Полный текст (3 416 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ مع مشاهدتكم لما ذكر من شؤون إحسانه تعالى.
﴿سَنَفْرُغ لكم أيه الثقلانِ﴾ سنتجرّد لحسابكم وجزائكم، مستعار من قول الرجل لمَن يتهدّده: سأفرغ لك، أي: سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنك، ويجوز أن يُراد: ستنتهي الدنيا ويبلغ آخرها، وينتهي عند ذلك شؤون الخلق، التي أرادها بقوله: ﴿كُلَّ يَوْمِ هُوَ فِي شأن﴾ فلا يبقى إلاَّ شأن واحد، وهو جزاؤكم، فجعل ذلك فراغاً لهم على طريق المثل، و " الثقلان ": الجن والإنس، سُمّيا بذلك؛ لثقلهما على الأرض، أو: لرزانة آرائهما، أو: لأنهما مُثقلان بالتكليف، ﴿فبأي آلاء ربكما﴾ التي من جملتها: التنبيه على ما يلقونه يوم القيامة، للتحذير عما يؤدي إلى سوء الحساب، ﴿تُكذِّبان﴾ بأقوالكما أو بأعمالكما.
﴿يا معشرَ الجنِّ والإِنس﴾ هو كالترجمة لقوله: " أيه الثقلان " ﴿إِن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرضِ﴾ بأن تهربوا من قضائي، وتخرجوا من ملكوتي، ومن أقطار سماواتي وأرضي، ﴿فانفذوا﴾ وخلِّصوا أنفسكم من عقابي، ﴿لا تنفُذون﴾ لا تقدرون على النفوذ ﴿إِلاَّ بسلطانٍ﴾ إِلاّ بقوةٍ وقهرٍ، وأنتم من ذلك بمعزلٍ بعيد. قيل: يُقال لهم هذا يوم القيامة، حين تُحدق بهم الملائكة، فإذا رآهم الجن والإنس هربوا، فلا يأتون وجهاً إلاّ وجدوا الملائكة أحاطت به. ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ التي من جملتها: التنبيه والتحذير؛ ليقع التأهُّب لتلك الأهوال.
﴿يُرْسَلُ عليكم شُواظ من نارٍ﴾ أي: لهب خالص منها. وفيه لغتان: ضم الشين وكسرها، ﴿ونُحاسٌ﴾ أي: دخان، مَن رفعه عطفه على " شواظ " ومَن جرّه فعلى " نار "، والمعنى، إذا خرجتم من قبوركم يُرسل عليكم لهب خالص من النار، ودخان يسوقكم إلى المحشر، ﴿فلا تنتصرانِ﴾ فلا تمنعان منهما، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ فإنَّ بيان العواقب لُطفٌ ونعمةٌ لمَن ينتبه.
﴿
فإِذا انشقت السماءُ﴾ أي: انصدعت يوم القيامة ﴿فكانت وَرْدَةً﴾ فصارت كلون الورد الأحمر ﴿كالدِّهان﴾ كدهن الزيت، كما قال: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] وهو دُردِيّ الزيت، وهو جمع دهن، وقيل: الدهان: الأديم الأحمر. وجواب " إذا " محذوف، أي: يكون من الأهوال والأحوال ما لا يحيط به دائرة المقال.
قلت: وهذا الانشقاق يحصل للسموات والناسُ في المحشر، ثم تدنو الشمس من الخلائق، فيعظم الخطب والهول، إلاّ ما استثني في حديث السبعة. وقيل: يحصل قبل
стр. 2977
البعث، كما في البدور السافرة. والله أعلم بحقيقة الأمر.
﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ مع عِظم شأنها، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسأل عَن ذَنبِهِ إِنس وَلاَ جانٌّ﴾ لأنهم يُعرفون بسيماهم وذلك أول ما يخرجون من القبور، ويُحشرون إلى الموقف أفواجاً على اختلاف مراتبهم، وأمّا قوله تعالى: ﴿فوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ونحوه؛ ففي موقف المناقشة والحساب، فيوم القيامة يوم طويل، وفيه مواطن، يُسألون في موطن، ولا يُسألون في آخر. وقال قتادة: قد كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم. وقيل: لا يُسأل ليَعلم من جهته، ولكن يُسأل للتوبيخ. وضمير ﴿ذنبه﴾ للإنس لتقدُّمه رتبة، وإفراده لأنّ المراد فرد من الإنس، والمراد بالجان الجن، فوضع الجان - الذي هو أبو الجن موضع الجن، كأنه قيل: لاَّ يُسأل عَن ذَنبِهِ أنسي ولا جني، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ مع كثر منافعها؛ فإنَّ الإخبار بما ذكر يزجركم عن الشر المؤدي إليه.
الإشارة: يسأله مَن في سماوات الأرواح ما يليق بروحانيته، من كشف الأسرار، وتوالي الأنوار، فهو دائم سائل مفتقر، لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، وسؤاله إما بلسان حاله أو مقاله، ويسأله مَن في أرض البشرية ممن لم يترقّ إلى عالم الروحانية ما يليق بضعف بشريته، من القوت الحسي، وما يلائمه من ضرورية البشرية، أو يكون سبب نجاته ونعيمه يوم القيامة، من الاستقامة الظاهرة.
وأشار بقوله: ﴿كُلَّ يَوْمِ هُوَ فِي شأن﴾ إلى اختلاف تجلياته في كل لحظة، فيتجلّى في ساعة واحدة بقبض قوم وبسط آخرين، ورفع قوم وذلّ آخرين، وإعطاء قوم ومنع آخرين، وترقية قوم وخفض آخرين، إلى ما لا نهاية له، ولذلك تختلف الواردات على قلوب العارفين، ينسخ بعضها بعضاً، ولذلك أيضاً تجد العارفين لا يسكنون إلى شيء، ولا يقفون مع شيء ولا يُعولون على شيء، بل يَنظرون ما يبرز من عنصر القدرة، فيسيرون معه، إذا أصبحوا نظروا ما يفعل الله بهم، وإذا أمسوا كذلك، قد هدمت المعرفة أركانَ عزائمهم، وحلّت عقدهم، فهم في عموم أوقاتهم لا يُريدون ولا يختارون ولا يُدبّرون؛ لعِلمهم أن الأمر بيد غيرهم، ليس لهم من الأمر شيء.
وقوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيه الثقلان﴾ فسّر القشيري الثقلين بالروح وصفاتها الحميدة، وبالنفس وصفاتها الذميمة، أي: سنفرغ لإكرامكم، ورفع أقداركم يا معشر الأرواح المطهرة، بأن أتجلّى لكم، فتُشاهدوني في كل وقت وحين، وسنفرغ لكم أيتها النفوس الظلمانية بأنواع الامتحان بصُنوف المحن، فلا تدخلوا جنتي حتى تتهذبوا وتصفوا من كدرات الأغيار، ولا أتجلّى لكم إلاّ في وقت الاحتياج والاضطرار. والحاصل: أنَّ المدار كله على هذه الدار، فمَن صفا هنا صُفي له ثَمّ، ومَن كدر هنا كدر عليه هناك. ويُقال لأهل النفوس الظلمانية: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض﴾ بفكرة بصائركم فانفذوا، ولا قدرة لكم على ذلك؛ لسجن أرواحكم
стр. 2978
في هياكل ذواتكم، وإحاطة دائرة الكون بكم، لا تنفذون إلاّ بسلطانٍ: إلاّ بقوة سلطان أرواحكم على نفوسكم، فتجذبها إلى عالم الروحانية، بصحبة طبيب ماهر، فحيئذ تنفذ بصيرتكم عن دائرة الأكوان، وتُفضوا إلى فضاء العيان، وإذا كان يوم القيامة خرقت أرواحُهم بأشباحهم محيطاتِ الأكوان، وأَفضوا في الهوى إلى سعة الجنان، قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِين﴾ [الشعراء: ٩٠] ، وقد تقدّم معناه.
﴿يُرسل عليكم شُواظ من نار ونُحاس ... ﴾ الخ، قال القشيري: يُخاطب معشر جن النفس بإرسال لهب البُعد والقطيعة عليهم، بواسطة انغماسهم وانهماكهم في استيفاء اللذات الجسمانية، والشهوات الحيوانية، على الدوام والاستمرار، ويُخاطب معشر إنس الروح بصب الصُفر المذاب على رؤوسهم، بسبب انحطاطهم من المقام الروحي العلوي، إلى المقام النفس السفلي بالتراجع، ولا يقدر أحدهما على نصرة الآخر. ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذّبان﴾ فإنَّ تعذيب مستحق العذاب، وتنعيم متسحق النعيم، والتمييز بين جن النفس العاصي، وبين إنس الروح، من الآلاء العظيمة. هـ. فإذا انشقت السماء الحسية، أي: ذابت وتلاشت بذكر اسم الله عليها من العارف، فكانت وردةً يهب بنسيم المعاني من أكنافها، كالدهان: كالزيت المُذاب، حين تذوب بالفكرة الصافية، والحاصل: أنَّ سائر الكائنات، تذوب وتتلطّف حين تستولي عليها المعاني القائمة بها، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ مع ظهور هذه النعمة العظيمة، التي خَفِيَتْ عن جُلّ الناس، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسأل عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ ممن بلغ منهم إلى هذه المرتبة العظيمة، فأهل العيان لم يبقَ في حقهم طاعة ولا عصيان، فلا يتوجه إليهم سؤال ولا عتاب، وفي مناجاة الحق لسيدنا موسى ﵇: لا يا موسى إنما يُطيعني ويعصيني أهل الحجاب، وأما مَن لا حجاب بيني وبينه فلا طاعة في حقه ولا معصية. وقال الشيخ أبو الحسن ﵁: يبلغ الولي مبلغا يُقال له: افعل ما شئت، أصحبناك السلام، وأسقطنا عنك الملامة. هـ. وهذا بعد محق أوصاف النفس، وبعد التحقق بالفناء والبقاء. والله تعالى أعلم.
يقول الحق ﷻ : ﴿يُغْرَفُ المجرمون﴾ أي: الكفرة ﴿بسيماهم﴾ بسواد وجوههم، وزُرقة عيونهم، أو: بما يعلوهم من الكآبة والحزن. قيل: هو تعليل لقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسأل عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ أي: لا يُسألون لأنهم معروفون، ﴿فيُؤخذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يُجمع بين نواصيهم وأقدامهم في سلسلة من وراء ظهورهم،
стр. 2979
وقيل: تسحبهم الملائكةُ، تارة يُأخذ بالنواصي، وتارة بالأقدام، فالجار نائب الفاعل، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ فإنَّ التخويف من هذه الأهوال قبل وقوعها من أجلّ النعم؛ ليقع الزجر عما يُؤدي إليها.
﴿هذه جهنمُ التي يُكذِّب بها المجرمون﴾ أي: يُقال لهم: هذه جهنم التي كذبتم بها، توبيخاً وعقاباً، ﴿يطوف بينهما وبين حميمٍ آنٍ﴾ أي: بالغ من الحرارة أقصاها، فالحميم: المار الحار، " والآنِ ": البالغ في الحرارة، فهم يُعذّبون بين الحرق بالنار وشرب الحميم الحار. قال كَعْب: إن وادياً من أودية جهنم، يجتمع فيه صديد أهل النار، ينغمسون بأغلالهم فيه، حتى يخلع أوصالهم، ثم يُخرجون منها، وقد أحدث اللهخ لهم خلقاً جديداً، فيُلقون في النار، فذلك قوله تعالى: ﴿يطوفون بينها وبين حميمٍ آنٍ﴾ ، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ ، وقد تقدّم تفسير كون هذا نِعماً مراراً.
الإشارة: فسَّر القشيري " المجرمون " هنا بطائفتين، الأولى: المتشدقون من علماء الكلام، الذي يتكلمون في ذاته وصفاته وأفعاله بما ليس لهم به علمٌ، ويُجادلون أربابَ الكشف والشهود بسبب علومهم الجدلية، ويفوهون بقوة الجبهة وصلابة الناصية، فلا شك أنهم يُجرون على ناصيتهم في نار البُعد والطرد عن مراتب أهل العرفان. الطائقة الثانية: المتصوفة الجاهلة، المنقطعون عن الطريق المستقيم، والمنهج القويم، بسبب دخولهم في هذه الطريق بالتقليد، من غير إذن شيخ كامل، واصِلٍ مُوصِل، فلا شك أنهم يخرجون بأقدامهم المُعْوَجة عن سلوك طريق الحق إلى نار البُعد والقطيعة. هـ. بالمعنى. والسيما التي يُعرفون بها، إما علو النفس، وغِلظة الطبع، وطلب الجاه، وإما قلقة اللسان، وإظهار العلوم، فالعارف الكامل بعكس هذا كله، متواضع، سهل، لَيِّن، الخفاء أحب إليه من الظهور، لسان حاله أفصح من مقاله. ثم قال تعالى: ﴿هذه جهنم التي يُكذِّب بها المجرمون﴾ المتقدمون، لأنهم ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الحَيَاةِ الدُّنْيَا. وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحسنون صُنعاً، ﴿يطوفون بينها﴾ أي: بين نار القطيعة وحميم التدبير والاختيار، مِن هَمّ الرز، وخوف الخلق، وغم الحجاب: نسأل الله العصمة بمنِّه وكرمه.
стр. 2980
يقول الحق ﷻ : ﴿ولِمَنْ خافَ مقامَ ربه﴾ أي: قيامه بين يديه للحساب ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ أو: قيامه تعالى على أحواله، من: قام عليه، إذا راقبه، كقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . قال مجاهد: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله تعالى، فيدعها من خوفه. قال السدي: شيئا، مفقودان: الخوف المزعج، والشوق المقلق. هـ. أي: للخائف ﴿جنتانِ﴾ أي: بستانان من الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، مسيرة كل بستان: مائة سنة. وقال ﷺ : " هل تدرون ما هاتان الجنتان؟ هما بستانان في بستانين، قرارهما لابث، وفرعهما ثابت، وشجرهما نابت "، أَكْرَم بهما المؤمن ليتكامل سروره بالتنقُّل لمن جنة إلى جنة، وقيل: جنة لخوفه وجنة لتركه شهوته، أو: جنة لعقيدته وجنة لعمله، أو: جنة لفعل الطاعة وجنة لتركه المعصية، أو: جنة يُثاب بها وجنة يُتفضل عليه بها، أو: روحانية وجسمانية، أو: جنة للسابقين وجنة لأهل اليمين، أو: جنة للإنس وجنة للجن؛ لأنّ الخطاب للثقلين، كأنه قيل: لكل خائف منكما جنتان. والأول أرجح، وسيأتي في الإشارة بقيته، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ .
ثم وصف تلك الجنتين بقوله: ﴿ذَوَاتا أفَنانٍ﴾ أغصان، جمع " فَنن "، وخصّ الأفنان لأنها هي التي تُورق، ومنها تُجنى الثمار، وتعقد الظلال، أو جمع فَنّ، بمعنى النوع، أي: ذواتا أنواع من الأشجار والثمار، مما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ وليس فيها شيء يقبل التكذيب.
﴿
فيهما﴾ أي: في الجنتين ﴿عينانِ تجريان﴾ حيث شاؤوا إلى الأعالي والأسافل. وعن الحسن: تجريان بالماء الزلال، إحداهما: التسنيم، والأخرى: السلسبيل، وقيل: بالماء والخمر، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ ، ﴿فيهما من كل فاكهةٍ زوجان﴾ صنفان، صنف معروف وصنف غريب، أو رطب ويابس. ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ .
﴿متكئينَ﴾ نصب على المدح للخائفين، أو: حال منهم؛ لأنّ مَن خاف في معنى الجمع، ﴿على فُرُش بطائنُها من إِستبرقٍ﴾ من ديباج ثخين، وحيث كانت بطائنها كذلك فما ظنك بظاهرها؟ وقيل: ظاهرها سُندس، وقيل: من نور، وقيل: لا يعلمها إلاَّ الله. والبطائن: جمع بطانة، وهو: ما يلي الأرض، والإستبرق معرَّب، ﴿وجَنَى الجنتين دانٍ﴾ أي: ما يجتنى من أشجارها من الثمار قريب، يناله القائم والقاعد والمضطجع. قال ابن عباس ﵁: تدنو الشجيرة حتى يجنيها وليُّ الله، إن شاء قائماً، وإن شاء قاعداً، وإن شاء مضطجعاً.
قال القشيري: وفي الخبر المسند: " مَن قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله،
стр. 2981
والله أكبر، غرس له بها ألف شجرة في الجنة، أصلها الذهب، وفرعها الدر، وطلعها كثدي الأبكار، ألين من الزبد، وأحلى من العسل، كلما أُخذ منها شيء عاد كما كان، وذاك قوله تعالى: ﴿وجَنَى الجنتين دانٍ﴾ إذا أرادوه أتى إلى أفواههم، حتى يتناولون من غير مشقة، ويقال: ينالها القائم والقاعد والنائم. هـ. ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ ، ﴿فيهن﴾ أي: الجنتين؛ لاشتمالها على أماكن وقصور ومجالس، أو: في هذه الآلاء المعدودة، من الجنتين والعينين والفاكهة والغرس والجَنْي، ﴿قاصراتُ الطَّرْفِ﴾ جَوار قَصَرْنَ أبصارَهنّ على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم، ﴿لم يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قبلهم ولا جانٌّ﴾ أي: لم يمس الإنسيات أحدٌ من الإنس، لا الجنيات أحدٌ من الجن. والطمث: الجماع بالتدمية. وفي الآية دليل على أنّ الجن يطمثون كما يطمث الإنس. ﴿فبأي آلاء رَبكما تُكذِّبان كأنهنَّ﴾ أي: تلك الجوار ﴿الياقوتُ﴾ صفاءً ﴿والمَرْجانُ﴾ بياضاً، على أنَّ المرجان صغار الدر، أو: في الصفاء وحُمرة الوجه. قيل: إنَّ الجواري تلبس سبعين حلة، فيُرى مُخ ساقها من ورائها، كام يرى الشراب الأحمر في الزجاجة. ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ .
﴿هَلْ جزاءُ الإِحسان إِلاَّ الإِحسانُ﴾ هو استئناف مقرر لِمَا فصّل قبله، أي: ما جزاء الإحسانِ في العمل إلاّ الإحسانُ في الثواب، قال أنس: قرأها النبي ﷺ فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قال: هل جزاءُ مَن أنعمتُ عليه بالتوحيد إلاّ الجنة " وفي لفظ آخر: " هل جزاء مَن أنعمت عليه بتوحيدي ومعرفتي إلاّ أن أُسكنه جنتي وحظيرة قدسي برحمتي " أو: هل جزاء مَن قال " لا إله إلا الله " إلاَّ الجنة. قال السدي: هل جزاء الذين أطاعوا في الدنيا إلاّ الكرامة في الآخرة. وقال جعفر الصادق: هل جزاء مَن أحسنتُ إليه في الأزل إلاَّ حفظ الإحسان عليه في الأبد. قال الحسن: هي مسجلة - أي مطلقة - للبر والفاجر، للفاجر في دنياه، وللبَر في عُقباه. هـ. ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ .
الإشارة: ﴿ولمن خاف مَقام ربه﴾ فرَاقَبه، ثم شاهَده، ﴿جنتان﴾ جنة المعارف مُعجّلة، وجنة الزخارف معها مُؤجلة، أو: جنة المعارف لأرواحهم، وجنة الزخارف لأشباحهم. قال القشيري: جنتان: جنة مُعَجَّلة من حلاوة الطاعة ورَوْح القرب، ومؤجَّلة في الآخرة، وهي جنة الثواب، وهم مختلفون في جنان الدنيا على قدر تفاوت مقادير أحوالهم، كما يختلفون في الآخرة في درجاتهم. هـ. فجنة حلاوة الطاعة لأهل اليمين، وجنة روح القرب للمقربين. قال الورتجبي: جنتان: جنة المشاهدة وجنة المكالمة، جنة
стр. 2982
المحبة وجنة المكاشفة، جنة المعرفة وجنة التوحيد، جنة المقامات وجنة الحالات، جنة القلب وجنة الروح، جنة الكرامات وجنة المداناة. هـ. أو: جنة الوصال وجنة الكمال، أو: جنة الكمال وجنة التكميل، أو جنة الفناء وجنة البقاء، أو جنة البقاء وجنة الترقِّي إلى غير انتهاء.
وقوله تعالى: ﴿ذواتا أفنان﴾ يُشير إلى ما في هاتين الجنتين من فنون العلوم والأذواق، والأسرار والأنوار، وتفنُّن الأفكار في بحار الأسرار، فيهما لكل واحدٍ عينان تجريان، إحداهما بعلوم الشريعة والمعاملة وآداب العبودية، وأخرى بعلوم الحقيقة والطريقة والتوحيد الخاص، فيهما من كل فاكهةٍ من فواكه الأذواق صنفان: صنف حاصل، وصنف يتجدّد بتجدُّد الأنفاس، أو: صنف لعالم الحكمة، وصنف لعالم القدرة، أو: صنف للذات وصنف للصفات، أو: صنف لحلاوة المشاهدة وصنف لآداب المعاملة. متكئين على فُرش الأُنس، بطائنها من استبرق الروح والفَرح ودوام البِسط، وجنا الجنتين دانٍ لمَن تمكّن من الشهود؛ لأنّ ثمار المعارف من حلاوة الشهود والأُنس صارت طوع يده، فشُهوده دائم، وقُربه للحبيب لازم، فمهما أجال فكرته غاصت في بحار الأحدية، واستخرجت من يواقيت الحِكَم، وجواهر العلوم، ما لا يُحيط به المفهوم، بخلاف غير المتمكن، تعب الفكرة ينقص له من لذة الشهود. قال القشيري: إذ لا لذة في أوائل المشاهدة، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : " اللهم ارزقني لذةَ النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، في غير ضرّاء مضرة ... " الحديث. هـ. فِيهن قاصرات الطرف، أي: أبكار الحقائق خاصة بهم لا تنكشف لغيرهم. لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان؛ لم يمس تلك الحقائق غيرهم، لأنها خاصة بأهل الأذواق، وكل واحد يمس من الحقائق ما لا يمس غيره، وينكشف له ما لا ينكشف لغيره، لأنها على حسب الاستعداد. كأنهن - أي: تلك الحقائق - الياقوتُ في صفاء معناها، والمرجان في حسن مبناها، هذا جزاء أهل مقام الإحسان.
﴿
هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان﴾ أي: هل جزاء أهل مقام الإحسان إلاَّ الإحسان والتقريب والتخصيص بهذه العلوم والحقائق، أو: هل جزاء الإحسان معنا إلا الإحسان بكشف ذاتنا، أو: هل جزاء الإحسان إلى عبادي إلاّ الإحسانُ بقربي وولايتي. قال ابن جزي: ويحتمل أن يكون الإحسان هنا هو الذي سأل عنه جبريل ﵇ " أن تعبد الله كأنك تراه " فجعل جزاء ذلك الإحسان بهاتين الجنتين، ويُقوي ذلك: انه جعل هاتين
стр. 2983
الجنتين الموصوفتين هنا لأهل المقام العَلي؛ وجعل جنتين وجعل جنتين دونهما لمَن كان دون ذلك، فالجنتان المذكورتان أولاً للسابقين، والمذكورتان بعد ذلك لأصحاب اليمين، حسبما ورد في الواقعة. انظر تمامه.
يقول الحق ﷻ : ﴿ومِن دونهما جنتانِ﴾ أي: ومن دون تَيْنِك الجنتين الموعودتين للمقربين ﴿جنتان﴾ أخريان لِمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. ﴿ولمن خاف مقام ربه﴾ قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من وَرِق لأصحاب اليمين " ورَفَعه، ولا شك أنَّ الذهب أرفع من الوَرِق، فلا يلتفت إلى الفضة مَن له الذهب، خلافاً لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أنَّ قوله: ﴿ومن دونهما﴾ أي: في القُرب إلى العرش، وأنَّ هذه أعلى وَصْفاً مما ذكر قبلُ، إلى العرش، وبَسَطَ القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله.
﴿فبأي آلاء ربكما تُكّذِبان مُدْهامَّتان﴾ خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأنَّ الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأُوليين الأشجار والفواكه، ومَن اشتهى فيها شيئاً يُعطاه، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيهاً على أنّ تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، ﴿فيهما عينان نَضَّاختان﴾ فوّارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ .
﴿فيهما فاكهةُ ونخلٌ ورمانٌ﴾ عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام؛ لفضلهما، فإنَّ ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: مَن حَلَفَ لا يأكل فاكهة فأكل رُماناً أو رطباً لم يحنث، وقوفاً مع ظاهر العطف، وعندنا الأَيمان مبنية
стр. 2984
على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ ولا شيء منها يقبل الإنكار.
﴿
فيهنَّ خَيْراتٌ حِسَانٌ﴾ أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء ﴿خيرات﴾ أي: فاضلات الخُلُق، حِسان الخَلْق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ (خيِّرات) على الأصل، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ . ﴿حُورٌ﴾ بدل من " خيرات " ﴿مَقصوراتٌ في الخيام﴾ قُصِرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقَصُورة، ومقصورة، أي مخدّرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسَهن وقلوبَهن وأبصارَهن على أزواجهن. هـ. يقلن: نحن الناعماتُ فلا نبأس، الخالداتُ فلا نَبيدُ، الراضيات فلا نَسْخَط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إنَّ المؤمنات أجَبْنَهُنَّ، نحن المُصلِّياتُ وما صلَّيْتُنَّ، نحن الصائمات وما صُمتُنَّ، نحن المتصدِّقاتُ وما تصدَّقْتنَّ، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، ﴿فبأي آلاء ربكنما تُكَذِّبان﴾ . ﴿لم يَطْمِثْهُن إِنسٌ قبلهم ولا جانٌّ فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان﴾ .
﴿متكئين﴾ نصب على الاختصاص، ﴿على رَفْرَفٍ﴾ هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خُضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: ﴿خُضْرٍ﴾ ، وصف لرفرف؛ لأنه مُحلّى بثيابٍ خُضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. ﴿وعبقريٍّ حِسَانٍ﴾ أي: طنافس، وهي جياد البُسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يُعمل فيها الوَشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبْقري، ومنه قوله ﷺ في عمر: " فلم أرَ عَبْقريّاً من الناس يَفْرِي فَرْيَه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأنَّ ﴿مدهامتان﴾ دون ﴿ذواتا أفنان﴾ ، و ﴿نضّاختان﴾ دون ﴿تجريان﴾ ، و ﴿فاكهة﴾ دون ﴿من كل فاكهة زوجان﴾ ، وكذلك صفة الحور والمتّكأ. هـ.
﴿تبارك اسمُ ربك﴾ أي: تنزّه وتقدّس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، ﴿ذي الجلال﴾ ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، ﴿والإكرام﴾ لأوليائه بالإنعام.
стр. 2985
قيل: لمَّ ختم تعالى نِعم الدنيا بقوله: ﴿ويبقى وجهُ ربك ذي الجلال والإِكرام﴾ ختم نِعم الآخرة بقوله: ﴿تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام﴾ وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتنّ به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتنّ به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته.
روَى جابر أنَّ النبي ﷺ قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتاً، لَلْجِنُّ كانوا أحسن منكم ردّاً، ما أتيتُ على قول الله: ﴿فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان﴾ إلاَّ قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذِّب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذُكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمَن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فُتحت له أبواب الجنة وغُلقت أبواب جهنم. قاله النسفي.
الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة مُعجَّلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضاً في حق المقربين. وقوله: ﴿مُدْهامتان﴾ شديدة خضرتها؛ لانَّ النظر إلى الخضرة أمْيَلُ، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمُقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلاّ النيران؛ لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن؛ إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " ﵁ قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأمّا المباشِر للحرب فهو في شغل شاغل عنه.
стр. 2986
فيها فاكهة، أي: تفنُّن في تحقيق المسائل، ونخل؛ تضلُّع من علم الحديث، ورُمان؛ تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوُّف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان؛ لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم مِنحاً إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. هـ. متكئين على رَفرفٍ، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالِم يتفكر في علمهِ خَيرٌ مِنْ عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال ﷺ ، وكذلك وصفه بالعبقرية والجَودة؛ لكماله في محله. ﴿تبارك اسم ربك﴾ أي: تعاظم قدره ﴿ذي الجلال والإكرام﴾ حيث مَنَّ بهذه النعم الجِسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.
стр. 2987
سورة الواقعة
قال ابن عطية: رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " مَن دوام على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبداً "، ودعا عثمانُ عبدَ الله بنَ مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خُذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: " مَن قرأها لم يفتقر أبداً " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفَهْمُ ذلك غِنىً لا فقر معه، ومَن فهِمه شُغل بالاستعداد. هـ. وقال مسروق: مَن أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة؛ فليقرأ سورة الواقعة. هـ.
يقول الحق ﷻ : ﴿إِذا وَقَعت الواقعةُ﴾ إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووُصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بُدّ من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب ﴿إذا﴾ بمضمر يُنبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: أذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يَفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: ﴿ليس لِوقعتها كاذبةٌ﴾ أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعِيم
стр. 2988
الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: ﴿يس لوقعتها كاذبةٌ﴾ أي: لا يكون عند وقوعها نَفْسٌ تَكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأنَّ كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدّقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذّبات، واللام مثلها في قوله: ﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى﴾ [الفجر: ٢٤] ، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: ﴿كاذبة﴾ : مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدّم.
﴿
خافضةٌ رافعةٌ﴾ أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لِعظمها وتهويل لأمرها، فإنَّ الوقائع العِظام شأنها كذلك، أو: بيان لِما يكون يومئذ من حَطّ الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: ﴿إِذا رُجَّتِ الأرضُ رَجّاً﴾ : حُرِّكت تحريكاً شديداً حتى تهدِم كلَّ شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: ﴿إذا وقعت﴾ ، وجواب الشرط: ﴿فأصحاب الميمنة﴾ ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يُجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض الملتّت، من: بسَّ السويق: إذا لتّه، أو: سِيقت وسُيّرت عن أماكنها، من: بسّ الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ [النبأ: ٢٠] . ﴿فكانت﴾ أي: فصارت بسبب ذلك؛ ﴿هباءً﴾ غباراً ﴿مُنبثاً﴾ منتشراً متفرقاً في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يُرى إلاّ في الشمس إذا دخلت في كُوة، ﴿وكنتم﴾ معاشر الخلق، أو: أيتها الأُمة ﴿أزواجاً﴾ أصنافاً ﴿ثلاثة﴾ صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة.
ثم فسّر تلك الأزواج، فقال: ﴿فأصحابُ الميمنة﴾ وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم ﴿ما أصحابُ الميمنة﴾ ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أيّ شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: ﴿الْحَآقَّةُ مَا الْحَآقَّةُ﴾ [الحاقة: ١، ٢] ونظائرها.
﴿وأصحابُ المشئمةِ﴾ أي: الذين يُؤتون صحائفهم بشمالهم ﴿ما أصحابُ المشئمة﴾ أي: أيّ شيء هم؟ ! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية؛ وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مِني باليمين، وفلان مِني بالشمال؛ إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمُّنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يُؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين
стр. 2989
في جانب اليمين من آدم وقت ذرَّ الذرية من صُلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. هـ. قلت: وكذلك رآهم النبي ﵊ ليلة المعراج.
﴿
والسابقون السابقون﴾ مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه؛ لأنّ المبتدأ إذا أُعيد بنفسه خبراً دلَّ على التفخيم، كقوله الشاعر:
أنا أبو النَّجْمِ وشِعْري شِعْري
والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالُهم، وعُرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أنَّ " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: ﴿والسابقون﴾ فإنَّ المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأمّا أوصافها وأحوالها فحقها أن تُبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره.
واختُلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعْثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلُّوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان.
﴿أولئك المقرَّبون﴾ أشار إليهم بإشارة البُعد مع قُرب العهد؛ للإيذان ببُعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم ﴿في جنات النعيم﴾ أي: ذات التنعُّم، فتَصْدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخَّر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدُّم في الذكر؛ ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلّص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أنّ إيرادهم بعنوان المسبق مطلقاً مُعْرِبٌ عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين؛ كان من العلوم والأسرار ما لا تُحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم،
стр. 2990
فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحيّ القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة؛ لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على مَن توجه إليها، وصَحِبَ أهلها، وحطّ رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، وَوَصَلَ لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوماً وترفع آخرين، وإنما تقع لمَن توجه إليها إذا رُجت أرض النفوس منه رجّاً، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإنَّ كُمون سرها في الإنسان كَكمُون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زُبده. وبُست جبال العقل منه بسّاً، فكانت هباءً مُنبثاً؛ لأنّ نور العقل يتغطّى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافاً ثلاثة: قومٌ توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقاً وكشفاً، ففنوا وبقوا، سَكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبداً سرمداً، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين.
يقول الحق ﷻ : ﴿ثُلّةٌ﴾ أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة ﴿من الأولين﴾ والثُلة: الأمة الكثيرة من الناس، ﴿وقليل من الآخِرين﴾ ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أنَّ صدر هذه الأمة كَثُر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويُؤيد هذا قوله ﷺ : " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم "، وصرّح في حديث
стр. 2991
آخر أنهم جميعاً من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي "، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. هـ. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسدٌ، واقتصر في نوادر الأصول على أنَّ الثلة الأنبياء، وخُتموا بمحمد ﷺ ومِنْ بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. هـ. وفي المَحلِّي هنا تخليط. انظر الحاشية.
﴿على سُرُرٍ﴾ جمع سرير، ﴿موضونةٍ﴾ قال ابن عباس: " مرمولة "، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طولُ السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، ﴿متكئين عليها﴾ حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سُرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأَسِرة، ﴿متقابلين﴾ ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وُصفوا بحسن العِشْرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضاً حال.
﴿يطوف عليهم﴾ يَخدمهم ﴿وِلدانٌ﴾ غلمان، جمع وليدٍ، ﴿مُخلَّدون﴾ مُبْقَّوْنَ أبداً على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكِبَر، وقيل: مقرَّطون، والخِلَدَةُ: القُرْط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يُثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خُدّام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. ﴿بأكوابٍ﴾ جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، ﴿وأباريقَ﴾ جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، ﴿وكأسٍ﴾ أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يُسمى كأساً، ﴿من مَعينٍ﴾ من خمر، يجري من العيون، ﴿لا يُصَدَّعون عنها﴾ أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صُداع، وهو وجع الرأس، ﴿ولا يُنزَفُونَ﴾ ولا يسكرون، يقال: نزَف الرجل: ذهب عقله بالسُكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أُنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زَمزمُ لا تُنْزَفُ ولا تُذَمّ " أي: لا ينفذ ماؤها.
﴿
وفاكهةٍ مما يتَخيَّرون﴾ أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيماً وسروراً من أخذه مجنياً، ﴿ولحم طيرٍ مما يشتهون﴾ مما يتمنون مشوياً أو مطبوخاً، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف
стр. 2992
على " ولدان " أي: وتخدمهم حُور عين، زيادة في التعظيم، ومَن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور ﴿كأماثلِ اللؤلؤ المكنونِ﴾ في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صَدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدُرِّ حين يخرج من صدفه، لم يُغيرّه الزمان واختلاف الأيدي عليه، ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يُجزَون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغُرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض.
﴿لا يَسْمَعون فيها﴾ في الجنة ﴿لَغواً﴾ باطلاً ﴿ولا تأثيماً﴾ هذياناً، أو: ما يُؤهم صاحبه لو كف، ﴿إِلاَّ قِيلا﴾ أي: قولاً ﴿سلاماً سلاماً﴾ أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاماً " بدل من " قيلاً " أو: مفعول به لـ " قيلاً "، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاماً سلاماً، والمعنى: أنهم يُفشون السلام فيُسَلِّمون سلاماً بعد سلام، أو: لا يسمع كلٌّ من المسلِّم والمسلِّم عليه إلا سلام الآخر بدءاً ورداً. والله تعالى أعلم.
الإشارة: أخبر تعالى أنّ المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبةً، وأوسع علماً وتحقيقاً؛ لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدُّوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجدّ إلا قليلاً، ولا من أهل الحق إلا نذراً يسيراً، فحيث نهضوا وحدهم عوّضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله ﵇: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانُك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، مِن نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وَجَدْتُم على الخير أعْواناً، وهم لم يجدوا عليه أعواناً " وفي حديث آخر، رواته ثقات: قالوا: يا رسول الله؛ هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتاباً بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويُصَدِّقون بما جئتُ به، ويعملون به، فهم خير منكم "، ولا يلزم من تفضيلهم مِن جهةٍ تفضيلهم مطلقاً.
ثم وصف المقرّبين بكونهم على سُرر الهداية، منسوجة بالعِز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضاً بقلوبهم وأسرارهم، لا تَباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المُكوّن، فإذا شهدت المُكوِّن كانت الأكوان معك ": يُسقون بأكوابٍ وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا
стр. 2993
يتصدّعون من أجلها؛ إذ ليست كخمر الدوالي، ولا يُنزفون: لا يسكرون سُكْر اصطلام، وإنما يسكرون سُكراً مشوباً بصَحْوٍ، إذا كان الساقي عارفاً ماهراً. وفاكهة؛ حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذِكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحُورق عِين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغواً ولا تأثيماً؛ لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض ﵁:
تُهذّبُ أخلاقَ النَّدامى، فيَهْتدي
بها لطريقه العزمِ مَن لا له عَزْم
ويكرُمُ مَن لا يَعْرف الجودَ كَفّثه
ويحلُمُ عند الغيْظِ مَن لا له حِلم
فلا تسمع من الصوفية إِلا قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا، كما قيل في حقيقة التصوُّف: أخلاقٌ كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم. هـ.
يقول الحق ﷻ : ﴿وأصحابُ اليمين ما أصحابُ اليمين﴾ استفهام تعجيب، تفخيماً لحالهم، وتعظيماً لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: ﴿في سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خُضِد شوكه، أي: قُطع، أي: ليس هو كسِدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خَضَدَ الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جُبَيْر: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. رُوي أنَّ المسلمين نظروا إلى وادٍ بالطائف مخصب، فأعجبهم سِدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة:
إنَّ الحَدائِقَ في الجِنان ظَلِيلةٌ
فيها الكواعِبُ، سِدْرُهَا مَخْضُودُ
﴿وطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ الطلح: شجرة الموز، والنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العُتْبية عن مالك، قال: بلغني أنّ الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى:
стр. 2994
﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] ، والموز يؤكل في الشتاء والصيف. هـ.
﴿وظِلّ ممدودٍ﴾ منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. ﴿وماءٍ مسكوبٍ﴾ جارٍ بلا أُخدود، يُسْكَب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. ﴿وفاكهةٍ كثيرةٍ﴾ بحسب الأنواع والأجناس، ﴿لا مقطوعةٍ﴾ لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، ﴿ولا ممنوعةٍ﴾ عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان.
﴿وفُرُشٍ مرفوعةٍ﴾ رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرَّة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنّى بالفُرُش عن النساء؛ لأنَّ المرأة يُكنّى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِى ظَلاَلٍ عَلَى الأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٦٥] ، ويؤيده قوله: ﴿إِنَّا أنشأناهن إِنشاءً﴾ أي: ابتدأنا خلقهن ابتداءً من غير ولادة. فإما أن يُراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أُعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهنّ؛ لأنّ ذكر الفُرش، وهي المضاجع، دلَّ عليه. ﴿فجعلناهن أبكاراً﴾ أي: عذارى، كلما أتاهنَ أزواجهنَ وجدوهنَ أبكاراً. ﴿عُرُباً﴾ جمع عَرُوب، وهي المحبّبة لزوجها، الحسنة التبعُّل، ﴿أتراباً﴾ : مستويات في السنّ، بنات ثلاثٍ وثلاثين، وأزواجهنّ كذلك. ﴿لأصحاب﴾ أي: أنشأناهن أصحاب ﴿اليمين﴾ .
﴿
ثُلةٌ﴾ أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة ﴿من الأولين﴾ ، ﴿وثُلة﴾ وجماعة كثيرة ﴿من الآخرِين﴾ فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم.
الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العُبّاد والزُهّاد، والعُلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود؛ كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود؛ حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظِلٍّ ممدود؛ ظل راحة القناعة لمَن أُعطيها، وروح الرضا والتسليم لمَن منحه. وماء مسكوب؛ عِلْم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنُّن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمَن رسخ فيها. وفُرش مرفوعة؛ تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنّا أنشأناهن إنشاءً، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنفٍ له تَرقٍّ في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكاراً؛ لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها
стр. 2995
صاحبها، عُرباً يعشقها وتعشقه، أتراباً، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سَلفاً وخَلفاً.
يقول الحق ﷻ : ﴿وأصحابُ الشمال ما أصحابُ الشمال﴾ تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. ﴿في سَمُوم﴾ في حرّ نار تنفذ في المسامّ، ﴿وحميم﴾ وماء حارّ، تناهي في الحرارة، ﴿وظِلٍّ من يَحْمُوم﴾ من دخان أسود بهيم، ﴿لا باردٍ﴾ كسائر الظلال، ﴿ولا كريم﴾ فيه خير مّا في الجملة، سمّاه ظلاًّ، ثم نفى عنه برد الظل ورَوْحَه ونفعَه لمَن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظلٌّ حار ضارّ.
﴿إِنهم كانوا قبل ذلك﴾ أي: في الدنيا ﴿مُتْرَفِينَ﴾ منعّمين بأنواع النِعَم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمَنَعَهم ذلك من الانزجار، وشَغَلَهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، ﴿وكانوا يُصِرُّون﴾ يُداومون ﴿على الحِنْثِ العظيم﴾ أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك؛ لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثّق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] ، ثم صار يُطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلامُ الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب.
﴿وكانوا يقولون﴾ لغاية عتوهم: ﴿أئِذا مِتْنَا وكنا تراباً وعظاماً﴾ أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها تراباً، وبعضها عظاماً نخرة، نُبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيواناً. والعامل في " إذا " ما دلّ عليه قوله: ﴿أئنا لمبعوثون﴾ أي: أنْبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه؛ لأنّ " إنّ " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، ﴿أَوَ آباؤنا الأولون﴾ يُبعثون أيضاً؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في ﴿لمبعوثون﴾ من
стр. 2996
غير توكيدٍ بـ " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة.
ثم ردّ عليهم بقوله: ﴿قل إِنّ الأولين والآخِرين﴾ أي: إنّ الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، ﴿لمجموعون﴾ بالبعث ﴿إِلى ميقاتٍ يومٍ معلوم﴾ أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة.
﴿ثم إِنكم أيها الضالون﴾ عن الهدى ﴿المكذِّبون﴾ بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، ﴿لآكلون﴾ بعد البعث والجمع ودخول جهنم ﴿مِن شجرٍ مِن زقوم﴾ " مِن " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. ﴿فمالئُون منها البطونَ﴾ أي: بطونكم من شدة الجوع، ﴿فشاربون عليه﴾ عقب ذلك بلا ريث ﴿من الحميم﴾ الماء الحار. أنّث ضمير الشجر على المعنى، وذكَّره على اللفظ في " منها " و " عليه ". ﴿فشاربون شُرْبَ الهِيم﴾ وهي الإبل التي بها الهُيَام، وهو داء يُصيبها فتشرب ولا تروَى، أي: لا يكون شربكم شراباً معتاداً، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأَهْيَم " وحاصل الآية: أنه يُسلط عليهم من الجوع ما يضطرون إلى شرب الحميم، الذي يُقَطِّع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهِيم، وإنما صحّ عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متّفقة، لأنَّ كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهِيم الماء أمر عجيب أيضاً، فكانت صفتين مختلفتين.
﴿هذا نُزلُهم﴾ النُزل: هو الرزق الذي يُعدّ للنازل تكرمةً له، ﴿يَوْمَ الدَّينِ﴾ يوم الجزاء، فإذا كان نُزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكُّم ما لا يخفى.
﴿نحن خلَقناكم فلولا﴾ فلاّ ﴿تُصَدِّقُونَ﴾ تحضيض على التصديق، إمَّا بالخَلق؛ لأنهم وإن كانوا مصدّقين به إلاّ أنه لمّا كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذّبون به، وإمّا بالعبث؛ لأنّ مَن خلَق أولاً لم يمتنع عليه أن يَخلق ثانياً.
الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجُهال، في سَموم الجهل والبُعُد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظِلٍّ من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، مُوقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك؛ قبل وقت وصول العارفين مُترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يُصِرُّون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو
стр. 2997
رأس كل خطيئة، وكانوا يُنكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: ﴿أئذا مِتْنا وكنا ترابا﴾ ، أي: أرضيين بشريين، وعظاماً يابسين بالقسوة والبُعد، ﴿أئنا لمبعوثون﴾ من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية؛ الذي يُحيي اللهُ بهم القلوبَ والأرواحَ الميتة بالجهل والغفلة. قل إنَّ الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صَحِبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذّبون المنكِّرون لوجود الطبيب، الذي يُحيي الأرواح الميتة والقلوب، ﴿لآكلون من شجر من زقوم﴾ وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، ﴿فشاربون شُرب الهيم﴾ ، لا يملُّون منه ليلاً ولا نهاراً، كذا يَظلُّون يَبنون ويَهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. ﴿هذا نُزلهم يوم الدين﴾ ، أي: يوم يُجازِي الحقُّ المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. ﴿نحن خلقناكم﴾ : أنشأناكم من العدم، فلولا تُصدِّقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإنّ القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم.
يقول الحق ﷻ : ﴿أفرأيتم ما تُمْنُون﴾ أي: تقذفونه في الأرحام من النُطف، ﴿أأنتم تخلقونه﴾ تُقدِّرونه وتُصورونه وتجعلونه بشراً سويّاً ﴿أم نحن الخالقون﴾ من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يُقال: إنّ المَني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إنّ الله يُسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلّية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفْترقة جدّاً أولاً في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرّقت في
стр. 2998
أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المَني، فأخرجها ماءً دافقاً إلى قرار الرحم، فإذا كان قادراً على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أُخرى؛ لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. هـ. وذَكَرَ عند قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَرَآئِبِ﴾ [الطارق: ٧] أنَّ المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمُهُ يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنويةً فيه. انظر بقيته في الحاشية.
﴿
نحن قدَّرنا بينكم الموتَ﴾ أي: قسمناه ووقّتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحِكَم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم مَنْ يموت طفلاً، ومنكم مَن يموت شابّاً، وكهلاً وشيخاً، وبعللٍ مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقاتٍ مختلفة. هـ. ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ بعاجزين ﴿على أن نُبَدَّلَ أمثالَكم﴾ بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نُذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، ﴿ونُنشِئَكم فيما لا تعلمون﴾ ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردةً وخنازير، يعني: إنَّا نقدر على الأمرين جميعاً، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و ﴿أمثال﴾ إمّا جمع " مِثْل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مَثَل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نُبدّل ونُغيّر صفاتكم التي أنتم عليها، وننشِئَكم في صفات لا تعلمونها. ﴿ولقد علمتم النشأةَ الأولى﴾ أي: فطرة آدم ﵇: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة ... الخ، ﴿فلولا تَذَكَّرُون﴾ فهلاَّ تذكرون أنْ مَن قدر عليها قدر على النشأة الأخرى.
ولمّا ذكّرهم بنعمة الإيجاد، ذكّرهم بنعمة الإمداد، فقال: ﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾ أي: ما تبذرون حبه وتقلِبون الأرض عليه، ﴿أأنتم تزرعونه﴾ أن: تُنبتونه وتُخرجونه من الأرض نباتاً ﴿أم نحن الزارعون﴾ المُنبِتون له؟ وفي الحديث: " لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت " ﴿لو نشاء لجعلناه حُطاماً﴾ هشيماً منكسِراً قبل إدراكه، ﴿فَظَلْتم﴾ بسبب ذلك ﴿تَفَكَّهُون﴾ تتعجَّبُون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أُصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرّج، وتأثّم، أي: أزال الفُكَاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، ﴿إِنَّا لمُغْرَمُونَ﴾ أي: قائلين: إنّا لملزمون غرامةَ ما أنفقنا فيها، أو: لمهلَكون لِهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، ﴿بل نحن محرومون﴾ حُرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارَف " الذي انحرف عنه رزقه.
стр. 2999
﴿أفرأيتم الماءَ الذي تشربون﴾ أي: الماء العذب الصالح للشرب، ﴿أأنتم أنزلتموه من المُزنِ﴾ السحاب الأبيض، وهو أعذب ماءٍ، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة "، ﴿أم نحن المنزلون﴾ بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيوناً وأنهاراً؟ ﴿لو نشاء جعلناه أُجَاجاً﴾ أي: ملحاً، أو مُرّاً لا يُقْدَر على شربه، ﴿فلولا﴾ فهلاَّ ﴿تشكرون﴾ تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى؛ لأنّ هذه اللام تُفيد معنى التأكيد، فأُدخلت في آية المطعوم دون المشروب؛ للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأنْ الوعيد بفقده أشد وأصعب، مِن قِبَل أنّ المشروب إنما يُحتاج إليه تبعاً للمطعوم، ولهذا قُدِّمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها.
﴿
أفرأيتم النارَ التي تُورون﴾ أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويُسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبّهوهما بالفحل والطروقة. ﴿أأنتم أنشأتم شجرتَهَا﴾ التي بها الزناد، وهي المرْخ والعَفَار، ﴿أم نحن المنشئون﴾ الخالقون لها ابتداءً بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المُعْرِب عن كمال القدرة والحكمة؛ لِما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعَفَار، كما أنّ التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاًءَاخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] كذلك.
ثم بيَّن منافعها، فقال: ﴿نحن جعلناها تذكرةً﴾ تذكيراً لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وُعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجاً، لما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: " نارُكم هذه التي يُوقدها بنو آدم هي جزءٌ من سبعين جزءاً من حَرِّ جهنم " وقيل: تبصرة في أمر البعث؛ فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، ﴿ومتاعاً للمُقْوين﴾ منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القِواء، وهو القفر. وفي القاموس: القِيُّ: فقر الأرض، كالِقواء - بالكسر والمد: القفر. هـ. وتخصيصهم بذلك؛ لأنهم أحوج إليها؛ فإنّ المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أَقْوت الدار: إذا خلت من ساكنها. والأول أحسن.
بدأ أولاً بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يُعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به؛ فلا يؤكل الطعام إلاّ بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيّاً في حكم العادة.
стр. 3000
ولمَّا ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عمَّا لا يليق بحاله؛ لأنّ العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: ﴿فَسَبِّح باسم ربك﴾ أي: فنزّه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزَّه ربك ﴿العظيم﴾ أو: نزّه ربك ملتبساً بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم.
الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تُمْنون من نُطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتُثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدّرنا بينكم الموت، فمنكم مَن يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم مَن يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلاَّ قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نُبدل أمثالكم، ونُغيّر صفاتكم، فإنّ القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبُعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة.
أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تُنبتونه حتى يُقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباءً منثوراً، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنّا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقّه الشيخُ لروح المريد، كما يزق الطيرُ أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزِلون؟ لو نشاء جعلناه أُجاجاً فَتَمجه الروحُ بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تُورون؛ تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظاً توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحِكَم: " وحرَّك عليك النفس ليُديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعاً للسائرين؛ إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيراً، ما ربحت إلاّ منها. وقال القشيري: ﴿أفرأيتم النار ... ﴾ الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة،
стр. 3001
بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدّس الله سره - حين سُئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعاً للمُوقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياماً وليالي من الطعام والشراب، كا رُوي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوماً، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. هـ.
وقوله تعالى: ﴿فسبِّح باسم رَبِّكَ العظيم﴾ قال الورتجبي: أَمَرَه أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تُقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: ﴿العظيم﴾ أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصِفة البرية. هـ.
قلت: " فلا ": صلة، كقوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ ... ﴾ [النساء: ٦٥] . ومَن قرأ باللام فهي لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، أي: فلأنا أُقسم، ولا يصح أن تكون للقسم؛ لأنها لا بد أن تقرن بنون التوكيد.
يقول الحق ﷻ : ﴿فلا أُقِسِمُ بمواقعِ النجومِ﴾ بمساقطها ومغاربها. وقرأ الأخَوان " بموقع " على الإفراد، وتخصيصها بالقَسَم لِمَا في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، أو: لأنّ ذلك وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه تعالى، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليها، واستعظم ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لقَسَم لَّوْ تَعْلَمُونَ عظيمٌ﴾ وهو اعتراض في اعتراض، لأنه اعتراض بين القسم والمقسَم عليه بقوله: ﴿إِنه لقرآن كريمٌ﴾ أي: حسن مرضيّ، أو نفّاع جمّ المنافع؛ لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد، أو: كريم على الله تعالى، واعترض بين الموصوف وصفته بـ ﴿لو تعلمون﴾ وجواب " لو " متروك، أريد به نفي علمهم، أو: محذوف، ثقةً، والتقدير: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ ذلك، لكن لا تعلمون كُنه ذلك، أو: لو تعلمون ذلك لعظمتموه، أو: لعملتم بموجبه، ﴿في كتابٍ مكنون﴾ مَصون من غير المقربين من
стр. 3002
الملائكة، لا يطلع عليه مَن سواهم، وهو اللوح المحفوظ.
﴿لاَّ يَمسُّه إِلاَّ المُطَهَّرون﴾ أي: الملائكة المنزّهون عن الكدرات الجسمانية، وأوضار الذنوب. هذا إن جعلته صفة لكتاب مكنون، وهو اللوح، وإن جعلته صفة للقرآن؛ فالمعنى: لا ينبغي أن يمسّه إلاَّ مَن هو على الطهارة مِن الناس، والمراد: المكتوب منه. قال ابن جزي: فإن قلنا إنَّ الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة، فالمطهَّرون يُراد به الملائكة؛ لأنهم مُطهَّرون من الذنوب والعيوب، وإن قلنا أنَّ الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس؛ فيحتمل أن يريد بالمطهرين: المسلمين؛ لأنهم مُطَهرون من الكفر، أو يريد: المطهرين من الحدث الأكبر، وهو الجنابة والحيض، فالطهارة على هذا: الاغتسال. أو: المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا: الوضوء، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لا يمسُّه﴾ خبراً أو نهياً، على أنه قد أنكر بعضهم أن يكون نهياً، وقال: لو كان نهياً لكان بفتح السين. والتحقيق: أن النهي يصح مع ضم السين؛ لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزوماً واتصل به ضمير المفرد المذكر ضُم عند التقاء الساكنين، اتباعاً لحركة الضمير، وإذا جعلته خبر؛ فيحتمل أن يُراد به مجرد الإخبار، أو: يكون خبراً بمعنى النهي، وإذا كان لمجرد الإخبار، فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلاَّ المطهرون، أي: هذا حقه، وإن وقع خلاف ذلك.
واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مَسّ المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا على أنه لا يمسه كافر، واختلفوا فيما سواه على أقوال؛ فقال بعضهم: لا يجوز أن يمسه الجُنب ولا الحائض ولا المحدِث الحدثَ الأصغر، وهذا قول مالك وأصحابه، ومَنعوا أيضاً أن يحمله بعلاقة أو وسادة، وحجتهم: الآية، على أن يُراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وقد احتج مالك في الموطأ بالآية، ومن حجتهم أيضاً: كتاب رسول الله ﷺ إلى عَمرو بن حزم ألاَّ يمسَّ القرآن إلا طاهرٌ. القول الثاني: أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدِث حدثاً أصغر، وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية، وحملوا " المطهرين " على أنهم المسلمون أو الملائكة. والقول الثالث: أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، وحمل صاحب هذا القول " المطهرين " على أن يُراد من الحدث: الأكبر، ورخَّص مالك في مسِّه على غير وضوء لمُعلِّم الصبيان؛ لأجل المشقة.
واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقاً، وأجازه الظاهرية مطلقاً، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة، أي: لتعوُّذ ونحوه. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظاهر قلب، فعن مالك روايتان، وفرّق بعضهم بين الكثير
стр. 3003
واليسير. هـ. قلت: المشهور في الحائض والنفساء جواز القراءة مطلقاً. وقال الكواشي عن ابن عطاء: لا يفهم إشارات القراءة إلاَّ مَن طَهَّر سره من الأكوان. هـ. وفي آخر البخاري؛ " لا يمسه ": لا يجد طعمه ونَفْعَه إلاَّ مَن آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلاَّ المؤمنُ لقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ﴾ [الجمعة: ٥] . هـ.
﴿تنزيلٌ من رب العالمين﴾ : صفة رابعة للقرآن، أي: نزل من رب العالمين، وُصف بالمصدر؛ لأنه نزل منجّماً من بين سائر الكتب، فكأنه في نفسه تنزيل، ﴿أفبهذا الحديثِ﴾ أي: القرآن ﴿أنتم مُّدْهِنون﴾ متهاونون به، كمَن يُدهن في بعض الأمر، أي: يلين جانبه، فلا يتصلّب فيه تهاوناً به. قال ابن عطية: قال ابن عباس: المداهنة هي المهاودة فيما لا يحل، والمداراة: المهادوة فيما يحل. هـ.
﴿وتجعلون رزقَكم أنكم تُكذِّبون﴾ أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة عليّ ﵁، وهي مروية عن رسول الله ﷺ : ﴿وتجعلون شكركم أنكم تكذِّبون﴾ أي: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن التكذيب. وقيل: نزلت في الأنواء ونسبة الأمطار إليها، أي: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذّبون كونَه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم، وتقولون: مُطرنا بنوء كذا، والمنهي إنما هو اعتقاد التأثير للنجوم، لا من بابا العلامة وقيل: مطلقاً، سدّاً للذريعة، وهو مقتضى كلام ابن رشد، وعزاه لسحنون. والمسألة خلافية، وقد قال ﷺ : " إذا ذُكرت النجوم فأمْسِكوا "، ومنهم مَن فصّل في المسألة، فقال: يجوز إضافة الأفعال السيئة إليها لقوله ﷺ : " تعوّذوا بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب " وأشار إلى القمر. وأما الحسنة فالشكر يقتضي إضافتها إلى الله، وكذا الأدب. والله تعالى أعلم.
الإشارة: مواقع النجوم هي أسرار العارفين؛ لأنه يغرق في بحارها كل ما سوى الله، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي، وأقمار التوحيد البرهاني؛ لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان، لم يبقَ لنور النجوم والقمر أثر، وقد قلت في قصيدتي العينية:
تبدّت لنا شمسُ النهارِ وأشرقتْ
فلم يَبق ضوءُ النجمِ والشمسُ طالعُ
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: كنتُ أعرف أربعة عشر علماً، فلما تعلمتُ علم الحقيقة شرطت ذلك كله. هـ. يعني: وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبقَ للروح التفات إلى شيء قط. " ماذا فقد مَن وجدك "؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يُعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي
стр. 3004
المعافري: كنتَ الصاحِبَ في زمن البطالة، يعني: قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيماً؛ لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علماً وتجلياً، " لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ". فالقَسم عظيم، والمُقسَم به أعظم، والمُقسَم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، ﴿لا يسمّه إلاّ المطهرون﴾ قال الجنيد: لا يمسّه إلاّ العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سِوَى الله. هـ. أي: لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلاّ القلوب المطهَرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين: ﴿تنزيل من رب العالمين﴾ على سيد المرسلين، ثم غرفت أسرارَه قلوبُ خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري: أي: أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. هـ. والعتاب لمَن يتهاون بعلم الإشارة ويُنكرها. ويتنكّب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها.
يقول الحق ﷻ لمَّا وبَّخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الواقعة: ٧٥] ، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: ﴿فلولا﴾ أي: هلاَّ ﴿إِذا بلغتْ﴾ الروح عند الموت ﴿الحلقومَ﴾ وهو ممرّ الطعام والشراب، وتداعت للخروج ﴿وأنتم حينئذٍ﴾ أيها الحاضرون حول صاحبها ﴿تنظرون﴾ إلى ما هو فيه من الغمرات، ﴿ونحن أقربُ إِليه﴾ علماً وقدرة وإحاطة ﴿منكم﴾ حيث لا تعرفون من حاله إلاَّ ما تُشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، ﴿ولكن لا تُبصرون﴾ لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، ﴿فلولا إِن كنتم غير مَدِينينَ﴾ غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضَض عليه قوله: ﴿ترجعونها﴾
стр. 3005
تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم ﴿إِن كنتم صادقين﴾ أنكم غير مربوبين مقهورين.
وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروحُ الحلقومَ، وأنتم تنظرون إليه، يُعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، فـ " لولا " الثانية مكررة للأولى؛ للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتاباً قلتم: سحرٌ وافتراءٌ، وإن أرسلتُ إليكم رسولاً صادقاً قلتم: ساحرٌ كذابٌ، وإن رزقتكم مطراً يُحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمُحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟ !.
ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: ﴿فأمّا إِن كان﴾ المتوفى ﴿من المقرَّبين﴾ من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبّر عنهم هنا بأجلّ أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبّر عنهم أولاً بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله ﷺ : " سبق المُفَرِّدون "، قيل: ومَن المُفَرِّدون يا رسول الله؟ قال: " المسْتَهترون بذكر الله " الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق.
﴿فَرَوْحٌ﴾ أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الرَّوح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. هـ. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه ﷺ ، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها ﴿وريحانٌ﴾ أي: رزق، بلغة حِمْير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإنّ أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها. كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يُشمّ. قال أبو العالية: " لا يُفارق أحدٌ من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه "، ﴿وجنةُ نعيم﴾ تتنعّم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أنّ الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصدِّيقين.
﴿وأمّا إِن كان مِن أصحاب اليمين فسلامٌ لك من أصحاب اليمين﴾ أي: فسلام لك
стр. 3006
يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلّمون عليك؛ فإنّ الروح إذا سُئلت في القبر عُرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويُسلّمون عليه، ويهنُّونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلاَّ السلامة.
﴿وأمّا إِن كان من المكذّبين الضالين﴾ هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: ﴿ثم إنكم إيها الضالون المكذِّبون﴾ ... الخ، ﴿فَنُزُلٌ من حَميم﴾ أي: فله نُزل من حميم يشربه، ﴿وتَصْلِيهُ جحيمِ﴾ إدخال في النار، ومقاساة ألوانِ عذابها. وهذا يدل على أنّ الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده.
وقد تكلم الناسُ عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أنّ أرواح الصدّيقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خُضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لمّا كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سُجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لّمَا سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت؛ أُطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد؛ متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهَى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يُجمع مع صنفه جماعةً، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما مَن نفذ فيهم الوعيد، فهم يُعذبون بأنواع من العذاب، وتذكَّر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها ﷺ في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يُشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالاً قال: وبهذا يُجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أَفْنية قبورها. قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرُّف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. هـ.
وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قَدِمَ المؤمنُ على ربه لقاه رَوحاً وريحاناً وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] ، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فِراش ودِثار ورياحين، وهو قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ﴿الروم: ٤٤] ، ويُنور له
стр. 3007
في مضجعه، ويُؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلاً. هـ. وقال في الأصل السبعين: إنّ الشهداء يُعجّل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كِفاحاً، كما لأهل الجنة، وليس لمَن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلاّ للصدّيقين، فهم أجدر بذلك؛ لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على مَن دونه، وأحرى منه الصدّيق. هـ.
وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتُبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيّارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سَلمان: إنّ الأرواح المؤمنين - أي: الكُمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفُّوا وتساءلوا عن الأخبار. هـ. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جُل حيث شئتِ.
﴿إِنَّ هذا﴾ أي: الذي ذكر في السورة الكريمة ﴿لهو حقُّ اليقين﴾ أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، ﴿فسبِّح باسم رَبِّكَ العظيم﴾ الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإنَّ حقيّة ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل؛ من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق.
الإشارة: فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المقربين؛ فرَوْح الوصال، وريحان الجمال، ومِنّة الكمال، أو: فرَوْح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبداً سرمداً، أو: فرَوْح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، ﴿وأمّا إِن كان مِن أصحاب اليمين فسلامٌ لك﴾ أي: فسلام عليك يا محمد ﴿من أًصحاب اليمين﴾ فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أنَّ المقرَّب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمُقرَّب فانٍ في ذات الحق، وصاحب اليمين فانٍ في رسوله ﷺ سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي ﷺ هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِن المقربين﴾ فهو لي، وأُجازيه برَوْح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمُسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أنَّ المقرَّب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين
стр. 3008
له النجاة، وهو سالك، والمقرَّب واصل، والمعرِض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله؛ لأنه أدرك ذلك كله مشاهدةً. وفي القوت بعد كلام: وأيضاً للمقربين من كل هولٍ رَوح به لشهادتهم القريب، وفي كل كربٍ ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. هـ.
قال النسفي: رُوي أنَّ عثمان بن عفان ﵁ دخل على ابن مسعود ﵁ في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهنّ بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مَن قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تُصبه فاقة أبداً " وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " (اقتربت، والرحمن، والواقعة) . هـ. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلّم.
стр. 3009
سورة الحديد
قلت: وقعت مادة التسبيح في القرآن بلفظ الماضي والمضارع والأمر والمصدر؛ استيفاء لهذه المادة، فقال هنا: ﴿سَبَّحَ﴾ وفي الجمعة: ﴿يُسَبِّحُ﴾ [الجمعة: ١] و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء: ١] . وهذا الفعل قد عُدّي باللام تارة، وبنفسه أخرى في قوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ [الأحزاب: ٤٢] ، وأصله: التعدي بنفسه؛ لأنّ معنى سبَّحته: بعّدته من السوء، من: سَبَح: إذا ذهب وبَعُد، فاللام إما أن تكون مثل اللام في: نصحته ونصحت له، وإما أن يراد بـ " سبَّح لله ": اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصاً. قاله النسفي.
يقول الحق ﷻ : ﴿سَبَّح لله﴾ أي: نَزَّه اللهَ عما لا يليق بجلاله، اعتقاداً، أو قولاً وعملاً، مَن استقر ﴿في السماوات والأرض﴾ مِن الملائكة والجن والإنس
стр. 3010
والجمادات، بلسان الحال والمقال، فإنَّ كل فرد من أفراد الموجودات يدلّ بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم، الواجب الوجود، المتصف بالكمال، المنزَّه عن النقائص، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] قيل: إنما استغنى عن إعادة الموصل في خصوص هذه السورة لتكرر ذكر الأرض هنا في أربعة مواضع. هـ. ﴿وهو العزيزُ﴾ المنتقِم ممن لم يُسبِّح له عناداً، ﴿الحكيمُ﴾ في مجازاة مَن سبَّح له انقياداً.
﴿وله مُلك السماواتِ والأرض﴾ أي: التصرُّف الكلي فيهما وفيما فيهما من الموجودات، مِن نعت الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات. قال الورتجبي: ذكر الله سبحانه ملكه على قدر أفهام الخليقة، وإلاّ فأين السموات والأرض من ملكه، والسموات والأرضون في ميادين مملكته أقل من خردلة! لمّا علم عجز خلقه عن إدراك ما فوق رؤيتهم، ذكر أنَّ مُلك السموات والأرض مِلكُ قدرته الواسعة، التي إذا أراد الله إيجاد شيء يقول كن فيكون بقدرته، وليس لقدرته نهاية، ولا لإرادته منتهى. هـ. ﴿يُحيي ويميت﴾ استئناف مُبيِّن لبعض أحكام المُلك، أي: هو يُحيي الموتى ويُميت الأحياء، ﴿وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ﴾ من الأشياء، التي من جملتها الإحياء والإماتة ﴿قدير﴾ لا يعجزه شيء.
﴿
وهو الأولُ﴾ القديم قبل كل شيء، ﴿والآخرُ﴾ الذي يَبقى بعد فناء كل شيء، ﴿والظاهرُ﴾ الذي ظهر بكل شيء، ﴿والباطنُ﴾ الذي اختفى بعد ظهوره في كل شيء، وقد جاء في الحديث: " اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء " قال الطيبي: فالمعنيّ بالظاهر على التفسير النبوي: الغالب الذي يَغلب ولا يُغلب، فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء؛ إذ ليس فوقه أحدٌ يمنعه، وبالباطن ألاّ ملجأ ولا منجا دونه، يُنجي ملتجئاً له. هـ. وسيأتي في الإشارة تحقيقه إن شاء الله. ﴿وهو بكل شيءٍ عليم﴾ لا يعزب عن علمه شيء من الظاهر والخفيِّ. ﴿هو الذي خَلَقَ السماوات والأرضَ في ستة أيام﴾ من أيام الدنيا، ولو أراد أن يخلقها في طرفة عين لفعل، ولكن جعل الست أصلاً ليكون عليها المدار، وتعليماً للتأني، ﴿ثم استوى﴾ أي: استولى ﴿على العرش﴾ حتى صار العرش وما احتوى عليه غيباً في عظمة أسرار ذاته، ﴿يعلم ما يَلِجُ في الأرض﴾ ما يدخل فيها، من البذر، والقطر، والكنوز، والأمطار، ﴿وما يعرجُ فيها﴾ من الملائكة والأموات والأعمال، ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ بالعلم والقدرة والإحاطة الذاتية، وما ادعاه ابنُ عطية من الإجماع أنه بالعلم، فإن كان مراده من أهل الظاهر فمسلّم، وأمّا أهل الباطن فمجمِعون على خلافه، انظر الإشارة.
стр. 3011
﴿والله بما تعملون بصيرٌ﴾ فيُجازي كلاًّ بعمله.
﴿له مُلك السماوات والأرضِ﴾ تكرير للتأكيد، وتمهيد لقوله: ﴿وإِلى الله تُرجع الأمورُ﴾ أي: إليه وحده لا إلى غيره استقلالاً واشتراكاً ترجع جميع الأمور، ﴿يُولج الليلَ في النهار﴾ يُدخل الليل في النهار، بأن ينقص من الليل ويزيد في النهار، ﴿ويُولج النهارَ في الليل﴾ بأن ينقص من النهار ويزيد الليل، ﴿وهو عليم بذات الصدور﴾ أي: بمكنونها اللازمة لها من الهواجس والخواطر، بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم وخواطرهم، بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها على جوارحهم، أو بحقائق الصدور من صلاحها وفسادها، كَنّى بها عن القلوب. والله تعالى أعلم.
الإشارة: التسبيح مأخوذ من السبْح، وهو العوم، فأفكار العارفين تعوم في قلزوم بحر الذات وتيار الصفات، وترجع إلى ساحل البر لتقوم بوظائف العبودية والعبادات، وقد سبَح في بحر الذات وغرق فيه أهلُ السموات والأرض، شعروا أم لم يشعروا، بل كل الكائنات غريقة في بحر الذات، ممحوة بأحديتها. قال القشيري: تنزيهاً لله تعالى من حيث الاسم الجامع لجميع الأسماء والصفات الجلالية والجمالية ما في السموات الذات من الأسماء الذاتية، المتجلية في المظاهر الكلية، وما في أرض الصفات من الأسماء الصفاتية، المتجلية في المظاهر الجزئية. اعلم أن فَلَك الذات سماء الصفات، وفلك الصفات أرض الذات، وكذلك فلك الصفات سماء الأسماء، وفلك الأسماء أرض الصفات، وهذه السموات والأرضون كلها مظاهر اسم الله الأعظم، وهو المسبَّح - بالفتح - في مقام التفصيل، والمسبِّح - بالكسر - في مقام الجمع، كما ذكرنا. هـ.
قلت: ومعنى قوله: " فلك الذات سماء الصفات " ... الخ، أنَّ أسرار الذات اللطيفة الأصلية سقف لأنوار الصفات، المتجلّي بها، وأنوار الصفات، أرض لتلك الأسرار، وكذلك أنوار الصفات سقف لأرض الأسماء، والأسماء أرض لسماء الصفات، وبقي عليه أن يقول: وفلك الأسماء سماء للأثر، والأثر أرض لسماء الأسماء، فكل مقام سماء لما تحته، وأرض لما فوقه، فالأثار أرض لسماء الأسماء، والأسماء أرض للصفات، والصفات أرض للذات، دلّ بوجود أثاره على وجود أسمائه، وبوجود أسمائه على وجود صفاته، وبوجود صفاته على وجود ذاته، وهذا مقام الترقي، ومقام التدلي بالعكس، انظر الحِكَم، وهو العزيز أن يُدرك كنه ربوبيته، الحكيم في اختفائه بعد ظهوره. له ملك سموات الأرواح وأرض الأشباح، أو: ملك سموات أفلاك الذات والصفات والأسماء، وفلك أرضها، على ما تقدّم. يُحيي قلوب أوليائه بمعرفته، ويُميت قلوب أعدائه بالجهل به، أو يُحيي القلوب بالعلم به، ويُميت النفوس بالفناء عنها، وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قدير من الأحياء والإماتة وغيرهما. هو الأول بلا بداية والآخر بل نهاية، وهو الظاهر، فلا ظاهر معه، وهو الباطن في حال ظهوره. أو: هو الظاهر بتجلياته، والباطن
стр. 3012
بما نشر عليها من رداء كبريائه، أو: الظاهر بقدرته، والباطن بحكمته، أو: الظاهر بالتعريف، والباطن باعتبار التكييف. والحاصل: أنه ظاهر في بطونه، باطن في ظهوره، ما ظهر به هو الذي بطن فيه، وما بطن فيه هو الذي ظهر به، اسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء واستهلاكها وتلاشيها؛ إذ لا ظاهر معه، واسمه الباطن يقتضي ظهور حسها، ليكون باطناً فيها. وفي الحِكَم قال: " أظهر كل شيء بأنه الباطن، وطوى وجود كل شيء بأنه الظاهر ". ولا يفهم هذا إلا أهل الأذواق.
قال القشيري: هو الأول في عين آخريته، والآخر في عين أوليته، والظاهر في عين باطنيته، والباطن في عين ظاهريته، من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آنٍ واحد؛ لأنها ذاته المطلقة عن هذه الاعتبارات المختلفة، والحيثيات المتنافرة؛ لإحاطته بالكل، واستغنائه عن الكل. قيل لأبي سعيد الخراز: بِمَ عرفت الله؟ قال: بجمعه بين الأضداد، ثُم تَلا هذه الآية: ﴿هو الأول والآخر ... ﴾ الخ، ولا يتصور الجمع بين الأضداد إلاَّ مِن حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آنٍ واحد. هـ.
﴿هو الذي خَلَقَ السماوات والأرض في ستة أيام﴾ قال القشيري: يُشير إلى مراتب الصفات الستة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، أي: هو الذي تجلّى للأشياء كلها بذاته الموصوفة بالصفاة بالصفات الستة. انظر بقيته فيه. وتقدم الكلام على الاستواء في سورة الأعراف والسجدة. يعلم ما يلج في أرض البشرية من المساوئ، وما يخرج منها بالتخلية والمجاهدة، وما ينزل من سماء الغيوب على القلوب المطهرة، من العلوم والأسرار، وما يعرج فيها من حلاوة الشهود، وهو معكم أينما كنتم بذاته وصفاته، على ما يليق بجلال قدسه وكمال كبريائه؛ إذ الصفة لا تُفارق الموصوف فإذا كانت المعية بالعلم لَزِمَ أن تكون بالذات، فافهم، وسلِّم إن لم تذق.
حدثني شيخي، الفقيه المحرر " الجنوي ": أنَّ علماء مصر اجتمعوا للمناظرة في صفة المعية، فانفصل مجلسهم على أنها بالذات، على ما يليق به. وسمعتُه أيضاً يقول: إنَّ الفقيه العلامة " سيدي أحمد بن مبارك " لقي الرجل الصالح سيدي " أحمد الصقلي "، فقال له: كيف تعتقد: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ ؟ فقال: بالذات، فقال له: أشهد أنك من العارفين. هـ. قلت: فبحر الذات متصل، لا يتصور فيه انفصال، ولا يخلو منه مكان ولا زمان، كان ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان.
وقال الورتجبي: للعارفين في هذا مقامان: مقام عين الجمع، ومقام إفراد القديم من الحدوث. فمِن حيث الوحدة والقِدم تتصاغر الأكوان في عزة الرحمن، وسطوات عظمته،
стр. 3013
حتى لا يبقى أثرها. ثم قال: ومِن حيث الجمع باشر نورُ الصفة نورَ العقل، ونورُ الصفة قائم بالذات، فيتجلّى بنوره لفعله من ذاته وصفاته، ثم يتجلّى من الفعل، فترى جميعَ الوجوه مرآةَ وجوده، وهو ظاهر لكل شيء، من كل شيء للعموم بالفعل، وللخصوص بالاسم والنعت، ولخصوص الخصوص بالصفة، وللقائمين بمشاهدة ذاته بالذات، فهو تعالى منزّه عن البينونة والحلول والافتراق والاجتماع، وإنما هو ذوق العشق، ولا يعلم تأويله إلاّ العاشقون. هـ. وحاصل كلامه: أنك إن نظرت للوحدة لم يبقَ مَن تحصل معه المعية؛ إذ لا شيء معه، وإن نظرت من حيث الجمع والفرق أثبتَ الفرق في عين الجمع فتحصل المعية منه له جمعاً، ومنه لأثره فرقاً، ولا فرق حقيقة، فافهم، ولا يفهم هذا إلاّ أهل العشق الكامل، وهم أهل الفناء، كما قال ابن الفارض:
فلم تَهْوَني ما لم تكن فيَّ فانياً
ولم تَفْنَ ما لم تجْتَل فيك صورتي
يقول الحق ﷻ : ﴿آمِنوا بالله ورسوله﴾ أي: دُوموا على إيمانكم، إن كان خطاباً للمؤمنين، فيكون توطئة لدعائهم إلى ما بعده من الإنفاق وغيره؛ لأنهم أهل لهذه الرُتب الرفيعة، أو: أَحْدِثوا الإيمان، إن كان خطاباً للكفار، ﴿وأَنفِقوا﴾ أي: تصدّقوا، فيشمل الزكاة وغيرها، ﴿مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ أي: جعلكم خلفاء في التصرُّف فيه من غير أن تملكوه حقيقةً، وما أنتم فيه إلاّ بمنزلة الوكلاء والنُواب، فأنفِقوا منها في حقوق الله تعالى، وَلْيَهُنْ عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أَذِنَ له، أو: جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما كان في أيديهم بتوريثكم إياه، وسينقله منكم إلى غيركم، فاعتبِروا بحالهم ولا تبخلوا به، ﴿فالذين آمنوا﴾ بالله ورسوله ﴿منكم وأنفَقوا لهم أجرٌ كبير﴾ لا يُقادر قدره.
стр. 3014
﴿وما لكم لا تؤمنون بالله﴾ هو حال، أي: أيّ شيء حصل لكم غير مؤمنين، وهو توبيخ على ترك الإيمان حسبما أُمروا به، بإنكار أن يكون لهم عذر مّا في الجملة، ﴿والرسولُ يدعوكم﴾ ويُنبهكم عيله، ويُقيم لكم الحجج على ذلك، ﴿لتؤمنوا بربكم وقد أخذ﴾ قبل ذلك عليكم ميثاقه في عالم الذر، على الإقرار بالربوبية، والتصديق بالداعي، بعد أن رَكّب فيكم العقول، فلم يبق لكم عذر في ترك الإيمان، أو: أخذ ميثاقه بنصب الأدلة والتمكين من النظر، فانظروا واعتبروا وآمنوا، ﴿إِن كنتم مؤمنين﴾ بأخذ هذا الميثاق، أو: بموجبٍ ما، فإنَّ هذا موجب لا موجب وراءه.
﴿
هو الذي يُنَزِّلُ على عبده﴾ محمد ﷺ ﴿آيات بيناتٍ﴾ واضحاتٍ، يعني القرآن، ﴿ليُخرجَكم﴾ أي: الله تعالى، أو العبد ﴿من الظلمات﴾ أي: من ظلمات الكفر والمعاصي والغفلة، إلى نور الإيمان والتوبة واليقظة، ﴿وإنَّ الله بكم لرؤوف رحيم﴾ حيث يهديكم إلى سعادة الدارين، بإرسال الرسول، وتنزيل الآيات، بعد نصب الحُجج العقلية.
ثم وبَّخهم على ترك الإنفاق، بعد توبيخهم على ترك الإيمان، على ترتيب قوله: ﴿آمِنوا﴾ و ﴿إنفِقوا﴾ فقال: ﴿وما لكم ألاَّ تُنفقوا في سبيل الله﴾ أي: أيَ شيء حصل لكم في ألاّ تنفقوا فيما هو قُربة إلى الله تعالى، وهو له حقيقة، وإنما أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما عيّنه من المصارف؟ ﴿ولله ميراثُ السماوات والأرض﴾ يرث كل شيء فيهما، لا يبقى لأحد شيء من ذلك، وإذا كان كذلك فأيّ عذر لكم في ترك إنفاقه ﴿في سبيل الله﴾ والله مُهلككم، فوارث أموالكم؟ فتقديمها لله أولى، وهي أبلغ آية في الحث على الصدقة. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار في " لله " لزيادة التقرير، وتربية المهابة.
ثم بيّن التفاوت بين المنفِقين منهم باعتبار الزمان، فقال: ﴿لا يستوي منكم مَن أنفق مِن قبل الفتح وقاتلَ﴾ مع مَن أنفق بعد الفتح وقاتل، حذفه لدلالة ما بعده عليه من قوله: ﴿أولئك أعظم درجة ... ﴾ الخ، والمراد: فتح مكة، أي: لا يستوي مَن أنفق قبل عز الإسلام وظهوره، مع مَن أنفق بعد لك، ﴿أولئك﴾ الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين قال فيهم النبي ﷺ : " لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهباً ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، ولا نِصفه "، فهم ﴿أعظمُ درجةً من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلَوا﴾ لأنّ مَن أنفق وقت الحاجة والاضطرار، أعظم ممن أنفق في حال السعة والبسط، ﴿وكُلاًّ﴾ أي: كل واحد من الفريقين ﴿وَعَدَ اللهُ الحسنى﴾ وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ الشامي بالرفع، مبتدأ، أي: وعده الله الحسنى، ﴿والله بما تعملون خبير﴾ فيُجازيكم على قدر أعمالكم.
﴿من ذا الذى يُقْرِضُ اللهَ قرضاً حسناً﴾ هو ندب بليغ من الله تعالى إلى الإنفاق في
стр. 3015
سبيله، بعد الأمر به، والتوبيخ على تركه، وبيان درجات المنفقين، أي: مَن ذا الذي يُنفق مَالَهُ في سبيل الله رجاء أن يعوضه مثل ذلك وأكثر، فإنه كمن يُقرضه. وحسن الإنفاق بالإخلاص فيه، وتحري أكرم المال، وأفضل الجهات، ﴿فيُضاعِفه له﴾ أي: يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفاً أضعافاً كثيرة من فضله، ﴿وله أجرٌ كريمٌ﴾ وذلك الأجر المضموم إليه الأَضعاف كريمٌ في نفسه، حقيقٌ بأن يُتنافس فيه وإن لم يُضاعف، فكيف وقد ضُوعف أضعافاً كثيرة! ومن نصب فعلى جواب الاستفهام.
الإشارة: أَمَرَ الحقُّ تعالى مشايخَ التربية، والعلماءَ الأتقيا، أن يؤمنوا إيمان شهود وعيان، أو إيمان تحقيق وبرهان، فالأول للأولياء، والثاني للعلماء، ثم قال: ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ من العلوم الوهبية، أو الرسمية، فالذين آمنوا منكم كما تقدّم، مما عندهم سعة العلوم الوهبية، أو مِن ضيق العلوم الرسمية، لهم أجر كبير: سكنى الحضرة، في مقعد صدق، أو بُحْبُوحة الجنة في نعيم الأشباح. وما لكم لا تؤمنون بالله، أي: تُجددوا إيمانكم كل ساعة، بفكرة الاستبصار والاعتبار، والرسولُ يدعوكم لتُجددوا إيمانكم، وقد أخذ ميثاقكم في عالم الذر، ثم جدّده ببعث الرسل وخلفائهم من شيوخ التربية، الداعين إلى الله، إن كنتم مؤمنين بهذا الميثاق. هو الذي يُنزِّل على عبده آيات بينات، وهو القرآن، يَنزل على رسوله ﷺ ليُخرجكم من الظلمات إلى النور، من ظلمة المعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، ومن ظلمة الهوى والحظوظ إلى نور الزهد والعِفة، ومن ظلمة الحس إلى نور المعنى، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم بالله.
وما لكم ألاَّ تنفقوا مُهجكم وأرواحكم في سبيل الله، ببذلها في مرضاة الله، ولله ميراث السموات والأرض، فيرثكم بأشباحكم وأرواحكم، فمَن بذلها عوّضه دوام الشهود، ومَن بخل بها عقبه حسرة الحجاب، لا يستوي منكم مَن أنفق نفسه وقاتلها قبل ظهور الطريق، مع مَن أنفق وجاهد بعد ظهورها، فالسابقون لم يجدوا أعواناً، والمتأخرون وجدوا أعواناً، وكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى الجنة الحسية، وزاد السابقين الجنة المعنوية، جنةَ المعارف. والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه مَن تقدم ممن تأخر. ﴿من ذا الذى يُقرض الله قرضاً حسناً﴾ ، قال القشيري: هو أن يُقرض وينقطع عن قلبه حُبّ الدارين، ففي الخبر: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً ". هـ. فيضاعفه له بالترفي إلى ما لا نهاية له، وله أجر كريم، وهو مقعد صدق عند مليك مقتدر.
следующие страницы →