من النسل، فلا تباشروهن لمجرد قضاء الشهوة، بل اطلبوا ما قدَّر الله لكم، وأثْبتَه في اللوح المحفوظ من الولد، لأنه هو المقصود من تشريع النكاح، وخلق الشهوة، لا مجرد قضاء الوطر. وفي الحديث: «إِذَا مَاتَ العبدُ انْقَطَعَ عَمَلُه إِلاَّ مَن ثَلاثٍَ: صَدَقَةٍ جَاريَةٍ، وعِلْمٍ بثَّه في صُدور الرِّجالِ، وولدٍ صالح يدعو لَهُ» .
وفي حديث طويل عن عائشة- ﵂ في قصة الحَوْلاء- امرأة من الأنصار-، قال لها رسول الله ﷺ : ما من امرأة حمَلَت من زوجها حين تَحْمِل، إلا لها من الأجْر مثل القائم ليلَة الصائم نهارَه، والغازي في سبيل الله، وما من امرأة يأتيها الطَلْقُ، إلا كان لها بكل طَلْقةٍ عِتْق نسمةٍ، وبكل رَضْعة عتق رقبة، فإذا فَطَمت ولَدها ناداها مُنادِ من السماء: قد كُفيتِ العملَ فيما مضى، فاستأنفي العمل فيما بقي. قالت عائشة- ﵂: قد أُعْطِي النساءُ خيراً كثيراً، فما لكم يا معشر الرجال؟. فضحك النبي ﷺ ثم قال: ما من رجل مؤمن أخذ بيد امرأتِه يُرَاوِدُها، إلا كتب الله له حسنة، وإنْ عانقها فعشْر حسنات، وإن ضاجعها فعشرون حسنةٌ، وإن أتاها كان خيراً من الدنيا وما فيها، فإذا قام ليغتسل لم يمر الماء على شعره من جسده إلا مُحِيَ عنه سيئة، ويُعطى له درجة، وما يعطى بغسله خير من الدنيا وما فيها، وإن الله تعالى يباهي الملائكة فيقول: انظروا إلى عبدي قام في ليلة قَرَّة يغتسل من الجنابة، يتيقن بأني ربه، اشهدوا أني قد غفرت له» «١» . هـ. من الثعلبي.
ثم أباح الحق تعالى الأكلَ والشرب، ليلة الصيام إلى الفجر، فقال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ شبَّه أول ما يبدو من الفجر المعترِض في الأفق، بالخيط الأبيض، وما يمتد معه من غَبَشِ الليل، بالخيط الأسود.
ولم ينزل قوله تعالى: مِنَ الْفَجْرِ إلا بعد مدة، فحمله بعض الصحابة على ظاهره، فعمد إلى خيطٍ أبيض وخيط أسود فجعلهما تحت وِسادته، فجعل يأكل وينظر إليهما، فلم يتبيَّنا، ومنهم عَديُّ بنُ حاتم، قال: فغدوتُ إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فضحِك، وقال: «إِنك لَعَرِيضُ القَفا، إِنَّمَا ذلِكَ بَيَاضُ النَّهَارِ وسَوَادُ اللَّيْلِ» ، والحديث ثابت في البخاري وغيرِه. واعترضه الزمخشري بأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذلك لا يجوز، لما فيه من التكليف بما لا يطاق.
стр. 212
وأُجيب بأنه ليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإنما فيه تأخير البيان لوقت الحاجة، وهو جائز. وبيان ذلك أنه لمّا نزل قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فهم رسول الله ﷺ والمؤمنون مُرادَ الله منهما، واستمر عملهم على ذلك، فكانت الآية مُبينة في حقهم لا مُجْمَلة. وأما عَدِيّ بن حاتم فكان بَدَوِيّاً مُشتغلاً بالصيد، ولم يكن فيه حُنْكَة أهل الحاضرة، فحمل الآية على ظاهرها ولذلك قال له رسول الله ﷺ : «إنك لَعِرَيضُ القَفا» . فنزلت الآية تُبين لعدي مُرادَ الله عند الحاجة إلى البيان. مع أن السيوطي ذكر في التوشيح خلاف هذا ونصه:
قال بعضهم: كأنَّ عديّاً لم يسمع هذه اللفظة من الآية لأنها نزلت قبل إسلامه بمدة، وذلك أن إسلامه كان في السنة التاسعة أو العاشرة، بعد نزول الآية بمدة، قال: علَّمنِي رسول الله ﷺ الصلاة والصيام، فقال: «صلّ كذا، وصم كذا، فإن غابت الشمس فَكُلْ حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فأخذ الخيطين ... » .
الحديث. فقال له- ﵊: «ألم أقل لك من الفجر؟» فتبين أن قوله في الحديث: «فأنزل الله مِنْ الفجر» من تصرُّف الرواة. هـ. مختصراً، فهذا صريح في أن الآية نزلت بتمامها مبينة فلم يكن فيها تأخير، والله تعالى أعلم.
ثم بيَّن الحق تعالى غاية الصوم، فقال: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فمن أفطر مع الشك في الغروب، فعليه الكفارة، بخلاف الشك في الفجر للاستصحاب. ولما كان الاعتكاف من لوازم الصوم ذكر بعض أحكامه بإثره فقال: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ أي: النساء وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، فالمباشرة للمعتكف حرام، وتُفسد الاعتكاف. كانت المباشرة في المسجد أو خارجَه. وكان الرجل يكون معتكفاً فيخرج فيصيب زوجَه ثم يرجع، فنزلت الآية- تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ قد حدها لكم، فَلا تَقْرَبُوها فضلاً عن أن تعتدوها، كَذلِكَ أي: مثل هذا البيان التام، يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ محارمه.
الإشارة: قد تقدم أن صوم الخواص، وخواص الخواص، هو الإمساك عن الفُضول، وعن كل ما يقطع عن الوصول. أو الإمساك عن شهود الأغيار، وعن كل ما يوجب الأكدار. فإن عزَمَت النفس على هذا الصوم وعقَدَت النيّة عليه، حلَّ لها أن تُباشر أَبْكارَ العلوم اللدنية الوهبية، والحقائق العرفانية، وتفضي إلى ثَيبات العلوم الرَّسْمية الكسبية. العلوم اللدنية الوهبية شِعارُها، والعلومُ الرسمية دِثارها «١» . العلوم اللدنية لباس باطنها، والعلوم الرسمية لباس ظاهرها.
стр. 213
قال أبو سليمان الداراني: إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت، ثم عادت إلى صاحبها بطرائف العلوم، من غير أن يؤدي إليها عالمٌ عِلْماً. هـ.
قال الحقّ تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ بدنس الهفوات، فمنعكم من مباشرة تلك العلوم الوهبيات، فلما عقدْتُم التوبة، وعزمتم على تركها، تاب عليكم وعفا عنكم، فالآن باشروها، وابتغوا ما كتب الله لكم، من الوصول إلى معرفته، والعكوف في حضرة قُدسه، وكلوا من ثمرات تلك العلوم، واشربوا من خمرة الحيّ القيّوم، حتى يَطْلُعَ عليكم فجرُ الكشف والبيان، وتُشرق على قلوبكم شمسُ نهار العرفان، فحينئذٍ تَضْمَحِلُّ تلك العلوم، وتمحي تلك المعالم والرسوم. ولم يبقَ إلا الاستغراق في مشاهدة الحيّ القيّوم، فلا تباشروها وأنتم عاكفون في تلك المساجد. فمشاهدةُ وجهِ الحبيب تُغنْي عن مطالعة المعالم والمشاهد. تلك حدود الله فلا تقربوها، أي: لا تقفوا مع تلك العلوم وحلاوة تلك الرسوم فإنها تمنعكم من مشاهدة الحىّ القيوم. كذلك يُبين الله آياته الموضَّحة لطريق وصوله للناس، لعلهم يتقون مشاهدة ما سواه. والله تعالى أعلم.
ولما أراد الحقّ أن يتكلم على الحج قدَّم الكلام على الأموال لأنها سببٌ في وجوبه، والوصول إليه في الغالب، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٨]
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)
قلت: أصل الإدلاء: إرسالُ الدَّلْو في الماء ليتوصل به إلى أخذ الماء من البئر، ثم أُطلق في كل ما يتوسل به إلى شيء، يقال: أدلَى بمالِه إلى الحكام، أي: دفعه رِشْوة، ليتوصل بذلك إلى أخذ أكثر منه، وهو المراد هنا، وفي القاموس: أدلى برَحمِه: توسَّل، وبحُجَّتِه: أحضرَها، وإليه بمالهِ: دفَعه. ومنه: (وتُدْلوا بها إلى الحكام) . هـ. و (تدلوا) معطوف على (تأكلوا) ، مَنْهِي عنهما معاً.
يقول الحق ﷻ : وَلا تَأْكُلُوا يا معشر المسلمين أَمْوالَكُمْ أي: أموال بعضكم بعضاً، بِالْباطِلِ أي: بغير حقّ شرعي إما بغير حق أصلا كالغصب والسرقة والخيانة والخَدْع والتطفيف والغش وغير ذلك. أو بحق باطل كما يؤخذ في السحر والكهانة والفأل والقِمار والجاه، وهَدِية المِدْيان «١» ، وهدية القرض، والضمان،
стр. 214
والرشوة، والربا، وغير ذلك مما نهى الشارعُ عنه. ولا يدخل في ذلك التمائم والعزائم إذا كان بالقرآن أو السنّة وغلَب الشفاء، وكذلك لا يدخل أيضاً الغَبْن، إذا كان البائعُ عالماً بالمَبِيع.
أو وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ بأن تُنفقوها في المَلاهي والزنا والشرب واللواط، وغير ذلك من المحرمات، ولا تُدْلُوا أي: تتوسلوا بها، أي: بدفعها إِلَى الْحُكَّامِ رشوة لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بأن يحكم لكم بها القاضي، تأخذونها متلبسين بِالْإِثْمِ أي: بالمعصية وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنها لغيركم فإنَّ حُكْمَ الحاكِم لا يُحِلُّ حراماً.
وفي الحديث عنه ﷺ قال: «إنَّما أنا بَشرٌ مثلُكُم، ولعلَّ بعضَكُمْ أن يكون الْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعضٍ فأقضي لهُ، فمن قَضَيتُ له بشيء من مال أخيه فإنَما أقَطَعُ له قطعةً من النارِ» .
الإشارة: الباطلُ كلُّ ما سوى الحقّ، فكل من كان يأخذ من يد الخلق ولا يشاهد فيهم الحقّ فإنما يأخذ أموال الناس بالباطل. قال في الحكم: «لا تمدن يديك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك، فإذا كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم» . ويحتاج العامل بهذا إلى عَسةٍ «١» كبيرةٍ، وشُهودٍ قَوِي، حتى يَفْنَى عَنْ نظرهِ مشاهدةُ الخلق في شهود الملك الحق. وكان بعضهم يطلب مَنْ هذا وصْفُه فيعطي للفقير العطاء، ويقول: خذ، لا لك، فلا يسمع من أحد شيئاً، حتى أعطَى لبعض الفقراء، وقال: خذ، لا لك، فقال: أقبضُ لا منك. هـ. قلت: الوصول إلى الحكام على شأن الدنيا أو للانتصار للنفس حرام في طريق الخصوص، بل يصبر حتى يحكم الله بينه وبين خصمه، وهو خير الحاكمين، فإن اضطُرَّ إلى شيء ولم يجد بُدّاً منه فليُوكِّلْ، وبالله التوفيق.
وَلَمَّا أراد الحقُّ تعالى أن يتكلم على أحكام الحج، قدَّم الكلام على الهلال لأنه معتبر فى الحج، أداء وقضاء، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٩]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)
قلت: الذي سأله معاذُ بن جبل وثعلبةُ بن غنمة «٢» ، فقالا: يا رسول الله: ما بال الهلال يبدو رقيقاً كالخيط، ثم لا يزال يزيد حتى يستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يرجع كالخيط؟ فقال الحق ﷻ : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ
стр. 215
أي: عن حكمة اختلاف الأهلة بالزيادة والنقص، قُلْ لهم يا محمد: هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ يُوقِّتُون بها دُيونهم، ويعرفون بها أوقات زَرْعهم، وعِدَدَ نسائهم وصيامهم. وهي أيضاً مواقيتُ للحج، يعرفون بذلك وقت دخوله وخروجه، فيعرفون الأداء من القضاء، فلو كانت على حالة واحدة لم يعرفوا ذلك. أجابهم الحق تعالى بغير ما ينتظرون أشارة إلى أن السؤال عن سر الاختلاف، ليس فيه منفعة شرعية، وإنما ينبغي الاهتمام بما فيه منفعة دينية.
قال أهل الهيئة: إن نورة من نُور الشمس، وجِرْمه أَطْلَس، فكلما بعد من مُسَامته الشمس قابَله نورُها، فإذا قرب منها لم يقابله من نورها إلا بعض جِرمه، فإذا دخل تحتها في الفلك كان ظَهره كله إليها، فلم يقابله شيء من نورها، فإذا خرج من تحتِها قابله بقدر ذلك، والله تعالى أعلم.
الإشارة: إذا ظهر هلال السعادة في أفق الإرادة، وهبَّت ريح الهداية من ناحية سابق العناية، دخل وقت حج القلوب إلى حضرة علام الغيوب، فهلال الهداية للسائرين، وهم أرباب الأحوال أهل التلوين، يزداد نوره بزيادة اليقين، وينقص بنقصانه، على حسب ضعف حاله وقوته، حتى يتحقق الوصال، ويُرزق صفة الكمال. وأنشدوا:
كُلَّ يومٍ تَتَلَوَّنْ ... غيرُ هذا بِكَ أَجْمَلْ
فصاحب التلوين بين الزيادة والنقصان، إلى أن تطلع عليه شمس العرفان، فإذا طلعت شمس العرفان فليس بعدها زيادة ولا نقصان، وأنشدوا:
طَلَعَتْ شمسُ مَنْ أُحِبُّ بلَيْلٍ ... واستضاءتْ فَمَا تَلاَهَا غُرُوبُ
إنَّ شَمْسَ النَّهارِ تَغْربُ باللي ... ل وشَمْسَ القُلوب لَيْسَتْ تَغيبُ
بخلاف صاحب التمكين فإنه أبداً في ضياء معرفته، متمكن في بُرج سعادته، لا يلحق شمسَه كسوف ولا حجابٌ، ولا يستر نورَها ظلمةٌ ولا سحاب، فلو طلب الحجاب لم يُجَبْ. قال بعض العارفين: (لو كُلفت أن أرى غيره لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى أشهده) .
ثم حذَّر الحق تعالى مما ابتدعه المشركون في الحج، فقال:
وَلَيْسَ الْبِرُّ ...
стр. 216
قلت: كانت الأنصار إذا حَجُّوا أو اعتمروا، يقولون: لا يَحُول بيننا وبين السماء سَقْفٌ، حتى يدخلوا بيوتهم، فإذا رجعوا تسوَّرُوا الجُدْران، أو نَقَبُوا في ظهور بيوتهم، فجاء رجل منهم فدخل من الباب، فَعُيِّر بذلك، فأنزل الحقّ ﷻ : وَلَيْسَ الْبِرُّ أي: الطاعة، بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها فتتسوروها، أو تنقُبوا من أعلاها، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى المحارم وخالف الشهوات.
أو: ليس البر بأن تعكسوا مسائلكم بأن تسألوا عما لا نفع لكم فيه، وتتركوا مسائل العلم التي تنفعكم في العاجل والآجل. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى ذلك، وَأْتُوا بيوت العلم من أبوابها، فتُحسنون السؤال وتتأدبون في المقال، وتقدمون الأهم فالأهم، والأنفع فالأنفع. وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تُغيروا أحكامه، ولا تعترضوا على أفعاله، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بتوفيقه وهدايته.
الإشارة: اعلم أن البيوت التي يدخلها المريد ثلاثة: بيت الشريعة وبيت الطريقة وبيت الحقيقة، ولكل واحد أبواب فمن أتى البيت من بابه دخل. ومن أتاه من غيره طُرد.
فبيت الشريعة له ثلاثة أبواب: الباب الأول: التوبة، فإذا دخل هذا الباب، وحقَّق التوبة بأركانها وشروطها، استقبله باب الاستقامة، وهي: متابعة الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله، فإذا دخله، وحقق الاستقامة، استقبله باب التقوى بأقسامها. فإذا حقق التقوى ظاهراً وباطناً، دخل بيت الشريعة المطهرة، وتنزه في محاسنه ومعانيه، ثم يروم دخول بيت الطريقة، وله ثلاثة أبواب:
الباب الأول: الإخلاص وهو: إفراد العمل لله من غير حرف ولا حظ، فإذا حقق الإخلاص استقبله باب التخلية وهى التطهير من العيوب الباطنة، وهي لا تنحصر، لكن من ظفر بالشيخ أطلعه عليها، وعلّمه أوديتها، فإذا حقق التخلية استقبله باب التحلية، وهي: الاتصاف بأنواع الفضائل كالصبر والحلم والصدق والطمأنينة والسخاء والإيثار، وغير ذلك من أنواع الكمالات. فإذا حقق الإخلاص والتخلية والتحلية فقد حقق بيت الطريقة، ثم يستقبله بيت الحقيقة.
فأول ما يقرع باب المراقبة، وهي: حفظ القلب والسر من الخواطر الردية، فإذا تطهر القلب من الخواطر الساكنة، استشرف على باب المشاهدة، وهى: محو الرسوم في مشاهدة أنوار الحي القيّوم، أو تلطيف الأواني عند ظهور المعاني، فإذا دخل باب المشاهدة، وسكن فيها، استقبله باب المعرفة، وهي محلّ الرسوخ والتمكين، وهي الغاية والمنتهى، فبيت الحقيقة هو مسجد الحضرة الربانية. وما بقي بعدها إلا الترقي في المقامات، وزيادة المعارف والكشوفات أبداً سرمداً، منحنا الله من ذلك حظا وافرا بمنّه وكرمه.
стр. 217
ولمّا كان البيت الحرام عند فرض الحج معمورا بالكفار، أمرهم بجهادهم ليتمكن المسلمون من الحج، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٩٠ الى ١٩٥]
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)
قلت: (التهلكة) : مصدر هلك- بتشديد اللام- قاله ابن عطية. وضمن (تُلْقُوا) معنى تفضوا، أو تنتهوا، فعدَّاه بإلى، أي: ولا تفضوا بأنفسكم إلى التهلكة. ولا يحتاج إلى زيادة الباء.
وسبب نزول الآية: أن المشركين صَدُّوا رسول الله ﷺ عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع في قابل، فيخلوا له البيت ثلاثة أيام، فرجع لعمرة القضاء، وخاف المسلمون ألا يفوا لهم، فيقاتِلُوا في الحرم والشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت الآية.
يقول الحق ﷻ : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وإعلاء كلمته الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ أي: يبدءونكم بالقتال، وَلا تَعْتَدُوا فتقاتلوهم قبل أن يبدءوكم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ لا ينصرهم ولا يؤيدهم. ثم نسخ هذا بقوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ... الآية. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي: وجدتموهم، ولا تتحرجوا من قتالهم في الحرم، فإنهم هم الذين صدوكم وبدأوكم بالإذاية، وَأَخْرِجُوهُمْ من مكة حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ منها، وَالْفِتْنَةُ أي: الكفر الذي هم فيه، أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ لهم في الحرم، وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ابتداءً حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فيه فَاقْتُلُوهُمْ فيه، وفي غيره، كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ يفعل بهم ما فعلوا بغيرهم، فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك وأسلموا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم رَحِيمٌ بهم.
стр. 218
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي: شرك وَيَكُونَ الدِّينُ خالصاً لِلَّهِ بحيث لا يبقى في جزيرة العرب إلا دين واحد، فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم، فلا تعتدوا فإنه فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم.
القتال الصادر منكم لهم في الشَّهْرُ الْحَرامُ في مقابلة الصد الذي صدر منهم لكم في الشهر الحرام، وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ يقتص بعضها من بعض، فكما انتهكوا حرمة الشهر الحرام، بمنعكم من البيت، فانتهكوا حرمتهم بالقتل فيه. فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ بالقتال في الأشهر الحُرُم، أو في الحرَم فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تنتصروا لنفوسكم، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالحفظ والتأييد.
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ في جهاد عدوكم، ولا تمسكوا عن الإنفاق فيه فتلقوا بِأَيْدِيكُمْ أي: بأنفسكم إِلَى التَّهْلُكَةِ أي: الهلكة فيستولي عليكم عدوكم.
رُوِيَ عن أبي أيوب الأنصاري (أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إن هذه الآية نزلت في الأنصار، قالوا- لما أعز الله الإسلام وكثر أهله-: لو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها، فأنزل الله فينا وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وأما هذا فهو الذي قال فيه الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ....)
أو: ولا تنفقوا كل أموالكم فتتعرضوا للهلكة، أو الطمع في الخلق، ولكن القصد، وهو الوسط. وَأَحْسِنُوا بالتفضل على المحاويج والمجاهدين إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فيحفظهم، ويحفظ عقبهم إلى يوم القيامة.
الإشارة: أعلم أن أعداء الإنسان التي تقطعه عن حضرة ربه أربعة: النفس والشيطان والدنيا والناس.
فمجاهدة النفس: بمخالفة هواها، وتحميلها ما يَثقُل عليها حتى ترتاض، ومجاهدة الشيطان: بعصيانه، والاشتغال بالله عنه، فإنه يذوب بذكر الله، ومجاهدة الدنيا: بالزهد فيها، والقناعة بما تيسر منها، ومجاهدة الناس: بالغيبة عنهم والإعراض عنهم في الإقبال والإدبار. فيقول الحق ﷻ للمتوجهين إليه: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ويصدونكم عن حضرته، ولا تعتدوا فتشتغلوا بهم عن ذكري، والإقبال عليّ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. بل اقتلوهم حيث تعرضوا لكم فقط، فإذا ظهرت صورة النفس أدبها، ثم غاب في الله عنها، وكذلك بقية القواطع.
стр. 219
وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل ﵁ يقول: (عداوة العدو حقاً هي اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو فاتتك محبة الحبيب،، ونال العدو مراده منك) . هـ. وأخرجوهم من قلوبكم من حيث أخرجوكم من حضرة ربكم، يعني: كما أخرجوكم من الحضرة في أيام الغفلة، أخرجوهم من قلوبكم في أيام اليقظة. والفتنة بالاشتغال بهم أشد من القتل لهم، ولا تقاتلوهم عند مسجد الحضرة وحال الغيبة في الله، فإن ذلك التفات إلى غير الله، كمن كان مقبلاً عليه حبيبه فجعل يلتفت إلى مَن يكلمه ويشغله عنه. وذلك في غاية الجفاء، حتى يقاتلوكم فيه، ويريدون أن يخرجوكم منه بوسوستهم، فإن قاتلوكم، وخطر على بالكم شيء من وسوستهم، فاقتلوهم بذكر الله، والتعوّذ منهم، فإن الله يكفيكم أمرهم، وينهزمون عنكم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا عنكم، وانقطع عنكم خواطرهم، فغيبوا عنهم فإن الله يستركم عنهم، وقاتلوهم على الدوام حتى لا تكون في قلوبكم فتنة منهم، ويكون التوجه كله لله، لا ينازعه شيىء مما سواه، فإن انتهوا عنكم فلا تتعرضوا لهم فإن ذلك عدوان وظلم، فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.
فإن جَنَحَتْ نفسُك إلى حرمة الطاعة الظاهرة كتدريس علم أو جهاد أو صلاة أو غيرها، وأرادت أن تخرجك من حرمة الحضرة القدسية وهي الفكرة والشهود والمعاينة، فقاتلها وأخرجها من حرمة تلك الطاعة، فالحرمات قصاص. فكما أخرجتك من حضرة ربك القدسية أخرِجْها من حضرة الطاعة الحسية إلى الطاعة القلبية. فإن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح.
فمَن اعتدى عليكم، في زمن البطالة، فاعتدوا عليه في زمن اليقظة بمثل ما اعتدى عليكم. وكان شيخنا البوزيدى ﵁ يقول: جوروا على نفوسكم بقدر ما جارت عليكم. هـ. أي: اقتلوها بقدر ما قتلتكم بالبعد عن ربكم.
وكان أيضاً يقول: (جوروا على الوهم قبل أن يجور عليكم) . هـ. واتقوا الله فإن الله يعينكم عليها، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. وأنفقوا أنفسكم ومهجكم في سبيل الله، بأن تطرحوها في يد الله يفعل بها ما يشاء. وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فتدبروا لها، وتختاروا لها، وتعتنوا بشئونها، فإن ذلك غفلة عن ربكم. وَأَحْسِنُوا أي: ادخلوا في مقام الإحسان بأن تعبدوا الله كأنكم ترونه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي: يقربهم إلى حضرته، ويصطفيهم إلى محبته ومعرفته، خرطنا الله في سلكهم بمنِّه وكرمه.
ثم أمر الحق تعالى بإتمام النسك الذي دخل فيه، وحض على الإخلاص فيه، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٦]
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)
стр. 220
قلت: المشهور في اللغة أن أحصر الرباعي: بالمرض، وحصر الثلاثي: بالعدو، وقيل: بالعكس، وقيل: هما سواء. و (ما استيسر) : خبر أو مبتدأ، أي: فالواجب ما استيسر، أو: فعليه ما استيسر.
يقول الحق ﷻ : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ الذي دخلتم فيه، وَالْعُمْرَةَ وجوباً كالصلاة والصوم، ويكون ذلك لِلَّهِ لا رياء ولا سمعة، وإنما خصّ الحج والعمرة بالحض على الإخلاص، لما يسرع إليهما من الخلل أكثر من غيرهما، فمن أفسدهما وجب عليه قضاؤهما، فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ومنعتم من إتمامهما فتحللوا منهما، وعليكم فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وذلك شاة وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ أي: لا تتحللوا حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، أي: حيث يحل ذبحه، وهو محل الإحصار عند الشافعي، فيذبح فيه بنية التحلل ويُفرق، ومِنَى أو مكة عند مالك، فيُرسله فإذا تحقق أنه وصل وذُبح حل وحلق.
ويحرم على المُحْرِم إزالة الشعث، ولبس المخيط بالعضو، فمن كان مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً صُداع أو نحوه، فحلق رأسه، أو لبس ثيابه، فعليه فديه مِنْ صِيامٍ ثلاثة أيام، أَوْ صَدَقَةٍ على ستة مساكين، مُدَّان لكل مسكين، أَوْ نُسُكٍ بشاة فأعلى، فهو مخير بين الثلاثة. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إذا عقد المريد مع ربه عُقْدةً، فالواجب عليه إتمامها حتى يَجْني ثمرتَها، فإذا عقد عقدة المجاهدة فليجاهد نفسه حتى يجني ثمرتها، وهي المشاهدة، وإذا عقد مع الشيخ عقدة الصحبة، فليلزم خدمته حتى يدخله إلى بيت الحضرة، ويشهد له بالترشيد. وهكذا كل من عقد مع الله عقدة يجب عليه إتمامها، فإن أُحصر ومُنع من إتمامها فليفعل ما استيسر من ذبح نفسه وحط رأسه، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها، ولا ينبغي أن يستعجل الفتح قبل إِبَّانِه، فلعلَّه يُعاقَب بحرمانه، فكم من مريد طلب من شيخه أَنْ يُطلعه على سر الربوبية قبل بلوغ محله، فكان ذلك سبب عطبه، فيقال له: ولا تحلق رأسك من شهود السوى حتى يبلغ هَديُ نفسك محلة فيذبح، فإذا ذُبِحت النفس وأُجهِز عليها حلق رأسه حينئذٍ من شهود السِّوى، وفي ذلك يقول الششتري ﵁:
إنْ تُرِدَ وَصْلَنَا فَمَوْتكَ شَرْطٌ ... لا يَنَالُ الوِصَالَ مَنْ فِيهِ فَضْلَهْ
فمن كان مريضاً بضعف عزمه، أو به أذى بعدم نهوض حاله، بحيث لم تُسعفْه المقادير في مجاهدة نفسه، فليشتغل بالنسك الظاهر من صيام أو صدقة أو قراءة أو غير ذلك، حتى يَمنَّ عليه العليمُ الحكيمُ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
стр. 221
ولما ذكر الحق تعالى هدى الإحصار وفديَة الأذى، ذكر هدى التمتع، فقال:
فَإِذا أَمِنْتُمْ ...
يقول الحق ﷻ : فإذا حصل لكم الأمن من المرض أو العدو، وأردتم الحج فَمَنْ تَمَتَّعَ منكم بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ بأن قدَّم العمرة في أشهر الحج، ثم حجّ من عامة، فالواجب عليه فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شاة فأعلى لكونه تمتَّعَ بإسقاط أحد السَّفَرَيْن ولم يُفرِد لكل عبادة سفراً مخصوصاً. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي، ولم يقدِر على شرائه، فعليه فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي زمن الْحَجَّ، وهو زمنُ إحرامه إلى وقوفه بعرفة، فإن لم يصم في ذلك الزمان صام أيام التشريق. ثم يصوم سبعة أيام إذا رجَع إلى مكة أو إلى بلده. فتلك عَشَرَةٌ أيام كامِلَةٌ، ولا تتوهموا أن السبعة بدل من الثلاثة، فلذلك صرّح الحقّ تعالى بفَذْلَكة الحساب «١» .
وهذا الهَدْي أو الصيام إنما يجب على المتمتع إذا لم يكن ساكناً بأهله في مكة أو ذي طَوى، وأما مَن كان (أهلُه حاضري المسجد الحرام) فلا هَدى عليه لأنه يُحرم بالحج من مكة فلم يسقط أحد السفرين، وَاتَّقُوا اللَّهَ في امتثال أوامره، وخصوصاً مناسك الحج لكثرتها وتشعب فروعها، ولذلك أُفردت بالتأليف، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن ترك أوامرَه وارتكب نواهيه. وبالله التوفيق.
الإشارة: يقول الحق ﷻ على طريق الإشارة للمتوجهين إليه: فإذا أمنتُمْ من أعدائكم الذين يقطعونكم عن الوصول إلى حضرتنا، أو أمِنْتُم من الرجوع بعد الوصال، أو من السلب بعد العطاء، وذلك بعد التمكين من شهود أسرار الذات، وأنوار الصفات، إذ الكريم إذا أعطى لا يرجع، فإذا حصل لكم الأَمْن، فمن تمتع بأنوار الشريعة إلى أسرار الحقيقة فعليه ما استطاع من الهدي والسمت الحسَن والخلُق الحَسن لأنه إذ ذاك قد اتصف بصفة الكمال وتصدَّر لتربية الرجال، فمن لم يجد ذلك فليرجع إلى ما تيسر من المجاهدة حتى يتمكن من ذلك الهَدْي الحسن والخلق الحسن، هذا لمن لم يتمكن في الحضرة الأزلية، وأما مَن كان مقيماً بها، عاكفاً في شهود أنوارها، فلا كلام عليه، لأنه قد تولاّه مولاه، وغيَّبَه عن شهود نفسه وهواه، فَأمْرُه كله بالله وإلى الله. جعلنا الله فيهم بمنّه وكرمه،
стр. 222
لكن لا يغفُل عن التقوى لقوله- ﵊: «أنا أعرفُكُم بالله، وأنا أتقاكم له» . وقالوا: «من علامة النهايات الرجوعُ إلى البدايات» . والله تعالى أعلم.
ثم ذكر الحق تعالى ميقات الحج الزمانى، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٧]
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)
قلت: (الحج) : مبتدأ، على حذف مضاف، أي: إحرامُ الحج أو فعلُ الحج، و (أشهر) : خبر، وإذا وقع الزمان خبراً عن اسم معنى فإن كان ذلك المعنى واقعاً في كل ذلك الزمان أو جُلِّه تعيَّن رفعُه عند الكوفيين، وترجح عند البصريين إذا كان الزمان نكرة، نحو: السفر يوم. إن كان السفر واقعاً في جميع ذلك اليوم أو في جُلِّه لأنه باستغراقه إياه صار كأنه هو، ويصح: السفر يوماً، أو في يوم. وإن كان ذلك المعنى واقعاً في بعض ذلك الزمان تعيَّن نصبه أو جرّه ب (في) ، نحو: السفر يوم الجمعة، أو في يوم الجمعة وقد يرفع نادراً.
قال في التسهيل: ويُغني- أيْ: ظرف الزمان- عن خبر اسم معنى مطلقاً، فإن وقع في جميعه، أو في أكثره، وكان نكرة، رُفع غالباً، ولا يمتنع نصبه ولا جره بفي خلافاً للكوفيين. وربما رُفع خبرُ الزمان المُوقَع في بعضه. هـ. ومن ذلك: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فإن جلّها تصلح للإحرام.
يقول الحق ﷻ : وقتُ إحرام الحج أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ: شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن أحرم قبلها كره عند مالك، وبطل عند الشافعي، فَمَنْ فَرَضَ على نفسه فِيهِنَّ الْحَجَّ فيلزم الأدب والوقار، ويجانبْ شهوة النساء، (فَلا) يقع منه رَفَثَ أي: جماع أو كلام فُحْش، وَلا فُسُوقَ أي: ذنوب، وَلا جِدالَ فِي زمان الْحَجُّ ولو مع المكاري «١» أو الخُدّام، ولا غيره من أنواع الخصام فإنه في حضرة الملك العلاّم.
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ كحِلْم وصبر وحُسن خلق يَعْلَمْهُ اللَّهُ فاستبقوا الخيرات، وتزودوا قبل هجوم الممات، واتقوا الله حق تقاته فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى. أو تزودوا لسفر الحج، ولا تسافروا كلّا على الناس
стр. 223
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى عن الطمع في الخلق، وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ، وأفرِدُوني في سركم حتى أفتح لكم الباب، وأدخلَكم مع الأحباب.
الإشارة: معاملة الأبدان مؤقتة بالأماكن والأزمان، ومعاملة القلوب أو الأرواح غير مؤقتة بزمان مخصوص، ولا مكان مخصوص، فحجَ القلوب، الأزمنةُ كلها له ميقات، والأماكن كلها عرفات، حج القلوب هو العكوف في حضرة علاّم الغيوب، وهي مُسَرْمَدَةٌ على الدوام على مَرِّ الليالي والأيام، فكل وقت عندهم ليلة القدر، وكل مكان عندهم عرفةُ المشرَّفةُ القدر، وأنشدوا:
لولا شهودُ جمالكم في ذاتي ... ما كنتُ أَرْضَى ساعة بِحَياتي
ما ليلةُ القدرُ الْمُعَظَّمُ شأنُها ... إلاَّ إذا عَمَرَتْ بكُم أوقَاتِي
إنَّ المحبَّ إذا تمكَّنَ في الهَوَى ... والحب لم يَحْتَجْ إلى ميقاتِ
وقال آخر «١» :
كُلُّ وقتٍ مِنْ حَبيبيِ ... قدره كألف حجة
فازَ مَنْ خلَّى الشَّوَاغِلْ ... وَلِموْلاَه تَوَجَّهْ
فمَنْ فَرض على قلبه حجَّ الحضرة فليلتزم الأدب والنظرة، والسكوتَ والفكرة، قال تعالى وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً فلا رفث ولا فسوقَ ولا جدال ولا مراء، إذ مبنى طريقهم على التسليم والرضى، وما تفعلوا من خير فليس على الله بخفي. وتزودوا بتقوى شهود السَّوَى، فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى، وجِمَاعُ التقوى هي مخالفة الهَوى، ومحبة المولَى، فهذه تقوى أولي الألباب الذين صفَتْ مِرآة قلوبهم، فأبصروا الرشد والصواب. وبالله التوفيق.
ثم أباح الحق تعالى التجارة فى مواسم الحج، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٩٨ الى ١٩٩]
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)
قلت: (أن تبتغوا) : على إسقاط حرف الجر، أيْ: في أن تبتغوا، وسبب نزول الآية: أن عُكاظاً ومَجَنّة وذا المجاز- أسماء مواضع- كانت أسواقاً في الجاهلية يعمرونها في مواسم الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثَّمُوا وتحرجوا أن يتجروا فيها، فقال لهم الحق ﷻ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي: إثم أو ميل
стр. 224
عن الصواب، في أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي: عطاء ورزقاً تستفيدونه من التجارة في مواسم حجكم، إذا خلَصَتْ نيتكم، وغلب قصدُ الحج على التجارة.
وهاهنا قاعدةٌ ذكرها الغزالي في الإحياء، وحاصلها: أن العمل إذا تمحَّض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب، وإذا تمحض لله خالصاً فهو سبب القرب والثواب، وإذا امتزج بشوْب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة الباعث فإن كان باعث الحظ أغلب، سقط، وكان إلى العقوبة أقرب، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله، وإن كان باعث التقرب أغلب، حُط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ، وإن تساويا تقاوماً وتساقطاً وصار العمل لا له ولا عليه.
ثم قال: ويشهد لهذا إجماعُ الأمة على أن مَنْ خرج حاجّاً ومعه تجارة صحَّ حجه وأُثيب عليه. ثم قال:
والصواب أنْ يقال: مهما كان الحج هو المحرّك الأصلي، وكان غرضُ التجارة كالتابع، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب، ثم طُرِّد هذا الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة، يعني: يُنْظر لغالب الباعث وخُلوص القصد، وكذلك الصوم للحِمْية والثواب، ينظر لغالب الباعث.
قلت: وتطَّرد هذه القاعدة في المعاملات كلها، وجميع الحركات والسكنات والحِرَف وسائر الأسباب، فالخالص من الحظوظ مقبول، والمتمحض للحظوظ مردود، والمَشُوب يُنظر للغالب كما تقدم.
وقد ذكر شيخ المشايخ سيدي أبو الحسن الشاذلى ﵁ قاعدة أخرى أدقّ من هذه فقال: إذا أكرم الله عبداً في حركاته وسكناته، نصَب له العبودية لله وستر عنه حظوظ نفسه، وجعله يتقلّب في عبوديته، والحظوظ عنه مستورة، مع جَرْي ما قُدِّر له، ولا يلتفت إليها لأنها في معزل عنه، وإذا أهان الله عبداً في حركاته وسكناته، نصب له حظوظ نفسه، وستر عنه عبوديته، فهو يتقلّب في شهواته، وعبودية الله عنه بمعزلِ، وإن كان يجري عليه شيء منها في الظاهر، قال: وهذا باب من الولاية والإهانة. وأما الصِّدِّيقية العظمى، والولاية الكبرى، فالحظوظ والحقوق كلها سواء عند ذوي البصيرة لأنه بالله فيما يأخذ ويترك. هـ.
الإشارة: العبد لا يستغني عن طلب الزيادة، ولو بلغ من الكمال غاية النهاية، فالقناعة من الله حرمان، واعتقاد بلوغ النهاية نقصان، فليس عليكم جناح أيها العارفون أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن ربكم زيادة في إيقانكم، وترَقِّياً في معانيكم، إذ كمالات الحق لا نهاية لها، وأسرار الذات لا إحاطة بها، قال تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً. والله وليّ التوفيق.
стр. 225
ثم ذكر الحق تعالى الوقوف بعرفة، والرجوع إلى المزدلفة والمشعر الحرام، فقال:
فَإِذا أَفَضْتُمْ ... قلت: (أفضتُم) : دفعتم، وأصل الإفاضة: الدفع بقوة، من فاض الماء إذا نبَع بقوة، ثم استُعمل في مطلق الاندفاع على سبيل المبالغة. و (عرفات) فيها الصرف وعدمه، كأذرعات. وسمى عرفات لقول إبراهيم الخليل ﵇ لجبريل حين علَّمه المناسك: قد عرفتُ. أو لمعرفة آدم حواءَ فيها. والكاف في (كما هداكم) تعليلية، و (ما) مصدرية، أي: واذكروه لأجل هدايته لكم. و (إن كنتم) مخففة، واللام فارقة، وقوله: (أو أشد) نعت لمصدر محذوف، أي: أو ذكراً أشد ... الخ.
يقول الحق ﷻ : فإذا وقفتم بعرفة، وأفضتم منها، فانزلوا المزدلفة وبيِتُوا بها، فإذا صليتم الصبح بغلس فقفوا عند الْمَشْعَرِ الْحَرامِ، وهو جبل في آخر المزدلفة، واذكروا الله عنده بالتهليل والتكبير والتلبية إلى الإسفار، هكذا فعل الرسول- ﵊، وَاذْكُرُوهُ لأجل ما هداكم إليه من معالم دينه ومناسك حجه، وغير ذلك من شعائر الدين، أو فاذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة، وقد كنتم من قبل هذه الهداية لَمِنَ الضَّالِّينَ.
وكانت قريش لا تقف مع الناس ترفعاً عليهم، بل تقف بالمزدلفة، فأمرهم الحق ﷻ بالوقوف مع الناس، فقال لهم: ثُمَّ أَفِيضُوا يا معشر قريش مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ بأن تَقْضُوا معهم، وتفيضوا من حيث أفاضوا، وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ في تغييركم مناسك إبراهيم وإسماعيل- ﵉ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لكم، رَحِيمٌ بكم إن تبتم ورجعتم واتبعتم رسولكم.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٠٠ الى ٢٠٢]
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢)
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ وفرغتم من حجكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ ذكراً كثيراً كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أو ذكراً أَشَدَّ ذِكْراً منهم، حيث كنتم تَذْكُرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخَرة، وكانوا إذا فرغوا من حجهم وقَفُوا بِمنى، بين المسجد والجبل، فيذكرون مفاخر آبائهم، ومحاسن أيامهم، فأُمِرُوا أن
стр. 226
يُبدلوا ذلك بذكر الله، وذكر إحسانه إليهم، وشكر ما أسداه إليهم من مفاخر الدنيا والآخرة، إن آمنوا واتبعوا رسوله ﷺ .
الإشارة: إذا وقَفَت القلوبُ على جَبل عرفة المعارف، وتمكنت من شهود جمال معاني تلك الزخارف، حتى صارت تلك المعاني هي روحَها وسرَّها، وإليها مآلها ومسيرُها، أُمرتْ بالنزول إلى أرض العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، شكراً لما هداها إليه من معالم التحقيق، وما أبان لها من منار الطريق، وإن كانت من قبله لمن الضالين عن الوصول إلى رب العالمين. ثم يؤمرون بمخالطة الناس بأشباحهم، وانفرادهم عنهم بأرواحهم. أشباحُهم مع الخلق تسعى، وأرواحهم في الملكوت ترعى، فإذا وقع منهم ميل أو سكون إلى حِسّ فليستغفروا الله إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. ثم يقال لهم: فإذا قضيتم مناسككم، بأن جمعتم بين مشاهدة الربوبية في باطنكم، والقيام بوظائف العبودية في ظاهركم، فاذكروا الله على كل شيء، وعند كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، حتى لا يبقى من الأثر شيء، كما كنتم تذكرون آباءكم وأبناءكم، في حال غفلتكم، بل أشد ذكراً وأعظم وأتم، والله ذو الفضل العظيم.
ثم بين الحق تعالى مقاصد الناس، وهممهم في طلبهم وسعيهم، فقال:
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ...
يقول الحق ﷻ في بيان مقاصد الناس وهممهم في طلبهم في الحج وغيره: فَمِنَ النَّاسِ من قصرت نيته وانحطت همته، يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ما تشتهيه نفوسنا من حظوظها وشهواتها، وليس له فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي: نصيب، لأنه عجَّل نصيبه في الدنيا. «إن الله يرزق العبدَ على قدر نيته» وَمِنْهُمْ من أراد كرامة الدنيا وشرف الآخرة يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حالة حَسَنَةً كالمعرفة، والعافية، والمال الحلال، والزوجة الحسنة، وجميع أنواع الجمال، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً كالنظرة، والحُور العين، والقصور، وجميع أنواع النعيم، وَقِنا عَذابَ النَّارِ بالعفو والمغفرة، وقال سيدنا علي- كرّم الله وجهه-: (الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة، وفي الآخرة: الحَوْرَاء. وعذاب النار في الدنيا: المرأة السوء) وقال الحسن: (الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة) . وَقِنا عَذابَ النَّارِ: احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار، وهذه كلها أمثلة للحالة الحسنة.
стр. 227
أُولئِكَ الذين طلبوا خيرَ الدارَيْن لَهُمْ نَصِيبٌ وحظٍّ من الجزاء الوافر من أجلْ ما كسبوا من الأعمال الصالحات، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسب عباده على كثرتهم، وكثرة أعمالهم، في مقدار لَمْحة. قيل لعليّ ﵁: كيف يُحاسب اللهُ عباده في ساعة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. هـ. أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب عباده) فبادِرُوا إلى إغتنام الطاعات، واكتساب الحسنات، قبل هجوم الممات.
الإشارة: الناس ثلاثة: صاحب همة دَنِيَّة، وذو همة متوسطة، وصاحب همة عالية، أما صاحب الهمة الدنية فهو الذي أنزل همته على الدنيا الدنية، وأكبَّ على جمع حطامها الفانية، فقلبُ هذا خالٍ من حب الحبيب، فما له في الآخرة من نصيب. وأما صاحب الهمة المتوسطة فهو الذي طلب سلامة الدارين، وصلاح الحالين، قد اشتغل في هذه الدار بما ينفعه في دار القرار، ولم ينسَ نصيبه من الدنيا لِيقْضِي ما له فيها من الأوطار، فهذا له في الدنيا حسنة، وهي الكفاية والغنى، وفي الآخرة حسنة، وهي النعمة والسرور والهنا.
وأما صاحب الهمة العالية فهو الذي رفع همته عن الكونَيْن، وأغمض طَرْفَه عن الالتفات إلى الدارين، بل علَّق همته بمولاه، ولم يقنع بشيء سواه، قد ولّى عن هذه الدار مُغضياً، وأعرض عنها مُولياً، ولم يشغله عن الله شيء، يقول بلسان المقال إظهارا لعبوديته للكبير المتعال: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وهي النظرة والشهود، ورضا الملك الودود، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وهي اللحوق بأهل الرفيق الأعلى، من المقربين والأنبياء، في حضرة الشهود المؤبد فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ. أتحفَنَا الله من ذلك بحظٍّ وافر، بمنِّه وكرمه، نحن وأحباءَنا أجمعين، آمين.
ثم تمّم الحق تعالى ما بقي من مناسك الحج وهى رمى الجمار أيام منى، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٠٣]
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)
يقول الحق ﷻ : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ وهي ثاني النَّحْر وثالثُة ورابعُه، وهي أيام التشريق وأيام منى، وأما الأيام المعلومات فهي يوم النحر وثانِيه وثالثُه. والمراد بالذِكْر: التكبيرُ عند الرمي، وذبحِ القَرَابين، وخَلْفَ الصلواتِ الخمس، وغير ذلك، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ بحيث رمَى ثانيَ النحر وثالثه، ورجَع، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ لرمى رابع النحر، وهو ثالث أيام منى، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، والقصد بنفي الإثم:
стр. 228
التخيير والرد على الجاهلية، فإنَّ منهم مَن أَثم المتعجل، ومنهم من أثم المتأخر. هذا كله لِمَنِ اتَّقى الله في حجه، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، فإنه يخرج من ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمه، كما قال الصادق المصدوق، وَاتَّقُوا اللَّهَ في جميع أموركم، فإنه ذكرٌ وشرفٌ لكم، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فتجازَوْن على ما أسلفتم من خير أو شر.
الإشارة: الأيام المعدودات هي أيام الدنيا فإنها قلائل معدودة، وهي كلها كيوم واحد، وأيام البرزخ يومٌ ثانٍ، وأيام البعث وما بعده يوم ثالث، فمن تعجل في يومين، بحيث طوى في نظره أيام الدنيا وأيام البرزخ، وسكن بقلبه في يوم القيامة فلا إثم عليه، وهذا هو صاحب الهمة المتوسطة، ومن تأخر حتى زَهد فى الأيام الثلاثة، وعلق همته بمولاه، ولم يلتفت إلى ما سواه، فلا إثم عليه في ذلك التأخر، إن اتقى شهود السوى، وعلق همته بمحبة المولى، ثم حضّ سبحانه على هذه التقوى فقال: (واتقوا الله) فلا تشهدوا معه سواه، (واعلموا أنكم إليه تحشرون) فترَوْا ما فاز به المتقون.
ولمّا أمر الحق سبحانه عباده بالتقوى ذكر من لم يرفع بذلك رأسا واتبع هواه، ومن امتثل أمره وباع نفسه لله فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٠٤ الى ٢٠٧]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)
قلت: نزلت الآية في الأخنَسْ بن شريق الثقفي وصُهيب بن سنان الرومي، أما الأخنس فكان رجلاً حسن المنظر، حُلُو المنطق، كان يوالي رسول الله ﷺ ويدَّعي الإسلام، ثم ارتد، ومرَّ على زرع وحُمر للمسلمين فقتلها وأفسد الزرع، قال ابن عطية: ولم يثبت أنه أسلم. قلت: بل ذكره في القاموس من الصحابة، فانظره، ولعله تاب بعد نزول الآية. وأما صهيب الرومي فأخذه المشركون وعذبوه ليرتد، فقال لهم: إني شيخ كبير لا أنفعكم إن كنت معكم، ولا أضركم إن كنت عليكم، فخلّوني وما أنا عليه، وخذوا مالي، فقبلوه منه، وأتى المدينة فلما رآه ﷺ قال له: «رَبِحْتَ يا أَبَا يَحْيى» .
стр. 229
وقيل: نزلت في المنافقين ومَنْ نحَا نحوهم، وفيمن باع نفسه لله في الجهاد وتغيير المنكر من المسلمين. و (في الحياة الدنيا) يتعلق بالقول، و (ألد الخصام) شديده، وفي الحديث: «أبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللهِ الألدُّ الخَصِم» .
والخِصام: مصدر، أو جمع خصيم.
يقول الحق ﷻ : وَمِنَ النَّاسِ قوم حلو اللسان خرَاب الجَنَان، إذا تكلم في شأن الدنيا يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فيها لرونقه وفصاحته، وَيُشْهِدُ اللَّهَ أي: يحلف على أنه موافق لقلبه، وأن ظاهره موافق لباطنه، وهو شديد الخصومة والعداوة للمسلمين، أو أشد الخصوم، وَإِذا تَوَلَّى أي: أدبر وانصرف عنك، سَعى فِي الْأَرْضِ أي: مشى فيها بنية الإفساد لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ كما فعل الأخنَسْ، أو كما فعله أهل الظلم، فيَحْبِسُ الله القَطْر، فَيَهْلِكَ الحرثُ والنسل بشؤم معاصيهم، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ أي: لا يرتضيه، فاحذروا غضبه. وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ وارجع عما أنت عليه من الفساد أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ أي: حملته الحمية والأنفة بسبب الإثم الذي ارتكبه، فلا ينزجر عن غَيِّه. أو حملَتْه الحمية على الإثم الذي يُؤمَر باتقائه. فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ أي: كَفَته عذاباً وعقاباً، وهي عَلَمٌ لدار العقاب، كالنار، وَلَبِئْسَ الْمِهادُ هي، أي: بئس الفراش الذي مهَّده لنفسه.
ونزل في مقابله، وهو صهيب، أو كل من بذل نفسه لله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ أي: يبيعُها ويبذلها لله في الجهاد وغيره، ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ والوصول إلى حضرته وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ الذين يفعلون مثل هذا، فيدرأ عنهم المضَارّ، ويجلبُ لهم المَسَار أينما حَلُّوا من الدارين.
الإشارة: الناس على قسمين: قسم زَيّنُوا ظواهرهم وخرَّبوا بواطنهم، ظاهرهم جميل وباطنُهم قبيح، إذا تكلموا في الدنيا أو في الحس، أعجبَك قولهم، وراقك منظرُهم، وإذا تكلموا في الآخرة، أو في المعنى، أخذتهم الحبْسةُ والدهشة. وفي بعض الكتب المنزلة: «إنَّ مِنْ عِبَاد الله قوماً ألْسنَتُهُم أحْلَى منَ العَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ أمرّ مِنْ الصَّبْرِ، يَلْبَسُونَ للنَّاس جُلُودَ الضَّأنِ مِن اللِّينِ، يَجْتَرُّون الدُّنْيَا بالدين، يَقُولُ الله تعالى: أبِي يَغْتَرُّونَ، وعليَّ يَجْترِئُون؟ حَلَفتْ لأُسلطنَّ عليهمْ فتْنةٌ تَدَعُ الْحَليم مِنْهُمْ حَيْرَانَ» .
وقوله (يلبسون ... ) الخ. كناية عن إظهار اللين والسهول ليخدع ويغر الناس ليتوصل إلى حظ نفسه من الدنيا، ومع ذلك يدعي موافقة ظاهره لباطنه، وهو شديد الخصومة لأهل الله، وإذا تولى عنك اشتغل بالمعاصي والذنوب، ليُفسد في الأرض، ويهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيه، وإذا ذُكِّر: أنِفَ واستكبر، وأخذته حمية الجاهلية، فحسبُه البُعد في نار القطيعة.
стр. 230
والقسم الثاني: قوم زَيَّنوا بواطنهم وخربوا ظواهرهم، عمّروا قلوبهم بمحبة الله، وبذلوا أنفسهم في مرضات الله، قلوبهم في أعلى عليين، وأشباحهم في أسفل سافلين، فأولئك المقربون مع النبيين والمرسلين. قال بعض العارفين:
كلما وضعت نفسك أرضاً أرضاً، سما قلبك سماء سماء، وكل ما نقص من حسك زاد في معناك. وفي الحديث:
«مَن تواضعَ دُون قَدْره رَفَعهُ الله فوقَ قَدْره» . وبالله التوفيق.
ثم دعا الحق، تعالى عباده، إلى التوغل فى الإسلام، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٠٨ الى ٢٠٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)
قلت: (السلم) ، بالفتح والكسر: هو الاستسلام والانقياد، ويبعد هنا تفسيره بالصُّلْح. و (كافة) : حال من الواو والسلم معاً، كقوله تعالى: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ.
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد ﷺ من أهل الكتاب ادْخُلُوا فِي شرائع الإسلام كَافَّةً بحيث لا تهملوا شيئاً منها، ولا تلتفتوا إلى غيرها. نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، حيث دخلوا فى الإسلام، وأرادوا أن يُعظّموا السبت، وتحرجوا من لحوم الإبل. أو في المنافقين حيث أسلموا في الظاهر، ونافقوا في الباطن، فقال لهم الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في الظاهر، ادخلوا في الإسلام كَافَّةً ظاهراً وباطناً. أو في المسلمين يأمرهم بالتمسك بشرائع الإسلام كلها، والبحث عن أحكامها وأسرارها، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي: طُرُقَه الدالة على التفريق والتفرق إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي: بيّن العداوة.
فَإِنْ زَلَلْتُمْ عن طريق الجادَّة ففرقتم بين أجزاء الشريعة، أو التفتُّم إلى غير شريعتكم، مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الآيات الْبَيِّناتُ الدالة على صحة الدين ونبوة محمد ﷺ ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي: غالب لا يُعجزه عقابكم، حَكِيمٌ في إمهاله إلى وقت معلوم.
الإشارة: أمر الحق ﷻ جميع عباده بالصلح معه والاستسلام لأحكامه، بحيث لا يَصْدُر منهم نِزَاعٌ لأحكامه، ولا اعتراض على أفعاله، بل يَنظرون ما يبرز من عنصر القدرة، فيتلقونه بالرضى والتسليم، أو الصبر والتصبر، سواء ظهرت هذه الأفعال على أيدي الوسائط أو بلا وسائط، إذ لا فاعل سواه، وكلٍّ من عند الله، فإن
стр. 231
زللتم واعترضتم، أو سخطتم، من بعد ما جاءتكم الآيات البينات الدالة على وحدانية الحق في ذاته وصفاته وأفعاله، فاعلموا أن الله عزيز حكيم، لا يعجزه عقوبتكم وإبعادكم، لكنه من حكمته يُمهل ولا يهمل، والله غالب على أمره، ومن تاب تاب الله عليه.
ثم ذكر وعيد من خالف أمره، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٠]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)
قلت: (الظُّلَل) : جمع ظُلَّه، وهي ما أظلَّك من فوق، و (الغَمام) : السحاب الرقيق الأبيض.
يقول الحق ﷻ : ما ينتظر هؤلاء الممتنعون من الدخول في شرائع الإسلام- إلا أن تقوم الساعة، ويأتيهم الله للفصل بين عباده فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ، بأن يتجلّى لعباده على ما يليق بجلاله إذ تجليات الحق لا تنحصر. وتأتيهم الْمَلائِكَةُ تحيط بهم وَقُضِيَ الْأَمْرُ بعذابهم، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ كلها، فهو المتصرف وحده. وقد ذكر المنذري حديث هذا التجلّي بطوله، وذكر فيه النزول والفصل بين عباده، والمرور على الصراط، والناس في أنوار إيمانهم. وذكره الفاسي في الحاشية بتمامه. ومن كَحل عين بصيرته بإثمد «١» التوحيد الخاص، لم يُسْتَصْعَبْ عليه فَهْمُ هذا الحديث وأمثاله لسعة دائرة معرفته. والله تعالى أعلم.
الإشارة: في الآية تهديدٌ لأهل الحجاب الذين لم يتحققوا بالصلح مع الله، بل هم يخاصمون الله في مظاهر خلقه، ويعترضون على الله في قضائه وحكمه، فقال لهم الحق ﷻ : هل ينتظر هؤلاء المنكرون عليَّ في أفعالي، المعترضون عليَّ في حكمي وإبرامي- إلا أن أتعرف لهم فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ، وهو سحب الآثار، فإذا أنكروني أخذتهم الملائكةُ، وقضي الأمر بهلاكهم، وإِلى الله تُرجع الأمورُ كلها، فليلتزم العبد الأدب مع مولاه، وليُسلم الأمور كلها إلى الله، إذ لا موجود سواه «٢» ، فما برز من العباد: كله من الله، فمن اشتغل بعتابهم فاته الأدب مع الله، إلا ما أمرت به الشريعة، فليكن في ذلك كالعبد يُؤدب ابنَ سيده يده تؤدب وقلبه يعظم، والله تعالى أعلم وأرحم.
стр. 232
ثم هدّد بنى إسرائيل على عدم دخولهم فى الإسلام، أو على عدم تمسكهم بشرائعه كلها، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١١]
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١)
قلت: (كم) خبرية، أو استفهامية، محلها نصب بفعل محذوف يُقدر مؤخراً للصدرية، أي: كم آياتنا آتيناهم، أو رفع بالابتداء، والعائد محذوف، أي: آتيناهموه.
يقول الحق ﷻ لرسوله- ﵊ أو لكل سامع: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ سؤال تقريع، وقل لهم: كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ أي: كثيراً ما آتيناهم من آية واضحة في شأنك، تدل على صدق رسالتك وعلو شأنك وفخامة أمرك، اعتناء بأمرهم، ونعمة على مَنْ أدرك زمانك منهم. ثم إنهم بدلوا نعمة الله كفرا، وحجدوا فكتموا تلك النعمة وكفروها، وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ من بعد مجيئها إياه، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن كفر نعمه وجحد رسله، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، ومن كفران النعم، وحرمان الرضا.
الإشارة: ما قيل لبني إسرائيل، يقال لمن تحقق بولاية وليّ من أولياء الله، ثم حجدها وكتمها، وحرّم نفسه بركة ذلك الولي، فمات على مرضه، فيقال له: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. وعقوبته: أن يلقى الله بقلب سقيم، فيُبعث مع عوام أهل اليمين، ويُحرم درجة المقربين، التي تلي درجة النبيين والمرسلين. عائذاً بالله من الحرمان، وشُؤمِ عاقبةِ الخذلان.
ثم ذكر الحق ﷻ سبب هذا الحرمان، وهو حب الدنيا، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٢]
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)
قلت: (زُين) مبني للمفعول، والفاعل هو الله، إذ لا فاعل سواه.
يقول الحق ﷻ : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من أهل الكتاب وغيرهم، الْحَياةُ الدُّنْيا أي: حُسِّنَتْ في أعينهم، وأُشربت محبتها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، واعرضوا عن غيرها، فلم تتفرغ قلوبهم للتفكر والاعتبار، ولم تستمع آذانهم للوعظ والتذكار، بل أعمتهم، وأصمّتهم، وقصروا عليها همتهم، حتى جعلوا يسخرون ممن أعرض عنها، كفقراء المسلمين وأهل الصفة، فكانوا يستهزئون بهم، حيث رفضوا الدنيا وأقبلوا على الله، فرفعهم الله
стр. 233
في أعلى عليين، وخفض الكفار في أسفل سافلين. فهم يسخرون منهم في دار الدنيا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ لأنهم في عليين، والآخرون في أسفل سافلين. أو لأنهم في كرامة، والآخرون في مذلة. أو لأنهم يسخرون منهم يوم القيامة كما سخروا منهم في الدنيا.
وعبَّر بالتقوى لأنها سبب رفعهم واستعلائهم. وأما استهزاؤهم بهم لأجل فقرهم، فإن الفقر شرف للعبد، والبسط فى الدنيا لا يدل على شرفه فقد يكون استدراجاً، وقد يكون عوناً، فالله يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، أي:
بغير تقدير، فيوسع في الدنيا استدراجاً وابتلاء، ويقتر على من يشاء اختباراً وتمحيصاً، لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ.
الإشارة: اعلم أن عمل أهل الباطن كله باطني قلبي، بين تفكر واعتبار، وشهود واستبصار، أو نقول: بين فكرة ونظرة وعكوف في الحضرة، فلا يظهرون من أعمالهم إلا المهم من الواجبات، ولذلك قال بعضهم: إذا وصل العمل إلى القلوب استراحت الجوارح، (ومعلوم أن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح) «١» لأن أعمال القلوب خفية، لا يطلع عليها ملك فيكتبها، ولا شيطان فيفسدها، الإخلاص فيها محقق.
وأيضاً: «تفكر ساعة أفضل من عبادة ستين سنة» . وسئل- ﵊: «أيُّ الأَعْمَال أَفْضَلُ؟ قال:
العلْمُ بالله. قيلَ: يا رسُولَ الله سَأَلْنَاكَ عن العَمَل؟ فقال: العلمُ بالله، ثم قال ﷺ : إذا حَصَلَ العلمُ بالله كَفَى قلِيلُ العَملِ» . أو كما قال ﵊، فلما خفيت أعمال أهل الباطن سخر منهم أهل الظاهر، واستصغروا شأنهم حيث لم يروا عليهم من الأعمال ما رأوا على العُبَّاد والزُهاد. والذين اتقوا شهود ما سوى الله، أو كل ما يشغل عن الله، فوقهم يوم القيامة لأنهم من المقربين وغيرهم من عوام المسلمين، والله يرزق من يشاء في الدارين بغير حسابٍ، أي: بغير تقدير ولا حصر، فيرزق العلوم، ويفتح مخازن الفهوم على مَن توجه إلى مولاه، وفرغ قلبه مما سواه. وبالله التوفيق.
ثم ذكر الحق تعالى حكمة بعثه الرسل، فقال:
стр. 234
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٣]
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)
قلت: (فبعث) معطوف على محذوف، أي: فاختلفوا فبعث، و (بغياً) : مفعول له، و (من الحق) بيان (لما) .
يقول الحق ﷻ : كانَ النَّاسُ في زمن آدم ﵇ وما قرُب منه أُمَّةً واحِدَةً أي: جماعة واحدة، متفقة على التوحيد، والطاعة، فاختلفوا بعد ذلك في أمر التوحيد، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ لأهل التوحيد والطاعة بالنعيم المقيم، وَمُنْذِرِينَ أي: مخوفين لأهل الكفر والعصيان بالعذاب الأليم.
وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ أي: جنس الكتب، فيشمل الكتب السماوية كلها، متلبساً ذلك الكتاب بِالْحَقِّ، ودالاً عليه لِيَحْكُمَ الحق تعالى على لسان الرسل بَيْنَ النَّاسِ في الأمر الذي اخْتَلَفُوا فِيهِ من أمر التوحيد وغيره. ثم اختلفوا أيضاً في الكتب المنزلة فبعضهم آمن، وبعضهم كفر بها أو ببعضها، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أي:
في الكتاب المنزل، إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ حسداً أو كبراً فاليهود آمنوا بالتوراة وكفروا بالإنجيل، والنصارى آمنوا بالإنجيل وكفروا بالتوراة، مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ: الآيات الواضحات في صحة ذلك الكتاب الذي كفروا به، والأمر بالإيمان به.
وإنما وقع ذلك الكفر منهم بَغْياً وحسداً بَيْنَهُمْ، فأنزل الله العلم ليجمعهم ويؤلف بينهم على طاعته، فأمرهم أن يتألفوا بالعلم، فتحاسدوا، واختلفوا طلباً للرئاسة والجاه، فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد- ﵊ للأمر الذي اختلف فيه أهل الكتاب، وهو الحق الذي جاءت به الرسل، فآمنوا بالجميع، وتآلفوا على طاعة الله بِإِذْنِهِ وإرادته، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ويضل من يشاء عن طريقه القويم، لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ.
الإشارة: الإصل في الأرواح كلها: الاتفاقُ والإقرار، وإنما حصل لها الخلاف والإنكار بعد دخولها في عالم الأشباح، وهبوطها من عالم الأرواح، فبعث الله النبيين يُذكْرون الناس العهدَ القديم، فمن سبقت له السعادة حصل له الإقرار، ومَن سبق له الشقاء حصل له الإنكار، ولذلك قال- ﵊: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَد على الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسَانِهِ» . ثم بعث الله الحكماء، وهم العارفون بالله، يعالجون ما حصل
стр. 235
للروح من الجهل والإنكار، فمن سبقت له العناية آمن بهم، وصدقهم، واستسلم بكليته إليهم، فحصل له الوصول، وبلغ كل المأمول، ومن سبق له الحرمان لم يحصل له بهم إيمان، وبقي دائماً في قلبه حيران.
وما وقع هذا الإنكار في الغالب إلا من أهل الرئاسة والجاه، أو من كان عبداً لدنياه وهواه، بغياً وحسداً منهم، فهدى الله الذين آمنوا- وهم أهل الفطرة والنيّة- لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فحصل لهم التصديق، ووصلوا إلى عين التحقيق، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو طريق الوصول إلى الحضرة القدسية التي كانت مقرّاً للأرواح الزكية، منها جاءت وإليها عادت. وفي ذلك يقول ابن البنا ﵁:
وَهَذِهِ الحَقِيقَةُ النَّفْسِيَّةْ ... مَوْصُولةٌ بالحَضْرَةِ القُدْسِيَّهْ
وَإِنَّمَا يَعْوقُهَا المَوْضُوعُ ... وَمِنْ هُنَا يُبْتَدأُ الطُّلُوعُ
ولمّا كانت المحبة والهداية إلى أسبابها مقرونتين بالبلاء ذكره الحق تعالى بإثر الهداية، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٤]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)
قلت: «أم» منقطعة بمعنى بل، وتتضمن استفهاماً إنكاريّاً، و «حسب» تتعدى إلى مفعولين، أي: أظننتم دخول الجنة حاصلاً من غير أن يأتيكم؟. (لما) أصلها (لم) زيدت عليها «ما» : وهي تدل على توقع منفيها بخلاف لم.
و (حتى يقول) يصح فى النصب بتقدير (أن) لأن الزلزلة متقدمة على قول الرسول، والرفع على حكاية الحال، أي: وزلزلوا حتى حالتهم حينئذٍ أن الرسول ومن معه يقولون كذا وكذا. وفائدة الحكاية: فرض ما كان واقعاً في الزمان الماضي واقعاً في هذا الزمان، تصوّراً لتلك الحال العجيبة، واستحضاراً لصورتها في مشاهدة السامع، وإنما وجب رفعه عند إرادة الحال لأن نصبه يؤدي إلى تقدير (أن) ، وهي للاستقبال، والحال يُنافيه، ويصح في موضع «حتى» الداخلة على الحال الفاء السببية.
يقول الحق ﷻ للرسول- ﵊ والمؤمنين، تسلية لهم وتشجيعاً لقلوبهم: أظننتم أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ ولمَّا يُصبكم مثلُ ما أصاب مَنْ قبلَكم من الأنبياء وأممهم، فقد مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ في أموالهم بالغصب والنهب والموت وَالضَّرَّاءُ فى أبدانهم بالقتل في الحرب والمرض وأنواع البلاء، وَزُلْزِلُوا أي:
ضُربوا بالمحن والشدائد، وطال عليهم البلاء، وتأخر عنهم النصر، حتى أفضى بهم الحال إلى أن قالوا: مَتى يأتينا نَصْرُ اللَّهِ؟ استبطاء لمجيئه مع شدة البلاء.
стр. 236
قال الحق ﷻ بشارةً لهم: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ فلا تستعجلوا، وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
الإشارة: الجنة حفت بالمكاره، ولا فرق بين جنة الزخارف وجنة المعارف، فمن رام دخول جنة المعارف قبل أن يمسه شيء من المكاره، فقد رام المحال. قال أبو المواهب: من ادّعى شهود الجمال، قبل تأدُّبه بالجلال، فارفضه فإنه دجال. وقال بعض العارفين: [صيحة العدو سوط الله يزجر به قلوب أوليائه لئلا تسكن إلى غيره] . وفي الحِكَم: «إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكناً إليهم، أراد أن يُزْعِجَكَ عن كل شيء حتى لا تكون ساكناً إلى شيء» . وقال الشيخ أبو الحسن ﵁: [اللهم إنَّ القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزُّوا، وحكمت عليهم بالفقْدِ حتى وَجَدُوا] . فتسليط الخلق على أولياء الله في بدايتهم سنة ماضية، وحكمة إلهية، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.
حتى إذا تخلصوا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، نشر فضيلتهم لعباده، فأقروهم ليُعرفُوهم الطريق إلى الله، ويدلوا العباد على الله، بعد أن كساهم حينئذٍ كُسوة الجمال وكسوة الجلال، فبكسوة الجمال يقع الائتلاف عليهم والعطف لهم، وبكسوة الجلال يقع الامتثال لأمرهم والاستماع لقولهم. والله تعالى أعلم.
ولما أمر الحق تعالى بالنفقة في الجهاد وغيره، سألوا ما الذي ينفقون؟، فبيَّن الله تعالى لهم المنفَق والمحل الذي تُدفع فيه، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٥]
يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)
قلت: (ماذا) إما مفعول (يُنفقون) ، أو مبتدأ وخبر بحذف العائد، أي: ما الذي ينفقونه، والسائل هو عمرو بن الجُموح، كان ذا مال فقال: يا رسول الله، ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها؟ فنزلت الآية.
يقول الحق ﷻ : يَسْئَلُونَكَ يا محمد ماذا يُنْفِقُونَ من أموالهم؟ قُلْ لهم: ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ أيّ خير كان، ذهباً أو فضة أو طعاماً أو ثياباً أو حيواناً أو غير ذلك، فادفعوه للأهمّ فالأهم كالوالدين والأقربين لأن فيهم الصلة والصدقة، وَالْيَتامى الذين مات آباؤهم لهضم حالهم، وَالْمَساكِينِ لضعفهم، وَابْنِ السَّبِيلِ لغربته واحتياجه إلى ما يُبلِّغه إلى وطنه، وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يجازيكم به الله، فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم، وهذه النفقة غير الزكاة، فلا نسخ فى الآية. والله تعالى أعلم.
стр. 237
الإشارة: الإنفاق على قسمين: حسىّ ومعنوى، الإنفاق الحسيّ هو بذل الأموال والفلوس، والإنفاق المعنوي هو بذل الأرواح والنفوس، فمن بذل أمواله لله عوضه الله جنة الزخارف، ومن بذل نفسه لله عوضه الله جنة المعارف، ومن دخل جنة المعارف لا يشتاق إلى جنة الزخارف، وكما أن لنفقة الأموال محلا تصرف فيه، كما ذكره الحقّ تعالى هنا، كذلك لنفقة النفوس محل تصرف فيه وهو خدمة الشيوخ العارفين بالله، والإخوان الذين يستعين بهم على الوصول إلى الله، وكذلك من احتاج إليه من اليتامى الذين لا شيخ لهم، فيرشدهم وينصحهم، والمساكين الضعفاء الذين لا قدرة لهم على مجاهدة نفوسهم، فيقويهم بحاله أو مقاله، والغريب الذي انفرد عن الإخوان، ولم يجد ما يستعين به على سيره فيرشده إلى الصحبة والاجتماع بأهل المحبة، وإلى هذا المنزع أشار الشيخ أبو مدين ﵁:
وَبالتغنِّي عَلى الإخوَانِ جُدْ أبَدا ... حِسّاً ومعنىً، وغُضَّ الطَّرْفَ إنْ عَثَرَا
ولمَّا ذكر الحق ﷻ قواعد الإسلام، وهي الصلاةُ والزكاة والصوم والحج، بعد أن أشار إلى كلمة التوحيد بقوله: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، ذكر الجهاد- الذي هو حفظ نظامه- فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٦]
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)
قلت: الكره- بالضم-: اسم لما يَشُقُّ على النفس، وبالفتح المَصْدَر.
يقول الحق ﷻ : فُرض عليكم الجهاد، وهو شاق عليكم، تكرهه نفوسكم، وفيه خير كبير لكم، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، ففي الجهاد نصر دينكم، وإعلاء كلمة إسلامكم، والغنيمة والظّفْرُ بعدوكم، والأجر الكبير عند ربكم، من مات كان شهيداً، ومن عاش عاش سعيداً، وكذلك بقية التكاليف، فإن النفس تكره الإقدام عليها، وهي مَنَاط صلاحها، وسبب فلاحها، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ فقد تحبون الراحة وترك الجهاد وفي ذلك ذُلُّكُمْ، وظهورُ العدو عليكم، وفوات الأجر من ربكم، وحرمان درجة الشهادة عند ربكم. وكذلك جميع المنهيات فإن النفس تحبها بالطبع، وتَشْرَهُ إليها، وهي تُفضي بها إلى ذلها وهوانها، وعبَّر الحقّ سبحانه بعسى لأن النفس إذا ارتاضت انعكس الأمر عليها، فيخف عليها أمر الطاعة، ويصعب عليها أمر المخالفة، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فيه مصلحتكم، وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ لجهلكم بعواقب أموركم.
стр. 238
الإشارة: الجهاد على قسمين: جهاد أصغر وهو جهاد السيف، وجهاد أكبر وهو جهاد النفس، فيجاهدها أولاً في القيام بجميع المأمورات، وترك جميع المنهيات، ثم يجاهدها ثانياً في ترك العوائد والشهوات، ومجانبة الرخص والتأويلات، ثم يجاهدها ثالثاً في ترك التدبير والاختيار، والسكون تحت مجاري الأقدار، حتى لا تختار إلا ما اختار الحق تعالى لها، ولا تشتهي إلا ما يقضي الله عليها، فإن النفس جاهلة بالعواقب، فعسى أن تكره شيئاً وهو خير لها، وعسى أن تحب شيئاً وهو شر لها.
فعسى أن تأتيها المسار من حيث تعتقد المضارّ، وعسى أن تأتيها المضار من حيث ترجو المسار، وعسى أن تنتفع على أيدي الأعداء، وعسى أن تضر على أيدي الأحباء، وعسى أن تكره الموت وهو خير لها، وعسى أن تحب الحياة وهي شر لها، فالواجب تسليم الأمور إلى خالقها، الذي هو عالم بمصالحها، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، وهذا كله قبل تصفيتها وكمالها، وأما إذا تهذبت وكملت رياضتها، فالواجب اتباع ما يتجلى فيها، إذ لا يتجلى فيها إلا الحق، وهذا هو ثمرة الجهاد الأكبر، وأما الجهاد الأصغر فلا يحصل شيء من هذا، فلذلك كان مفضولا عند أهل الجهاد الأكبر «١» . وبالله التوفيق.
ولمَّا كان القتال محرماً في الأشهر الحرم في أول الإسلام، ووقع من بعض الصحابة، فندموا وتحرجوا، أزال الله ذلك الحرج عنهم، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢١٧ الى ٢١٨]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)
قلت: (قتال) : بدل اشتمال من (الشهر الحرام) ، وقد وقع خبط في عطف (المسجد الحرام،) والصواب: ما قاله الزمخشري وابن عطية أنه عطف على (السبيل) إذ هو المتبادر من جهة المعنى، أي: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام أكبر جرماً من قتل السَّرِية في الشهر الحرام، والقواعد النحوية إنما هى أغلبية.
стр. 239
يقول الحق ﷻ : يَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ أي: عن القتال فى الأشهر الحرم، قُلْ لهم: القتالُ في الشهر الحرام أمره كَبِيرٌ، لكن ما وقع من الكفار من صد الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي:
منعهم من الإسلام والطاعة، وكذلك كفرهم بالله وصدهم المسلمين عن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عام الحديبية، وإخراج المسلمين من مكة التي هي بلدهم- وَالْفِتْنَةُ التي هم فيها من الكفر، وافتتان الناس عن دينهم- أَكْبَرُ جرماً من القتال الذي وقع في الشهر الحرام تأويلاً وظنّاً أنه لم يدخل الشهر الحرام.
وذلك أن النبي ﷺ بعث سرية وأمّر عليها عبد الله بنَ جَحْش في آخر جُمَادى الآخِرَةِ، فَلَقُوا عمرو بن الحضرمي، مع أناس من قريش، بعد غروب الشمس من جمادى الآخرة، فرموا عمراً فقتلوه، وأخذوا الغنيمة، فقال لهم ﵊: «لم آمركم أن تقتلوا في الشهر الحرام» فندموا، وبعثت قريش بالعتاب للنبيّ ﷺ : كيف تستحل القتال في الشهر الحرام؟ فنزلت هذه الآية. ثم نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم بقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً.
ثم قال الحق ﷻ في التحذير من الكفار: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا، لكن لا يطيقون ذلك، وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ويستمر عليه حتى يموت وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا فلا حرمة له، ولا نصيب له في الفيء والغنيمة، وفي الْآخِرَةِ فلا يرى لها ثواباً، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
ومفهوم الآية: أنه إن رجع قبل الموت لا يحبَط عملُه، وهو قول الشافعي. وقال مالك: يحبط أجر كل ما عمل، ويعيد الحج، إن تقدم على الردة، ويقبل منه الإسلام إن رجع، فإنْ لم يرجع أمهل ثلاثة أيام، ثم يقتل.
ولمّا نزلت الآية في إسقاط الحرج، ظنوا أنه لا أجر لهم في ذلك الجهاد، فأنزل الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ أي ثوابه، وَاللَّهُ غَفُورٌ لهم رَحِيمٌ بهم، فلا يضيع جهادهم في هذه السرِيَّة، وأعاد الموصول لتعظيم شأن الهجرة والجهاد، وعبَّر بالرجاء إشعاراً بأن العمل غير موجب للثواب، وإنما هو عبودية، والأمر بيد الله إن شاء أثاب وإن شاء عاقب، لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ.
الإشارة: تعظيم الزمان والمكان يكون بقدر ما يقع فيه من طاعة الملك الديان، فالزمان الذي تهب فيه نفحات القبول والإقبال، لا ينبغي أن يقع فيه ملاججة ولا قتال، وهو وقت حضرة الذكر، أو التذكير، أو الجلوس مع
стр. 240
العارفين أهل الإكسير، فسوء الأدب فيه أمره كبير، ومنع القاصدين من وصوله جُرمه كبير، وصد القلوب عن نفحات تلك الحضرة أكبر من كل كبير، ولا يزال قُطَّاع هذه الطريق يردون من أراد سلوكها على التحقيق، لكن من سبق له التأييد لا يرده عن الحق جبار ولا عنيد، ومن سبق له الحرمان، وحَكم عليه القضاءُ بالخذلان، رجع ولو بعد العيان، وأنشدوا:
والله ما نَشْكُرْ خَلِيعْ ... وإنْ ثَمِلْ. وإن صَحَا
وإن ثَبَتْ، سَيْرٌ سَرِيعْ ... وإن شَرِبْ حَتَّى امْتَحا
حَتى يُقَطَّعْ في القَطيعْ ... ويَدُورْ دَوْرَ الرَحَا «١»
إن الذين آمنوا وصدَّقُوا بطريق الله، وهاجروا أهواءهم في مرضاة الله، وجاهدوا نفوسهم في محبة الله، أولئك يرجون رحمة الله، فلا يُخيبهم الكريم لأنه غفور رحيم.
ولمّا كان الخمر حلالاً في أول الإسلام، وكانوا يشربونه، ويتِّجُرون فيه، فيتصدقون بثمنه وبثمن القمار، بيَّن الحقّ تعالى ذلك، بعد الأمر بالإنفاق لئلا يقع التساهل في المعاملة بعلّة الصدقة، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٩]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)
قلت: الخمر في اللغة: ما يستر الشيء ويغطيه، ومنه: خمار المرأة، وسُمِّي الخمر خمراً لستره العقلَ. وفي الاصطلاح: ما غَيّب العقل دون الحواس مع النَّشْوة والطرَب. وقال رسول الله ﷺ : «كُلُّ مُسْكرٍ خَمْرٍ وكُلُّ خَمْر، حَرَامٌ» .
والميسر: قال ابن عباس والحسن: كل قمار ميسر، من شطرنج ونرْد ونحوه، حتى لَعِب الصبيان بالجَوْز والكِعَاب، إذا كان بالفُلوس، وسمي ميسراً ليُسْر صاحبه بالمال الذي يأخذه، وأما إذا كان بغير عِوض، إنما هو لَعِبٍّ فقط، فلا بأس.
قاله ابن عرفة.
يقول الحق ﷻ : يَسْئَلُونَكَ عَنِ حكم الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ لهم: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ أي: عظيم لما فى الميسر من أكل أموال الناس بالباطل، وما ينشأ عنه من العداوة والشحناء، وما في الخمر من إذهاب العقل والسباب والافتراء والإذاية، والتعدّي الذي يكون من شاربه. وقرأ حمزة والكسائي: كثير بالمثلثة، أي: آثام كثيرة لقوله ﵊: «لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ، وَبَائِعِهَا، وَمُبْتَاعَهَا، والمُشتَرَاة لَهُ، وعَاصَرَهَا، والمعصورة له،
стр. 241
وسَاقِيها، وشَاربهَا، وحَامِلهَا، والْمْحمُولة لَهُ، وآكل ثَمِنِها» . فهذه آثام، وفيها مَنافِعُ لِلنَّاسِ أي: منافع دنيوية ككسب المال بلا تعب، وإطعام الفقراء من كسبه، كما كانت تصنع العرب في الميسر، وفى الخمرة اللذة والنشوة، كما قال حسان ﵁:
ونَشْرَبُها فَتَتْرُكنا مُلوكاً ... وأُسداً لا يُنهْنِهُنا اللقَاءُ «١»
وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما لأن منفعتهما دنيوية، وعقوبة إثمهما أُخروية، وهذه الآية نزلت قبل التحريم.
رُويَ أنه لمّا نزل بمكة قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً، أخذ المسلمون يشربونها، ثم إن عمرَ ومعاذاً في نفر من الصحابة، قالوا: أفْتنا يا رسول الله في الخمر فإنها مُذهبة للعقل، فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبدُ الرحمن بن عوف ناساً إلى داره، فشربوا وسكروا، ثم قام يصلي بهم فقرأ: (قل يا أيها الكافرون أعبدُ ما تعبدون) من غير نفي، فنزلت: ... لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ... فاجتنبُوها في أوقات الصلاة. ثم دعا عتبانُ بنُ مالك سعدَ بن أبي وقاص في جماعة، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، فأنشد سعدُ شعراً فيه هجاء الأنصار، فضربه أنصارى بلخى بعير فشجَّه، فشكى إلى رسول الله ﷺ ، فقال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً. فنزلت إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ... إلى قوله ... فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقال عمر: قد انتهينا يا رب. هـ.
ولما شربها بعض الناس بعد التحريم، كان- ﵊ يضرب فيها بالنعال والجريد، ضرباً غير محدود، وضرب أبو بكر وعمر أربعين، وأول من حد فيها ثمانين سيدنا عثمان «٢» ، لما تهافت الناس فيها. والله تعالى أعلم.
الإشارة: اعلم أن الحق تعالى جعل للعقل نوراً يُميز بين الحق والباطل، بين الضار والنافع، وبين الصانع والمصنوع، ثم إن هذا النور قد يتغطى بالظلمة الطينية وهي نشوة الخمر الحسية. وقد يتغطى أيضاً بالأنوار الباهرة من الحضرة الأزلية إذا فاجأته، فيغيب عن الإحساس في مشاهدة الأنوار المعنوية، وهي أسرار الذات الأزلية، فلا يرى إلا أسرار المعاني القديمة، وينكر الحوادث الحسية، فسمي الصوفية هذه الغيبة خمرة لمشاركتها للخمر في غيبوبة العقل، وتغنوا بها في أشعارهم ومواجيدهم، قال ابن الفارض ﵁:
شَرِبْنَا على ذِكْر الحبيبِ مُدامَةً ... سَكرنَا بها من قبل أن يُخلَقَ الكَرْمُ «٣»
стр. 242
ثم قال:
علَى نَفْسِه فَليبْكِ مَن ضاعَ عُمْرُه ... وليسَ لهُ مِنْها نَصِيبٌ ولا سَهْمُ
وقلت في عينيتي:
وَلِي لَوْعَةٌ بالرَّاحِ إِذْ فِيه رَاحِتِي ... وَرَوْحِي ورَيْحَانِي، وخيرٌ واسِعُ
سَكرْنَا فهِمْنَا في بَهاءِ جَمَالِه ... فَغِبْنا عَن الإحساسِ، والنُورُ ساطعُ
والميسر في طريق الإشارة: هو الغني الذي يحصل بهذه الخمرة، وهو الغني بالله عن كل ما سواه، (قل فيهما إثم كبير) أي: في تعاطيهما حرج كبير، ومنافع للناس بعد تعاطيهما، فيهما إثم كبير عند طالب الأجور، ومنافع للناس لمن طلب الحضور ورفع الستور. وأنشدوا:
لَوْ كَان لي مسعد بالراح يُسعِدُني ... لمَا انتظرتُ لشُربِ الراحِ إفطارا
فالراحُ شيءٌ شَريفٌ أنتَ شَاربُه، ... فاشْرَب، ولو حَمَّلَتْكَ الراحُ أوْزارا
يا مَنْ يلومُ على صَهْبَاءَ «١» صافيةٍ ... خُذ الجِنَانَ، ودَعْنِي أَسكنُ النَارا
وقال ابن الفارض:
وقالُوا: شَرِبْتَ الإثَم! كلاّ، وإنما ... شرِبْتُ التي في ترْكِها عنديَ الإثْمُ
وقال آخر «٢» :
طابَ شُرْبُ المُدامِ في الخَلَواتْ ... اسْقِني يا نديمُ بالآنِيَاتْ
خْمْرَةٌ تركُها علينا حرَامٌ، ... ليسَ فيها إثمٌ ولا شُبُهَاتْ
عُتِّقَتْ في الدَّنان مِنْ قَبْلِ آدمْ ... أصلُها طيّبٌ من الطَّيِّبَاتْ
أَفْتِ لي أيُّهَأ الفقيهُ وقلْ لي: ... هل يجوزُ شُرْبُها على عَرَفاتْ؟
فيهما إثم كبير عند أهل الحجاب، ونفع كبير عند ذوي الألباب، يعني: في الخمرة الأزلية والغنى بالله. وقوله تعالى: (وإثمهما أكبر من نفعهما) : خطاب على قدر ما يفهم الناس لأن إثمهما ظاهر للعوام، وهو ما يظهر على
стр. 243
النشوان من خراب الظاهر، وصدور الأحوال الغريبة، ونفعهما خاص عند خواص الخواص، لا يفهمه إلا الخواص، بل يجب كتمه عن غير أهله. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم وقع سؤال ثالث عن قدر المنفق، فأشار إليه الحقّ ﷻ بقوله:
وَيَسْئَلُونَكَ ماذا ...
قلت: (العفو) : ضد الجهد، وهو السهل، ويقال للأرض السهلة: عفو، والمراد: أن يُنفق ما تيسر بذله، ولا يبلغ به الجَهد، وهو خبر، أو مفعول، أي: هو العفو، أو ينفقون العفو.
يقول الحق ﷻ : وَيَسْئَلُونَكَ ما القدر الذي ينفقونه؟ قُلْ لهم: هو الْعَفْوَ أي: السهل الذي لا مشقة في إعطائه، ولا ضرر على المعطي في فقده، رُوِي أن رجلاً أتى النبي ﷺ بقدر بَيْضة من الذهب، فقال:
خُذها عني صَدقَة، فأعرض عنه، حتى كَرَّر مِرَاراً، فقال: هاتها، مُغْضَبَا، فحذفها حذفاً لو أصابه لشجَّه، فقال:
«يأتي أحدكم بماله كله يتصدّق به، ويجلس يتكفَّفُ الناس، إنما الصدقةُ عن ظَهْرِ غِنَى» . قاله البيضاوي مختصراً.
قلت: وهذا يختلف باختلاف اليقين فقد تصدّق الصدّيق ﵁ بماله كله، وعمر ﵁ بنصف ماله، فأقرهما، ورَدّ فعلَ غيرهما، فدلَّ ذلك على أن العفو يختلف باختلاف الأشخاص، على حسب اليقين.
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي: مثل هذا التبيين الذي ذكرنا، (يُبين) لكم الآيات، حتى لا يترك لكم إشكالاً ولا وهماً، لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ بعقولكم، وتأخذون بما يعود نفعه عليكم، فتتفكرون
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٠]
فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)
فِي الدُّنْيا وسرعة ذهابها وتقلبها بأهلها، إذا أقبلت كانت فتنة، وإذا أدبرت كانت حسرة، لا يفي طالبُها بمقصوده منها ولو ملكها بحذافيرها، ضيقة الزمان والمكان، عمارتها إلى الخراب، وشأنها إلى انقلاب، سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، فتزهدون فيها وترفعون همتكم عنها.
وفى الحديث عنه ﷺ : «مَالِي وللدُّنْيَا، إِنَّما مَثَلي ومثلُ الدنيا كرجلٍ سَافَرَ في يَوْمٍ صَائِفٍ، فاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرةٍ، ثم رَاحَ وَتَرَكَها» . وفي صُحف إبراهيم ﵇: «عجبت لمَن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمَن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبت لمَن أيقن بالقدر كيف ينصب- أي: يتعب- عجبت لمَن رأى الدنيا وتقلُّبها بأهلها كيف يطمئن إليها» . وأنشدوا:
стр. 244
أَلاَ إنَّما الدنيا كأحْلاَمِ نَائِم ... وكُلُّ نعيمٍ ليسَ فيها بِدَائِم
تَذَكَّرْ إذَا ما نِلْتَ بالأمْسِ لَذَّةً ... فأفْنَيْتَها هَلْ أنتَ إلا كَحَالِمِ
وتتفكرون في (الآخرة) ودوام نعيمها، وسعة فضائها، وبهجة منظرها فترغبون في الوصول إليها، وتتأهبون للقائها، فتؤثرونها على هذه الدار الفانية. قال بعض الحكماء: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان ينبغي للعاقل أن يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس، الدنيا من طين يفنى، والآخرة من ذهب يبقى، فلا يختار هذه الدار إلاَّ أحمق خسيس الهمة، وبالله التوفيق.
الإشارة: كما نهى الحقّ ﷻ عن السرف فى الأموال، ونهى عن السرف في الأحوال، فالسرف، من حيث هو، يؤدي إلى الملل والانقطاع، «أحبُ العملِ إلى اللهِ ما دَامَ عليه صاحبُه، وإنْ قَلَ» كما في الحديث، والله ما رأينا أحداً أسرف في الأحوال إلا مَلَّ، وضعف حاله، وفي الحديث: «لاَ يكْن أحَدُكُم كالمُنْبَتِّ- أي: المنقطع- لا أرضا قطع، ولا ظَهْراً أبقى» . وقال في المباحث:
فاحْتلْ عَلَى النَّفْسِ فَرُبَّ حِيله ... أنفعُ في النُّصْرة مِن قَبِيله
فلا يزال يُسايس نفسه شيئاً فشيئاً حتى يملكها، ويظفر بها، فإذا ظفر بها كانت له شبكة يصطاد بها العلوم والمعارف، فتتفكر في الدنيا فتراها فانية فترحل عنها، ثم تتفكر في الآخرة فتراها باقية، فإذا رامت السُّكْنَى فيها رأتْها كَوْناً مخلوقاً فرحلت إلى خالقها، فكشف الحقّ عنها الحجاب، وأدخلها مع الأحباب، فغابت عن الكونين في شهود المكون، فلم يبق لها دنيا ولا آخرة، بل هي الآن في بهجة ونضرة (إلى ربها ناظرة) ، حققنا الله بهذا المقام العلي. آمين.
ثم سألوا أيضاً عن مخالطة اليتامى، فأجابهم الحقّ تعالى بقوله:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ...
قلت: العنت: التعب والمشقة، أعنتكم: أتعبكم.
يقول الحق ﷻ : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ مخالطة الْيَتامى أي: خَلْط مال اليتامى بمال الوصيّ، أو القائم به، فيأكلون جميعاً، قُلْ لهم: يفعلون ما هو إِصْلاحٌ لليتيم وأحفظ لماله، فإنْ كان خلط مال اليتيم مع
стр. 245
مال الوصي أحفظُ لماله، وأوفر، فهو خير، فإنما هم إخوانكم في الدين، وإن كان عزل مالهم عن مالكم، وأكله وحده، اوفر لماله، فاعتزالهم خير، وَاللَّهُ يَعْلَمُ من قصدُه الإفساد، ممن قصده الإصلاح، فيعامل كل واحد بقصده، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأمركم بعزلهم وحفظ مالهم مطلقاً، فيُحرجكم، ويشق عليكم، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب، لا يُعجزه شيء، حَكِيمٌ لا يفعل شيئاً إلا لحكمة ومصلحة.
ولمّا نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ... الآية، تحرَّج الصحابة من مخالطة اليتامى، فسألوا رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية.
الإشارة: كل مَن لا شيخ له في طريق القوم فهو يتيم، لا أبَ له، فإن ادعى شيئاً من الخصوصية سُمي عندهم لقيطاً أو دعياً، أي: منسوباً إلى غير أبيه، وما زالت الأشياخ تُحذِّر من مخالطة العوام، ومن مخالطة المتفقرة الجاهلة، أعني: الذين لا شيخ لهم يصلح للتربية، حتى قالوا: مخالطتهم سُم قاتل. وقال بعضهم: يجتنب المريد مخالطة ثلاثة أصناف من الناس: المتفقرة الجاهلين، والقراء المداهنين، والجبابرة المتكبرين.
قلت: وكذلك الفروعية المتجمدين على ظاهر الشريعة، فصُحبتهم أقبحُ من الجميع، ومن ابتلى بمخالطة العوام فلينصحهم، ويرشدهم إلى مصالح دينهم، إنما هم إخوان في الدين، والله يعلم المفسد من المصلح، فمن خالطهم طمعاً في مالهم أو جاههم، أفسده الله، ومن خالطهم نُصحاً وإرشاداً أصلحه الله، ولو شاء الله لأمر الفقراء باعتزالهم بالكلية، وفي ذلك حرج ومشقة، ومِنْ حكمته تعالى أن جعلهم حجاباً لأهل الحجاب، ومدخلاً لذوي الألباب، حجاباً للضعفاء، ومدخلاً ومشهداً للأقوياء، والله تعالى أعلم.
ولما فرغ الحق ﷻ من ذكر بعضَ أمر الجهاد وما يتعلق به، شَرَع يتكلم على النكاح، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٢١]
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)
قلت: بدأ الحقّ ﷻ بذكر محل النكاح، وسيأتي في سورة النساء تمامه في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ... الآية.
стр. 246
يقول الحق ﷻ : ولا تتزوجوا النساء الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ، ونكاحهن حرام، بخلاف الكتابيات، كما في سورة المائدة. ونكاح أمة سوداء مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ نكاح مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ حُسناً وحسباً ومالاً، أو: ولا مرأةٌ مؤمنة أمة كانت أو حُرة خَيْرٌ من مشركة إذ النساء كلهن إماء الله.
رُوِيَ أنه- ﵊ بعث مَرْثَداً الغَنَوي إلى مكة ليُخرج منها نَاساً من المسلمين فأَتتْه امرأة يقال لها: عناق، وكان يهواها في الجاهلية- فقالت: ألا تخلو؟ فقال: إن الإسلام حال بيننا، فقالت: هل لك أنْ تتَزَوج بي؟ فقال: نعم، ولكن أستشير رسول الله ﷺ فاستشاره، فنزلت الآية. قاله البيضاوي.
ولا تُزوجوا المشركين وليَّتَكم، وهو حرام مطلقاً إذ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء، ولا تَسلُّطَ للكافر على المسلمة، فلا تُنكحوهم حَتَّى يُؤْمِنُوا، وَلَعَبْدٌ أسود مملوك مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ حسباً ومالاً إذ لا حسب مع الكفر. وإنما حرَّم نكاح أهل الكفر لأنهم يَدْعُونَ إِلَى الكفر، وهو سبب النَّارِ، والصحبة توجب عقد المحبة، والطباع تُسْرق، فلا يَؤمنُ جانب الكفر أن يغلب على الإيمان، وَاللَّهُ تعالى إنما يَدْعُوا إِلَى سبب الْمَغْفِرَةِ، والتطهير من لَوث الكفر والمعاصي بِإِذْنِهِ وقدرته، فلا يأمر إلا بما يقوى عقد الإيمان واليقين، ويُنهض إلى الطاعات، وهو صحبة أهل الإيمان واليقين، وَيُبَيِّنُ آياتِهِ الدالّة على جمع عباده إليه لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فيها، ويتعظون بتذكيرها ووعظها.
الإشارة: لا ينبغي للفقير أن يعقد مع نفسه عقد الصحبة والمودة، أو ينظر إليها بعين الشفقة والرحمة، ما دامت مشركة بشهود السّوى، أو مائلة بطبعها إلى الهوى، ولأن تكون عندك نفس مؤمنة بعلم التوحيد، خير من نفس مشركة برؤية الغير، ولو أعجبتك في الطاعة، وظهور الاستقامة، فقد تُظْهر الطاعة والخدمة، وتُبطن مالها فيها من الحظوظ والمتعة، فليتهمها ما دامت مشركة، فإذا آمنت ووحدت الله تعالى، فلم تر معه سواه، فلا بأس بعقد النكاح معها، فإنها لا تأمره إلا بما يقوي شهودها وتوحيدها. وكذلك لا ينبغي أن يعقد نكاح نفسه، ويدفعها لمن يشهد السّوى شيخاً أو أخاً، ولو أعجبك طاعته واجتهاده، ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه، خير من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه، أولئك أهل النفوس- يدعون إلى نار الشهوات والحظوظ العاجلة أو الآجلة، والله يدعو إلى التطهير من شهود الأغيار، والدخول في حضرة الأسرار، وهذا لا يكون إلا للعارفين الأبرار الذين تطهروا من الأكدار، وتخلصوا من شهود الأغيار، كذلك يُبين الله آياته للناس- الدالّة على وحدانيته- لعلهم يتعظون فينزجرون عن متابعة الهوى، أو رؤية وجود السوى. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
стр. 247
ولمَّا بيَّن الحقُ تعالى ما يحرم في النكاح أصالَةً، بيَّن ما يحرم فيه عروضا، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٢ الى ٢٢٣]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)
قلت: المحيض: مصدر، كالمقيل والمعيش والمجيء، وهو الحيض.
يقول الحق ﷻ : وَيَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ قرب النساء بالجماع في زمن الْمَحِيضِ، قُلْ لهم: هُوَ أَذىً، أي: مُضِرٍّ، أو مُنتن مستقذر، لا يَرضى ذو همة أن يقربه، فَاعْتَزِلُوا مجامعة النِّساءَ فِي زمن الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ بالجماع في المحل حَتَّى يَطْهُرْنَ من الدم، بانقطاعه، ويغتسلن بالماء، فَإِذا تَطَهَّرْنَ بالماء فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ وهو الفرج، الذي أمركم باجتنابه في الحيض إذ هو محل زراعة النطفة. فمن غلبته نفسه حتى وطئ في الحيض، أو النفاس، فليبادر إلى التوبة، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ كلما أذنبوا تابوا.
ولا تجب كفارة على الواطئ، على المشهور. وقال ابن عباس والأوزاعي: (من وطئ قبل الغسل تصدق بنصف دينار، ومن وطئ في حال سيلان الدم تصدق بدينار) . رواه أبو داود حديثاً. ومن صبر وتنزَّه عن ذلك فإن الله يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ من الذنوب والعيوب كلها، وإنما أعاد العامل لأن محبته للمتنزهين أكثر.
قال البيضاوي: رُوِيَ أن أهل الجاهلية كانوا لا يُسَاكنون الحائض ولا يُؤاكلونها، كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أنْ سأل أبو الدحْداح، في نفر من الصحابة، عن ذلك، فنزلت. ولعله سبحانه- إنما ذكر «يسألونك» من غير واو، ثلاثاً، ثم بها ثلاثاً لأن السؤالات الأُوَل كانت في أوقات متفرقة، والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد فلذلك ذكرها بحرف الجمع. هـ.
ثم بيَّن الحق تعالى كيفية إتيان النساء بعد الطُهر، فقال: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، أي: مواضع حرثكم، شبه ما يلقى في أرحامهن من النطف، بالبذر، والأرحام أرض لها، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أي: محل حرثكم، وهو الفرج، أَنَّى شِئْتُمْ أي: من أي جهة شئتم.
стр. 248
رُوِيَ أن اليهود كانوا يقولون: مَنْ جامع امرأته مِنْ خَلْفهَا في قُبُلِهَا جَاء الولُد أَحْولَ، فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت. وقيل: إنَّ قُريشاً كانوا يأتون النساء من قُدَّام، مستلقية، والأنصار كانوا يأتوهن من خلف، باركة، فتزوج رجل من المهاجرين امراة من الأنصار، فأراد أن يفعل عادته، فامتنعت، وأرادت عادتها، فاختصما إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية بالتخيير للرجل، مع الإتيان في المحل. وأما الإتيان في الدُّبُر فحرام، ملعونٌ فاعله، وقال في القوت: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أي: في أي وقت شئتم، ومن أي مكان شئتم، مع اتحاد المحل. هـ.
ثم حذر الحق تعالى من متابعة شهوة النساء، والغفلة عن الله، فقال: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ما تجدون ثوابه مُدخراً عنده، وهو ذكر الله في مظان الغفلة، قيل: التسمية قبل الوطء وقيل: طلب الولد، والتحقيق: أنه الحضور مع الحق عند هيجان الشهوة، قال بعض العارفين: إني لا أغيب عن الله ولو في حالة الجماع. هـ. وهذا شأن أهل الجمع، لا يفترقون عن الحضرة ساعة. وهذه التقوى التي أمر الله بها بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي: لا تغيبكم عنه شهوةُ النساء، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فترون وبال الغفلة وجزاء اليقظة، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالقرب من رب العالمين.
الإشارة: إذا سُئلت- أيها العارف- عن النفس في حال جنابتها بالغفلة، وحال تلبسها بنجاسة حب الدنيا، فقل:
هي أذى، أي: قذر ونجس، من قَرُب منها لطَّخته بنجاستها، فلا يحل القرب منه، أو الصحبة معها، حتى تطهر من جنابة الغفلة باليقظة، ومن نجاسة حب الدنيا بالزهد، ورفع الهمة عنها، فإذا تطهرت فاتها، وردها إلى حضرة مولاها، كما أمرك الله، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، وقد تابت ورجعت إلى مولاها، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وقد تطهرت من جنابة الغفلة، وتنزهت عن نجاسة الدنيا برفع الهمة، فصارت لك أرضاً لزراعة حقوق العبودية، ومَنْبَتا لبذر شهود عظمة الربوبية، فأتوا حرثكم- أيها العارفون- أنى شئتم، أي: ازرعوا في أرض نفوسكم من أوصاف العبودية ما شئتم، وفي أي وقت شئتم.
فبقدر ما تزرعون من العبودية تحصدون من الحرية. وبقدر ما تزرع فيها من الذل تحصده من العز، وبقدر ما تزرع فيها من الفقر تحصده من الغنى، وبقدر ما تزرع فيها من التواضع تحصده من الشرف والرفعة.
والحاصل: بقدر ما تزرع فيها من السفليات تحصد ضده من العلويات. قال تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ. فإذا تركتها هَمَلاً، أنبتت لك الشوك والحنظل. وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من أوصاف العبودية ما تجدونه أمامكم من مشاهدة الربوبية، واتقوا الله فلا تشهدوا معه سواه، واعلموا أنكم ملاقوه حين تغيبون عن وجودكم وتفقدونه، وبشر المؤمنين الموقنين بشهود رب العالمين.
стр. 249
ولما تكلم الحق ﷻ على بعض أحكام النكاح، أراد أن يتكلم على الإيلاء، وهو الحلف على عدم مس المرأة وجماعها، وقدّم على ذلك النهي عن كثرة الحلف لأنه هو السبب في الوقوع فى الإيلاء، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٤ الى ٢٢٥]
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)
قل: العرضة: فُعلة، بمعنى مفعولة: أي: معرضاً منصوباً، لأيمانكم تحلفون به كثيراً، فيصير اسم الجلالة مبتذلاً بينكم. و (أن تبروا) : مفعول من أجله.
يقول الحق ﷻ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ أي: اسم الجلالة، معرضاً لِأَيْمانِكُمْ، فتتبذلونه بكثرة الحلف، فتمتنعون من فعل الخير بسبب الحلف، كراهة أَنْ تَبَرُّوا أي: تفعلوا فعل البر، وهو الإحسان، وكراهة أن تَتَّقُوا أن تجعلوا بينكم وبين الله وقاية بفعل المعروف، وذلك أن يحلف الرجل ألا يصل رحمه، أو لا يسلم على فلان، او لا يضمن أحداً، أو لا يبيع بدين، أو لا يسلف أحداً، أو لا يتصدق، فهذه الأمور كلها بر وتقوى، نهى الله تعالى عن الحلف على عدم فعلها، أو يحلف ألا يصلح بين الناس، فيجب على الحالف على ذلك أن يحنث، ويكفر عن يمينه. ولذلك قال- ﵊: «إنِّي لأَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى خيْراً منْهَا، فأكفر عن يميني، وآتي الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . وقال لابن سَمُرَة: «إذا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرأيْتَ غَيرهَا خَيْراً مِنْهَا، فاتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفّرْ عَنْ يمِينِك» .
أو يقول الحق ﷻ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ معرضا لأيمانكم، تحلفون به كثيراً، نهيتكم عن ذلك، إرَادَةَ أنْ تكونوا أبراراً متقين، مصلحين بَيْنَ النَّاسِ فإن الحالف مجترئ على الله، والمجترئ لا يكون برّاً متقياً، ولا موثوقاً به في إصلاح ذات البين، وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأيمانكم، عَلِيمٌ بنياتكم.
ثم رفع الحق تعالى الحرج عن يمين اللغو الذي لا قصد فيه- فقال: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، وهو ما يجري على اللسان من غير قصد، كقول الرجل في مجرى كلامه: لا والله وبلى والله، قاله ابن عباس وعائشة- ﵄، وبه قال الشافعي.
وقال أبو هريرة والحسنُ وابنُ عباس- في أحد قوليه-: هو أن يحلف على ما يعتقد فيظهر خلافه. وبه قال مالك ﵁، والأول ألْيَق بقوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي: بما عقدت عليه قلوبكم، وَاللَّهُ غَفُورٌ حيث لم يؤاخذكم باللغو، حَلِيمٌ حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجدّ، تربصاً للتوبة.
стр. 250
الإشارة: يقول الحق ﷻ : لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ، ولكن اجعلوه عرضة لتعظيم قلوبكم ومشاهدة لأسراركم، فإني ما أظهرت اسمي لتبتذلوه في الأيمان والجدال، وإنما أظهرت اسمي لتتلقَّوْه بالتعظيم والإجلال، فمن عظَّم اسمي فقد عظَّم ذاتي، ومن عظم ذاتي جعلته عظيماً في أرضي وعند أهل سمواتي، وجعلته برّاً تقيّاً، من أهل محبتي وودادي، وداعياً يدعو إلى معرفتي، ويصلح بيني وبين عبادي، فمن حلمي ورأفتي: أني لا أؤاخذ بما يجري على اللسان، وإنما أؤاخذ بما يقصده الجَنَان.
تنبيه: كثرة الحلف مذموم يدل على الخفة والطيش، وعدم الحلف بالكلية تعسف، وخيرُ الأمور أوسطها، كان ﵊ يحلف في بعض أحيانه، يقول: «لاَ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» ،: «والذي نفس محمد بيده» .
والله تعالى أعلم.
ثم أشار الحق تعالى إلى حكم الإيلاء، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٦ الى ٢٢٧]
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)
قلت: (الإيلاء) : يمين زوج مكلَّف على عدم وطء زوجته، أكثر من أربعة أشهر. وآلى: بمعنى حلف، يتعدى بعلى، ولكن لما ضُمَّن هنا معنى البُعد من المرأة، عُدّي بمن، و (تربص) : مبتدأ، و «للذين يؤلون» : خبر.
يقول الحق ﷻ : لِلَّذِينَ يبعدون مِنْ نِسائِهِمْ ويحلفون ألاَّ يجامعوهن أكثر من أربعة أشهر، غضباً وقصداً للإضرار، تَرَبُّصُ أي: تمهل أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لا يُطالبُ فيهن بفيئة ولا حنث، فَإِنْ فاؤُ أي: رجعوا عما حلفوا عليه، وحنثوا وكفَّروا أيمانهم، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما قصدوا من الإضرار، بالفيئة التي هي كالتوبة، رَحِيمٌ بهم حَيث لم يعاجلهم بالعقوبة، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ أي: صمموا عليه، ولم يرجعوا عما حلفوا عليه، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لطلاقهم، عَلِيمٌ بقصدهم ونيتهم. ومذهب مالك والشافعي: أن القاضي يُوقفه:
إما أن يرجع بالوطء إن قدر، أو بالوعد إن عَجز، أو يُطلِّق عليه طلقة رجعية، عند مالك. ومذهب أبي حنيفة: أنها تَبِين بمجرد مُضي أربعة أشهر. وأحكام الإيلاء مقررة في كتب الفقه.
الإشارة: لا ينبغي للعبد أن يصرف عمره كله في معاداة نفسه ومجانبتها، إذ المقصود هو الاشتغال بمحبة الحبيب، لا الاشتغال بعداوة العدو، فلمجاهدة نفسه ومجانبتها حد معلوم ووقت مخصوص، وهو ما دامت جموحة