لأُعذبنه ... ) إلخ، ثم دعا بالعقاب، سيد الطير، فقال: عليّ بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مُقبلاً من نحو اليمن، فانقضّ نحوه، فقال له الهدهد: بحق الحق الذي قوّاك إلا ما رحمتني، فقال: ويلك، إن نبي الله حلف أن يعذبك ويذبحك. ثم تلقته النسور والطير في العسكر، وقالوا له: لقد توعدك نبيُّ الله. قال: أوَ ما استثنى؟ قالت: بلى، قال: أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ. ثم دخل على سليمان، فرفع رأسه، وأرخَى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، تواضعاً لله ولسليمان، فقال سليمان: أين كنت؟ لأعذبنَّك ... فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه، فمده إليه، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، بمنزلة وقوفي بين يديك، فارتعد سليمان وعفا عنه «١» . وقال عكرمة: إنما صُرف سليمان عن ذبح الهدهد لبره بوالديه، كان يلتقط الطعام ثم يزقه لهما.
стр. 2004
قال تعالى: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ أي: تفقد مكث سليمان حين تفقد الهدهد، وأرسل من ورائه غير زمان بعيد، وهو من الظهر إلى العصر- كما تقدم- أو: فمكث الهدهد في غيبته غير بعيد، خوفاً من سليمان، فالضمير إما لسليمان، أو: للهدهد، وهو الظاهر، ويرجحه قراءة: (فتمكث) . وفي «مكث» لغتان: الضم والفتح.
ولما قدِمَ من غيبته، أحضر بين يديه، على الهيئة المتقدمة، ثم سأله عن غيبته، فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ أي: أدركت علماً لم تُحط به أنت، أَلهم الله الهدهدَ فكافح «١» سليمانَ بهذا الكلام، مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة، ابتلاء له ﵇ في علمه، وتنبيهاً على أن في أدنى خلقه وأضعفهم من أحاطه الله علماً بما لم يُحط به لتتصاغر إليه نفسه، ويصغر فى عينه علمه، في جانب علم الله، رحمة به ولُطفاً في ترك الإعجاب، الذي هو فتنة العلماء.
ثم قال: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ- بالصرف- اسماً للحيّ، أو: للأب الأكبر، وبعدمه اسماً للقبيلة. بِنَبَإٍ يَقِينٍ، والنبأ: الخبر الذي له شأن. وقوله: مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ من محاسن الكلام، ويسمى البديع. وقد حسن وبرع لفظاً ومعنىً، حيث فسر إبهامه بأبدع تفسير، وأراه أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة. وعبّر عما جاء به بالنبأ، الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير، ووصفه بما وصفه به. إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ هو استئناف لبيان ما جاء به من النبأ، وتفسير له إثر الإجمال. وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان. وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، ورث الملك من أربعين أباً. وقيل: كان أبوها- اسمه الهدهاد- ملكاً عظيم الشأن، ملك أرض اليمن كلها، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن، يقال لها «ريحانة» فولدت له بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها.
قال أبو هريرة: قال النبي ﷺ «كان أحد أبوي بلقيس جنياً» «٢» فمات أبوها، فاختلف قومه فرقتين، وملّكوا أمرهم رجلاً قائماً بسيرته، حتى فجَر بحرم رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها، فتزوجته، فسقته الخمر، فسكر، فجزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها «٣» .
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تحتاج إليه الملوك، من العدة والآلة، وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ: كبير، قيل: كان ثلاثين ذراعاً في ثلاثين عرضاً، وقيل: كان ثمانين ذراعاً في ثمانين، وطوله في الهواء: ثمانون. وكان من ذهب وفضة، مرصعاً بأنواع الجواهر، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر، ودرّ، وزبرجد، وعليه سبعة أبيات، فى كل بيت
стр. 2005
باب مغلق. واستصغر الهدهد حالها إلى حال سليمان، فلذلك عظّم عرشها. وقد أخفى الله تعالى ذلك على سليمان لحكمة، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب، ليتحقق ضعف العبودية في جانب علم الربوبية.
وكانت بلقيس مجوسية، فلذلك قال: وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: يعبدونها متجاوزين عبادة الله. وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ التي هي عبادة الشمس، ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ عن سبيل الرشد والصواب، وهو التوحيد فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ إليه.
ولا يَبْعد من الهدهد التهدّي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس، إلهاماً من الله له، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوانات المعارف اللطيفة، التي لا يكاد العقلاء، الراجحة العقول، يهتدون إليها.
وهذا من أسرار الربوبية، التي سرت في الأشياء، فوحّدَت الله تعالى، ولهجت بحمده.
أَلَّا يَسْجُدُوا بالتشديد، أي: فصدّهم عن السبيل لئلا، فحذف الجار، أي: لأجل ألا يسجدوا لله. ويجوز أن تكون «لا» مزيدة، أي: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. وقرئ: هلا يسجدون. ومن قرأ بالتخفيف «١» . فالتقدير عنده: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فألاَ للتنبيه، والمنادي محذوف، فمن شدّد لم يقف على يَهْتَدُونَ، ومن خفف وقف ثم استأنف: ألا يا هؤلاء اسجدوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ الشيء المخبوء المستور فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قال قتادة: خبء السموات: المطر، وخبء الأرض: النبات. واللفظ أعم من ذلك، وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ «٢» عطف على «يخرج» إشارة إلى أنه تعالى يُخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا، كما يُخرج ما في العالم الكبير من الخبايا.
اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي هو أول الأجرام وأعظمهما. ووصفُ الهدهد عرشَ الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. وفي الخبر: «إن السموات والأرض في جانب العرش كحلقة في فلاة» ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. هذا آخر كلام الهدهد. ثم دلهم على الماء فحفروا وشربوا، وملأوا الركايا، والله تعالى أعلم.
الإشارة: هُدهد كل إنسان نفسه، فإذا تفقدها فوجدها غائبة عن الله، في أودية الغفلة، هدهد بالعذاب الشديد، وبذبحها بأنواع المخالفة، حتى تأتيه بحجة واضحة، تعذر بها، فإن لم تأت بحجة عذَّبها وذبحها، بإدخالها في كل ما تكره ويثقل عليها، فتمكث غير بعيد، فتأتيه بالعلوم اللدنية، والأسرار الربانية، التي لم يحط بها علماً قبل ذلك، وتجيئه بالخبر اليقين، في العلم بالله، من عين اليقين، أو حق اليقين، فتخبره عن أحوال عامة أهل الحجاب،
стр. 2006
فتقول: إني وجدت إمرأة تملكهم، وهي نفسهم الأمارة، وأوتيت من كل شيء تشتهيه وتهواه، من غير وازع ولا قامع، ولها عرش عظيم، وهو سرير الغفلة والانهماك في حب الدنيا والشهوات. أو: لها تسلط كبير على من ملكته، وجدتها وقومها يسجدون للسّوى، ويخضعون للهوى من دون الله، وزيّن لهم الشيطانُ ذلك، فصدهم عن طريق الوصول، فهم لا يهتدون إلى الوصول إلى الحضرة أبداً ما داموا كذلك لأن حضرة ملك الملوك محرمة على من هو لنفسه مملوك. ألا يسجدوا بقلوبهم لله وحده، فإنه مطلع على خبايا القلوب والأسرار، وعلى ما يُسرون من الإخلاص، وما يُعلنون من الأعمال، التي توجب الاختصاص. وبالله التوفيق.
ولما سمع سليمان كلام الهدهد أرسله بكتابه إلى بلقيس، كما قال تعالى:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٢٧ الى ٣٤]
قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)
يقول الحق ﷻ : قالَ سليمانُ للهدهد: سَنَنْظُرُ أي: نتأمل فيما أخبرتَ، فنعلم أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ، وهو أبلغُ من: أَكَذَبْتَ لأنه إذا كان معروفاُ بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذباً، لا محالة، وإذا كان كاذباً اتّهم فيما أخبر به، فلا يُوثق به، ثم كتب: من عبد الله، سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. قال منصور: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلهم كلاماً فيه. ثم قرأ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ ... إلخ، والأنبياء كلهم كذلك، كانت تكتب جُملاً، لا يُطيلون ولا يُكثرون. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قال الله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ ... إلخ. ثم طَيَّبه بالمسك، وختمه بخاتمه «١» ، وقال للهدهد: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ
стр. 2007
أي: إلى بلقيس وقومها لأنه ذكرهم معها في قوله: وَجَدْتُها وَقَوْمَها، وبنى الخطاب على لفظ الجمع لذلك.
ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ أي: تنح عنهم إلى مكان قريب، بحيث تراهم ولا يرونك، ليكون ما يقولون بمسمع منك، فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ أي: ما الذي يردّونه من الجواب، أو: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول.
فأخذ الهدهدُ الكتابَ بمنقاره، ودخل عليها من كوّة، فطرح الكتاب على نحرها، وهي راقدةٌ، وتوارى في الكوة. وقيل: نقرها، فانتبهت فزعة، أو: أتاها والجنود حولها، فوقف ساعة يرفرف فوق رؤوسهم، ثم طرح الكتاب في حجرها، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم قالَتْ لأشراف قومها وهي خائفة: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ، وصفتْه بالكرم لكرم مضمونه إذ هو حق، أو: لأنه من ملك كريم، أو: لكونه مختوما. قال- ﵊: «كَرَمُ الكتابِ خَتْمُهُ» «١» أو: لكونه مصدراً بالتسمية، أو: لغرابة شأنه، ووصوله إليها على وجه خَرْق العادة.
ومضمونه والمكتوب فيه: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وهذا تبيين لما أُلقي إليها، كأنها لما قالت: أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ قيل لها: ممن هو وما هو؟ فقالت: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ، «إن» : مفسرة، أي: لا تترفعوا عليّ ولا تتكبروا، كما يفعل جبابرة الملوك، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ: مؤمنين، أو: منقادين، وليس فيه الأمر بالإسلام. وقيل: إقامة الحجة على رسالته لأن إلقاء الكتاب على تلك الصفة معجزة باهرة.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ، كررت حكاية قولها إيذاناً بغاية اعتنائها بما في حيزه: أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أي:
أجيبوني في أمري، الذي حزبني وذكرتُه لكم، وعبّرت عن الجواب بالفتوى، الذي هو الجواب عن الحوادث المشكلة غالباً تهويلاً للأمر، ورفعاً لمحلهم، بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة. ثم قالت:
ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً من الأمور المتعلقة بالمملكة حَتَّى تَشْهَدُونِ بكسر النون، ولا يصح الفتح لأنه يُحذف للناصب. وأصله: تشهدونني، فحذفت الأولى للناصب وبقي نون الوقاية، أي: تحضروني، وتشهدوا أنه على صواب، أي: لا أقطع أمراً إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، كل واحد على عشرة آلاف.
قالُوا في جوابها: نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ أي: نجدة وشجاعة، فأرادوا بالقوة: قوة الأجساد والآلات، وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب. وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أي: هو موكل إليك فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ،
стр. 2008
فنحن مطيعون إليك، فمُرينا بأمرك، نمتثل أمرك، ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا: نحن من أبناء الحرب، لا من أبناء الرأى والمشورة، وأنت ذات الرأي والتدبير، فانظري ماذا تأمرين نتبع رأيك.
فلما أحست منهم الميلَ إلى المحاربة مالتْ إلى المصالحة، فزيفت رأيهم، حيث قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً على منهاج المقاتلة والحرب، أو عنوة وقهراً أَفْسَدُوها بتخريب عمارتها، وإتلاف ما فيها من الأموال، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً بالقتل والأسر والإجلاء، وغير ذلك من فنون الإهانة ليستقيم لهم مُلْكُهم وحدهم. ثم قالت: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ أي: وهذه عادتهم المستمرة التي لا تتغير، لأنها كانت في بيت المملكة قديماً، أباً عن أب، فجربت الأمور، أو: يكون من قول الله تعالى، تصديقاً لقولها، أي: قال الله تعالى: وكذلك شأن الملوك إذا غلبوا وقهروا أفسدوا. وأنشدوا في هذا المعنى:
إِنَّ الْمُلُوكَ بَلاَءٌ حَيثُمَا حَلُّوا ... فَلاَ يَكُن بكَ فِي أَكْنَافِهِمْ ظلُّ
مَاذَا يُؤمَّل مِن قَوْمٍ إِذَا غَضِبُوا ... جَارُوا عَلَيْكَ وَإِن أَرْضَيْتهمُ مَلوا
وَإِن صدقتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلُوكَ كَمَا يُسْتَثْقَلُ الكُلّ
فَاسْتَغْنِ بالله عن أبْوابِهِمْ أبداً ... إِنَّ الْوُقُوفَ عَلَى أَبْوَابِهِم ذُلُّ
ففي صحبة الملوك خطر كبير، وتعب عظيم، فمن قوي نوره، حتى يغلب على ظلمتهم، بحيث يتصرف فيهم، ولا يتصرفون فيه، فلا بأس بمعرفتهم، إن كان فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة، وقد أقيم في هذا المقام الشيخ أبو الحسن الشاذلي، وشيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي- رضى الله عنهما- وكان تلميذاهما الشيخ أبو العباس المرسي، وشيخنا سيدي محمد البوزيدى الحسنى- رضى الله عنهما- يفران من صحبتهم، أشد الفرار، وهو أسلم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قال صاحب الخصوصية لنفسه: سننظر أَصدقتِ في الخصوصية أم أنتِ من الكاذبين، اذهب بما معك من العلم، وذكّر به عباد الله، وألقه إليهم، ثم تولّ عنهم، وانظر ماذا يرجعون، فإن تأثروا بوعظك، وانتقش فيهم قولك، فأنتِ صادقة في ثبوت الخصوصية لديك لأن أهل العلم بالله إذا تكلموا وقع كلامهم في قلوب العباد، فحييت به قلوبهم وأرواحهم. ومن لا خصوصية له صدت كلامه الآذان. قالت حين أراد التذكير: يا أيها الملاُ إني أُلقي إليّ في قلبي كتابٌ كريمٌ، وعلمٌ عظيم، فلا تعلو عليّ وأتوني مسلمين، منقادين لما آمركم به، وقالت- لَمَّا تطهرت من الأكدار، وتحررت من الأغيار، وأحدقت بها جنود الأنوار: يا أيها الملأ- تعني جنود الأنوار- أفتوني في
стр. 2009
أمري الذي أريد ان أفعله، ما كنت قاطعة أمراً من الأمور، التي تتجلى في القلب، حتى تشهدون، وتشهدوا أنه رشد وحق، قالوا: نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد، والأمر إليك، حيث تطهرت، فانظري ماذا تأمرين لأن النفس إذا تزكت وتخلصت وجب تصديقها فيما تهتم به، قالت: إن الملوك- أي: الواردات الإلهية التي تأتي من حضرة القهار، إذا دخلوا قرية، أي: قلب نفس، أفسدوا ظاهرها بالتخريب والتعذيب، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، أي: أبدلوا عزها ذُلاً، وجاهها خمولاً، وغناها من الدنيا فقراً، وكذلك يفعلون.
وفي الحِكَم العطائية: «متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون» . فكل وارد نزل بالإنسان ولم يغير عليه عوائده فهو كاذب، قال في الحِكَمِ: «لا تزكين وارداً لم تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار» .
وبالله التوفيق.
ثم أشارت عليهم بإرسال الهدية لسليمان، كما قال تعالى:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٣٥ الى ٣٧]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧)
يقول الحق ﷻ في حكاية بلقيس- وكانت سيسة، قد سيست وساست، فقالت لقومها: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ سليمان وقومه، بِهَدِيَّةٍ أُصانعه بذلك عن ملكي، وأختبره، أملك هو أم نبي؟ فَناظِرَةٌ فمنتظرة بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ بأي شيء يرجعون، بقبولها أم بردها لأنها عرفت عادة الملوك، وحسن موقع الهدايا عندهم، فإن كان مَلِكاً قَبِلَها وانصرف. وإن كان نبياً ردها، ولم يَقبل منا إلا أن نتبعه على دينه، فبعثت خمسمائة غلام، عليهم ثياب الجواري وحُليهنِ، راكبين خيلاً، مغشاة بالديباج، محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجوهر، وخمسمائة جارية على رِمَاك «١» في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وحُقاً فيه دُرة عذراء، وخرزة جزعية مثقوبة، معوجّة الثقب، وأرسلت رسلاً، وأمّرت عليهم المنذر ابن عمرو، وكتبت كتاباً فيه نسخة الهدية. وقالت فيه: إذ كنتَ نبياً فميّز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما فى
стр. 2010
الحُقّ، واثقب الدرّة ثقباً مستوياً، واسلك في الخرزة خيطاً. ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضب فهو ملك، فلا يهولنك منظره، وإن رأيته ليناً لطيفاً فهو نبيّ «١» .
فأقبل الهدهد، فأخبر سليمان الخبر كله، فأمر سليمانُ الجن فضربوا لبِنَات الذهب والفضة، وفرشوها في الميدان بين يديه، طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطاً، شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر، فربطوها عن يمين الميدان ويساره، على اللبنات. وأمر بأولاد الجن- وهم خلقٌ كثير- فأُقيموا عن اليمين واليسار، ثم قعد على سريره، والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ، والإنس صفوفاً فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك، فلما دنا القوم، ونظروا، بُهتوا، ورأوا الدواب تروث على اللبن، فتقاصرت إليهم أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا.
ولما وقفوا بين يديه، نظر إليهم سليمان بوجهٍ طَلْقٍ، فأعطوه كتاب الملكة، فنظر فيه، فقال: أين الحُق؟ فأتى به، فحرّكه، وأخبره جبريلُ ﵇ بما فيه. فقال لهم: إن فيه كذا وكذا. ثم أمر بالأرضَة فأخذت شعرة، ونفذت في الدرّة، فجعل رزقها في الشجر. وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها، ونفذت في ثقب الجزعة، فجعل رزقها في الفواكه. ودعا بالماء، وأمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى، ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه فميزهم بذلك. ثم ردّ الهدية.
ذلك قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ أي: جاء رسولها المنذرُ بن عمرو إليه قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ، توبيخ وإنكار لإمدادهم إياه بالمال، مع علو شأنه وسعة سلطانه. والتنكير للتحقير، والخطاب للرسول ومن معه، أو للرسول والمرسل تغليب للحاضر. فَما آتانِيَ اللَّهُ من النبوة والمُلك الذي لا غاية وراءه خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ أي: من المال الذي من جملته ما جئتم به، فلا حاجة لي إلى هديتكم، ولا وقْعَ لها عندي، ولعله ﵇ إنما قال لهم هذه المقالة.. إلخ بعد ما جرى بينه وبينهم ما حكي من قصة الحُقّ وغيرها، لا أنه ﵇ خاطبهم بها أول ما جاءوه.
ثم قال لهم: بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ. الهدية: اسم للمُهدَى، كما أن العطية اسم للمُعطَى، فتضاف إلى المُهْدِي والمهدَى له. والمعنى: أن ما عندي خير مما عندكم، وذلك أن الله تعالى آتاني الدين والمعرفة به، التي هي الغنى الأكبر، والحظ الأوفر، وأتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يُمد بمال من قِبلكم؟ بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما تزدادون ويُهدى إليكم لأنَّ ذلك مبلغ همتكم، وحالي خلاف ذلكم، فلا أرضى منكم بشيء، ولا أفرح إلا بالإيمان منكم، وترك ما أنتم عليه من المجوسية.
والإضراب راجع إلى معنى ما تقدم، كأنه قيل: أنا لا أفرح بما تمدونني به بل أنتم.
стр. 2011
ثم قال للرسول: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ إلى بلقيس وقومها، وقل لهم: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ: لا طاقة لَهُمْ بِها. وحقيقة القِبَل: المقابلة والمقاومة، أي: لا يقدرون أن يقابلوهم، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي: من سبأ أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ: أسارى مهانون. فالذل: أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار:
أن يبقوا في أسر واستعباد. فلما رجع إليها رسولها بالهدايا، وقصّ عليها القصة، قالت: هو نبي، ومالنا به طاقة. ثم تجهزت للقائه، على ما يأتي إن شاء الله.
الإشارة: إذا توجه المريد إلى مولاه، توجهت إليه نفسه بأجنادها، وهي الدنيا، والجاه، والرئاسة، والحظوظ، والشهوات، فتُمده أولاً بمالٍ وجاه، تختبره، فإن علت همته، وقويت عزيمته، أعرض عن ذلك وأنكره، وقال:
أتمدونني بمال حقير، وجاه صغير، فما آتانيَ الله من معرفته والغنى به خير مما آتاكم. ثم يقول للوارد بذلك: ارجع إليهم- أي: للنفس وجنودها- فلنأتينهم بجنود من الأنوار لا قِبَل لهم بها، ولنخرجنهم منها- أي: قرية القلب- أذلة وهم صاغرون. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
ثم ذكر إتيان عرشها قبل إتيانها، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٣٨ الى ٤٤]
قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)
وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)
стр. 2012
ولما أرادت بلقيس الخروج إلى سليمان، جعلت عرشها فى آخر سبعة أبيات، وغلّقت الأبواب، وجعلت عليه حُراساً يحفظونه، وبعثت إلى سليمان: إني قادمة إليك لأنظر ما الذي تدعو إليه، وشَخَصَتْ إليه في اثني عشر ألف قَيْل «١» ، تحت كل قيل ألوفٌ، فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان، قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به، من إجراء العجائب على يده، مع إطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان. أو: أراد أن يأخذه قبل أن تتحصن بالإسلام، فلا يحل له، والأول أليق بمنصب النبوة، أو: أراد أن يختبرها في عقلها، بتغييره، هل تعرفه أو تُنكره.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ، وهو المارد الخبيث، واسمه «ذكوان» ، أو: «صَخْر» : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي: من مجلسك إلى الحكومة، وكان يجلس إلى تُسع النهار، وقيل: إلى نصفه. وَإِنِّي عَلَيْهِ على حمله لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، آتي به على ما هو عليه، لا أغير منه شيئاً ولا أُبدله، فقال سليمان ﵇، أريد أعجل من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ. قيل هو: آصف بن برخيا- وزير سليمان ﵇، كان عنده اسمُ الله الأعظم، الذي إذا سئل به أجاب. قيل هو: يا حيّ يا قيوم، أو: يا ذا الجلال والإكرام، أو: يا إلهنا وإله كل شيء، إلهاً واحداً، لآَّ إِلَهَ إِلآَّ أَنتَ. وليس الشأن معرفة الاسم، إنما الشأن أن يكون عين الاسم، أي: عين مسمى الاسم، حتى يكون أمره بأمر الله. وقيل: هو الخضر، أو: جبريل، أو: ملك بيده كتاب المقادير، أرسله تعالى عند قول العفريت. والأول أشهر «٢» . قال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ أي: ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن ترده تُبصر العرش بين يديك.
رُوي: أن آصف قال لسليمان: مُدّ عينيك حتى ينتهي طرفك، فمدّ عينيه، فنظر نحو اليمن، فدعا آصف، فغار العرش في مكانه، ثم نبع عند مجلس سليمان، بقدرة الله تعالى، قبل أن يرجع إليه طرفه. فَلَمَّا رَآهُ أي:
العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ثابتاً لديه غير مضطرب، قالَ هذا أي: حصول مرادي، وهو حضور العرش في مدة قليلة، مِنْ فَضْلِ رَبِّي عليّ، وإحسانه إليّ، بلا استحقاق مني، بل هو فضل خالٍ من العوض، لِيَبْلُوَنِي: ليختبرني أَأَشْكُرُ نعمَه أَمْ أَكْفُرُ، وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لأنه يقيد به محصولها، ويستجلب به مفقودها، ويحط عن ذمته عناء الواجب، ويتخلص من وصمة الكفران. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ أي: ومن كفر بترك الشكر، فإن ربي غني عن شكره، كريم بترك تعجيل العقوبة إليه. وفي الخبر: «من شكر النعم فقد قيّدها بعقالها، ومن لم يشكر فقد تعرض لزوالها» .
стр. 2013
وقال الواسطي: ما كان مِنَّا من الشكر فهو لنا، وما كان منه من النعمة فهو إلينا، وله المنة والفضل علينا. هـ.
قالَ سليمانُ ﵇ لأصحابه: نَكِّرُوا لَها عَرْشَها أي: غيّروا هيئته بوجه من الوجوه، نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي لمعرفته، أو: للجواب الصواب إذا سُئلت عنه، أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى معرفة عرشها.
أو إلى الجواب الصواب.
فَلَمَّا جاءَتْ بلقيسُ سليمانَ ﵇، وقد كان العرش بين يديه، قِيلَ من جهة سليمان، أو بواسطة:
أَهكَذا عَرْشُكِ؟ ولم يقل: أهذا عرشك لئلا يكون تلقيناً، فيفوت ما هو المقصود من اختبار عقلها، وقد قيل لسليمان- لما أراد تزوجها-: إن في عقلها شيئاً، فاختبرها بذلك. قالَتْ- لما رأته-: كَأَنَّهُ هُوَ فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقل: هو هو، مع علمها بحقيقة الحال، ولِمَا شبّهوا عليها بقولهم: أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها: كَأَنَّهُ هُوَ مع أنها علمت بعرشها حقيقة، تلويحاً بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في الصفات مع اتحاد الذات، ومراعاة لحسن الأدب في محاورته ﵇.
ولو قالوا: أهذا عرشك؟ لقالت: هو.
ثم قالت: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بقدرة الله تعالى، وبصحة نبوتك مِنْ قَبْلِها من قَبل هذا الأمر، أي: من قبل هذه المعجزة التي شاهدنا الآن، من أمر الهدهد، وبما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ منقادين لك من ذلك الوقت، وكأنها ظنت أنه أراد ﵇ اختبار عقلها، وإظهار المعجزة، لتؤمن به، فأظهرت أنها آمنت به قيل وصولها إليه. أو قال سليمان: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله تعالى وبكمال قدرته من قبل هذه الآية، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ موحدين، أو: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعةً مِنْ قَبْلِها مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ موحّدين.
وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، هو من كلام سليمان، أي: وصدها عن العلم بما علمناه- أو: عن التقدم إلى الإسلام- عبادةُ الشمس وإقامتها بين ظهرانيِّ الكفرة، أو: من كلام تعالى، بياناً لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام الآن، أي: صدَّها عن ذلك عبادتُها القديمة للشمس، إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ أي: كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها، وهى بين ظهرانيهم، حتى دخلت تحت ملكة سليمان ﵇، أو: وصدها الله تعالى، أو: سليمان، عما كانت تعبدُ من دون الله، فحذف الجار وأوصل الفعل.
لَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ
أي: القصر، أو: صحن الدار، لَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
: ماء عظيما، كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
. رُوي أن سليمان ﵇ أمر قبل قدومها، فبُني له على طريقها قصر من زجاج
стр. 2014
أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه، وعكف عليه الطير والجن والإنس. وإنما فعل ليزيدها استعظاماً لأمره، وتحقيقاً لنبوته. وقيل: إن الجن كرهوا أن يتزوجها، فتفضى إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنّية. وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد، فيجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من مُلْكِ سليمان إلى مُلْكِ أشدّ منه، فقالوا له: إن في عقلها شيئاً، وهي شَعْراء الساقين، ورِجْلها كحافر الحمار، فاحتبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورِجلها «١» فكشفت عنهما، فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً، إلا أنها شعراء، وصرف بصره. ثم الَ
لها: نَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملس مستو. ومنه:
الأمرد، للذي لا شعر فى وجهه، نْ قَوارِيرَ
من الزجاج، وأراد سليمان تزوجها، فكره شعرها، فعملت له الشياطين النورة، فنكحها سليمان، وأحبها، وأقرها على ملكها، وكان يزورُها في الشهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة ايام، وولدت له، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان ﵇، فسبحان من لا انقضاء لملكه.
رُوي أنه مُلِك وهو ابنُ ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. هـ.
ثم ذكر إسلامها، فقال: الَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بعبادة الشمس، أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ
تابعة له، مقتدية به، لَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
. وفيه الالتفات إلى الاسم الجليل، ووصفه بربوبيته للعالمين لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى، وتفرده باستحقاق العبادة، وربوبيته لجميع الموجودين، التي من جملتها: ما كانت تعبد قبل ذلك من الشمس. والله تعالى أعلم.
الإشارة: عرش النفس الذي تستقر عليه هو الدنيا، فمن أحب الدنيا وركن إلى أهلها، فقد أجلس نفسه على عرشها، وصيَّرها مالكه له، متصرفة فيه بما تُحب، ومن أبغض الدنيا وزهد في أهلها، فقد هدم لها عرشها، وصارت خادمة مملوكة له، يتصرف فيها كيف يشاء. فيقول الداعي إلى الله- وهو من أهَّله الله للتربية- للمريدين:
أيكم يأتيني بعرشها، ويَخرج عنها لله في أول بدايته؟ فمنهم من يأتي بها بعد مدة، ومنهم من يأتي بها أسرع من طرفة، على قدر القوة والعزم والصدق في الطلب، ومن أتى بعرش نفسه، وخرج عنها لله، فهو الذي آتاه الله علماً
стр. 2015
من الكتاب، وعرف مدلوله ومقصوده، لكن من السياسة أن يتدرج المريدُ في تركها شيئاً فشيئاً، حتى يخرج عنها، أو يغيب عن شغلها بالكلية، وإن كانت بيده. فلما خرجوا عن عرش نفوسهم لله، وتوجهوا إليه، ورأى ذلك منهم، قال: هذا من فضل ربي، حيث وقعت الهداية على يدي، ليبلوني، أشكر أم أكفر.. الآية. قال نكروا لها عرشها، أي:
اعرضوا عليها الدنيا، وأرُوها عرشها التي كانت عليه، متغيراً عن حاله الأولى- لأنه كان معشوقاً لها، والآن صار ممقوتاً لغناها بالله- ننظر أتهتدي إليه، وترجع إلى محبته، فيكون علامة على عدم وصولها، أم تكون من الذين لا يهتدون إليه أبداً، فتكون قد تمكنت من الأنس بالله، فلما جاءت وأظهر لها عرشها اختباراً، قيل: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو، وأوتينا العلم بالله من قبل هذه الساعة، وكنا منقادين لمراده، فلن نرجع إلى ما خرجنا عنه لله أبداً. وصدّها عن الحضرة ما كانت تعبدُ من الهوى، من دون محبة الله، إنها كانت من قوم كافرين، منكرين للحضرة، غير عارفين بها. قيل لها حين رحلت عن عرشها: ادخلي دار الحضرة، فلما رأت بحر الوحدة، يتموج بتيار الصفات، دهشت، وحسبته لُجةً، يغرق صاحبه في بحر الزندقة، قال لها رئيس البحرية- وهو شيخ التربية: إنه بحر منزه متصل، لا أول له، ولا آخر له. ليس مثله شيء، ولا معه شيء، محيط بكل شيء، وماحٍ لكل شيء. ثم اعترفت أنها ظالمة لنفسها، مشغولة بهواها، قبل أن تعرف هواه، فلما عرفته غابت عن غيره، واستسلمت وانقادت له. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر قصة صالح ﵇ فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٤٥ الى ٤٧]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)
قلت: (ولقد أرسلنا) : عطف على (ولقد آتينا داود ... ) الخ.
يقول الحق ﷻ : وَالله لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ نسباً صالِحاً، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي: بأن اعبدوه وحده، فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ أي: ففاجئوا التفرق والاختصام، ففريق مؤمن به،
стр. 2016
وفريق كافر، أو: يختصمون فيه، فكل فريق يقول: الحق معي. وقد فسر هذا الاختصام قوله تعالى في الأعراف:
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ «١» . قالَ ﵇ للفريق الكافر، بعد ما شاهد منهم ما شاهد من نهاية العتو والعناد، حتى استعجلوا العذاب: يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالعقوبة السيئة قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي: التوبة الصالحة، فتؤخرونها إلى حين نزولها، حيث كانوا- من جهلهم وغوايتهم يقولون: إن وقع العذاب تُبنا حينئذٍ، وإلا فنحن على ما كنا عليه. أو: لِمَ تستعجلون بالعذاب قبل الرحمة، أو: بالمعصية قبل الطاعة، لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ: هلا تطلبون المغفرة من كفركم بالتوبة والإيمان قبل نزوله، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بالإجابة قبل النزول، إذ لا قبول بعده، قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ تشاء منا بك وَبِمَنْ مَعَكَ من المؤمنين لأنهم قُحِطوا عند مبعثه لكفرهم، فنسبوه إلى مجيئه. والأصل: تطيرنا. وقرئ به، فأدغمت التاء في الطاء، وزيدت ألف وصل، للسكون.
قالَ صالح ﵇: طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي: سببكم الذي به ينالكم ما ينالكم من الخير والشر عند الله، وهو قدره وقضاؤه، أو: عملكم مكتوب عند الله، فمنه نزل بكم ما نزل، عقوبة لكم وفتنة. ومنه: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ «٢» أي: ألزمناه جزاء عمله، أو: ما قدر له في عنقه، وأصله: أن المسافر كان إذا مرّ بطائر يزجره، فإن مر إلى جهة اليمين تيمن، وإن مر إلى ناحية الشمال تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، أو: من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ: تختبرون بتعاقب السراء والضراء، أو: تعذبون، أو: يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة. قال- ﵊: «لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ» «٣» وقال أيضاً: «إذا تطيرت فلا ترجع» «٤» . والله تعالى أعلم.
الإشارة: سَير أهل التربية مع أهل زمانهم كسير الأنبياء مع أممهم، إذا بعثهم الله إلى أهل زمانهم اختصموا فيهم، ففريق يصدق وفريق يكذب، فيطلبون الكرامة والبرهان، ويتطيرون بهم وبمن تبعهم، إن ظهرت بهم قهرية من عند الله، كما رأينا ذلك كله. وبالله التوفيق.
стр. 2017
ثم ذكر اهتمامهم بقتل صالح وهلاكهم، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٤٨ الى ٥٣]
وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)
وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)
يقول الحق ﷻ : وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ مدينة ثمود، وهي الحجر، تِسْعَةُ رَهْطٍ أي:
أشخاص، وهو جمع لا واحد له، فلذا جاز تمييز التسعة به، فكأنه قيل: تسعة أنفس، وهو من الثلاثة إلى العشرة، وكان رئيسهم «قدار بن سالف» وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا أبناءَ أشرافهم ومن عتاتهم، يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أي: في المدينة، إفساداً لا يخالطه شيء من الصلاح أصلاً، وَلا يُصْلِحُونَ يعني: إن شأنهم الإفساد المحض، الذي لا صلاح معه. وعن الحسن: يظلمون الناس، ولا يمنعون الظالمين عن الظلم. وعن ابن عطاء: يتبعون معايب الناس، ولا يسترون عوراتهم.
قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ: استئناف لبيان بعض فسادهم. و (تقاسموا) : إما أمر مقول لقالوا، أي: تحالفوا أمر بعضهم بعضاً بالقسم على قتله. وإما خبر حال، أي: قالوا متقاسمين. لَنُبَيِّتَنَّهُ: لنقتلنه بياتاً، أي: ليلاً، وَأَهْلَهُ: ولده ونساءه، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ أي: لوليّ دمه: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي: ما حضرنا هلاكهم، أو: وقت هلاكهم. أو: مكانه فضلاً أن نتولى إهلاكهم، وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما ذكرناه. وهو إما من تمام المقول، أو: حال، أي: نقول ما نقول والحال أنا صادقون في ذلك لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفاً. ولأنا ما شهدنا مهلك أهله وحده، بل مهلكه ومهلككم جميعاً، كقولك: ما رأيت ثمَّ رجلاً، أي: بل رجلين. ولعل تحرجهم من الكذب في الأَيْمان مع كفرهم لِما تعودوا من تعجيل العقوبة للكاذب في القسامة، كما كان أهل الشرك مع البيت الحرام في الجاهلية. وكان تقاسمهم بعد أن أنذرهم بالعذاب، وبعد قوله: تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ «١» .
стр. 2018
قال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً بهذه المواضع، وَمَكَرْنا مَكْراً أهلكناهم إهلاكاً غير معهود، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي: من حيث لا يحتسبون، فمكرهم: هو ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح ﵇ وأهله.
ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أي: فتفكر في أنه كيف كان عاقبة مكرهم. فسره بقوله: أَنَّا دَمَّرْناهُمْ: أهلكناهم بالصيحة وَقَوْمَهُمْ الذين لم يكونوا معهم في التبييت أَجْمَعِينَ. رُوي أنه كان لصالح مسجد في شِعْبٍ يُصلِّي فيه. فقالوا: زعم صالح يفرع منا إلى ثلاث، وقد رأى علامة ذلك، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب، وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة من الهَضب التي حِيالهم «١» ، فبادروا، فأطبقت الصخرة عليهم فم الشعب، فلم يدر قومهم أين هم، ولم يدروا ما فُعِل بقومهم، وعذَّب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه.
وقال ابن عباس: أرسل الله الملائكة ليلاً، فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة إلى دار صالح، شاهرين السيوف، فقتلتهم الملائكة بالحجارة يرون الحجارة، ولا يرون رامياً «٢» .. هـ. ويمكن الجمع بأن بعضهم مات تحت الصخرة، وبعضهم أتى إلى دار صالح فقتل.
قال تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً ساقطة متهدمة، من: خوى النجم: إذا سقط. أو: خالية من السكان، بِما ظَلَمُوا بسبب ظلمهم. إِنَّ فِي ذلِكَ أي: فيما ذكر من التدمير العجيب لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قدرتنا، فيتعظون.
وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا أي: صالحاً ومَن معه من المؤمنين، وَكانُوا يَتَّقُونَ الكفر والمعاصي، اتقاء مستمراً، ولذلك نجوا مع صالح. قال مقاتل: لما وقت لهم صالح العذاب إلى ثلاث، خرج أول يوم على أبدانهم مثل الحمّص أحمر، ثم اصفر من الغد، ثم اسود من اليوم الثالث. ثم تفقأت، وصاح جبريل في خلال ذلك، فخمدوا، وكانت القرية المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح، فسميت حضرموت. هـ. والله تعالى أعلم.
الإشارة: وكان في مدينة القلب تسعُ علل، يُفسدون فيها ولا يُصلحون، وهي حب الدنيا، وحب الرئاسة، والحسد. والكبر، والحقد، والعجب، والرياء، والمداهنة، والبخل، هم أفسدوا قلوب الناس، وتقاسموا على هلاكها، ومكروا بهم حتى زيَّنوا لهم سوءَ عملهم، ومكر الله بهم، فدفعهم ودمَّرهم عن قلوب الصالحين، فتلك بيوتهم خاوية منها، أخرجهم منها، بسبب ظلمهم لها.
стр. 2019
وقال القشيري على قوله: وَمَكَرُوا مَكْراً ... الآية: مَكْرُ اللهِ: جزاؤهم على مَكْرِهم، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة، ثم إحلالها بهم بغتةً. هـ. وقال الورتجبي: حقيقة المكر: امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليفة، فإذا كان كذلك من ينجو من مكره، والحدث لا يطلع على سوابق علمه في القِدم، فمَكْره وقهره صفتان من صفاته، لا تفارقان ذاته، وذاته أبدية، انظر تمامه. قلت: ومعنى كلامه: أن مكر الله في الجملة: هو إخفاء السر الأزلي- وهو القضاء والقدر- عن مطالعة الخلق، فلا يدري أحد ما سَبق له في العلم القديم، وإذا كان كذلك فلا ينجوا أحد من مكره إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم، إلا من اطلع عليه بوحي، كالأنبياء، أو بنص صريح منهم، كالمبشرين بالجنة، ومع ذلك: العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية، ولذلك قيل: العارف لا يسكن إلى الله. قاله في لطائف المنن، أيّ: لا يسْكُن إلى وعد الله ولا وعيده، فلا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره.
وقال القشيري- على قوله: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً..، في الخبر: «لو كان الظلم بيتاً في الجنة لسلط الله عليه الخراب» . هـ. قلت: فكل مَن اشتغل بظلم العباد، فعن قريب ترى دياره بلاقع «١» ، كما هو مجرب. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر قصة لوط- ﵇ فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٥٤ الى ٥٨]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)
قلت: (ولوطا) : عطف على (صالحا) داخل معه في القسم، أي: ولقد أرسلنا صالحاً ولوطاً. و (إذ قال) : ظرف للإرسال، أو: منصوب باذكر، و (إذ قال) : بدل من (لوط) .
стр. 2020
يقول الحق ﷻ : وَلقد أرسلنا لُوطاً، أو: واذكر لوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أي: وقت قوله لهم: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي: الفعلة المتناهية في الفُحش والسماجة، وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أي: والحالة أنكم تعلمون علماً يقينياً أنها فاحشة، لم تُسبَقوا إليها. والجملة الحالية تفيد تأكيد الإنكار، فإنَّ تعاطيَ القبيح من العالم بقُبحه أقبح وأشنع، ولذلك ورد في الخبر: «أشدُّ الناس عذاباً يومَ القِيَامَةِ عَالِمٌ لَم يَنفَعهُ الله بعلْمِه» «١» . وقال الفخر:
لا تصدر المعصية من العالم قط وهو عالم، وحين صدورها منه هو جاهل لأنه رجح المرجوح، وترجيح المرجوح جهل، ولذلك قال: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. هـ. وفي الحديث: «لا يَزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» «٢» . إذ لو صدّق بإطلاع الحق عليه ما قدر على الزنى، لكنه جهل ذلك. وتُبْصِرُونَ، من: بصر القلب. وقيل: يُبصر بعضُكم بعضاً لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم، معلنين بها، لا يستتر بعضهم من بعض، مَجانةً وانهماكاً في المعصية، أو: تُبصرون آثار العصاة قبلكم، وما نزل بهم.
أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً أي: للشهوة مِنْ دُونِ النِّساءِ أي: أن الله تعالى إنما خلق الأنثى للذكر، ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادة للهِ تعالى في حكمته، فلذلك كانت أشنع المعاصي، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ تفعلون فعل الجاهلين بقُبحها، أو: تجهلون العاقبة. أو: بمعنى السفاهة والمجون، أي: بل أنتم سُفهاء ماجنون. والتاء فيه- مع كونه صفة لقوم لكونهم في حيز الخطاب. وكذا قوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ «٣» ، غلّب الخطاب على الغيبة. قال ابن عرفة: «بل» : للانتقال، والانتقال في باب الذم إنما يكون عن أمر خفيف إلى ما هو أشد منه، وتقرير الأشدّية هنا: أن المضروب عنه راجع للقوة الحسية العملية، وهي منقطعة تنقضي بانقضاء ذلك الفعل، والثاني راجع للقوة العلمية، وهي دائمة لأن العلم بالشيء دائم، والعمل به منقطع غير دائم. هـ.
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ حين نهاهم عن تلك الفاحشة ودعاهم إلى الله، إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ أي: لوطاً ومتبعيه مِنْ قَرْيَتِكُمْ، إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يتنزهون عن أفعالنا، أو: عن القاذورات، ويعدون فعلنا قذراً. وعن ابن عباس: أنه استهزاء، كقوله: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ «٤» .
стр. 2021
فَأَنْجَيْناهُ: فخلّصناه من العذاب الواقع بالقوم، وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها بالتشديد والتخفيف، أي:
قدرنا أنها مِنَ الْغابِرِينَ الباقين في العذاب. وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً غير معهود حجارة مكتوب عليها اسم صاحبها، فَساءَ: قَبُحَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ الذين لم يقبلوا الإنذار. وقد مرّ كيفية ما جرى بهم غير مرة.
والله تعالى أعلم.
الإشارة: ما أنكر لوط على قومه إلا غلبة الشهوة على قلوبهم، والانهماك في غفلتهم، فرجعت إلى معصية القلوب، وهي أشد من معصية الجوارح لأن معصية الجوارح إذا صحبتها التوبة والانكسار، عادت طاعة، بخلاف معصية القلوب فإنها تنطمس بها أنوار الغيوب، فلا يزيد صاحبها إلا البُعد والطرد، والعياذ بالله.
ثم أمر رسوله محمدا ﷺ بالتحميد، ثم بالسلام على عباده المرسلين توطئة لما يتلوه من الدلالة على وحدانيته تعالى، وقدرته على كل شىء، وهو تعليم لكل متكلم فى كل أمر ذى بال، بأن يبتدئ فى خطبته بحمد الله، والثناء على رسله، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٠]
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماء فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)
يقول الحق ﷻ لنبيه- ﵊: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على ما أنعم به عليك من فنون النعم، ومن جملتها: اطلاعك على أسرار علم غيوبه، وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى لرسالته. وقال ابن عباس وسفيان: هم أصحاب محمد ﷺ ، اصطفاهم بصحبته- ﵊ وقال الكلبي: هم أمة محمد ﷺ ، اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته. ثم قل لهم إلزاماً للحجة: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ «١» أي: آلله الذي ذكرت شئونه العظيمة خير، أم ما تشركونه معه تعالى من الأصنام؟ ومرجع الترديد إلى التعرض بتبكيت الكفرة، وتسفيه آرائهم الركيكة، والتهكم بهم إذ من البيِّن أن ليس فيما أشركوه به تعالى شائبة خير، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من لا خير إلا خيره، ولا إله غيره.
وكان ﵊ إذا قرأها قال: «بلِ الله خيْرٌ، وأَبْقَى، وأجلُّ، وأكرم» «٢» .
стр. 2022
ثم عدَّد سبحانه الخيرات والمنافع، الدالة على انفراده بالخيرية، فقال: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، «أم» هنا: منقطعة، بخلاف أَمَّا يُشْرِكُونَ أي: بل أمّن خلق العالم العلوي والسفلي، وأفاض من كل واحد ما يليق به من الخيرات، خير، أم جماد لا يقدر على شيء؟ فمن: مبتدأ، وخبرها: محذوف مع «أم» المعادلة للهمزة، كما قررنا.
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً. مطراً فَأَنْبَتْنا، التفت من الغيبة إلى التكلم تأكيداً لمعنى اختصاص الفعل به تعالى، وإيذاناً بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان، والطعوم والأشكال، مع بهجتها، بماء واحد، لا يقدر عليه غيره، أي: فأخرجنا بِهِ حَدائِقَ: بساتين، فالحديقة: بستان عليه حائط، من: الإحداق، وهو الإحاطة، ذاتَ بَهْجَةٍ أي: ذات حُسن ورونق، تبتهج به النظار، ولم يقل: ذوات لأن المعنى: جماعة حدائق، كما تقول: النساء ذهبت. ما كانَ لَكُمْ ما صح وما أمكن لكم أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها فضلاً عن ثِمارها وسائر صفاتها البديعة المبهجة، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ أي: أإله كائن مع الله، الذي ذكرت أفعاله، التي لا يقدر عليها غيره، حتى يُتوهم جعله شريكاً له تعالى في العبادة؟ أو: أإله مع الله يفعل ذلك؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ:
بل هم قوم عادتهم العدول عن طريق الحق بالكلية، والانحراف عن الاستقامة في كل أمر من الأمور، فلذلك يفعلون ما يفعلون من الإشراك والجرائم، أو: يعدلون به غيره فيُشركونه معه. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قل الحمد لله، الذي كشف الحجب عن قلوب أوليائه، وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصطفاهم لحضرته، آلله خير، أي: أشهود الله وحده في الوجود خير، أم شهود الغير معه؟، فتشركون في توحيدكم. أمن خلق سموات أرواحكم، وهيأها لشهود الربوبية، وخلق أرض نفوسكم، وهيأها لآداب العبودية، وأنزل لكم من سماء الغيوب ماء الواردات الإلهية، فأنبتنا به في قلوب العارفين بساتين المعرفة، ذات بهجة ونزهة؟ ما كان لكم، وفي طوقكم، أن تُنبتوا في قلوبكم شجر المعرفة، ولا ثمار المحبة، أإله مع الله يمنّ عليكم بذلك؟، بل هم قوم يعدلون عن طريق الوصول إلى هذه البساتين البهية لأنها محفوفة بالمكاره النفسية، لا يقدر على سلوكها إلا الشجعان، أهل الهمم العلية. وبالله التوفيق.
ثم ذكر نوعا آخر من دلائل توحيده، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٦١]
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١)
стр. 2023
يقول الحق ﷻ : أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً أي: قارة ثابتة، ليستقر عليها الإنسان والدواب، بإظهار بعضها من الماء، ودحوها وتسويتها، حسبما يدور عليه منافعهم. وَجَعَلَ خِلالَها أواسطها أَنْهاراً جارية ينتفعون بها، وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ أي: جبالا ثوابت، تمنعها أن تميد بأهلها، ولتتكون فيها المعادن، وينبع من حضيضها المنابع. وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ أي: العذب والمالح، أو: خليجي فارس والروم حاجِزاً برزخاً مانعاً من المعارجة والمخالطة، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ في الوجود، أو: في إبداع هذه البدائع؟
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شيئاً من الأشياء، ولذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك مع كمال ظهوره.
الإشارة: أم من جعل أرض النفوس قراراً، لتستقر عليها أحكام العبودية، وتتصرف فيها أقدار الربوبية، وجعل خلالها أنهاراً من علوم الشرائع، وما يتعلق بعالم الحكمة من الحِكَم والأحكام، وجعل لها جبالاً من العقل لتعرف صانعها ومدبرها، وجعل بين بحر الحقيقة والشريعة حاجزاً وبرزخاً، وهو نور العقل؟ فما دام العقل صاحياً ميّز بين الحقيقة والشريعة، فيلزمه التكليف، ويعطي كل ذي حق حقه. فإذا سكر وغاب نوره سقط التكليف. وقد تُشرق على نور قمر العقل شمسُ العرفان، فتغطيه مع وجود صحوه، فيميز بين الحقائق والشرائع، وتكون عباداته أدباً وشكراً.
وبالله التوفيق.
ثم ذكر نوعا آخر، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٦٢]
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٦٢)
قلت: الاضطرار: الافتعال من الضرورة، وهي الحاجة المحوجة إلى اللجأ، يقال: اضطره إلى كذا، واسم الفاعل والمفعول: مضطر، ويختلف التقدير.
يقول الحق ﷻ : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ، وهو من نزلت به شدة من شدائد الزمان، ألجأته إلى الدعاء والتضرع، كمرض، أو فقر، أو نازلة من نوازل الدهر ونوائبه، أو: المذنب إذا استغفر مبتهلاً، أو:
المظلوم إذا دعا، أو: من رفع يديه، ولم ير لنفسه حسنة يرجو بها القبول غير التوحيد، وهو منه على خطر، فهذه أنواع المضطر. وإجابة دعوته مقيدة بالحديث: «الدّاعِي عَلَى ثَلاث مراتب، إما أن يُعجل له ما طلب، وإما أن
стр. 2024
يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله» «١» . وأيضاً: إذا حصل الاضطرار الحقيقي حصلت الإجابة قطعاً، إما بعين المطلوب، أو بما هو أتم منه، وهو الرضا والتأييد. وَيَكْشِفُ السُّوءَ وهو الذي يعترى الإنسان مما يسوؤه، كضرر أو جَور، وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أي: خلفاء فيها، تتصرفون فيها كيف شئتم، بالسكنى وغيره، وراثة عمن كان قبلكم من الأمم، قرناً بعد قرن. أو: أراد بالخلافة: الملك والتسلط. أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ الذي يفيض على الخلق هذه النعم الجسام، يمكن أن يعطيكم مثلها؟ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ «٢» أي: تذكراً قليلاً، أو:
زماناً قليلاً تتذكرون فيه. و «ما» : مزيدة، لتأكيد معنى القلة، التي أريد بها العدم، أو: ما يجري مجراه في الحقارة وعدم الجدوى. وتذييل الكلام بنفي عدم التذكر منهم إيذان بأن وجود التذكر مركوز في ذهن كل ذكي، وأنه من الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه وتذكره. والله تعالى أعلم.
الإشارة: الاضطرار الحقيقي الذي لا تتخلف الإجابة عنه في الغالب: هو أن يكون العبد في حال شدته كالغريق في البحر وحده، لا يرى لغياثه غير سيده. وقال ذو النون: هو الذي قطع العلائق عما دون الله. وقال سهل بن عبد الله: هو الذي رفع يديه إلى الله تعالى داعياً، ولم تكن له وسيلة من طاعة قدّمها. هـ. بل يقدم إساءته بين يديه، ليكون دعاؤه بلا شيء يستحق عليه الإجابة، إلا من محض الكرم.
قال القشيري: يقال للجناية: سراية، فَمَن كان في الجناية مختاراً، فليس يسلم له دعوى الاضطرار عند سراية جرمه الذي سلف، وهو في في ذلك مختار، فأكثر الناس أنهم مضطرون، وذلك الاضطرار سراية ما بَرَزَ منهم في حال اختيارهم، ومادام العبد يتوهم من نفسه شيئاً من الحَوْلِ والحِيل، ويرى لنفسه شيئاً من الأسباب يعتمد عليه، ويستند إليه، فليس بمضطر، إلا أن يرى نفسه كالغريق في البحر، والضَّالِّ في المتاهة. والمضطر يرى غِيَاثه بيد سَيِّدهِ، وزِمَامَه في قبضته، كالميت في يد غاسِله، ولا يرى لنفسه استحقاقاً في أن يجاب، بل اعتقاده في نفسه أنه من أهل السخط، ولا يقرأ اسمه في ديوان السعادة، ولا ينبغي للمضطر أن يستعين بأحدٍ في أن يدعو له لأن الله وَعَدَ الإجابة له لا من يدعو له. هـ. وبحث معه المحشي الفاسي في بعض ألفاظه، فانظره.
قوله تعالى: وَيَكْشِفُ السُّوءَ. أي: ما يسوء القلب ويحجبه عن مولاه، من أكدار وأغيار، وقوله: (ويجعلكم خلفاء الأرض) أي: تتصرفون في الوجود بأسره، بهمتكم، إن زال غم الحجاب عنكم، وشاهدتم ربكم بعين
стр. 2025
بصيرتكم وبصركم لأن نور البصيرة إذا استولى على البصر، بعد فتح البصيرة، غطى نوره، فلا يرى البصر إلا ما تراه البصيرة من أسرار الذات الأزلية القديمة. فمن بلغ هذا المقام كان خَلِيفَةَ اللهِ في أرضه، يُملكه الوجود بأسره، وما ذلك على الله بعزيز.
ثم ذكر نوعا آخر من دلائل توحيده، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٦٣]
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)
يقول الحق ﷻ : أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ليلاً، وبعلامات في الأرض نهاراً؟.
أو: أمّن يهديكم إلى سلوك الطريق التي تُوصلكم إلى مقصدكم، وأنتم في ظلمات الليل، سواء كنتم في البر أو البحر؟ فلا هادي إلى ذلك إلا الله تعالى. وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ، أو بالإفراد. نَشْراً «١» بالنون- أي: تنشر السحاب إلى الموضع الذي أمر الله بإنزال المطر فيه، أو بُشْراً- بالباء- أي: مبشرة بالمطر، بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قدَّام المطر، علامة عليه، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يفعل ذلك؟ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار للإشعار بعلِّية الحُكم، أي: تعالى الله وتنزّه بذاته المنفردة بالألوهية، المقتضية لكون كل المخلوقات مقهوراً تحت قدرته، عن وجود ما يشركونه به تعالى.
الإشارة: أمّن يهديكم إلى حل ما أشكل عليكم، وأظلمت منه قلوبكم، من علم بَر الشرائع. وبحر الحقائق، فيهديكم في الأول إلى كشف الحق والصواب، وفي الثاني إلى كشف الغطاء ورفع الحجاب، أو: في الأول إلى علم البيان، وفي الثاني إلى عين العيان بالذوق والوجدان. أو: في الأول إلى علم اليقين، وفي الثاني إلى عين اليقين وحق اليقين. ومَن يُرسل رياح الواردات الإلهية، بشارة بين يدي رحمته بالوصول إلى حضرته، وهو التوحيد الخاص. ولذلك ختمه بقوله: تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ من رؤية وجود السّوى.
стр. 2026
ثم ذكر نوعا آخر، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٦٤ الى ٦٥]
أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)
قلت: «من» إما فاعل بيعلم، و «الغيب» : بدل منه، و «الله» : مفعول، و «إلا الله» : بدل، على لغة تميم، أي: إبدال المنقطع، وإما مفعول بيعلم، و «الغيب» بدل منه و (الله) : فاعل، والاستثناء: مفرغ.
يقول الحق ﷻ : أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي: ينشىء الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ بعد الموت بالبعث. وإنما قيل لهم: ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم منكرون للإعادة لأنهم أزيحتْ شبهتهم بالتمكن من المعرفة، والإقرار، فلم يبقَ لهم عذرٌ في الإنكار. وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ بالمطر وَالْأَرْضِ أي: ومن الأرض بالنبات، أي: يرزقكم بأسباب سماوية وأرضية، قد رتبها على ترتيب بديع، تقضيه الحكمة التي عليها بني أمر التكوين، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يفعل بذلك؟ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي: حجتكم، عقلية أو نقلية، على إشراككم، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم أن مع الله إلها آخر.
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ، بعد ما حقق سبحانه انفراده بالألوهية، ببيان اختصاصه بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة، عقَّب بذكر ما هو من لوازمه، وهو اختصاصه بعلم الغيب، تكميلاً لما قبله، وتمهيداً لما بعده من أمر البعث. قالت عائشة- رضى الله عنها-: (منْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَدْ أعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيةَ، والله تعالى يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ.
دخل على الحجاج مُنجِّم، فأخذ الحجاج حصياتٍ، قد عدَّها، فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب، ثم اغتفله الحجاجُ، فأخذ حصيات لم يعدها، فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب، فأخطأ، فقال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها في يدك، فقال: ما الفرق بينهما؟ فقال: إن ذلك أحصيتَه فخرج من حَد الغيب، فحسبتُ فأصبتُ، وإن هذا لم تعرف عدته، فصار غيباً، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى.
ومن جملة الغيب: قيام الساعة، ولذلك قال: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي: متى ينتشرون من القبور، مع كونه مما لا بد لهم منه، ومن أهم الأمور عندهم. والله تعالى أعلم.
стр. 2027
الإشارة: الرزق ثلاثة: رزق الأشباح، ورزق القلوب، ورزق الأرواح، فرزق الأشباح معلوم، ورزق القلوب:
اليقين والطمأنينة، ورزق الأرواح: المشاهدة والمكالمة. قُل من يرزق قلوبكم وأرواحكم من سماء غيب القدرة وأرض الحكمة؟ فلا رازق سواه، ولا برهان على وجود ما سواه، ولا يعلم الغيب إلا الله. أو: من كان وجوده بالله قد غاب في نور الله، فَشَهِدَ الغيب بالله. والله تعالى أعلم.
ولمّا نفى عنهم علم الغيب، والشعور بمآلهم، أضرب عنه، وبيّن أن ما تناهى فيه أسباب العلم به، وهو مجىء القيامة، لم يحصل لهم به يقين، فضلا عن غيره، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٦٦ الى ٦٨]
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)
قلت: قرأ الجمهور: «ادّارَكَ» بالمد، وأصله: تدارك، فأدغمت التاء في الدال، ودخلت همزة وصل. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: «ادّرك» ، وأصله: افتعل، بمعنى تفاعل. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «أدرك» أفعل.
يقول الحق ﷻ : بَلِ ادَّارَكَ أي: تدارك وتناهى وتتابع أسباب عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي:
بالآخرة، أو: في شأنها، بما ذكرنا لهم من البراهين القطعية، والحجج العقلية، على كمال قدرتنا. ومع ذلك لم يحصل لهم بها يقين، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها، والمعنى: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة لا ريب فيها قد حصلت لهم، ومكّنوا من معرفته، بما تتابع لهم من الدلائل. ومع ذلك لم يحصل لهم شيء من علمها، بل شكّوا. أو: أدرك علمهم، بمعنى: يدركهم في الآخرة حين يرون الأمر عياناً، ولا ينفعهم ذلك. قاله ابن عباس وغيره. بَلْ هُمْ اليوم فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ لا يُبصرون دلائلها، ولا يلتفتون إلى العمل لها.
والإضرابات الثلاثة تنزيل لأحوالهم، وتأكيد لجهلهم. وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون بوقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة مع تتابع أسباب علمها، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية، ثم بما هو اسوأ حالاً، وهو العمى، وجعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه، فلذا عداه ب «من» دون «عن» لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التفكر والتدبر.
ووجه اتصال مضمون هذه الآية- وهو وصف المشركين- بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة بما قبله، وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب، وأن العباد لا علم لهم بشيء بذلك: هو أنه لما ذكر أن
стр. 2028
العباد لا يعلمون الغيب، وكان هذا بياناً لعجزهم، ووصفاً لقصور علمهم، وصل به أن عندهم عجزاً أبلغ منه، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بد من كونه- وهو وقت بعثهم، ومجازاتهم على أعمالهم: لا يكون، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه، لا محالة. هـ. قاله النسفي.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ أي: أنُخرج من القبور أحياء إذا صرنا تراباً وآباؤنا. وتكرير الاستفهام فى «أئذا» و «أإنا» في قراءة عاصم، وحمزة وخلف، إنكار بعد إنكار، وجحود بعد جحود، ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه. والعامل في (إذا) : ما دلّ عليه لَمُخْرَجُونَ وهو: نُخرج، لا مخرجون، لموانع كثيرة. والضمير فى «أإنا» لهم ولآبائهم.
لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ من قبل محمد ﷺ ، قدّم هنا «هذا» على «نحن» وفي المؤمنون «١» قدّم «نحن» ليدل هنا أن المقصود بالذكر هو البعث وثمَّ المبعوث لأن هنا تكررت أدلة البعث قبل هذا القول كثيراً، فاعتنى به، بخلاف «ثم» . ثم قالوا: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ: ما هذا إلا أحاديثهم وأكاذيبهم. وقد كذبوا، ورب الكعبة.
الإشارة: العلم بالآخرة يَقْوى بقوة العلم بالله، فكلما قوي اليقين في جانب الله قوي اليقين في جانب ما وعد الله به من الأمور الغيبية، فأهل العلم بالله الحقيقي أمور الآخرة عندهم نُصب أعينهم، واقعة في نظرهم لقوة يقينهم. وانظر إلى قول حارثة ﵁ حين قال له النبي ﷺ : «ما حقيقة إيمانك؟» فقال: يا رسول الله عزَفَتُ الدنيا من قلبي، فاستوى عندى ذهبها ومدرها. ثم قال: وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وأهل النار يتعاوون فيها، فقال له ﷺ : «قد عرفت فالزَم، عَبدٌ نوّر اللهُ قلبَه» . اللهم نَوِّر قلوبنا بأنوار معرفتك الكاملة، حتى نلقاك على عين اليقين وحق اليقين. آمين.
ثم أمرهم بالاعتبار بمن قبلهم، فقال:
قُلْ سِيرُوا ...
стр. 2029
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٦٩ الى ٧٠]
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)
يقول الحق ﷻ : قُلْ لهم: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ بسبب تكذيبهم للرسل- ﵈ فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله- وحده، واليوم الآخر، الذي ينكرونه، فإن في مشاهدة عاقبتهم ما فيه كفاية لأولي البصائر. وفي التعبير عن المكذبين بالمجرمين، لطف بالمسلمين، بترك الجرائم، وحث لهم على الفرار منها، كقوله: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ «١» ومِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا «٢» .
ثم قال لنبيه ﷺ : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي: لأجل أنهم لم يتبعوك، ولم يُسْلِموا فَيَسْلَمُوا. وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ في حرج صدر مِمَّا يَمْكُرُونَ من مكرهم وكيدهم، أي: فإن الله يعصمك من الناس. يقال: ضاق ضيقاً- بالفتح والكسر.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧١ الى ٧٣]
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣)
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ أي: وعد العذاب التي تعدنا، إن كنت من الصادقين في إخبارك بإتيانه على من كذّب. والجملة باعتبار شركة المؤمنين في الإخبار بذلك. قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ أي: تبعكم ولحقكم. استعجلوا العذاب، فقيل لهم: عسى أن يكون رَدِفَ، أي: قرب لكم بعضه. وهو عذاب يوم بدر، واللام زائدة للتأكيد. أو: ضمّن الفعل معنى يتعدّى باللام، نحو: دنا لكم، أو: أزف لكم. وعسى ولعل وسوف، في وعد الملوك ووعيدهم، يدل على صدق الأمر، وجدّه، وعلى ذلك جرى وعد الله، ووعيده.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي: إفضال وإنعام على كافة الناس. ومن جملة إنعامه: تأخير العقوبة عن هؤلاء، بعد استعجالهم لها، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ أي: أكثرهم لا يعرفون حق النعمة، ولا يشكرونها، فيستعجلون بجهلهم وقوع العذاب، كدأب هؤلاء. والله تعالى أعلم.
الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار، ساعة منه أفضل من عبادة سبعين سنة. ومن أجلّ ما يتفكر فيه الإنسان: ما جرى على أهل الغفلة والبطالة والعصيان، من تجرع كأس الحِمام، قبل النزوع والإقلاع عن الإجرام، فندّموا حيث لم ينفع الندم، وقد زلَّت بهم القدم، فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من الأعمال الصالحات رجعوا. فليعتبر الإنسان بحالتهم، لئلا يجري عليه ما جرى عليهم، وليبادر بالتوبة إلى ربه، وليشديده على أوقات عمره، قبل أن تنقضي في البطالة والتقصير، فيمضي عمره سبهللاً. ولله در القائل:
стр. 2030
السباق السباق قولا وفعلا ... حذر النفس حسرة المسبوق
قال أبو على الدقاق ﵁: رؤي بعضهم مجتهداً، فقيل له في ذلك، فقال: ومن أولى مني بالجهد، وأنا أطمع أن ألحق الأبرار الكبار من السلف. هـ. ويقال للواعظ أو للعارف، إذا رأى إدبار الناس عن الله، وإقبالهم على الهوى:
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ.. الآية.
ثم ذكر سعة علمه وحلمه، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧٤ الى ٧٥]
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥)
قول الحق ﷻ : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ أي: تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ أي: يُظهرون من القول. وليس تأخير العذاب عنهم لخفاءَ حالِهم عليه، ولكن له وقت مقدر، فيمهلهم إليه. أو: إن ربك ليعلم ما يخفون وما يُعلنون من عداوتك ومكايدهم لك، وهو معاقبهم على ذلك بما يستحقونه، وقرئ بفتح [التاء] «١» ، من: كننت الشيء: سترته.
وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي: من خافية فيهما إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ في اللوح المحفوظ.
يُسمى الشيء الذي يخفى ويغيب غائبه وخافية. والتاء فيهما كالتاء في العاقبة والعافية. ونظائرهما، وهي أسماء غير صفات. ويجوز أن يكونا صفتين، وتاؤهما للمبالغة، كالرواية. كأنه قال: وما من شيء شديد الغيوبة إلا وقد علمه الله، وأحاط به، وأثْبتَه في اللوح المحفوظ. ومن جملة ذلك: تعجيل عقوبتهم، ولكن لكل شيء أجل معلوم، لا يتأخر عنه ولا يتقدم. ولولا ذلك لعَجَّل لهم ما استعجلوه. والمُبين: الظاهر البين لمن ينظر فيه من الملائكة. أو:
مبين لما فيه من تفاصيل المقدورات. والله تعالى أعلم.
الإشارة: في الآية حثٌّ على مراقبة العبد لمولاه، فى سره وعلانيته، فلا يفعل ما يخل بالأدب مع العليم الخبير، ولا يجول بقلبه فيما يستحيي أن يظهره لغيره، إلا أن يكون خاطراً ماراً، لا ثبات له، فلا قدرة للعبد على دفعه. وبالله التوفيق.
стр. 2031
ثم مدح كتابه المشتمل على جلّ العلوم الغيبية، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧٦ الى ٨١]
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)
وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)
يقول الحق ﷻ : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ يُبين لهم أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين الذي اشتبه عليهم. ومن جملة ما اختلفوا فيه: المسيح، وتحزّبوا فيه أحزاباً، وركبوا متن العند والغلو في الإفراط والتفريط، ووقع بينهم المناكرة في أشياء، حتى لعن بعضُهم بعضاً. وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه، لو أنصفوا وأخذوا به، وأسلموا. يريد اليهود والنصارى، وإن كانت الآية خاصة باليهود. وَإِنَّهُ- أي: القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ على الإطلاق، فيدخل فيهم من آمن من بني إسرائيل دخولاً أولياً.
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي: بين بني إسرائيل، أو: بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، بِحُكْمِهِ أي:
بعدله لأنه لا يحكم إلا بالعدل، فسمى المحكوم به حكماً. أو: بحكمته، ويدلّ عليه قراءة مَن قرأ «بِحِكَمه» : جمع:
حِكمة «١» لأن أحكامه تعالى كلها حِكَم بديعة. وَهُوَ الْعَزِيزُ، فلا يُردّ حُكمه وقضاؤه، الْعَلِيمُ بجميع الأشياء، ومن جملتها: من يقضي له ومن يقضي عليه. أو: العزيز في انتقامه من المبطلين، العليم بالفصل بين المختلفين.
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، الفاء لترتيب ما قبله من ذكر شئونه- فإنها موجبة للتوكل عليه، داعية إلى الأمر به، أي: فتوكل على الله الذي هذا شأنه. وهذه أوصافه، فإنه موجب لكل أحد أن يتوكل عليه، ويفوض جميع أموره إليه. أو: فتوكل على الله ولا تُبالي بأعداء الدين. إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، تعليل للأمر بالتوكل بأنه الحق الأبلج، وهو الدين الواضح الذي لا يتطرقه شك ولا ريب.
стр. 2032
وفيه تنبيه على أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله في نصرته. وقد تضمنت الآية من أولها ثناء على القرآن، بنفي ما رموه من كونه أساطير الأولين. ثم وصفه بكونه هدى ورحمة للمؤمنين. ثم توعد الرامين له بحُكمه عليهم بما يستحقونه، ثم أمره بالتوكل عليه في كفايته أمرهم ومكرهم.
ثم بيّن سبب طعنهم في القرآن، بأنهم ليس فيهم قابلية الإدراك لكونهم موتى صماً، لا حياة لهم ولا سمعَ استبصار، قال تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى، شُبِّهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يُتلى عليهم من القوارع والزواجر، وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ أي: الدعوة إلى أمر من الأمور إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ عنك. وتقييد النفي بالإدبار لتكميل التنبيه وتأكيد النفي، فإنهم مع صمَمهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي، مولون على أدبارهم. ولا ريب أن الأصم لا يسمع الدعاء، مع كون الداعي بمقابلة صماخة، قريباً منه، فكيف إذا كان خلفه بعيداً منه؟.
وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ هدايةً موصلةً إلى المطلوب، كما في قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ «١» فإن الاهتداء منوط بالبصر في الحس، وبالبصيرة في المعنى. ومن فقد هما لا يتصور منه اهتداء، و «عن» متعلق بهادي باعتبار تضمنه معنى الصرف، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية.
إِنْ تُسْمِعُ أي: ما تُسمع سماعاً يجدي السامع وينفعه إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا أي: من عَلِمَ الله أنهم يؤمنون بآياته. فَهُمْ مُسْلِمُونَ مخلصون، من قوله: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ «٢» أي: جعله سالماً لله خالصاً. جعلنا الله ممن أسلم بكليته إليه. آمين.
الإشارة: إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة، وهي ما يتعلق بالجوارح الظاهرة، رُجع فيه إلى الكتاب العزيز، أو السُنَّة المحمدية، أو الإجماع، أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية، وهي ما يتعلق بالعقائد التوحيدية، من طريق الأذواق أو العلوم، يُرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلى فيها إلا ما هو حق وصواب. فلا يمكن قلع عروق الشكوك والأوهام، والوساوس من القلوب المُسوسة، إلا بالرجوع إليهم وصحبتهم، ومن جمع بين الظاهر والباطن، رجع إليه في الأمرين معاً.
ذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا الحسن الشاذلى ﵁ كان يُناظر جماعة من المعتزلة، ليردهم إلى الحق، فدخل عليه رجل من القراء، يُقال له: أبو مروان، فسلَّم عليه، فقال له الشيخ: اقرأ علينا آيةً من كتاب الله، فأجرى الله على
стр. 2033
لسانه، من غير قصد، قوله تعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ إلى قوله: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ فتهلل وجه الشيخ، وقال: ما بعد بيان الله من بيان، فتابوا واهتدوا إلى الحق، ورجعوا عن مذهبهم، وشفا الله قلوبهم من مرض الاعتزال. فهذا شأن العارفين بالله، جعلهم الله شفاء من كل داء، لكن الأعمى والأصم لا يُبصر الداعي، ولا يَسمع المنادي. ولذلك قال تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى.. إلخ: قال الورتجبي: الميت: من ليس له استعداد لقبول المعرفة الحقيقية بغير الدلائل، والأصم: من كان أذن قلبه مسدودة بغواشي القهر، ومَن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه وشهواته. هـ.
ثم ذكر بعض مقدمات الساعة، التي كانوا يستعجلونها، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٨٢]
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢)
يقول الحق ﷻ : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي: وقع مصداق القول الناطق بمجيء الساعة، بأن قَرُب إتيانها، وظهرت أشراطها، فأراد بالوقوع: دنوه واقترابه، كقوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ ... «١» رُوي أن ذلك حين ينقطع الخير، ولا يُؤمر بمعروف ولا يُنهى عن منكر، ولا يبقى منيب ولا تائب. و «وقع» : عبارة عن الثبوت واللزوم، وهذا بمنزلة: حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ «٢» أي: وإذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي، وأراد أن ينفذ في الكافرين سابق علمه لهم من العذاب، أخرج لهم دابة من الأرض. وفي الحديث: «إن الدابة، وطلوع الشمس من المغرب، من أول الأشراط» «٣» .
فلا ينبغي لهؤلاء الكفرة ترك الإيمان حيث ينفعهم، ويتطلبون وقوع الساعة الموعود بها، التي لا ينفع الإيمان لمن لم يكن آمن، مع ظهور مقدماتها، فضلاً عنها. فإذا وقع الوعد وَسَمَت الدابة مَن لم يؤمن بِسمة الكفر، وكان ذلك طبعاً وختماً، فلا يقبل منه إيمان، ويقال له: أيها الكافر لم تؤمن بالآيات غيباً، فلا يقبل منك بعد رؤيتها عينا.
стр. 2034
وهذا معنى قوله: أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ، وهي الجساسة، طولها ستون ذراعاً، لا يدركها طالبٌ، ولا يفوتها هاربٌ، لها أربع قوائم، وزغب، وريش، وجناحان «١» . وقيل: لها رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن أيّل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هرّة، وذنب كبش، وخف بعير، وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً، تخرج من الصفا فتكلّمهم بالعربية، فتقول: أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ أي: بخروجي لأن خروجها من الآيات، وتقول: ألا لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.
وفي حديث حذيفة ﵁: «تأتي الدابة المؤمن، فتُسلم عليه، وتأتي الكافر فتخطه- أي تسمه- في وجهه» .
وعن أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَخْرُجُ الدَّابةُ مَعها خاتمُ سُليمانَ، وعَصا مُوسى، فتجلوا وَجْهَ المُؤمِن، وَتَخْتُم أنْفَ الكافر بالخاتم، حتّى أَنَّ أَهْلَ الحِواء «٢» مجْتَمِعُون، فيقول: هاها يا مُؤمْن، ويقول: هاها يا كافِرُ» «٣» .
وهي بعد نزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها. والله تعالى أعلم.
الإشارة: وإذا وقع القول على قوم بإسدال الحجاب، وإدامة غلق الباب، أخرج لهم جاهل بالله، يكلمهم بادعاء التربية، فيأخذون عنه، ويقتدون به. قال في المباحث:
واعلم بأن عُصْبَةَ الجُهَّالِ ... بَهَائِمٌ في صور الرجال
فالجاهل بالله دابة في الأرض: أن الناس كانوا بآياتنا الدالة علينا- وهم العلماء بالله، أهل الشهود والعيان- لا يُوقنون بوجودهم، ولا يعرفون وجود الخصوصية عندهم. فإذا أراد الله تعب عبد، وإبقاءه في غم الحجاب، ألقاه إلى شيخ جاهل بالله، أو: إلى ميت يتخذه شيخاً، ويفنى فى محبته، فلا يُرجى فلاحه في طريق الخصوصية، مادام مقيداً به، فإن تركه واقتدى بالعارف الحي، فقد هيأه لرفع الحجاب. وبالله التوفيق.
ثم ذكر قيام الساعة، بعد ذكر بعض أشراطها، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٣ الى ٨٦]
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)
стр. 2035
قلت: «ماذا» تأتي على أوجه أحَدُها: أن تكون «ما» : استفهاماً، و «ذا» : إشارة، نحو: ماذا التواني.
الثاني: أن تكون «ما» : استفهاماً، و «ذا» : موصولة، كقول لبيد:
ألا تَسْأَلانِ المرْءَ ماذا يُحاوِلُ؟ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى، أَمْ ضَلالٌ وباطِلُ؟
الثالث: «ماذا» كله: استفهام على التركيب، كقولك: لماذا جئت؟. الرابع: أن تكون «ماذا» كله: اسم جنس بمعنى شيء، أو: بمعنى «الذي» كقوله: دعني ماذا علمت؟، وتكون «ذا» زائدة. انظر القاموس.
يقول الحق ﷻ : وَاذكر يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً، الفوج: الجماعة الكثيرة.
و «من» : للتبعيض، أي: واذكر يوم نجمع من كل أمة من أمم الأنبياء جماعة كثيرة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا، «مِن» : لبيان الفوج، أي: فوجاً مكذبين بآياتنا، المنزلة على أنبيائنا، فَهُمْ يُوزَعُونَ: يُحبس أولهم على آخرهم، حتى يجتمعوا، حين يُساقون إلى موضع الحساب. وهذه عبارة عن كثرة العدد، وتباعد أطرافهم، والمراد بهذا الحشر: الحشر للعذاب، والتوبيخ والمناقشة، بعد الحشر الكلي، الشامل لكافة الخلق. وعن ابن عباس: (المراد بهذا الفوج: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، يُساقون بين يدي أهل مكة) وهكذا يُحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.
حَتَّى إِذا جاؤُ إلى موقف السؤال والجواب، والمناقشة والحساب، قالَ أي: الله ، موبخاً لهم على التكذيب: أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي المنزلة على رسلي، الناطقة بلقاء يومكم، وَالحال أنكم لَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أي: أكذبتم بها في بادئ الرأي، من غير فكر، ولا نظر، يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق حتماً. وهذا نص في أن المراد بالآيات في الموضعين هي الآيات القرآنية. وقيل: هو عطف على «كذبتم» ، أي: أجمعتم بين التكذيب وعدم التدبر فيها. أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؟ حيث لم تتفكروا فيها، فإنكم لم تُخلقوا عبثاً. أو: أيُّ شيء كنتم تعملون، استفهام، على معنى استبعاد الحجج، أي: إن كانت لكم حجة وعمل فهاتوا ذلك. وخطابهم بهذا تبكيت لهم. ثم يُكبون في النار، وذلك قوله تعالى: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي: حلَّ بهم العذاب، الذي هو مدلول القول الناطق بحلوله ونزوله، بِما ظَلَمُوا: بسبب ظلمهم، الذي هو تكذيبهم بآيات