← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

عليكم، فالباء تتعلق بيصلون، أو: بنجعل لكما سلطاناً، أي: تسلطاً بآياتنا، أو: بمحذوف، أي: اذهبا بآياتنا، أو: هو بيان لغالبون، أي: أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ، أي: المنصورون. الإشارة: إذا اجتمع في زمانٍ نبيان، أو: وليان، لا تجدهما إلا متخالفين في القوة والليونة، أو في السكر والصحو، فكان مُوسَى في غاية القوة، وأخوه في غاية الليونة، وكان موسى ﵇ في أول الرسالة غالباً عليه الجذب، وأخوه غالباً عليه الصحو، فلذلك استعان به. قال الورتجبي: افهم أن مقام الفصاحة هو مقام الصحو والتمكين، الذي يقدر صاحبه أن يخبر عن الحق [وأسراره، بعبارة لا تكون بشيعة] «١» في موازين العلم. وهذا حال نبينا محمد ﷺ ، حيث قال: «أن أفصح العرب» «٢» ، و «بُعثتُ بجوامع الكلم» «٣» . وهذه قدرة قادرية اتصف بها العارف المتمكن، الذي بلغ مشاهدة الخاص، ومخاطبة الخاص، وكان موسى ﵇ في محل السكر في ذلك الوقت، ولم يطق أن يعبر عن حاله كما كان لأن كلامه، لو خرج على وزان حاله، يكون على نعوت الشطح، عظيماً في آذان الخلق، وكلام السكران ربما يفتتن به الخلق، لذلك سأل مقام الصحو والتمكين بقوله: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي لأن كلامه من بحر المكافحة والمواجهة الخاصة، التي كان مخصوصاً بها عن أخيه. هـ. ثم ذكر عناد فرعون وتجبره، قال: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٦ الى ٣٩] فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) يقول الحق ﷻ : فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا معجزاتنا التسع بَيِّناتٍ واضحات قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً سحر تعمله أنت، ثم تفتريه على الله، أو: سحر موصوف بالافتراء، كسائر أنواع

стр. 2067

السحر، وليس بمعجزة من عند الله، وَما سَمِعْنا بِهذا، يعني: السحر، أو: ادعاء النبوة، فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ، الجار: حال منصوبة بهذا، أي: ما سمعنا بهذا كائناً في آبائنا، أي: ما حُدِّثْنَا بكونه فيهم، ولا موجوداً في آبائهم. وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ، فيعلم أني محق، وأنتم مبطلون. وقرأ ابن كثير: «قال» بغير واو جواباً لمقالتهم. وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ أي: العاقبة المحمودة، فإن المراد بالدار: الدنيا، وعاقبتها الأصلية هي الجنة لأن الدنيا خلقت مَعْبراً ومجازاً إلى الآخرة، والمقصود منها، بالذات، هو المجازاة على الأعمال فيها من الثواب الدائم، أو العقاب الأليم، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ لا يفوزون بالهدى في الدنيا، وحسن العاقبة في العقبى. قال النسفي: قل ربي أعلم منكم بحال من أَهَّلَهُ الله للفلاح الأعظم حيث جعله نبياً، وبعثه بالهدى، ووعده حُسْنَ العُقْبَى، يعني نفسه، ولو كان كما تزعمون، ساحراً، مفترياً، لما أَهَّلَهُ لذلك لأنه غني حكيم، لا يرسل الكاذبين، ولا ينبّئ الساحرين، ولا يفلح عنده الظالمون، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة لقوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ «١» . والمراد بالدار: الدنيا، وعاقبتها: أن تختم للعبد بالرحمة والرضوان، ويلقى الملائكة بالبشرى والغفران. هـ. وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي، قصد بنفي علمه بإله غيره نَفِيَ وُجُودِهِ، أي: مالكم إله غيري. قاله تجبراً ومكابرة، وإلا فهو مقر بالربوبية لقوله تعالى حاكياً عن موسى ﵇: لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ «٢» ، ورُوي أنه كان إذا جن الليل، لبس المسوح وتمرغ في الرماد. وقال: يا رب إني كذاب فلا تفضحني «٣» . ثم أَمَرَ ببنيان الصرح زيادة في الطغيان، بقوله: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ أي: اطبخ لي الآجر واتخذه. وإنما لم يقل مكان الطين: آجرّ لأنه أول من عمله، فهو معلمه الصنعة بهذه العبارة، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً أي: قصراً عالياً، لَعَلِّي أَطَّلِعُ أي: أصعد. فالطلوع والاطلاع: الصعود، إِلى إِلهِ مُوسى، حسب

стр. 2068

الجاهل أنه في مكان مخصوص، كما كان هو في مكان، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ أي: موسى مِنَ الْكاذِبِينَ في دعواه أن له إلهاً، وأنه أرسله إلينا رسولاً. وهذا تناقض من المخذول، فإنه قال أولاً: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي، ثم أظهر حاجته إلى هامان، وأثبت لموسى إلهاً، وأخبر أنه غير متيقن بكذبه، وهذا كله تهافت. وكأنه تحصن من عصا موسى فلبّس وقال: لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى. رُوِي أنه لما أُمر وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامانُ العمال، خمسين ألف بنّاء، سوى الأتباع والأُجراء- فبنوا، ورفعوه بحيث لم يبلغه بنيان قط، منذ خلق الله السموات والأرض. أراد الله أن يفتنهم فيه، فصعده فرعون وقومه، ورموا بُنُشّابة نحو السماء، فرجعت مُلَطَّخَةَ بالدم، فقال: قد قتلنا إله السماء، فضرب جبريل الصرح بجناحه، فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون، فقتلت ألفَ ألفِ رجل، وقطعة على البحر، وقطعة في الغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا هلك «١» . هـ. وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ تعاظم فِي الْأَرْضِ أرض موسى بِغَيْرِ الْحَقِّ بغير استحقاق، بل بالباطل، فالاستكبار بالحق هو لله تعالى، وهو المتكبر المتعالي، المبالغ في كبرياء الشأن، كما في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قصمته» «٢» ، أو: ألقيته في النار، وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ بالبعث والنشور. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: بالبناء للفاعل. والباقي: للمفعول. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأرواح كلها برزت من عالم العز والكبرياء، وهو عالم الجبروت، فلما هبطت إلى عالم الأشباح، وكلفت بالعبودية، وبالخضوع لقهرية الربوبية، شق عليها، ونفرت من التواضع والذل، وبطشت إلى أصلها لأنها من عالم العز، فبعث الله الرسل ومشايخ التربية يدلونها على ما فيه سعادتها، من الذل والتواضع والخضوع للحق، حتى تصل إلى الحق، فمن سبق له الشقاء أنف، وقال: ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، واستكبر وطغى، فغرق في بحر الردى. ومن سبقت له السعادة تواضع، وذل لعظمة مولاه، فوصله إلى العز الدائم، في حضرة جماله وسناه. ولذلك قيل: للنفس خاصية ما ظهرت إلا على فرعون، حيث قال: أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى. وهذه الخاصية هي أصل نشأتها وبروزها، حيث برزت من عالم الجبروت قال تعالى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى) ، ولكن لم يفتح لها الباب إلا من جهة العبودية والذل والافتقار، كما قال الشاعر:

стр. 2069

تذلَّلْ لمَن تَهْوَى لِتَكْسِبَ عزة ... فكم عزة قد نالَهَا المَرْءُ بِالذُّلِّ إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً، وَلَمْ تَكُنْ ... ذَلِيلاً لَهُ، فَاقْرَ السَّلامَ على الْوَصْلِ ولا يرضى المحبوب من المحب إلا الأدب، وهو التذلل والخضوع، كما قال القائل: أدَبُ الْعَبْدِ تَذَلُّلٌ ... وَالْعَبْدُ لاَ يَدَعُ الأدَبْ فَإذَا تَكَامَلَ ذُلّهُ ... نَالَ المودّة، واقترب. ثم ذكر وبال مَن تكبر على الله، فقال: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٠ الى ٤٢] فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) يقول الحق ﷻ : فَأَخَذْناهُ فأخذنا فرعون وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ طرحناهم فِي الْيَمِّ في بحر القلزم، كما بيَّناه غير مرة. وفي الكلام فخامة تدل على عظمة شأن الأخذ، شبههم استحقاراً لحالهم، واستقلالاً لعددهم، وإن كانوا الجم الغفير بحصيات أخذهن آخذ بكفه، فطرحهن في البحر. فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ، وحذّر قومك أن يُصيبهم مثل ما أصابهم، فإنهم ظالمون، حيث كفروا وأشركوا، وتَحَقَّقُ أنك منصور عليهم، كما نُصِرَ موسى على فرعون. وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً قادة يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، أي: إلى عمل أهل النار من الكفر، والمعاصي، قال ابن عطاء: نزع عن أسرارهم التوفيق، وأنوار التحقيق، فهم في ظلمات أنفسهم، لا يدلون على سبيل الرشاد. وفيه دلالة على خلق أفعال العباد. هـ. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ بدفع العذاب عنهم، كما يتناصرون اليوم، في دفع الظلم عنهم، وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ألزمناهم طرداً وإبعاداً عن الرحمة. وقيل: هو ما يلحقهم من لعن الناس إياهم بَعْدَهُمْ. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ المطرودين المعذبين، أو المهلَكِين المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون. ويَوْمَ: ظرف للمقبوحين. والله تعالى أعلم. الإشارة: عَاقِبَةُ منْ تكبر في دار العبودية: الذل والهوان، وعاقبة من تواضع، وذَل فيها: العز والأمان، وعاقبة من كان إماماً في المساوئ والعيوب: البُعد والحجاب، ومن كان إماماً في محاسن الخلال وكشف الغيوب:

стр. 2070

العزُّ والاقتراب. قال القشيري على قوله: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً إلخ: كانوا في الدنيا مُبْعَدِين عن معرفته، وفي الآخرة مبعدين عن مغفرته، فانقلبوا من طَرْدٍ إلى طَرْدٍ، ومن هجرٍ إلى بُعْدٍ، ومن فراقٍ إلى احتراق. هـ. ولما أغرقَ أهل الظلم والعناد، أنزل الهداية على أهل العناية والوداد، كما قال تعالى: [سورة القصص (٢٨) : آية ٤٣] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ: التوراة مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى قوم نوح وهود وصالح ولوط- ﵈، حال كون الكتاب بَصائِرَ لِلنَّاسِ أنواراً لقلوبهم، يتبصرون الحقائق، ويُميزون بين الحق والباطل. فالبصيرة: عين القلب، الذي يبصر بها الحق، ويهتدى بها إلى الرشد والسعادة. كما أن البصر عين الرأس التي يُبصر بها الحسيات، أي: آتيناه التوراة، أنواراً للقلوب التي كانت عمياً لا تستبصر ولا تعرف حقاً من باطل، وَهُدىً وإرشاداً إلى الشرائع لأنهم كانوا يخبطون في الضلال. وَرَحْمَةً لمن اتبعها لأنهم، إذا عملوا بها، وصلوا إلى نيل الرحمة، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، أي: ليكونوا على حال يُرجَى منهم التذكر والاتعاظ. وبالله التوفيق. الإشارة: إنما تطيب المنازل إذا خلت من الأجانب والأراذل. وأطيب عيش الأحباب إذا غابت عنهم الرقباء وأهل العتاب، فلما أهلك الله فرعونَ وجنوده، وأورث بني إسرائيل ديارهم، ومحى عن جميعها آثارهم، طاب عيشهم، وظهرت سعادتهم، وتمكنوا من إقامة الدين. وكذلك أهل التوجه إلى يوم الدين. ثم ذكر دلائل نبوته ﷺ ، بعد ذكر قصة موسى لاشتراكهما فى شدة المعالجة، فقال: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٤ الى ٤٦] وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَّآ أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) يقول الحق ﷻ : وَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ المكان الْغَرْبِيِّ من الطور، وهو الذي كلم الله فيه موسى، وهو الجانب الأيمن. قال السهيلي: إذا استقبلت القبلة، وأنت بالشام، كان الجبل يميناً منك،

стр. 2071

غريبا، غير أنه قال في قصة موسى: جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ «١» ، وصفه بالصفة المشتقة من اليُمن والبركة، لتكليمه إياه فيه، وحين نفى عن محمد ﷺ أن يكون بذلك الجانب، قال: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ، والغربي هو الأيمن. والعدول عنه، في حالة النفي للاحتراس من توهم نفى اليمن عنه ﷺ ، وكيف، وهو ﷺ لم يزل بصفة اليُمن وآدم بين الماء والطين! فحسنُ اللفظِ أصل في البلاغة، ومجانبة الاشتراك الموهم: من فصيحِ بديعِ الفصاحة. هـ. أي: وما كنت حاضراً بذلك الموضع، إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ، أي: كلمناه، وقربناه نجياً، وأوحينا إليه بالرسالة إلى فرعون، وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، أي: من جملة الشاهدين فتخبر بذلك، ولكن أعلمناك من طريق الوحي، بعد أن لم يكن لك بذلك شعور، والمراد: الدلالة على أن إخباره بذلك من قِبَلِ الإخبار بالمغيبات التي لا تُعرف إلا بالوحي، ولذلك استدرك عنه بقوله: وَلكِنَّا أَنْشَأْنا بعد موسى قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، أي: طالت أعمارهم، وفترت النبوة، وانقطعت الأخبار، واندرست العلوم، ووقع التحريف في كثير منها، فأرسلناك مُجَدِّداً لتلك الأخبار، مبيناً ما وقع فيها من التحريف، وأعطيناك العلم بقصص الأنبياء، وأوقفناك على قصة موسى بتمامها، فكأنه قال: وما كنت شاهداً لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك، فأخبرت به، بعد اندراسه. وَما كُنْتَ ثاوِياً مقيماً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ، وهم شعيب والمؤمنون به، تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا تقرؤها عليهم، تعلماً منهم، أو: رسولاً إليهم تتلوها عليهم بوحينا، كما تلوتها على هؤلاء، يريد: الآيات التي فيها قصة شعيب وقومه، وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ لك، فأخبرناك بها، وعلَّمناك إياها، فأخبرت هؤلاء بها، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى، أن خذ الكتاب بقوة، أو ناجيناه في أيام الميقات، وَلكِنْ علمناك وأرسلناك رَحْمَةً أي: للرحمة مِنْ رَبِّكَ، لِتُنْذِرَ قَوْماً جاهلية ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ في زمان الفترة التي بينك وبين عيسى، وهي خمسمائة وخمسون سنة، أو: بينك وبين إسماعيل، على أن دعوة موسى وعيسى كانت مختصة ببني إسرائيل وما حواليهم، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لعل من أُرْسِلْتَ إليه يتعظ ويتذكر ما هو فيه من الضلال، فينزعُ ويرجع. وبالله التوفيق. الإشارة: المراد من هذه الآيات: تحقيق نبوته ﷺ ومعرفته الخاصة، وهي سُلَّم، ومعراج إلى معرفة الله تعالى لأنه الواسطة العظمى، فمهما عرفته المعرفة الخاصة عرفت الله تعالى، فمنه ﷺ استمدت العلوم كلها علم

стр. 2072

الربوبية، من طريق البرهان، وعلمها من طريق العيان، وعلم المعاملة الموصلة إلى الرضا والرضوان، ومعرفة نبوته ﷺ ضرورية لا تحتاج إلى برهان، ويرحم الله القائل: لَوْ لَمْ تَكُنْ فيه آيات مُبيِّنَة «١» ... لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ. وقد تقدم في الأعراف «٢» التنويه به، وذكر شرفه، وشرف أمته، قبل ظهوره، وإليه الإشارة هنا بقوله: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا، أي: إذ نادينا بأمرك، وأخبرنا بنبوتك، رُوي عن أبي هريرة أنه نُودي يومئذٍ من السماء: يَا أُمَةُ مُحَمّدٍ، استجبتُ لَكُم قَبْلَ أَنْ تَدْعُوني، وَغَفَرْتُ لَكُمْ قَبْلَ أنْ تَسألونِي، فحينئذٍ قال موسى- ﵇: اللهم اجعلني من أمة محمد. هـ «٣» . وقال القشيري: أي: لم تكن حاضراً تتعلم ذلك مشاهدةً، فليس إلا تعريفنا إياك، وإطلاعنا لَكَ على ذلك. ويقال: إذ نادينا موسى، وخاطبناه، وكلمناه في بابك وباب أُمَّتِكَ، وما طلب موسى لأمته جعلناه لأمتك، فكوْني لكم: خيرٌ لكم من كونِكم لكم، فلم تقدح فيكم غَيْبَتَكُمْ في الحال، كما أنشدوا: كُنْ لِي كَمَا كُنْتَ ... لي في حين لمْ أَكُنِ. هـ. ويقال: لما خاطب موسى وكلمه، سأله موسى، إنه رأى في التوراة أمة صفتهم كذا وكذا، من هم؟ فقال: هم أمة محمد. وذكر لموسى أوصافاً كثيرة، فاشتاق إلى لقائهم، فقال له: ليس اليوم وقت حضورهم، فإن شئت أسمعناك كلامهم، فأراد ذلك، فنادى: يا أُمة محمد فأجاب الكل من أصلاب آبائهم، فسمع موسى كلامهم، ثم لم يتركهم كذلك، بل زادهم من الفضائل لأن الغني إذا دعا فقيراً فأجابه لم يرض أن يذكره من غير إحسانه. هـ. وقال الطبري: معنى قوله: إِذْ نادَيْنا أي: بقوله: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ... الآية. هـ. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة إرساله. فقال: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٧ الى ٥٠] وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)

стр. 2073

قلت: (لولا) الأولى: امتناعية، وجوابها محذوف، اي: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك، محتجين علينا: (هلا أرسلت إلينا رسولاً..) إلخ لَمَا أرسلناك. يقول الحق ﷻ : وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ، أي: عقوبة في الدنيا والآخرة، بِما بسبب ما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والظلم، ولمّا كانت أكثر الأعمال إنما تناول بالأيدي، نسب الأعمال إلى الأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب تغليباً للأكثر على الأقل، فَيَقُولُوا عند نزول العذاب: رَبَّنا لَوْلا هلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا يُنذرنا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فلولا احتجاجهم بذلك علينا لَمَا أرسلناك، فسبب الإرسال هو قولهم: هلا أرسلت.. إلخ. ولما كانت العقوبة سبباً للقول جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال، فدخلت «لولا» الامتناعية عليها، فرجع المعنى إلى قولك: ولولا قولهم هذا، إذا أصابتهم مصيبة، لما أرسلناك. فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا القرآن المعجز، أو الرسول ﷺ ، قالُوا أي: كفار مكة اقتراحاً وتعنتاً: لَوْلا: هلا أُوتِيَ من المعجزات مِثْلَ ما أُوتِيَ أُعطي مُوسى من اليد والعصا، ومن الكتاب المنزل جملة. قال تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا أي: أبناء جنسهم، ومَنْ مَذهبهم على مذهبهم، وعنادهم مثل عنادهم، وهم الكفرة في زمن موسى ﵇، قد كفروا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ من قبل القرآن، قالُوا في موسى وهارون: سِحْرانِ «١» تَظاهَرا: تعاونا، أو: في موسى ومحمد- ﵉ بإظهار تلك الخوارق، أو بتوافق الكتابين. وقرأ الكوفيون: «سِحْران» بتقدير مضاف، أي: ذوَا سحر، أو: جعلوهما سحريْن مبالغة في وصفهما بالسحر. وَقالُوا أي: كفرة موسى وكفرة محمد ﷺ : إِنَّا بِكُلٍّ بكل واحد منهما كافِرُونَ. وقيل: أن أهل مكة، لمّا كفروا بمحمد ﷺ وبالقرآن فقد كفروا بموسى وبالتوراة، وقالوا في محمد ﷺ وموسى: ساحران تظاهرا، أو في التوراة والقرآن: سحران تظاهرا، أو: ذلك حين بَعَثُوا الرهط إلى رؤساء اليهود

стр. 2074

يسألونهم عن محمد، فأخبروهم أنه في كتابهم، فرجع الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك: «١» سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ. قُلْ لهم: فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما مما أنزل على موسى، ومما أنزل عليَّ، أَتَّبِعْهُ: جواب: فأتوا، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنهما ساحران، فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى، فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ الزائغة، ولم تبق لهم حجة إلا اتباع الهوى، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ أي: لا أحد أضل ممن اتبع في الدين هواه بغير هدى، أي: بغير اتباع شريعة من عند الله. وبِغَيْرِ هُدىً: حال، أي: مخذولاً، مُخَلاً بينه وبين هواه، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى والتقليد. وبالله التوفيق. الإشارة: لولا احتجاج الناس على الله يوم القيامة، حين تصيبهم نقائص عيوبهم، ما بعث الله في كل زمان نذيراً طبيباً، فإذا ظهر وتوجه لتربية الناس، قالوا: لولا أُوتي مثل ما أُوتي فلان وفلان من كرامات المتقدمين، فيقال لهم: قد كان مَنْ قبلكم من الأولياء لهم كرامات، فكذَّبوهم، وأنكروا عليهم، ورموهم بالسحر والتبدع وغير ذلك، وبقوا مع هوى أنفسهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، أي: بغير تمسك بمن يهديه إلى حضرة الله، إن الله لا يهدي القوم الظالمين إلى معرفته الخاصة. ثم ذكر حكمة تفريق القرآن، ردا على من قال: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى من إنزاله جملة، فقال: [سورة القصص (٢٨) : آية ٥١] وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) قلت: يقال: وصلت الشيء: جعلته موصولاً بعضه ببعض، ويقال: وصلت إليه الكتاب: أبلغته. يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ أي: لقريش ولغيرهم، الْقَوْلَ القرآن، أي: تابعناه موصولاً بعضه ببعض في المواعظ والزواجر، والدعاء إلى الإسلام. قاله ابن عطية. وقال ابن عرفة اللُّغَوِي: أي: أنزلناه شيئاً بعد شيء، ليصل بعضه ببعض، ليكونوا له أوعى. هـ. وتنزيله كذلك ليكون أبلغ في التذكير ولذلك قال: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، يعني: أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً وعداً، ووعيداً، وقصصاً، وعِبَراً، ومواعظ ليتذكروا فيفلحوا. وقيل: معنى وصلنا: أبلغنا. وهو أقرب لتبادر الفهم، وفي البخاري: أي: «بيّنا وأتممنا» «٢» . وهو عن ابن عباس. وقال مجاهد: فصّلنا. وقال ابن زيد: وَصَلْنَا خير الدنيا بخير الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا.

стр. 2075

الإشارة: تفريق المواعظ في الأيام، شيئاً فشيئاً، أبلغ وأنفع من سردها كلها في يوم واحد. وفي الحديث: «كان ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بالموعِظَةِ، مَخَافَة السآمة علينا» «١» ، والتخول: التعاهد شيئاً فشيئاً. والله تعالى أعلم. ثم ذكر من آمن به وعرف قدره، فقال: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٢ الى ٥٥] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥) قلت: (الذين) : مبتدأ، (وهم به) : خبر. يقول الحق ﷻ : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ من قبل القرآن هُمْ بِهِ أي: القرآن يُؤْمِنُونَ، وهم مؤمنو أهلِ الكتاب، أو: النجاشي وقومه، أو: نصارى نجران، الذين قدموا على رسول الله ﷺ بمكة، وهم عشرون رجلاً، فآمنوا به. قال ابن عطية: ذكر هؤلاء مُبَاهياً بهم قريشاً. هـ. أي: فهم الذين يُقدرون قدر هذا الكتاب المنزل لِمَا معهم من العلم الذي ميزوا به الحق، ولذلك قال: وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا لِمَا عرفوا في كتابهم من نعت النبي ﷺ وكتابه، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ من قبل القرآن، أو: من قبل محمد ﷺ ، مُسْلِمِينَ كائنين على دين الإسلام، مومنين بمحمد ﷺ . فقوله: إِنَّهُ: تعليل للإيمان به لأن كَوْنَهُ حقاً من عند الله حقيق بأن يُؤْمَنَ به. وقوله: إِنَّا: بيان لقوله: آمَنَّا لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد أو بعيده، فأخبروه بأن إيمانهم به متقادم. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا بصبرهم على الإيمان بالتوراة، والإيمان بالقرآن، أو: بصبرهم على الإيمان بالقرآن، قبل نزوله وبعده، أو: بصبرهم على أذى المشركين وأهل الكتاب. وفي الحديث: «ثلاثةٌ

стр. 2076

يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، ثم آمن بمحمد ﷺ ، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأعتقها وتزوجها» «١» . وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ يدفعون الخصلة القبيحة بالخصلة الحسنة، يدفعون الأذى بالسِلم، والمعصية بالطاعة. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يتصدقون، أو يزكون، وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ الباطل، أو الشتم من المشركين، أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا للاغين: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ أمان منا عليكم، لا نقابل لغوكم بمثله، لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ لا نريد مخالطتهم وصحبتهم، أو: لا نبتغي دين الجاهلين، أو محاورة الجاهلين وجدالهم، أو: لا نريد أن نكون جهالاً. وفي السَير: أن أصحاب النجاشي لَمَّا كلمهم جعفر ﵁ في مجمع النجاشي، بَكَوْا، ووقر الإسلام في قلوبهم، فقدِموا على رسول الله ﷺ بمكة، فقرأ عليهم القرآن، فأسلموا، وقالوا: آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا.. الآية. فلما خرجوا من عنده ﷺ استقبلتهم قريش فسبوهم، وقالوا: ما رأينا قوماً أحمق منكم، تركتم دينكم لمجلس ساعة مع هذا الرجل، فقالوا لهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ.. إلخ «٢» . الإشارة: مَنْ تَحَمَّلَ من العلماء مشقة تَحَمُّلِ العلمِ الظاهر، ثم ركب أهوال النفس ومحاربتَها في تحصيل العلم الباطن، فهو ممن يؤتى أجره مرتين، وينال عز الدارين ضعفين بسبب صبره على العِلْمَيْن، وارتكاب الذل مرتين، إذا اتصف بما اتصف به أولئك، بحيث يدرأ بالحسنة السيئة، وينفق مما رزقه الله من الحس والمعنى، كالعلوم والمواهب، ويعرض عن اللغو- وهو كل ما يشغل عن شهود الله- ويحلم عن الجاهل، ويرفق بالسائل. وبالله التوفيق. ولما حرص ﷺ على إسلام عمه، نزل: [سورة القصص (٢٨) : آية ٥٦] إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)

стр. 2077

يقول الحق ﷻ : إِنَّكَ يا محمد لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، أي: لا تقدر أن تُدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل من قومك وغيرهم، يعني: أن خاصية الهداية خاصة بالربوبية، وخاصية الربوبية لا تكون لمخلوق، ولو كان أكمل الخلق. وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ يخلق الهداية في قلب من يشاء، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ بمن يختار هدايته ويقبلها. قال الزجاج: اجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم صدقوا محمداً تُفلحوا، فقال ﷺ : «يا عَمّ تأمُرُهُم بالنَّصِيحة لأنفسهم، وتَدعُها لنفسك!» فقال: ما تريد يا ابن أخي؟ فقال: «أُريدُ منك أن تقُول: لا إله إلا الله، أشْهَدُ لَكَ بِهَا عند اللَّهِ» . فقال: يا ابن أخي أنا قد علمت أنك صادق، ولكن أكره أن يقال جزع عند الموت. هـ. وفي رواية قال: (لولا أن تُعيرني نساء قريش، ويقلن: إنه حملني على ذلك الجزع، لأقررتُ بها عينك) «١» . وفي لفظ آخر عند البخاري: قال له: «يا عم، قُل: لا إله إلا الله، أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عند الله» . فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب، فنزلت الآية «٢» . وفيها دليل على المعتزلة لأنهم يقولون: الهدى هو البيان، وقد هدى الله الناس أجمع، ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم، فدلت الآية على أن وراء البيان ما يسمى هداية وهو خلق الاهتداء، وإعطاء التوفيق والقدرة على الاهتداء. وبالله التوفيق. الإشارة: الآية ليست خاصة بالنبي ﷺ ، بل هي عامة لكل من يريد الهداية لأحد من خاصته، كتب شيخ أشياخنا، سيدي «أحمد بن عبد الله» ، إلى شيخه، سيدي «أحمد بن سعيد الهبري» يشكو له ابنه حيث لم ير منه ما تَقَرُّ بِهِ عينه، فكتب إليه: أخبرني: ما الذي بَنَيْتَ فيه؟ دع الدار لبانيها، إن شاء هدمها وإن شاء بناها. هـ. وفي اللباب- بعد كلام-: قد رضي الله على أقوام في الأزل، فاستعملهم في أسباب الرضا من غير سبب، وسَخِطَ على أقوام في الأزل، فاستعملهم في أسباب السَّخَطِ بلا سبب. فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ «٣» الآية.

стр. 2078

وهذه الآية تخاطب رسول الله ﷺ بقولها: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، والحكم عام في كل أحد، وقد خص رسول الله ﷺ بأتم الفضائل وأعلى الوسائل، حتى لم يُسْبَقْ لفضيلة، ولم يَحْتَجْ لوسيلة، وليس له في ذلك نظر، بل سابقة السعادة أيدته، والخصوصية قرَّبته، ولو كان له في التقدير نظر ما مُنع من الشفاعة في عمه أبي طالب، ومن الاستغفار لأبيه. ولو كانت الهداية بيد آدم لهدى قابيل، ولو كانت بيد نوح لهدى ولده كنعان، أو بيد إبراهيم لهدى أباه آرز، أو بيد محمد ﷺ لأنقذ عمه أبا طالب، جذبت العنايةُ سلمان من فارس، وصاحت على بلال من الحبشة، وأبو طالب على الباب ممنوع من الدخول. سبحان من أعطى ومنع، وضر ونفع. هـ. ولما دعى ﷺ قومه إلى الإسلام، تعللوا بعلل واهية، كما قال تعالى: [سورة القصص (٢٨) : آية ٥٧] وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) قلت: (رزقاً) : حال من (الثمرات) لتخصيصه بالإضافة، أو مصدر لتجبى لأن معناه: نرزق، أو: مفعول له. يقول الحق ﷻ : وَقالُوا أي: كفار قريش إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى وندخل مَعَكَ في هذا الدين نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أي: تخطفنا العرب وتُخرجنا من أرضنا. نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل، أتى النبي ﷺ فقال: نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا نخاف، إن اتبعناك وخالفنا العرب، وإنما نحن أكَلَةُ رأس، أَنْ يتخطفونا من أرضنا، فردَّ الله عليهم بقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً أَوَ لَمْ نجعل مكانهم حرماً ذا آمن بحرمة البيت، يأمن فيه قُطانه، ومن التجأ إليه من غيرهم؟ فَأَنَّى يستقيم أن نعرضهم للتخطف، ونسلبهم الأمن، إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام؟ يُجْبى «١» إِلَيْهِ، أي: تُجمع وتُجلب إليه من كل أَوْب، ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ أي: كل صنف ونوع. ومعنى الكُلِّيَّةِ: الكثرة كقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ «٢» ، رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا، ونعمة من عندنا، وإذا كان هذا حالهم، وهم عبدة الأصنام، فكيف إذا أووا إلى كهف الإسلام، وتدرعوا بلباس التوحيد؟

стр. 2079

وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي: جهلة، لا ينفطنون ولا يتفكرون حتى يعلموا أنه لا يهملهم من حفظه ورعايته، إن أسلموا. وقيل: يتعلق بقوله: مِنْ لَدُنَّا، أي: قليل منهم يتدبرون، فيعلمون أن ذلك رزق من عند الله، وأكثرهم جهلة لا يعلمون ذلك، ولو علموا أنه من عند الله لعلموا أن الخوف والأمن من عند الله، ولَمَا خافوا التخطف إذا آمنوا به. والله تعالى أعلم. الإشارة: ترى كثيراً من الناس، ممن أراد الله حرمانه من الخصوصية، يتعلل بهذه العلل الواهية، يقول: إن دخلنا في طريق القوم رفضَنا الناس، وأنكر علينا أقاربنا، ونخاف الضيعة على أولادنا. يقول تعالى لهم: أو لم أُمَكِّن لأوليائي، المتوجهين إلى حَضْرَةِ القدس، حرماً آمناً تُجبى لأهلها الأرزاق من كل جانب، بلا حرص ولا طمع ولا سبب، ولكن أكثر الناس جهالاً بهذا، وقفوا مع العوائد، فحُرموا الفوائد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم خوفهم بقوله: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٨ الى ٥٩] وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) قلت: «كم» : منصوب بأهلكنا. والبطر: الطغيان عند النعمة. قال في القاموس: البَطَر- محركة: النشاط، والأشر، وقلة احتمال النعمة، والدهش، والحيرة، والطغيان بالنعمة، وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهية، فعلى الكل: كفرح. هـ. و (معيشتها) : نصب بحذف الجار واتصال الفعل، أي: في معيشتها. وجملة (لم تسكن) : حال، والعامل فيها: الإشارة. يقول الحق ﷻ : وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ، أي: كثيرا أهلكنا من أهل قرية، كانت حالهم كحالهم في الأمن والدعة، وخصب العيش، مِنْ وصفها بَطِرَتْ في مَعِيشَتَها، أي: طغت وتجبرت ولم تشكر، بل قابلتها بالبطر والطغيان. قال القشيري: لم يعرفوا قدر نعمتهم، ولم يشكروا سلامة أموالهم، وانتظام أمورهم، فهاموا في أودية الكفران على وجوههم، وخَرُّوا في وَهدة الطغيان على أذقانهم، فدمر الله عليهم وخرب ديارهم. فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ خاوية، أو: فتلك منازلهم باقية الآثار، يشاهدونها في الأسفار كبلاد ثمود، وقرى لوط، وقوم شعيب، وغيرهم، لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا من السكنى، أي: لم يسكنها إلا المسافر، أو مار

стр. 2080

بالطريق يوماً أو ساعة، وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ لتلك المساكن من سكانها، أي: لا يملك التصرف فيها غيرنا. وفيه إشارة لوعد النصر لمتبع الهدى، وأن الوراثة له، لا أنه يتخطف كما قد قيل، بل يقع الهلاك على من لم يشكر نعمة الله، ويتبع هواه، فكيف يخاف من تكون عاقبته الظفر ممن يكون عاقبته الدمار والتبار؟ والحاصل: إنما يلحق الخوف من لم يتبع الهدى، فإنه الذي جرت سنة الله فيه بالهلاك، وأما متبع الهدى فهو آمن والعاقبة له. وَما كانَ رَبُّكَ وما كانت عادته مُهْلِكَ الْقُرى بذنب حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها، أي: القرية التي هي أصلها ومعظمها لأن أهلها يكونون أفطن وأقبل. رَسُولًا لإلزام الحجة وقطع المعذرة، أو: ما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أمها، وهي مكة لأن الأرض دُحِيت من تحتها. رَسُولًا يعني: محمداً ﷺ ، يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا القرآن، وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ، أي: وما أهلكناهم للانتقام، إلا وأهلها مستحقون العذاب بظلمهم، وهو إصرارهم على الكفر والمعاصي، والعناد، بعد الإعذار إليهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكم خَرَّبْنَا من قلوب وأخليناها من النور، حيث طغت وتجبرت في معيشتها، وانشغلت بحظوظها وشهواتها، فتلك أماكنها خاوية من النور، لم تُسكن بالنور إلا قليلاً، وكنا نحن الوارثين لها، فأعطينا ذلك النور غيرها، وما فعلنا ذلك حتى بعثنا من يُذكرها ويُنذرها، وما كنا مهلكي قلوبٍ وَمُتْلِفيهَا إلا وأهلها ظالمون، بإيثار الغفلة والشهوة على اليقظة والعفة. والله تعالى أعلم. وسبب الهلاك هو حب الدنيا، ولذلك حقّر الله تعالى شأنها، حيث قال: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٠ الى ٦٢] وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قلت: «ما» : شرطية، وجملة: (فمتاع..) إلخ: جوابه. يقول الحق ﷻ : وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ من زهرة الدنيا فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها أي: ايُّ شيء أحببتموه من أسباب الدنيا وملاذها فما هو إلا تمتع وزينة، أياماً قلائل، وهي مدة الحياة الفانية، وَما عِنْدَ اللَّهِ من النعيم الدائم في الدار الباقية ثواباً لأعمالكم خَيْرٌ من ذلك لأنه لذة خالصة في بهجة كاملة.

стр. 2081

وَأَبْقى لأنه دائم لا يفنى، أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الباقي خير من الفاني، فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟. وعن ابن عباس ﵁: (إن الله خلق الدنيا، وجعل أهلها ثلاثة أصناف المؤمن والمنافق والكافر، فالمؤمن يتزود، والمنافق يتربى، والكافر يتمتع. ثم قرأ هذه الآية) . وفي الحديث عنه ﷺ : «لو كانت الدنيا تزن عندَ الله جَنَاحَ بعُوضَةٍ لما سَقَى الكافرَ منها شَرْبَةَ ماءٍ» «١» . رواه الترمذي. ثم قرر ذلك بقوله: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً، وهو الجنة إذ لا شيء أحسن منها، حيث اشتملت على النظر لوجه الله العظيم، ولأنها دائمة، ولذا سميت الحسنى، فَهُوَ أي: الوعد الحسن لاقِيهِ ومدركه، لا محالة، لامتناع الخلف في وعده تعالى، كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا الذي هو مشوب بالكدر والمتاعب، مستعْقب بالفناء والانقطاع، ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ للحساب والعقاب، أو: من الذين أُحضروا النار. والآية نزلت في المؤمن والكافر، أو: في رسول ﷺ وأبي جهل «٢» - لعنه الله-، ومعنى الفاء الأولى: أنه لَمَّا ذكر التفاوت بين متاع الحياة الدنيا وما عند الله عقّبه بقوله: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ أي: أبعد هذا التفاوت الجلي نُسَوي بين أبناء الدنيا وأبناء الآخرة؟ والفاء الثانية للتسبيب لأن لقاء الموعود مسبب عن الوعد. و «ثم» : لتراخي حال الإحضار عن حال التمتع. ومن قرأ: «ثم هْو» بالسكون، شبه المنفصل بالمتصل، كما قيل في عضد- بسكون الضاد-. وَاذكر يَوْمَ يُنادِيهِمْ يوم ينادي الله الكفارَ، نداء توبيخ، فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ في زعمهم الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنهم شركائي، فحذف المفعول لدلالة الكلام عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية تحقير لشأن الدنيا الفانية، وتعظيم لشأن الآخرة الباقية. وقد اتفق على هذا جميع الأنبياء والرسل والحكماء، قديماً وحديثاً، وقد تقدم آنفاً أنها لا تَزِن عندَ الله جَنَاحَ بعُوضَةٍ، وفي حديث آخر: «ما الدنيا في جانب الآخرة، إلا كما يُدخل أَحَدُكُمْ يده في البحر ثم يُخرجه، فانظر ماذا يعلق به» «٣» . بالمعنى. فنعيم الدنيا كله، بالنسبة إلى نعيم الجنان، كبلل الأصبع، الذي دخل في الماء ثم خرج. مع أن نعيمها مكدر، ممزوج بالأهوال

стр. 2082

والأحزان والمتاعب. وقد كتب عليّ بن أبي طالب إلى سلمان- ﵄: «إنما مثل الدنيا كمثل الحية، لَيِّن مسها، قاتل سمها، فأعرض عنها، وعما يعجبك منها، لقلة ما يصحبك منها، ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها، وكن أسرّ ما تكون منها، احذر ما تكونُ منها، فإن صاحبها، كلما اطمأن فيها إلى سرور، أشخص منها إلى مكروه» . وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذه الدار دار الثوى، لا دار استواء، ومنزل ترح، لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخائها، ولم يحزن لشقائها- أي: لأنهما لا يدومان- ألا وإن الله خلق الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، وأنها سريعة الثوى- أي: الهلاك- وشيكة الانقلاب، فاحذروا حلاوة رضاعها، لمرارة فطامها، واهجروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها، ولا تسعوا في عمران دار قد قضى الله خرابها، ولا تواصلوها وقد أراد الله منكم اجتنابها، فتكونوا لسخطه متعرضين، ولعقوبته مستحقين. هـ. ذكره ابن وداعة الموصلي. وذكر أيضاً عن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا إلتاط منها بثلاث: شغل لا ينفد عناؤه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا ينال منتهاه، إن الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان، فطالب الآخرة تطلبه الدنيا، حتى يستكمل رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يأخذ الموت بعُنقه، ألا وإن السعيد من اختار باقية يدوم نعيمها، على فانية لا ينفك عذابها، وقدّم لِمَا يُقْدِمُ عليه مما هو الآن في يده، قبل أن يُخلفه لمن يسعد بإنفاقه، وقد شقي هو بجمعه واحتكاره» . ثم ذكر مآل من اغتر فيها، قال: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٣ الى ٦٧] قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)

стр. 2083

قلت: «هؤلاء» : مبتدأ. و «الذين» : صفته، والعائد: محذوف، و «أغويناهم» : خبر. والكاف في «كما» : صفة لمصدر محذوف، أي: أغويناهم غياً مثل ما غوينا، و «لو أنهم» : جوابه محذوف، أي: لما رأوا العذاب. يقول الحق ﷻ : قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بالعذاب، وثبت مقتضاه، وهو قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ «١» ، وهم الشياطين، أو: أئمة الكفر: ورؤساء الكفرة: رَبَّنا هؤُلاءِ الكفرة الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ أي: دعوناهم إلى الشرك وسوّلناه لهم، قد غَووا غياً كَما مثل ما غَوَيْنا يقولون: إنا لم نغو إلا باختيارنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم لأن إغواءنا لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً، فلا فرق إذن بين غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان، بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل إليهم من الكتب، وهذا كقوله: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ... إلى قوله: وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ... «٢» . ثم قالوا: تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم فيما اختاروه من الكفر، ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ، بل كانوا يعبدون أهواءهم، ويطيعون شهواتهم. فَتَحَصَّلَ من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم غَرُّوا الضعفاء، وتبرءوا من أن يكونوا آلهتهم، فلا تناقض. انظر ابن جزي. وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين للجملة الأولى. وَقِيلَ للمشركين: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي: الأصنام «٣» لتُخلصكم من العذاب، فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ، فلم يجيبوهم لعجزهم عن الإجابة والنصرة. وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ لَمَّا رأوا ذلك العذاب، وقيل: «لو» للتمني، أي: تمنوا أنهم كانوا يهتدون. وَاذكر يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ الذي أُرسلوا إليكم؟ أي: بماذا أجبتموهم؟ وهو أعلم بهم. حكي، أولاً، ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء، ثم ما تقوله الشياطين، أو: أئمة الكفر عند توبيخهم لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة اعتذروا بأن الشياطين، أو الرؤساء، استغووهم، ثم ما يشبه الشماتة بهم لاستغاثتهم بآلهتهم وعجزهم عن نصرتهم.، ثم ما يُبَكَّتُونَ به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل. قال تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ خفيت عليهم الحجج أو الأخبار. وقيل: خفي عليهم الجواب، فلم يدروا بماذا يجيبون إذ لم يكن عندهم جواب.

стр. 2084

قال البيضاوي: وأصله: فعموا عن الانباء، لكنه عكس مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يفيض ويرد عليه من خارج، فإن أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره، والمراد بالأنباء: ما أجابوا به الرسل، أو: ما يعمها وغيرَها، فإذا كانت الرسل يتلعثمون في الجواب عن مثل ذلك من الهول، ويفوضون إلى علم الله تعالى فما ظنك بالضلال من البُهم؟. هـ. فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب لفرط الدهشة، أو: عن العذر والحجة، عسى أن يكون عندهم عذر أو حجة. فَأَمَّا مَنْ تابَ من الشرك وَآمَنَ بربه وبمن جاء من عنده، وَعَمِلَ صالِحاً أي: جمع بين الإيمان والعمل، فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ من الفائزين عند الله بالنعيم المقيم. و «عسى» ، من الكِرام، تحقيق. وفيه بشارة للمسلمين على الإسلام، وترغيب للكافرين في الإيمان. وبالله التوفيق. الإشارة: قال الذين حق عليهم القول بالانحطاط عن درجة المقربين، والبقاء مع عامة أهل اليمين، وهم الصادُّون الناسَ عن الدخول في طريق القوم: ربنا هؤلاء الذين أغوينا زيناً لهم البقاء مع الأسباب، والوقوف مع العوائد، أغويناهم كما غوينا، فحيث لم نَقَوَ على مقام أهل التجريد، قوينا سوادنا بهم، تبرأنا إليك لأنا لم نقهرهم، ولكن وسوسنا لهم ذلك، ما كانوا إيانا يعبدون، ولكن عبدوا هوى أنفسهم. ثم يقال لهم: ادعوا ما كنتم تعبدونه من حظوظ الدنيا وشهواتها، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، ورأوا عذاب القطيعة، لو أنهم كانوا يهتدون إلى اتباع أهل التربية ما وقعوا في ذلك. ويوم يناديهم فيقول: ماذا أجبتم الداعين، الذين أرسلتهم في كل زمان، يدعون إلى الله، ويرفعون الحجاب بينهم وبين ربهم، فعميت عليهم الأنباء يومئذٍ، فهم لا يتساءلون عن أحوال المقربين، لغيبتهم عنهم. والله تعالى أعلم. ثم بيّن الله تعالى بعض صفاته الحسنى، فقال: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٨ الى ٧٠] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) يقول الحق ﷻ : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ، لا موجب عليه، ولا مانع له، وفيه دلالة على خلق الأفعال. وَيَخْتارُ ما يشاء، لا اختيار لأحد مع اختياره. قال البيضاوي: وظاهره: نفي الاختيار عنهم رأساً،

стр. 2085

والأمر كذلك عند التحقيق فإنّ اختيار العبد مخلوق لله، منوط بدواعٍ لا اختيار لهم فيها، وقيل: المراد أنه ليس لأحد أن يختار عليه، فلذلك خلا عن العاطف، يعني قوله: ما كانَ.. إلخ، ويؤيده: ما رُوِيَ أنه نزل في قولهم: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «١» هـ. ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ أي: ليس لهم أن يختاروا مع الله شيئاً ما، وله الخيرة عليهم. والخيرة: من التخير، تستعمل مصدراً بمعنى التخير، وبمعنى المتخيّر، ومنه: محمد خيرة الله من خلقه، ولم يدخل العاطف في ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ لأنه مقرر لِمَا قبله، وقيل: «ما» : موصولة، مفعول بيختار، والراجع إليه: محذوف، أي: ويختار الذي كان لهم منه الخيرة والصلاح. هـ. وبحث فيه النسفي بأن فيه ميلاً إلى الاعتزال، ويجاب: بأن المعتزلة يقولون ذلك على سبيل الإيجاب، ونحن نقوله على سبيل التفضل والإحسان. سُبْحانَ اللَّهِ، أي: تنزيهاً له عن أن ينازعه أحد، أو يزاحم اختيارَهُ اختيارٌ. وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ، أي: تعاظم عن إشراكهم، أو: عن مشاركة ما يُشركون به. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ: تُضمر صُدُورُهُمْ من عداوة الرسول- ﵊ وحسده، وَما يُعْلِنُونَ من مطاعنهم فيه، وقولهم: هلاً اختير عليه غَيْرُهُ في النبوة. وَهُوَ اللَّهُ المستأثر بالألوهية المختص بها، لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ، تقرير له، كقولك: الكعبة قبلة، لا قبلةَ إلا هي. لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى أي: في الدنيا، وَالْآخِرَةِ لأنه المُولي للنعم كلها، عاجلها وآجلها، يحمده المؤمنون في الدنيا، ويحمدونه في الآخرة بقولهم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ «٢» ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ «٣» ، وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٤» ، والتحميد تم على وجه التلذذ لا الكلفة. وَلَهُ الْحُكْمُ القضاء بين عباده، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالبعث والنشور. وبالله التوفيق. الإشارة: في الآية تحضيض على ترك التدبير والاختيار، مع تدبير الواحد القهار، وهو أصل كبير عند أهل التصوف، أفرد بالتأليف، وفي الحِكَم: «أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت عن نفسك» . وقال سهل ﵁: ذروا التدبير والاختيار، فإنهما يكدران على الناس عيشهم. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلى ﵁: ذروا التدبير، وإن كان ولا بد من التدبير، فدبروا ألا تدبروا. هـ. والتدبير المذموم: هو ما فيه للنفس حظ، كتدبير أسباب الدنيا، وما تحصل بها من شهواتها، إذا صحبه عزم أو تكرير، وأمَّا ما كان فيما يقرب إلى الله تعالى فهو النية الصالحة، أو لم يصحبه تصميم بأن كان عَزْمه محلولا،

стр. 2086

أو علقة بمشيئة الله، أو كان خاطراً غير ساكن، فلا بأس به. قال القشيري- بعد كلام في وجه اختصاص التدبير بالحق تعالى: لأنه لو لم تنفذ مشيئته واختياره لم يكن بوصف العِزِّ لأن من نفى عن مراده لا يكون إلا ذليلاً، والاختيارُ للحق نعتُ عز، والاختيار للخلق صِفةُ نقصٍ، ونعتُ ملام وقصور، فاختيار العبد عليه غيرُ مُبَارَكٍ له لأنه صفة غيرُ مستحِقٍّ لها، ومن اتصف بما لا يليق به افتضح، قال قائلهم: ومعَانٍ إذا ادّعاها سواهم «١» ... لَزِمَتْه جِنَايةُ السُّرَّاقِ والطينةُ إذا ادَّعَت صفة للحقِّ أظهرت رعونتها، فما للمختار «٢» والاختيار؟! وما للملموك والمِلْك؟! وما للعبيد في دَسْتِ الملوك؟! قال تعالى: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ. هـ. وقال آخر في هذا المعنى: العبدُ ذو ضَجَرٍ، والربُّ ذو قُدَرٍ ... والدهرُ ذو دُوَلٍ، والرزقُ مقسومُ والخيرُ أجمعُ: فيما اختار خالقنا ... وفي اختيارِ سواه: اللومُ والشُّومُ. فإذا علمت، أيها العبدُ، أن الحق تعالى هو الذي يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ، لم يبق لك مع الله اختيار، فالحالة التي أقامك فيها هي التي تليق بك، ولذلك قيل: العارف لا يعارض ما حلّ به، فقراً كان أو غنى «٣» . قال اللجائي فى

стр. 2087

كتاب قطب العارفين: الراضي شبه ميت، لا نفس له، يختار لها، فالفقر والغنى حكمان من حكيم واحد، وهو أعلم سبحانه بعبيده، وما يصلحون به، فمنهم من يصلح للفقر ولا يصلح للغنى، ومنهم من يصلح للغنى ولا يصلح للفقر، ومنهم من يصلح بالمنع ولا يصلح بالعطاء، ومنهم من يصلح بالعطاء ولا يصلح بالمنع، ومنهم من يصلح بالبلاء ولا يصلح بالصحة، ومنهم من يصلح بالصحة ولا يصلح بالبلاء، ومنهم من يصلح بالوجهين جميعا، وهى أعلى رُتبة يشار إليها في غاية هذا الشأن، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ.. الآية، ففي هذه الآية كفاية وتعزية لكل سالك راض عن الله تعالى، لكن لا يعقْلُها ولا يتلذذ بها إلا مشايخ العارفين. هـ. وبالله التوفيق. ثم برهن على انفراده بالخلق والاختيار، فقال: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧١ الى ٧٥] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) قلت: (سرمداً) : مفعول ثان لجعل، وهو من السرد، أي: التتابع، ومنه قولهم في الأشهر الحرم: ثلاثة سرد وواحد فرد، والميم زائدة، فوزنه: فعْمَل. يقول الحق ﷻ : قُلْ أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً دائماً بإسكان الشمس تحت الأرض، أو: بتحريكها حول الأفق الخارج عن كورة الأرض، أو بإخفاء نورها، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ، وحقه: هل إله غير الله، وعبّر ب «مَن» على زعمهم أن غيره آلهة، أي: هل يقدر أحد على هذا؟ أَفَلا تَسْمَعُونَ سماع تدبر واستبصار؟ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بإسكانها في وسط السماء، أو: بتحريكها فوق الأفق فقط، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ استراحة من متاعب الأشغال؟ ولم يقل: بنهار

стр. 2088

تتصرفون فيه، كما قال: بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ، بل ذكر الضياء، وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة، وليس هو التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس هو بتلك المنزلة، ومن ثم قرن بالضياء. أَفَلا تَسْمَعُونَ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر، من ذكر منافعه، ووصف فوائده، وقرن بالليل أَفَلا تُبْصِرُونَ لأن غيرك يُبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه. وَمِنْ رَحْمَتِهِ تعالى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ في الليل وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ بالنهار بأنواع المكاسب. وهو من باب اللف والنشر. وقال الزجاج: يجوز أن يكون معناه: لتسكنوا فيهما ولتبتغوا من الله فيهما، ويكون المعنى: جعل لكم الزمان ليلاً ونهاراً لتسكنوا فيه، ولتبتغوا من فضله، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: ولكي تعرفوا نعمة الله فى ذلك فتشركوه عليها. ثم قَرَّعهم على الإشراك، بعد هذا البيان التام، بقوله: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، وكرر التوبيخ على الشرك ليؤذن ألاَّ شيء أجلبُ لغضب الله تعالى من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده. وقال القرطبي: أعاد هذا لاختلاف الحالين، ينادون مرة، فيدعون الأصنام فلا تستجيب لهم، فيظهر كذبهم. ثم ينادون مرة أخرى فيسكنون، وهو توبيخ وزيادة خزي. ثم طرق كون المناداة من الله، أو ممن يأمره بذلك، لقوله: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ «١» ، ويحتمل: ولا يكلمهم بعد قوله: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ «٢» أو: ولا يكلمهم كلام رضا. هـ «٣» . وَنَزَعْنا وأخرجنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً، وهو نبيهم، يشهد عليهم بما كانوا عليه لأن الأنبياء شهداء على أممهم، فَقُلْنا للأمم: هاتُوا بُرْهانَكُمْ على صحة ما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسول، فَعَلِمُوا حينئذٍ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ في الألوهية، لا يشاركه فيها غيره، وَضَلَّ عَنْهُمْ غاب غيبة الشيء الضائع ما كانُوا يَفْتَرُونَ من ألوهية غير الله وشفاعة أصنامهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: دوام ليل القبض يمحق البشرية، ودوام نهر البسط يُطغي النفس، وتخالفهما على المريد رحمة، وإخراجه عنهما عناية، وفي الحكم: «بسطِك كي لا يتركك مع القبض، وقبضك كي لا يتركك مع البسط، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه» . وقال فارس ﵁: القبض أولاُ، ثم البسط، ثم لا قبض ولا بسط لأن القبض والبسط يقعان في الوجود، وأما مع الفناء والبقاء فلا. هـ.

стр. 2089

ولما قال تعالى: وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ذكر من متّعه بها وغرته، فقال: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٦ الى ٧٧] إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قلت: «قارون» : غير مصروف للعجمة والتعريف، ولو كان «فاعولاً» من قرنت الشيء، لا نصرف لخروجه عن العجمة. إِذْ قالَ: ظرف لبَغَى، أي: طغى حين وُعِظ، ولم يقبل ما وُعظ به، أو: يتعلق بمقدر، أي: أظهر التفاخر بالمال حين قال له قومه: لا تفرح. و «ما» : موصولة، و «إنَّ مفاتحه» : صلته، ولذلك كسرت. يقول الحق ﷻ : إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى كان إسرائيلياً، ابن عم لموسى وابن خالته، فهو قارون بن يصهر بن قَاهَث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قاهَث. وكان يسمى «المنور» لحُسن صورته «١» ، وكان آمن بموسى، وكان أحفظ الناس للتوراة، ولكنه نافق كما نافق السامري. فَبَغى عَلَيْهِمْ، من البغي، أي: الظلم: قيل: ملَّكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم. أو: من البغي، أي: الكبر، أي: تكبر عليهم بكثرة ماله وولده، وزاد عليهم في الثياب شبراً، فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده. وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما الذي إِنَّ مَفاتِحَهُ جمع مِفتح، بمعنى المقَلد، أي: إن مقاليده لَتَنُوأُ أي: تثقل بِالْعُصْبَةِ، الباء للتعدية، يقال: ناء به الحمل: أثقله حتى أماله. والعصبة: الجماعة الكثيرة، وكانت مفاتح خزائنه وقرَ ستين بغلاً، لكل خزانة مفتاح، ولا يزيد المفتاح على إصبع. وكانت من جلود، أي: مغاليقها. وقيل: معنى تنوء: تنهض بِتَكَلُّفِ، ويكون حينئذٍ في الكلام قلب إذ العصبة هي التي تنوء بالمفاتح، لا العكس، قيل: وسميت أمواله كنوزاً لأنه كان لا يؤدى زكاتها، وبسبب ذلك عادى موسى أول عداوته. إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ لا تبطر بكثرة المال فرَح إعجاب لأنه يقود إلى الطغيان. أو: لا تفرح بالدنيا إذ لا يفرح بها إلا من لا عقل له، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ: البطرين المفتخرين بالمال، أو: الفرحين بزخارف الدنيا، من حيث حصول حظوظهم وشهواتهم فيها. قال البيضاوي: الفرح بالدنيا مذموم مطلقاً لأنه نتيجة حبها

стр. 2090

والرضا بها، والذهول عن ذهابها، فإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارق لا محالة، يوجب التوخي «١» لا محالة، كما قيل: أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرورٍ ... تَيَقّن عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالاَ وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ من المال والثروة الدَّارَ الْآخِرَةَ بأن تتصدق على الفقراء وتصل الرحم، وتصرفه في أنواع الخير، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا، وهو أن تأخذ ما يكفيك ويصلحك. وقيل: معناه: واطلب بدنياك آخرتك فإن ذلك حظ المؤمن منها لأنها مزرعة الآخرة، فيها تكتسب الحسنات وترفع الدرجات، أي: لا تنس نصيبك منها أن تقدمه للآخرة، وَأَحْسِنْ إلى عباد الله كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ فيما أنعم به عليك، أو: أحسن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام، كما أحسن إليك بسوابغ الإنعام. وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ بالظلم والبغي وإنفاق المال في المعاصي إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ لا يرضى فعلهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية زجر عن الفرح بالدنيا والافتخار بها، بل الفرح بكل ما يَفنِي: كُلُّهُ مذموم. قال في الإحياء: الفرح بالدنيا والتنعم بها سُمٌّ قاتل، يسري في العروق، فَيُخرجُ من القلب الخوفَ والحزنَ، وذكرَ الموت وأهوالَ يوم القيامة، وهذا هو موت القلب، والعياذ بالله، فأولو العزم من أرباب القلوب حزنوا لِمُوَاتَاةِ الدنيا، وَعَلِموا أن النجاة في الحزن الدائم، والتباعُدِ من أسباب الفرح والبطر، فقطعوا النفس عن ملاذها، وعودوا الصبر عن شهواتها، حلالها وحرامها، وعلموا أن حلالها حساب، وهو نوع عذاب، ومن نوقش الحساب عُذّب، فخلَصوا أنفسهم من عذابها، وتوصلوا إلى الحرية والملك في الدنيا والآخرة، بالخلاص من أسر الشهوات ورقها، والأنس بذكر الله تعالى والاشتغال بطاعته. هـ. وقال يُمْن بن رزق: اعلم أني لم أجد شيئاً أبلغ في الزهد في الدنيا من ثبات حزن الآخرة في القلب، وعلامة ثبات حزن الآخرة في القلب: أنْسُ القلب بالوحدة. هـ. قلت: وهذا مذهب العباد والزهّاد، وأما العارفون فقد دخلوا جنة المعارف، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، جعلنا الله من خواصهم، بمنِّه وكرمه. ثم ذكر جواب قارون، فقال: [سورة القصص (٢٨) : آية ٧٨] قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)

стр. 2091

يقول الحق ﷻ : قالَ قارون: إِنَّما أُوتِيتُهُ أي: المال عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أي: على استحقاق مني، لِمَا فيّ من العلم الذي فَضلت به الناس، وهو علم التوراة، وكان أعلم الناس به بعد، موسى وهارون، وكان من العباد، ثم كفر بعد ذلك. وذكر القشيري أنه كان منقطعاً في صومعة للعبادة، فصحبة إبليسُ على العبادة، واستمر معه على ذلك، وهو لا يشعر، إلى أن ألقى إليه: إن ما هما عليه، من الانقطاع عن التكسب، وكون أمرهما على أيدي الناس، ليس بشيء، فرده إلى الكسب بتدريج، إلى أن استحكم فيه حب الدنيا والجمع والمنع، ثم تركه. هـ. وقيل: المراد به علم الكيمياء، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا. أو: العلم بوجوه المكاسب من التجارة والزراعة، أو: العلم بكنوز يوسف «١» . قال تعالى: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً، أي: أو لم يكن في علمه، من جملة العلم الذي عنده، أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه وأقوى وأغنى، وأكثر جمعاً للمال، أو أكثر جماعة وعددا، وهو توبيخ على اغتراره بقوته وكثرة ماله، مع علمه بذلك لأنه قرأه في التوراة، وسمعه من حفاظ التواريخ. أو: نفيٌ لعلمه بذلك لأنه لَمَّا قال: أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي قيل له: أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه، ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، ولم يعلم هذا العلم النافع، الذي هو الاعتبار بمن هلك قبله، حتى يَقِيَ نفسه مصارع الهالكين. وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ، لعلمه تعالى بعملهم، بل يُدخلهم النار بغتة. أو: يعترفون بها بغير سؤال، أو: يُعرفون بسيماهم فلا يُسألون، أو: لا يُسألون سؤال توبيخ، أو لا يُسْأَلُ المجرمون من هذه الأمة عن ذنوب الماضين. قال محمد بن كعب: هو كلام متصل بما قبله، والضمير في (ذنوبهم) عائد على من أهلك من القرون، أي: أُهلكوا، ولم يُسْأَلُ غيرهم بعدهم عن ذنوبهم، بل كل أحد إنما يُعاتب على ما يخصه. هـ. وإذا قلنا هو في القيامة فقد ورد في آيات أخر أنهم يُسْألون، ويومُ القيامة مواطن وطوائف. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا خص الله عبداً بخصوصية فلا ينسبها لنفسه، أو لحوله وقوته، أو لكسبه ومجاهدته، بل يشهدها منَّةً من الله عليه، وسابق عناية منه إليه، قال سهل ﵁: ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح، والسعيد من صرف بصره عن أفعاله وأقواله، وفتح له سبيل رؤية منة الله عليه، في جميع الأفعال والأقوال. والشقي مَنّ زُيِّنَ له في عينه أفعالهُ وأقوالُه وأحواله، ولأفتح له سبيل رؤية منة الله عليه، فافتخر بها وادعاها لنفسه، فشؤمه أن يهلكه كما خسف بقارون، لَمّا ادعى لنفسه فضلاً. هـ.

стр. 2092

ثم قال تعالى: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٩ الى ٨٢] فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢) قلت: (في زينته) : حال، (ويْكَأنه) : مذهب الخليل وسيبويه: أن «وي» : حرف تنبيه منفصلة عن كَأَنَ، لكن أضيفت لكثرة الاستعمال. وقال أبو حاتم وجماعة: «ويك» هي «ويلك» حذفت اللام منها لكثرة الاستعمال. وقالت فرقة: «ويكأن» بجملتها: كلمة. قاله الثعلبي، وقال البيضاوي: ويكأن، عند البصريين، مركب من: «وي» للتعجب، و «كأن» ، للتشبيه. هـ. وقال سيبويه: «وي» : كلمة تنبيه على الخطأ وتَنَدُّمٍ، يستعملها النادم لإظهار ندامته. يقول الحق ﷻ : فَخَرَجَ قارونُ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، قال جابر: كانت زينته القرمز، وهو صبغ أحمر معروف. قيل: إنه خرج في الحمرة والصفرة، وقيل: خرج يوم السبت على بغلة شهباء، عليها الأرْجُوان، وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيه، وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاثمائة غلام، وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض، عليهن الحليّ والديباج. قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، قيل: كانوا مسلمين، وإنما تمنوا، على سبيل الرغبة في اليسار، كعادة البشر، وقيل: كانوا كفاراً، ويرده قوله: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا.. إلخ. يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ من المال والجاه، قالوه غِبْطَةً. والغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه، من غير أن تزول عنه، والحاسد هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له، دونه. وهو كقوله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ «١» ، وقيل لرسول الله ﷺ : هل تضر الغبطة؟ فقال: «لا..» الحديث «٢» . إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ من الدنيا، والحظ: الجَدُّ، وهو البخت والدولة.

стр. 2093

وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بالثواب والعقاب وفناء الدنيا، أو: أوتوا العلم بالله، فيؤخذ منه: أن متمني الدنيا جاهل ولو كان أعلم الناس إذ لا يتمناها إلا المحب لها، وهي رأس الفتنة. فأيّ علم يبقى مع فتنة الدنيا؟! قالوا في وعظهم لغابطي قارون: وَيْلَكُمْ هلاكاً لكم، فأصل ويلك: الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع على ترك ما لا يرضى. وقال في التبيان في إعراب القرآن: هو مفعول بفعل محذوف، أي: ألزمتكم الله ويلكم، ثَوابُ اللَّهِ في الآخرة، خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً مما أوتي قارون، بل من الدنيا وما فيها، وَلا يُلَقَّاها أي: لا يلقى هذه الكلمة التي تكلم بها العلماء، وهي ثواب الله خير، إِلَّا الصَّابِرُونَ. أو: لا يلقى هذه القوة والعزيمة في الدين إلا الصابرون على الطاعات وعن الشهوات وزينة الدنيا. وفي حديث الترمذي: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «من ترك اللباس- أي: الفاخر- تواضعاً لله تعالى، وهو يَقْدِرُ عليه، دعاهُ الله على رؤوس الخلائق، حتى يُخَيِّره من أي حُلل الإيمانِ شاء يَلْبَسُهَا» «١» . وفيه أيضاً عنه ﵊: «لَيْسَ لابن آدَمَ حقٌّ في سوى هذِهِ الخِصَال بيتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَه، وجلَف الخُبْزِ وَالْمَاءِ» «٢» . أي: ليس معه إدام. قال تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ بقارون وَبِدارِهِ الْأَرْضَ، كان قارون يؤذى موسى ﵇ كل وقت، وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاة، فصالحه: على كل ألف دينار دينارٌ، وعلى كل ألف درهم درهمٌ، فحاسبه فاستكثره، فشحت به نفسه، فجمع بني إسرائيل، وقال له: قد أطعتم موسى في كل شيء، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا فَمُرنا بما شئت، قال: نجعل لفلانة البغي جُعْلاً حتى تقذف موسى بنفسها، فيرفضه بنو إسرائيل، فجعل لها ألف دينار، أو: طستاً من ذهب، فلما كان يوم عيد قام موسى خطيباً، فقال: من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة، ومن زنى وله امرأة رجمناه، فقال قارون: وإن كنتَ أنتَ؟ قال: وإن كنتُ أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فأحضرت، فناشدها بالذي خلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق، فقالت: جعل لي قارون جُعلا على أن أقذفك بنفسي، فخرَّ موسى ساجداً يبكي، وقال: اللهم إن كنتُ رسولَك فاغضبْ لي، فأوحى الله تعالى إليه: مُر الأرض بما شئت فيه، فإنها مطيعة لك، فقال: يا بني إسرائيل: إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليلزم

стр. 2094

مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا جميعاً غير رَجُلَيْن. ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق، وقارونُ وأصحابه يتضرعون إلى موسى، ويناشدونه بالله وبالرحم، وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال: خذيهم، فانطبقت عليهم. فقال الله تعالى: يا موسى استغاث بك مراراً فلم ترحمه، فوعزتي لو استرحمني مرة لرحمته «١» . رُوي أنه يخسف كل يوم قامة، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فقال بعض بني إسرائيل: إنما أهلكه ليرث داره وكنوزه، فدعى الله تعالى فخسف بداره وكنوزه، وأوحى الله تعالى إلى موسى: إني لا أُعَبِّدُ الأرض أحداً بعدك أبداً، أي: لا آمرها تطيع أحداً بعدك. فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ جماعة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يمنعونه من عذاب الله، وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ من عذاب الله، أو: من المنتقمين من موسى. وَأَصْبَحَ أي: وصار الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ أي: منزلته من الدنيا بِالْأَمْسِ: متعلق بتمنوا. ولم يُرد به اليوم الذي قبل يومك، ولكن الوقت القريب، استعارة. يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ أي: أعجب مما صنع بقارون، لأن الله يبسط الرزقَ لمن يشاء، وهو عنده ممقوت، وَيَقْدِرُ أي: يُضيقه على من يشاء، وهو عنده محبوب. لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بصرف ما كنا نتمناه بالأمس، لَخَسَفَ بِنا معه، كما فعل بالرجلين، وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ أي: اعجب لعدم فلاح الكافرين. قال الرضي: كأن المخاطب كان يدعي أنهم يفلحون، فقال له: عجباً منك، فسئل: لم تتعجب منه؟ فقال: إنه لا يفلح الكافرون، فحذف حرف الجار. وقال ابن عزيز: ويكأن الله معناه: ألم تر أن الله. واقتصر عليه البخاري «٢» . والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية ترهيب من التعمق في زينة الدنيا، والتكاثر بها. ومن تمنى ما لأربابها من غرور زخرفها، وترغيب في الزهد فيها، وإيثار الفقر على الغنى، والتبذل والتخشن على ملاذ ملابسها ومطاعمها. قال الشيخ العارف سيدي عبد الرحمن بن يوسف اللجائي في كتابه: اعلم أن الدنيا إذا عظمت وجلّت في قلب عبد، فإن ذلك العبد يعظم قدر من أقبلت عليه الدنيا، ويتمنى أن ينال منها ما نال، فإن كل إنسان يعظم ما اشتهت نفسه.

стр. 2095

وهذه صفة عبيد الدنيا، وعبيد أهوائهم. وهي صفة من أسكرته الغفلة، وخرجت عظمة الله من قلبه، وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى: قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا.. الآية. فكل محب للدنيا، مستغرق في حبها، فهو لا حق بالذين تمنوا زينة قارون. واعلم أن الدنيا إذا رسخت في القلب، واستوطنت، ظهر ذلك على جوارح العبد، بتكالبه عليها، وشدة رغبته فيها، فيسلبه الله تعالى لذة القناعة، ويمنعه سياسة الزاهدين، ويبعده عن روح العارفين فإن القلب إذا لم يقنع- لو ملك الدنيا بحذافيرها- لم يشبع. وقال بعض الحكماء: القناعة هي الغنى الأكبر، ولن تخفى صفة القانعين. هـ. ومآل الراغبين في الدنيا هو مآل قارون، من الفناء والذهاب تحت التراب، وأنشدوا: إن كنت تسّموا إِلَى الدُّنْيا وَزِينَتِهَا ... فَانْظُرْ إِلى مَالِكَ الأَمْلاَكِ قَارُونِ رَمَّ الأُمُورَ فَأَعْطَتْهُ مَقَادتَهَا ... وَسَخَّرَ النَّاسَ بِالتَّشْدِيدِ وَاللِّينِ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَلاَّ شَيءَ غَالِبُه ... وَمُكِّنَتْ قَدَمَاهُ أَيَّ تَمْكِينِ رَاحَتْ عَلَيْهِ الْمَنَايَا رَوْحَةً تَرَكَتْ ... ذَا المُلْكِ والْعِزِّ تَحْتَ الْمَاءِ والطّين ثم ذكر عاقبة المتواضعين، فقال: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨٣ الى ٨٤] تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) قلت: (تلك) : مبتدأ، و (نجعلها) : خبر. يقول الحق ﷻ : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ أي: تلك الدار التي سمعت بذكرها، وبلغك خبرها. ومعنى البُعد في الإشارة، لبُعد منزلتها وعلو قدرها، نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ أي: تكبراً وقهراً كحال فرعون، وَلا فَساداً عملاً بالمعاصي، أو: ظلماً على الناس، كحال قارون، أو: قتل النفس، أو: دعاء إلى عبادة غير الله، ولم يعلق الوعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما، أدرك ذلك

стр. 2096

بالفعل أم لا. وعن على ﵁: إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها. وعن الفضيل: أنه قرأها، ثم قال: ذهبت الأمانى هاهنا. وعن عمرُ بنُ عبد العزيز ﵁ أنه كان يرددها حتى قُبض. وَالْعاقِبَةُ المحمودة لِلْمُتَّقِينَ ما لا يرضاه الله من العلو والفساد وغير ذلك. مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ذاتاً وقدراً ووصفا، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ما لا يرضاه الله تعالى، فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ، أصله: فلا يجزون، وضع الظاهر موضع المضمر لِمَا في إسناد السيئات إليهم من تقبيح رأيهم وتسفية أحلامهم، وزيادة تبغيض السيئات إلى قلوب السامعين، إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ إلا جزاء عملهم فقط، ومن فضله العظيم ألا يجزي السيئة إلا مثلها، ويجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة. الإشارة: جعل الله الدار الآخرة للمتواضعين، أهل الذل والإنكسار، والعاقبة المحمودة- وهي الوصول إلى الحضرة- للمتقين الشهرة والاستكبار، وفي الحكم: «ادفن نفسك في أرض الخمول فَمَا نَبَتَ مِمَّا لَمْ يُدفنْ لاَ يَتِمُّ نِتَاجُهُ» . قال في التنبيه: لا شيء أضر على المريد من الشهرة وانتشار الصيت لأن ذلك من أعظم حظوظه، التي هو مأمور بتركها، ومجاهدة النفس فيها، وقد تسمح نفس المريد بترك ما سوى هذا من الحظوظ. هـ. وكان شيخ شيخنا يقول: نحب المريد أن يكون قدمه أعظم من صيته، ولا يكون صيته أعظم من قدمه. هـ. وقال إبراهيم بن أدهم ﵁: ما صدق الله من أحب الشهرة. وقال بعضهم: طريقتنا هذه لا تصلح إلا بأقوام كنست بأرواحهم المزابل. وقال أيوب ﵁: ما صدق عبد إلا سَرَّهُ ألا يشعر بمكانه. وقال في القوت: ومتى ذل العبد نفسه، واتضع عندها، فلم يجد لذلته طعماً، ولا لضعته حسماً، فقد صار الذل والتواضع كونَه، فهذا لا يكره الذم من الخلق لوجود النقص في نفسه، ولا يحب المدح منهم لفقد القدر والمنزلة في نفسه. فصارت الذلة والضعة صفة لا تفارقه، لازمة لزوم الزبالة للزبال، والكساحة للكساح، هما صنعتان له كسائر الصنائع. وربما فخروا بهما لعدم النظر إلى نقصهما. فهذه ولاية عظيمة له من ربه، قد ولاّه على نفسه، وملّكه عليها، فقفرها بعزه، وهذا مقام محبوب، وبعده المكاشفات بسرائر الغيوب. ثم قال: ومن كان حاله مع الله تعالى الذل طلبه واستحلاه، كما يطلب المتكبر العز، ويستحليه إذا وجده، فإن فارق ذلك الذل ساعة تغير قلبه لفراق حاله، كما أن المتعزز إن فارق العز ساعة تكدر عليه عيشه لأن ذلك عيش نفسه. هـ. قلت: وهذا مقام من المقامات، والعارف الكامل لا يتغير قلبه على فقد شيء إذ لم يفقد شيئاً بعد أن وجد الله، (مَاذَا فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ) . والذي ذكره في القوت هو حال السائرين الصادقين. وبالله التوفيق. «١»

стр. 2097

ثم ذكر عاقبة سيد المتقين، فقال: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨٥ الى ٨٨] إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) قلت: (ولا يصدنك) : مجزوم بحذف النون، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، حين دخلت نون التوكيد. يقول الحق ﷻ ، لرسوله ﷺ : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ أي: أوجب عليك تلاوته وتبليغه، والعمل بما فيه، لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ عظيم، وهو المعاد الجسماني لتقوم المقام المحمود، الذي لا يقوم فيه أحد غيرك، مع حضور الأكابر من الرسل وغيرهم. أو: لرادك إلى معادك الأول، وهو مكة، وكان ﵊ اشتاق إليها لأنها مولده ومولد آبائه، وقد ردّه إليها يوم الفتح، وإنما نكَّره لأنه كان في ذلك اليوم معاد له شأن، ومرجع له اعتداد لغلبته- ﵊ ونصره، وقهره لأعدائه، ولظهور عز الإسلام وأهله، وذل الشرك وحزبه. والسورة مكية، ولكن هذه الآية نزلت بالجُحْفَةِ، لا بمكة ولا بالمدينة «١» ، وفي الآية وعد بالنصر، وأن العاقبة الحسنة والخير الجسيم للنبى ﷺ لا يختص بالآخرة، بل يكون في الدنيا له ولمتَّبِعيهِ، ولكن بعد الابتلاء والامتحان، كما في صدر السورة الآتية بعدها، وبهذا يقع التناسب بينهما، فإنها كالتعليل لِمَا قبلها. ولما وعده بالنصر قال له: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى أي: يعلم مَنْ جاء بالحق، يعني: نفسه ﷺ مع ما يستحقه من النصر والثواب، في معاده، وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وهم المشركون، مع ما يستحقونه من العقاب في معادهم. وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى يوحي إِلَيْكَ الْكِتابُ أي: القرآن، فكما ألقى إليك الكتاب، وما كنت ترجوه كذلك يردك إلى معادك الأول، من غير أن تَرْجُوَهُ، إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، لكن ألقاه إليك رحمة منه

стр. 2098

إليك، ويجوز أن يكون استثناء محمولاً على المعنى، كأنه قال: وما أُلْقِيَ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً من ربك، فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً معيناً لِلْكافِرِينَ على دينهم بمُداراتهم والتحمل عنهم، والإجابة إلى طلبتهم. وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ أي: لا يمنعك هؤلاء عن العمل بآيات الله وتبليغها وإظهارها، بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ أي: بعد وقت إنزالها، وإِذْ: مضاف إليه أسماء الزمان، كقولك: حينئذٍ ويَومَئذٍ. وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إلى توحيده وعبادته، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، نهاه تنفيراً لغيره من الشرك. وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ، قال ابن عباس ﵁: الخطاب للنبى ﷺ ، والمراد به أَهْلُ دينه. قال البيضاوي: وهذا وما قبله تهييج، وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم، لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ: استئناف، مقرر لِمَا قبله، كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أي: ذاته، فالوجه يُعَبِّرُ به عن الذات، أي: كل شيء فانٍ مستهلك معدوم، إلا ذاته المقدسة، فإنها موجودة باقية. وقال أبو العالية: إلا ما أريد به وجه الله، مِنْ عِلْمٍ وعمل، فإنه لا يفنى. قال عبادة بن الصامت ﵁: يجاء بالدنيا يوم القيامة، فيقال: ميزوا ما كان لله تعالى منها، فيميز، ثم يؤمر بسائرها فيُلقى في النار. هـ. وقال الضحاك: كل شيء هالك إلا الله والجنة والنار والعرش. لَهُ الْحُكْمُ القضاء النافذ في خلقه، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ للجزاء والفصل. والله تعالى أعلم. الإشارة: أهل الاشتياق يُرَوِّحُونَ أرواحهم بهذه الآية، فيقولون لها: إن الذي فرض عليك القرآن، أن تعمل به في الدنيا، لرادك إلى معاد جسماني روحاني، فتتصل نضرتك ونظرتك إلى وجه الحبيب، من غير عذول ولا رقيب، على سبيل الاتصال، من غير تكدر ولا انفصال، فإن وقع الإنكار على أهل الخصوصية فيقولون: رَبِّي أَعْلَمُ الآية.. وما كنت ترجو أن تُلْقَى إليك الخصوصية إِلاَّ رَحْمَةً مِن رَّبِكَ، فلا تكونن ظهيراً للكافرين المنكرين لها، معيناً لهم على إذاية من انتسب إليها، ولا يصدنك عن معرفة آيات الله الدالة عليه، بعد إذ أُنزلت إليك، أي: لا يمنعك الناس عن صحبة أولياء الله، الدالين عليه، وادع إلى ربك، أي: إلى معرفة ذاته ووحدانيته، ولا تكونن من المشركين بشهود شيء من السِّوى، فإن كل شيء هالك، أي: معدم في الماضي والحال والاستقبال، إلا وجهه: إلا ذاته، فلا موجود معها، وفي ذلك يقول الشاعر: الله قُلْ، وذَرِ الْوُجُودَ وَمَا حَوَى ... إِنْ كُنْتَ مُرْتَاداً بُلُوغَ كَمَال فَالْكُلُّ، دون اللهِ، إنْ حَققتَهُ، ... عَدم عَلَى التَّفْصِيل وَالإجْمَالِ وَاعلَمْ بأنَّكَ، والعَوالِمَ كُلَّها، ... لَوْلاَهْ، فِي مَحْوٍ وَفِي اضْمِحْلاَلِ

стр. 2099

مَن لاَ وجُودَ لذاتهِ مِنْ ذاتِهِ ... فوجُودُهُ، لولاهُ، عَيْنُ مُحَالِ فَالْعَارِفُون فَنَوْا، وَلَمْ يَشْهَدُوا ... شَيْئاً سِوَى المتكبر الم تعال ورَأوْا سواهُ عَلَى الحقيقةِ هَالِكاً ... فِي الحالِ والماضِي وَالاسْتِقْبَال. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

стр. 2100

سورة العنكبوت مكية، إلا صدرها العشر الآيات، فإنها نزلت بالمدينة فى شأن من كان من المسلمين بمكة، وإلا قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا إلى: الْمُنافِقِينَ «١» فإنها نزلت فى المتخلفين عن الهجرة. وهى كالتعليل لخاتمة ما قبلها من البشارة بالنصر لأنه لا يكون في الغالب إلا بعد الامتحان، كما قال تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) قلت: الحسبان: قوة أحد النقيضين على الآخر، كالظن، بخلاف الشك، فهو الوقوف بينهما. والعلم: هو القطع بأحدهما، ولا يصح تعلقهما بمعاني المفردات، ولكن بمضامين الجمل، فلا أقول: حَسِبْتُ زيداً، وظننت الفرس، بل حسبت زيداً قائماً، والفرس جواداً. والكلام الدال على المضمون، الذي يقتضيه الحسبان هنا أن يتركوا مع قوله: وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ أي: أحسبوا تركهم غير مفتونين لأن يقولوا: آمنا. يقول الحق ﷻ : الم الألف: لوحدة أسرار الجبروت، واللام: لفيضان أنوار الملكوت، والميم: لاتصال المادة بعالم الملك. فكأنه تعالى أقسم بوحدة جبروته وأنوار ملكوته واتصال مادته بملكه وخليقته، أنه لا يدع دعوة مدع إلا ويختبره ليظهر صدقه أو كذبه، وهذا معنى قوله: أَحَسِبَ النَّاسُ أي: أظن الناس أَنْ يُتْرَكُوا غير- مفتونين ومختَبَرِين، أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ أظنوا أن يَدَّعوا الإيمان ولا يُختبرون عليه ليظهر الصادق من الكاذب، بل يمتحنهم الله بمشاق التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، ورفض الشهوات، ووظائف الطاعات، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأموال والأنفس، وإذاية الخلق ليتميز المخلص من المنافق، والثابت في الدين من المضطرب فيه، ولينالوا بالصبر على ذلك عوالي الدرجات، فإن مجرد الإيمان، وإن كان عن خلوص قلب، لا يقتضي غير الخلاص من الخلود فى العذاب، وما

стр. 2101

ينال العبدَ من المكاره يسمو به إلى أعلى الدرجات وأعظم المقامات، مع ما في ذلك من تصفية النفس وتهذيبها، لتتهيأ لإشراق أنوار مقام الإحسان. رُوي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، قد جزعوا من أذى المشركين، وضاقت صدورهم من ذلك، وربما استنكر بعضهم أن يُمكِّن اللهُ الكفرةَ من المؤمنين. فنزلت مُسلِّية ومعِلْمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختباراً لهم. قال تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بأنواع المحن فمنهم من كان يُوضع المنشار على رأسه، فَيُفْرَقُ فرقتين، وما يصرفه ذلك عن دينه، ومنهم من كان يمشط بأمشاط الحديد، ومنهم من كان يُطرح في النار، وما يصده ذلك عن دينه. فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ بذلك الامتحان الَّذِينَ صَدَقُوا في الإيمان بالثبات، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ بالرجوع عنه. ومعنى علمه تعالى به، أي: علم ظهور وتمييز. والمعنى: ولَيُمَيِّزَنَّ الصادق منهم من الكاذب، في الدنيا والآخرة. قال ابن عطاء: يَتَبَيَّن صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء، فمن شكر في أيام الرخاء، وصبر في أيام البلاء، فهو من الصادقين، ومن بطر في أيام الدنيا، وجزع في أيام البلاء، فهو من الكاذبين. هـ. الإشارة: سُنَّة الله تعالى في أوليائه: أن يمتحنهم في البدايات، فإذا تمكنوا من معرفة الله، وكمل تهذيبهم، أعزهم ونصرهم، وأظهرهم لعباده. ومنهم من يتركهم تحت أستار الخمول، حتى يلقوه على ذلك وهم عرائس الملكوت، ضنَّ بهم أن يظهرهم لخلقه. والامتحان يكون على قدر المقام، وفي الحديث: «أشدُّ الناس بلاء: الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثلُ، يُبْتَلَى الرجلُ على قدر ديِنهِ، فإن كان في دينه صُلْباً، اشتد بلاؤُهُ، وإن كان في دينِه رقَّةٌ، ابتلى على قَدرِ دينِه، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتى يَتْرُكَهُ يَمْشِي على الأرْضِ وما عليه مِنْ خَطِيئة» «١» . وقال ﷺ : «أشدُّ الناسِِ بلاءً في الدنيا: نبي أو صفي» . وقال ﷺ : «أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الصالحون. لقد كان أحدهم يُبْتَلى بالفقر، حتى ما يَجَدَ إلا العباءَةَ يُحَوِّيهَا فيلبسها، ويُبْتَلى بالقَمَلِ حتى يَقْتُلَهُ، ولأَحَدُهُمْ كان أشدَّ فرحاً بالبلاء من أحَدِكُم بالعطاء» «٢» . من الجامع. والله تعالى أعلم.

стр. 2102

ثم ذكر المؤذين لهم، فقال: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤ الى ٧] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧) يقول الحق ﷻ : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أي: الشرك والمعاصي وإذاية المسلمين، أَنْ يَسْبِقُونا أي: يفوتونا، بل يلحقهم الجزاء لا محالة. و «أم» : منقطعة، ومعنى الإضراب فيها: أن هذا الحسبان أَبْطَلُ من الحسبان الأول لأن ذلك يظن أنه لا يُمْتَحَنُ لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يُجَازَى بمساوئه، وشبهته أضعف، ولذلك عقّبه بقوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ، أي: بئس ما يحكمون به حكمهم في صفات الله أنه مسبوق، وهو القادر على كل شيء، فالمخصوص محذوف. ثم ذكر الحامل على الصبر عند الإمتحان، وهو رجاء لقاء الحبيب، فقال: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أي: يأمل ثوابه، أو يخاف حسابه، أو ينتظر رؤيته، فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ المضروب للغاية لَآتٍ لا محالة. وفيه تبشير بأن اللقاء حاصل لأنه لأجل آت، وكل آت قريب. وكل غاية لها انقضاء، فليبادر للعمل الصالح الذي يصدق رجاءه ويحقق أمله. وَهُوَ السَّمِيعُ لما يقوله عباده، الْعَلِيمُ بما يفعلونه، فلا يفوته شيء. وَمَنْ جاهَدَ نفسه، بالصبر على مشاق الطاعات، ورفض الشهوات، وإذاية المخلوقات، وَحَبَسَ النفس على مراقبة الحق في الأنفاس واللحظات، فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ لأن منفعة ذلك لها، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ وعن طاعتهم ومجاهدتهم. وإنما أمر ونهي رحمة لهم، ومراعاة لصلاحهم. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي: الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ مع غنانا عنهم، أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أي: أحسن جزاء أعمالهم بالفضل والكرم. والله تعالى أعلم. الإشارة: أم حسب الذين يُنكرون على أوليائي، المنتسبين إليّ، أن يسبقونا؟ بل لا بد أن نعاقبهم في الدنيا والآخرة، إما في الظاهر بمصيبة تنزل بهم، أو في الباطن، وهو أقبح، كقساوة في قلوبهم، أو: كسل في بدنهم، أو: شك في يقينهم، أو: بُعد من ربهم، فإن مَن عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب. ثم بشّر المتوجهين الذين يؤذَون في جانبه، بأن لقاءه حاصل لهم إن صبروا، وهو الوصول إلى حضرته، والتنعم بقربه ومشاهدته، جزاء على صبرهم ومجاهدتهم، وهو الغنى بالإطلاق.

стр. 2103

ثم حذّر من طاعة من يرد عن التوحيد والإخلاص، فقال: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٨ الى ٩] وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) قلت: «وصى» : حُكمه حُكْمُ «أَمَرَ» ، يقال: وصيت زيداً بان يفعل خيراً، كما تقول: أمرته بأن يفعل خيراً، ومنه: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ «١» ، أي: أمرهم بكلمة التوحيد ووصاهم عليها. يقول الحق ﷻ : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ أمرناه بإيتاء والديه حُسْناً أي: فعلاً ذا حُسْنٍ، أو: ما هو في ذاته حُسن لفرط حسنه، كقوله: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً «٢» أو: وصينا الإنسان بتعاهد والديه، وقلنا له: أحسن بهما حسناً، أو: أوْلِهِمَا حُسْناً. وَإِنْ جاهَداكَ أي: حملاك بالمجاهدة والجد لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: لا علم لك بالإلهية، والمراد نَفْيُ العلم نَفْيُ المعلوم، وكأنه قيل: لتشرك بي شيئاً لا يصح أن يكون إلهاً، وقيل: ما ليس لك به حجة لأنها طريق العلم، فهو قوله: لاَ بُرْهانَ لَهُ بِهِ «٣» ، بل هو باطل عقلاً ونقلاً، فَلا تُطِعْهُما في ذلك إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ، من آمن منكم ومن أشرك، فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فأُجازيكم حق جزائكم. وفي ذكر المرجع والوعيد تحذير من متابعتهما على الشرك، وحث على الثبات والاستقامة في الدين. رُوِيَ أَنَّ سعد بن أبي وقاص لما أسلم، نذرت أمه ألا تأكل ولا تشرب حتى يرتد، فشكى إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية والتي فى لقمان «٤» . وَالَّذِينَ آمَنُوا ثبتوا على الإيمان وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ أي: في جملتهم، والصلاح مِن أبلغ صفة المؤمنين، وهو متمني الأنبياء، فقال سليمان ﵇: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ «٥» . وقال يوسف ﵇: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ «٦» أو: في مدخل الصالحين، وهو الجنة.

стр. 2104

الإشارة: قد وصى الله تعالى بطاعة الوالدين في كل شيء، إلا في شأن التوحيد والتخلص من الشرك الجلي والخفي، فإن ظهر شيخ التربية ومنع الوالدان ولدَهما من صحبته، ليتطهر من شركه، فلا يطعهما، وسيأتي في لقمان دليل ذلك، إن شاء الله. وبالله التوفيق. ثم ذكر شأن من امتحن فافتضح، فقال: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٠ الى ١١] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) يقول الحق ﷻ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ، فيدخل في جملة المسلمين، فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ أي: مسّه أذىً من الكفرة بأن عذبوه على الإيمان، جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ أي: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله، فَيُصْرَفْ عن الإيمان. وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ فتح أو غنيمة، لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أي: متابعين لكم في دينكم، ثابتين عليه بثباتكم، فأعطونا نصيباً من المغنم. والمراد بهم: المنافقون، أو: قوم ضعف إيمانهم فارتدوا. قال تعالى: أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ أي: هو أعلم بما في صدور العالمين. ومن ذلك ما في صدور هؤلاء من النفاق، وما في صدور المؤمنين من الإخلاص. الإشارة: منافق أهل الإيمان هو الذي يظهر الإيمان في الرخاء ويرجع عنه في الشدة، ومنافق الصوفية هو الذي يظهر الانتساب في السعة والجمال، فإذا وقع البلاء والاختبار بأهل النسبة خرج عنهم، فإذا أُوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله بالقطيعة والحجاب، ولئن جاء لأهل النسبة نصر وعز، ليقولن: إنا كنا معكم. وقد رأينا كثيراً من هذا النوع، دخلوا في طريق القوم، فلما قابلتهم نيران التعرف والامتحان رجعوا القهقرى، فعند الامتحان يعز المرء أو يهان، وعند الحَمْلَةِ يتميز الجبان من الشجاع. قال القشيري: المحن تُظْهِرُ جواهرَ الرجال، وتَدُلُّ على قيمتهم وأقدارهم. ثم من كانت محنته من فوات الدنيا، أو نقص نصيبه فيها، أو بموت قريب أو فَقْد حبيب، فحقيرٌ قدره، وكثيرٌ في الناس مثله. ومن كانت محنته في الله ولله، فعظيم قدره، وقليل مثله، في العدد قليل، ولكن في القدر والخطر جليل. هـ. قلت: معنى كلامه: أن

стр. 2105

العامة يمتحنهم الله ويختبرهم بذهاب حظوظهم وأحبابهم، فإن جزعوا فقدرهم حقير، وإن صبروا فأجرهم كبير، وأما الخاصة فيمتحنهم الله بسبب نسبتهم إلى الله، وإقبالهم عليه، أو الأمر بمعروف أو نهي عن منكر، فَيُؤْذَوْنَ في جانب الله، فمنهم من يُسجن، ومنهم من يُضرب، ومنهم من يُجلى من بلده، فهؤلاء قدرهم عند الله كبير. ثم قال: والمؤمن مَنْ يكفُّ الأذى، والولي من يتحمل من الناس الأذى، من غير شكوى، ولا إظهار دعوى. هـ. ولما وقعت الإذاية من الكفار للمسلمين طمعوا فيهم، كما قال تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٢ الى ١٣] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) يقول الحق ﷻ : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من صناديد قريش، لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا الذي نسلكه، وهو الدخول في ديننا، وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ إن كان ذلك خطيئة في زعمكم. أمروهم باتباع سبيلهم، وهي طريقتهم التي كانوا عليها، وأمروا أنفسهم بحمل خطاياهم، فعطف الأمر على الأمر، وأرادوا ليجتمع هذان الأمران في الحصول. والمعنى: تعليق الحمل بالاتباع، أي: إن تتبعوا سبيلنا حملنا خطاياكم. وهذا قول صناديد قريش، كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نُبعث نحن ولا أنتم، فإن كان ذلك فإنا نحمل عنكم الإثم. قال تعالى: وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ أي: ما هم حاملين شيئاً من أوزارهم، إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما ادعوا لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه، كالكاذبين الذين يَعِدُون الشيء وفي قلوبهم نية الخُلْف. وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ أي: أثقال أنفسهم بسبب كفرهم، وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ أي: أثقالاً أُخر غير التي ضمنوا للمؤمنين حملَها، وهي أثقال الذين كانوا سبباً في ضلالهم، كقولهم: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ «١» ، وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ من الأكاذيب والأباطيل التي أضلوا بها. الإشارة: كل من عاق الناس عن الدخول في طريق التصفية والتخليص: تَصْدُقُ عليه هذه الآية، فيتقلد بحمل نقائصهم ومساوئهم التي بقيت فيهم، فيحاسب عليها وعلى مساوئ نفسه. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →