يقول الحق ﷻ : ولا تتزوجوا النساء الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ، ونكاحهن حرام، بخلاف الكتابيات، كما في سورة المائدة. ونكاح أمة سوداء مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ نكاح مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ حُسناً وحسباً ومالاً، أو: ولا مرأةٌ مؤمنة أمة كانت أو حُرة خَيْرٌ من مشركة إذ النساء كلهن إماء الله.
رُوِيَ أنه- ﵊ بعث مَرْثَداً الغَنَوي إلى مكة ليُخرج منها نَاساً من المسلمين فأَتتْه امرأة يقال لها: عناق، وكان يهواها في الجاهلية- فقالت: ألا تخلو؟ فقال: إن الإسلام حال بيننا، فقالت: هل لك أنْ تتَزَوج بي؟ فقال: نعم، ولكن أستشير رسول الله ﷺ فاستشاره، فنزلت الآية. قاله البيضاوي.
ولا تُزوجوا المشركين وليَّتَكم، وهو حرام مطلقاً إذ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء، ولا تَسلُّطَ للكافر على المسلمة، فلا تُنكحوهم حَتَّى يُؤْمِنُوا، وَلَعَبْدٌ أسود مملوك مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ حسباً ومالاً إذ لا حسب مع الكفر. وإنما حرَّم نكاح أهل الكفر لأنهم يَدْعُونَ إِلَى الكفر، وهو سبب النَّارِ، والصحبة توجب عقد المحبة، والطباع تُسْرق، فلا يَؤمنُ جانب الكفر أن يغلب على الإيمان، وَاللَّهُ تعالى إنما يَدْعُوا إِلَى سبب الْمَغْفِرَةِ، والتطهير من لَوث الكفر والمعاصي بِإِذْنِهِ وقدرته، فلا يأمر إلا بما يقوى عقد الإيمان واليقين، ويُنهض إلى الطاعات، وهو صحبة أهل الإيمان واليقين، وَيُبَيِّنُ آياتِهِ الدالّة على جمع عباده إليه لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فيها، ويتعظون بتذكيرها ووعظها.
الإشارة: لا ينبغي للفقير أن يعقد مع نفسه عقد الصحبة والمودة، أو ينظر إليها بعين الشفقة والرحمة، ما دامت مشركة بشهود السّوى، أو مائلة بطبعها إلى الهوى، ولأن تكون عندك نفس مؤمنة بعلم التوحيد، خير من نفس مشركة برؤية الغير، ولو أعجبتك في الطاعة، وظهور الاستقامة، فقد تُظْهر الطاعة والخدمة، وتُبطن مالها فيها من الحظوظ والمتعة، فليتهمها ما دامت مشركة، فإذا آمنت ووحدت الله تعالى، فلم تر معه سواه، فلا بأس بعقد النكاح معها، فإنها لا تأمره إلا بما يقوي شهودها وتوحيدها. وكذلك لا ينبغي أن يعقد نكاح نفسه، ويدفعها لمن يشهد السّوى شيخاً أو أخاً، ولو أعجبك طاعته واجتهاده، ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه، خير من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه، أولئك أهل النفوس- يدعون إلى نار الشهوات والحظوظ العاجلة أو الآجلة، والله يدعو إلى التطهير من شهود الأغيار، والدخول في حضرة الأسرار، وهذا لا يكون إلا للعارفين الأبرار الذين تطهروا من الأكدار، وتخلصوا من شهود الأغيار، كذلك يُبين الله آياته للناس- الدالّة على وحدانيته- لعلهم يتعظون فينزجرون عن متابعة الهوى، أو رؤية وجود السوى. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
стр. 247
ولمَّا بيَّن الحقُ تعالى ما يحرم في النكاح أصالَةً، بيَّن ما يحرم فيه عروضا، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٢ الى ٢٢٣]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)
قلت: المحيض: مصدر، كالمقيل والمعيش والمجيء، وهو الحيض.
يقول الحق ﷻ : وَيَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ قرب النساء بالجماع في زمن الْمَحِيضِ، قُلْ لهم: هُوَ أَذىً، أي: مُضِرٍّ، أو مُنتن مستقذر، لا يَرضى ذو همة أن يقربه، فَاعْتَزِلُوا مجامعة النِّساءَ فِي زمن الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ بالجماع في المحل حَتَّى يَطْهُرْنَ من الدم، بانقطاعه، ويغتسلن بالماء، فَإِذا تَطَهَّرْنَ بالماء فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ وهو الفرج، الذي أمركم باجتنابه في الحيض إذ هو محل زراعة النطفة. فمن غلبته نفسه حتى وطئ في الحيض، أو النفاس، فليبادر إلى التوبة، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ كلما أذنبوا تابوا.
ولا تجب كفارة على الواطئ، على المشهور. وقال ابن عباس والأوزاعي: (من وطئ قبل الغسل تصدق بنصف دينار، ومن وطئ في حال سيلان الدم تصدق بدينار) . رواه أبو داود حديثاً. ومن صبر وتنزَّه عن ذلك فإن الله يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ من الذنوب والعيوب كلها، وإنما أعاد العامل لأن محبته للمتنزهين أكثر.
قال البيضاوي: رُوِيَ أن أهل الجاهلية كانوا لا يُسَاكنون الحائض ولا يُؤاكلونها، كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أنْ سأل أبو الدحْداح، في نفر من الصحابة، عن ذلك، فنزلت. ولعله سبحانه- إنما ذكر «يسألونك» من غير واو، ثلاثاً، ثم بها ثلاثاً لأن السؤالات الأُوَل كانت في أوقات متفرقة، والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد فلذلك ذكرها بحرف الجمع. هـ.
ثم بيَّن الحق تعالى كيفية إتيان النساء بعد الطُهر، فقال: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، أي: مواضع حرثكم، شبه ما يلقى في أرحامهن من النطف، بالبذر، والأرحام أرض لها، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أي: محل حرثكم، وهو الفرج، أَنَّى شِئْتُمْ أي: من أي جهة شئتم.
стр. 248
رُوِيَ أن اليهود كانوا يقولون: مَنْ جامع امرأته مِنْ خَلْفهَا في قُبُلِهَا جَاء الولُد أَحْولَ، فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت. وقيل: إنَّ قُريشاً كانوا يأتون النساء من قُدَّام، مستلقية، والأنصار كانوا يأتوهن من خلف، باركة، فتزوج رجل من المهاجرين امراة من الأنصار، فأراد أن يفعل عادته، فامتنعت، وأرادت عادتها، فاختصما إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية بالتخيير للرجل، مع الإتيان في المحل. وأما الإتيان في الدُّبُر فحرام، ملعونٌ فاعله، وقال في القوت: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أي: في أي وقت شئتم، ومن أي مكان شئتم، مع اتحاد المحل. هـ.
ثم حذر الحق تعالى من متابعة شهوة النساء، والغفلة عن الله، فقال: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ما تجدون ثوابه مُدخراً عنده، وهو ذكر الله في مظان الغفلة، قيل: التسمية قبل الوطء وقيل: طلب الولد، والتحقيق: أنه الحضور مع الحق عند هيجان الشهوة، قال بعض العارفين: إني لا أغيب عن الله ولو في حالة الجماع. هـ. وهذا شأن أهل الجمع، لا يفترقون عن الحضرة ساعة. وهذه التقوى التي أمر الله بها بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي: لا تغيبكم عنه شهوةُ النساء، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فترون وبال الغفلة وجزاء اليقظة، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالقرب من رب العالمين.
الإشارة: إذا سُئلت- أيها العارف- عن النفس في حال جنابتها بالغفلة، وحال تلبسها بنجاسة حب الدنيا، فقل:
هي أذى، أي: قذر ونجس، من قَرُب منها لطَّخته بنجاستها، فلا يحل القرب منه، أو الصحبة معها، حتى تطهر من جنابة الغفلة باليقظة، ومن نجاسة حب الدنيا بالزهد، ورفع الهمة عنها، فإذا تطهرت فاتها، وردها إلى حضرة مولاها، كما أمرك الله، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، وقد تابت ورجعت إلى مولاها، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وقد تطهرت من جنابة الغفلة، وتنزهت عن نجاسة الدنيا برفع الهمة، فصارت لك أرضاً لزراعة حقوق العبودية، ومَنْبَتا لبذر شهود عظمة الربوبية، فأتوا حرثكم- أيها العارفون- أنى شئتم، أي: ازرعوا في أرض نفوسكم من أوصاف العبودية ما شئتم، وفي أي وقت شئتم.
فبقدر ما تزرعون من العبودية تحصدون من الحرية. وبقدر ما تزرع فيها من الذل تحصده من العز، وبقدر ما تزرع فيها من الفقر تحصده من الغنى، وبقدر ما تزرع فيها من التواضع تحصده من الشرف والرفعة.
والحاصل: بقدر ما تزرع فيها من السفليات تحصد ضده من العلويات. قال تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ. فإذا تركتها هَمَلاً، أنبتت لك الشوك والحنظل. وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من أوصاف العبودية ما تجدونه أمامكم من مشاهدة الربوبية، واتقوا الله فلا تشهدوا معه سواه، واعلموا أنكم ملاقوه حين تغيبون عن وجودكم وتفقدونه، وبشر المؤمنين الموقنين بشهود رب العالمين.
стр. 249
ولما تكلم الحق ﷻ على بعض أحكام النكاح، أراد أن يتكلم على الإيلاء، وهو الحلف على عدم مس المرأة وجماعها، وقدّم على ذلك النهي عن كثرة الحلف لأنه هو السبب في الوقوع فى الإيلاء، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٤ الى ٢٢٥]
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)
قل: العرضة: فُعلة، بمعنى مفعولة: أي: معرضاً منصوباً، لأيمانكم تحلفون به كثيراً، فيصير اسم الجلالة مبتذلاً بينكم. و (أن تبروا) : مفعول من أجله.
يقول الحق ﷻ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ أي: اسم الجلالة، معرضاً لِأَيْمانِكُمْ، فتتبذلونه بكثرة الحلف، فتمتنعون من فعل الخير بسبب الحلف، كراهة أَنْ تَبَرُّوا أي: تفعلوا فعل البر، وهو الإحسان، وكراهة أن تَتَّقُوا أن تجعلوا بينكم وبين الله وقاية بفعل المعروف، وذلك أن يحلف الرجل ألا يصل رحمه، أو لا يسلم على فلان، او لا يضمن أحداً، أو لا يبيع بدين، أو لا يسلف أحداً، أو لا يتصدق، فهذه الأمور كلها بر وتقوى، نهى الله تعالى عن الحلف على عدم فعلها، أو يحلف ألا يصلح بين الناس، فيجب على الحالف على ذلك أن يحنث، ويكفر عن يمينه. ولذلك قال- ﵊: «إنِّي لأَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى خيْراً منْهَا، فأكفر عن يميني، وآتي الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . وقال لابن سَمُرَة: «إذا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرأيْتَ غَيرهَا خَيْراً مِنْهَا، فاتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفّرْ عَنْ يمِينِك» .
أو يقول الحق ﷻ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ معرضا لأيمانكم، تحلفون به كثيراً، نهيتكم عن ذلك، إرَادَةَ أنْ تكونوا أبراراً متقين، مصلحين بَيْنَ النَّاسِ فإن الحالف مجترئ على الله، والمجترئ لا يكون برّاً متقياً، ولا موثوقاً به في إصلاح ذات البين، وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأيمانكم، عَلِيمٌ بنياتكم.
ثم رفع الحق تعالى الحرج عن يمين اللغو الذي لا قصد فيه- فقال: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، وهو ما يجري على اللسان من غير قصد، كقول الرجل في مجرى كلامه: لا والله وبلى والله، قاله ابن عباس وعائشة- ﵄، وبه قال الشافعي.
وقال أبو هريرة والحسنُ وابنُ عباس- في أحد قوليه-: هو أن يحلف على ما يعتقد فيظهر خلافه. وبه قال مالك ﵁، والأول ألْيَق بقوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي: بما عقدت عليه قلوبكم، وَاللَّهُ غَفُورٌ حيث لم يؤاخذكم باللغو، حَلِيمٌ حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجدّ، تربصاً للتوبة.
стр. 250
الإشارة: يقول الحق ﷻ : لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ، ولكن اجعلوه عرضة لتعظيم قلوبكم ومشاهدة لأسراركم، فإني ما أظهرت اسمي لتبتذلوه في الأيمان والجدال، وإنما أظهرت اسمي لتتلقَّوْه بالتعظيم والإجلال، فمن عظَّم اسمي فقد عظَّم ذاتي، ومن عظم ذاتي جعلته عظيماً في أرضي وعند أهل سمواتي، وجعلته برّاً تقيّاً، من أهل محبتي وودادي، وداعياً يدعو إلى معرفتي، ويصلح بيني وبين عبادي، فمن حلمي ورأفتي: أني لا أؤاخذ بما يجري على اللسان، وإنما أؤاخذ بما يقصده الجَنَان.
تنبيه: كثرة الحلف مذموم يدل على الخفة والطيش، وعدم الحلف بالكلية تعسف، وخيرُ الأمور أوسطها، كان ﵊ يحلف في بعض أحيانه، يقول: «لاَ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» ،: «والذي نفس محمد بيده» .
والله تعالى أعلم.
ثم أشار الحق تعالى إلى حكم الإيلاء، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٦ الى ٢٢٧]
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)
قلت: (الإيلاء) : يمين زوج مكلَّف على عدم وطء زوجته، أكثر من أربعة أشهر. وآلى: بمعنى حلف، يتعدى بعلى، ولكن لما ضُمَّن هنا معنى البُعد من المرأة، عُدّي بمن، و (تربص) : مبتدأ، و «للذين يؤلون» : خبر.
يقول الحق ﷻ : لِلَّذِينَ يبعدون مِنْ نِسائِهِمْ ويحلفون ألاَّ يجامعوهن أكثر من أربعة أشهر، غضباً وقصداً للإضرار، تَرَبُّصُ أي: تمهل أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لا يُطالبُ فيهن بفيئة ولا حنث، فَإِنْ فاؤُ أي: رجعوا عما حلفوا عليه، وحنثوا وكفَّروا أيمانهم، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما قصدوا من الإضرار، بالفيئة التي هي كالتوبة، رَحِيمٌ بهم حَيث لم يعاجلهم بالعقوبة، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ أي: صمموا عليه، ولم يرجعوا عما حلفوا عليه، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لطلاقهم، عَلِيمٌ بقصدهم ونيتهم. ومذهب مالك والشافعي: أن القاضي يُوقفه:
إما أن يرجع بالوطء إن قدر، أو بالوعد إن عَجز، أو يُطلِّق عليه طلقة رجعية، عند مالك. ومذهب أبي حنيفة: أنها تَبِين بمجرد مُضي أربعة أشهر. وأحكام الإيلاء مقررة في كتب الفقه.
الإشارة: لا ينبغي للعبد أن يصرف عمره كله في معاداة نفسه ومجانبتها، إذ المقصود هو الاشتغال بمحبة الحبيب، لا الاشتغال بعداوة العدو، فلمجاهدة نفسه ومجانبتها حد معلوم ووقت مخصوص، وهو ما دامت جموحة
стр. 251
جاهلة بالله. فإن فاءت ورجعت إلى الله، وارتاضت لحضرة الله، وجبت محبتها والاصطلاح معها لأن النفس بها ربح مَنْ ربح، ومنها خسر من خسر، من عرف قدرها، واحتال عليها حتى ردها إلى ربها- ربح، ومن أهملها وجهل قدرها- خسر، وكان شيخ شيوخنا يقول: جزاها الله عنا خيراً والله ما ربحنا إلا منها، يعني نفسه. وفي بعض الآثار: (مَنْ عَرَفَ نَفْسَه عَرَفَ ربَه) . وإن عزموا الطلاق، يعني: العباد والزهاد عزموا ألا يرجعوا إلى أنفسهم أبداً، فإن الله سميع عليم بقصدهم هل قصدهم طلب الحظوظ أو محبة الحبيب، وأما العارفون فلا تبقى لهم معاداة مع أحد قط، قد اصطلحوا مع الوجود بأسره، فمكنهم الله من التصرف في الوجود بأسره. والله ذو الفضل العظيم.
ثم ذكر الحق تعالى عدة الطلاق، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٨]
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)
قلت: القُرء هو الطهر الذي يكون بعد الحيض، عند مالك، وجمع القلة: أقراء، والكثرة: قروء، واستعمله هنا باعتبار كثرة المطلقات، و (ثلاثة) : مفعول مطلق، أو ظرف، و (بعولتهن) : جمع بعل، والتاء لتأنيث الجماعة.
يقول الحق ﷻ : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ أي: يمكثن عن التزوج، بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ أي:
أطهار، وتَعْتَدُّ بالطهر الذي طلقها فيه، فتحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإذا رأت الحيضة الثالثة خرجت من العدة، هذا في غير الحامل، واما الحامل فعدتها وضع حملها. وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ من الولد استعجالاً لإتمام العدة، أو من الحيض استبقاءا لتمادي العدة، وتُصدق في ذلك كله، فإن كانت يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فلا يحل لها أن تكتم ما استؤمنت عليه، وَبُعُولَتُهُنَّ أي: أزواجهن، أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ التربص، إن كان الطلاق رجعيّاً، وإلا بانت منه، وينبغي للزوج أن يراجعها في العدة، إن أراد بذلك الإصلاح والمودة، لا الإضرار بها، وإلا حرم عليه ارتجاعها، إذ «لاَ ضَرَرَ ولا ضرار» ، كما قال- ﵊.
الإشارة: إذا طُلّقَتْ النَّفْسُ، ووقع البعد منها حتى طهرت ثلاثة: الطهر الأول: من الإصرار على الذنوب والمخالفات، الطهر الثاني: من العيوب والغفلات، الطهر الثالث: من الركون إلى العادات والوقوف مع المحسوسات، دون المعاني وأنوار التجليات- حلَّتْ رجعتُها والاصطلاح معها، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن: من العلوم والمعارف والأنوار، وذلك إذا استشرفَتْ على حضرة الأسرار، فإنها تفيض بالعلوم والحكم،
стр. 252
أو ما لا يحصى، فينبغي أن تطلع عليها من يقتدي بشأنها. وبعولتهن أحق بردهن، والصلح معهن، بعد تمام تطهيرهن، إن أرادوا بذلك إصلاحاً، وهو إدخالها في الحضرة، ونعيمها بالشهود والنظرة. وبالله التوفيق.
ثم ذكر الحقّ ﷻ حقوق الزوجية، فقال:
الطَّلاقُ مَرَّتانِ ...
يقول الحق ﷻ : وللنساء حقوق على الرجال، كما أن للرجال حقوقاً على النساء، فحقوق النساء على الرجال: الإنفاق، والكسوة، والإعفاف، وحسن المعاشرة، وكان ابنُ عمر- ﵄ يقول: إني لأُحِبُّ أن أتزيَّنَ للمرأة كما تتزين لي، ويقرأ هذه الآية.
وحقوق الرجل على المرأة: إصلاح الطعام والفراش، وطاعة زوجها في كل ما يأمرها به من المباح، وحفظ فرجها، وصيانة ماله الذي ائتمنت عليه- إلى غير ذلك من الحقوق، فللنساء حقوق على الرجال مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ من غير ضرر ولا ضرار. ولا تفريط ولا إفراط، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ أي: فضيلة لأن الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء، ولهم فضل في الميراث، والقسمة، وكثير من الحقوق، فضلهم الله على النساء.
وَاللَّهُ عَزِيزٌ لا يعجزه عقاب من خالف أمره، لكنه يمهل ولا يُهمل، حَكِيمٌ لا يفعل إلا لمصلحة ظاهرة أو خفية. والله تعالى أعلم.
الإشارة: للنفس حقوق على صاحبها، كما له حقوق عليها، قال- ﵊: «إنَّ لنفْسك عَلَيْكَ حَقّاً، وَلزَوْجِكَ عَلَيْك حَقّاً، ولِربِكَ عليك حَقّاً، فأَعْطِ كُلّ ذِي حَقِ حَقَّهُ» . فالنفس مغرفة للسر، فإذا تعبت سقط منها السر، كذلك نفس الإنسان، إذا تحامل عليها حتى تعللت، ودخلها الوجع، تعذر عليها كثير من العبادات، لا سيما الفكرة، فلا بد من حفظ البشرية، وإنما ينبغي قتلها بالأمور التي لا تُخِلُّ بصحتها، فعليها طاعتك فيما تأمرها به، كما عليك حفظها مما تتضرر به. وللرجال الأقوياء عليها تسلطٌ وتصرف، فهي مملوكة في أيديهم، وهم غالبون عليها، والله غالب على أمره، وهو العزيز الحكيم.
ثم ذكر الحق تعالى عدد الطلاق، فقال:
стр. 253
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٩ الى ٢٣٠]
الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)
قلت: (فإمساك بمعروف) : مبتدأ، والخبر: محذوف، أي: أحسن أو أمثل. أو خبر، أي: فالواجب إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
يقول الحق ﷻ : الطَّلاقُ الذي تقع الرجعة بعده- إنما هو مَرَّتانِ، فإن طلق ثالثة فلا رجعة بعدها، فإن طلق واحدة أو اثنتين فهو مُخير، فإما أن يمسكها ويرتجعها بحسن المعاشرة، والقيام بحقوق الزوجية بالمعروف. وإما أن يُسرِّحها حتى تنقضي عدتها بِإِحْسانٍ، من غير إضرار، ولا تطويل عدة. وَلا يَحِلُّ لَكُمْ، أيها الأزواج، أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ من الصداق شَيْئاً- خُلْعاً- إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ بأن ظن الزوج أو الزوجة فساد العشرة بينهما، وعدم القيام بحقوق الزوجية، فَإِنْ خِفْتُمْ أيها الحكام، أو من ينوب عنهم، أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ من العصمة، فيحل للزوج أن يأخذ منها الفداء، ولو بجميع ما تملك، إذا كان الضرر منها أو منهما. فإن انفرد بضررها، حُرِّمَ عليه أخذ الفداء، وطُلِّقَتْ عليه.
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي: هذه الأحكام التي ذكرنا من عدد الطلاق وأخذ الخُلْع على وجهه- هي حدود الله التي حدها لعباده، فمن تعداها فهو ظالم.
(فإن) طلق الزوجُ مرة ثالثة فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، ويدخل بها، من غير شرط التحليل، فَإِنْ طَلَّقَها الثاني، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا بنكاح جديد إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حقوق الزوجية، وحسن العشرة، وَتِلْكَ الأحكام المذكورة هي حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها الحقُ تعالى لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي:
يفهمون ويتدبرون الأمور.
الإشارة: إذا طلَّق المريد الدنيا، ثم رجع إليها، ثم تاب وتوجه إلى الله، ثم رجع إليها، ثم تاب وتوجه مرة ثانية، قُبلت توبته، فإن رجع إليها بعد الطلقة الثانية، فلا يُرجى فلاحه في الغالب لأنه متلاعب، قال تعالى: (الطلاقُ
стр. 254
مَرَّتان) فإمساكُ لها بمعروف بأن يواسي بها من يحتاج إليها، أو تسريح لها من يده بإحسان من الله إليه، حتى يدخله في مقام الإحسان، فإن طلقها مرة ثالثة فلا تحل له أبداً حتى يأخذها من يد الله بالله، بعد أن كان يأخذها بنفسه، فكأنه أخذها بعصمة جديدة، فإن تمكن من الفناء والبقاء، فلا جُناح عليه أن يرجع إليها غنيّاً بالله عنها.
والله تعالى أعلم.
ثم نهى الحقّ تعالى عن إمساك الزوجة، إضراراً، كما كانت تفعل الجاهلية، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٣١]
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)
قلت: (ضراراً) : مفعول له، أو حال، أي: مُضَارِّين.
يقول الحق ﷻ : وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَقَرُبَ بلوغُ أَجَل عِدَّتِهِنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بالرجعة متلبسين بالمعروف والإحسان إليها، أَوْ سَرِّحُوهُنَّ يتزوجن غيركم بِمَعْرُوفٍ لا إضرار فيه، وَلا تُمْسِكُوهُنَّ بنية طلاقهن ضِراراً أي: لأجل الضرر بتطويل عدتهن لِتَعْتَدُوا عليهن وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
نزلت في رجل قال لامرأته: لا آويك، ولا أدعك تحلِّين لغيري. فقالت: كيف؟ فقال: أطلقك، فإذا دنا مُضِيُّ عِدَّتِك راجعتك، فَشَكَتْ ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت الآية. وكان بعضهم يطلق، ويعتق، ثم يرجع، ويقول: كُنت أهزأ بذلك وألعب، فنزل قوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً أي: مهزوءاً بها، وفي الحديث: «ثَلاَثٌ هزْلُهُنَّ جدٌ: النّكَاحُ، والطَّلاقُ، والرَّجْعَةُ» . وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالهداية وبعثة الرسول، وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ فيه ما تحتاجون إليه ظاهراً وباطناً، وَالْحِكْمَةِ أي: السنة المطهرة، يَعِظُكُمْ بذلك ويزكيكم، وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما يأمركم به، وينهاكم عنه، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ.
стр. 255
الإشارة: يقال للمريدين المتجردين إذا طلقتم الدنيا، وآيستم أنفسكم من الرجوع إليها حتى تمكَّن اليقين من القلب بحيث انقطع الاهتمام بالرزق من القلب، وزالت عنه الشكوك والأوهام، فإذا رجعت إليه الدنيا، فإما أن يمسكها بمعروف بأَنْ تكون في يده لا في قلبه، أو يسرحها من يده، بسبب مقام الإحسان الذي عوضه الله عنها، ولا تمسكوا الدنيا، أيها الفقراء، قبل كمال اليقين، فإنها ضرر لكم، فقد أخذت الرجال لا سيما الأطفال. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ حيث حرمها الوصول، وتركها في حيرة الأوهام تجول، فاحذروا لذيذ عاجلها، لكريه آجلها، وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً بالرخص والتأويلات، وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالهداية إلى الطريق، وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ: فيه بيان التحقيق وَالْحِكْمَةِ التي هي إصابة عين التوفيق، وَاتَّقُوا اللَّهَ، فلا تركنوا إلى شيء سواه، فإن مالت قلوبكم إلى شيء من السِّوى، أو نزعت إلى محبة الهوى، فاعلموا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيبعدكم بعد الوصول. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم نهى الحقّ تعالى عن منع النساء من التزوج إضرارا، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٢]
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)
قلت: العَضْل: المنع والتضييق والتعسير، يقال: أعضلت الدجاجةُ، إذا عسر بيضُها.
يقول الحق ﷻ : وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فانقضت عدتهن فَلا تمنعوهن، أيها الأولياء، من أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ الذين كانوا يملكوهن ثم طلقوا، أو الخُطَّاب الأجانب، إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي:
بأن كانوا أكفاء لهن، وبذلوا من المهر ما يناسبهن، أو كانت رشيدة. ذلِكَ الذي ذكرنا لكم- يتعظ به، ويقف معه، من كان يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لأنه هو الذي ينجع فيه الوعظ وينتفع بالتذكير، ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ أي: أرفع لقدركم، إن تمسكتم به، وَأَطْهَرُ لكم من الذنوب والعيوب، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فيه صلاحكم، وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. نزلت الآية في مَعْقِلَ بنِ يَسَارٍ، زوَّج أُخْتَه ثم طلقها زوجُها، وأمهلها حتى انقضت عِدَّتُهَا، ثم جاء يَخْطُبُهَا، فقال مَعْقِلُ: تَرَكها حتى ملكت نفسها، ثم جاء يخطُبها، والله لا أُزوجها منه أبداً. والمرأة أرادت أن ترجع إليه، فنزلت الآية، فرجع معقل عن قسمه وزَوَّجَها.
وفيه دليل أن المرأة لا تُزَوج نفسها، خلافاً لأبي حنيفة. والله تعالى أعلم.
стр. 256
الإشارة: ينبغي للشيوخ إذا تحققوا من المريدين كمال اليقين، وظهر عليهم أمارات الرشد، ألا يمنعوهم من تعاطي الأسباب، وأخذ ما جاءهم من الدنيا، بلا استشراف ولا طمع، فقد يكون ذلك عوناً لهم على الدين، وعمارة لزاوية الذاكرين، فذلك أزكى لهم وأطهر لقلوبهم، (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) .
ثم ذكر تعالى حكم الرضاع، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٣]
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)
يقول الحق ﷻ : ويجب على الوالدات أن يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ إذا كُنَّ في العصمة، ولا شرف لهن لجرى العُرف بذلك، أو مطلقاتٍ، ولم يقبل الولد غيرهنَّ، هذا لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ، فإن اتفقا على فطامه قبلهما، جاز، كما يأتي. ويجب عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ وهو الأب، رزق أمهات أولادة، وَكِسْوَتُهُنَّ إذ هو الذي يُنسب المولود له، وذلك بِالْمَعْرُوفِ، لا يكلف الله نفسا إلا ما في وُسْعها وتُطيقه، فلا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، بحيث ترضعه وهي مريضة، أو انقطع لبنها. بل يجب على الأب أن يستأجر من يرضعه، ولا يضار مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ، بحيث يكلف من الإنفاق والكسوة فوق جهده. فإن مات الأب وترك مالاً- فعلى الْوارِثِ الكبير مِثْلُ ذلِكَ من الكسوة والإنفاق، يُجريها من مال الأب، ويحسبها من حق الصبي، فإن لم يكن للأب مال- فعلى جماعة المسلمين.
فَإِنْ أَرادا أي: الأب والمرضعة، فِصالًا أي: فطاماً للصبي قبل تمام الحولين، عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ بينهما، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما، إن لم يخف على الولد ضعف. وَإِنْ أَرَدْتُمْ، أيها الأزواج، أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ عند غير الأم، برضاها، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ في ذلك إِذا سَلَّمْتُمْ أي: أعطيتم للمراضع، ما آتَيْتُمْ أي: ما أردتم إيتاءه من الأجرة بِالْمَعْرُوفِ من غير مَطْلٍ ولا تقتير. والشرط إنما هو
стр. 257
على وجه الكمال والإحسان، وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما كُلفتم به من الحقوق، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يخفى عليه شيء من أموركم فإنه بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
الإشارة: اعلم أن تربية الولاية في قلب المريد، على نمط تربية الطفل الصغير، تنبت في قلب المريد وقت عقد الصحبة بينهما، ثم لا تزال تنمو، أو الشيخ يرضعه بلبن الإمداد حتى يتم أوان رضاعه، ولذلك قالوا: الثدي الميتة لا ترضع. هـ. يشيرون إلى أن الشيخ الميت لا يُربى، فلا يزال الشيخ يُربى الروح، ويمدها حتى تدخل بلد الإحسان، وتشتعل فكرتها. وهذا تمام الحولين في حقها، وهو أوان كمال الحقيقة والشريعة لمن أراد إتمامها، فتأكل الروح حينئذٍ من كل شيء، وتشرب من كل شيء، وتستمد من الأشياء كلها، ثم لا يزال يحاذيها بهمته حتى تَرشُد، فيطلق لها التصرف، فتصلح لتربية غيرها.
وعلى الشيخ رزقُ المريدين من قوت القلوب وكسوتهم، تقيهم من إصابة الذنوب والعيوب، إلا ما سبق به القضاءُ في علم الغيوب، فليس في طَوْق أحدٍ دفعُه، لا تُكلف نفسٌ إلا وسعها، فإذا مات الشيخ، ووصَّى بمن يرث مقامه، فعلى الوارث مثلُ ذلك، فإن أراد المريد انفصالاً عن الشيخ، وتعمير بلد، أو تذكير عباد الله، عن تراض منهما وتشاور من الشيخ، فلا جناح عليهما، وإن أردتم، أيها الشيوخ، أن تسترضعوا أولادكم بإرسال منْ يُذكِّرُهم، ويمدهم، نائباً عنكم، فلا جناح عليكم إذا سلمتم لهم من الإمداد ما يمدهم به، واتقوا الله في شأن المريدين، في جبر كسرهم، وقبول عذرهم، واعلموا أن الله بما تعملون بصير.
ثم ذكر الحق تعالى عدّة الوفاة، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣٤ الى ٢٣٥]
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)
стр. 258
قلت: والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ: مبتدأ، ويَتَرَبَّصْنَ: خبر، ولا بد من الحذف ليصح الإخبار، إما من الصدر أو من العَجزُ، أي: وأزواج الذين يتوفون، أو الذين يتوفون أزواجهن يتربصن.
يقول الحق ﷻ : وَالَّذِينَ يموتون منكم، أيها المؤمنون، ويتركون أَزْواجاً، فلا يتزوجن حتى يَتَرَبَّصْنَ أي: يمكثن بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعشرة أيام لأن الجنين يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكراً، ولأربعة إن كان أنثى في الغالب «١» ، وزيد عشرةً، استظهاراً، هذا في غير الحامل، أما الحامل، فعدتها وضع حملها. فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي: انقضت عدتهن، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأولياء فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين والتعرض للنكاح أو التزوج، بِالْمَعْرُوفِ، بحيث لا ينكره الشرع من تزين ونكاح، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيجازيكم على ما فعلتم.
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الخُطَّاب فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ للمعتدات مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ كقول الرجل:
إني لراغب في صحبتكم، وإني أريد أن أتزوج في هذه الساعة. وإنك لنافقة»
، أو لا يصلح لك أن تبقى بلا زوج، ونحو هذا، أَوْ أَكْنَنْتُمْ أي: أضمرتم فِي أَنْفُسِكُمْ في زمن العدة من أمر التزوج دون تصريح، عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ ستذكرون النساء المعتدات، وتتكلمون في نكاحهن، حرصاً وتمنياً، فعرّضُوا بذلك، وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا أي: في الخلوة، أو لا تواعدوهن نكاحاً أو جماعاً، إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً وهو التعريض بالألفاظ المتقدمة.
ولا تقطعوا عُقْدَةَ النِّكاحِ، وتعزموا على فعله، حَتَّى يَبْلُغَ كتاب المعتدة أَجَلَهُ، وتنقضى العدة، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من الرغبة والحرص، فَاحْذَرُوهُ فإنَّ الحرص على الشيء، والرغبة فيه، قبل أوانه، ربما يعاقب صاحبه بحرمانه، وما قُدِّر لكَ لا يكون لغيرك، وما كان لغيرك لا يكون لك، ولو فعلت ما فعلت، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لِمَا استعجلتم فإن الإنسان خُلق عجولاً، حَلِيمٌ فلا يعاجلكم ولا يفضح سرائركم.
стр. 259
الإشارة: إذا ماتت النفس عن الهوى، وتركت حظوظاً وشهوات، فلا ينبغي أن يردها إلى ذلك حتى تتربص مدة، ليظهر عليها آثارُ الزهد من السكون إلى الله، والتأنس بمشاهدة الله حتى تغيب عما سواه. فإذا بلغت هذا الوصف فلا جناح على المريد أن يسعفها فيما تفعل بالمعروف، من غير سَرَفٍ ولا ميل إلى هوى، لأن فعلها حينئذٍ بالله، ومن الله، وإلى الله، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لا يخفى عليه شيء من أمرها، ولا جناح عليكم، أيها المريدون، إن تزكت نفوسكم، وطهرت من الأغيار قلوبكم، فيما عرضتم به من خطبة أبكار الحقائق وثيبات العلوم، أو أكننتم في أنفسكم من المعارف والمفهوم، علم الله أنكم ستذكرون ذلك باللسان قبل أن يصل الذوق إلى الجَنَان، فلا تصرحوا بعلوم الحقائق مع كل الخلائق فإن ذلك من فعل الزنادق، إلا أن تقولوا قولاً معروفاً، إشارة أو تلويحاً، فعلمنا كله إشارة، فإذا صار عبارة خفي.
ولا تطلبوا علم الحقائق قبل بلوغ أجله، وهو موت النفوس، والزهد في الفلوس، وكمال التربية، وتمام التصفية، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من الشرة إليها قبل أوانها، فَاحْذَرُوهُ أن يعاقبكم بحرمانها، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ لا يعاجلكم بحرمان قصدكم، إن صح مقصدكم، والله تعالى أعلم، وبالله التوفيق.
ثم ذكر الحقّ ﷻ حكم الطلاق قبل المسيس، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣٦ الى ٢٣٧]
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)
قلت: (ما) مصدرية ظرفية، وأَوْ تَفْرِضُوا معطوف على تَمَسُّوهُنَّ أي: لا تبعة عليكم ولا إثم إن طلقتم النساء قبل البناء، مدة كونكم لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن مهرا، وإِلَّا أَنْ يَعْفُونَ مبني لاتصاله بنون النسوة، ووزنه: يفعُلن كقوله تعالى: السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وقوله وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً، وحَقًّا مفعول مطلق.
стр. 260
يقول الحق ﷻ : لا حرج عليكم من إثم أو صداق، إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مدة كونكم لَمْ تَمَسُّوهُنَّ بالجماع، أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً من الصداق، فطلقوهن حينئذٍ، وَمَتِّعُوهُنَّ أي: اعطوهن ما يتمتعن به ويجبر كسرهن، على قدر حال الزوج عَلَى الْمُوسِعِ أي: الغنى، قَدَرُهُ من المتعة كأمة أو كسوة أو مال يليق بحاله، وَعَلَى الْمُقْتِرِ أي: الذي تقتر رزقَه، أي ضَيّق عليه، وهو الفقير، قَدَرُهُ ما يقدر عليه، فمتعوهن مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ من غير سَرَفٍ ولا تقتير، حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ أي: حقّ ذلك عليهم حقّاً. حمل مالكُ الأمْرَ على الندب، وحمله غيره على الوجوب، وهو الظاهر.
وإن طلقتموهن بعد المسيس فالصداق كامل، وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ صداقاً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ يجب عليكم، إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أي: النساء، عن نصف الصداق، أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، وهو الأب في ابنته البكر قاله مالك، أو الزوج بأن يدفعه كاملاً، قاله الشافعي، وَأَنْ تَعْفُوا أيها الأولياء عن الزوج، فلا تقبضوا منه شيئاً، أَقْرَبُ لِلتَّقْوى لأن المرأة لم يذهب لها شيء فسلُعتُها قائمة، وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ والإحسان بَيْنَكُمْ، فتسامحوا يسمح لكم، إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فيجازي المحسن بإحسانه، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
الإشارة: من المريدين من تحصل له الغيبة عن نفسه، والجذب عنها، بعد أن يمسها بالمجاهدة والمكابدة، فحينئذٍ يمتعها بالشهود والعيان، وهذه طريق الجادة. ومنهم من تحصل له الغيبة عن نفسه والجذب عنها قبل أن يمسها، ويجاهدها، وهو نادر بالنسبة إلى الأول، فيقال لهؤلاء الفريق: لا جناح عليكم إن طلقتم أنفسكم، وغبتم عنها، من قبل أن تمسوها، وقبل أن تعرضوا عليها وظائف العبودية. ومتعوهن بالشهود والعيان على قدر وسعكم وقوة شهودكم، على الموسع قدره من لذة الشهود، وعلى المقتر- أي: المضيق عليه في المعرفة- قدره من لذة الشهود، حق ذلك حقا على المحسنين الذين حازوا مقام الإحسان، وفازوا بالشهود والعيان.
وإن حصل لكم جذب العناية، وطلقتم أنفسكم قبل أن تمسوها، وقد كنتم وظفتم عليها أوراداً من وظائف العبودية فنصف ما فرضتم، وهو المهم منها لأن عبادتها صارت قلبية، فيكفيها من العبادة القالبية المهم، إلا أن تقوى على ذلك مع الشهود. أو يأمرها الذي بيده عقدة نكاحها، وهو الشيخ، فلا يضرها الاشتغال بها حيث كان بإذْن، وأن تعفوا، أيها الشيوخ، عن المريدين في العبادة الحسيّة، وتأمروهم بالعبادة القلبية، أقرب للتقوى الكاملة، وهي تقوى السَّوَى. والله تعالى أعلم.
стр. 261
ولما ذكر الحق تعالى شأن النساء، حذر من الاشتغال بهن عن العبادة، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣٨ الى ٢٣٩]
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)
يقول الحق ﷻ : حافِظُوا أيضاً على أداء الصَّلَواتِ الخمس في أوقاتها بإتقان شروطها وأركانها وخشوعها وآدابها، ولا تشتغلوا عنها بشهوات النساء وتشغيب أحكامهن، ولا بغير ذلك، وحافظوا أيضاً على الصَّلاةِ الْوُسْطى وهى العصر عند الشافعي، وهو ظاهر الحديث، أو الصبح عند مالك لفضلها، أو لتوسطها بين صلاتي الليل والنهار. وما من صلاة إلا وقيل فيها الوسطى. وقيل: أخفيت كساعة الجمعة وليلة القدر.
وَقُومُوا لِلَّهِ في الصلاة قانِتِينَ أي: ساكتين، وكان، قبل نزول الآية، الكلام في الصلاة جائزاً، أو قيل: مطيعين. إذ القنوت في القرآن كله بمعنى الطاعة. فَإِنْ خِفْتُمْ من عدو، أو سَبع، أو سَيْل، فصلُّوا قياماً على أرجلكم بالإيماء للسجود، أَوْ رُكْباناً على خيولكم بالإيماء للركوع والسجود، فَإِذا أَمِنْتُمْ في الصلاة، أو بعدها، فصلوا صلاة أمن، فَاذْكُرُوا اللَّهَ في الصلاة، وصلوا كَما عَلَّمَكُمْ من الكيفية ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ قبل ذلك.
الإشارة: حافظوا على الصلوات الحسية قياماً بوظائف العبودية، وعلى الصلاة القلبية قياماً بشهود عظمة الربوبية وهي الصلاة الوسطى لدوامها في كل ساعة، قيل لبعضهم: هل للقلوب صلاة؟ قال: نعم، إذا سجد لا يرفع رأسه أبداً. هـ. أي: إذا خضع لهيبة العظمة لم يرفع أبداً، وفي ذلك يقول الشاعر:
فاسجُدْ لهيبةِ الجَلالِ ... عنْد التَّدَانِي
وَلْتَقْرَأ آيةَ الكَمالِ ... سَبْعَ المَثَانِي
وأشار بقوله «آية الكمال» لقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ليجمع بين الشريعة والحقيقة، فسجود القلب حقيقة، وسجود الجوارح شريعة، وقوموا لله بآداب العبودية قانتين خاشعين، فإن خفتم ألا تصلوا إلى ربكم، قبل انقضاء أجلكم، فسيروا إليه رجالاً أو ركباناً، خفافاً أو ثقالاً، فإذا أمنتم من القطيعة- وذلك بعد التمكين- فاذكروا الله شكراً لأجل ما أطلعكم عليه، وعلَّمكم ما لم تكونوا تعلمون من عظمة الربوبية، وكمال آداب العبودية.
стр. 262
ثم رجع الحقّ تعالى إلى الكلام على النساء، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٠]
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)
قلت: (وصية) : مبتدأ، والخبر محذوف، أي: عليهم وصية، ومَنْ نَصَبَ، فمفعول مطلق، أي: فليوصوا وصية، و (غير) : حال من الأزواج، أي: حَالَ كَوْنِهِنَّ غَيْرَ مُخْرَجَاتِ.
يقول الحق ﷻ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ويتركون أَزْواجاً بعدهم، فيجب عليهم أن يوصوا لأزواجهم وصية يتمتعن بها من كسوة ونفقة وسكنى، إلى تمام الْحَوْلِ ما دام الأزواج لم يخرجن من مسكن الزوج، فَإِنْ خَرَجْنَ بأنفسهن، فلا نفقة ولا كسوة ولا سكنى عليكم أيها الأولياء، ولا حرج عليكم فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين والتعرض للنكاح بعد تمام عدتهن، على ما هو معروف في الشرع، والوصية منسوخة بآية الميراث، وتربص الحول بآية أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً المتقدمة «١» المتأخرة في النزول، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ينسخ ما يشاء، ويحكم ما يريد، باعتبار الحكمة والمصلحة.
الإشارة: والذين يُتوفون عن الحظوظ والشهوات، ويتركون علوماً وأسراراً، ينبغي لهم أن يوصوا بحفظها وتدوينها، كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵁ إذا استغرق في الكلام وفاضت عليه المواهب، يقول: (هلاَّ رجلٌ يقيد عنا هذه العلوم) . هـ. ليقع التمتع بها للسائرين والطالبين، (غير إخراج) لغير أهلها، فإن قضى الوقت بخروجها، من غير قصد، فلا حرج، إما لغلبة وجد أو هداية مريد، (والله عزيز حكيم) ، فعزته اقتضت الغيرة على سره: أن يأخذه غير أهله، وحكمته اقتضت ظهوره في وقته لأهله. والله تعالى أعلم.
ثم كرر أمر المتعة تأكيدا، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤١ الى ٢٤٢]
وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)
стр. 263
قلت: إنما كرره لأن الأولى في غير المدخول بها، إذا طُلقت قبل الفرض، وهذه في المدخول بها، وعبَّر أولاً بالمحسن: لأن المتعة قبل الدخول لا يعطيها إلا أهل الإحسان لأن المطلق لم يحصل له تمتع بالزوجة، بخلاف الثاني، فمطلق المدخول بها، التقوى تحمله على الإمتاع.
وقيل: لمّا نزلت الآية الأولى، قال رجل من المسلمين: إنْ أحسنتُ مَتَّعْتُ وإلاَّ تَركتُ، فنزلت الثانية تأكيداً.
وقال: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ الشرك، أي: على كل مؤمن، وحكمها: الندب، عند مالك، على تفصيل ذكره في المختصر، فقال عاطفاً على المندوب: والمتعة على قدر حاله، بعد العدة للرجعة، أو ورثتها، ككل مُطَلَّقة في نكاح لازم، لا في فَسْخ كلعَانٍ وملك أحد الزوجين، إلا من اختلعَتْ، أو فُرض لها وطُلقت قبل البناء، ومختارة لعتقِها أو لِعَيْبه أو مُخَيَّرَة أو مُمَلَّكة.
الإشارة: كل من طلق نفسه وخالف هواها تمتع بحلاوة المعاملة مع ربه، فمن اتصل بشيخ التربية تمتع بحلاوة العبادة القلبية كالشهود والعيان، ومن لم يتصل بالشيخ تمتع بحلاوة العبادة الحسية. فالآية الأولى في المريدين والواصلين، وهذه الآية في العُبَّاد والزهاد، ولذلك عبّر في الأولى بالمحسنين، وفي الثانية بالمتقين، والله تعالى أعلم.
ثم حذّر من الفرار من الموت، توطئة للترغيب فى الجهاد، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٣]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)
قلت: الاستفهام للتعجب والتشويق، والرؤية قلبية، والواو للحال، و (حَذَرَ) مفعول من أجله.
يقول الحق ﷻ : ألم تنظر يا محمد، بعين الفكر والاعتبار، إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ عشرة، أو ثلاثون، أو أربعون، أو سبعون، حذراً من الْمَوْتِ في زمن الطاعون.
وكانوا في قرية يقال لها: (داوردان) فلما وقع بها الطاعون، خرجت طائفة هاربين، وبقيت أخرى، فهلك أكثر من بقي، وسلم الخارجون، ثم رجعوا، فقال الباقون: لو صنعنا مثلهم لبقينا، لئن أصابنا الطاعون مرة ثانية لخرجنا، فأصابهم من قابل، فهربوا كلهم، ونزلوا وادياً أفيح «١» ، فناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه، أن:
стр. 264
موتوا، فماتوا كلهم أجمعون، ومرت عليهم مدة ثمانية أيام أو أكثر حتى انتفخوا، وقيل: صاروا عظاماً، فمرَّ عليهم نبيّ الله (حزقيل) ، فدعا الله تعالى، واستشفع فيهم، فأحياهم الله، وعاشوا دهراً، عليهم سيما الموت لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالكفن، واستمر في أسباطهم. هـ.
قال الأصمعي: لما وقع الطاعون بالبصرة، خرج رجل منها على حمار معه أهله، وله عبد يسوق حماره، فأنشأ العبد يقول:
لن يُسبَقَ اللهُ على حِمار ... ولا على ذي مَشعَةٍ طيّار
قد يصبح الله أمَامَ السارِي «١» فرجع الرجل بعياله.
والآية تدل على أن الفرار من الطاعون حرام في تلك الشريعة، كما حرم في شرعنا، وروى عبد الرحمن ابن عوف أن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ هذا الوباء بِبلد فَلاَ تَقْدُمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وَقَعَ بِبلد وَأَنْتُمْ فيه فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهُ» .
قلت: وقد اختلف الأئمة في حكم الفرار والقدوم: فمنهم من شهر المنع فيهما تمسكاً بظاهر الحديث، ومنهم من شهر الكراهة. والمختار في الفرار: التحريم، وفي القدوم: التفصيل، فمن قوي يقينه، وصفا توحيده، حَلَّ له القدوم، ومن ضعف يقينه، بحيث إذا أصابه شيء نسب التأثير لغير الله حرم عليه القدوم.
وفي حديث عائشة- ﵂ قلت: يا رسول الله، ما الطاعون؟ قال: «غدة كغدة البعير، المقيم فيه كالشهيد، والفارُّ منه كالفار من الزحْف» . قال ابن حجر: كون المقيم فيه له أجر شهيد إنما بشرط أن يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن يسلم إليه أمره ويرضى بقضائه، وأن يبقى في مكانه ولا يخرج منه بقصد الفرار، فإذا اتصف الجالس بهذه القيود حصل له أجر الشهادة. ودخل تحته ثلاث صور، الأولى: من اتصف بذلك فوقع له الطاعون ومات فهو شهيد. والثانية: من وقع به ولم يمت به فهو شهيد وإن مات بعد ذلك. والثالثة: من لم يقع به أصلاً ومات بغيره عاجلاً أو آجلاً فهو شهيد، إذا حصلت فيه القيود الثلاثة، ومن لم يتصف بالقيود الثلاثة فليس بشهيد، ولو مات بالطاعون. والله أعلم هـ.
وأما القدوم من بلد الطاعون إلى البلد السالمة منه فجائز. ولا يُمنع من الدخول، قاله الباجي وابن حجر والحطاب وغيرهم لقوله- ﵊: «لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ» وأما قوله ﵊:
стр. 265
«فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ» ، وقوله: «لاَ يورد مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» ، فهو محمول على حسم المادة، وسد الذريعة لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك، فيظنه بسبب المخالطة، فيثبت العدوى التي نفاها الشارع، هذا المختار في الجمع بين الحديثين. والله تعالى أعلم. وإنما أطلت في المسألة لِمَسْ الحاجة لأن التأليف وقع في زمن الوباء، حفظنا الله من وبالها.
وقيل: إن الذين خرجوا من ديارهم قوم من بني إسرائيل، أُمروا بالجهاد، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنهم لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد، بقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حيث أنزل بهم رحمته، ففروا منها، ولم يعاقبهم، حيث أحياهم بعد موتهم، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ إذ لا يفهم النعم في طي النقم إلا القليل، فيشكروا الله في السراء والضراء.
الإشارة: ألم ترَ أيها السامع إلى الذين خرجوا من ديار عوائدهم وأوطان شهواتهم، وهم جماعة أهل التجريد، القاصدين إلى صفاء التوحيد، والغرق في بحر التفريد، حذراً من موت أرواحهم بالجهل والفَرْقِ، فاصطفاهم الله لحضرته، وجذبهم إلى مشاهدة ذاته، فقال لهم الله: موتوا عن حظوظكم، وغيبوا عن وجودكم، فلما ماتوا عن حظوظهم، وغابوا عن وجودهم، أحياهم الله بالعلم والمعرفة، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حيث فتح لهم باب السلوك، وهيأهم لمعرفة ملك الملوك، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ حيث تجلّى لهم، وعرَّفهم به، وهم لا يشعرون، إلا من فتح الله بصيرتهم، وقليل ما هم.
ثم حرّض الحق تعالى المؤمنين على الجهاد، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٤]
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)
يقول الحق ﷻ : وَقاتِلُوا الكفار فِي سَبِيلِ اللَّهِ وإعلاء كلمة الله حتى يكون الدين كله لله، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم ودعائكم، عَلِيمٌ بنياتكم وإخلاصكم، فيجازي المخلصين، ويحرم المخلطين.
الإشارة: وجاهدوا نفوسكم في طريق الوصول إلى الله، وأديموا السير إلى حضرة الله، فحضرة القدوس محرمة على أهل النفوس. قال الششتري:
إنْ تُرِدَ وَصْلَنَا فَمَوْتكَ شَرْطٌ ... لا يَنَالُ الوِصَالَ مَنْ فِيه فَضْلَه
стр. 266
ومجاهدة النفس هو تحميلها ما يثقل عليها، وبُعدها مما يخف عليها، حتى لا يثقل عليها شيء، ولا تشره إلى شيء، بل يكون هواها ما يقضيه عليها مولاها. قيل لبعضهم: [ما تشتهي؟ قال: ما يقضي الله] . واعلموا أيها السائرون أن الله سميع لأذكاركم، عليم بإخلاصكم ومقاصدكم.
ولما كان الجهاد يحتاج إلى مؤنة التجهيز، وليس كل الناس يقدر على ذلك، رَغَّبَ الحق تعالى الأقوياء بالإنفاق على الفقراء، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٥]
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)
قلت: القرض هو القطع، أطْلِقَ على السلف لأن المُقْرِضَ يقطع قطعة من ماله ويدفعها للمستلف، والمراد بها الصدقة لأن المتصدق يدفع الصدقة فيردها الحق تعالى له بضعف أمثالها فأشبهت القرض في مطلق الرد.
يقول الحق ﷻ : مَنْ هذا الذي يعامل الله تعالى ويقرضه قَرْضاً حَسَناً بأن يتصدق على عباده صدقة حسنة بنية خالصة، فيُكثرها الله تعالى له أَضْعافاً كَثِيرَةً بسبعمائة إلى ما لا نهاية له، ولا يحمله خوف الفقر على ترك الصدقة فإنَّ الله تعالى يقبض الرزق عمن يشاء ولو قل إعطاؤه، ويبسط الرزق على من يشاء ولو كثر إعطاؤه، بل يقبض على من قبض يده شحّاً وبخلاً، ويبسط على من بسط يده عطاءً وبذلاً، يقول: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» ، «أُنْفِقْ ولا تَخْش من ذي العرش إقلالا» .
ونسبة القرض إليه تعالى ترغيب وتقريب للإفهام، كما قال في الحديث القدسي: «يقول اللهُ تعالى يوم القيامة: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْني، قَالَ: يَا رَبّ! كَيْفَ أَعُودُكَ وأنت رب العالمين؟ قال: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ. أَمَا إِنَكَ لَوْ عُدْتَهُ لوجدتنى عنده. يَا ابْنَ آدَم اسْتَطْعَمتُكَ فَلَمْ تُطْعِمني. قال:
يَا رَبّ! كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رب العالمين؟ قال: أما علمت أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تُطْعمْه؟ أَمَأ عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَه لَوَجَدْتَ ذَلكَ عِنْدِي. يَا ابْنَ آدم استسقيتك فلم تسقنى. قال: يا رب كيف أَسْقِيك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟
قال: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تسْقِه. أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» .
الإشارة: من هذا الذي يقطع قلبه عن حب الدارين، ويرفع همته عن الكونين، فإن الله (يضاعفه له أضعافاً كثيرة) بأن يُمَلِّكَهُ الوجودَ بما فيه، «أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان
стр. 267
معك» ، (والله يقبض ويبسط) فيقبض الوجود تحت حكمك وهمتك، إن رفعت همتك عنه، ويبسط يدك بالتصرف فيه، إن علقت همتك بخالقه. أو يقبض القلوب بالفقد والوحشة، ويبسطها بالإيناس والبهجة. أو يقبض الأرواح بالوفاة، ويبسطها بالحياة. والقبض والبسط عند أهل التصوف: حالتان تتعاقبان على القلوب تعاقب الليل والنهار، فإذا غلب حال الخوف كان مقبوضا، وإذا غلب حال الرجاء كان مبسوطاً، وهذا حال السائرين. أما الواصلون فقد اعتدل خوفهم ورجاؤهم، فلا يؤثر فيهم قبض ولا بسط، لأنهم مالكوا الأحوالَ.
قال القشيري: فإذا كاشف العبدَ بنعت جماله بسطَه، وإذا كاشفه بنعت جلاله قَبضه. فالقبض يوجب إيحاشَه، والبسط يُوجب إيناسه، واعلم أنه يَرُدُّ العبد إلى حال بشريته، فيقبضه حتى لا يُطيق ذَرَّة، ويأخذه مَرَّة عن نعوته، فيجد لحمل ما يَرِدُ عليه قدرة وطاقة، قال الشّبلى ﵁: (من عَرَفَ الله حمَل السموات والأرض على شَعرة من جَفْن عينه، ومن لم يعرف الله- جلّ وعلا- لو تعلق به جَناح بعوضة لضجَّ) .
وقال أهل المعرفة: [أذا قَبض قَبض حتى لا طاقة، وإذا بسط بسط حتى لا فاقة، والكل منه وإليه] . ومن عرف أن الله هو القابض الباسط، لم يَعتِب أحداً من الخلق، ولا يسكن إليه في إقبال ولا إدبار، ولم ييأس منه في البلاء، ولا يسكن إليه في عطاء، فلا يكون له تدبير أبداً. هـ.
ولكلٍّ من القبض والبسط آداب، فآداب القبض: السكون تحت مجاري الأقدار، وانتظار الفرج من الكريم الغفار.
وآداب البسط: كف اللسان، وقبض العنان، والحياء من الكريم المنان. والبسط مَزَلَّة أقدام الرجال. قال بعضهم: (فُتح عليَّ بابٌ من البسط فزللتُ زَلَّة، فحُجِبْتُ عن مقامي ثلاثين سنة) . ولذلك قيل: قف على البساط وإياك والانبساطَ واعلم أن القبض والبسط فوق الخوف والرجاء، وفوق القبض والبسط: الهيبة والأنس فالخوف والرجاء للمؤمنين، والقبض والبسط للسائرين، والهيبة والأنس للعارفين، ثم المحو في وجود العين للمتمكنين، فلا هيبة لهم، ولا أنس، ولا علم، ولا حس. وأنشدوا:
فلو كُنْتَ مِنْ أَهلِ الوُجودِ حقيقةً ... لغبْتَ عَن الأكوانِ والعرشِ والكرسي
وكُنْتَ بلا حالٍ مَع اللهِ واقفاً ... تُصان عَنْ التّذْكَارِ للجِن والإنس «١»
стр. 268
ثم ذكر الحق تعالى قصة من أمر بالجهاد فجبن عنه، ترهيبا من التشبه به، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٦]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)
يقول الحق ﷻ : أَلَمْ تَرَ يا محمد- فتعتبر- إِلَى قصة جماعة مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ موت مُوسى حين طلبوا الجهاد، وقالوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ يقال له: شمويل، وقيل: شمعون: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً يَسوس أمرنا ونرجع إليه في رأينا إذ الحرب لا تستقيم بغير إمام نُقاتِلْ معه فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ لهم ذلك النبيّ: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا أي: هل أنتم قريب من التولي والفرار إن كُتب عليكم القتال؟ والمعنى: أتوقع جُبْنكم عن القتال إنْ فُرض عليكم. والأصل: عساكم أن تجبنوا إن فرض عليكم، فأدخل (هل) على فعل التوقع، مستفهماً عما هو المتوقع عنده، تقريراً وتثبيتاً.
قالُوا في جوابه: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أيْ: أيُّ مانع يمنعنا من القتال وقد وُجد داعيه؟ وهو تسلط العدو علينا فأخْرَجَنَا من ديارنا وأسَرَ أبناءَنا، وكان الله تعالى سلط عليهم جالوت ومن معه من العمالقة، كانوا يسكنون ساحل بحر الروم «١» بين مصر وفلسطين، وذلك لمَّا عصوا وسفكوا الدماء، فخرَّبَ بيت المقدس، وحرق التوراة، وأخذ التابوت الذي كانوا ينتصرون به، وسبي نساءهم وذراريهم «٢» . رُوِيَ أنه سبي من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين، فسألوا نبيهم أن يبعث لهم ملكاً يجاهدون معه، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ ويَسر لهم ملكاً يسوسهم وهو طالوت، جبنُوا وتولوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وهم من عَبَرَ النهر مع طالوت، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ فيخزيهم ويُفسد رأيهم. نعوذ بالله من ذلك.
стр. 269
الإشارة: ترى كثيراً من الناس يتمنون أن لو ظفروا بشيخ التربية، ويقولون: لو وجدناه لجاهدنا أنفسنا أكثر من غيرنا، فلما ظهر، وعُرف بالتربية، تولى ونكص على عقبيه، وتعلل بالإنكار وعدم الأهلية، إلا قليلاً ممن خصه الله بعنايته (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرحمَتِهِ مَن يَشَاءُ) . (واللَّهُ ذو الفضل العظيم) . سبحان مَن لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا مَن أراد أن يوصله إليه.
ثم عيّن لهم الملك الذي طلبوا، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٧]
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)
يقول الحق ﷻ : وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ شمويل: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ ملكاً، أي: عيَّنه لكم لتقاتلوا معه، وهو طالُوتَ وهو عَلَمٌ عِبْراني كدَاوُد، قالُوا تعنتاً وتشغيباً: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا أي من أين يستأهل التملك علينا وليس من دار الملك؟ لأن المملكة كانت في أولاد يهوذا، وطالوت من أولاد بنيامين، والنبوة كانت في أولاد لاوى. وقالوا: نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وراثة ومُكْنة، لأن دار المملكة فينا. وأيضاً هو فقير لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ يتقوى به على حرب عدوه، وكان طالوت فقيراً راعياً أو سَقَّاءً أو دباغاً. قالَ لهم نبيهم- ﵇: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ رغم أنفكم. قال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبيهم: إذا دخل عليك رجل فَنَش «١» الدُهنَ الذي في القرن «٢» فهو ملكهم، فلما دخل طالوت نَشَّ الدهن.
وقال السدي: أرسل الله إليه عَصا، وقال له: إذا دخل عليك رجل على طول هذه العصا فهو ملكهم، فكان ذلك طالوت فتبيَّن أن الله تعالى اصطفاه للملك، وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ فكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة وقيل:
بالحروف وعلم السياسة. وزاده أيضاً بسطه في الْجِسْمِ، فكان أطولُ بني إسرائيل يبلغ إلى مَنْكبِهِ. وذلك ليكون أعظم خطَراً في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، (والله يؤتي ملكه من يشاء) لأنه ملك الملوك
стр. 270
يضع مُلكه حيث شاء، (والله واسع) فيوسع على الفقير ويغنيه بلا سبب، (عليم) بمن يليق بالملك بسبب وبلا سبب.
ثم ذكر آية أخرى تدل على ملكه، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٨]
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)
قلت: قال الجوهري: أصل التابوت: تأبُوة، مثل تَرْقُوة وهي فَعْلُوةٌ، فلما سُكِّنتْ الواو، انقلبت هاء التأنيث تاءٌ، فلغة قريش بالتاء، ولغة الأنصار بالهاء.
يقول الحق ﷻ : وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ لَمَّا طلبوا منه الحجة على اصطفاه طالوت للملك: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ وهو صندوق من خشب الشمشار مُمَوَّه بالذهب، طوله ثلاثة أذرع في سعة ذراعين فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي: فيه ما تسكن إليه قلوبكم وتثبت عند الحرب. وكانوا يُقدمونه أمامهم في الحروب فلا يفرون، ويُنصرون على عدوهم، وقيل: كان فيه صور الأنبياء من آدم ﵇ إلى محمد ﷺ . وقيل: كان فيه طَسْت من ذهب غُسلت به قلوب الأنبياء- ﵈ وهى السكينة- وفيه بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وهي رُضاض «١» الألواح، وعصا موسى، وثيابه، وعمامة هارون والآل: مقحم فيهما.
تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ قال وهب: لما صار التابوت عند القوم الذين غلبوا بني إسرائيل- فوضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تُصبح مُنكسرة، فحملوه إلى قرية قوم، فأصاب أولئك القومَ أوجاعٌ، فقالوا: ما هذا إلا لهذا التابوت، فلنتركه إلى بني إسرائيل، فأخذوا عَجَلَةً فجعلوا التابوت عليها وربطوها ببقرتين، وأرسلوهما نحو بلاد بني إسرائيل، فبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر.
وقيل غير ذلك.
стр. 271
وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يحتمل أن يكون من كلام نبيهم، أو من كلام الحق تعالى لنبينا- ﵊.
الإشارة: من شأن غالب النفوس ألا تقبل الخصوصية عند أحد حتى تظهر علامتُها، ولذلك طالب الكفارُ الرسلَ بالمعجزات، وطالب العوامُ الأولياءَ بالكرامات، ويكفي في الولي استقامة ظاهره، وتحقيق اليقين في باطنه.
قال الشيخ أبو الحسن ﵁: «إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان: كرامة الإيمان بمزيد الإيقان ونعت العيان، وكرامة العمل على السنة والمتابعة، وترك الدعاوى والمخادعة، فَمنْ أُعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما فهو مفتر كذاب، أو ذو خطأ في العلم والعمل ... » الخ كلامه ﵁.
وقال في العوارف: وقد يكون مَنْ لا يُكَاشَفُ بشيء من معاني القَدَر أفضل ممن يكاشف بها، إذا كاشفه الله تعالى بصرف المعرفة، فالقدرة أثر من القادر، ومن أُهِّل لقرب القادر لا يستغرب ولا يستكثر شيئاً من القدرة، ويرى القدرة تتجلّى من سُحُب أجزاء عالم الحكمة. فالكرامة إنما تظهر للقلوب المضطربة والنفوس المتزلزلة، وأما من سكن قلبه باليقين واطمأنت نفسه بالعيان لم يحتج إلى دليل ولا برهان إذ الجبال الراسية لا تحتاج إلى دُعامة، والله تعالى أعلم.
وكل من طالب أهلَ الخصوصية بالكرامة الحسية ففيه نزعة إسرائيلية، حيث قالوا لنبيهم بعد أن عيَّن لهم مَنْ أكرمه الله بخصوصية الملك: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُ بِالْمُلْكِ منه) . ورد الحق تعالى عليهم بقوله:
وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ. وما أظهر لهم كرامة التابوت إلا بعد امتناعهم من الجهاد المُتَعَيَّنِ عليهم رحمةٌ بهم. والله تعالى أعلم.
ثم كمّل قصة خروجهم إلى العدو، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٩]
فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)
стр. 272
قلت: قال في القاموس: غرف الماء يغرفه: أخذه بيده، كاغْتَرَفه، والغَرْفَةُ للمَرَّة، وبالكسر: هيئة الغرف وبالضم: اسم للمفعول، كالغرافة، لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غُرْفَة، ثم قال: والغُرْفَةُ، بالضم: العُلِّيَّة «١» .
يقول الحق ﷻ : ولما اتفقوا على مُلك طالوت تجهز للخروج، وقال: لا يخرج معه إلا الشبابُ النشيط الفارغُ ليس وراءه علقة «٢» ، فاجتمع ممن اختار ثمانون ألفا، وقيل: ثلاثون، فلما انفصل عن بلده بالجنود وساروا في البيداء، - وكان وقت الحرِّ والقيّظ- عطشوا، وسألوا طالوتَ أن يُجري لهم نهراً، فقال لهم بوحْي، أو بإلهام، أو بأمر نبيهم: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ أي: مُختبركم بِنَهَرٍ بسبب اقتراحكم، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ كَرْعاً بلا واسطة فَلَيْسَ مِنِّي أي: من جيشي، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ أي: يَذْقه، فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فإنها تكفيه لنفسه ولفرسه، فالاستثناء من الجملة الأولى.
فَشَرِبُوا مِنْهُ أي: كَرعُوا، وسقطوا على وجوههم، إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ثلاثُمائةٍ وأربعةَ عشر، على عدد أهل بدر، وقيل: ألفاً. رُوِيَ أن من اقتصر على الغَرفة كَفَتْه لشربه ودوابه، ومن لم يقتصر غلب عطشُه، واسودَّتْ شفتُه ولم يقدْر أن يمضيَ. وعن ابن عباس: أن القومَ شربوا على قدر يقينهم: فالكفار شربوا شُربَ الهيم، وشَرِب العاصي دون ذلك، وانصرف من القوم ستةٌ وسبعون ألفاً، وبقي بعضُ المؤمنين لم يشرب شيئاً، وأخذ بعضهم الغَرفة، فأما من شرب فاشتد به العطشُ وسقط، وأما من ترك الماءَ فحسن حالُه، وكان أجلَد ممن أخذ الغرفة. هـ.
وحكمة هذا الامتحان: ليتخلص للجهاد المطيعون المخلصون، إذ لا يقع النصر إلاَّ بهم، فلما جاوز النهرَ طالوتُ ومن بقيَ معه ممن لم يشربْ قال بعضهم لبعض: لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ لكثرتهم وقلة عددنا، قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أي: يَتَيَقَّنْون أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ ويتوقعون ثوابَ الشهادة وهم الخُلْصُ من أهل البصيرة: لا تفزعوا من كثرة عددهم كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وإرادته ومعونته، و «كم» للتكثير، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصر والمعونة.
الإشارة: قال بعض الحكماء: الدنيا كنهر طالوت، لا ينجو منها إلا من لم يشربْ أو اغترف غرفةً بيده، فمن أخذ منها قَدْرَ الضرورةِ كَفَتْه، ونَشَطَ لعبادة مولاه، ومن أخذ فوق الحاجة حُبس في سجنها، وكان أسيرا فى يدها.
стр. 273
وقال بعضهم: طالبُ الدنيا كشارب ماءِ البحر، كلما زاد شربه ازداد عطشه. هـ. وقال ﷺ : «من أُشرب قلبه حُبَ الدنيا التاط «١» منها بثلاث: بشغل لا ينفد عناه، وأمل لا يبلغ منتهاه، وحرص لا يدرك مداه» وقال عيسى ﵇: الدنيا مزرعة لإبليس، وأهلها حراث له. هـ. وقال على ﵁: الدنيا كالحية: لَيِّن مسها، قاتل سمها، فكن احذر ما تكونُ منها، أَسَرَّ ما تكون بها فإن من سكن منها إلى إيناس أزاله عنها إيحاش.
وقال ﵊: «مِنْ هوان الدنيا على الله أنه لا يُعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها» .
وقال سيدنا علي- كرّم الله وجهه-: أول الدنيا عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، ومتشابهها عتاب، من استغنى فيها فُتن، ومن افتقر فيها حزن. هـ. وقيل: الدنيا تُقبل إقبال الطالب، وتُدبر إدبار الهارب، وتصل وصال الملول، وتُفارق فراق العجول، خيرها يسير، وعمرها قصير، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية.
وقال عيسى ﵇: تعملون للدنيا، وأنتم تُرزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل. هـ. وقيل: أوحى الله إلى الدنيا: مَنْ خدَمني فاخدِميه، ومن خدمك فاستخدِميه.
وكان عمرُ بنُ عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات «٢» :
نهارك يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ ... وليلُكَ نومٌ، والأسَى لك لازمٌ
تُسَرُّ بما يفْنَى، وتفرحُ بالمُنَى ... كما سُرَّ باللذَّات في النومِ حالمُ
وشغلُك فيها سوف تكرَه غَبَّه ... كذلك في الدنيا تَعيِشُ البهائمُ
وقال آخر «٣» :
هي الدارُ دَارُ الأذى والقذى ... ودارُ الفناءِ ودارُ الْغِيَرْ
فلو نِلْتَها بحذافيرها ... لمِتَّ ولم تقض منها الوطرْ
أيا مَنْ يؤملُ طولَ الخلودِ ... وطولُ الخلودِ عليه ضررْ
إذا ما كبِرْتَ وفات الشبَابُ ... فلا خيرَ في العيش بعد الكبر
стр. 274
ثم ذكر الحق تعالى قصة جالوت وملك داود ﵇، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٥٠ الى ٢٥٢]
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)
يقول الحق ﷻ : ولما برز طالوت بمَن معه لِجالُوتَ، أي: ظهر في البرَاز، ودنا بعضهم من بعض، تضرعوا إلى الله واستنصروه، وقالوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي: أصْبُبْه علينا صبّاً، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عند اللقاء لئلا نَفِرّ، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. وفي دعائهم ترتيب بليغ سألوا أولاً إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدمِ في مَدَاحِضِ الحرب المُسببِ عنه، ثم النصرَ على العدو المرتب عليها غالباً.
فهزم الله عدوَّهم وأجاب دعاءهم بإذنه وقدرته، وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ. وقصة قتله: أن أصحاب طالوت كان فيهم بنو إيش، وهو أبو داود ﵇ ستة أو سبعة، وكان داود صغيراً يرعى غنماً، فلما حضرت الحرب قال فى نفسه: لأذهبن لرؤية هذه الحرب، فمرَّ في طريقه، بحجر فناداه: يا داود خُذْني، فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها، وجعلها في مخلاته وسار، فلما حضر البأس خرج جالوت يطلب البراز، وكاع «١» الناس عنه، أي: تأخروا خوفاً، حتى قال طالوت: من يبرز له ويقتله فأنا أزوجه ابنتي، وأُحَكِّمُهُ في مالي، فجاء داود، فقال له طالوت: اركب فرسي وخذ سلاحي، ففعل، وخرج في أحسن شكله، فلما مشى قليلاً رجع، فقال الناس: جَبُنَ الفتى، فقال داود: إن الله سبحانه لم يقتله ولم يُعنى عليه، لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله
стр. 275
على عادتي. وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل، وأخذ مخلاته فتقلدها، وأخذ مقلاعه فخرج إلى جالوت، وهو شاكٍ «١» في السلاح، فقال جالوت: أنت يا فتى تخرج إليّ! قال، نعم، قال: هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال:
نعم، وأنت أهون، قال: لأطعمن لحمك اليوم الطير والسباع، ثم تدانيا فأدار داود فأخذ مقلاعه وأدخل يده إلى الحجارة، فروى أنها التأمت، وصارت حجراً واحداً، فأخذه ووضعه في المقلاع، وسَمَّى الله، وأداره، ورماه، فأصاب رأس جالوت فقتله، وجزّ رأسه، وجعله في مخلاته، واختلط الناس، وحمل أصحابُ طالوت فكانت الهزيمة.
ثم إن داود جاء يطلب شرطه من طالوت، فقال: حتى تقتل مائتين من هؤلاء الجراجمة «٢» الذين يؤذون الناس وتجيئني بسلبهم، فقتل داود منهم مائتين، وجاء بذلك، فدفع إليه امرأته وتخلّى له عن الملك «٣» . ولما تمكن داود- ﵇ من الملك، أجلى من بقي من قوم جالوت إلى المغرب، فمن بقيتهم البرابرة من الشلوح وسائر الأرياف.
فآتي اللهُ داود الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وهي النبوة، وقيل: صنعة الدروع ومنطق الطير وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ من أنواع العلوم والمعارف والأسرار، وقد دفع الله بأس الكافرين ورد كيدهم في نحرهم، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ أي: لولا أنَّ الله يدفع بعض الناس ببعض، فينصر المسلمين على الكافرين، ويكف فسادهم، لغلبوا وأفسدوا في الأرض. أو: لولا أن الله نصب السلطان، وأقام الحكام لينصفوا المظلوم من الظالم، ويردوا القوي عن الضعيف، لتواثب الخلق بعضهم على بعض، وأكل القوي الضعيفَ فيفسد النظام. أو: لولا أن الله يدفع بالشهود عن الناس في حفظ الأموال والنفوس والدماء والأعراض، لوقع الفساد في الأرض.
أو: لولا أن الله يدفع بأهل الطاعة والإحسان عن أهل الغفلة والعصيان، لفسدت الأرض بشؤم أهل العصيان.
وفى الخبر عنه ﷺ : «إنَّ الله يَدْفَعُ بالمُصلِّي مِنْ أمَّتِي عَمَّنْ لا يصلى، وبمن يُزكيَّ عَمَّنْ لاَ يُزَكِّي، وبمن يصوم،
стр. 276
عَمَّنْ لاَ يَصُوم، وبمَنْ يَحُجُّ، عَمَّنْ لاَ يَحُجُّ، وبَمَّنْ يُجاهِدُ عَمَّنْ لاَ يُجَاهِدُ. وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِ هذِهِ الأشْياءِ ما أنْظَرَهُمُ الله طَرْفة عَيْنٍ» .
وفي حديث آخر: «لولا عباد لله رُكَّع، وصبية رُضَّع، لصبَّ عَليكُمُ العَذَابُ صَبًّا» . ورَوى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليُصْلِحُ بصلاح الرجل- ولده وولد ولدهِ، وأهل دُوَيْرَتِه، ودويراتٍ حوله، ولا يزالون في حفظ الله مادام فيهم» . هـ. فهذا من فضل الله على عباده يصلح طالحهم بصالحهم، ويُشَفع خيارُهُم في شرارهم، ولولا ذلك لعوجلوا بالهلاك، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ.
تِلْكَ يا محمد، آياتُ اللَّهِ والإشارة إلى ما قصَّ من حديث الألوف، وتمليك طالوت، وإتيان التابوت، وانهزام الجبابرة أصحاب جالوت، نَتْلُوها أي: نقصها عليكم بِالْحَقِّ أي: بالوجه المطابق الذي لا يَشُك فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ، وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ حيث أخبرتَ بها من غير تعرف ولا استماع ولم يعهد منك تعلم ولا اطلاع، فلا يشك أنه مِنْ عند الخبير العليم، إلا من طَبع اللهُ على قلبه. نعوذ بالله من ذلك.
الإشارة: «من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات» ، فإذا برز المريد لجهاد أعدائه من النفس وَالهوى والشيطان وسائر القُطاع، واستنصر بالله وتبرأ من حوله وقوته، كان ذلك علامة على نصره وظفره بنفسه، وكان سبباً في نجح نهايته، فيملكه بالله الوجود بأسره، ويفتح عليه من خزائن حكمته. قال أبو سليمان الداراني: (إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام، جالت في الملكوت ثم عادت إلى صاحبها بطرائف الحكم من غير أن يؤدي إليها عالم علماً) . وفي الخبر: «من عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللهُ علمَ مَا لم يعلمْ» . وكان حينئذٍ رحمة للعباد، يدفع الله بوجوده العذاب عمن يستحقه من عباده.
وفي الحديث القدسي: «يقول الله : إذا كان الغالبَ على عبدي الاشتغالُ بي جعلتُ همته ولذَّته في ذكري، ورفعتُ الحجابُ فيما بيني وبينه، لا يسهو إذا سَهَا الناسُ، أولئك كَلاَمُهُم كلام الأنبياءِ، أولئك الأبطالُ حقًا، أولئك الذين إذا أردتُ بأهلِ الأرضِ عقوبةً أو عذابًا ذكرتُهم فصرفتُه بهم عنهم» . حقَّقنا الله بمحبتهم وجعلنا منهم.. آمين.
стр. 277
ولمَّا ذكر في هذه السورة جملة من الأنبياء والرسل، وشهد لرسوله ﷺ أنه من المرسلين ذكر تفضيل بعضهم على بعض في الجملة، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٣]
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)
قلت: (تلك) : مبتدأ، و (الرسل) : نعت، أو بدل منه، أو بيان، و (فضلنا) ، خبر، أو (الرسل) خبر، و (فضلنا) : خبر ثان، والإشارة إلى الجماعة المذكور قَصَصُها في السورة.
يقول الحق ﷻ : تِلْكَ الرُّسُلُ الذين قصصناهم عليك، وذكرتُ لك أنك منهم، فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بخصائص ومناقب لم توجد في غيره. لكن هذا التفضيل إنما يكون في الجملة من غير تعيين المفضول، لأنه تنقيص في حقه وهو ممنوع. ولذلك قال ﵊: «لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنبِيَاءَ» ، «ولا تفضلوني على يونس بن متى» فإن معناه النهي عن تعيين المفضول، لأنه غيبة وتنقيص، وقد صرح ﷺ بفضله على جميع الأنبياء بقوله: «أنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ولا فخر» . لكن لا يُعَيِّن أحداً من الأنبياء بالمفضولية لئلا يؤدي إلى نقصه، فلا تعارُضَ بين الحديثين.
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وهو موسى ﵇ في جبل الطور، وسيدنا محمد ﷺ حين كان قاب قوسين أو أدنى، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وهو نبيّنا محمد ﷺ فإنه خُصَّ بالدعوة العامة، والحُجَج المتكاثرة، والمعجزات المستمرة، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر، والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر. والإبهام لتفخيم شأنه، كأنه العلم المشهور المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين. وقيل: إبراهيم، خصه بالخلة التي هي أعلى المراتب.
قلت: بل المحبة أعلى منها «١» ، وقيل: إدريس لقوله: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا، وقيل: أولو العزم من الرسل، قاله البيضاوي.
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أي: الآيات الواضحات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، (وأيدناه بروح القدس) ، أي: جبريل ﵇ كان معه أينما سار، وخصَّه بالتعيين لإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، فردَّهم إلى الصواب باعتقاد نبوته دون ربوبيته.
стр. 278
الإشارة: كما فضَّل الله الرسل بعضهم على بعض، كذلك فضل الأولياء بعضهم على بعض، وإنما يقع التفضيل بكمال اليقين، والتغلغل في علم التوحيد الخاص، ذوقاً وكشفاً، والترقي في المعارف والأسرار. وذلك بخدمة الرجال وصحبة أهل الكمال، والتفرغ التام، والزهد الكامل في النفس والفَلْس والجنْس، فمنهم من تحصل له المشاهدة وتصحبها المكالمة، ومنهم من تحصل له المشاهدة دون المكالمة، ومنهم من تحصل له الكرامات الواضحة، ومنهم من لا يرى شيئاً من ذلك استغناءً عنها بكرامة المعرفة. وما قيل في الرسل من عدم تعيين المفضول، مثله يقال في حق الأولياء، وإلا وقع في الغيبة الشنيعة فإن لحوم الأولياء سموم، فليعتقد الكمال في الجميع، ولا يصرح بتعيين المفضول كما تقدّم. والله تعالى أعلم.
ولما ذكر الحقّ تعالى أحوال الرسل، وتفاوتهم في العناية، ذكر أحوال أممهم وتفاوتهم في الهداية، فقال:
وَلَوْ شاءَ ... قلت: إذا وقع فعل المشيئة بعد (لو) فالغالب حذف مفعوله، كقوله: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، أي: لو شئنا رفعه لرفعناه بها، وكقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ ... ، أي: لو شاء هدايتهم ما اقتتلوا، وغير ذلك.
يقول الحق ﷻ : ولما بعثتُ الرسلَ، وفضَّلتُ بعضَهم على بعض، اختلفت أممهم من بعدهم فاقتتلوا، وكل ذلك بإرادتي ومشيئتي، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هداية أممهم مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ المعجزات الواضحات في تحقيق رسالتهم وصحة نبوتهم، وَلكِنِ اخْتَلَفُوا بغياً وحسداً فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بتوفيقه لاتباع دين الأنبياء، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بمخالفتهم، فكان من الأشقياء، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ جمعهم على الهدى مَا اقْتَتَلُوا، لكن حكمته اقتضت وجود الاختلاف ليظهر سر اسمه المنتقم والقهار واسمه الكريم والحليم، وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ.
وفي الآية دليل على أن الحوادث كلها بيد الله خيرها وشرها، وأن أفعال العباد كلها بقدرته تعالى، لا تأثير لشيء من الكائنات فيها. وهذا يردُّ قول المعتزلة القائلين بخلق العبد أفعاله، فما أبعدهم عن الله. نسأل الله العصمة بمنِّه وكرمه.
الإشارة: اختلاف الناس على الأولياء سُنة ماضية وحكمة أزلية، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ، فمن رأيته من الأولياء اتفق الناسُ على تعظيمه في حياته فهو ناقص أو جاهل بالله إذ
стр. 279
الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، وهذا هو الغالب، والنادر لا حكم له، فلو كان الاتفاق محموداً لكان على الأنبياء أولى، فلما لم يقع للأنبياء والرسل، لم يقع للأولياء إذ هم على قدمهم، وقائمون بالوراثة الكاملة عنهم. والله تعالى أعلم.
ثم حضّ على الصدقة فى سبيل الله لأنها برهان الإيمان وعنوان الهداية، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ واجباً أو تطوعاً في وجوه الخير، وخصوصاً في الجهاد الذي نحن بصدد الحضّ عليه، وقدموا لأنفسكم ما تجدونه بعد موتكم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ الحساب، واقتضاء الثواب، يوم ليس فيه بَيْعٌ ولا شراء، فيكتسب ما يقع به الفداء، وليس فيه خُلَّةٌ تنفعُ إلا خلة الأتقياء، وَلا شَفاعَةٌ ترجى إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا فأنفقوا مما خولناكم في سبيل الله، وجاهدوا الكافرين أعداء الله، فإن الكافرين هُمُ الظَّالِمُونَ حيث وضعوا عبادتهم في غير محلها، ونسبوا الربوبية لغير مستحقيها، إذ لا يستحقها إلا الحي القيوم، الذي أشار إليه الحق ﷻ :
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٥]
اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)
قلت: (الله) : مبتدأ، وجملة (لاَ إله إِلاَّ هُوَ) : خبره، والضمير المنفصل بدل من المستتر في الخبر، و (الحي) : إما خبر ثان، أو لمبتدأ مضمر، أو بدل من (الله) ، و (قيوم) فَيْعُول، مبالغة من القيام، ومعناه: القائم بنفسه المستغني عن غيره.
стр. 280
يقول الحق ﷻ : اللَّهُ الواجب الوجود لا يستحق العبادة غيره، فمن عبد غيره فقد أتى بظلم عظيم الْحَيُّ أي: الدائم بلا أول، الباقي بلا زوال الذي لا سبيل عليه للموت والفناء، الْقَيُّومُ أي: دائم القيام بتدبير خلقه في إيصال المنافع ودفع المضار، وجلب الأرزاق وأنواع الارتقاء، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ السنة:
ما يتقدم النوم من الفتور، والنوم: حالة تعرض للإنسان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، فتقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأساً.
وتقديم السنَة عليه، على ترتيب الوجود، كقوله تعالى: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً، وجمع بينهما لأنه لو اقتصر على نفى السنّة عنه لتوهم أن النوم يغلبه لأنه أشد، ولو اقتصر على نفي النوم لتوهم أن السنة تلحقه لخفتها. والمراد تنزيهه تعالى عن آفات البشرية، وتأكيد كونه حيّاً قيوماً، فإن من أخذه نعاس أو نوم يكون مؤوف «١» الحياة، قاصراً في الحفظ والتدبير. ولذلك ترك العطف فيه وفي الجمل التي بعدَه لأنها كلها مقررة له، أي: للحيّ للقيّوم.
وقد ورد أنه اسم الله الأعظم، وقال ﵊ لفاطمة- ﵂: «ما مَنَعك أن تَسْمَعي ما أُوصِيك به تَقُولين إذا أصْبَحْتِ وإذا أمْسَيتِ يا حيّ يا قيوم، برحمتِكَ أستغيث أصْلحْ لي شأني كُلَّه، ولا تَكلْني إلى نفْسِي طَرْفَةَ عَيْنِ» . رواه النسائي. وأخرج مسلم عن أبى موسى ﵁ قال: «قَامَ فِينَا رسُولَ الله ﷺ بخَمْسِ كلماتٍ قال: إنَّ الله لا ينامُ، ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنَام، يَخْفِضُ القِسطُ ويَرْفَعُهُ. يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيل قَبْلَ عَمَلَ النَّهَارِ وعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَملِ اللَّيلِ، حِجَابُهُ النُّورُ- وفي رواية. النَّارُ- لَوْ كَشَفَهُ لأحرقت سُبحات وجهه ما أدركه بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» .
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هذا تقرير لقيوميته تعالى، واحتجاج على تفرده في الألوهية.
والمراد بما فيهما: ما هو أعمُّ من أجزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما، المتمكنة فيهما، من العقلاء وغيرهم، فهو أبلغ من (له السموات والأرض وما فيهن) ، يعني: أن الله يملك جميع ذلك من غير شريك ولا منازع، وعبر ب- (ما) تغليبا للغالب.
стр. 281
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ هذا بيان لكبرياء شأنه، وأنه لا يدانيه أحد ليقدر على تغيير ما يريده بشفاعة واستكانة، فضلاً عن أن يعاوقه عناداً أو مناصبة. والاستفهام إنكاري، أي: لا أحد يشفع عنده لمن أراد تعالى عقوبته، إلا بإذنه، وذلك أن المشركين زعموا أن الأصنام تشفع لهم، فأخبر تعالى أنه لا شفاعة عنده إلا بإذنه، يريد بذلك شفاعة النبي ﷺ وبعض الأنبياء والأولياء والملائكة.
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي: ما قبلهم وما بعدهم، أو بالعكس، لأنك تستقبل المستقبل وتستدبر الماضي وقيل: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من الدنيا وَما خَلْفَهُمْ من الآخرة، وقيل: عكسه، لأنهم يقدمون ويُخَلِّفُون الدنيا وراءهم، وقيل: يعلم ما قدموه بين أيديهم من خير أو شر، وما خلفهم وما هم فاعلوه، أو عكسه.
والمراد أنه سبحانه أحاط بالأشياء كلها، فلا يخفى عليه شيء وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ أي: لا يحيطون بشيء من معلوماته تعالى إلا بما شاء أن يُطْلعهم عليه، وعطفه على ما قبله لأن مجموعه يدل على تفرده تعالى بالعلم الذاتي التام، الدال على وحدانيته تعالى في ذاته وصفاته.
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يقال: فلان يسَعُ الشيء سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيامُ به. ويقال:
وسع الشيءُ الشيء إذا أحاط به وغمره حتى اضمحلّ في جانبه، وهذا المعنى هو اللائق هنا. وأصل الكرسي في اللغة: من تَركّب الشيء بعضه على بعض، ومنه الكراسة، لتركب أوراقها بعضها على بعض، وفي العرف: اسم لما يُقعد عليه، سُمِّي به لتركب خشباته. واختلف فيه فقيل: العرش، وقيل: غيره.
والصحيح أنه مخلوق عظيم أمام العرش، فوق السموات السبع دون العرش. يقال: إن السموات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة. والكرسي في جانب العرش كحلقة في فلاة. وعن ابن عباس: (أن السموات في الكرسي كدراهم سبعة في تُرْسٍ) وقيل: كرسيه: علمه.
قال البيضاوي: هو تصوير لعظمته تعالى وتمثيل مجرد، كقوله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد «١» . وقيل: كرسيه مجاز عن
стр. 282
علمه أو ملكه، مأخوذ من كرسي العلم والملك، وقيل: جسم بين يدي العرش محيط بالسماوات السبع لقوله- ﵊: «ما السموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة في فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة» ولعله الفلك المشهور بفلك البروج. هـ. قلت: وقد اعترض السيوطي في حاشيته عليه «١» . فالله تعالى أعلم.
وَلا يَؤُدُهُ أي: لا يُثْقله ولاَ يُشقُّ عليه حِفْظُهُما أي: حفظ السموات والأرض. وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لأن حفظهما مُسْتَتْبع لحفظه، وَهُوَ الْعَلِيُّ أي: المتعالي عن الأشباه والأنداد، الْعَظِيمُ أي: عظيم الشأن، جليل القدر، الذي يستحقر كلُّ شيء دون عظمته.
وهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهية، فإنها دالّة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية، متصف بالحياة الذاتية، واجب الوجود لذاته، موجد لغيره إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره، منزه عن التحيز والحلول، مُبرَّأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح، ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، مبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له. عالم بالأشياء كلها: جليّها وخفيّها، كلّيّها وجِزْئيَّها.
واسع الملك والقدرة لكل ما يصح أن يملك ويقدر عليه، لا يشقُّ عليه شاقٌّ، ولا يشغله شأن عن شأن، مُتَعَالٍ عن تناول الأوهام، عظيمٌ لا تحيط به الأفهام، ولذلك تفردت عن أخواتها بفضائل رائعة وخواص فائقة، قال ﷺ :
«أعظمُ آيةٍ في القرآنِ آية الكرسىّ» . وقال ﵊: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسيّ دُبر كل صلاة مكتوبة لم يَمْنَعْهُ من دُخُولِ الْجنَّة إلا الموتُ- وفي رواية- كانَ الذي يَتوَلَّى قَبْضَ رُوحِه ذُو الجَلاَل والإكْرَام- ولا يُوَاظِبُ عليها إلا صِدِّيقٌ أو عَابدْ، ومن قَرَأها إذا أخَذ مَضْجَعَه أمن على نفْسِه وَجارِه وَجارِ جَارِه، والأبيات حوله» .
وقال ﵊: «ما قُرئت هذه الآيةُ في بيْت إلا هَجَرَتْهُ الشياطينُ ثلاثين يَوْماً، ولا يدْخُله ساحرُ ولا ساحرةٌ أربعين يوماً، يا عليّ علِّمْها ولدَك وأهلكَ وجيرانَك، فما نزلَتْ آيةٌ أعظمُ منها» . قاله البيضاوي وأبو السعود، وتكلم السيوطي في بعض هذه الأحاديث. والفضائل يعمل فيها بالضعيف. والله تعالى أعلم.
الإشارة: يا أيها الذين آمنوا أيمان أهل الخصوصية- (أَنفِقُواْ مما رزقناكم) من سعة العلوم ومخازن الفهوم، من قبل أن يأتي يوم اللقاء، يوم تسقط فيه المعاملات وتغيب تلك الإشارات، لا ينفع فيه إلا الدخول من باب الكرم،
стр. 283
فيلقى الله بالله دون شيء سواه، والجاحدون لهذا هم الظالمون لأنفسهم، حيث اعتمدوا على أعمالهم فلقُوا الله بالصنم الأعظم. والحيُّ القيوم الكبير المتعال غني عن الانتفاع بالأعمال. وبالله التوفيق.
ومن عرف أنه الحي الذي لا يموت توكل عليه. قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ. والتعلق به: استمداد حياة الروح بالعلم والمحبة الكاملة. ومن عرف أنه الحي القيّوم وثق به، ونسي ذكر كل شيء بذكره، ولم يشاهد غيره بمشاهدة قيوميته. والتعلق به استمداد معرفة قيوميته حتى يستريح من نكد التدبير، والتخلق به بأن تكون قائماً على ما كُلِّفْتَ به من أهْلٍ وَوَلَدٍ ونَفْسٍ ومَالٍ، وكُلِّ من تعلق بك من النساء والرجال.
ولمَّا وصف الحيُّ تعالى نفسه بأوصاف الكمال من الكبرياء والعظمة والجلال، وكانت شواهد ذلك ظاهرة في خلقه حتى تبيَّن الحق من الباطل، بيّن ذلك بقوله:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٦]
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)
قلت: (الرُشْد) : مصدر رَشُد، بالكسر والضم، رشداً ورشاداً، و (الغي) : مصدر غَوَى، إذا ضلّ فى مُعْتَقَدِه، و (الطاغوت) : فعلوت من الطغيان، وأصله: طغيوت، فقلبت لام الكلمة لعينها فصار طيغوت، ثم قلبت الياء ألفاً.
وهو كل ما عُبد من دون الله راضياً بذلك، و (العروة) : ما تستمسك به اليد عند خوف الزل كالحبل ونحوه، ووثوقها: متانتها، وانفصامها أن تنفك عن موضعها، وأصل الفصم في اللغة: أن ينفك الخلخال ونحوه ولا يَبِين، فإذا بان فهو القَصْم- بالقاف- وهو هنا استعارة للدّين الصحيح.
يقول الحق ﷻ في شأن رجلًٍ من الأنصار، تَنَصَّر ولدَاه قبل البَعْثَة فلما جاء الإسلامُ قَدِمَا إلى المدينة فدعاهما أبوهما إلى الإسلام فامتنعا، فلزمهما أبو هما وقال: والله لا أدِعكما حتى تُسلما، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، فهو خبر بمعنى النهي، أي: لا تُكرهوا أحداً على الدخول في الدين.
وهو خاص بأهل الكتاب.
قال البيضاوي: إذ الإكراه في الحقيقة هو: إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً، ولكن قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ أي تميّز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلت الدلائل على أن الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية، والكفر غيّ يوصل إلى الشقاوة السرمدية. والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسُه إلى الإيمان طلباً للفوز بالسعادة والنجاة، ولم يحتج إلى الإكراه والإلجاء. هـ.
стр. 284
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ أي: يبعد عنها ويجحد ربوبيتها وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ أي: يصدق بوحدانيته، ويقر برسله، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى أي: فقد تمسك بالدين المتين، لا انقطاع له أبداً، وَاللَّهُ سَمِيعٌ بالأقوال، عَلِيمٌ بالنيات، فإنَّ الدين مشتمل على قول باللسان وعقد بالجَنَان، فحسن التعبير بصفة السمع والعلم.
والله تعالى أعلم.
الإشارة: قال في الحكم: «لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق، إنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك» . وقال أحمد بن حضرويه: الطريق واضح، والحق لائح، والداعي قد أَسْمَع، ما التحير بعد هذا إلا من العمَى. هـ. فطريق أسير واضحة لمَن سبقت له العناية، باقية إلى يوم القيامة، وكل ما سوى الله طاغوت، فمن أعرض عن السَّوَى، وعلق قلبه بمحبة المولى، فقد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها على طول المدى. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم بيَّن الحق تعالى حال أهل العناية من أهل الشقاوة، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٧]
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)
قلت: الولي: هو المحب الذي يتولى أمور محبوبه، أو الناصر الذي ينصر محبوبه، ولا يخذله بأن يكله إلى نفسه. وجملة (يخرجهم) : حال من الضمير المستتر في الخبر، أو من الموصول أو منهما، أو خبر ثان.
يقول الحق ﷻ : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا أي: محبهم ومتولي أمورهم، يُخْرِجُهُمْ مِنَ ظلمات الكفر والجهل، ومتابعة الهوى وقبول الوسواس، والشبه المُشْكِلة في التوحيد- إلى نور الإيمان واليقين، وصحة التوحيد، ومتابعة الداعي إلى الله، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ أي: أحباؤهم الطَّاغُوتُ أي: الشياطين، أو المضلات من الهوى والشيطان وغيرهما، يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ الذي مُنحوه بالفطرة الأصلية، أو يصدونهم من الدخول في الإيمان إلى ظلمات الكفر والجهل، والتقليد الرديء واتباع الهوى، أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ بسبب نِيَّاتهم البقاء على الكفر إلى الممات، ولم يذكر في جانب المؤمنين دخول الجنة لتكون عبادتهم عبودية، لا خوفاً ولا طمعاً. والله تعالى أعلم.
الإشارة: (الله ولي الذين آمنوا) حيث تولاهم بسابق العناية، وكلأهم بعين الرعاية، يخرجهم أولا من طلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم من ظلمات الحس ورؤية الأكوان إلى نور المعاني بحصول الشهود والعيان، فافن
стр. 285
عن الإحساس تر عبراً. «الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهورُ الحَقِّ فيه» . أو تقول: الكون كله ظلمة لأهل الحجاب، وأما عند أهل المعرفة فالكون عندهم كله نور، وإنما حجبه ظهور الحكمة فيه، «فمن رأى الكون ولم يشهد النور فيه، أو قبله، أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار» . والذين كفروا- وهم الذين سبق لهم الشقاء، وحكم عليهم بالبعد القدر والقضاء- أولياؤهم الطاغوت، وهم القواطع: من الهوى والشيطان والدنيا والناس، (يخرجونهم من النور إلى الظلمات) أي: يمنعونهم من شهود تلك الأنوار السابقة، إلى الوقوف مع تلك الظلمات المتقدمة، فهم متعاكسون مع مَن سبقتْ لهم العناية، فما خرج منه أهل العناية وقع فيه أهل الغواية. نسأل الله الحفظ والعافية فى الدنيا والآخرة.
ثم بيَّن الحق تعالى حال مَن سبق له الشقاء، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٨]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)
قلت: (أن آتاه) : على حذف لام العلة، و (إذ قال) : ظرف أ- (حاجّ) ، أو بدل من (آتاه الله) .
يقول الحق ﷻ متعجباً من جهالة النمرود، والمراد تعجيب السامع: أَلَمْ تَرَ يا محمد، إِلَى جهالة الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ أي: خاصمه فِي رَبِّهِ لأجْل أَنْ أعطاه اللَّهُ الْمُلْكَ، أي: حمله على ذلك بطر الملك. وذلك أنه لما كسَّر إبراهيم الأصنام، سجنه أياماً، وأخرجه من السجن، وقال له: من ربك الذي تعبد؟ قالَ له إِبْراهِيمَ ﵇: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، أي: يخلق الأرواح في الأجسام، ويخرجها عند انقضاء آجالها، (قال) نمرود: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، فدعا برجلين فقتل أحدهما، وعفا عن الآخر، فلما رأى إبراهيم ﵇ غلطه وتشغيبه عدل له إلى حجة أخرى، لا مقدور للبشر على الإتيان بمثلها، فقال له: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها أنت مِنَ الْمَغْرِبِ لأنك تدَّعي الربوبية، ومن شأن الربوبية أن تقدر على كل شيء، ولا يعجزها شيء، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ أي: غُلب وصار مبهوتاً، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ إلى قبول الهداية، أو إلى طريق النجاة، أو إلى محجة الاحتجاج.