عليه الوعيد بخصوصه. قال ابن عطية: وتحرير القول في الكبائر: إنها كل معصية يُوجد فيها حَدّ في الدنيا، أو توعّد عليها بنار في الآخرة، أو بلَعنةٍ ونحوها. وقرأ الأخوان: (كبير الإثم) على إرادة الجنس، أو الشرك، وَيجتنبون الْفَواحِشَ وهو ما فَحُشَ من الكبائر، كأنه قيل: يجتنبون الكبائر وما فحش منها خصوصاً، فيحتمل أن يريد بالكبائر: ما فيه حق الله وحده، والفواحش منها: ما فيه حق الله وحق عباده، إِلَّا اللَّمَمَ أي: إلا ما قَلَّ وصَغُر، فإنه مغفور لمَن يجتنب الكبائر، وقيل: هي النظرة والغمزة والقُبلة، وقيل: الخطرة من الذنب، وقيل: كل ذنب لم يجعل الله فيه حَدّاً ولا عذاباً. والاستثناء منقطع لأنه ليس من الكبائر ولا من الفواحش.
إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، أو: حيث يغفر ما يشاء من الذنوب من غير توبة، وهذا أحسن، هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ في ضمن إنشاء أبيكم آدم ﵇ مِنَ الْأَرْضِ إنشاءً إجمالياً، حسبما مرّ تحقيقه مراراً، وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ أي: يعلم وقت كونكم أجنّة فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ على أطوار مختلفة، لا يخفى عليه حالٌ مِن أحوالكم، ولا عمل من أعمالكم.
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ فلا تنسبوها إلى زكاء الأعمال، وزيادة الخير والطاعات، أو: إلى الزكاة والطهارة من المساوئ، ولا تُثنوا عليها، واهضموها، فقد علم اللهُ الزكيَّ منكم والتقِيّ، قبل أن يُخرجكم من صُلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. وقيل: كان ناس يعملون أعمالاً حسنة، ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجّنا، فنزلت.
وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء، لا على سبيل الاعتراف بالنعمة، والتحدُّث بها، فإنه جائز لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكرها. والأحسن في إيراد الاعتراف والشكر أن يُقدم ذكر نقصه، فيقول مثلاً: كنا جُهالاً فعلَّمنا الله، وكنا ضُلاَّلاً فهدانا الله، وكنا غافلين فأيقظنا الله، وهكذا فنحن اليوم كذا وكذا.
قال ابن عطية: ويُحتمل أن يكون نهياً عن أن يُزَكِّي بعضُ الناس بعضاً، وإذا كان هذا، فإنما ينهى عن تزكية السَّمع «١» ، أو القطع بالتزكية، ومن ذلك الحديث في «عثمان بن مظعون» عند موته «٢» ، وأما تزكية القدوة أو الإمام، أو أحداً، ليؤتم به أو لِيَتَهَمَّمَ الناس بالخير، فجائز، وقد زكَّى رسول الله ﷺ أبا بكر وغيره، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائزة للضرورة إليها، وأصل التزكية: التقوى، والله تعالى أعلم بتقوى الناس منكم. هـ «٣» .
стр. 2942
وقال في القوت: هذه الذنوب تدخل على النفوس من معاني صفاتها، وغرائز جبلاتها، وأول إنشائها من نبات الأرض، وتركيب الأطوار في الأرحام، خَلْقٍ مِن بعد خلقٍ، ومن اختلاط الامشاج بعضها مع بعض، ولذلك عقبه بقوله: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ ... الآية. هـ.
ثم قال تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى، فاكتفوا بعلمه عن علم الناس، وبجزائه عن ثناء الناس. وبالله التوفيق.
الإشارة: ولله ما في سموات الأرواح من أنوار الشهود، وما في أرض النفوس من آداب العبودية، رتَّب ذلك ليجزي الذين أساءوا بوقوفهم مع أرض النفوس في العالم المحسوس، ويجزي الذين آمنوا بترقيهم إلى مقام الإحسان، بالحسنى، وهي المعرفة، حيث ترقّوا من أرض الأشباح إلى عالم سماء الأرواح، وهم الذين يجتنبون كبائر الإثم، وهو شهود وجودهم مع وجود الحق محبوبهم، ووقوفهم مع عالم الحس، والفواحش، وهو اعتراضهم على الله فيما يبرز من عُنصر قدرته، وتصغيرهم شيئاً مما عظَّم الله، إلا اللمم خواطر تخطر ولا تثبت.
قال القشيري: كبائر الإثم ثلاث محبة النفس الأمّارة، ومحبة الهوى النافخ في نيران النفس، ومحبة الدنيا، التي هي رأس كل خطيئة، ولكل واحدة من هذه الثلاث فاحشة لازمة لها، أما فاحشة محبة النفس: فموافقة الطبيعة ومخالفة الشريعة، وأما فاحشة محبة الهوى: فحُب الدنيا وشهواتها، وأما فاحشة محبة الدنيا فالإعراض عن الله، والإقبال على ما سواه. وقوله إِلَّا اللَّمَمَ أي: الميل اليسير إلى الهوى والنفس والدنيا، بحسب ضرورته البشرية مِن استراحة البدن، ونيل قليل من حظوظ الدنيا، بحسب الحقوق، لا بحسب الحظوظ، فإنَّ مباشر الحقوق مغفور، ومباشر الحظوظ مغرور. هـ.
إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ يستر العيوب، ويُوصل إلى حضرة الغيوب. هو أعلم بكم إذ أنشأكم من أرض البشرية، ورقّاكم إلى عالم الروحانية، وإذ أنتم أَجنة في أول بدايتكم في بطون أمهاتكم، في بطون الهوى والغفلة، ودائرة الكون، فأخرجكم منها بمحض فضله، فلا تُزكُّوا أنفسكم، فتنظروا إليها بعين الرضا، أو تنسبوا إليها شيئاً من الكمالات قبل صفائها. قال القشيري: تزكية المرء نفسه علامة كونه محجوباً لأنَّ المجذوب عن بقائه، المستغرق في شهود ربِّه، لا يُزكِّي نفسه. هـ. قلت: هذا مادام في السير، وأما إن حصل له الوصول فلا نفس له، وإنما يُزكّي ربه إذا زكّاها، هو أعلم بمَن اتقى ما سواه.
стр. 2943
ثم ذكر وبال مَن زكى نفسه، فقال:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣٣ الى ٤١]
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)
أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)
يقول الحق ﷻ : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى أعرض عن الإيمان وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى أي: قطع عطيته وأمسك، وأصله: إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كُدْية- وهي صلابة، كالصخرة- فيمسك عن الحفر. [قال] «١» ابن عباس: «هو فيمن كفر بعد الإيمان» ، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتّبع رسولّ الله ﷺ فعيّره بعضُ الكافرين، وقال: تركتَ دين الأشياخ، وزعمتَ أنهم في النار؟ قال: إني خشيتُ عذاب الله، فضمن له إن أعطاه شيئاً من ماله، ورجع إلى شركه، أن يتحمّل عنه عذاب الله، ففعل ذلك المغرور، وأعطى الذي عاتبه بعضَ ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه «٢» . أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى أي: يعلم هذا المغرور أنَّ ما ضمنه له حق؟
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ يُخْبَر بِما فِي صُحُفِ مُوسى أي: التوراة، وَإِبْراهِيمَ أي: وما في صحف إبراهيم الَّذِي وَفَّى أي: أكمل وأتمّ ما ابتلي به من الكلمات، أو: ما أُمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد اللهَ عليه.
وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفّى به. وعن عطاء بن السائب: عهد ألاَّ يسأل مخلوقاً، فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وقال الشيخ المرسي: وفَى بمقتضى قوله: (حسبي الله) وعن النبي ﷺ :
«وَفَّى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار» «٣» وهي صلاة الضحى. وروي: «ألا أخبركم لم سمّى خليلَه «الذي وفَّى» كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: «فسبحان الله حين تُمسون ... » إلى «تُظهرون» » «٤» وقيل: وفّى سهام
стр. 2944
الإسلام، وهي ثلاثون، عشرة فى التوبة: التَّائِبُونَ ... «١» الخ، وعشرة في الأحزاب: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ ... «٢»
وعشرة في المؤمنين: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. وقيل: وفي حيث أسلم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضيفان.
ورُوي: أنه كان يوم يضيف ضيفاً، فإن وافقه أكرمه، وإلاَّ نوى الصوم «٣» . وتقديم موسى لأنَّ صحفه وهي التوراة أكثر وأشهر.
ثم فسّر ما في تلك الصُحف فقال: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي: أنه لا تحمل نفس وازرةٌ وزر نفس أخرى، بل كل نفس تستقل بحمل وزرها، يقال: وزر يزر إذا اكتسب وِزراً، و «أن» مخففة، وكأنّ قائلاً قال: ما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقال: ألاَّ تحمل نفس مثقلة بوزرها وِزرَ نفس أخرى.
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى هو أيضاً مما في صحف موسى وإبراهيم، وهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم انتفاعه من حيث رفع الضرر عنه به، وأما ما صحّ من الأخبار في الصدقة عن الميت والحج عنه، فلأنه لمَّا نواه عنه كان كالوكيل عنه، فهو نائب عنه.
قال ابن عطية: الجمهور أنّ قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى مُحْكَمٌ لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصّص. هـ. يعني: أن المراد: الكافر، وهكذا استقرئ من لفظ «الإنسان» في القرآن، وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره، إذا وهب له من صدقة ودعاء وشفاعة واستغفار، ونحو ذلك، وإلاَّ لم يكن فائدة لمشروعية ذلك، فيتصور التخصيص في لفظ «الإنسان» وفي السعي، بأن يخص الإنسان بالكافر، أو السعي بالصلاة، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلاً. والحاصل: أن الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير، بخلاف من ليس له الإيمان. هـ. قاله الفاسي: وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت، فلما مات رؤي في النوم، فقال: وجدنا الأمر خلاف ذلك.
قلت: أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير، إن نواه له، وأما في رفع الستور، وكشف الحجب، والترقي إلى مقام المقربين، فالآية صريحة فيه، لا تخصيص فيها إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقُرب إلا بقدر ما سعى من المجاهدة. والله تعالى أعلم.
стр. 2945
ثم قال: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى أي: يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه، ثُمَّ يُجْزاهُ أي: يجزى العبد سعيه، يقال: جزاه اللهُ عملَه، وجزاه عليه، بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسّره بقوله: الْجَزاءَ الْأَوْفى أو: أبدله منه، أي: الجزاء الأكمل بحيث يزيده ولا ينقصه.
الإشارة: أفرأيتَ الذي تولى عن طريق السلوك، بعد أن أعطى نفسه وفلْسَه، وتوجه إلى حضرة مولاه، ثم منَّته نفسُه، وغرّته أنه يصل بلا عطاء ولا مجاهدة، فقطع ذلك واشتغل بنفسه، أو غرّه أحدٌ حتى ردَّه، وضمن له الوصول، بلا ذلك، أعنده عِلمُ الغيب حتى عَلِمَ أنه يصل بلا واسطة ولا مجاهدة؟ فهو يرى عاقبة ما هو سائر إليه.
وتصدُقُ الإشارة بمن صحب شيخا، وأعطاه بعض ماله أو نفسه، ثم رجع ومال إلى غيره، فلا يأتي منه شيء، أعنده علم الغيب، وأنّ فتحه على يد ذلك الشخص، فهو يرى ما فيه صلاحه وفساده؟ وهذا إن كان شيخه أهلاً للتربية، وإلاَّ فلا. أم لم يُنبأ هذا المنقطِع بما في صُحف موسى وإبراهيم، أنه لا يتحمّل أحدٌ عن أحدٍ مجاهدة النفوس ورياضتها؟ وأن ليس للإنسان من لذة الشهود والعيان إلا ما سعى فيه بالمجاهدة، وبذل النفس والفلس، وأنَّ سعيه سوف يرى؟ أي: يَظهر أثره من الأخلاق الحسنة، والرزانة والطمأنينة، وبهجة المحبين، وسيما العارفين.
وقسَّم القشيري السعي على أربعة أقسام الأول: السعي في تزكية النفس وتطهيرها، ونتيجته: النهوض للعمل الصالح، الذي يستوجب صاحبه نعيمَ الجنان. الثاني: السعي في تصفية القلب من صَداء ظلمات البشرية، وغطاء عورات الطبيعية، ونتيجته: صحته من الأمراض القلبية، كحب الدنيا والرئاسة والحسد، وغير ذلك، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث: السعي في تزكية الروح، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية، كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات، وحلاوة المعاملات، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام المشاهدات، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع: السعي في تزكية السر بتحليته بالصفات الإلهية، والأخلاق الربانية، ليتحقق بمقام الفناء والبقاء، وهو منتهى السعي وكماله. هـ. بالمعنى.
وإلى هذا الانتهاء أشار تعالى بقوله:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٤٢ الى ٦٢]
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦)
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادا الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١)
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦)
أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١)
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)
стр. 2946
يقول الحق ﷻ في بقية ذكر ما في الصُحف الأُولى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ «١» أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله ﷺ :
«لا فكرة في الرب» «٢» أي: كُنه الذات، وسيأتي في الإشارة. وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العُقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا أي: أمات الآباء وأحيا الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان.
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى: إذ تدفق وتُدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى الإحياء بعد الموت، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى أي: صيّر الفقير غنيّاً وَأَقْنى أي:
أَعطى القِنْيَة، وهو المال الذي تأثّلته «٣» ، وعزمت ألاَّ تُخرجه من يدك. وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى، وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سنّ لهم ذلك «ابن أبي كبشة» رجل من أشرافهم، قال:
لأن النجوم تقطع السماء عرضاً، والشعرى طولاً، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله ﷺ ابن أبي كبشة، تشبيهاً له ﷺ به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه ربّ معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده.
стр. 2947
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادا الْأُولى، وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى [العدمي] «١» لأنهم أولى الأمم هلاكاً بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت «أُولى» لأن ثُمَّ عاداً آخرة، وهي قبيلة كانت بمكة مع العماليق، وهم بنوا لُقَيم بن هَزّال. والله أعلم. هـ «٢» . قلت: والتحقيق: أن عاداً الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمّروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. «٣» وهاهنا قراءات، وجَّهناها في كتاب الدرر «٤» .
وَثَمُودَ «٥» أي: وأهلك ثموداً، وهم قوم صالح، فَما أَبْقى أحدا منهم، وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى مِن عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حِراك، وينفرون منه حتى كانوا يُحذّرون صبيانهم أن يسمعوا منه، وَالْمُؤْتَفِكَةَ أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أَفَكه فائتفك، أي: قَلَبَه فانقلب، (والمؤتفكة) منصوب ب أَهْوى أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، فَغَشَّاها ألبسها من فنون العذاب ما غَشَّى، وفيه تهويل لما صبَّ عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ أيها المخاطب تَتَمارى أي: تتشكك؟، أي: فبأي نِعَمٍ من نعم مولاك تحجد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النِعم، ودفع عنك من النِقم، وتسمية الأمور المتعددة قبلُ نِعماً مع أن بعضها نقم لأنها أيضاً نِعَم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسَلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. هذا نَذِيرٌ أي: محمد مُنذِّر مِنَ النُّذُرِ الْأُولى من المنذِّرين الأولين، وقال: «الأُولى» على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذِر بها من قبلكم.
стр. 2948
أَزِفَتِ الْآزِفَةُ أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب فى قوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ «١» ، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأنَّ تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ أي: ليس لها نَفْس مبيّنة وقت قيامها إلاّ الله تعالى، وهذا كقوله: لاَّ يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ «٢» أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويُعذِّب بها مَن شاء.
ولمَّا استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ إنكاراً، وَتَضْحَكُونَ استهزاءً، وَلا تَبْكُونَ خشوعاً، وَأَنْتُمْ سامِدُونَ غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء ليشغلوا الناس عن استماعه، فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة الشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فاسجدوا لله الذي أنزله واعبدوه.
الإشارة: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى، انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكوّن، فتسقط شفعية الأثر، وتثبت وترية المؤثِّر، كما قال القائل:
وبروْح وراح ... عاد شفعي وترى
وقال آخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن ... فما ثم موصول ولا ثم بائن
بذا جاء برهان العيان، فما أرى ... بعيني إلا عينه إذ أعاين
إلى غير ذلك مما غَنَّوا به من أذواقهم ووجدانهم.
ثم قال تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى) أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحاً بكشف الحجاب، وأبكى نفوساً بذُل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصفة الجمال، وأبكى إذا تجلّى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوباً بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهّار، وأحيا قلوباً بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفّار، أو: أمات نفوساً عن شهواتها الفانية، وأحيا بسبب ذلك أرواحاً بكمال المعرفة، فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحاً بغلبة ظلمة النّفس واستيلائها عليها، وأحيا نفوساً باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة نورها، فحييت وانقلبت روحاً. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح
стр. 2949
كأنها ذَكَر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفْس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. هـ. مختصراً. وقال بعضهم: والشيطان كالذَكَر، والنفس كالأنثى، يتولّد بينهما المعصية. هـ.
وأن عليه النشأة الأخرى، وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبداً، أو: النشأة الأخرى: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنَى بأن مكَّنه منه فزاد غناه. وطبّل على ماله، وأنه هو رَبُّ الشِّعرى، وهو كل ما عُبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عاداً الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المُغوية، أرسل عليهم ريحَ الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمودَ الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبلُ، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لِما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي:
المنقلبة عن التوجُّه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشَّاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشَّى.
فإذا سَلِمتَ أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهتَ إلى مولاك، فبأي آلاء ربك تتمارى؟ بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذيرٌ من النُذُر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدتَ مَن يُدخلك بحرَ الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يشكف لك هذه الحقائق إلا الذي منَّ عليك بصحبة مَن يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قَرُبَت الحقيقة الموصوفة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية «١» . هـ. مختصراً. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكاراً، وتضحكون استهزاءً؟ قلت: وقد رأيت كثيراً ممن يُنكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكّب مطالعتها، وقد قيل:
مَن كَرِهَ شيئاً عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حُرمتْ من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرّعوا إليه، حتى يُخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم.
وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2950
سورة القمر
مكية كلها عند الجمهور، وقيل: إلّا قوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ... إلخ. وهى خمسون آية، ومناسبتها لما قبلها: قوله تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ «١» وهى التي أخبر عنها بقوله:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)
يقول الحق ﷻ : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ قربت القيامة، قال القشيري: ومعنى قربها: أنّ ما بقي من الزمان إلى القيامة قليلٌ بالإضافة إلى ما مضى. هـ. قال ابن عطية: وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يُروى من التحديد في عمر الدنيا فضعيف. هـ. وَانْشَقَّ الْقَمَرُ نصفين، وقرىء: و «قد انشقَّ القمر» ، أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أنَّ القمر قد انشقًَّ، كما تقول: أقبل الأميرُ، وقد جاء البشير بقدومه.
قال ابن مسعود ﵁: انشق القمر على عهد النبي ﷺ فرقتين، فكانت أحداهما فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبل، فقال ﷺ : «اشهدوا» «٢» . قال ابن عباس: إنَّ المشركين قالوا للنبي ﷺ : إن كنت صادقاً فشُق لنا القمر فلقتين، فقال: «إن فعلتُ أتؤمنون؟» فقالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل ﷺ ربه فانشق فرقتين، نصف على أبي قُبيس، ونصف على قُعَيْقِعان «٣» . وقيل: سألوا آية مجملة، فأراهم انشقاق القمر «٤» . قال ابن عطية: وعليه الجمهور، يعني عدم التعيين.
стр. 2951
وفي صحيح مسلم: أنه انشق مرتين «١» ، وصرح في شرح المواقف بأن انشقاقه متواتر. هـ. وقيل: معناه انشق، أي: ينشق يوم القيامة، وهو ضعيف، ولا يُقال: لو انشقَّ لما خفي على أهل الأقطار، ولو ظهر عندهم لنقل متواتراً لأن الطباع جبلت على نشر العجائب، لأنه يجوز أن يحجبه اللهُ عنهم بغيم أو غيره، مع أنه كان ليلاً، وجُلّ الناس نائمون، وأيضاً: عادة الله- تعالى- في معجزاته أنه لا يراها إلاَّ مَن ظهرت لأجله في الغالب.
تنبيه: قال القسطلاني في المواهب اللدنية: ما يذكره بعض القصَّاص أن القمر دخل في جيب النبي ﷺ وخرج من كمه، ليس له أصل، كما حكاه الزركشي عن شيخه العِماد ابن كثير. هـ.
وَإِنْ يَرَوْا أي: أهل مكة آيَةً تدل على صدق رسوله ﷺ يُعْرِضُوا عن الإيمان وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ محكم شديدٌ قويّ، من: المِرّة، وهي القوة، أو: دائم مطّرد. رُوي: أنه لما انشق قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة؟ فسلوا السُّفار، فلما قَدِموا سألوهم، فقالوا: إنهم قد رأينه، فقالوا: قد استمر سحره في البلاد، فنزلت «٢» . قال البيضاوي: دلّ قوله: (مستمر) على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة، ومعجزات سابقة. هـ. أو: مستمر ذاهب ومارٌّ، يزول ولا يبقى، من: مرّ الشيء واستمر: ذهب.
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ الباطلة، وما زيَّن لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره، حتى قالوا: سحرَ القمر، أو: سَحَرَ أعيننا، وَكُلُّ أَمْرٍ وعدهم الله به مُسْتَقِرٌّ كائن في وقته، أو: كل أمر قُدِّرَ واقع لا محالة يستقر في وقته، أو: كل أمر من الخير والشر يقع بأهله من الثواب والعقاب، وقرىء «مستقرٍ» بالجر «٣» ، فيعطف على «الساعة» ، أي: اقتربت الساعة وكل أمرٍ مستقر، يعني: أشراطها.
وَلَقَدْ جاءَهُمْ أي: اهل مكة في القرآن مِنَ الْأَنْباءِ من أخبار القرون الماضية، وكيف أُهلكوا بالتكذيب ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ أي: ازدجار عن الكفر والعِناد، يقول: زجرته وازدجرته، أي: منعته، وأصله: ازتجر، افتعل، من الزجر، ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالاً لأن التاء حرف مهموس، والزاي حرف مجهور.
فأبدل من التاء حرف مجهور، وهو الدال ليناسب الميم.
стр. 2952
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ: بدل من «ما» ، أو: خبر، أي: هو حكمة بالغة ناهية في الرشد والصواب، أو: بالغة من الله إليهم. قال القشيري: والحكمة البالغة الصحيحة الظاهرة الواضحة لمَن فكّر فيها. هـ. قال المحلي: وصفت بالبلاغة لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان ما لا يبلغ غيرها هـ. فَما تُغْنِ النُّذُرُ شيئاً، حيث سبق القدر بكفرهم، و «ما» نافية، أو استفهامية منصوبة ب «تُغن» ، أي: فأيّ إغناء تُغني النُذر مع سابق القدر؟ والنُذر: جمع نذير، وهم الرسل، أو: المنذَر به، أو: مصدر بمعنى الإنذار، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد عدم الإغناء، واستمراره حسب تجدُّد مجيء الزواجر واستمرارها.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ لعلمك بأنّ الإنذار لا يُغني فيهم شيئاً، واذكر يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ «١» وهو إسرافيل ﵇ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ أي: منكر فظيع، تُنكره النفوس، لعدم العهد بمثله، وهو هول القيامة. خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ، ف «خُشَعاً» : حال من فاعل «يخرجون» ، أي: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ أذلة أبصارهم من شدة الهول لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهرن في أعينهما، ومَن قرأ: «خاشعاً» «٢» فوجهه: أنه أسند إلى ظاهر، فيجب تجريده كالفعل، وأما مَن قرأ بالجمع، فهو على لغة: «أكلوني البراغيث» ، كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ في الكثرة والتموُّج والتفرُّق في الأقطار. قال ابن عطية: في الحديث: أن مريم دعت للجراد فقالت: اللهم أعِشْها بغير رضاع، وتتابع بينها بغير شباع. هـ.
ثم وصف خروجهم من القبور، فقال: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ مسرعين مَادِّي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه، يَقُولُ الْكافِرُونَ استئناف بياني، وقع جواباً عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال، وأهله بسوء الحال، كأن قائلا قال: فماذا يكون حينئذ؟ فقال: يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ صعب شديد. وفي إسناد هذا القول إلى الكفار تلويح بأنّ المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة. والله تعالى أعلم.
الإشارة: اقتربت ساعة الفتح لمَن جَدّ في السير، ولازم صحبةَ أهل القرب، قال القشيري: الساعة ساعتان كبرى، وهي عامة، وصغرى، وهي خاصة بالنسبة إلى السالك إلى الله، برفع الأوصاف البشرية، وقطع العلائق الطبيعية. ثم قال: وإليه الإشارة بقوله ﷺ : «مَن مات فقد قامت قيامته» «٣» راجعة إلى الساعة الصغرى. هـ. أي:
стр. 2953
مَن مات عن رؤية نفسه قامت قيامته بلقاء ربه وشهوده. وقوله تعالى: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ أي: قمر الإيمان فإنه إذا أشرقت عليه شمس العيان، لم يبقَ لنوره أثر، ليس الخبر كالعيان، وإن يَرَوا- أي: أهل الغفلة والحجاب- آيةً تدل على طلوع شمس العيان على العبد المخصوص، يُعرضوا منكرين، وَيَقُولُوا: هذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ.. الآية، وكل أمر قدّره الحق- تعالى في الأزل، من أوقات الفتح أو غيره، مستقر، يستقر ويقع في وقته، لا يتقدّم ولا يتأخّر، فلا ينبغي للمريد أن يستعجل الفتح قبل إِبَّانِه، فربما عُوقب بحرمانه، ولقد جاءهم من الأخبار عن منكري أهل الخصوصية، وما لحق أهلَ الانتقاد من الهلاك أو الطرد والبُعد ما فيه مزدجر، كما فعل بابن البراء وأمثاله، حكمة من الله بالغة، وسنة ماضية، يقول: «مَنْ آذَى لِي وليا فقد آذن بالحرب» فما تُغن النُذر إذا سبق الخذلان، فتولّ أيها السالك عنهم، وعن خوضهم، واشتغل بالله عنهم فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، واذكر الموت وما بعده، فإنه حينئذ يظهر عز الأولياء، وذل الأغبياء، يقولون: هذا يوم عسر على مَن طغى وتجبر.
ثم سرد قصص الأنبياء، تسلية لرسوله ﷺ وتفسيرا لقوله: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ فقال:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٩ الى ١٧]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)
يقول الحق ﷻ : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي: قبل أهل مكة قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحاً ﵇.
ومعنى تكرار التكذيب: أنهم كذَّبوا تكذيباً عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذِّب، جاء عقبه قرن آخر مكذِّب مثله، وقيل: كذبت قوم نوح الرسل، (فكذَّبوا عبدنا) لأنه من جملتهم. وفي ذكره ﵇ بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة تفخيم له ﵇ ورفع لمحله، وزيادة تشنيع لمكذِّبيه، وَقالُوا مَجْنُونٌ أي: لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون، وَازْدُجِرَ أي: زجر عن أداء الرسالة بالشتم، وهدّد بالقتل، أو: هو من جملة قولهم، أي: قالوا: هو مجنون وقد ازدجرته الجن، أي: تخبّطته وذهبت بلُبه.
стр. 2954
فَدَعا رَبَّهُ حين أيس منهم أَنِّي مَغْلُوبٌ أي: بأني مغلوب من جهة قومي، بتسليطهم عليّ، فلم يسمعوني، واستحكم اليأس من إجابتهم. قال القشيري: مغلوب بالتسلُّط لا بالحجة، إذ الحجة كانت له. هـ. وهذا جار فيمن لم يستجب لك، تقول: غلبني. ثم دعا عليهم بقوله: فَانْتَصِرْ فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وذلك بعد تحقُّق يأسه منهم وعظم إذايتهم. فقد رُوي أن الواحد منهم كان يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه، فيقول:
اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوماً، قال يمان: حتى طبق بين السماء والأرض «١» ، وقيل: كانوا يطلبون المطر سنين، فأُهلكوا بمطلوبهم. وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار، وشدة إنصابها، وقيل: كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة.
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض، ومثله: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً «٢» في إفادة العموم والشمول، فَالْتَقَى الْماءُ أي: مياه السماء ومياه الأرض، وقرىء: «الماءان» «٣» ، أي: النوعان من الماء السمائي والأرضي. عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ أي: قُضي في أم الكتاب، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، أو: قدر أنّ الماءين يكون مقدارهما واحداً من غير تفاوت. قيل: كان ماء السماء بارداً كالثلج، وماء الأرض مثل الحميم، ويقال: إنّ الماء الذي نبع من الأرض نضب، والذي نزل من السماء بَقِيَ حارّاً.
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ أي: أخشاب عريضة، والمراد: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه، وَدُسُرٍ ومسامير، جمع: دسار، وهو المسمار، فِعال مِن: دسره: إذا دفعه لأنه يدسَر به مَنفذه. تَجْرِي بِأَعْيُنِنا أي. بمرأىً منا، أو: بحفظنا، وهو حال من فاعل «تجري» ، أي: تجري محفوظة جَزاءً مفعول له، أي: فعلنا ذلك جزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ وهو نوح ﵇، وجعله مكفوراً لأن النبي نعمة من الله ورحمة، فكان نوح نعمة مكفورة. وقرأ مجاهد بفتح الكاف، أي: عقاباً لمَن كَفَرَ بالله. قيل: ما نجا من الغرق إلاَّ عُوج بن عُنُق، كان الماء إلى حجزته «٤» ، وسبب نجاته: أنّ نوحا احتاج إلى
стр. 2955
خشب الساج للسفينة، فلم يمكنه نقلها، فحمل عُوج تلك الخشب إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجّاه من الغرق.
قاله الثعلبي «١» . قلت: وقد تقدّم إبطاله في سورة العقود «٢» ، وأنه من وضع الزنادقة. ذكره القسطلاني.
وَلَقَدْ تَرَكْناها أي: السفينة، أو: الفعلة، أي: جعلناها آيَةً يَعتبر بها مَن يقف على خبرها. وعن قتادة:
أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل: على الجُوديَّ، حتى رآها أوائل هذه الأمة «٣» . فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ من متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالاً مهملة، وأدغمت الذال فيها لقرب المخرج، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟! استفهام تعظيم وتعجيب، أي: كان عذابي وإنذاري لهم على هيئة هائلة، لا يُحيط بها الوصف، والنّذر:
جمع نذير، بمعنى الإنذار.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ أي: سهّلناه للادّكار والاتعاظ بأن شحنَّاه بأنواع المواعظ والعِبر، وصرّفنا فيه من الوعد والوعيد ما فيه شفاء وكفاية. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه، أي: فهل من متعظ يقبل الاتعاظ، وقيل: ولقد سهّلناه للحفظ، وأعنّا مَن أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليُعان عليه؟ قال القشيري: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ يسَّر قراءته على ألسنة قوم، وعِلْمَه على قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحِفْظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن، وكلهم أهل الله وخاصته. ويقال: كاشَفَ الأرواح من قومٍ قبل إدخالها في الأجساد، فهل من مُدكر يذكر العهد الذي جرى لنا معه؟. هـ.
ويروى: أن كتب أهل الأديان من التوراة في الإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظراً، ولا يحفظونها ظاهراً كالقرآن، وفي القوت: مما خصَّ اللهُ به هذه الأمة ثلاثة أشياء: حفظ كتابنا هذا، إلا ما ألهم اللهُ عزيزاً من التوراة بعد أن كان بختنصّر أحرق جميعها، ومنها: تبقية الإسناد فيهم، يأثره خلف عن سلف، متصلاً إلى نبينا ﷺ ، وإنما كانوا يستنسخون الصُحف، كلما خلقت صحيفة جُددت، فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثالثة: أن كان مؤمن من هذه الأمة يسئل عن علم الإيمان، ويُسمع قوله مع حداثة سنه، ولم يكن مما مضى يسمعون العلم إلا مِن الأحبار والقسيسين والرهبان. وزاد رابعة: وهي ثبات الإيمان في قلوبهم، لا يعتوره شك، ولا يختلجه شرك، مع تقليب الجوارح في المعاصي. وقد قال قوم موسى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً «٤» بعد أن رأوا الآيات العظيمة، من انفلاق البحر وغيره. هـ. قال أبو السعود: وحمل تيسيره على حفظه لا يساعده المقام. هـ.
стр. 2956
الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء، وإجابة الدعاء على الظالم، لهم إن [أُذن] «١» لهم في ذلك بإلهام أو هاتفٍ، وإلاَّ فالصبر أولى، وجعل القشيري نوحاً إشارة إلى القلب، وقومَه جنود النفس، من الهوى والدنيا وسائر العلائق، فيكون التقدير: كذبت النفسُ وجنودُها القلبَ، فيما يَرِدُ عليه من تجليات الحق، وكشوفات الغيب، وقالوا: إنما هو مجنون فيما يُخبر به، فزجرته، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها، فدعا ربه وقال:
أني مغلوب في يد النفس وجنودها، فانتصِرْ لي حتى تغيبني عنهم، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهّارية، لتمحق تلك الظلمات النفسانية، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية، فالتقى ماء الواردات، التي هي من حضرة الربوبية، مع ماء علوم العبودية، على أمر قد قُدر أنه ينصر القلب، ويرقيه إلى حضرة القدس، وحملناه على سفينة الجذب والعناية، تجري بحفظنا، جزاء لنعمة القلب التي كفرتْ به النفسُ وجنودُها، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا، والطالبون لنا، فهل من مدكر؟ فكيف كان عذابي لمَن استولت عليه النفس وجنودها؟ وكيف كان إنذاري من غم الحجاب، وسوء الحساب، ولقد يسَّرنا القرآن للذكر للاتعاظ، فهل من مُدكر، فينهض من غفلته إلى مولاه؟.
ثم ذكر قصة عاد، فقال:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ١٨ الى ٢٢]
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)
يقول الحق ﷻ : كَذَّبَتْ عادٌ هوداً ﵇، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟! أي: وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، والاستفهام لتوجيه قلوب السامعين للإصغاء إلى ما يُلقى إليهم قبل ذكره لتهويله وتعظيمه، وتعجيبهم من حاله قبل بيانه، كما قبله وما بعده، كأنه قيل: كذبت عاد فهل سمعتم ما حلّ بهم؟ أو: فاسمعوا، فكيف كان عذابي وإنذاري لهم.
ثم بيَّن ما أجمل فقال: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً باردة أو: شديدة الصوت فِي يَوْمِ نَحْسٍ شؤم مُسْتَمِرٍّ شؤمه عليهم إلى أن أهلكهم، وكان في أربعاء آخر شوال، تَنْزِعُ النَّاسَ أي: تقلعهم، وجاء بالظاهر
стр. 2957
مكان المضمر ليشمل ذكورَهم وإناثهم، صغيرهم وكبيرهم. رُوي: أنهم كانوا يتداخلون الشِّعاب، ويحفرون الحفر، ويندسُّون فيها، ويُمسك بعضهم ببعض فتزعجهم الريح، وتَصرعُهم موتى.
قال ابن إسحاق: ولمّا هاجت عليهم الريح، قام سبعةُ نفرٍ من عاد [فأولجوا] »
العيال في شعب بين جبلَين، ثم اصطفُّوا على باب الشعب، ليردُّوا الريحَ عنهم، فجعلت الريحُ تجعفهم «٢» رجلاً رجلاً. هـ. ثم صاروا بعد موتهم كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ أي: أصول نخل منقلع من مغارسه، وشُبِّهوا بأعجاز النخلة، وهي أصولها التي قطعت رؤوسها لأنّ الريح كانت تقطع رؤوسهم، فتبقى أجساداً بلا رؤوس، فيتساقطون على الأرض أمواتاً، وهم جثث طوال. وتذكير صفة النخل بالنظر إلى اللفظ، كما أن تأنيثه في قوله تعالى: أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ «٣» بالنظر للمعنى. فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟! تهويل وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما، فليس فيه شائبة تكرار، وما قيل:
من أن الأول لِما حاق بهم في الدنيا، والثاني لِما يحيق بهم في الآخرة، يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟! وفي تكريره بعد كل قصة تنبيه على أن إيراد قصص الأمم إنما هو للوعظ والتذكار، وللانزجار عن مثل فعلهم، لا لمجرد السماع والتلذُّذ بأخبارهم، كما هي عادة القصاص.
الإشارة: من شأن النفوس العاتية المُتجبرة العادية تكذيب أهل الخصوصية كيفما كانوا، ولا ترضى بحط رأسها لمَن يدعوها إلى ربها، فيُرسل اللهُ عليهم ريحَ الهوى والخذلان، فتصرعهم في محل الذل والهوان، وتتركهم عبيداً لنفوسهم الخسيسة، وللدنيا الدنية، فكيف كان عذابى لهؤلاء وإنذاري لهم؟!. ولقد يسّرنا القرآن للذكر، وبيَّنَّا فيه ما فعلنا بأهل التكبُّر والعناد من الإهانة والطرد والإبعاد، فهل مِن مدكر، يتيقّظ مِن سنة غفلته، ويرحل من دنياه لآخرته، ومن نفسه إلى ربه؟.
ثم ذكر قصة ثمود، فقال:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٢٣ الى ٣٢]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧)
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)
стр. 2958
يقول الحق ﷻ : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ بصالح ﵇ لأنَّ مَن كذَّب واحداً فقد كذّب الجميع لاتفاقهم في الشرائع، أو: كذّبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح، فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا أي: كائناً من جنسنا، وانتصابه بفعل يُفسره «نتبعه» أي: أنتبع بشراً منا واحِداً منفرداً لا تباعة له؟ أو: واحداً من الناس لا شرف له نَتَّبِعُهُ وندع ديننا؟ إِنَّا إِذاً أي: على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة لَفِي ضَلالٍ عن الصواب وَسُعُرٍ نيران تحرق، جمع «سعير» . كان صالح يقول لهم: إن لم تتبعونى كنتم في ضلالٍ عن الحق، وصرتم إلى سعير، ونيران تحرق، فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا: إن اتبعناك كنا كما تقول.
وقيل: المراد بالسعر: الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشراً، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمةٌ واحداً، أو: رجلاً لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قولهم: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ أي: الوحي عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا وفينا مَن هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ أي. بطر متكبر، حَمَلَه بطرُه وطلبُه التعظيم علينا على ادعائه ذلك.
قال تعالى: سَيَعْلَمُونَ غَداً أي: عن قريب، وهو عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ أصالح أم مَن كذّبه؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب، على حكاية ما قاله صالح مجيباً لهم. إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، فِتْنَةً لَهُمْ ابتلاءً وامتحاناً لهم، مفعول له، أو:
حال، فَارْتَقِبْهُمْ فانتظرهم وتبصّر ما هم صانعون وَاصْطَبِرْ على أذاهم، ولا تعجل حتى ياتيك أمري.
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ مقسوم بينهم، لها شِرْب يوم، ولهم شِرْب يوم، وقال: «بينهم» تغليباً للعقلاء.
كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ محضور، يحضر القوم الشرب يوماً، وتحضر الناقة يوماً، فَنادَوْا صاحِبَهُمْ قُدَار بن سالف، حُمير ثمود، فَتَعاطى فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم، غير مكترث به، فَعَقَرَ الناقة،، أو:
فتعاطى الناقة فعقرها، أو: تعاطى السيف فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلُّف. وقال أبو حيان: هو مضارع عاطا، وكأنّ هذه الفعلة تدافعها الناس بعضهم بعضاً، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. هـ.
стр. 2959
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ، إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ في اليوم الرابع مِن عَقْرها، صَيْحَةً واحِدَةً صاح بهم جبريل ﵇ فَكانُوا فصاروا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ كالشجر اليابس الذي يجده مَن يعمل الحظيرة، فالهشيم:
الشجر اليابس المتكسر، الذي يبس من طول الزمان، وتتوطّؤه البهائم فيتحطّم ويتهشّم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس: «هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم» «١» شبههم في تبددهم، وتفرق أو صالهم، بالشوك الساقط على الأرض، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ فيتعظ بما يسمع من هذه القصص.
الإشارة: سبب إنكار الناس على أهل الخصوصية ظهور وصف البشرية عليهم، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، ووصف البشرية على قسمين:
قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأ كل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال لإنها صِوان لسر الخصوصية. قال في الحكم: «سبحان مَن ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية» . وقسم عارض يمكن زواله وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها.
وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها: كذبت ثمود النفسُ الأمّارة وجنودُها صالح القلب حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهُّر من أوصافها المذمومة، فقالت النفسُ وجنودها: أنتبع واحداً منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عُصبة؟ إنا إذاً لفي ضلال وسعر، أأُلقي الذكر الإلهامي عليه من بيننا؟ بل هو كذّاب أشِرٌ، سيعلمون غداً، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، مَنِ الكذابُ الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب؟ إنّا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاءً ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أنَّ ماء الحياة- وهي الخمرة الأزلية- قسمة بينهم، مَن شَرِبَ منها صفا، ومَن تنكّب عنها أظلم، كُل شِرْب يحضره مَن يتأهل له. فنادوا صاحبهم- وهو الهوى- فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها، وإنذاري إياها؟ إنَّا أرسلنا عليهم صيحةَ القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانوا كهشيم المحتظر صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. هـ بالمعنى مع تخالف له.
стр. 2960
ثم قال القشيري: اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجهاً كليّاً سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجهاً كليّاً سميت أمّارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى سميت لوّامة. هـ مختصراً.
ثم ذكر قصة لوط، فقال:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٣٣ الى ٤٠]
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧)
وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)
يقول الحق ﷻ : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ، وقد تقدّم، إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ أي: على قوم لوط حاصِباً أي: ريحاً تحصبهم، أي: ترميهم بالحصباء، إِلَّا آلَ لُوطٍ ابنتيه ومَن آمن معه، نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ ملتبسين بسَحَرٍ من الأسحار، ولذا صرفه، وهو آخر الليل، أو: السُدس الأخير منه، وقيل: هما سحران، فالسَحَر الأعلى: قبل انصداع الفجر، والآخر: عند انصداعه، نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا أي: إنعاماً منا، وهو علة لنجَّينا، كَذلِكَ أي: مثل ذلك الجزاء العجيب نَجْزِي مَنْ شَكَرَ نعمتنا بالإيمان والطاعة.
وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ لوط بَطْشَتَنا أخذتنا الشديدة بالعذاب، فَتَمارَوْا فكذّبوا بِالنُّذُرِ بإنذاره متشاكّين فيه، وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ قصدوا الفجور بأضيافه، فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فمسخناها وسويناها كسائر الوجه، أي: صارت وجوههم صفيحة واحدة لا ثقب فيها.
رُوي أنهم لمَّا قصدوا دار لوط، وعالجوا بابها ليدخلوا، قالت الرسل للوط: خلّ بينهم وبين الدخول، فإنّا رُسلُ ربك، لن يصلُوا إليك. وفي رواية: لمّا مُنعوا من الباب تسوّروا الحائط، فدخلوا، فصفعهم جبريل بجناحه فتركهم عُمياً يترددون، ولا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عُمياً. وقلنا لهم على ألسنة الرسل، أو بلسان الحال:
فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ أي: وبال إنذاري، والمراد به: الطمس فإنه من جملة ما أُنذروا به.
стр. 2961
وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً أول النهار عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ لا يفارقهم حتى يُسلمهم إلى النار، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أنّ عذاب الطمس ينتهي إليه، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ، حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته- تعالى- تشديداً للعتاب.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ، قال النسفي: وفائدة تكرير هذه الآية أن يجدّدوا عند سماع كل نبأ من أنباء الأولين ادّكاراً واتعاظاً إذا سمعوا الحث على ذلك، وأن يستأنفوا تنبُّهاً واستيقاظاً إذا سمعوا الحثّ على ذلك، وهكذا حكم التكرير في قوله، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ «١» عند كل نعمة عدّها، وقوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ «٢» عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصوّرة في الأذهان، [مذكّرة] «٣» غير منسيّةٍ في كل أوان. هـ.
الإشارة: قال القشيري: يُشير إلى أنَّ كل مَن غلبته الشهوةُ البهيمية- شهوة الجماع- يجب عليه أن يقهر تلك الصفة، ويكسرها بأحجار ذكر «لا إله إلا الله» ، ويُعالج تلك الصفة بضدها، وهو العفة. هـ. فالإشارة بقوم لوط إلى الشهوات الجسمانية، فقد كذّبت الروحَ حين دعتها إلى مقام الصفا، ودعتها النفسُ بالميل إليها إلى الحضيض الأسفل، فإذا أراد اللهُ نصر عبده أرسل عليها حاصب الواردات والمجاهدات، فمحتْ أوصافها الذميمة، ونقلتها إلى مقام الروحانية، قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ يعني الأوصاف المحمودة، نجيناهم في آخر ليل القطيعة، أو: الروح وأوصافها الحميدة، نجيناها في وقت النفحات من التدنُّس بأوصاف النفس الأمّارة، نعمةً من عندنا، لا بمجاهدة ولا سبب، كذلك نَجزي من شكر نعمة العناية، وشكر مَن جاءت على يديه الهداية، وهم الوسائط من شيوخ التربية. ولقد أنذر الروحُ النفسَ وهواها وجنودها بطشَتنا: قهرنا، بوارد قهري، مِن خوف مُزعج، أو شوقٍ مُقلق، حتى يُخرجها من وطنها، فتَماروا بالنُذر، وقالوا: لم يبقَ مَن يُخرجنا مِن وطننا، فقد انقطعت التربية، ولا يمكن إخراجنا بغيرها، ولقد راودوه عن ضيفه، راودوا الروحَ عن نور معرفته ويقينه، بالميل إلى شهوات النفس فطمسنا أعينهم، فلم يتمكنوا من رد الروح إذا سبقت لها العناية، فيُقال للنفس وجنودِها: ذوقوا عذابي ونُذُري بالبقاء مع الخواطر والهموم، ولقد صبّحهم أول نهار المعرفة حين أشرقت شموس العيان عذاب مستقر، وهو مَحق أوصاف النفس، والغيبة عنها أبداً سرمداً. والله تعالى أعلم.
стр. 2962
ثم ذكر قوم فرعون، تعالى:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٤١ الى ٤٢]
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)
يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ موسى وهارون، جمعهما لغاية ما عالجا في إنذارهم، أو: بمعنى الإنذار، وصدّر قصتهم بالتوكيد القسمي لإبراز كمال الإعتناء بشأنها لغاية عِظَم ما فيها من الآيات، وكثرتها، وهول ما لا قوة من العذاب، واكتفى بذكر آل فرعون للعلم بأنَّ نفسه أولى بذلك، كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها وهي التسع فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ لا يغالَب مُقْتَدِرٍ لا يعجزه شيء.
الإشارة: النفوس الفراعنة، التي حكمت المشيئة بشقائها، لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير لأنَّ الكبرياء من صفة الحق، فمَن نازع اللهَ فيها قصمة الله وأبعده.
ثم هدد قريشا بما نزل على من قبلهم، فقال:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٤٣ الى ٤٨]
أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)
يقول الحق ﷻ : أَكُفَّارُكُمْ يا معشر العرب، أو: يا أهل مكة خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ الكفار المعدودين في السورة قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، والمعنى: أنه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم قوةً وآلةً ومكانةً في الدنيا، أو: كانوا أقلّ منكم كفراً وعناداً، فهل تطمعون ألاَّ يُصيبَكم مِثلُ مَا أصَابَهُم، وأنتم شر منهم مكانةً، وأسوأ حالاً؟ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ أم نزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة: أنَّ مَن كفر منكم وكذّب الرسول كان آمناً مِن عذاب الله، فأمِنتم بتلك البراءة؟
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ أي: جماعة أمرنا جميع مُنْتَصِرٌ ممتنع لا نُرام ولا نُضام، والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم، وإسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية قبائحهم لغيرهم، أي: أيقولون واثقين
стр. 2963
بشوكتهم: نحن أولوا حزم ورأي، أمرنا مجتمع لا يقدَر علينا، أو: منتصرون من الأعداء، لا نغلب، أو:
متناصرون، ينصر بعضُنا بعضاً. والإفراد باعتبار لفظ «جميع» .
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ جمع أهل مكة، وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ الأدبار. والتوحيد لإرادة الجنس، أو: إرادة أنّ كل منهم يُولّي دبره، وقد كان كذلك يوم بدر. قال عمر ﵁: لما نزلت: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ كنت لا أدري أي جمع يُهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يلبس الدرع، ويقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فعرفت تأويلها «١» ، فالآية مكية على الصحيح. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ أي: ليس هذا تمام عقوبتهم، بل الساعة موعد أصل عذابهم، وهذا طلائعه، وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ أي: أقصى غاية من الفظاعة والمرارة من عذاب الدنيا.
والداهية: الأمر الفظيع الذي لا يُهْتَدَى إلى الخلاص منه، وإظهار الساعة في موضع إضمارها تربيةً لهولها.
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ من الأولين والآخرين فِي ضَلالٍ عن الحق في الدنيا وَسُعُرٍ ونيران تحرق في الآخرة، أو: لفي هلاك ونيران مسعرة، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ يُجرّون فيها عَلى وُجُوهِهِمْ ويقال لهم:
ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ أي: قيسوا حرها وأَلمها، كقولك: وَجَدَ مسَّ الحمَّى، وذاق طعم الضرب لأن النار إذا أصابتهم بحرّها فكأنها تمسهم مسّاً بذلك، و «سقر» غير مصروف للعلمية والتعريف لأنها علم لجهنم، من: سقَرتْه النار:
إذا لَوّحتْه.
الإشارة: ما قيل في منكري خصوصية النبوة، يُقال في منكري خصوصية الولاية إذا اشتغل بأذاهم، يعني: أنَّ مَن أنكر على الأولياء المتقدمين قد أصابهم ما أصابهم، إما ذُل في الظاهر، أو طرد في الباطن، وأنتم أيها المنكرون على أهل زمانكم مثلُهم. أمنتقدكم خير مِن أولئكم أم لكم براءة مِن العذاب في كتب الله تعالى؟ أم يقولون: نحن جميع، أي: مجتمعون على الدين، لا يُصيبنا ما أصاب الكفار، فيُقال لهم: سيُهزم جمعكم، ويتفرّق شملكم، وتُفضوا إلى ما أسلفتم، نادمين على ما فعلتم، ولن ينفع الندم حين تزل القدم، فتبقون في حسرة البُعد على الدوام، فالكفار حُرموا من جنة الزخارف، وأنتم تُحرمون من جنة المعارف، مع غم الحجاب وذُل البُعد عن الحضرة القدسية، إن المجرمين- وهم أهل الطعن والانتقاد- في ضلال عن طريق الوصول إلى الله، ونيران القطيعة، يوم
стр. 2964
يسحبون على وجوههم، فينهكمون في الدنيا في الحظوظ والشهوات، وفي الآخرة في نار البُعد والقطيعة، على دوام الأوقات، ويقال لهم: ذُوقوا مرارةَ الحجاب وسوء الحساب، وكل هذا بقدر وقضاء سابق، كما قال تعالى:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٤٩ الى ٥٥]
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)
يقول الحق ﷻ : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أي: بتقدير سابق في اللوح قبل وقوعه، قد علمنا حالَه وزمانه قبل ظهوره، أو: خلقناه كل شيء مقدّراً محكماً مرتباً على حسب ما اقتضته الحكمة، و «كل» : منصوب بفعل يفسره الظاهر. وقرىء بالرفع شاذا، والنّصب أولى لأنه لو رفع لأمكن أن يكون «خلقنا» صفة لشيء، ويكون الخبر مقدراً، أي: إنا كل شيء مخلوق لنا حاصل بقدر، فيكون حجة للمعتزلة، باعتبار المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم يسبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، ويجوز أن يكون الخبر: «خلقناه» ، فلا حجة فيه، ولا يجوز في النصب أن يكون «خلقنا» صفة لشيء لأنه يفسر الناصب، والصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملاً. قال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يُخاصمونه في القدر، فنزلت الآية «١» ، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية، أي: على طريق الإخبار بالغيب.
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ أي: كلمة واحدة، سريعة التكوين، وهو قوله تعالى: كُنْ أي: وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلاّ أَن نَّقُولَ لَهُ: كُنْ، فيكون، أو: إلاّ فِعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معالجة، كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ في السرعة، أي: على قد ما يلمح أحد ببصره، وقيل: المراد سرعة القيامة، لقوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ «٢» .
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ أي: أشباهكم في الكفر من الأمم، وقيل: أتباعكم، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ من متعظ بذلك وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ من الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل فِي الزُّبُرِ في ديوان الحفظة، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مِن الأعمال، ومِن كل ما هو كائن مُسْتَطَرٌ مسطور في اللوح بتفاصيله.
стр. 2965
ولمَّا بيَّن سوء حال الكفرة بقوله: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ ... الخ، بيَّن حُسن حال المؤمنين، جمعاً بين الترهيب والترغيب فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ أي: الكفر والمعاصي فِي جَنَّاتٍ عظيمة وَنَهَرٍ أي: أنهار كذلك. والإفراد للاكتفاء بذكر الجنس، مراعاة للفواصل، وقرىء: «ونُهُر» «١» جمع «نَهَر» ، كأَسَد وأُسُد. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ في مكان مرضيّ، وقرئ «فيمقاعد صدق» «٢» ، عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ أي: مقربين عند مليك قادر لا يُقادَر قدر ملكه وسلطانه، فلا شيء إلا وهو تحت ملكوته، سبحانه، ما أعظم شأنه. والعندية: عندية منزلة وكرامة وزلفى، لا مسافة ولا محاسّة.
الإشارة: هذه الآية وأشباهها هي التي غسلت القلوب من الأحزان والأغيار، وأراحت العبد من كدّ التدبير والاختيار لأنّ العاقل إذا علمَ عِلم يقين أنّ شئونه وأحواله، وكل ما ينزل به، قد عمّه القدر، لا يتقدّم شيء عن وقته ولا يتأخر، فوَّض أمره إلى الله، واستسلم لأحكام مولاه، وتلقى ما ينزل به من النوازل بالرضا والقبول، خيراً كان أو شرًّا، كما قال الشاعر:
إذَا كانتِ الأَقْدارُ مِن مَالكِ المُلْكِ ... فَسِيَّان عِندي مَا يَسرُّ وما يُبكي
وقال آخر:
تَسَلَّ عن الْهُمومِ تَسل «٣» ... فَما الدُّنيا سِوى ثوبٍ يُعارُ
وسَلِّم للمُهَيْمنِ في قَضَاهُ ... ولاَ تَخْتَرْ فلَيْسَ لَكَ اخْتِيارُ
فَما تَدرِي إِذا ما الليْلُ وَلَّى ... بِأَيِّ غَريبةٍ يَاتِي النَّهار
وقوله تعالى: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ.. الخ، هذا في عالمَ الأمر، ويُسمى عالم القدرة، وأما في عالم الخلق، ويسمى عالَم الحكمة، فجُلّه بالتدريج والترتيب، ستراً لأسرار الربوبية، وصوناً لسر القدرة الإلهية، ليبقى الإيمان بالغيب، فتظهر مزية المؤمن، ويُقال لأهل العناد المُتجبرة: ولقد أهلكنا أشياعكم إما بالهلاك الحسي، أو المعنوي، كالطرد والبُعد، فهل من متعظٍ، يرجع عن عناده؟ وكل شيء فعلوه في ديوان صحائفهم، وكل صغير وكبير من
стр. 2966
أعمال العباد مسطورة في العلم القديم. إنَّ المتقين ما سوى الله، في جنات المعارف، وأنهار العلوم والحِكَم، في مقعد صدق، هو حضرة القدس، ومحل الأنس، عند مليك مقتدر. قال الورتجبي: مقامات العندية جنانها زفارف الأنس، وأنهارها أنوار القدس، أجلسهم الله في بساط الزلفة والمداناة، التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر، ولا يزول عنها بالتستُّر والحجاب لذلك سماه «مقعد صدق» أي: محل كرامة دائمة، ومزية قائمة، ومواصلة سرمدية، والله مقدّر قادر. انظر تمام كلامه.
وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم «١» .
стр. 2967
سورة الرحمن
يقول الحق ﷻ : ﴿الرحمنُ علَّمَ القرآنَ﴾ عدّد في هذه الصورة الكريمة ما أفاض على كافة الأنام من فنون نِعمه الدينية والدنيوية، الأنفسية والآفاقية، وأنكر عليهم إثر كل منها إخلالهم بموجب شكرها، وبدأ بتعليم القرآن؛ لأنه أعظمها شأناً، وأرفعها مكاناً، كيف لا وهو مدار السعادة الدينية والدنيوية؟ وإسناد تعليم القرآن إلى اسم " الرَّحْمَان " للإيذان بأنه من آثار الرحمة الواسعة وأحكامها.
ثم ثنَّى بنعمة الإيمان، فقال: ﴿خَلَقَ الإِنسانَ﴾ أي: جنس الإنسان، أو آدم، أو محمد ﷺ ، والمراد بخلقه: إنشاؤه على ما هو عليه من القُوى الظاهرة والباطنة. ﴿علَّمه البيانَ﴾ وهو المنطق الفصيح، المُعْرِب عما في الضمير، وليس المراد بتعليمه: تمكينه من بيان ما في نفسه، بل منه ومِن فهم بيان غيره، إذ هو الذي يدور عليه التعليم. وأَخَّر ذِكر خلق الإنسان عن تعليم القرآن؛ ليعلم إنما خلقه للدين، وليُحيط علماً بوحي الله وكُتبه، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان، وهو البيان والإفصاح عما في الضمير. والجمل الثلاث أخبار مترادفة للرحمن، وإخلاء الأخيرتين عن العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزّك بعد ذلك، كثَّرك بعد قِلَّة، فعل بك ما لم يفعل أحدٌ بأحدٍ، فما تُنكر إحسانه؟ .
стр. 2968
ثم ذكر النِعَم الآفاقية، فقال: ﴿الشمسُ والقمرُ بحُسْبَانٍ﴾ أي: يجريان بحساب معلوم، وتقدير سويِّ، في بُروجهما ومنازلهما، بحيث ينتظم بذلك أمور الكائنات السفلية، وتختلف الفصول والأوقات، ويُعلم منها عدد السنين والحساب، ولو كان الدهر كله نهاراً أو ليلاً لبطلت هذه الحكمة، ولم يَدْر أحدٌ كيف يحسب شيئاً، ولاختلّ نظام العالم بالكلية، وقال مجاهد: (بحُسْبان) كحسبان الرحا، يدوران في مثل قطب الرحا، وهو مُؤيِّدٌ لأهل التنجيم. قال بعضهم: إنَّ الشمس قدر الدنيا مائة وعشرون مرة، لأجل ذلك أن الإنسان يجدها قبالته حيث صار. وقال في شرح الوغليسية: إنَّ الشمس قدر الدنيا بمائة ونيف وستين مرة، والقمر قدر الدنيا ثمان مرات، ويُحيط بهما بصر أقل من حبة السمسم، الله أكبر وأعز وأعلا. هـ. ويقال: مكتوب في وجه الشمس: " لا إله إلا الله محمد رسول الله، خلق الشمس بقدرته، وأجراها بأمره " وفي وجه القمر مكتوب: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله، خالق الخير والشر بقدرته، يبتلي بهما مَن يشاء مِن خلقه، فطُوبى لمَن أجرى اللهُ الخير على يديه، والويل لمَن أجرى اللهُ الشر على يديه ".
﴿والنجمُ والشجرُ يسجدان﴾ النجم: النبات الذي ينجم، أي: يطلع من الأرض ولا ساق له، كالبقول، والشجر: الذي له ساق. وقيل: ﴿النجم﴾ : نجوم السماء وسجودهما: انقيادهما لما يُراد منهما، شُبّها بالساجدين من المكلّفين في انقيادهما، واتصلت هاتان الجملتان بالرحمن بالوصل المعنويّ، لِما علم أنَّ الحُسبان حسبانه، والسجود له لا لغيره، كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له، ولم يذكر العاطف في الجُمل الأُولِ وجِيء به بعدُ؛ لأنّ الأُولَ وردت على سبيل التعديد كما تقدّم، ثم ردَّ الكلام إلى منهاجه في وصل ما يجب وصله؛ للتناسب والتقارب بالعطف وبيان والتناسب: أنَّ الشمس والقمر سماويان، والنجم والشجر أرضيان، فعطف أحد المتقابلين على الآخر، وأيضاً: حُسبان الشمس والقمر نوع من الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر. ثم قال تعالى: ﴿والسماءَ رفَعها﴾ أي: خَلَقها مسموكةً مرفوعةً، حيث جعلها منشأ أحكامه، ومسكن ملائكته الذي يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبّه بذلك على كبرياء شأنه، ومُلكه وسلطانه، ﴿وَوَضَعَ الميزانَ﴾ أي: كل ما يُوزن به الأشياء ويعرف مقاديرها، من ميزان، وقَرَسْطون، ومكيال، ومعيار، والقرسطون - بفتحتين: العدلة التي توزن بها الفضة، أي: خَلَقه موضعاً على الأرض من حيث علّق به أحكام العباد على التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم. وقيل: معنى الميزان، العدل، أي: شرع العدل وأمر به حتى يوفّى كل ذي حق حقه، حتى انتظم أمر العالم واستقام، كما قال ﷺ : " بالعدل قامت السماوات والأرض "، والعدل: ما حكمت به الشريعةُ المحمدية، من كتاب، وسُنة، وإجماع، وقياس. وأمر بذلك ﴿ألاَّ تَطْغَوْا في الميزانِ﴾ أي: لئلا تجوروا في الميزان بعد
стр. 2969
الإنصاف في حقوق العباد، فـ " أن " ناصبة، أو مُفَسِّرة، أو ناهية، ﴿وأَقيموا الوزنَ بالقِسْطِ﴾ وأقيموا أوزانكم بالعدل ﴿ولا تُخْسِرُوا الميزانَ﴾ ولا تنقصوه بالتطفيف، نهى عن الطغيان، الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران، الذي هو تطفيف ونقصان، وكرّر لفظ " الميزان " تشديداً للوصية، وتقويةً للأمر باستعماله الحثّ عليه.
ولمّا ذكر نعمة الإمداد المعنوي، وهو مدد الأرواح، ذكر مددَ الأشباح، فقال: ﴿والأرضَ وضعها﴾ خفضها مدحوّة على الماء ﴿للأنام﴾ للخلق، وهو ما على وجه الأرض من دابة. وعن الحسن: الجن والإنس، فهي كالمهاد، يتصرفن فوقها. ﴿فيها فاكهةٌ﴾ ضروب مما يُتفكّه به، ﴿والنخلُ ذاتُ الأكمام﴾ وهي أوعية الثمر، واحدها: كِمٌّ، بكسر الكاف، أو: كلّ ما يَكُم، أي: يُغطّى، من ليفه وسعفه وكُفُرَّاه، والكُفرّ: وعاء الطَّلْعِ، وكله مُنتفع به، كما يُنتفع بالمكموم من ثمره وجُمّاره وجّذوعه.
﴿والحبُّ ذو العَصْفِ﴾ هو ورق الزرع، أو التبن، ﴿والريحانُ﴾ أي: الرزق وهو اللبّ، أي: فيها ما يتلذذ به، والجامع بين التلذُّذ والتغذّي، وهو تمر النخل، وما يتغذّى به فقط، وهو الحب المشتمل على علق الدواب وزرق العباد. وقرأ الأخَوان: (والريحانِ) بالجر، عطفاً على " العصف " والباقون بالرفع عطفاً على " الحب " على حذف مضاف، أي: وذو الريحان، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: معناه: وفيه الريحان الذي يُشم. وقرأ الشامي بنصب الجميع، أي: خلق الحب والريحان.
﴿فَبأيّ آلاءِ رِّبكما﴾ أي: نِعَمَه التي عَدَّدها من أول السورة، ﴿تُكَذِّبان﴾ والخطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله تعالى: ﴿للأنام﴾ وينطق به قوله: ﴿أيه الثقلان﴾ والفاء لترتيب الإنكار والتوبيخ على ما فصّل من فنون النعماء، وصنوف الآلاء، الموجبة للإيمان والشكر، والتعرُّض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية والتربية، مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد النكير وتشديد التوبيخ. ومعنى تكذيبهم آلائه تعالى: كفرهم بها، وإمّا بإنكار كونه نعمة في نفسه، كتعليم القرآن وما يستند إليه من النعم الدينية، وإمّا بإنكاره كونه من الله تعالى مع الاعتراف بكونه نعمة في نفسه، كالنعم الدنيوية الواصلة إليهم بإسناده إلى غيره تعالى، اشتراكاً أو استقلالاً، صريحاً أو دلالة، فإنَّ إشراكهم لآلهتهم معه تعالى في العبادة من دواعي إشراكهم لها به تعالى. انظر أبا السعود. أي: إذا كان الأمر كما فصّل فبأيّ فرد من أفارد نعمه تعالى تُكذِّبان، مع أنّ كُلاًّ منها ناطق بالحق، شاهد بالصدق؟ والله تعالى أعلم.
الإشارة: اعلم أنَّ " الرحمن " من الأسماء الخاصة بالذات العلية، لا يُوصف به غيره تعالى، لا حقيقة ولا مجازاً؛ لأنها مقتضية لنعمة الإيجاد، ولا يصح مِن غيره، بخلاف
стр. 2970
" الرحيم " فإنه مقتضٍ لنعمة الإمداد، وقد يصح من غيره تعالى مجازاً، فلذلك يجوز أن يُوصف العبد بالرحيم، ولا يوصف بالرحمن، ثم إنَّ الرحمة المشتمل عليها الرحمن على قسمين: رحمة ذاتية لا تُفارق الذات، ورحمة صفاتية يقع بها الإمداد للخلق، فيرحَم بها مَنْ يشاء من عباده، وتسمى الرحمة الذاتية رحمانية، ولمَّا كانت لا تُفارق الذات وقع التعبير بها في الاستواء، فقال تعالى: ﴿الرحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ﴾ [الفرقان: ٥٩] ، وإليه أشار في الحِكَم بقوله: يا مَن استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيباً في رحمانيته ... الخ.
وأما الرحمة الصفاتية، وهي التي يقع بها الإمداد، فتتنوع بتنوُّع الأسماء الحسنى، وهي تسعة وتسعون. أمّا الأسماء الجمالية فالرحمة فيها ظاهرة، وأمّا الأسماء الجلالية فالرحمة فيها: عدم انفكاك لطف الله عن قدره، والرحمة الذاتية هي المُوفية مائة، ولذلك قال ﷺ : " إنّ اللهَ تعالى خَلَقَ مائةَ رحمة، أَمسك عنده تسعةً وتسعين، وأنزل واحدةً إلى الدنيا، بها يتراحم الخلقُ " الحديث، أو كما قال ﵇. ولمَّا كان القرآن من أجلّ النِعَم عبّر عن تعليمه بالرحمانية، التي هي من الصفات الخاصة؛ لأنّ القرآن مُظهر لأوصاف الذات وأسرارها وأفعالها، وكاشف لحقائقها، عند مَن فُتحت بصيرته.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسانَ﴾ أي: أظهره من سر اللطافة إلى مظهر الكثافة جاهلاً به من جهة الجسمانية، ثم ﴿علَّمه البيان﴾ أي: بيان السير إلى معرفته، بأن ركّب فيه العقل المميز، ونَصَبَ له مظاهر يتعرّف بها، وبعث له دالاًّ يدله، ويُعلمه أسرار الربوبية وآداب العبودية، فلا يزال يُحاذيه، ويسير به حتى يستنير قمر توحيده، وتُشرق شمس عرفانه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿الشمس والقمر بُحسبان﴾ أي: يجريان بحسب معلوم، في زيادة نور التوحيد ونقصانه، على حسب استعداد العبد وتوجهه. قال القشيري بعد كلام: وكذلك شموس المعارف، وأقمار العلوم - في طلوعها في أوْج القلوبِ والأسرار - في حكم الله تعالى وتقديره حسابٌ معلومٌ، يُجْريهما على ما سبق به الحُكْمُ. هـ. والنجم والشجر يسجدان، أي: ونجم نور العقل الطبيعي، وشجر الفكر الاعتباري يخضعان ويضمحلان عند سطوع شمس نهار العرفان، وأمَا نور العقل الوهبي، والفكر الاستبصاري، فيطويان الكونَ طيّاً؛ لانَّ نورهما مستمد من العقل الأكبر، وهو أول الفيض الإلهي، المتدفق من بحر الجبروت، وسماء الأرواح، رَفَعَا عن لوث عالم الأشباح، وهو محل شهود أسرار الذات وأنوار الصفات، وتجليات الأنبياء والرسل، فمَن ترقّى إليه لا تغيب عنه أرواح الأنبياء وذواتهم، فالمتجلي واحد. ووضع الميزان على النفوس الظلمانية، ألاَّ تَطْغَوا في الميزان، بتعديّ حدود الرياضة والمجاهدة، وأقيموا عليها الوزن بالقسط، ولا تُخسروا
стр. 2971
الميزان بإهمالها في هواها وحظوظها. والأرض، أي: أرض البشرية وضعها لقيام وظائف العبودية، اليت رتّبها للأنام، فيها فاكهة العلوم الوهبية إن صفت، ونَخْل علوم الشريعة ذات الأكمام، وهي البراهين التي تستخرج بها مسائلها، فمَن وقف مع قشر الأكمام كان مقلِّداً. ومَن نفذ إلى لُبها كان مجتهداً منِ نِحريراً.
وقال القشيري: ﴿والنخلُ ذات الأكمام﴾ من فواكه الوحدانيات المستورة عن الأغيار، المستورة عن غير أهلها. ثم قال: ﴿والحب ذو العصف﴾ من حبة المحبة الذاتية، غير القابلة للتغيُّر والاستبدلال، المشتملة على الأرزاق المكتنفة بالمعارف والحاقئق والحِكِم. هـ. والريحان هو قوت الأرواح من اليقين، أو نسيم الأذواق والوجدان، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذّبان﴾ أيها الثقلان، أو أيها النفس والروح؛ إذ كل منهما فاز بأمنيته، ووصل إلى نهاية ما اشتهاه، إذا عمل بما تقدّم، وأصغى بأُذن قلبه إلى ما عددناه. وبالله التوفيق.
يقول الحق ﷻ : ﴿خَلَقَ الإِنسانَ﴾ آدم ﴿من صلصالٍ﴾ من طين يابس، له صلصلة، أي: صوت ﴿كالفَخَّار﴾ كالطين المطبوخ بالنار وهو الخزف. ولا تخالف بين هذا وبين قوله: ﴿مِّنْ حَمإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] و ﴿مِّن طِينٍ لاَّزِب﴾ [الصافات: ١١] لاتفاقهما معنىً، لأنَّ المعنى: أنَّ أصل خلقه من تراب، ثم جعله طيناً، ثم حمأً مسنوناً، ثم صلصالاً. ﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾ أي: الجن، او أبا الجن إبليس، ﴿من مَارجٍ من نار﴾ والمارج هو اللهب الصافي، الذي لا دخان فيه، وقيل: المختلط بسواد النار، من: مَرجَ الشي: إذا اضطرب أو اختلط، و " مِن ": بيانية، كأ، هـ قيل: مِن صاف النار، أو مختلط من النار، أو أراد: من نار مخصوصة.
﴿فبأي آلاءِ ربكما تُكَذِّبان﴾ مما أفاض عليكما في تضاعيف خلقكما من سوابغ النعم. قال القشيري: وكرّر سبحانه هذه الآية في غير موضع، على جهة التقرير بالنعمة على التفاصيل. نعمة بعد نعمة، ووجه النعمة في خلق آدم من طين: أنه رقّاه إلى رتبةٍ
стр. 2972
بعد أن خلقه من طين، وكذلك القول في ﴿مارج من نار﴾ . هـ. يعني: أنَّ آدم رقّاه إلى رتبة الروحانية والخلافة، والجن إلى رتبة التصرُّف الباطني في الآدمي وغيره.
﴿ربُّ المشْرِقَين وربُّ المغربين﴾ أي: مشرقي الشمس في الصيف والشتاء، ومَغْربيها. قال ابن الحشا: المشرق الشتوي: هو النقطة التي تطلع فيها الشمس فيها في الأفق في نصف دجنبر، أقصر ما يكون النهار من أيام السنة، والمشرق الصيفي: هو النقطة التي تطلع فيها الشمس في نصف يونية، أطول ما يكون من أيام السنة. والمغربان: حيث تغرب في هذين اليومين، ومشارق الشمس ومغاربها في سائر أيام السنة ليس هذين المشرقين والمغربين. هـ. وقوله: في نصف دجنبر ونصف يونية، هذا في زمانه، وأمّا اليوم فهي على ثمانية أيام ونحوها، لزيادة حركة الإقبال. قال ابن عطية: متى وقع ذكر المشرق والمغرب فهو إشارة إلى الناحيتين، أي: مشرق الصيف والشتاء ومغربهما. ومتى وقع ذكر الشارق والمغارب فيهو إشارة إلى تفصيل مشرق كل يوم ومغربه، ومتى ذكر المشرقان فهو إشارة إلى نهايتي المشارق والمغارب؛ لأنّ ذكر نهايتي الشيء ذكر لجميعه. هـ.
﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ قال القشيري: ووجه النعمة في مشرق الشمس ومغربها: جريانه على ترتيب بديع؛ ليكمل انتفاع الخلق بذلك. هـ.
﴿مَرَجَ البحرين يلتقيان﴾ أي: أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين بإسماك أحدهما عن الآخر في مرأى العين. قال في الحاشية: ويُقرب ما ذكره ما هو مشهود في الريف مع الماء، فاعتبر به، وبالأبيض من البيضة مع الأصفر منها، وقيل: أرسل بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط؛ لانهما خلجان يتشعبان منه، ﴿بينهما برزخٌ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى، ﴿لا يَبغِيان﴾ لا يتجاوزان حدّيهما، ولا يبغي أحدُهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية، أو: لا يتجاوزان حدّيهما بإغراق ما بينهما، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ وليس شيء منها يقبل التكذيب. ﴿يَخْرُجُ منهما اللؤلؤُ والمَرجانُ﴾ اللؤلؤ: الدرّ، والمَرجان: الخرزُ الأحمر المشهور. قلت: هو شجر ينبت في الحجر في وسط البحر، وهو موجود في بحر المغرب، ما بين طنجة وسبتة. وقال الطرطوشي: هو عروق حُمر يطلع من البحر كأصابع الكف، وشاهدناه بأرض المغرب مراراً. هـ. وقيل: اللؤلؤ: كِبار الدر، والمرجان: صِغاره. وإنما قال: " منهما " وهما إنما يخرجان من الملح؛ لأنهما لمّا التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يُقال: يخرجان منهما. ونقل الأخفش عن قوم: أنهما يخرجان من المالح والعذب، وليس لِمن ردّه حجة قاطعة، ومَن أثبت أَولى ممن نفى. هـ. قال أبو حيان: والظاهر خروجهما منهما، وحكاه الأخفش عن قوم. هـ. ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذَّبان﴾ مع ظهور هذه النعمة.
﴿وله الجوارِ﴾ أي: السفن، جمع: جارية، ﴿المُنشَئاتُ﴾ المرفوعات الشُرَّع، وقرأ حمزة ويحيى بكسر الشين، أي: الرافعات الشُروع، أي القلاع، أو: اللاتي يُنشئن الأمواج
стр. 2973
بمَخْرهن ﴿في البحر كالأعلام﴾ كالجبال الشاهقة، جمع عَلَم، وهو الجبل الطويل، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ مِن خلق مواد السفن والإرشاد إلى أخذها، وكيفية تركيبها، وإجرائها في البحر، بأسباب لا يَقدر على خلقها وجمعها وترتيبها غيره سبحانه.
﴿كُلُّ مَن عليها﴾ على الأرض ﴿فانِ ويبقى وجهُ ربك﴾ أي: ذاته، قال القشيري: وفي بقائه سبحانه خَلَفُ من كلِّ تلفٍ، وتسليةٌ للمؤمنين عما يُصيبهم من المصائب، ويفوتهم من المواهب. هـ. ﴿ذو الجلال﴾ ذو العظمة والسلطان، ﴿والإِكرام﴾ أي: الفضل التام بالتجاوز والإحسان. وهذه الصفة من عظم صفات الله تعالى، وفي الحديث: " ألظوا - أي: تعلقوا - بيا ذا الجلال والإكرام " يعني: نادوه به، يُقال: ألظ بالمكان: إذا أدام به، وألظ بالدعاء: إذا لزمه، وروي أنه ﷺ مرّ برجل يُصلِّي، ويقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: " قد استُجيب لك " ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ فإنَّ إفناءهم وإخراجهم من ضيق هذه الدار الدنية، وإحياءهم وإبقاءهم في الدار الباقية في النعيم السرمدي من عظائم النِعم.
الإشارة: اختص مظهَر الإنسان عن سائر المظاهر باعتدال خلقته، لطافةً وكثافةً، معنىً وحسّاً، روحانيّاً وبشريةٌ، فلذلك فاقت معرفته إذا عرف سائر المخلوقات، بخلاف الجن والملائكة، اللطافةُ غالبة عليهم، فمَن كان منهم عارفاً لا تجده إلا متحرفاً، غالباً عليه الهيمان والسُكْر، وأمّا الآدمي فمَن غلبت رَوحانيتُه على صلصاليته، ومعناه على حسه، كان كالملائكة أو أفضل، ومَن غلبت طينتُه على روحانيته، وحسُّه على معناه، كان كالبهائم أو أضلّ.
وقوله تعالى: ﴿رَبُّ المشرقين وربُّ المغربين﴾ أي: رب مشرق شمس العرفان وقمر الإيمان، ومغربهما عند غين الأنوار والأغيار. وقال القشيري: يُشير مشرق الروح والقلب، ومغرب النفس والهوى. هـ. فإذا أشرق نور الروح والقلب غابت ظلمة النفس والهوى، وإذا استولت ظلمة النفس والهوى على الروح والقلب غربت شمسهما، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ مع ما في ذلك في اللطائف الغامضة، والغوامض الخفية، من عدم سكون الروح والقلب إلى التجلِّي الجمالي، وعدم اضطراب النفس والهوى بالتجلِّي القهري الجلالي؛ لأنَّ الكامل من هذه الطائفة هو الذي يُشاهد الجمالَ في الجلال، والجلالَ في الجمال، فلا يسكن إلى شيء، ولا يقف مع شيء.
وقوله تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين يلتقيان﴾ يُشير إلى بحر علم الشريعة، وبحر علم الحقيقة، يلتقيان في الإنسان الكامل، ﴿بينهما برزخ﴾ وهو العقل، فإنه يحجز الشريعةَ أن
стр. 2974
تعدو محلها، والحقيقة أن تُجاوز محلها، فالشريعة محلها الظواهر، والحقيقة محلها البواطن، والعقل برزخ بينهما، يقوم بحُكم كل واحدة منهما، فمَن خفَّ عقله غلبت إحداهما عليه، إمّا الشريعة، فيكون يابساً جامداً لا يخلو من فسوق، وإمّا الحقيقة، فيكون إما سكراناً أو زنديقاً. ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان؟﴾ حيث هَدى العبدَ إلى القيام بحقهما، وإنزال كل واحدة في محلها، ﴿يَخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ فيخرج من بحر الحقيقة جواهرَ الحِكم ويواقيت العلوم، ومن بحر الشريعة مَرجان تحرير النقول، وتحقيق مبانيها، والإتيان بها من معادنها، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذَّبان﴾ حيث وفَّق غوّاص بحر الحقيقة إلى استخراج أسرارها، وغوّاص بحر الشريعة إلى إظهار أنوارها. ﴿وله الجوارِ﴾ ، أي: سفن استخراج أسرارها، وغوّاص بحر الشريعة إلى أظهار أنوارها. ﴿المنشأت﴾ في بحر الذات، مع رسوخ عقلها، كالجبل الراسي، فتعوم سفنُ أفكار العارفين في بحر الجبروت وأنوار الملكوت، ثم ترسي في مرساة العبودية، للقيام بآداب الربوبية، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ مع عظيم هذا اللطف الكبير، والمنَّة الكريمة، حيث يتلاطم عليهم أموَاجُ بحر الذات، فيكونوا من المغرقين في الزندقة، أو ذهاب العقل بالكلية، لكن مَنْ صَحبَ رئيسا عارفاً لا يخاف من الغرق إن شاء الله.
﴿
كلُّ مَن عليها فانٍ﴾ كل مَنْ على بساط المملكة فَانٍ متلاشٍ، ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أي: ذاته المقدسة، فلا موجود معها على الحقيقة، كما قال الشاعر:
فَالْكُلُّ دُونَ اللَّه إِنْ حَقَّقْتَه
عَدمٌ عَلَى التَّفْصِيل والإجمال
وهذا معلوم عند أرباب الأذواق، مُقرر عند أهل الفناء والبقاء، فلا يجحده إلاَّ جهول، كما قال تعالى: ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ ؟ .
يقول الحق ﷻ : ﴿يَسْألُه مَن في السماوات والأرض﴾ مِن ملَكٍ وإنسٍ وجن وغيرهم، لا غنى لأحد منهم عنه سبحانه، كل منهم يسأل حاجته، إما بلسان مقاله، أو بلسان حاله، أهل السموات يسأله قوت أرواحهم، وأهل الأرض قوتَ أشباحهم
стр. 2975
وأرواحهم. وقال أبو السعود: فإنهم كافة، من حيث حقائقهم الممكِنة، بمعزلٍ من استحقاق الوجود، وما يتفرّع عليه من الكمالات بأسره، بحيث لو انقطع ما بينهم وبين العناية الإلهية من العلاقة لم يشمُّوا رائحة الوجود أصلاً، فهم في كل أمر مستمدون على الاستدعاء والسؤال. هـ.
ويُوقف على قوله: ﴿والأرض﴾ ثم يبتدأ بقوله: ﴿كُلَّ يومٍ﴾ فهو ظرف لقوله: ﴿هو في شأن﴾ أي: هو كائن كل وقت وحين في شأنٍ من شؤون خلقه، التي من جملتها: إعطاؤهم ما سألوا، فإنه تعالى لا يزال يُنشئ أشخاصاً، ويُفني آخرين، ويأتي بأحوالٍ ويذهب بأحوالٍ، حسبما تقتضيه مشيئته، المبنية على الحِكَم البالغة، وسمعتُ شيخنا الفقيه العلاّمة، سيدي " التاودي بن سودة " ﵀ يقول في تفسيرها: إنَّ من شؤونه تعالى أنه كل يوم يُجهّز ثلاثة جيوش: جيشاً إلى الأرحام، وجيشاً إلى الدنيا، وجيشاً إلى المقابر. هـ. وعن ابن عيينة: الدهر عند الله يومان، أحدهما: اليوم الذي هو مدة الدنيا، فشأنه فيه: الأمر والنهي، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، والآخر: يوم القيامة، فشأنه فيه: الجزاء والحساب.
ورُوي عنه ﷺ أنه تلاها، فقيل له: ما هذا الشأن؟ فقال: " من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرّج كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين " وقيل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شأناً، فردّ الله عليهم؛ والمراد بهذه الشؤون: أمور يُبديها ولا يبتديها، فقد جفّ القلم بما هو كائن إلى ما لا نهاية له. ومنه: ما جاء في القضاء على الولد في الرحم، بسعادةٍ أو غيرها، ليس ذلك القضاء إنشاء وابتداء، وإنما هو إبداء وإظهار للملائكة ما سبق به قضاؤه وقدره، وهو مسطور في اللوح، ولذلك جاء: " إنه يُقال للملك: انطلق إلى أم الكتاب، فينطلق، فيجد قصة ذلك فيه ... " الحديث. وقيل: شأنه تعالى: سَوْق المقادير إلى المواقيت.
قال النسفي: قيل: إنَّ عبدَ اللهِ بن طاهر دعا الحسينَ بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي، قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] وقد صحّ: أن الندم توبة، وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمِ هُوَ فِي شأنٍ﴾ وقد صحّ أن القلم جفّ بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله: ﴿وَأَن لَّيْسَ للإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز ألاَّ يكون الندم توبة في تلك الآية. وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله وتكلفه مشقته، وقوله: ﴿وأن ليس للإِنسان إلا ما سعى﴾ مخصوص بقوم إبراهيم وموسى ﵉، وأمَّا قوله: ﴿كُلَّ يَوْمِ هُوَ فِي شأن﴾ فإنها شؤون يُبديها لا يبتديها، فقال عبدُ الله فقبَّل رأسه ووسّع خراجه. هـ.
стр. 2976
﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ مع مشاهدتكم لما ذكر من شؤون إحسانه تعالى.
﴿سَنَفْرُغ لكم أيه الثقلانِ﴾ سنتجرّد لحسابكم وجزائكم، مستعار من قول الرجل لمَن يتهدّده: سأفرغ لك، أي: سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنك، ويجوز أن يُراد: ستنتهي الدنيا ويبلغ آخرها، وينتهي عند ذلك شؤون الخلق، التي أرادها بقوله: ﴿كُلَّ يَوْمِ هُوَ فِي شأن﴾ فلا يبقى إلاَّ شأن واحد، وهو جزاؤكم، فجعل ذلك فراغاً لهم على طريق المثل، و " الثقلان ": الجن والإنس، سُمّيا بذلك؛ لثقلهما على الأرض، أو: لرزانة آرائهما، أو: لأنهما مُثقلان بالتكليف، ﴿فبأي آلاء ربكما﴾ التي من جملتها: التنبيه على ما يلقونه يوم القيامة، للتحذير عما يؤدي إلى سوء الحساب، ﴿تُكذِّبان﴾ بأقوالكما أو بأعمالكما.
﴿يا معشرَ الجنِّ والإِنس﴾ هو كالترجمة لقوله: " أيه الثقلان " ﴿إِن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرضِ﴾ بأن تهربوا من قضائي، وتخرجوا من ملكوتي، ومن أقطار سماواتي وأرضي، ﴿فانفذوا﴾ وخلِّصوا أنفسكم من عقابي، ﴿لا تنفُذون﴾ لا تقدرون على النفوذ ﴿إِلاَّ بسلطانٍ﴾ إِلاّ بقوةٍ وقهرٍ، وأنتم من ذلك بمعزلٍ بعيد. قيل: يُقال لهم هذا يوم القيامة، حين تُحدق بهم الملائكة، فإذا رآهم الجن والإنس هربوا، فلا يأتون وجهاً إلاّ وجدوا الملائكة أحاطت به. ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ التي من جملتها: التنبيه والتحذير؛ ليقع التأهُّب لتلك الأهوال.
﴿يُرْسَلُ عليكم شُواظ من نارٍ﴾ أي: لهب خالص منها. وفيه لغتان: ضم الشين وكسرها، ﴿ونُحاسٌ﴾ أي: دخان، مَن رفعه عطفه على " شواظ " ومَن جرّه فعلى " نار "، والمعنى، إذا خرجتم من قبوركم يُرسل عليكم لهب خالص من النار، ودخان يسوقكم إلى المحشر، ﴿فلا تنتصرانِ﴾ فلا تمنعان منهما، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ فإنَّ بيان العواقب لُطفٌ ونعمةٌ لمَن ينتبه.
﴿
فإِذا انشقت السماءُ﴾ أي: انصدعت يوم القيامة ﴿فكانت وَرْدَةً﴾ فصارت كلون الورد الأحمر ﴿كالدِّهان﴾ كدهن الزيت، كما قال: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] وهو دُردِيّ الزيت، وهو جمع دهن، وقيل: الدهان: الأديم الأحمر. وجواب " إذا " محذوف، أي: يكون من الأهوال والأحوال ما لا يحيط به دائرة المقال.
قلت: وهذا الانشقاق يحصل للسموات والناسُ في المحشر، ثم تدنو الشمس من الخلائق، فيعظم الخطب والهول، إلاّ ما استثني في حديث السبعة. وقيل: يحصل قبل
стр. 2977
البعث، كما في البدور السافرة. والله أعلم بحقيقة الأمر.
﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ مع عِظم شأنها، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسأل عَن ذَنبِهِ إِنس وَلاَ جانٌّ﴾ لأنهم يُعرفون بسيماهم وذلك أول ما يخرجون من القبور، ويُحشرون إلى الموقف أفواجاً على اختلاف مراتبهم، وأمّا قوله تعالى: ﴿فوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ونحوه؛ ففي موقف المناقشة والحساب، فيوم القيامة يوم طويل، وفيه مواطن، يُسألون في موطن، ولا يُسألون في آخر. وقال قتادة: قد كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم. وقيل: لا يُسأل ليَعلم من جهته، ولكن يُسأل للتوبيخ. وضمير ﴿ذنبه﴾ للإنس لتقدُّمه رتبة، وإفراده لأنّ المراد فرد من الإنس، والمراد بالجان الجن، فوضع الجان - الذي هو أبو الجن موضع الجن، كأنه قيل: لاَّ يُسأل عَن ذَنبِهِ أنسي ولا جني، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ مع كثر منافعها؛ فإنَّ الإخبار بما ذكر يزجركم عن الشر المؤدي إليه.
الإشارة: يسأله مَن في سماوات الأرواح ما يليق بروحانيته، من كشف الأسرار، وتوالي الأنوار، فهو دائم سائل مفتقر، لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، وسؤاله إما بلسان حاله أو مقاله، ويسأله مَن في أرض البشرية ممن لم يترقّ إلى عالم الروحانية ما يليق بضعف بشريته، من القوت الحسي، وما يلائمه من ضرورية البشرية، أو يكون سبب نجاته ونعيمه يوم القيامة، من الاستقامة الظاهرة.
وأشار بقوله: ﴿كُلَّ يَوْمِ هُوَ فِي شأن﴾ إلى اختلاف تجلياته في كل لحظة، فيتجلّى في ساعة واحدة بقبض قوم وبسط آخرين، ورفع قوم وذلّ آخرين، وإعطاء قوم ومنع آخرين، وترقية قوم وخفض آخرين، إلى ما لا نهاية له، ولذلك تختلف الواردات على قلوب العارفين، ينسخ بعضها بعضاً، ولذلك أيضاً تجد العارفين لا يسكنون إلى شيء، ولا يقفون مع شيء ولا يُعولون على شيء، بل يَنظرون ما يبرز من عنصر القدرة، فيسيرون معه، إذا أصبحوا نظروا ما يفعل الله بهم، وإذا أمسوا كذلك، قد هدمت المعرفة أركانَ عزائمهم، وحلّت عقدهم، فهم في عموم أوقاتهم لا يُريدون ولا يختارون ولا يُدبّرون؛ لعِلمهم أن الأمر بيد غيرهم، ليس لهم من الأمر شيء.
وقوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيه الثقلان﴾ فسّر القشيري الثقلين بالروح وصفاتها الحميدة، وبالنفس وصفاتها الذميمة، أي: سنفرغ لإكرامكم، ورفع أقداركم يا معشر الأرواح المطهرة، بأن أتجلّى لكم، فتُشاهدوني في كل وقت وحين، وسنفرغ لكم أيتها النفوس الظلمانية بأنواع الامتحان بصُنوف المحن، فلا تدخلوا جنتي حتى تتهذبوا وتصفوا من كدرات الأغيار، ولا أتجلّى لكم إلاّ في وقت الاحتياج والاضطرار. والحاصل: أنَّ المدار كله على هذه الدار، فمَن صفا هنا صُفي له ثَمّ، ومَن كدر هنا كدر عليه هناك. ويُقال لأهل النفوس الظلمانية: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض﴾ بفكرة بصائركم فانفذوا، ولا قدرة لكم على ذلك؛ لسجن أرواحكم
стр. 2978
في هياكل ذواتكم، وإحاطة دائرة الكون بكم، لا تنفذون إلاّ بسلطانٍ: إلاّ بقوة سلطان أرواحكم على نفوسكم، فتجذبها إلى عالم الروحانية، بصحبة طبيب ماهر، فحيئذ تنفذ بصيرتكم عن دائرة الأكوان، وتُفضوا إلى فضاء العيان، وإذا كان يوم القيامة خرقت أرواحُهم بأشباحهم محيطاتِ الأكوان، وأَفضوا في الهوى إلى سعة الجنان، قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِين﴾ [الشعراء: ٩٠] ، وقد تقدّم معناه.
﴿يُرسل عليكم شُواظ من نار ونُحاس ... ﴾ الخ، قال القشيري: يُخاطب معشر جن النفس بإرسال لهب البُعد والقطيعة عليهم، بواسطة انغماسهم وانهماكهم في استيفاء اللذات الجسمانية، والشهوات الحيوانية، على الدوام والاستمرار، ويُخاطب معشر إنس الروح بصب الصُفر المذاب على رؤوسهم، بسبب انحطاطهم من المقام الروحي العلوي، إلى المقام النفس السفلي بالتراجع، ولا يقدر أحدهما على نصرة الآخر. ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذّبان﴾ فإنَّ تعذيب مستحق العذاب، وتنعيم متسحق النعيم، والتمييز بين جن النفس العاصي، وبين إنس الروح، من الآلاء العظيمة. هـ. فإذا انشقت السماء الحسية، أي: ذابت وتلاشت بذكر اسم الله عليها من العارف، فكانت وردةً يهب بنسيم المعاني من أكنافها، كالدهان: كالزيت المُذاب، حين تذوب بالفكرة الصافية، والحاصل: أنَّ سائر الكائنات، تذوب وتتلطّف حين تستولي عليها المعاني القائمة بها، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ مع ظهور هذه النعمة العظيمة، التي خَفِيَتْ عن جُلّ الناس، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسأل عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ ممن بلغ منهم إلى هذه المرتبة العظيمة، فأهل العيان لم يبقَ في حقهم طاعة ولا عصيان، فلا يتوجه إليهم سؤال ولا عتاب، وفي مناجاة الحق لسيدنا موسى ﵇: لا يا موسى إنما يُطيعني ويعصيني أهل الحجاب، وأما مَن لا حجاب بيني وبينه فلا طاعة في حقه ولا معصية. وقال الشيخ أبو الحسن ﵁: يبلغ الولي مبلغا يُقال له: افعل ما شئت، أصحبناك السلام، وأسقطنا عنك الملامة. هـ. وهذا بعد محق أوصاف النفس، وبعد التحقق بالفناء والبقاء. والله تعالى أعلم.
يقول الحق ﷻ : ﴿يُغْرَفُ المجرمون﴾ أي: الكفرة ﴿بسيماهم﴾ بسواد وجوههم، وزُرقة عيونهم، أو: بما يعلوهم من الكآبة والحزن. قيل: هو تعليل لقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسأل عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ أي: لا يُسألون لأنهم معروفون، ﴿فيُؤخذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يُجمع بين نواصيهم وأقدامهم في سلسلة من وراء ظهورهم،
стр. 2979
وقيل: تسحبهم الملائكةُ، تارة يُأخذ بالنواصي، وتارة بالأقدام، فالجار نائب الفاعل، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ فإنَّ التخويف من هذه الأهوال قبل وقوعها من أجلّ النعم؛ ليقع الزجر عما يُؤدي إليها.
﴿هذه جهنمُ التي يُكذِّب بها المجرمون﴾ أي: يُقال لهم: هذه جهنم التي كذبتم بها، توبيخاً وعقاباً، ﴿يطوف بينهما وبين حميمٍ آنٍ﴾ أي: بالغ من الحرارة أقصاها، فالحميم: المار الحار، " والآنِ ": البالغ في الحرارة، فهم يُعذّبون بين الحرق بالنار وشرب الحميم الحار. قال كَعْب: إن وادياً من أودية جهنم، يجتمع فيه صديد أهل النار، ينغمسون بأغلالهم فيه، حتى يخلع أوصالهم، ثم يُخرجون منها، وقد أحدث اللهخ لهم خلقاً جديداً، فيُلقون في النار، فذلك قوله تعالى: ﴿يطوفون بينها وبين حميمٍ آنٍ﴾ ، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ ، وقد تقدّم تفسير كون هذا نِعماً مراراً.
الإشارة: فسَّر القشيري " المجرمون " هنا بطائفتين، الأولى: المتشدقون من علماء الكلام، الذي يتكلمون في ذاته وصفاته وأفعاله بما ليس لهم به علمٌ، ويُجادلون أربابَ الكشف والشهود بسبب علومهم الجدلية، ويفوهون بقوة الجبهة وصلابة الناصية، فلا شك أنهم يُجرون على ناصيتهم في نار البُعد والطرد عن مراتب أهل العرفان. الطائقة الثانية: المتصوفة الجاهلة، المنقطعون عن الطريق المستقيم، والمنهج القويم، بسبب دخولهم في هذه الطريق بالتقليد، من غير إذن شيخ كامل، واصِلٍ مُوصِل، فلا شك أنهم يخرجون بأقدامهم المُعْوَجة عن سلوك طريق الحق إلى نار البُعد والقطيعة. هـ. بالمعنى. والسيما التي يُعرفون بها، إما علو النفس، وغِلظة الطبع، وطلب الجاه، وإما قلقة اللسان، وإظهار العلوم، فالعارف الكامل بعكس هذا كله، متواضع، سهل، لَيِّن، الخفاء أحب إليه من الظهور، لسان حاله أفصح من مقاله. ثم قال تعالى: ﴿هذه جهنم التي يُكذِّب بها المجرمون﴾ المتقدمون، لأنهم ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الحَيَاةِ الدُّنْيَا. وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحسنون صُنعاً، ﴿يطوفون بينها﴾ أي: بين نار القطيعة وحميم التدبير والاختيار، مِن هَمّ الرز، وخوف الخلق، وغم الحجاب: نسأل الله العصمة بمنِّه وكرمه.
стр. 2980
يقول الحق ﷻ : ﴿ولِمَنْ خافَ مقامَ ربه﴾ أي: قيامه بين يديه للحساب ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ أو: قيامه تعالى على أحواله، من: قام عليه، إذا راقبه، كقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . قال مجاهد: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله تعالى، فيدعها من خوفه. قال السدي: شيئا، مفقودان: الخوف المزعج، والشوق المقلق. هـ. أي: للخائف ﴿جنتانِ﴾ أي: بستانان من الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، مسيرة كل بستان: مائة سنة. وقال ﷺ : " هل تدرون ما هاتان الجنتان؟ هما بستانان في بستانين، قرارهما لابث، وفرعهما ثابت، وشجرهما نابت "، أَكْرَم بهما المؤمن ليتكامل سروره بالتنقُّل لمن جنة إلى جنة، وقيل: جنة لخوفه وجنة لتركه شهوته، أو: جنة لعقيدته وجنة لعمله، أو: جنة لفعل الطاعة وجنة لتركه المعصية، أو: جنة يُثاب بها وجنة يُتفضل عليه بها، أو: روحانية وجسمانية، أو: جنة للسابقين وجنة لأهل اليمين، أو: جنة للإنس وجنة للجن؛ لأنّ الخطاب للثقلين، كأنه قيل: لكل خائف منكما جنتان. والأول أرجح، وسيأتي في الإشارة بقيته، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ .
ثم وصف تلك الجنتين بقوله: ﴿ذَوَاتا أفَنانٍ﴾ أغصان، جمع " فَنن "، وخصّ الأفنان لأنها هي التي تُورق، ومنها تُجنى الثمار، وتعقد الظلال، أو جمع فَنّ، بمعنى النوع، أي: ذواتا أنواع من الأشجار والثمار، مما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ وليس فيها شيء يقبل التكذيب.
﴿
فيهما﴾ أي: في الجنتين ﴿عينانِ تجريان﴾ حيث شاؤوا إلى الأعالي والأسافل. وعن الحسن: تجريان بالماء الزلال، إحداهما: التسنيم، والأخرى: السلسبيل، وقيل: بالماء والخمر، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ ، ﴿فيهما من كل فاكهةٍ زوجان﴾ صنفان، صنف معروف وصنف غريب، أو رطب ويابس. ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ .
﴿متكئينَ﴾ نصب على المدح للخائفين، أو: حال منهم؛ لأنّ مَن خاف في معنى الجمع، ﴿على فُرُش بطائنُها من إِستبرقٍ﴾ من ديباج ثخين، وحيث كانت بطائنها كذلك فما ظنك بظاهرها؟ وقيل: ظاهرها سُندس، وقيل: من نور، وقيل: لا يعلمها إلاَّ الله. والبطائن: جمع بطانة، وهو: ما يلي الأرض، والإستبرق معرَّب، ﴿وجَنَى الجنتين دانٍ﴾ أي: ما يجتنى من أشجارها من الثمار قريب، يناله القائم والقاعد والمضطجع. قال ابن عباس ﵁: تدنو الشجيرة حتى يجنيها وليُّ الله، إن شاء قائماً، وإن شاء قاعداً، وإن شاء مضطجعاً.
قال القشيري: وفي الخبر المسند: " مَن قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله،