ثم مدح كتابه المشتمل على جلّ العلوم الغيبية، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧٦ الى ٨١]
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)
وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)
يقول الحق ﷻ : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ يُبين لهم أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين الذي اشتبه عليهم. ومن جملة ما اختلفوا فيه: المسيح، وتحزّبوا فيه أحزاباً، وركبوا متن العند والغلو في الإفراط والتفريط، ووقع بينهم المناكرة في أشياء، حتى لعن بعضُهم بعضاً. وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه، لو أنصفوا وأخذوا به، وأسلموا. يريد اليهود والنصارى، وإن كانت الآية خاصة باليهود. وَإِنَّهُ- أي: القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ على الإطلاق، فيدخل فيهم من آمن من بني إسرائيل دخولاً أولياً.
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي: بين بني إسرائيل، أو: بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، بِحُكْمِهِ أي:
بعدله لأنه لا يحكم إلا بالعدل، فسمى المحكوم به حكماً. أو: بحكمته، ويدلّ عليه قراءة مَن قرأ «بِحِكَمه» : جمع:
حِكمة «١» لأن أحكامه تعالى كلها حِكَم بديعة. وَهُوَ الْعَزِيزُ، فلا يُردّ حُكمه وقضاؤه، الْعَلِيمُ بجميع الأشياء، ومن جملتها: من يقضي له ومن يقضي عليه. أو: العزيز في انتقامه من المبطلين، العليم بالفصل بين المختلفين.
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، الفاء لترتيب ما قبله من ذكر شئونه- فإنها موجبة للتوكل عليه، داعية إلى الأمر به، أي: فتوكل على الله الذي هذا شأنه. وهذه أوصافه، فإنه موجب لكل أحد أن يتوكل عليه، ويفوض جميع أموره إليه. أو: فتوكل على الله ولا تُبالي بأعداء الدين. إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، تعليل للأمر بالتوكل بأنه الحق الأبلج، وهو الدين الواضح الذي لا يتطرقه شك ولا ريب.
стр. 2032
وفيه تنبيه على أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله في نصرته. وقد تضمنت الآية من أولها ثناء على القرآن، بنفي ما رموه من كونه أساطير الأولين. ثم وصفه بكونه هدى ورحمة للمؤمنين. ثم توعد الرامين له بحُكمه عليهم بما يستحقونه، ثم أمره بالتوكل عليه في كفايته أمرهم ومكرهم.
ثم بيّن سبب طعنهم في القرآن، بأنهم ليس فيهم قابلية الإدراك لكونهم موتى صماً، لا حياة لهم ولا سمعَ استبصار، قال تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى، شُبِّهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يُتلى عليهم من القوارع والزواجر، وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ أي: الدعوة إلى أمر من الأمور إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ عنك. وتقييد النفي بالإدبار لتكميل التنبيه وتأكيد النفي، فإنهم مع صمَمهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي، مولون على أدبارهم. ولا ريب أن الأصم لا يسمع الدعاء، مع كون الداعي بمقابلة صماخة، قريباً منه، فكيف إذا كان خلفه بعيداً منه؟.
وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ هدايةً موصلةً إلى المطلوب، كما في قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ «١» فإن الاهتداء منوط بالبصر في الحس، وبالبصيرة في المعنى. ومن فقد هما لا يتصور منه اهتداء، و «عن» متعلق بهادي باعتبار تضمنه معنى الصرف، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية.
إِنْ تُسْمِعُ أي: ما تُسمع سماعاً يجدي السامع وينفعه إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا أي: من عَلِمَ الله أنهم يؤمنون بآياته. فَهُمْ مُسْلِمُونَ مخلصون، من قوله: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ «٢» أي: جعله سالماً لله خالصاً. جعلنا الله ممن أسلم بكليته إليه. آمين.
الإشارة: إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة، وهي ما يتعلق بالجوارح الظاهرة، رُجع فيه إلى الكتاب العزيز، أو السُنَّة المحمدية، أو الإجماع، أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية، وهي ما يتعلق بالعقائد التوحيدية، من طريق الأذواق أو العلوم، يُرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلى فيها إلا ما هو حق وصواب. فلا يمكن قلع عروق الشكوك والأوهام، والوساوس من القلوب المُسوسة، إلا بالرجوع إليهم وصحبتهم، ومن جمع بين الظاهر والباطن، رجع إليه في الأمرين معاً.
ذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا الحسن الشاذلى ﵁ كان يُناظر جماعة من المعتزلة، ليردهم إلى الحق، فدخل عليه رجل من القراء، يُقال له: أبو مروان، فسلَّم عليه، فقال له الشيخ: اقرأ علينا آيةً من كتاب الله، فأجرى الله على
стр. 2033
لسانه، من غير قصد، قوله تعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ إلى قوله: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ فتهلل وجه الشيخ، وقال: ما بعد بيان الله من بيان، فتابوا واهتدوا إلى الحق، ورجعوا عن مذهبهم، وشفا الله قلوبهم من مرض الاعتزال. فهذا شأن العارفين بالله، جعلهم الله شفاء من كل داء، لكن الأعمى والأصم لا يُبصر الداعي، ولا يَسمع المنادي. ولذلك قال تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى.. إلخ: قال الورتجبي: الميت: من ليس له استعداد لقبول المعرفة الحقيقية بغير الدلائل، والأصم: من كان أذن قلبه مسدودة بغواشي القهر، ومَن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه وشهواته. هـ.
ثم ذكر بعض مقدمات الساعة، التي كانوا يستعجلونها، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٨٢]
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢)
يقول الحق ﷻ : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي: وقع مصداق القول الناطق بمجيء الساعة، بأن قَرُب إتيانها، وظهرت أشراطها، فأراد بالوقوع: دنوه واقترابه، كقوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ ... «١» رُوي أن ذلك حين ينقطع الخير، ولا يُؤمر بمعروف ولا يُنهى عن منكر، ولا يبقى منيب ولا تائب. و «وقع» : عبارة عن الثبوت واللزوم، وهذا بمنزلة: حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ «٢» أي: وإذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي، وأراد أن ينفذ في الكافرين سابق علمه لهم من العذاب، أخرج لهم دابة من الأرض. وفي الحديث: «إن الدابة، وطلوع الشمس من المغرب، من أول الأشراط» «٣» .
فلا ينبغي لهؤلاء الكفرة ترك الإيمان حيث ينفعهم، ويتطلبون وقوع الساعة الموعود بها، التي لا ينفع الإيمان لمن لم يكن آمن، مع ظهور مقدماتها، فضلاً عنها. فإذا وقع الوعد وَسَمَت الدابة مَن لم يؤمن بِسمة الكفر، وكان ذلك طبعاً وختماً، فلا يقبل منه إيمان، ويقال له: أيها الكافر لم تؤمن بالآيات غيباً، فلا يقبل منك بعد رؤيتها عينا.
стр. 2034
وهذا معنى قوله: أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ، وهي الجساسة، طولها ستون ذراعاً، لا يدركها طالبٌ، ولا يفوتها هاربٌ، لها أربع قوائم، وزغب، وريش، وجناحان «١» . وقيل: لها رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن أيّل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هرّة، وذنب كبش، وخف بعير، وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً، تخرج من الصفا فتكلّمهم بالعربية، فتقول: أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ أي: بخروجي لأن خروجها من الآيات، وتقول: ألا لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.
وفي حديث حذيفة ﵁: «تأتي الدابة المؤمن، فتُسلم عليه، وتأتي الكافر فتخطه- أي تسمه- في وجهه» .
وعن أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَخْرُجُ الدَّابةُ مَعها خاتمُ سُليمانَ، وعَصا مُوسى، فتجلوا وَجْهَ المُؤمِن، وَتَخْتُم أنْفَ الكافر بالخاتم، حتّى أَنَّ أَهْلَ الحِواء «٢» مجْتَمِعُون، فيقول: هاها يا مُؤمْن، ويقول: هاها يا كافِرُ» «٣» .
وهي بعد نزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها. والله تعالى أعلم.
الإشارة: وإذا وقع القول على قوم بإسدال الحجاب، وإدامة غلق الباب، أخرج لهم جاهل بالله، يكلمهم بادعاء التربية، فيأخذون عنه، ويقتدون به. قال في المباحث:
واعلم بأن عُصْبَةَ الجُهَّالِ ... بَهَائِمٌ في صور الرجال
فالجاهل بالله دابة في الأرض: أن الناس كانوا بآياتنا الدالة علينا- وهم العلماء بالله، أهل الشهود والعيان- لا يُوقنون بوجودهم، ولا يعرفون وجود الخصوصية عندهم. فإذا أراد الله تعب عبد، وإبقاءه في غم الحجاب، ألقاه إلى شيخ جاهل بالله، أو: إلى ميت يتخذه شيخاً، ويفنى فى محبته، فلا يُرجى فلاحه في طريق الخصوصية، مادام مقيداً به، فإن تركه واقتدى بالعارف الحي، فقد هيأه لرفع الحجاب. وبالله التوفيق.
ثم ذكر قيام الساعة، بعد ذكر بعض أشراطها، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٣ الى ٨٦]
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)
стр. 2035
قلت: «ماذا» تأتي على أوجه أحَدُها: أن تكون «ما» : استفهاماً، و «ذا» : إشارة، نحو: ماذا التواني.
الثاني: أن تكون «ما» : استفهاماً، و «ذا» : موصولة، كقول لبيد:
ألا تَسْأَلانِ المرْءَ ماذا يُحاوِلُ؟ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى، أَمْ ضَلالٌ وباطِلُ؟
الثالث: «ماذا» كله: استفهام على التركيب، كقولك: لماذا جئت؟. الرابع: أن تكون «ماذا» كله: اسم جنس بمعنى شيء، أو: بمعنى «الذي» كقوله: دعني ماذا علمت؟، وتكون «ذا» زائدة. انظر القاموس.
يقول الحق ﷻ : وَاذكر يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً، الفوج: الجماعة الكثيرة.
و «من» : للتبعيض، أي: واذكر يوم نجمع من كل أمة من أمم الأنبياء جماعة كثيرة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا، «مِن» : لبيان الفوج، أي: فوجاً مكذبين بآياتنا، المنزلة على أنبيائنا، فَهُمْ يُوزَعُونَ: يُحبس أولهم على آخرهم، حتى يجتمعوا، حين يُساقون إلى موضع الحساب. وهذه عبارة عن كثرة العدد، وتباعد أطرافهم، والمراد بهذا الحشر: الحشر للعذاب، والتوبيخ والمناقشة، بعد الحشر الكلي، الشامل لكافة الخلق. وعن ابن عباس: (المراد بهذا الفوج: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، يُساقون بين يدي أهل مكة) وهكذا يُحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.
حَتَّى إِذا جاؤُ إلى موقف السؤال والجواب، والمناقشة والحساب، قالَ أي: الله ، موبخاً لهم على التكذيب: أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي المنزلة على رسلي، الناطقة بلقاء يومكم، وَالحال أنكم لَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أي: أكذبتم بها في بادئ الرأي، من غير فكر، ولا نظر، يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق حتماً. وهذا نص في أن المراد بالآيات في الموضعين هي الآيات القرآنية. وقيل: هو عطف على «كذبتم» ، أي: أجمعتم بين التكذيب وعدم التدبر فيها. أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؟ حيث لم تتفكروا فيها، فإنكم لم تُخلقوا عبثاً. أو: أيُّ شيء كنتم تعملون، استفهام، على معنى استبعاد الحجج، أي: إن كانت لكم حجة وعمل فهاتوا ذلك. وخطابهم بهذا تبكيت لهم. ثم يُكبون في النار، وذلك قوله تعالى: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي: حلَّ بهم العذاب، الذي هو مدلول القول الناطق بحلوله ونزوله، بِما ظَلَمُوا: بسبب ظلمهم، الذي هو تكذيبهم بآيات
стр. 2036
الله فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لانقطاعهم عن الجواب بالكلية، وابتلائهم بشغل شاغل من العذاب الأليم، يشغلهم العذاب عن النطق والاعتذار.
ثم ذكر دلائل قدرته على البعث، وما ينشأ بعد ذلك، بقوله: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ، الرؤية هنا قلبية، أي: ألم يعلموا أنا جعلنا الليل بما فيه من الإظلام ليستريحوا فيه بالنوم والقرار. وَالنَّهارَ مُبْصِراً أي: يُبصروا، بما فيه من الإضاءة، طرق التقلب في أمور المعاش. وبولغ فيه، حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس، حالاً له، ووصفاً من أوصافه، بحيث لا ينفك عنها، ولم يسلك في الليل هذا المسلك لأن تأثير ظلام الليل في السكون ليس بمثابة تأثير النهار في الإبصار. قاله أبو السعود.. قلت: وقد جعله كذلك في قوله:
وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً «١» فانظره.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ كثيرة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يُصدِّقون، فيعتبرون، فإنَّ من تأمل في تعاقب الليل والنهار، واختلافهما على وجوه بديعة، مبنية على حِكَمٍ رائقة، تحار في فهمها العقول، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل، المحاكية للموت، بضياء النهار، المضاهي للحياة، وعاين في نفسه غلبة النوم، الذي هو يضاهي الموت، وانتباهه منه، الذي هو يضاهي البعث، قضى بأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
قال لقمانُ لابنه: يَا بُني إن كنت تشك في الموت فلا تنم، فكما أنك تنام قهراً كذلك تموت، وإن كنت تشك في البعث فلا تنتبه، فكما أنك تنتبه بعد نومك كذلك تُبعث بعد موتك هـ. وبالله التوفيق.
الإشارة: يوم نحشر من كل إمة فوجاً يُنكر على أهل الخصوصية، ممن يكذب بآياتنا، وهم العارفون بنا، الدالون علينا، المعرِّفون بنا، فهم يُوزعون: يُجمعون للعتاب، حتى إذا جاءوا إلينا بقلب سقيم، قال: أكذَّبتم بأوليائي، الدالين على حضرتي، بعد التطهير والتهذيب، ولم تُحيطوا بهم علماً، منعكم من ذلك حب الرئاسة والجاه، أم ماذا كنتم تعملون؟. ووقع القول عليهم بالبقاء مع عامة أهل الحجاب، فهم لا ينطقون، ولا يجدون اعتذاراً يُقبل منهم.
ألم يعلموا أنهم يموتون على ما عاشوا عليه، ويُبعثون على ما ماتوا عليه، فهلاّ صحبوا أهل اليقين الكبير، - وهو عين اليقين أو حق اليقين، المستفاد من شهود الذات الأقدس- فيكتسبوا منهم اليقين، حتى يموتوا على اليقين ويُبعثوا على اليقين. وبالله التوفيق.
стр. 2037
ثم ذكر النفخ في الصور، وما يكون بعده من الأهوال، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٧ الى ٩٠]
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)
يقول الحق ﷻ : وَاذكر يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل- ﵇ عن أبى هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: «لما فرغ الله تعالى من خلق السموات والأرض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرش، حتى يؤمر، قال: قلت: كيف هو؟ قال:
عظيم، والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه كعرض السموات والأرض» وفي حديث آخر: «فيه ثقب بعدد كل روح مخلوقة، فيؤمر بالنفخ فيه، فينفخ نفخة، لا يبقى عندها في الحياة أحد، غير من شاء الله تعالى وذلك قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ «١» ، ثم يؤمر بأخرى، فينفخ نفخه لا يبقى معها ميت إلا بُعث» . وفي رواية: «فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح، كأنها النحل، فتملأ ما بين السماء والأرض، وتأتي كل روح إلى جسدها، كما تأتي النحل إلى وكرها. وذلك قوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ «٢» .
قال أبو السعود: والذي يستدعيه النظم الكريم أن المراد بالنفخ هاهنا: النفخة الثانية، وفي الفزع في قوله تعالى:
فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ما يعتري الكل عند البعث والنشور، بمشاهدة الأمور الهائلة، الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق، من الرعب والتهيب، الضروريين، الجبلين في كل نفس. وإيراد صيغة الماضي مع كون المعطوف عليه مضارعاً للدلالة على تحقق وقوعه. هـ. وظاهره أن النفخ مرتان فقط، واعتمده القرطبي وغيره، وصحح ابن عطية أنها ثلاث، ورُوي ذلك عن أبي هريرة: نفخة الفزع وهي فزع حياة الدنيا، وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ونفخة القيام من القبور.
стр. 2038
وقوله: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أي: ألاَّ يفزع، وهو من ثبّت الله قلبه، فإن قلنا: المراد بها النفخة الثانية، فالمستثنى: هم من سبقت لهم الحسنى، بدليل قوله: لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ «١» وإن قلنا: هي نفخة الصعق، فالمستثنى: قيل: هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، لكن يموتون بعد صعق الخلق. وقيل: الحور وحَملةُ العرش، وإن قلنا: المراد نفخة الفزع في الدنيا، فالمستثنى: أرواح الأنبياء والأولياء والشهداء والملائكة.
ثم قال تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ «٢» بصيغة الماضي، أي: وكل واحد من المبعوثين عند النفخة حضروه في موقف الحساب، بين يدي الله ﷻ ، والسؤال والجواب. أو: وكل حاضروه، على قراءة إسم الفاعل، وأصله:
آتيوه، حال كونهم داخِرِينَ: صاغرين أذلاء.
وَتَرَى الْجِبالَ حال الدنيا تَحْسَبُها جامِدَةً واقفة ممسّكة عن الحركة، من: جمد في مكانه: إذا لم يبرح. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ أي: مراً مثل مر السحاب، التي تسيرها الرياح، سيراً حثيثاً، والمعنى: أنك إذا رأيت الجبال وقت النفخة ظننتها ثابتة في مكان واحد لِعظمها، وهي تسير سيراً سريعا، كالسحاب إذا ضربته الرياح، وهكذا الأجرام العظام، إذا تحركت لا تكاد تتبين حركتها. ومثال ذلك: الشمس لعظم جرمها وبُعدها لا تتبين حركتها، مع كونها أسرع من الريح.
والذي في حديث أبي هريرة: أنَّ تسيير الجبال يكون بعد نفخة الفزع وقبل الصعق. ونص الحديث- بعد كلام تقدم: «فيأمر إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات والأرض، إلا من شاء الله، فيأمره فيمدها- أي: النفخة- ويطيلها، فيُسير الله الجبال، فتمر مر السحاب، فتكون سراباً، وتَرْتج الأرض بأهلها رجاً، فتكون كالسفينة تضربها الأمواج، وتقلبها الرياح، وهو قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ «٣» الآية، فتميد الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين، هاربة من الفزع، حتى تأتي الأقطار هاربة، فتلقاها الملائكة تضرب وجهها وأدبارها، فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضاً، وهو قوله: يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ.. الآية «٤» فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض، من قطر إلى قطر، فرأوا أمراً عظيماً، لم يروا مثله. ثم قال: قال النبي ﷺ : «والأموات يومئذٍ لا يعلمون بشيء من ذلك» .
قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله فمن استثنى الله من الفزع؟ قال: «أولئك الشهداء» .
стр. 2039
قلت: ومثلهم الأنبياء والأولياء إذ هم أعظم منهم، وأحياء مثلهم. ثم قال ﵊: «وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، وهم أحياء عند ربهم يُرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وهو عذاب يبعثه الله على شرار خلقه» . وهو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله: وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
«١» فيمكثون طويلاً، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق مَن في السموات، ومَن في الأرض، إلا من شاء الله، فإذا اجتمعوا في البرزخ، جاء ملك الموت إلى الجبار، فيقول: قد مات أهل السموات والأرض، إلا من شئتَ، فيقول الله تعالى، وهو أعلم: من بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي القيوم، الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل، وإسرافيل، وبقيتُ أنا، فيقول تعالى: فليمتْ جبريل وميكائيل، فينطق الله العرش، فيقول: أيّ رب يموت جبريل، وميكائيل! فيقول: اسكت، إني كتبت الموت على كل من تحت عرشي، فيموتان. ثم يأتي ملك الموت الجبارَ، فيقول: أي رب قد مات جبريل وميكائيل، فيقول- وهو أعلم: من بقي؟ بقيتَ أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي إسرافيل، وبقيتُ أنا. فيقول: ليمتْ حملة العرش، فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يقول: ليمت إسرافيل، فيموت، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب قد مات حملة عرشك، فيقول، وهو أعلم: من بقي؟ فيقول: بقيتَ أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق من خلقي، خلقتك لِما رأيتَ، فمتْ، فيموت. فإذا لم يبق إلا الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يُولد، ولم يكن له كفواً أحد، فكان آخراً، كما كان أولاً، طوى السماء طي السجل للكتاب، فيقول: أنا الجبار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ فلا يجيبه أحد، ثم يقول تعالى: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ثم تُبدل الأرض غير الأرض، والسموات يبسطها بسطاً، ثم يمدها مدّ الأديم العكاظي، لا ترى فيها عِوجاً ولا أمتا.
ثم قال: ثم ينزل ماء من تحت العرش، كمنيّ الرجل، ثم يأمر الله السحاب أن تمطر أربعين يوماً، حتى يكون فوقهم اثني عشر ذراعاً، ويأمر الله تعالى الأجساد أن تنبت كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم، كما كانت، قال الله تعالى: ليحيَى حملة العرش، فيحيون، ثم يقول الله تعالى: ليحيى جبريل وميكائيل وإسرافيل، فيحيون، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يدعو الله تعالى الأرواح، فيؤتى بها تتوهج أرواح المؤمنين نوراً، والأخرى ظلمة، فيقبضها، ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح، كأنها النحل، وقد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول تعالى: لترجعن كل روح إلى جسدها، فتدخل الأرواح الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد، مشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنهم سراعاً، فأنا أول من
стр. 2040
تنشق عنه، فتخرجون منها إلى ربكم تنسلون، عراةً، حفاةً، غُرلاً، مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافر: هذا يوم عسير. نقله الثعلبي «١» .
ثم قال تعالى: صُنْعَ اللَّهِ، هو مصدر مؤكد لمضمون ما قبله، أي: صَنَعَ الله ذلك صُنعاً، على أنه عبارة عما ذكر من النفخ في الصور، وما ترتب عليه جميعاً. قصد به التنبيه على عِظَم شأن تلك الأفاعيل، وتهويل أمرها، والإيذان بأنها ليست بطريق الإخلال بنظم العالم، وإفساد أحوال الكائنات، من غير أن تدعو إليه داعية، بل هي من بدائع صنع الله تعالى، المبنية على أساس الحكمة، المستتبعة للغايات الجليلة، التي لأجلها رتبت مقدمات الخلق ومبادئ الإبداع، على الوجه المتين، والنهج الرصين، كما يُعرب عنه قوله: الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي: أحكم خلقه وسوّاه، على ما تقتضيه الحكمة.
وقوله تعالى: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ: تعليل لكون ما ذكر صنعاً محكماً له تعالى لبيان أن علمه بظواهر أفعال المكلفين وبواطنها، مما يدعو إلى إظهارها وبيان كيفياتها، على ما هي عليه من الحسن والسوء، وترتيب أجزيتها عليها بعد بعثهم وحشرهم.
وقوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها: بيان لما أشير إليه بإحاطة علمه تعالى بأفعالهم من ترتيب أجزيتها عليها، أي: من جاء من أولئك الذين أوتوه بالحسنة فله خير منها، باعتبار أنه أضعفها بعشر، أو: باعتبار دوامه وانقضائها، وعن ابن عباس ﵁: «الحسنة: كلمة الشهادة» «٢» وَهُمْ أي: الذين جاءوا بالحسنات مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ أي: من فزع هائل، وهو الفزع الحاصل من مشاهدة العذاب، بعد تمام المحاسبة، وظهور الحسنات والسيئات. وهو المراد في قوله تعالى: لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ «٣» .
وقال ابن جريج: حين يُذبح الموت ويُنادى: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت.
فيكون هؤلاء مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ، أي: يوم إذ ينفخ في الصور وما بعده آمِنُونَ لا يعتريهم ذلك الفزع الهائل، ولا يلحقهم ضرره أصلاً. وأما الفزع الذي يعتري كل من السموات ومَن في الأرض، غير ما استثناه الله تعالى، فإنما هو التهيب والرعب الحاصل في ابتداء النفخة، من معاينة فنون الدواهي والأهوال، ولا يكاد يخلو منه أحد بحكم الجبلة، وإن كان آمناً من لحوق الضرر. قال جميعه أبو السعود.
стр. 2041
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قيل: هو الشرك. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ، أي: كُبوا فيها على وجوههم منكوسين. ويقال لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا من الشرك والمعاصي. والله تعالى أعلم.
الإشارة: من أراد أن يكون ممن استثنى الله من الفزع والهول، فليكن قلبه معموراً بالله، ليس فيه غير مولاه، ولا مقصود له في الدارين إلا الله، وظاهره معموراً بطاعة الله، متمسكاً بسنة رسول الله، هواه تابع لما جاء به مِن عند الله، لا شهوة له إلا ما يقضي عليه مولاه، فبهذا ينخرط في سلك أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين سبقت لهم الحسنى، لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون. جعلنا الله من خواصهم، بمنِّه وكرمه، آمين.
وقوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ... الآية. كذلك قلوب الراسخين في العلم بالله، لا تؤثر فيهم هواجم الأحوال والواردات الإلهية، بل تهزهم في الباطن، وظواهرهم ساكنة، كالجبال الراسية، قيل للجنيد: قد كنت تتواجدُ عند السماع، والآن لا يتحرك فيك شيء؟ فتلى: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ.
وقوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي: بالخصلة الحسنة، وهي المعرفة فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وهو دوام النظرة والحبرة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ هي الجهل بالله، فينكس وجهه عن مواجهة المقربين. والعياذ بالله.
ولما بلّغ الرسول ﷺ ما أمره الله من بيان عواقب الأمور، تبرأ منهم، فقال:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٩١ الى ٩٣]
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)
يقول الحق ﷻ : قل لكفار قريش، بعد تبيين أحوال المبعث، وشرح أحوال القيامة، بما لا مزيد عليه: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي: مكة، أي: إنما أمرني ربي أن أعبده، وأستغرق أوقاتي في مراقبته ومشاهدته، غير مبالٍ بكم، ضللتم أم رشِدتم، وما عليّ إلا البلاغ، وقد بلغتكم وأنذرتكم. وتخصيص مكة
стр. 2042
بالإضافة لتفخيم شأنها وإجلال مكانها، الَّذِي حَرَّمَها أي: جعلها حرماً آمناً، يأمن الملتجأ إليها، ولا يختلي خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفّر صيدها. والتعرض لبيان تحريمه إياها تشريف لها بعد تشريف، وتعظيم إثر تعظيم، مع ما فيه من الإشعار بعلة الأمر بعبادة ربها، وأنهم مُكلفون بذلك، كما في قوله تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «١» . ومن الإشارة إلى غاية شناعة ما فعلوا فيها، ألا يُرى أنهم مع كونها محرمة من أن تنتهك حرمتها، ويلحد فيها بإثم، قد استمروا فيها على تعاطي أفجر الفجور، وأشنع الإلحاد، حيث تركوا عبادة ربها، ونصبوا الأوثان، وعكفوا على عبادتها، قاتلهم الله أنَّى يؤفكون. قاله أبو السعود.
ثم قال تعالى: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقاً وملكاً وتصرفاً، من غير أن يشاركه أحد في شيء من ذلك، تحقيقاً للحق، وتنبيهاً على إن إفراد مكة بالإضافة لما ذكر من التفخيم والتشريف، مع عموم الربوبية لجميع الموجودات.
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ المنقادين له، الثابتين على ما كنا عليه، من ملة الإسلام والتوحيد. الذين أسلموا وجوههم له تعالى، وانقادوا إليه بالكلية.
وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ أي: أُواظب على تلاوته، لتنكشف حقائقه الرائقة، المخزونة فى تضاغيفه، شيئاً فشيئاً.
أو: على تلاوته على الناس بطريق تكرير الدعوة، وتثنية الإرشاد، فيكون ذلك تنبيهاً على كفايته في الهداية والإرشاد، من غير حاجة إلى إظهار معجزة أخرى.
فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أي: فمن اهتدى بالإيمان به، والعمل بما فيه من الشرائع والأحكام، فإنما منافع هدايته عائدة إليه، لا إلى غيره. وَمَنْ ضَلَّ بالكفر به، والإعراض عن العمل بما فيه فَقُلْ في حقه: إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وقد خرجتُ من عهدة الإنذار، فليس عليَّ من وبال ضلالته شيء. قال الصفاقسي: جواب «من» : محذوف، يدل عليه ما قبله، أي: فوبال ضلاله عليه، أو: يكون الجواب: «فقل» ، ويقدر ضمير عائد من الجواب إلى الشرط لأنه اسم غير ظرف، أي: من المنذرين له. هـ.
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على ما أفاض عليّ من نعمائه، التي أجلُها نعمة النبوة، المستتبعة لفنون النعم الدينية والدنيوية، ووفقني لتحمل أعبائها، وتبليغ أحكامها إلى كافة الورى، بالآيات البينة والبراهين النيرة، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ قطعاً في الدنيا، التي وعدكم بها، كخروج الدابة وسائر الأشراط، فَتَعْرِفُونَها أي: فتعرفون أنها آيات
стр. 2043
الله، حين لا تنفعكم المعرفة، أو: سيضطركم إلى معرفة آياته، والإقرار بأنها آيات الله حين ظهورها، وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، بل محيط بعمل المهتدي والضال، غير غافل، فيجازي كلا بما يستحقه.
وتخصيص الخطاب أولاً به- ﵊ وتعميمه ثانياً للكفرة تغليباً، أي: وما ربك بغافل عما تعمل أنت من الحسنات وما تعملون أنتم- أيها الكفرة- من السيئات، فيجازي كلاً بعمله. ومن قرأ بالغيب «١» فهو وعيد محض، أي: وما ربك بغافل عن أعمالهم، فسيعذبهم ألبتة، فلا يحسبوا أن تأخير عذابهم لغفلته تعالى عن أعمالهم، بل يُمهل ولا يهمل. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إذا فرغ الواعظ من وعظه وتذكيره، أو: العالم من تدريسه وتعليمه، أقبل على عبادة ربه، إما عبادة الجوارح الظاهرة، من صلاة وذكر وتلاوة، أو عبادة القلوب، كتفكر واعتبار، أو استخراج علوم وحكم ودُرر.
وإما عبادة الأرواح، كنظرة وفكرة وشهود واستبصار. وهذه عبادة الفحول من الرجال، فمن اهتدى إليها فلنفسه، ومن ضل عنها فقل إنما أنا من المنذرين. والحمد لله رب العالمين- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
стр. 2044
سورة القصص
مكية إلا قوله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ.. الآية «١» . وهى ثمان وثمانون آية. ومناسبتها لما قبلها:
قوله: وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ «٢» ، مع قوله: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ فإنه عين القرآن المتلو. وقيل: وجه المناسبة:
قوله: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ «٣» ، مع قوله: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ فإن تنزيل الكتاب من أعظم الآيات. وافتتح بالرموز التي يستعملها بينه وبين حبيبه، فقال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)
يقول الحق ﷻ : طسم، إما مختصرة من أسماء الله تعالى، أقسم على حقّية كتابه، وما يتلى فيه، كأنها مختصرة من طهارته- أي: تنزيهه- وسيادته، ومجده، أو: من أسماء رسوله- وهو الأظهر- أي: أيها الطاهر السيد المجيد تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، إما من بان، أو: أبان، أي: بيِّن خيره وبركتُه، أو: مُبين للحلال والحرام، والوعد والوعيد، والإخلاص والتوحيد، نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ أي: بعض خبرهما العجيب. قال القشيري: كرَّر الحقُّ قصةَ موسى تعجيباً بشأنه، وتعظيماً لأمره، ثم زيادة في البيان لبلاغة القرآن، ثم أفاد زوائد من الذكر في كل موضعٍ يُكرره. هـ.
هذا مع الإشارة إلى نصر المستضعفين، والامتنان عليهم بالظفر والتمكين، ففيه تسلية لنبينا محمد ﷺ ، ووعد جميل له ولأمته. وقوله: بِالْحَقِّ: حال من فاعل نَتْلُوا، أو: من مفعوله، أو: صفة لمصدر محذوف، أي:
ملتبسين، أو: ملتبساً بالحق، أو: تلاوة ملتبسة بالحق. لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لمن سبق في علمنا أنه يُؤمن لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم، فهو متعلق بنتلوا. والله تعالى أعلم.
الإشارة: تقديم هذه الرموز، قبل سرد القصص، إشارة إلى أنه لا ينتفع بها كل الانتفاع حتى يتطهر سره، وَيُلْقِيَ سَمْعَهُ، وهو شهيد، فحينئذٍ يكون طاهراً سيداً مجيداً، ينتفع بكل شيء، ويزيد إلى الله بكل شيء. ولذلك خص تلاوة قصص موسى بأهل الإيمان الحقيقي لأنهم هم أهل الاعتبار والاستبصار. والله تعالى أعلم.
стр. 2045
ثم شرع في بيان شأنهما، فقال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤ الى ٦]
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)
يقول الحق ﷻ : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ، وهو استئناف بياني، وكأن قائلاً قال: وكيف كان نبأهما؟ فقال: إنه علا في الأرض، أي: تجبّر وطغى في أرض مصر، وجاوز الحد في الظلم والعدوان. أو: علا عن عبادة ربه، وافتخر بنفسه، ونسي العبودية. وفي التعبير بالأرض تبكيت عليه، أي: علا في محل التذلل والانخفاض، وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً أي: فرقاً وأصنافاً في الخدمة والتسخير، كلُّ قوم من بني إسرائيل في شغل مفرد. وقيل: مَلَكَ القبط واستعبد بني إسرائيل. أو: فرقاً مختلفة، يُكرم طائفة ويهين أخرى، فأكرم القبط، وأهان بني إسرائيل. يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ وهم بنو إسرائيل، وهو يُرشد إلى كون المراد بقوله: وَجَعَلَ أَهْلَها لا يُخَصُّ ببني إسرائيل. يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ الذكور، وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي: البنات، يتركهم لخدمته.
وسبب ذبحه للأبناء أن كاهناً قال له: يولد مولود في بني إسرائيل، يذهب ملكك على يده، وفيه دليل على حمق فرعون، فإنه إن صدق الكاهن لم ينفعه القتل إذ لا ينفع حذرٌ من قدر، وإن كذب فلا معنى للقتل. وجملة:
يَسْتَضْعِفُ: حال من الضمير في جَعَلَ، أو صفة لشِيع، أو استئناف. إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، أي: الراسخين في الإفساد، ولذلك اجترأ على تلك العزيمة العظيمة، من قتل المعصومين من أولاد الأنبياء- ﵈.
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ أي: نتفضل عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ على الوجه المذكور بالقتل والتسخير. وهذه الجملة معطوفة على: إِنَّ فِرْعَوْنَ، أو: حال من يَسْتَضْعِفُ، أي: يستضعفهم فرعون ونحن نُريد أن نمنّ عليهم، وإرادة الله تعالى كائنة لا محالة، فَجُعِلَتْ كالمقارنة لاستضعافهم، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً أي:
قادة يُقتدى بهم في الخير، أو: دعاة إلى الخير، أو: ولاةً وملوكاً، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ أي: يرثون فرعون وقومه، مُلكهم وكل ما كان لهم.
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أرض مصر والشام، يتصرفون فيها كيف شاءوا، وتكون تحت مُلكهم وسلطانهم. وأصل التمكن: أن يجعل له مكاناً يقعد عليه، ثم استعير للتسليط والتصرف في الأمر. وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ
стр. 2046
وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ
من بني إسرائيل، ما كانُوا يَحْذَرُونَ يخافون من ذهاب ملكهم، وهلاكهم على يد مولود منهم. والحذر: التوقي من الضرر. ومن قرأ (يري) بالياء «١» ، ففرعون وما بعده فاعل. وبالله التوفيق.
الإشارة: العلو في الأرض يُورث الذل والهوان. والتواضع والاستضعاف يورث العز والسلطان، والعيش في العافية والأمان مَن تواضع رَفَعَهُ الله، ومَن تَكَبَّر قصمه الله. وهذه عادة الله في خلقه، بقدر ما يَذِلُّ في جانب الله يعزه الله، وبقدر ما يفتقر يغنيه الله، وبقدر ما يفقد يجد الله. قال الشيخ أبو الحسن ﵁: اللهم إنَّ القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزُّوا، وحكمت عليهم بالفقْدِ حتى وجدوا. وبالله التوفيق.
ثم ذكر أول نشأة موسى ﵇ وما جرى فى تربيته، فقال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧ الى ٩]
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩)
يقول الحق ﷻ : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى بالإلهام، أو بالرؤيا، أو بإخبار ملك كما كان لمريم، وليس هذا وحي رسالة، فلا يلزم أن تكون رسولاً، واسمها: يوحانة، وقيل: يوخابذ بنت يَصهرُ بن لاوي بن يعقوب. وقيل: يارخا. ذكره في الإتقان. وقلنا: أَنْ أَرْضِعِيهِ «أن» : مفسرة، أي: أرضعيه، أو: مصدرية، بأن أرضعيه ما أمكنك إخفاؤه، فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ من القتل فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ. البحر، وهو نيل مصر، وَلا تَخافِي عليه من الغرق والضياع، وَلا تَحْزَنِي لفراقه، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ بوجه لطيف لتُربيه، وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. وفي هذه الآية: أمران، ونهيان، وخبران، وبشارتان.
والفرق بين الخوف والحزن أن الخوف: غم يلحق الإنسان لِتَوَقُّعِ مكروه، والحزن: غم يلحق الإنسان لواقع أو ماضي، وهو الآن فراقه والإخطار به. فنُهيت عنهما، وبُشرت برده وجعله من المرسلين. رُوي أنه ذبح، في طلب موسى، تسعون ألف وليدٍ. ورُوي أنها حين ضربها الطلق- وكانت بعض القوابل من الموكلات بحَبَالى بني إسرائيل مَصافية لها، فعالجتها، فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيّه، ودخل حُبُه قلبها، فقالت: ما جئتُ إلا لأقتل ولدك وأُخبر فرعون، ولكن وجدت لابنك حباً ما وجدت مثله، فاحفظيه، فلما خرجت القابلة، جاءت عيون فرعون
стр. 2047
فلفَّتْه في خرقة، ووضعته في تنور مسجور، ولم تعلم ما تصنع لِما طاش من عقلها، فطلبوا فلم يجدوا شيئاً، فخرجوا، وهي لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً. فلما ألح فرعون في طلب الولدان، أوحى الله إليها بإلقائه في اليمِّ، فألقته في اليم بعد أن أرضعته ثلاثة أشهر.
رُوي أنها لفته في ثيابه، وجعلت له تابوتاً من خشب، وقيل: من بردى، وسدت عليه بقفل، وأسلمته ثقة بالله وانتظاراً لوعده سبحانه. قال ابن مخلص: ألقته في البحر بالغداة، فرده إليها قبل الظهر. حُكي أن فرعون كانت له بنتٌ برصاء، أعيت الأطباء، فقال الأطباء والسحرة: لا تبرأ إلا من قِبل البحر، يؤخذ منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه وتلطخ به برصها، فتبرأ، فقعد فرعون على شفير النيل، ومعه آسية امرأته، فإذا بالتابوت يلعب به الموج، فأخِذ له، ففتحوه، فلم يطيقوا، فدنت آسية، فرأت في وجه التابوت نوراً لم يره غيرُها، لِلذي أراد الله أن يكرمها، ففتحه، فإذا الصبي بين عينيه نور، وقد جعل الله رزقه في إبهامه، يمصه لبناً، فأحبته آسية وفرعون، فلطخت بنت فرعون برصها فبرئت، فقبَّلته وضمته إلى صدرها. فقال بعض القواد من قوم فرعون: نظن هذا المولود الذي نحذر منه، فهمّ فرعون بقتله- والله غالب على أمره- فقالت: آسية: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ.. الآية «١» .
وهذا معنى قوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ أخذه. قال الزجّاج: وكان فرعون من أهل فارس، من إصْطَخْر.
والالتقاط: وجدان الشيء من غير طلب ولا إرادة، ومنه: اللُّقَطَةُ، لما وُجد ضالاً. وقوله: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً أي: ليصير الأمر إلى ذلك، لا أنهم أخذوه لهذا، فاللام للصيرورة كقولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب.
وقال صاحب الكشاف: هي لام «كي» التي معناها التعليل، كقولك: جئت لتكرمني. ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز لأن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له، شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعلَ لأجله. هـ. وتسمى بالاستعارة التبعية.
وفي «الحَزَن» لغتان الفتح والضم، كالعدم والعدم.
إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ، أي: مذنبين، فعاقبهم الله تعالى بأن ربَّى عدوهم، ومن هو سبب هلاكهم على يديهم. أو: كانوا خاطئين في كل شيء، فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم.
وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ، لمّا هم فرعون بقتله- لقول القواد: هو الذي نحذر: هو قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، فقال فرعون: لكِ، لا لي. قال ﷺ : «لو قال مثل ما قالت لهداه الله مثل ما هداها» «٢» ، وهذا على سبيل الفرض، أي: لو كان غير مطبوع عليه الكفر لقال مثل قولها. ثم قالت: لا تَقْتُلُوهُ، خاطبته خطاب الملوك، أو خاطبت
стр. 2048
القُواد. عَسى أَنْ يَنْفَعَنا فإن فيه مَخَايلَ اليُمنِ ودلائلَ النفع، وذلك لِمَا عَايَنَتْ من النور وبرْءِ البرصاء.
أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أو: نتبناه فإنه أهل لأَن يكون ولد الملوك. قال تعالى: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ما يكون من أمره وأمرهم، أو: لا يشعرون أن هلاكهم على يديه، أو: لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه. والله تعالى أعلم.
الإشارة: يقال لمن يعالج تربية مريد: أرضعه من لبن علم الغيوب، فإذا خفت عليه الوقوف مع الشرائع «١» ، فألقه في اليمِّ في بحر الحقائق، ولا تخف ولا تحزن، إنا رادوه إلى بر الشرائع، ليكون من الكاملين، لأن من غرق في بحر الحقيقة، على يد شيخ كامل، لا بد أن يخرجه إلى بر الشريعة، ويسمى البقاء، وهو القيام برسم الشرائع، فالبقاء يطلب الفناء، فمن تحقق بمقام الفناء فلا بد أن يخرج إلى البقاء، كما يخرج من فصل الشتاء إلى الربيع.
والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً، ما كان التقاط فرعون لموسى إلا للمحبة والفرح، فخرج له عكسه. ومن هذا كان العارفون لا يسكنون إلى شيء، ولا يعتمدون على شيء لأن العبد قد يخرج له الضرر من حيث النفع، وقد يخرج له النفع من حيث يعتقد الضرر، وقد ينتفع على أيدي الأعداء، وَيُضَرُّ على أيدي الأَحِبَّاءِ، فليكن العبد سلْماً بين يدَي سيده، ينظر ما يفعل به. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
ثم قال تعالى:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٠ الى ١١]
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١)
يقول الحق ﷻ : وَأَصْبَحَ أي: صار فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من كل شيء إلا مِن ذكر موسى وهمه، أو: فارغاً: خالياً من العقل لِمَا دهمها من الجَزَع والحيرة، حين سمعت بوقوعه في يد فرعون، ويؤيده قراءة ابن محيصن: «فزعاً» بالزاي بلا ألف، أو: فارغاً من الوحي الذي أوحي إليها أن تلقيه في اليم، ناسيا
стр. 2049
للعهد أن يرده إليها، لما دَهَمَهما من الوجد، وقال لها الشيطان: يا أم موسى كرهتِ أن يقتل فرعون موسى وأغرقته أنتِ. وبلغها أنه وقع في يد فرعون، فعظم البلاء، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ: لتبوح به وتظهر شأنه وأنه وَلدها.
قيل: لما رأت الأمواج تلعب بالتابوت كادت تصيح وتقول: يا ابناه، وقيل: لما سمعت أن فرعون أخذ التابوت لم تشك أنه يقتله، فكادت تقول: يا ابناه شفقة عليه. و «إن» مخففة، أي: إنها كادت لتظهره لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها. والربط: تقويته بإلهام الصبر والتثبيت، لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: من المصدقين بوعدنا، وهو: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ. وجواب «لولا» : محذوف، أي: لأبْدته، أو: فارغاً من الهم، حين سمعت أن فرعون تبناه، إن كادت لتُبدي بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحاً وسروراً مما سمعت، لولا أنا ربطنا على قلبها وثبتناه لتكون من المؤمنين الواثقين بعهد الله، لا بتبني فرعون. قال يوسف بن الحسن: أمرتُ أُم موسى بشيئين، ونهيت عن شيئين، وبُشرت ببشارتين، فلم ينفعها الكل، حتى تولى الله حياطتها، فربط على قلبها.
وَقالَتْ لِأُخْتِهِ مريم: قُصِّيهِ: اتبعي أثره لتعلمي خبره، فَبَصُرَتْ بِهِ أي: أبصرته عَنْ جُنُبٍ عن بُعدٍ. قال قتادة: جعلت تنظر إليه كأنها لا تريده، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنها أخته، وأنها تقصه.
والله تعالى أعلم.
الإشارة: ينبغي للعبد، الطالب لمولاه، أن يصبح فارغاً من كل ما سواه، ليس في قلبه سوى حَبيبه، فحينئذٍ يرفع عنه الحجاب، ويُدخله مع الأحباب، فعلامة المحبة: جمع الهموم في هَم واحد، وهو حب الحبيب، ومشاهدة القريب المجيب، كما قال الشاعر:
كَانَت لَقلبِي أَهْوَاءٌ مُفَرَّقَةٌ ... فَاسْتَجْمَعَتْ، مُذَ رأتكَ العَينُ، أهوائِي
فَصَارَ يَحسُدُنِي مَن كُنتُ أحسُدُهُ ... وَصِرتُ مَولَى الوَرَى مُذ صِرت مَولائِي
تَرَكتُ لِلنَّاسِ دنياهم ودِينَهُم ... شُغلاً بِذِكرك يَا دِينِي ودُنْيائِي
فرّغْ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار. والأغيار: جمع غَيْرٍ، وهو ما سوى الله، فإن تلاشى الغير عن عين العبد شاهد مولاه في غيب ملكوته، وأسرار جبروته، وفي ذلك يقول القائل:
إِنْ تَلاشَى الكونُ عَنْ عَيْنِ قَلْبي ... شاهَدَ السرُّ غَيْبَه في بيان
فاطْرح الكونَ عن عِيانِكَ، وامْحُ ... نقطةَ الغَيْنِ إنْ أَرَدْت تَرَانِي
стр. 2050
فمن شاهد حبيبه كاد أن يبدي به، ويبوح بسره فرحاً واغتباطاً به، لولا أن الله يربط على قلبه، ليكون من الثابتين الراسخين في العلم به، وإن أبدى سر الحبيب سلط عليه سيف الشريعة، وبالله التوفيق.
ثم ذكر رجوع موسى إلى أمه، فقال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٢ الى ١٣]
وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)
قلت: المراضع: جمع مُرضِع، وهي المرأة التي ترضع، أو: مَرْضَع- بالفتح-: موضع الرضاع، وهو الثدي.
و (لا تحزن) : معطوف على (تَقَرَ) .
يقول الحق ﷻ : وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ أي: تحريم منع، لا تحريم شرع، أي: منعناه أن يرضع ثَدْياً غَيْرَ ثدي أمه. وكان لا يقبل ثدي مرضع حتى أهمهم ذلك. مِنْ قَبْلُ أي: من قبل قَصَصِها أثره، أو: من قبل أن نرده إلى أمه. فَقالَتْ أخته. وقد دخلت داره بين المراضع، ورأته لا يقبل ثدياً: هَلْ أَدُلُّكُمْ أرشدكم عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ يحفظون موسى لَكُمْ، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ لا يقصرون في إرضاعه وتربيته. والنصح: إخلاص العمل من شائبة الفساد. رُوي أنها لَمّا قالت: وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فخذوها حتى تخبر بقصة هذا الغلام، فهو الذي نحذر، فقالت: إنما أردتُ: وهُمْ للملك ناصحون.
فانطلقت إلى أمها بأمرهم، فجاءت بها، والصبي على يد فرعون يُعلله شفقة عليه، وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها، فقال لها فرعون: ومن أنتِ منه، فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟
فقالت: إني امرأة طيبة الريح، لا أُوتَى بصبي إلا قَبِلَني. فدفعه إليها، وأجرى عليها مؤنة الرضاع. قيل: ديناراً في اليوم، وذهبت به إلى بيتها، وأنجز الله لها وعده في الرد، فعندها ثبت واستقر في علمها أنه سيكون نبياً. وذلك قوله تعالى: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بولدها، وَلا تَحْزَنَ لفراقه، وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، أي:
وليثبت علمها مشاهدة، كما ثبت علماً.
стр. 2051
وأما جزعها وحيرتها فذلك من الطبع البشري الجِبِلِّيِّ، اللازم لضعف البشرية، لا ينجو منه إلا خواص الخواص، وإنما حل لها ما تأخذه من الدينار في اليوم، كما قال السدي: لأنه مال حربي، لا أنه أجرة إرضاع ولدها.
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي: القبط، أو الناس جملة، لا يَعْلَمُونَ أن ما وعد الله لا بد من إنجازه، ولو بعد حين، وهو داخل تحت علمها، أي: لتعلم إن وعد الله حقٌ، ولتعلم أن أكثر الناس لا يعلمون فيرتابون فيه. وفيه التعريض بما فرط منها حين سمعت بوقوع موسى في يد فرعون، فجزعت، وهذا من الطبع البشري كما تقدم.
وأيضاً يجوز أن يكون الوعد منوطاً بشروط وأسباب، قد لا تعرفها، فلذلك لم ينفك خوفها. والله تعالى أعلم.
الإشارة: وحرمنا على الإنسان المراضع، من لبان الخمرة الأزلية، من قبل أن نلقيه بأهلها، فقالت له العناية السابقة: هل أدلك على أهل بيت الحضرة يكفلونك من رعونات البشرية، والهفوات القلبية، وهي الإصرار على المساوئ والذنوب، ويرضعونك من لبن الخمرة الأزلية. وهم لك ناصحون، يدلونك على الله ولا يدلونك على غيره. فإن مَنْ دَلَّكَ على الله فقد نصحك، ومَن دلَّك على العمل فقد أتعبك، ومن دلّك على الدنيا فقد غشك.
فرددناه إلى أمه، وهي الحضرة القدسية، التي خرج منها، بمتابعة شهوته وغفلته، كي تقر عين روحه بمشاهدة حبيبها، ولا تحزن على فوات شيء، إذ لَم تفقد شيئاً، حيث وجدت الله تعالى «ماذا فقد مَن وجدك؟ وما الذي وجد من فَقَدَكَ؟» «١» ولتعلم إن وعد الله بالفتح على من توجه إليه بالواسطة حق، ولكن أكثر أهل الغفلة لا يعلمون.
ثم ذكر سبب خروج موسى من مصر، فقال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٤ الى ١٧]
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)
قلت: عَلى حِينِ غَفْلَةٍ: حال، أي: دخل مخفياً.
يقول الحق ﷻ : وَلَمَّا بَلَغَ موسى أَشُدَّهُ أي: نهاية القوة وتمام العقل، جمع شِدَّةٍ كنعمة وأنعم. وأول ما قيل في الأشد: بلوغ النكاح، وذلك أولُه، وأقصاه: أربع وثلاثون سنة. وَاسْتَوى أي: اعتدل
стр. 2052
عقله وقوته، وهو أربعون سنة، ويُروى أنه لم يُبعث نبيّ إلا على رأس أربعين سنة. آتَيْناهُ حُكْماً: نبوة، أو:
حكمة وَعِلْماً: فقهاً في الدين، أو: علماً بمصالح الدارين. والحاصل: لما تكامل عقله وبصيرته آتيناهُ حُكْماً على عبادنا وعلماً بنا. وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي: كما فعلنا بموسى وأمه لمّا استسلمت لأمر الله، وألقت ولدها في البحر، وصدقت بوعد الله، فرددنا لها ولدها، ووهبنا له الحكمة والنبوة، فكذلك نجزي المحسنين في كل أوان وحين.
قال الزجاج: جعل الله تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة على الإحسان لأنهما يؤديان إلى الجنة، التي هي جزاء المحسنين، والعالم الحكيم من يعمل بعلمه لأنه تعالى قال: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ «١» ، فجعلهم جهالاً، إذ لم يعملوا بالعلم. هـ.
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ أي: مصر، آتياً من قصر، فرعون، وكان خارجاً، وقال السُّدِّي: مدينة منف من أرض مصر، وقال مقاتل: قرية «حابين» ، على فرسخين من مصر. عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها، وهو ما بين العشاءين، أو: وقت القائلة، يعني: انتصاف النهار. قال السدي: لما كبر موسى ركب مراكب فرعون، ولبس ملابسَهُ، فكان يدعى موسى بن فرعون، فركب فرعونُ يوماً وركب موسى خلفه، فأدركه المقيل بقرب مدينة منف، فدخلها نصف النهار، وقد غلقت أسواقها، وليس في طرقها أحد، فوجد موسى رجلين.. إلخ.
قال ابن إسحاق: كان يجتمع إلى موسى طائفة من بني إسرائيل ويقتدون به، فرأى مفارقة فرعون، وتكلم في ذلك حتى ظهر أمره، فأخافوه، فكان لا يدخل قرية إلا مستخفياً، فدخلها على حين غفلة. وقيل: إن موسى لما شبّ علا فرعون بالعصى، فقال: هذا عدو لي، فأخرجه من مصر، ولم يدخل عليهم إلى أن كبر وبلغ أشده، فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها بخبر موسى، أي: من بعد نسيانهم خبره «٢» ، فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ يتضاربان، هذا مِنْ شِيعَتِهِ ممن على دينه من بني إسرائيل، وقيل: هو السامري. وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ من مخالفيه من القبط، وهو طباخ فرعون. واسمه: «فليثور» ، وقيل فيهما: «هذا وهذا» ، وإن كانا غائبين على جهة الحكاية، أي: إذا نظر إليهما الناظر قال: هذا وهذا.
وقال ابن عباس: لَمَّا بلغ موسى أشده كان يحمي بني إسرائيل من الظلم والسخرة، فبينما هو يمشي نظر رجلين يقتتلان، أحدهما من القبط والآخر من بني إسرائيل.
стр. 2053
فَاسْتَغاثَهُ فاستنصره الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ أي: فسأله أن يغيثه الإعانة. ضمَّن استغاث أعان، فعداه ب «على» . رُوي أنه لما استغاث به، غضب موسى، وقال للفرعوني: خله عنك؟ فقال: إنما آخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، ثم قال الفرعون لموسى: لقد هممت أن أحمله عليك، فَوَكَزَهُ مُوسى ضربه بِجُمْع كفه، أو: بأطراف أصابعه. قال الفراء الوَكز: الدفع بأطراف الأصابع. فَقَضى عَلَيْهِ أي: قتله، ولم يتعمد قتله، وكان موسى ﵇ ذا قوة وبطش، وإنما فعل ذلك الوكز لأن إغاثة المظلوم والدفع عنه دِين في الملل كلها، وفرض في جميع الشرائع. وإنما عدَّه ذنباً لأن الأنبياء لا يكفي في حقهم الإذن العام، فلذلك قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أي: القتل الحاصل، بغير قصد، من عمل الشيطان، واستغفر، وإنما جعل قتل الكافر من عمل الشيطان، وسماه ظلماً لنفسه، واستغفر منه لأنه كان مستأمناً فيهم، أو: لأنه قتله قبل أن يُؤذن له في القتل.
وعن ابن جريح: ليس لنبي أن يقتل ما لم يُؤمر، ولأن الخصوص يٌعظمون محقرات ما فرط منهم. إِنَّهُ أي:
الشيطان عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة.
قالَ رَبِّ أي: يا رب إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بفعل صار قتلاً فَاغْفِرْ لِي زلتي، فَغَفَرَ لَهُ زلته، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ بإقالة الزلل، الرَّحِيمُ بإزالة الخجل، قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ أي: بحق إنعامك عليّ بالمغفرة ولم تعاقبني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ أي: لا تجعلني أُعين على خطيئةَ، تَوَسل للعصمة بإنعامه عليه. وقيل: إنه قسم حُذف جوابه، أي: أُقْسِمُ بإنعامك عليَّ بالمغفرة، إن عصمتني، فلن أكون ظهيراً للمجرمين، وأراد بمظاهرة المجرمين صُحْبَةَ فرعون، وانتظامَهُ في جملته، وتكثير سواده، حيث كان يركب معه كالولد مع الوالد.
قال ابن عطية: واحتج أهل الفضل والعلم بهذه الآية في منع خدمة أهل الجور، ومَعُونتهم في شيء من أمورهم، ورأوا أنها تتناول ذلك. هـ. قال الْوُصَافِي لعطاء بن أبي رباح: إن لي أخاً يأخذ بقلمه، وإنما يكتب ما يدخل ويخرج، وله عيال، ولو ترك لاحتاج وَادّانَ. فقال: من الرأس؟ فقال: خالد بن عبد الله، قال: أما تقرأ قول العبد الصالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ، فإن الله سيعينه. هـ.
الإشارة: خصوصية الولاية كخصوصية النبوة، لا تُعطى، غَالِباً، إلا بعد بلوغ الأشد وكمال قوة العقل، وحصول الاستواء، وهو أن يستوي عنده المدح والذم، والعز والذل، والمنع والعطاء، والفقر والغنى، وتستوي حاله في القبض والبسط، والغضب والرضا، فإذا استوى في هذه الأمور آتاه الله حكماً وعلماً، وجزاه جزاء المحسنين، وكتب شيخ شيخنا إلى بعض تلامذته: أمَّا بعد، فإن تورعت في أقوالك وأفعالك، وتوسعت في أخلاقك، حتى
стр. 2054
يستوى عندك من يمدحك ويذمك، ويعطيك ويمنعك، ومن يؤذيك وينفعك، ومن يشدد عليك ويوسع، فلا أشك في كمالك. هـ.
فإن قلت: لِمَ ذكر الحق، ﷻ ، الاستواء في حق سيدنا موسى، ولم يذكره في حق نبيه يوسف- ﵉؟ فالجواب: أن سيدنا يوسف ﵇ تربى في السجن وفي نار الجلال، وكل محنة تزيد تهذيباً وتدريباً، فما بلغ الأشد حتى وقع له كمال الاستواء، بخلاف سيدنا موسى ﵇ فإنه تربى في العز والجمال، فاحتاج إلى تربية وتهذيب، بعد كمال الأشد، فلم يحصل له كمال الأدب إلا بعد الاستواء الذي يليق به، فلذلك ذكره فى حقه. والله تعالى أعلم.
ثم قال تعالى:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٨ الى ٢١]
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)
قلت: جملة (يسعى) : حال من (رجل) لأنه وصف بالجار.
يقول الحق ﷻ : فَأَصْبَحَ موسى فِي الْمَدِينَةِ أي: مصر خائِفاً على نفسه من قتله قَوَداً بالقبطي، وهذا الخوف أمر طبيعي لا ينافي الخصوصية، يَتَرَقَّبُ: ينتظر الأخبار عنه، أو ما يقال فيه، أو يترصد الاستفادة منه. وقال ابن عطاء: خائفاً على نفسه، يترقب نصرة ربه، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ: يستغيثه، مشتق من الصراخ لأنه يقع في الغالب عند الاستغاثة. والمعنى: أن الإسرائيلي الذي خلصه موسى استغاث به ثانياً من قبطي آخر، قالَ لَهُ مُوسى أي: للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أي:
خال عن الرشد، ظاهر الغي، فقد قاتلتَ بالأمس رجُلاً فقتلتُه بسببك. قال ابن عباس: أُتِي فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا منا رجلاً، فالقصاص، فقال: ابغُوني القاتل والشهود، فبينما هم يطلبون إذ مر موسى من الغد،
стр. 2055
فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً آخر، يريد أن يسخره، فاستغاث به الإسرائيلي على الفرعوني، فوافق موسى نادماً على القتل، فقال للإسرائيلي: إنك لغوي مبين «١» .
فَلَمَّا أَنْ أَرادَ موسى أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي بالقبطي الذي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما لموسى وللإسرائيلي لأنه ليس على دينهما، أو: لأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل، أي: فلما مدّ موسى يده ليبطش بالفرعوني، خشي الإسرائيلي أن يريده، حين قال: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فقال: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ، يعني: القبطي، أَنْ ما تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً قتالاً بالغضب، فِي الْأَرْضِ أرض مصر، وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ في كظم الغيظ.
وقيل: القائل: يا مُوسى أَتُرِيدُ ... إلخ، هو القبطي، ولم يعلم أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس، ولكن لما قصد أن يمنعه من الإسرائيلي استدل على أن الذي قتل صاحب هذا الرجل بالأمس هو موسى، فلما ذكر ذلك شاع في أفواه الناس أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس، فأمسك موسى عنه، ثم أخبر فرعون بذلك فأمر بقتل موسى.
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ من آخرها، واسمه: «حزقيل بن حبورا» ، مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، يَسْعى: يُسرع في مشيه، أو: يمشي على رجله، قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ، أي:
يتشاورون في قتلك، ويأمر بعضهم بعضاً بذلك. والائتمار: التشاور، فَاخْرُجْ من المدينة، إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، فاللام في (لك) : للبيان، وليس بصلة لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، إلا أن يُتَسَامحَ في المجرور، فَخَرَجَ مِنْها من مصر خائِفاً يَتَرَقَّبُ: ينتظر الطلب ويتوقعه، قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قوم فرعون. والله تعالى أعلم.
الإشارة: في الآية دليل على أنَّ الخوف عند الدواهي الكبار لا ينافي الخصوصية لأنه أمر جِبِلِّي، لكنه يخف ويهون أمره، وفيها دليل على جواز الفرار من مواطن الهلاك، يفرّ مِن الله إلى الله، ولا ينافي التوكل، وقد اختفى ﷺ من الكفار بغار ثور، واختفى الحسن البصري من الحَجَّاج، عند تلميذه حبيب العجمي. وفيها أيضاً دليل على أن المعصية قد تكون سبباً في نيل الخصوصية، كأكل آدم من الشجرة، كان سبباً في نيل الخلافة، وعُمْرَةِ الأرض، وما نشأ من صُلبه من الأنبياء والأولياء وجهابذة العلماء، وكقتل موسى ﵇ نفساً لم يُؤمر بقتلها، كان سبباً في خروجه للتربية عند شعيب ﵇، وتهيئته للنبوة والرسالة والاصطفائية، فكل ما يُوجب التواضع والانكسار يورث التقريب عند الملك الغفار، والحاصل: أن مَن سبقت له العناية، ونال فى الأزل مقام المحبوبية
стр. 2056
صارت مساوئه محاسن، ومن سبق له العكس صارت محاسنه مساوئ. اللهم اجعل سيئاتنا سيئات من أحببت، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت. وفي الحديث: «إذا أحب اللهُ عَبْداً لَمْ يضرُّه ذنب» «١» .
قال في القوت: واعلم أن مسامحة، الله لأوليائه- يعني: في هفواتهم- في ثلاث مقامات: أن يقيمه مَقَامَ حَبيبٍ صَديقٍ، لِمَا سبق من قدم صدق، فلا تنقصه الذنوب لأنه حبيب. المقام الثاني: أن يقيمه مقام الحياء منه، بإجلال وتعظيم، فيسمح له، وتصغر ذنوبه للإجلال والمنزلة، ولا يمكن كشف هذا المقام، إلا أنَّا روينا عن رسول الله ﷺ : أنه ذكر طائفة فقال: «يدفع عنهم مساوئ أعمالهم بمحاسن أعمالهم» . المقام الثالث: أن يقيمه مقام الحزن والانكسار، والاعتراف بالذنب والإكثار، فإذا نظر حزنه وهمه، ورأى اعترافه وغمه، غفر له حياء منه ورحمة. هـ. وبالله التوفيق.
ثم ذكر توجه موسى إلى مدين، واتصاله بشعيب- ﵉ فقال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٢ الى ٢٤]
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)
يقول الحق ﷻ : وَلَمَّا تَوَجَّهَ موسى تِلْقاءَ مَدْيَنَ نحوها وجهتها. ومدين: قرية شعيب، سُميت بمدين بن إبراهيم، كما سميت المدائن باسم أخيه مدائن، ويقال له أيضاً: «مدان بن إبراهيم» ، ولم تكن مدين في سلطان فرعون، وبينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام، ولعله إنما لم يتسلط عليها لِمَا وصله من خبر إهلاك أهلها لما طغوا على أنبيائهم، فخاف على نفسه. قال ابن عباس: خرج موسى، ولم يكن له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه.
قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ أي: وسطه ونهجه. فلما خرج، عَرَض له ثَلاَثُ طرق، فأخذ في أوسطها، وجاء الطلاب عَقِبَهُ، فأخذوا في الآخَرَيْنِ. رُوي أن مَلكاً جاءه على فرس بيده عَنَزَة، فانطلق به إلى
стр. 2057
مدين. ورُوي أنه خرج بلا زاد ولا درهم، ولا ظهر، ولا حِذاء- أي: نعل-، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، فما بلغ مدين حتى وقع خُفُّ قَدَمِهِ، وخضرة البقل ترى على بطنه «١» .
وَلَمَّا وَرَدَ وصل ماءَ مَدْيَنَ بئراً لهم، وَجَدَ عَلَيْهِ على جانب البئر أُمَّةً جماعة كثيرة مِنَ النَّاسِ من أناس مختلفين يَسْقُونَ مواشيهم، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ في مكان أسفل من مكانهم امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ: تطردان غَنَمَهُمَا عن الماء، حتى تَصْدُرَ مواشي الناس ثم تسقيان لأن على الماء من هو أقوى منهما، فلا يتمكنان من السقي. أو: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم. والذود: الطرد والدفع.
قالَ لهما موسى: ما خَطْبُكُما: ما شأنكما لا تسقيان؟ والأصل: ما مخطوبكما، أي: مطلوبكما، فسمي المطلوب خَطْباً، قالَتا لا نَسْقِي غنمنا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ، أي: يصرفوا مواشيهم، يقال: أصدر عن الماء وصدر، والمضارع: يَصْدُر ويَصْدِر، والرعاء: جمع راع، كقائم وقيام، والمعنى: لا نستطيع مزاحمة الرجال، فإذا صدروا سقينا مواشينا، وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ السن، لا يمكنه سقي الأغنام، وهو شعيب بن نويْب بن مدين بن إبراهيم- ﵉ وقيل: هو «يثرون» بن أخي شعيب «٢» ، وكان شعيب قد مات بعد ما كفَّ بَصَرُهُ، ودفن بين المقام وزمزم. والأول أصح وأشهر.
فَسَقى لَهُما أي: فسقى غنمهما لأجلهما رغبة في المعروف وإغاثة الملهوف، رُوي أنه نحى القوم عن رأس البئر، وسألهم دلواً، فأعطوه دلوهم، وقالوا: استق به، وكانت لا ينزعها إلا أربعون، فاستقى بها، وصبَها في الحوض، ودعا بالبركة. وقيل: كانت آبارهم مغطاة بحجارة كبار، فعمد إلى بئر، وكان حجرها لا يرفعه إلا جماعة، فرفعه وسقى للمرأتين. ووجه مطابقة جوابهما سؤاله: أنه سألهما عن سبب الذود، فقالتا: السبب فى ذلك أنا امرأتان مستورتان ضعيفتان، لا نقدر على مزاحمة الرجال، ونستحي من الاختلاط بهم، فلابد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا. وإنما رضي شعيب ﵇ لابنتيه بسقي الماشية لأن الأمر في نفسه مباح مع حصول الأمن، وأما المروءة فعادات الناس فيها متباينة، وأحوال العرب فيها خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر، خصوصاً إذا كانت الضرورة. قاله النسفي. قلت: وقد كنت أعترض على أهل الجبل رَعْيَ النِّساءِ المواشي حتى تذكرت قضية ابنتي شعيب، لكن السلامة في زماننا هذا حبس النساء في الديار لكثرة أهل الفساد.
стр. 2058
ثُمَّ لما سقى لهما تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ظل شجرة. عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: أحييت ليلتين على جمل لي، حتى صبّحْت مدين، فسالت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا هي شجرة خضراء، فأخذ جملي يأكل منها ثم لفظها. هـ «١» . وفي الآية دليل على جواز الاستراحة والاستظلال في الدنيا، بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة، وسيأتي في الإشارة تمامه إن شاء الله.
ثم بث شكواه لمولاه فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ قليل أو كثير فَقِيرٌ محتاج. قال ابن عباس: لقد قال ذلك وإن خضراء البقل لتتراءى في بطنه، من الهزال. قيل: لم يذق طعاماً منذ سبعة أيام، وقد لصق بظهره بَطْنُهُ، وما سأل الله تعالى الأكلة. وفي هذا تنبيه على هوان الدنيا على الله تعالى. وقال ابن عطاء:
نظر من العبودية إلى الربوبية، وتكلم بلسان الافتقار، لما ورد على سره من الأنوار. هـ.
الإشارة: ولما توجه القلبُ تلقاء مَدْيَنِ المآرب، ومنتهى الرغائب- وهي الحضرة القدسية- قال: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، أي: وسط الطريق التي توصل إليها، وهو شيخ التربية. ولَمَّا ورد مناهله، ومحلَ شربه وجد عليه أمة من الناس يسقون قلوبهم من شراب تلكَ الخمرة، ويطلبون مثل ما يطلب، فإن كان قوياً في حاله وصل من كان ضعيفاً وسقى له، ثم نزل إلى ظل المعرفة، في نسيم برد الرضا والتسليم، قائلاً، بلسان التضرع، سائلاً من الله المزيد: ربِّ إني لما أنزلت إلي من خير الدارين، وغنى الأبد، فقير محتاج إلى مزيد الفضل والكرم.
وقال في لطائف المنن: ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ قصداً لشكر الله تعالى على ما ناله من النعمة- يعني: نعمة الظل الحسي- وجعله أصلاً في استعمال الطيبات، وتناولها بقصد الشكر، ومثله في التنوير. وفي سنن أبي داود عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: «كان ﷺ يُسْتعذب له الماء من بُيوت السُّقيا» «٢» ، قال ابن قتيبة: هي عَيْنٌ، بينها وبين المدينة يومان. هـ. وكان الشيخ ابن مشيش يقول لأبى الحسن ﵁: (يا أبا الحسن، بَرِّد الماءَ فإن النفس إذا شربت الماد البارد حمدت الله بجميع الجوارح، وإذا شربت الماء السخن حمدت الله بكزازة) .
ثم ذكر اتصاله بشعيب، فقال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٨]
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)
стр. 2059
قلت: (تمشي) : حال من (إحداهما) ، و (على استحياء) : حال من ضمير (تمشي) ، أي: تمشي مستحيية.
و (القصص) : مصدر، سُمِّيَ به المقصوص.
يقول الحق ﷻ : فَجاءَتْهُ إِحْداهُما وهي التي تزوجها، وذلك أنه لما سقى لهما رجعا إلى أبيهما بغنمهما بِطاناً حُفَّلاً، فقال لهما: ما أعجلكما؟ فقالتا له: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: أدعيه، فجاءته تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قد سترت وجهها بكفها، واستترت بكُمِّ درعها. وهذا دليل على كمال إيمانها وشرف عنصرها لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها، ولم تعلم أيجيبه أم لا؟ فقالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا، «ما» مصدرية، أي: أجر سُقْيَاك لنا، فتبعها موسى، فألزقت الريح ثوبها بجسدها، فوصفته، فقال لها: امشي خلفي، وانعتي الطريق، فإننا بَني «١» يعقوب، لا ننظر إلى أعجاز النساء.
فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ، أي: قصته وأحواله مع فرعون، وكيف أراد قَتْلَهُ، قالَ له:
لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فرعون وقومه إذ لا سلطان له على أرضنا- مدين-، أو: قَبِلَ الله دعاءك في قولك: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وفيه دليل على العمل بخبر الواحد، ولو أنثى، والمشي مع أجنبية على ذلك الاحتياط والتورع. قاله النسفي. وفيه نظر لعصمة الأنبياء- ﵈، وأما أخذ الأجر على البر والمعروف فقيل: لا بأس به عند الحاجة، كما كان لموسى ﵇، على أنه رُوي أنه لمّا قالت له: لِيَجْزِيَكَ كره ذلك. وإنما أجابها لئلا يخيب قصدها لأن للقاصد حرمة.
ولما وضع شعيب الطعام بين يديه امتنع، فقال شعيب: ألست جائعاً؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون عوضاً مما سَقَيْتُ لهما، وإنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا، ولا نأخذ على المعروف شيئاً، فقال شعيب: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا، فأكل «٢» .
стр. 2060
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، أي: اتخذه أجيراً لرعي الغنم. رُوي أن كبراهما كانت تسمى:
«صفراء» ، والصغرى: «صفيراء» ، وقيل: «صابورة» و «ليا» . وصفراء هي التي ذهبت به، وطلبت إلى أبيها أن يستأجره، وهي التي تزوجها. قاله وهب بن منبه وغيره، فانظره مع ما في الحديث، قال ﷺ : «تزوج صغراهما، وقضى أوفاهما» «١» . ويمكن الجمع بأن يكون زوّجه إحداهما ثم نقله إلى الأخرى.
ثم قالت التي طلبت استئجاره: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، فقال: ما أَعْلَمَكِ بقوته وأمانته؟
فذكرت نزع الدلو، أو رفع الحجر عن البئر، وأمْرها بالمشي خلفه. وفي رواية عند الثعلبي: أما قوته: فإنه عمد إلى صخرة لا يرفعها إلا أربعون رجلاً، فرفعها عن فم البئر. ثم ذكرتْ أمر الطريق. وقولها: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ.. إلخ: كلام جامع لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان الكفاية والأمانة، في القائم بأمرك، فقد فرغ بالك وتم مرادك. وقيل: القوي في دينه، الأمين في جوارحه. وقد استغنت بهذا الكلام، الجاري مجرى المثل، عن أن تقول: استأجره لقوته وأمانته.
وعن ابن مسعود ﵁: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب، وصاحب يوسف في قوله: عَسى أَنْ يَنْفَعَنا «٢» ، وأبو بكر في استخلافه عمر.
قالَ شعيب لموسى- ﵉: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ: أُزوجك إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ، وقوله: هاتَيْنِ يدل على أن له غيرهما. وهذه مواعدة منه، لا عقد، وإلا لقال: أنكحتك. عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي أي: تكون أجيراً لي، من أجرته: إذا كنت له أجيراً ثَمانِيَ حِجَجٍ سنين، والحجة: السنة. والتزوج على رعي الغنم جائز في شرعنا، على خلاف في مذهبنا. فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً أي: عشر حجج فَمِنْ عِنْدِكَ أي:
فذلك تفضلٌ منك، ليس بواجب عليك، أو: فإتمامه من عندك، ولا أحتمه عليك. وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ بإلزام أتم الأجلين. من المشقة، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ في حسن المعاملة، والوفاء بالعهد، أو مطلقاً. وعلق بالمشيئة، مراعاة لحسن الأدب مع الربوبية.
قالَ موسى ﵇: ذلِكَ العهد وعقد الأجرة بَيْنِي وَبَيْنَكَ أي: ذلك الذي قُلْتَهُ، وشارطتني عليه، قائم بيننا جميعاً، لا يخرج واحد منا عنه. ثم قال: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ أي: أيُّ الأجلين قضيت من
стр. 2061
الأجلين: العشر أو الثماني، فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ أي: لا يتعدى عليّ في طلب الزيادة عليه، قال المبرد: قد علم أنه لا عدوان عليه في إتمامهما، ولكن جمعهما ليجعل الأقل كالأتم في الوفاء، وكما أن طلب الزيادة على الأتم عدوان فكذلك طلب الزيادة على الأقل. وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ أي: رقيب وشهيد.
واختلف العلماء في وجوب الإشهاد في النكاح على قولين، أحدهما: أنه لا ينعقد إلا بشاهدين، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: ينعقد بدون شهود لأنه عَقْدُ معاوضة، فلا يشترط فيه الإشهاد، وإنما يشترط فيه الإعلان، والإظهار بالدف والدخان ليتميز من السفاح، ويجب عند الدخول.
رُوي أن شعيباً كانت عنده عصِيّ الأنبياء- ﵈، فقال لموسى بالليل: ادخل ذلك البيت فخذ عصاً من تلك العصي، فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة، ولم يزل الأنبياء- ﵈ يتوارثونها، حتى وقعت إلى شعيب، فلما أخذها، قال له شعيب: ردها وخذ غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات. - وفي رواية السدي: أمر ابنته أن تأتيه بعصا فجاءته بها، فلما رآها الشيخ قال: آتيه بغيرها، فألقتها لتأخذ غيرها، فلا تصير في يدها إلا هي، مراراً، فرفعتها إليه، فعلم أن له شأناً. ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغتَ مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك، فإن الكلأ، وإن كان بها أكثر، إلا أن فيها تنيناً، أخشاه عليك وعلى الغنم، فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها، فمشى على أثرها، فإذا عشب وريف لم ير مثله، فنام، فإذا التنين قد أقبل، فحاربته العصا حتى قتلته، وعادت إلى جنب موسى دامي، فلما أبصرها دامية، والتنينَ مقتولاً ارتاح لذلك. ولما رجع إلى شعيب بالغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن، وأخبره موسى، فرح، وعلم أن لموسى شأناً، وقال له: إني وهبت لك من نتاج غنمي، هذا العام، كُلَّ أَدْرَعَ وَدَرْعَاءَ- أي: كل جدي أبلق، وأنثى بلقاء- فأوحى الله تعالى إلى موسى في المنام: أن اضرب بعصاك الماء الذي تسقى منه الغنم، فضرب، ثم سقى الأغنام، فوضعت كلها بلقاء، فسلمها شعيب إليه.
وذكر الإمام اللجائي في كتابه (قطب العارفين) : أن موسى ﵇ انتهى، ذات يوم، بأغنامه إلى واد كثير الذئاب، وكان قد بلغ به التعب، فبقي متحيراً، إن اشتغل بحفْظ الغنم عجز عن ذلك لغلبة النوم عليه والتعب، وإن هو طلب الراحة، وثبَت الذئابُ على الغنم، فرمى السماء بطرفه، وقال: إلهي إنه أحاط علمك، ونفذت إرادتك، وسبق تقديرك، ثم وضع رأسه ونام. فلما استيقظ وجد ذئباً واضعاً عصاه على عاتقه، وهو يرعى الغنم، فتعجب موسى من ذلك، فأوحى الله إليه: يا موسى كن لي كما أريد، أكن لك كما تريد. قال: فهذه إشارة تدل على أنّ:
مَنْ هَرَبَ مِنَ الله إلى الله كفاه الله، ، مَنْ دُونَهُ. هـ. والله تعالى أعلم.
стр. 2062
الإشارة: فجاءته- أي: القلب- إحدى الخصلتين الفناء والبقاء، تمشي على مهل وقدر فإن الوصول إلى المقامات إنما يكون بتدريج، على حسب القَدَر السابق. قالت إحدى الخصلتين: إن ربي يدعوك إلى حضرته ليجزيك أجر ما سقيت، واستعملت في جانب الوصول إلينا. فلما جاءه، أي: وصل إليه، وتمكن منه، وقص عليه القصص، وهو ما جرى له مع نفسه وجنودها من المجاهدات والمكابدات، قال: لا تخف اليوم، حين وصلت إلينا، نجوت من القوم الظالمين، قالت إحداهما: يا رب استأجره في العبودية شكراً، إن خير من استأجرت القوي الأمين لأن عمله بالله، محفوفاً برعاية الله، قال: إني أريد أن أعطيك إحدى الخصلتين، إما الإقامة في الفناء المستغرِق، أو الرجوع إلى البقاء المستفيق، لتقوم بالأدب، على ان تخدم ثماني حجج، فإن أتممت عشراً، لزيادة التمكين، فمن عندك، فأقل خدمة المريد للشيخ ثماني سنين، ونهايتها نهاية التمكين. قال الورتجبي: لأن شعيباً، ﵇ رأى بنور النبوة أن موسى ﵇ يبلغ درجة الكمال في ثماني حجج، ولا يحتاج إلى التربية بعد ذلك، ورأى أن كمال الكمال في عشر حجج لأنه رأى أن بعد العشرة لا يبقى مقام الإرادة، ويكون بعد ذلك حراً، ولذلك قال: وما أريد أن أشق عليك. هـ.
ثم ذكر رجوع موسى إلى مصر، فقال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٩ الى ٣٢]
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢)
يقول الحق ﷻ : فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ، قال ﷺ : «قضى أبعدهما وأطيبهما» «١» ، وفي رواية: «أبرهما وأوفاهما» ، وَسارَ بِأَهْلِهِ أي: امرأته، نحو مصر، قال مجاهد: ثم استأذن موسى أن يزور
стр. 2063
أهله بمصر، فأذن له، فسار بأهله فى البَرِّيَّةِ، فأوى إلى جانب الطور الغربي الأيمن، في ليلة مظلمة شديدة البرد، وكان أخذ على غير طريق، يخاف ملوك الشام- قلت: ولعلهم كانوا من تحت يد فرعون- فأخذ امْرَأَتَهُ الطَّلقُ، فقدح زنده، فلم يور، فآنس من جانب الطور ناراً. هـ.
وقال ابن عطاء: لما تم أجل المحنة، [ودنت] «١» أيام الزلفة، وظهرت أنوار النبوة، سار بأهله ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه. هـ. آنَسَ أي: أبصر مِنْ جانِبِ الطُّورِ أي: من الجهة التي تِلْوَ الطورِ ناراً، قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ عن الطريق لأنه كان ضل عنها، أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ أي: قطعة وشُعلة منها، والجُذوة- مثلثة الجيم: العُود الذي احترق بعضه، وجمعه: «جِذّى» . لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ تستدفئون بها. والاصطلاء على النار سُنَّة المتواضعين. وفي بعض الأخبار: «اصطلوا» فإن الجبابرة لا يصطلون» .
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ بالنسبة إلى موسى، أي: عن يمين موسى، فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ بتكليم الله تعالى فيها، مِنَ الشَّجَرَةِ بدل من «شاطئ» بَدَلَ اشتمالٍ، أي: من ناحية الشجرة، وهى العنَّاب، او العوسج «٢» ، أو: سمرة «٣» . وقال وهب: عُليقاً «٤» . أَنْ يا مُوسى. أي: يا موسى، أو: إنه يا موسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ، قال البيضاوي: هذا، وإن خالف ما في «طه» و «النمل» لفظاً، فهو طبْقُهُ في المقصود. هـ.
قال جعفر الصادق: أبصر ناراً، دلته على الأنوار لأنه رأى النور على هيئة النار، فلما دنا منها شملته أنوار القدس، وأحاطت به جلابيب الأنس، فخاطبه الله بألطف خطاب، واستدعى منه أحسن جواب، فصار بذلك مُكَلَّماً شريفاً، أُعْطِيَ ما سأل، وأمن ممن خاف. هـ.
قال القشيري: فكان موسى عند الشجرة، والنداء من الله لا منها، وقد حصل الإجماع أن موسى، تلك الليلة، سمع كلام الله، ولو كان النداء من الشجرة لكانت المتكلمة هي، فلأجل الإجماع قلنا: لم يكن النداء منها، وإلا فنحن نجوز أن يخلق الله نداء في الشجرة. هـ. قلت: وسيأتي في الإشارة ما لأهل التوحيد الخاص، وما قاله- هو مذهب أهل الظاهر.
стр. 2064
ثم قال تعالى: وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ، أي: نودي: أن ألقِ عصاكَ، فألقاها، فقلبها الله ثعباناً، فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ حية رقيقة. فإن قيل: كيف قال في موضع: (كأنها جان) ، وفي أخرى: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ «١» ؟ قلت: هي في أول أمرها جان، وفي آخر أمرها ثعبان لأنها كانت تصير حية على قدر العصا، ثم لا تزال تنتفخ حتى تصير كالثعبان، أو: يُريد في سرعة الجان وخفته، وفي قوة الثعبان. فلما رآها كذلك وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ولم يرجع عقبه. فقيل له: يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ، أي:
أمنت من أن ينالك مكروه من الحية.
واسْلُكْ: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ جيب قميصك تَخْرُجْ بَيْضاءَ لها شعاع كشعاع الشمس مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص. وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ، أي: الخوف، فيه لغات: «الرُّهبُ» ، بفتحتين، وبالفتح والسكون، وبالضم معه، وبضمتين. والمعنى: واضمم يدك إلى صدرك يذهب ما لحقك من الخوف لأجل الحية، وعن ابن عباس ﵁: (كل خائف، إذا وضع يده على صدره، ذهب خوفه) «٢» . وقيل:
المراد بضم يده إلى جناحه تجلده، وضبطه نفسه عند انقلاب العصا حية، حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما.
فَذانِكَ أي: اليد والعصا، ومن شدد فإحدى النونين عِوَضٌ من المحذوف، بُرْهانانِ أي: حجتان نيرتان. وسميت الحجة برهاناً لإنارتها، من قولهم: بَره الشيء: إذا ابيض، والمرأة بَرهَاءُ وَبرَهْرَهَةٌ: أي: بيضاء.
مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي: أرسلناك إلى فرعون وقومه بهاتين الحجتين، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ: خارجين عن الحق، كافرين بالله ورسوله.
الإشارة: قد تقدم في سورة «طه» «٣» بعض إشارتها. ويؤخذ من الآية أن تزوج المريد، بعد كمال تربيته، كمال، وأما قبل كماله: فإن كان بإذن شيخه فلا يضره. وربما يتربى له اليقين أكثر من غيره. قوله تعالى: وَسارَ بِأَهْلِهِ قال الورتجبي: افهم أن مواقيت الأنبياء والأولياء وقت سير الأسرار من بدء الإرادة إلى عالم الأنوار. هـ.
وقوله تعالى: آنَسْتُ ناراً قال الورتجبي: الحكمة في ذلك: أن طبع الإنسانية يميل إلى الأشياء المعهودة، لذلك تجلى النور في النار لاستئناسه بلباس [الاستئناس] «٤» ، ولا تخلو النار من الاستئناس، خاصة في الشتاء، وكان شتاءً، فتجلى الحق بالنور في لباس النار لأنه كان في طلب النار، فأخذ الحق مراده، وتجلى مِنْ حيث إرادته، وهو سنة الله تعالى. هـ.
стр. 2065
وقوله تعالى: مِنَ الشَّجَرَةِ أي: نودي منها حقيقة إذ ليس في الوجود إلا تجليات الحق ومظاهره، فيكلم عباده من حيث شاء منها. قال في العوارف: الصوفي لتجرده، يشهد التالي كشجرة موسى، حيث أسمعه الله خطابه منها، بأني أنا اللهُ لا إِله إلاّ أنا. هـ. فأهل التوحيد الخاص لا يسمعون إلا من الله، بلا واسطة، قد سقطت الوسائط في حقهم، حين غرقوا في بحر شهود الذات، فافهم. وقال في القوت: كانت الشجرة وجهة موسى ﵇، كلمة الله منها، كما قال بعضهم: إن قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ «١» ، أي: بالجبل، كان الجبل من جهة الحس حجاباً لموسى، كشفه الله عنه، فتجلى به، كما قال: مِنَ الشَّجَرَةِ فكانت الشجرة وجهة له ﵇ هـ، بإيضاح. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر اعتذار موسى، وطلبه الإعانة بأخيه، فقال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٣ الى ٣٥]
قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥)
يقول الحق ﷻ : قالَ موسى- لما كُلف بالرسالة إلى فرعون: رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ بها، وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً أي: عوناً. يقال: ردأته:
أعنته. وقرأ نافع: بالتخفيف، يُصَدِّقُنِي: جواب الأمر، ومن رفعه جعله صفة لردء، أي: ردءاً مصدقاً لي.
ومعنى تصديقه: إعانته بزيادة البيان، في مظان الجدال، إن احتاج إليه ليثبت دعواه، لا أن يقول له: صدقت، ففضل اللسان إنما يحتاج إليه لتقرير البرهان، وأما قوله: صدقت فسَحْبَانُ وبَاقِلٌ فيه مستويان. إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ في دعوى الرسالة.
قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ أي: سنقويك به إذ اليد تشد بشدة العضد لأنه قوام اليد، فشد العضد كناية عن التقوية لأن العضد، إذا اشتد، قَوِيَ على محاولة الأمور، أي: سنعينك بأخيك، وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً غلبة وتسلطاً وهيبة في قلوب الأعداء، فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما، بِآياتِنا بسبب آياتنا، القاهرة لهم عن التسلط
стр. 2066
عليكم، فالباء تتعلق بيصلون، أو: بنجعل لكما سلطاناً، أي: تسلطاً بآياتنا، أو: بمحذوف، أي: اذهبا بآياتنا، أو: هو بيان لغالبون، أي: أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ، أي: المنصورون.
الإشارة: إذا اجتمع في زمانٍ نبيان، أو: وليان، لا تجدهما إلا متخالفين في القوة والليونة، أو في السكر والصحو، فكان مُوسَى في غاية القوة، وأخوه في غاية الليونة، وكان موسى ﵇ في أول الرسالة غالباً عليه الجذب، وأخوه غالباً عليه الصحو، فلذلك استعان به. قال الورتجبي: افهم أن مقام الفصاحة هو مقام الصحو والتمكين، الذي يقدر صاحبه أن يخبر عن الحق [وأسراره، بعبارة لا تكون بشيعة] «١» في موازين العلم. وهذا حال نبينا محمد ﷺ ، حيث قال: «أن أفصح العرب» «٢» ، و «بُعثتُ بجوامع الكلم» «٣» . وهذه قدرة قادرية اتصف بها العارف المتمكن، الذي بلغ مشاهدة الخاص، ومخاطبة الخاص، وكان موسى ﵇ في محل السكر في ذلك الوقت، ولم يطق أن يعبر عن حاله كما كان لأن كلامه، لو خرج على وزان حاله، يكون على نعوت الشطح، عظيماً في آذان الخلق، وكلام السكران ربما يفتتن به الخلق، لذلك سأل مقام الصحو والتمكين بقوله: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي لأن كلامه من بحر المكافحة والمواجهة الخاصة، التي كان مخصوصاً بها عن أخيه. هـ.
ثم ذكر عناد فرعون وتجبره، قال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٦ الى ٣٩]
فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩)
يقول الحق ﷻ : فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا معجزاتنا التسع بَيِّناتٍ واضحات قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً سحر تعمله أنت، ثم تفتريه على الله، أو: سحر موصوف بالافتراء، كسائر أنواع
стр. 2067
السحر، وليس بمعجزة من عند الله، وَما سَمِعْنا بِهذا، يعني: السحر، أو: ادعاء النبوة، فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ، الجار: حال منصوبة بهذا، أي: ما سمعنا بهذا كائناً في آبائنا، أي: ما حُدِّثْنَا بكونه فيهم، ولا موجوداً في آبائهم.
وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ، فيعلم أني محق، وأنتم مبطلون. وقرأ ابن كثير:
«قال» بغير واو جواباً لمقالتهم. وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ أي: العاقبة المحمودة، فإن المراد بالدار: الدنيا، وعاقبتها الأصلية هي الجنة لأن الدنيا خلقت مَعْبراً ومجازاً إلى الآخرة، والمقصود منها، بالذات، هو المجازاة على الأعمال فيها من الثواب الدائم، أو العقاب الأليم، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ لا يفوزون بالهدى في الدنيا، وحسن العاقبة في العقبى.
قال النسفي: قل ربي أعلم منكم بحال من أَهَّلَهُ الله للفلاح الأعظم حيث جعله نبياً، وبعثه بالهدى، ووعده حُسْنَ العُقْبَى، يعني نفسه، ولو كان كما تزعمون، ساحراً، مفترياً، لما أَهَّلَهُ لذلك لأنه غني حكيم، لا يرسل الكاذبين، ولا ينبّئ الساحرين، ولا يفلح عنده الظالمون، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة لقوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ «١» . والمراد بالدار: الدنيا، وعاقبتها: أن تختم للعبد بالرحمة والرضوان، ويلقى الملائكة بالبشرى والغفران. هـ.
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي، قصد بنفي علمه بإله غيره نَفِيَ وُجُودِهِ، أي:
مالكم إله غيري. قاله تجبراً ومكابرة، وإلا فهو مقر بالربوبية لقوله تعالى حاكياً عن موسى ﵇: لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ «٢» ، ورُوي أنه كان إذا جن الليل، لبس المسوح وتمرغ في الرماد.
وقال: يا رب إني كذاب فلا تفضحني «٣» .
ثم أَمَرَ ببنيان الصرح زيادة في الطغيان، بقوله: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ أي: اطبخ لي الآجر واتخذه. وإنما لم يقل مكان الطين: آجرّ لأنه أول من عمله، فهو معلمه الصنعة بهذه العبارة، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً أي: قصراً عالياً، لَعَلِّي أَطَّلِعُ أي: أصعد. فالطلوع والاطلاع: الصعود، إِلى إِلهِ مُوسى، حسب
стр. 2068
الجاهل أنه في مكان مخصوص، كما كان هو في مكان، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ أي: موسى مِنَ الْكاذِبِينَ في دعواه أن له إلهاً، وأنه أرسله إلينا رسولاً.
وهذا تناقض من المخذول، فإنه قال أولاً: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي، ثم أظهر حاجته إلى هامان، وأثبت لموسى إلهاً، وأخبر أنه غير متيقن بكذبه، وهذا كله تهافت. وكأنه تحصن من عصا موسى فلبّس وقال: لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى. رُوِي أنه لما أُمر وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامانُ العمال، خمسين ألف بنّاء، سوى الأتباع والأُجراء- فبنوا، ورفعوه بحيث لم يبلغه بنيان قط، منذ خلق الله السموات والأرض. أراد الله أن يفتنهم فيه، فصعده فرعون وقومه، ورموا بُنُشّابة نحو السماء، فرجعت مُلَطَّخَةَ بالدم، فقال: قد قتلنا إله السماء، فضرب جبريل الصرح بجناحه، فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون، فقتلت ألفَ ألفِ رجل، وقطعة على البحر، وقطعة في الغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا هلك «١» . هـ.
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ تعاظم فِي الْأَرْضِ أرض موسى بِغَيْرِ الْحَقِّ بغير استحقاق، بل بالباطل، فالاستكبار بالحق هو لله تعالى، وهو المتكبر المتعالي، المبالغ في كبرياء الشأن، كما في الحديث القدسي:
«الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قصمته» «٢» ، أو: ألقيته في النار، وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ بالبعث والنشور. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: بالبناء للفاعل. والباقي: للمفعول. والله تعالى أعلم.
الإشارة: الأرواح كلها برزت من عالم العز والكبرياء، وهو عالم الجبروت، فلما هبطت إلى عالم الأشباح، وكلفت بالعبودية، وبالخضوع لقهرية الربوبية، شق عليها، ونفرت من التواضع والذل، وبطشت إلى أصلها لأنها من عالم العز، فبعث الله الرسل ومشايخ التربية يدلونها على ما فيه سعادتها، من الذل والتواضع والخضوع للحق، حتى تصل إلى الحق، فمن سبق له الشقاء أنف، وقال: ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، واستكبر وطغى، فغرق في بحر الردى. ومن سبقت له السعادة تواضع، وذل لعظمة مولاه، فوصله إلى العز الدائم، في حضرة جماله وسناه. ولذلك قيل: للنفس خاصية ما ظهرت إلا على فرعون، حيث قال: أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى.
وهذه الخاصية هي أصل نشأتها وبروزها، حيث برزت من عالم الجبروت قال تعالى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى) ، ولكن لم يفتح لها الباب إلا من جهة العبودية والذل والافتقار، كما قال الشاعر:
стр. 2069
تذلَّلْ لمَن تَهْوَى لِتَكْسِبَ عزة ... فكم عزة قد نالَهَا المَرْءُ بِالذُّلِّ
إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً، وَلَمْ تَكُنْ ... ذَلِيلاً لَهُ، فَاقْرَ السَّلامَ على الْوَصْلِ
ولا يرضى المحبوب من المحب إلا الأدب، وهو التذلل والخضوع، كما قال القائل:
أدَبُ الْعَبْدِ تَذَلُّلٌ ... وَالْعَبْدُ لاَ يَدَعُ الأدَبْ
فَإذَا تَكَامَلَ ذُلّهُ ... نَالَ المودّة، واقترب.
ثم ذكر وبال مَن تكبر على الله، فقال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٠ الى ٤٢]
فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)
يقول الحق ﷻ : فَأَخَذْناهُ فأخذنا فرعون وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ طرحناهم فِي الْيَمِّ في بحر القلزم، كما بيَّناه غير مرة. وفي الكلام فخامة تدل على عظمة شأن الأخذ، شبههم استحقاراً لحالهم، واستقلالاً لعددهم، وإن كانوا الجم الغفير بحصيات أخذهن آخذ بكفه، فطرحهن في البحر. فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ، وحذّر قومك أن يُصيبهم مثل ما أصابهم، فإنهم ظالمون، حيث كفروا وأشركوا، وتَحَقَّقُ أنك منصور عليهم، كما نُصِرَ موسى على فرعون.
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً قادة يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، أي: إلى عمل أهل النار من الكفر، والمعاصي، قال ابن عطاء: نزع عن أسرارهم التوفيق، وأنوار التحقيق، فهم في ظلمات أنفسهم، لا يدلون على سبيل الرشاد. وفيه دلالة على خلق أفعال العباد. هـ. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ بدفع العذاب عنهم، كما يتناصرون اليوم، في دفع الظلم عنهم، وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ألزمناهم طرداً وإبعاداً عن الرحمة. وقيل: هو ما يلحقهم من لعن الناس إياهم بَعْدَهُمْ. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ المطرودين المعذبين، أو المهلَكِين المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون. ويَوْمَ: ظرف للمقبوحين. والله تعالى أعلم.
الإشارة: عَاقِبَةُ منْ تكبر في دار العبودية: الذل والهوان، وعاقبة من تواضع، وذَل فيها: العز والأمان، وعاقبة من كان إماماً في المساوئ والعيوب: البُعد والحجاب، ومن كان إماماً في محاسن الخلال وكشف الغيوب:
стр. 2070
العزُّ والاقتراب. قال القشيري على قوله: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً إلخ: كانوا في الدنيا مُبْعَدِين عن معرفته، وفي الآخرة مبعدين عن مغفرته، فانقلبوا من طَرْدٍ إلى طَرْدٍ، ومن هجرٍ إلى بُعْدٍ، ومن فراقٍ إلى احتراق. هـ.
ولما أغرقَ أهل الظلم والعناد، أنزل الهداية على أهل العناية والوداد، كما قال تعالى:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٤٣]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)
يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ: التوراة مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى قوم نوح وهود وصالح ولوط- ﵈، حال كون الكتاب بَصائِرَ لِلنَّاسِ أنواراً لقلوبهم، يتبصرون الحقائق، ويُميزون بين الحق والباطل. فالبصيرة: عين القلب، الذي يبصر بها الحق، ويهتدى بها إلى الرشد والسعادة. كما أن البصر عين الرأس التي يُبصر بها الحسيات، أي: آتيناه التوراة، أنواراً للقلوب التي كانت عمياً لا تستبصر ولا تعرف حقاً من باطل، وَهُدىً وإرشاداً إلى الشرائع لأنهم كانوا يخبطون في الضلال.
وَرَحْمَةً لمن اتبعها لأنهم، إذا عملوا بها، وصلوا إلى نيل الرحمة، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، أي: ليكونوا على حال يُرجَى منهم التذكر والاتعاظ. وبالله التوفيق.
الإشارة: إنما تطيب المنازل إذا خلت من الأجانب والأراذل. وأطيب عيش الأحباب إذا غابت عنهم الرقباء وأهل العتاب، فلما أهلك الله فرعونَ وجنوده، وأورث بني إسرائيل ديارهم، ومحى عن جميعها آثارهم، طاب عيشهم، وظهرت سعادتهم، وتمكنوا من إقامة الدين. وكذلك أهل التوجه إلى يوم الدين.
ثم ذكر دلائل نبوته ﷺ ، بعد ذكر قصة موسى لاشتراكهما فى شدة المعالجة، فقال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٤ الى ٤٦]
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَّآ أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)
يقول الحق ﷻ : وَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ المكان الْغَرْبِيِّ من الطور، وهو الذي كلم الله فيه موسى، وهو الجانب الأيمن. قال السهيلي: إذا استقبلت القبلة، وأنت بالشام، كان الجبل يميناً منك،