← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

فقدّرتَ على حسب حالك. وفي رواية: " شعيرة من ذهب "، فقال: إنك لزهيد "، أي: مُصعِّر مقلِّل للدنيا. قاله في القوت. ﴿ذلك﴾ التقديم للصدقة ﴿خير لكم﴾ في دينكم ﴿وأطهرُ﴾ لنفوسكم من رذيلة البُخل، ولأنَّ الصدقة طُهرة. ﴿فإِن لم تجدوا﴾ ما تتصدقون به ﴿فإِنَّ الله غفور رحيم﴾ في ترخيص المناجاة من غير صدقة. قيل: كان ذلك عشر ليال، ثم نُسِخَ، وقيل: ما كان إلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ. وعن عليّ - كرّم الله وجهه - أنه قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن عشر مسائل، فأجابني عنها، ثم نزل نسخ الصدقة، قلت: يا رسول الله؛ ما الوفاء؟ قال: " التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله " قلت: وما الفساد؟ قال: " الكفر والشرك بالله " قلت: وما الحق؟ قال: " الإسلام، والقرآن والولاية إذا انتهات إليك " قلت: وما الحيلة؟ قال: " ترك الحيلة "، قلت: وما عَلَيَّ؟ قال: " طاعة الله وطاعة رسوله "، قلت: وكيف أدعو الله تعالى؟ قال: " بالصدق واليقين " قلت: وماذا سأل الله؟ قال: " العافية " قلت: وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال: " كلْ حلالاً، وقل صدقاً " قلت: وما السرور؟ قال: " الجنة " قلت: وما الراحة؟ قال: " لقاء الله " فلما فرغت منها نزل نسخ الصدقة. ﴿ أأشفقتم أن تُقَدِّموا بين يَدَيْ نجواكم صدقاتٍ﴾ أي: أَخِفْتُم الفقرَ مِن تقديم الصدقات، أو: أَخِفْتُم من هذا الأمر لِما فيه من الإنفاق الذي تكرهه النفوس، ﴿فإِذ لم تفعلوا﴾ ما أُمرتم به وشقّ عليكم، ﴿وتاب اللهُ عليكم﴾ أي: خفّف عنكم، وأزال عنكم المؤاخذة بترك تقديم الصدقة على المناجاة، كما أزال المؤاخذة بالذنب عن التائب عنه، ﴿فأقيموا الصلاةَ وآتُوا الزكاة﴾ أي: فإذا فرَّطتم فيما أُمرتم به من تقديم الصدقات، فتداركوه بالمثابرة على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ﴿وأطيعوا اللهَ ورسولَه﴾ في سائر الأوامر، فإنَّ القيام بها كالجابر لِما وقع في ذلك من التفريط، ﴿واللهُ خبير بما تعملون﴾ ظاهراً وباطناً، وهو وعدٌ ووعيد. الإشارة: إذا أردتم مناجاة المشايخ في زيارتكم، فقدِّموا بين يدي نجواكم صدقة، تُدفع للشيخ، أو لأهل داره، فإنها مفتاح لفيض المواهب، مثالها كالدلو، لا يمكن رفع الماء إلاَّ به، ذلك خير لكم، وأطهر لقلوبكم من رذيلة من البخل، فإن لم تجدوا شيئاً فإن الله غفور رحيم. أأشفقتم أن تُقدِّموا بين يدي نجواكم صدقات؛ لِثَقَلِ ذلك على النفس؟ فإذ لم تفعلوا وزُرتم بلا صدقة، وقد تاب الله عليكم من هذا التفريط، فأقيموا صلاة القلوب، وهو التعظيم، ودوام العكوف في حضرة علاّم الغيوب، وآتوا زكاة أبدانكم، بإجهادها في خدمة المشايخ والإخوان، وأطيعوا الله ورسوله وخلفاءه فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه، ﴿والله خبير بما تعملون﴾ .

стр. 3047

يقول الحق ﷻ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِين تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ وهم اليهود، لقوله: ﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] . والغضب في حقه تعالى: إرادة الانتقام. كان المنافقون يتولّون اليهود، وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، ففضحهم الله. ثم قال تعالى: ﴿ما هم منكم﴾ يا معشر المسلمين ﴿ولا منهم﴾ أي: من اليهود، بل كانوا ﴿مُّذبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لآَ إِلَى هَؤُلأَءِ إِلَى هَؤُلآَءِ﴾ [النساء: ١٤٣] . ﴿ويحلفون على الكذب﴾ أي: يقولون: والله إنّ لمسلمون لا منافقون، ﴿وهم يعلمون﴾ أنهم كاذبون منافقون، ﴿أعدَّ اللهُ لهم عذاباً شديداً﴾ نوعاً من العذاب متفاقماً، ﴿إِنهم ساء ما كانوا يعملون﴾ فيما مضى من الزمان، كانوا مُصرِّين على سوء العمل، وتمرّنوا عليه، أو: هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. ﴿اتخَذُوا أَيمانهم﴾ الكاذبة ﴿جُنَّةً﴾ وقايةً دون أموالهم ودمائهم، ﴿فصَدُّوا﴾ الناسَ في خلال أمنهم وسلامتهم، أو: فصدُّوا بأنفسهم ﴿عن سبيل الله﴾ عن طاعته والإيمان به، ﴿فلهم عذابٌ مُهين﴾ يُهينهم ويُخزيهم، وأعدّ لهم العذاب المخزي لكفرهم وصدهم، كقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الَعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨] . ﴿لن تُغني عنهم أموالُهم ولا أولادُهم من الله﴾ من عذاب الله ﴿شيئاً﴾ قليلاً من الإغناء، أي: ما يخافون عليه من الأموال والأولاد فيحلفون لأجله، لا ينفعهم عند الله. رُوي أنَّ رجلاً منهم قال: لنُنصرنّ يوم القيامة بأموالنا وأنفسنا وأولادنا. فنزلت. ﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر من القبائح ﴿أصحابُ النار﴾ ملازموها ﴿هم فيها خالدون﴾ . ﴿ يومَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فيحلِفون له﴾ أي: لله تعالى في الآخرة أنهم كانوا مُخلِصين غير منافقين، ﴿كما يحلفون لكم﴾ في الدنيا على ذلك، ﴿ويَحْسَبون أنهم﴾ في الدنيا ﴿على شيءٍ﴾ من النفع، أو: يحسبون في الآخرة أنهم على شيءٍ من النفع، مِن جلب منفعة أو دفع مضرة، كما كانوا في الدنيا، حيث كانوا يدفعون بها عن أزواجهم وأموالهم، ﴿ألا إِنهم هم الكاذبون﴾ البالغون في الكذب إلى غايةٍ لا مطمح وراءها، حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علاّم الغيوب. ﴿استحوذَ عليهم الشيطانُ﴾ استولى عليهم ومَلَكَهم، ﴿فأنساهم ذكرَ الله﴾ بحيث لم

стр. 3048

يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم، ﴿أولئك حزبُ الشيطان﴾ أي: جنوده وأتباعه، ﴿ألا إِنّ حزبَ الشيطان هم الخاسرون﴾ أي: الموصوفون بالخسران الذي لا غياية وراءه، حيث فوّتوا على أنفسهم النعيم المقيم، وأخذوا بدله العذاب الأليم، وفي تصدير الجمة بحرفي التنبيه والتحقيق، وإظهار الشيطان معاً في موضع الإضمارِ، وتوسيط ضمير الفصل، من فنون التأكيد ما لا يخفى. الإشارة: منافقون الصوفية هم الذين يُقرُّون أهلَ الظاهر وينصرونهم، ويُنكرون على أهل الباطن، فإذا لقوهم أظهروا لهم المودّة والوفاق، وادَّعوا أنهم منهم، فهم مذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ليسوا من أهل الظاهر المحض، ولا من أهل الباطن، لعدم تحققهم به، تجر الآية ذيلَها عليهم. والعذاب المعدّ لهم غم الحجاب، وتخلُّفهم عن درجات المقربين. قوله تعالى: ﴿اتخذوا أَيمانهم جُنة﴾ قال القشيري: مَن استتر بحُجة طاعته لأجل دنياه؛ انكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينُه يبقى، ولا دنياه تَسْلَم. قال تعالى: ﴿لن تُغني عنهم أموالُهم ولا أولادهم من الله شيئاً﴾ الآية. هـ. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فيتحاشون إلى المقربين، ويحلفون بلسان حالهم: أنهم كانوا منهم، كما يحلفون اليوم، ويظنون أنهم من أهل الباطن، ويحسبون أنهم على شيء، فيبدوا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لم يكونوا يحتسبون، وذلك لعدم صُحبتهم للعارفين المخلِصين، حصل لهم الغلظ، فوقفوا مع حُسبانهم الضال، ولو دامت صُحبتُهم لأهل التوحيد الخاص لتنبّهوا لغلطهم. استحوذ عليهم الشيطانُ، فزيّن لهم الوقوفَ مع ما هم فيه، فأنساهم ذكرَ العيان، فكانوا من حزب الشيطان في الجملة، بالنسبة إلى مَن فوقهم. قال شاة الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد: أن يشغله بعمارة ظاهره، من المأكل والملبس، ويشغل قلبه عن التفكُّر في آلاء الله ونعمائه، والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه، بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل قلبه عن التفكُّر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها. هـ. يقول الحق ﷻ : ﴿إِنّ الذين يُحادون اللهَ ورسولَه﴾ أي: يخالفونهما، ويجعلون بينهم وبينهما حدّاً، وهم حزب الشيطان المتقدم، ﴿أولئك في﴾ جملة ﴿الأذَلِّينَ﴾ لا ترى أحداً أذلّ منهم من الأولين والآخرين؛ لأنّ ذِلة أحد المتخاصمين على قدر عزة الآخر، وحيث كانت عزة الله غير متناهية كانت ذلة مَن يُحاده كذلك. ﴿كتب اللهُ﴾ في اللوح وقضاه، وحيث جرى مجرى القسم أجيب بما يُجاب به، فقال: ﴿لأغْلِبنَّ أنا ورسلي﴾ بالحجة والسيف، أو بأحدهما، وهو تعليل لِما قبله من كون مَن حاد الله في

стр. 3049

الأَذلِّين. ﴿إِنَّ الله قويٌّ﴾ على نُصرة أوليائه، ﴿عزيزٌ﴾ لا يمتنع عليه ما يريد. الإشارة: كل مَن يُعادي أهلَ الله مخذول، عاقبته الذل في الدنيا والآخرة، ﴿كتب الله لأغْلِبَنَّ أنا ورسلي﴾ وخلفاؤهم من أولئك، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] ، إلاَّ مَن تعدّى منهم طورَه، كمَن تعرّض للظهور، وهو من أهل الباطن، فإنَّ القدرة تخدمه وتؤدبه؛ لأنّ الباطن لا ينقلب ظاهراً، ولا عكسه. والله تعالى أعلم.

стр. 3050

سورة الحشر يقول الحق ﷻ : ﴿سَبَّح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ أي: نزّهه أهلُ السماوات السبع، وأهلُ الأرضين السبع. وكرر الموصول هنا لزيادة التقرير، والتنبيه على استقلال كل مِن الفريقين بالتسبيح. قال الكواشي: فيه إيماء إلى قدرة الله تعالى، وأنه أهل لأن يُسبَّح لمنِّه على المؤمنين بنصرهم على أعدائهم، ﴿وهو العزيزُ الحكيم﴾ ، قال ابن عطية: صفتان مناسبتان لِمَا يأتي بعدُ، من قصة العدو الذي أخرجهم مِن ديارهم. هـ. رُويَ أنَّ هذه السورة بأسرها نزلت في بني النضير، وهو رهط من اليهود، من ذرية هارون ﵇، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل لبعثته ﷺ ، وقيل: هم بقية الحبرْين اللذين كانا مع تُبع، فنزلا المدينة انتظاراً له ﷺ ، وذلك أنَّ النبي ﷺ حين قَدِمَ المدينة صالحهم على ألاّ يكونوا عليه ولا له، فلما ظَهَرَ يوم بدر، قالوا: هو النبيّ الذي نعْتُه في التوراة: لا تُردُّ له رايةٌ، فلما كان يوم أُحُد ما كان، ارتابوا ونكثوا، فخرج

стр. 3051

كعبُ بن الأشرف في أربعين راكباً، فحالف أبا سفيان عند الكعبة على رسول الله ﷺ فأمر ﵇ محمدَ بن مسلمة الأنصاري في فتية، فقتل كعباً غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، وقد كان ﵇ اطلع منهم على خائنةٍ ونقض عهدٍ، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعليّ، ليستعينهم في دية الرجلين اللذَين قتلهما عَمرو بنُ أمية الضمري، غلطاً، فأجابوه على ذلك، وأجسلوه تحت الحِصن، وأمروا رجلاً منهم أن يطرح على النبي ﷺ رَحىً، فنزل جبريلُ فأخذ بيده وأقامه، فرجع إلى المدينة، وأمر المسلمين بالخروج إلى بني النضير، وهم بقريةٍ يقال لها: زهرة، فأمرهم النبيُّ ﷺ بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدسّ إليهم عبدُ الله بن أُبي وأصحابهُمن المنافقين: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن خرجتم لَنَخْرُجنَّ معكم، فحصّنوا أسوارَهم، فحاصرهم النبيُّ ﷺ إحدى وعشرين ليلة، وأمر بقطع نخلهم، فلما قذف اللهُ في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، طلبوا الصُلح، فأبى عليهم إلاّ الجلاء، على أن يَحْمِل كلُّ ثلاثة أبياتٍ على بعيرٍ ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي ﷺ ما بقي، فخرجوا إلى الشام، وإلى أذرعات وأريحا، إلاّ بيتين؛ آل أبي الحقيق، وآل حُيَي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وذلك قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب مِن ديارهم﴾ بالمدينة، أي: هو الذي تولّى إخراجهم، لا بسبب فيه لأحد غيره. واللام في قوله: ﴿لأول الحشر﴾ متعلق بأخْرَج، وهو اللام في قوله: ﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] أي: أخرجهم عند أول الحشر، وكونه أول الحشر؛ لأنّ هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا مِن سبط لم يُصبهم جلاء قط، وهم أول مَن أُخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، وآخر حشرهم: إجلاء عُمر إياهم من خيبر إلى الشام، أو: آخر حشرهم: حشر يوم القيامة، قال ابن عباس ﵁: " مَن شك أنَّ المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية " فهم الحشر الأول، وسائر الناس الحشر الثاني. وقال لهم رسول الله ﷺ لمّا خرجوا: " امضوا، فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر " ﴿ما ظننتم أن يخرجوا﴾ ، لشدة بأسهم، ومَنعَتهم، ووثاقه حصونهم، وكثرة عَددهم وعُدتهم، ﴿وظنوا أنهم مانعتهم حُصُونُهم من الله﴾ أي: ظنوا أنّ حصونهم تمنعهم من بأس الله. والفريق بين هذا التركيب والنظم الذي جاء عليه التنزيل: أنّ في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وُثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي مصير ضميرهم اسماً لـ " أن "، وإسناد الجملة إليه، دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يُبالَى معها

стр. 3052

بأحد يتعرض لهم، أو يطمع في مغازيهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم. ﴿فأتاهم اللهُ﴾ أي: أمره وعقابه ﴿من حيث لم يحتسبوا﴾ ؛ من حيث لم يظنوا، ولم يخطر ببالهم، حتى قُتل " كعب " رئيسهم على يد أخيه رضاعاً. ﴿وقَذَفَ في قلوبهم الرُّعْبَ﴾ ؛ الخوف والجزع، ﴿يُخْربون بيوتَهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ ، فكانوا يُخربون بواطنَها، والمسلمون ظواهرَها، لِمَا أراد الله مِن استئصال شأفتهم، وألاَّ تبقى لهم بالمدينة دار، ولا منهم دَيَّار. والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة، ليسدُّوا بها أفواه الأزفَّة ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيّد الخشب والساج، وأمّا المؤمنون فدعاهم إلى التخريب إزالة مُتحصّنهم، وأن تتسع لهم مجال الحرب. ومعنى تخريبهم إياها بأيدي المؤمنين: أنهم لما عرّضوهم بنكث العهد لذلك، وكان السبب فيه؛ فكأنهم أمروهم به، وكلّفوهم إياه. ﴿فاعتبِروا يا أُولي الأبصارِ﴾ أي: فاتعِظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجهٍ لا تهتدي إليه الأفكار، أو: فتأملوا فيما نزل بهؤلاء، والسبب الذي استحقوا به ذلك، فاحذروا أن تفعلوا مثَل فعلهم، فتُعاقََبوا مثل عقوبتهم. قال البيضاوي: اتعِظوا بحالهم، فلا تغدروا، ولا تعتمدوا على غير الله. هـ. وهذا دليل على جواز القياس. ﴿ ولولا أن كتب اللهُ عليهم الجلاء﴾ ؛ الخروج من الوطن، على ذلك الوجه الفظيع ﴿لعذَّبهم في الدنيا﴾ بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة، ﴿ولهم في الآخرة عذابُ النار﴾ الذي لا أشد منه، ﴿ذلك بأنهم﴾ أي: إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم ﴿شاقُوا اللهَ﴾ ؛ خالَفوه ﴿ورسوله﴾ وفعلوا ما فعلوا، مما حكي عنهم من القبائح، ﴿ومَن يُشاقِّ اللهَ﴾ ، وقرئ: " يشاقِق " على الأصل. والاقتصار على مشاققته لتضمنها مشاققته ﵇، وليوافق قوله تعالى: ﴿فإنَّ الله شديدُ العقاب﴾ ، والجملة: إما نفس الجزاء على حذف العائد، أي: شديد العقاب له، أو: تعليل للجزاء المحذوف، أي: يُعاقبه لأنّ الله شديد العقاب. الإشارة: " سبِّح لله " نزَّه الله تعالى مَن وجود الغيرية والإثنينية ما في سموات الأرواح من علوم الأحدية، ونزّهه ما في أرض النفوس والعقول من البراهين القطعية عن الشبيه والنظير. والعارف الكامل هو الذي يجمع بين التنزيه والتشبيه في ذات واحدة، في دفعة واحدة، فالتنزيه من حيث ذات المعاني، والتشبيه من حيث الأواني، أو التنزيه من حيث الجمع، والتشبيه من حيث الفرق، أو التنزيه من حيث اسمه الباطن، والتشبيه من حيث اسمه الظاهر. وانظر القشيري في مختصر الإشارات، ولعل هذا المنزع هو الذي رام الجيلاني، حيث قال في عينيته: وإياكَ والتنزيهَ فهو مُقيّدٌ وإياك والتشبيهَ فهو مُخَادِعُ

стр. 3053

أي: لا تقف مع واحدٍ منهما، فأطلق عنان المعاني في كل ما ترى، ولا تشبه المعاني بشيء، إذ ليس مثلها ولا معها فإياك أن تنزّه المعاني عن شيء، فتقيّد عن الشهود فيه، وإياك أن تشببها بشيء؛ إذ ليس مثلها شيء في الوجود. والله تعالى أعلم. ولا يعلم هذا إلا أهل الذوق الكبير. ثم قال تعالى: ﴿هو الذي أخرج﴾ الخواطر الردية، والخبائث اليهودية، من ديار القلوب، عند أول حشرها إلى الحضرة، ما ظننتم أن يخرجوا، لتمكنها من النفس، وتمرُّنها معها، وظنوا أنهم مانعتهم حصونُهم من الله، حيث تحصّنوا بتمكن العوائد ورسوخها في النفس، ومخالطة الأحباب والعشائر، والرئاسة والجاه والمال، فأتاهم الله من حيث لم يحتسِبوا، حيث قيَّض لها شيخاً عارفاً، وقذف في القلب خوفاً مُزْعِجاً، أو شوقاً مقلقاً، وقذف في قلوبهم الرعب، فخرجت تلك الخبائث قهراً، يُخربون بيوتهم، أي: بيوت ظواهرهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، أي: بإعانة المشايخ والإخوان، فطهَّروا بواطنهم من الخبائث، وخرّبوا ظواهرهم من زينة الحس، فحينئذ تعمّرت بواطنُهم بأسرار العلوم والمعارف، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وافعلوا مثل فعلهم، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء من القلوب؛ لعذّبهم في الدنيا بالحرص والجزع والطمع، ولهم في الآخرة عذاب نار القطيعة، بعد إسدال الحجاب في الدنيا، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله؛ إذ كل مخالفة إنما هي من النفس وجنودها في عالم الحكمة. ﴿ما قطعتم من لِّينَةٍ﴾ ، قال القشيري: هو نوع من النخل ما عَدا العجوة والبَرْنِيّ، أمر رسول الله ﷺ بقطعها من مال بني النضير، فقطع بعضها، فقالت اليهود: أي فائدة في هذا؟ فبقي المسلمون في الجواب، فأنزل الله هذه الآية. هـ. وأصلها: لونة، من الألوان، فقلبت ياء، وقيل: اللينة: النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين، أي: أيّ شيء قطعتم من لِينة ﴿أو تركتموها قائمةً على أصولها﴾ من غير أن تتعرضوا لها بشيء ﴿فبإذن الله﴾ ؛ فقطعها وتركها بإذن الله، ﴿وليُخزي الفاسقين﴾ أي: وليذل اليهود ويغيظهم أذِنَ في قطعها وقلعها وفي تركها، وأمر المؤمنين أن يحتكموا في أموالهم كيف شاؤوا. واستُدل به على جواز هدم ديار الكفرة، وقطع أشجارهم، وحرق زروعهم، إذا لم يُرج وكان فيه إنكاء للعدو. وتخصيص اللينة بالقطع ليكون غيظهم أشد. الإشارة: قَطْعُ شجرة حب الدنيا من القلب واجب على المريد في بدايته، ولو أدّى إلى إفساد المال لإصلاح قلبه، ارتكاباً لأخف الضررين، ومنه: قضية الشبلي في إحراق

стр. 3054

ثوب وقلنسوته، في حكاية التلميذ، فإذا تمكن من المعرفة خُيِّر، وله يقال: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها ... ﴾ الآية. وقال القشيري بعد تفسير الظاهر: وفيه دليل على أنَّ الشرع غير مُعَلل، فإذا جاء الأمر الشرعي بَطَلَ طلب التعليل، وسكتَت الألسن عن المطالبة بـ " لِمَ " وخُطورُ الاعتراض والاستقباحِ بالبال خروج عن حدّ العرفان، والشيوخ قالوا: مَن قال لأستاذه: " لِمَ " لا يفلح، وكل مريدٍ يكون لأمثال هذه الخواطر جولان في قلبه لا يجيءُ منه شيء، ومَن لم يتجرّد قلبُه عن طلب الإعلال، ولم يباشِرْ حُسْنَ الرضا بكل ما يجري، واستحسانَ، كل ما يبدو من الغيب من الله سرّه وقلبَه فليس من الله في شيء. هـ. ومثله قول الحِكَم: " ما تَركَ مِن الجهل شيئا مَن أراد أن يُظهر في الوقت غيرَ ما أظهره الله فيه ". قلت: جملة ﴿وما أفاء﴾ : شرطية معطوفة على مثلها، وهو: ﴿ما قطعتم..﴾ الآية، وكلتاهما إخبار وإعلام، أي: اعلموا أن ذلك القطع والترك كان بإذن الله، وذلك الفيء كان بتسليط الله لا بسعيكم، لكنه لم يُعلم منه كيفية القسمة، فبيّنها بعدُ بقوله: ﴿وما أفاء الله على رسوله ... ﴾ الخ، وقيل: غير ذلك على ما سيأتي. يقول الحق ﷻ : ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾ أي: ما أعاده الله من مالهم، وفيه إشعار بأنه كان حقيقاً بأن يكون له ﷺ ، وإنما وقع في أيديهم بغير حق، فردّه الله تعالى إلى مستحقه، لأنه تعالى خلق الناس لعبادته، وخَلَقَ ما خَلَقَ ليتوسَلوا به إلى طاعته، فهو جديرٌ بأن يكون للمؤمنين. ﴿فما أوجفتمْ عليه﴾ أي: فما أجريتم على تحصيله وتغنيمه، من: الوجيف، وهو: سرعة السير، و " مِن " في قوله: ﴿مِن خَيْلَ ولا رِكابٍ﴾ زائدة لتأكيد النفي، أي: فما أجريتم على تحصيله خيلاً ولا ركاباً، وهو ما يركب من الإبل خاصة، كما أنَّ الراكب عندهم راكبها لا غير، وأمّا راكب الفرس فإنما يُسمونه فارساً، ولا واحد لها من لفظها، وإنما الواحد منها: راحلة. والمعنى: ما قطعتم لها شقةً بعيدة، ولا لقيتم مشقة شديدة، وذلك لأن قُراهم كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها مشياً، وما كان فيهم إلاَّ النبي ﷺ فَفَتَحَها صُلحاً، كأنه قيل: ما أفاء الله على رسوله فما حصَّلتموه بكد اليمين ولا بعرق الجبين، ﴿ولكنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رسلَه على مَن

стр. 3055

يشاء﴾ أي: ولكن جرت سنّة الله أن يُسلّط رسلَه على مَن يشاء من أعدائهم، وقد سلّط رسولَه ﷺ تسليطاً غير معتاد، من غير أن تقتحموا الخطوب، وتُقاسموا شدائد الحروب، فلا حقّ لكم في أموالهم. ﴿واللهُ على كل شيءٍ قدير﴾ يفعل ما يشاء، تارة على الوجوه المعهودة، وأخرى على غيرها. ثم بيّن قسمة الفيء، فقال: ﴿ما أفاء اللهُ على رسوله من أهل القُرى﴾ ، فلم يدخل العاطف؛ لأنَّ الجملة بيان للأولى، وقيل: الأولى نزلت في أموال بني النضير، وقد جعلها الله لرسوله خاصة، فقسمها على المهاجرين، ولم يُعط الأنصارَ منها، إلاّ لثلاثة، لفقرهم، أبو دُجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة، والثانية: نزلت في كل قريةٍ فُتحت عنوة، وهو الظاهر، فقال في بيان مصرف الفيء: ﴿فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ . واختلف في قسمته، فقيل: يُسدس لظاهر الآية، ويُصرف سهم الله إلى عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل: يُخمس، وذكر الله للتعظيم، ويُصرف سهم الرسول للإمام على قولٍ، وإلى العساكر والثغور على قولٍ، وإلى مصالح المسلمين على قولٍ. وقد تقدّم في سورة الأنفال تحقيقه. وإنما بيّنا قسمته، ﴿كي لا يكون دُولَة﴾ أي: كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يكون للفقراء يعيشون به ﴿دُولة بين الأغنياء منكم﴾ أي: يتداوله الأغنياء بينهم، ويختصُّون به. والدولة: ما يدول للإنسان، أي: ما يدور له من الغنى والجدّ والغلبة وغيرها، وقيل: الدولة - بالفتح - من المُلك، وبالضم من المِلك - بالكسر-. ﴿وما آتاكم الرسولُ﴾ أي: ما أعطاكموه من الفيء أو من الأمر، ﴿فَخُذوه﴾ فاقبلوه، أو: افعلوه، فإنه واجب، ﴿وما نهاكم عنه﴾ أي: عن أخذه، أو عن تعاطيه ﴿فانتهوا﴾ عنه، ولا تطلبوه، أو: لا تفعلوه، لَمَّا خصّ ﵇ المهاجرين بفيء بني النضير وما حولها من القرى، قالت الأنصار: لنا معهم سهم، فنزلت ﴿واتقوا الله﴾ في مخالفته ﵇، ﴿إنَّ الله شديدُ العقاب﴾ لمَن خالف رسولَه ﷺ ، والأحسن: أن يكون عاماً في كل ما جاء به الرسول، والفيء داخل في العموم. الإشارة: العلم على قسمين؛ علم وهبي إلهي، يفيض على رسول القلب، بمحض الفضل والجود، وهو ما يختص بأسرار الربوبية فهذا يختص به صاحبه، ولا يبذله لغيره إلاّ مَن بذل نفسه له، وإليه تُشير الآية الأولى. وعلم كسبي، يُكتسب بالجد والتشمير في تعلُّمه وأخذه، فهذا يجب بذله لعامة الناس وخاصتهم، وإليه تشير الآية الثانية. وإنما اختص علم السر بأهله كي لا يكون دُولة بين الأغنياء من أهل الظاهر، فيُبتذل ويُشتهر، وهو فساد نظام العالم. وقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسولُ فخُذوه﴾ قال القشيري: هذا

стр. 3056

أصل في وجوب متابعة الرسول، ولزوم طريقته وسنته، على ما في العلم تفصيله. والواجبُ على العبد عَرْضُ ما وقع له من الخواطر، ويُكاشَفُ به من الأحوالِ، على العلم، فما لم يقبله الكتاب والسنّة فهو ضلال. هـ. قلت: " للفقراء " يتعلق بمحذوف، أي: يعطي، أو: اعْجَبوا، على أنه استئناف، وقيل: بدل من " ذي القربى ". و " وتبوؤوا الدارَ والإيمان " أي: وأَلِفوا الإيمان، ولا يصح العطف؛ لئلا يلزم أنّ الإيمان متبوأ، وإنما يُتبوأ المنزل؛ إذ التبوء: التهيؤ، يقال: بوأت له منزلاً، أي: هيأته له، وفي إعراب الحوفي في سورة آل عمران: يقال تبوأ فلان الدار إذا لزمها. هـ. فعلى هذا يصح العطف، ولا يحتاج إلى تقدير عاملٍ آخر. قال ابن هشام: ولا يجوز كون الإيمان مفعولاً معه؛ لعدم الفائدة في تقييد الأنصار المعطوفين على المهاجرين بمصاحبة الإيمان، إذ هو أمر معلوم. هـ. وانظر ابن جزي، فإنه هو الوجه المستحسن عنده في توجيه الآية، والمعنى: أنهم جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين؛ لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان، لا بنزول الدار، قال: فيكون الإيمان على هذا مفعولاً معه، وأصله لابن عطية، وبهذا الاقتراح يصح معنى قوله: ﴿مِن قبلهم﴾ فتأمله. انظر الحاشية. يقول الحق ﷻ : ﴿للفقراءِ﴾ أي: يعطى الفيء للفقراء ﴿المهاجرين الذين أُخرجوا مِن دِيَارِهِم وأموالِهم﴾ حيث اضطرهم كفارُ مكة إلى الخروج من مكة، وكانوا مائة رجل. وفيه دليل على أنَّ الكفار يملكون ما استولوا عليه من أموال المسلمين؛ لأنّ الله تعالى سمّاهم فقراء، مع أنهم كانت لهم ديار وأموال بمكة، فخرجوا ﴿يبتغون فضلاً من الله ورضواناً﴾ أي: طالبين منه تعالى رزقاً في الدنيا، ورضا في الآخرة، أو: يطلبون الجنة ورضوان الله أو: زيادة في الإيمان والرضوان، ﴿وينصرون اللهَ ورسولَه﴾ أي: ناوين نصرة دين الله وإعانة رسوله، ﴿أولئك﴾ الموصوفون بما فصّل من الصفات الحميدة ﴿هُم الصادقون﴾ ؛ الراسخون في الصدق، حيث ظهر ذلك عليهم؛ بما فعلوا من مفارقة الأوطان والأهل والولدان.

стр. 3057

﴿والذين تبوؤوا الدارَ والإِيمانَ﴾ ، هذا استئناف مسوق لمدح الأنصار بخصال حميدة، من جملتها: محبتهم للمهاجرين، ورضاهم باختصاصهم بالفيء أكمل رضا، أي: اتخذوا المدينة والإيمان مباءة وسكناً وتمكّنوا فيهما أشد تمكين، ﴿مِن قبلهم﴾ أي: من قبل هجرة المهاجرين، أو تبوؤوا الدار ولزموا الإيمان، ولزومه: إخلاصه وظهور شعائره وأحكامه، ولا ريب في تقدُّم الأنصار في ذلك على المهاجرين؛ لأنّ المهاجرين لم يتأتَّ لهم أظهاره قبل الهجرة، فتقدمهم في إظهاره فقط، لا في إخلاصه؛ إذ لا يتصور تقدمهم عليهم في ذلك. ﴿ يُحبون مَنْ هاجر إليهم﴾ حتى شاطروهم أموالهم، وأنزلوهم منازلهم، ونزل مَن كانت له أمَرأتانِ عن إحداهما ليتزوجها المهاجري، ومحبتهم للمهاجرين من حيث هجرتهم لنصرة الدين لشدة محبتهم للإيمان، ﴿ولا يجدون في صُدورهم﴾ ؛ في نفوسهم ﴿حاجةً﴾ أي: شيئاً محتاجاً إليه، يقال: خذ منه حاجتك، أي: ما تحتاج إليه، يعني: أنّ نفوسهم لم تتبع ما أوتوا من الفيء، ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه، وقيل: حاجة: حسداً أو كزازة، مما أُعطي المهاجرون من الفيء، حيث خصّهم النبيُّ ﷺ به. ﴿ويُؤثرون على أنفسهم﴾ أي: يُقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل شيء مَنْ أسباب المعاش، ﴿ولو كان بهم خصاصةٌ﴾ أي: حاجة وخلّة، وأصلها: خُصاص البيت، أي: فروجه. والجملة: حال، أي: يُؤثرون في حال خصاصتهم. قال ابن عباس: لما ظفر النبيُّ ﷺ بأموال بني النضير، قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم، ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة، فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نُشاركهم فيها، فنزلت. وهذا صريح في أنَّ قوله تعالى: ﴿والذين تبوؤوا الدار﴾ استئناف غير معطوف على الفقراء المهاجرين، نعم يجوز عطفه عليهم باعتبار شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق، دون الفيء، فيكون قوله تعالى: ﴿يُحبون﴾ وما عطف عليه استئنافاً مقرراً لصدقهم، أو حال. قاله أبو السعود. قلت: إذا جعلنا قولَه تعالى: ﴿ما أفاء اللهُ على رسوله مِن أهل القُرى﴾ استئنافاً غير مُبيّنِ لِما قبله، بل في كل فيء يأتي بعد بني النضير، صحّ عطف الأنصار على فقراء المهاجرين في كل شيء، وكذا قوله: ﴿والذين جاؤوا مِن بعدهم﴾ عطف عليهم، فيكون المعنى: يقسم الفيء للفقراء المهاجرين، وللذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، وللذين جاؤوا مِن بعدهم. ويؤيد هذا ما رُوي أنّ عمر ﵁ لمّا قرأ هذه الآية إلى آخرها قال: هذه الآية استوعبت المسلمين، ما على وجه الأرض مسلم إلاَّ وله في هذا الفيء حق، إلا ما ملكت أيْمَانهم. هـ. وقيل: نزلت في ضيفٍ نزل بالنبي ﷺ فلم يجد عنده شيئاً، فقال ﷺ : " مَن يُضيف

стр. 3058

هذا؟ " فقال: رجلٌ من الأنصار - قيل: أبو طلحة، أنا يا رسول الله، فلم يجد من الطعام إلاّ ما يكفي الصبية، فقال لامرأته: نوّمي الصبيان، وأطِفئي السراج، وقرّبي الطعام، فنظهر للضيف أنَّا نأكل معه، ونمضغ ألسنتنا ليأكل، فأكل الضيف وحده، فلما أصبح قال ﷺ للرجل: " إنَّ الله ضحك مِن فعلكما " عن أنس: أُهدي لبعضهم رأس مشويّ، وهو مجهود، فَوَجَّهه إلى جارِه، وجارُه وَجَّهَه إلى جارِه، فتداولته تسعةُ أنْفُس، حتى عاد إلى الأول. ﴿ ومَن يُوق شُحَّ نفسه﴾ أي: مَن يقيه الله شحَّ نفسه حتى يغالبها فيما يغلب عليها، مِن حب المال وبُغضَ الإنفاق، ﴿فأولئك هم المفلحون﴾ ؛ الفائزون بكل مطلوب، والناجون من كل مرهوب. والشح - بالضم والكسر -: اللُّؤم، وأن تكون نفس الرجل كزّةً حريصة على المنع. وإضافته إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهم المنع نفسه، وقيل: الشُح: أكل مال أخيك ظلماً، والبخل: منع مالك، وقيل: الشُح: منع ما عندك والطمع في غيرك، والبُخل: منع مالك من غير طمع، فالشُح أقبح من البخل. والجملة: اعتراض وارد لمدح الأنصار بالسخاء، بعد مدحهم بالإيثار. وجميع الإشارة باعتبار " مَن " لأنها واقعة على الجمع. ثم ذكر التابعين، فقال: ﴿والذين جاؤوا مِن بعدهم﴾ هم التابعون بإحسان إلى يوم القيامة، وقيل: هم الذين هاجروا بعدما قوي الإسلام، ﴿يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ ، وصفوهم بذلك اعترافاً بفضلهم، وعن عائشة ﵂: " أُمِرُوا بأن يستغفروا لهم، فسبُّوهم " ﴿ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ﴾ أي: حقداً وعداوة ﴿للذين آمنوا﴾ على الإطلاق، ﴿ربنا إِنك رؤوف رحيم﴾ ؛ مبالغ في الرأفة والرحمة، فأنت حقيق بأن تجيب دعاءنا برأفتك ورحمتك. الإشارة: الذين يستحقون المواهب، والفيض الإلهي والاصطفاء، ثلاث أصناف، الأول: الفقراء الذين هاجروا أوطانهم، وتركوا ديارهم وعشائرهم؛ طلباً لصلاح قلوبهم وأسرارهم، والثاني: القوم الذين نزلوا بهم إذا آووهم وآثروهم بأموالهم وأنفسهم، الثالث: مَن جاء بعدهم طلباً لذلك، على الوصف الذي ذكره الحق ﴿يقولون ربنا اغفر لنا ... ﴾ الخ. قال الورتجبي: قوله تعالى: ﴿والذين تبوؤوا الدارَ والإيمان ... ﴾ الخ، أثنى الله سبحانه على الفقراء، ووصَفَهم بأحسن الوصف، إذ كانوا صادقين في فقرهم، ثم أثنى على الأغنياء لِصدقهم في غناهم، ووصَفَهم بالإيمان والمعرفة بالله من قبلهم ولزومهم مواضع قربه، وخفضِهم جناحهم لإخوانهم من الفقراء، ومحبتهم، وتقديسهم من الحسد والشح والبُغض وحب الدنيا، ثم وَصَفَهم بالسخاء والإيثار، فلم يبقَ في قلوبهم من حب

стр. 3059

الدنيا وجاهها ذرة. ومَنْ سجيتُه مقدسة مِن حرص نفسه أفلح وظفر برؤية ربه. هـ. قلت: كأنه يشير إلى أنَّ قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ هم أهل السير من المريدين، وقوله تعالى: ﴿والذين تبوؤوا الدار ... ﴾ هو الواصلون العارفون، أي: تبوؤوا دارَ المعرفة، حيث سكنوها، ورسخوا فيها، وأَلفِوا الإيمان وذاقوا حلاوته. وقوله تعالى: ﴿ويُؤثرون على أنفسهم ... ﴾ الخ، بعد أن وَصَفَهم بقطع الطمع والحرص، والزهد فيما لم يملكوا بقوله: ﴿ولا يجدون في صدورهم حاجة﴾ وَصَفَهم بالإيثار فيما ملكوا، وبذلك يتم تحقيق خروج الدنيا من قلوبهم، بحيث لا يتعلق القلب بما فات منها، ولا يُمسك ما وجد منها، بل يُؤثر به مع الحاجة إليه، فالآية تشير إلى سلامة الصدور، وسخاوة الأنفس، وهذا كان وصف الصحابة ﵃ وبهذين الخصلتين فاقوا جميعَ الناس، وهي أخلاق الصوفية ﵃ قال الشيخ أبو يزيد: ما غلبني أحد غير شاب من بَلْخ، قَدِمَ حاجًّا، فقال: يا أبا يزيد، ما الزهد عندكم؟ فقلت: إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هكذا عندنا الكلاب ببلخ، فقلت: وما الزهد عندكم؟ فقال: إذا وجدنا آثرنا، وإذا فقدنا شكرنا. هـ. وسُئل ذو النون: ما حد الزاهد المشروح صدره؟ فقال: ثلاثة؛ تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. هـ. يقول الحق ﷻ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نافقوا﴾ أي: ألم ترَ يا محمد، أو: يا مَن يسمع، إلى عبد الله بن أُبيّ وأشياعه؟ حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين، من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، بعد حكاية محاسن أقوال المؤمنين، وأحوالهم الحميدة، على اختلاف طبقاتهم. وقوله تعالى: ﴿يقولون﴾ استئناف لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو: لاستحضار صورته. واللام في قوله: ﴿لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ للتبليغ، والمراد بالأخوة: أخوة الكفر، واللام في قوله: ﴿لئن أُخرجتم﴾ موطئة للقسم، و ﴿لنَخَرُجَنَّ﴾ جوابه، أي: والله لئن أُخرجتم من دياركم

стр. 3060

﴿لنَخْرُجَنَّ معكم﴾ ، رُوي أن ابن أُبي وأصحابه دسُّوا إلى بني النضير، حين حاصرهم النبي ﷺ : لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن أُخرجتم لنخرُجن معكم، ﴿ولا نُطيعُ فيكم﴾ ؛ في قتالكم ﴿أحداً أبداً﴾ ، يعني رسول الله والمسلمين، أو: لا نُطيع في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة أحداً، وإن طال الزمان، ﴿وإن قُوتلتم لننصرنكم﴾ ، قال تعالى في تكذيبهم: ﴿واللهُ يشهد إنهم لكاذبون﴾ في مواعدهم المؤكدة بأيمانهم الفاجرة. ﴿لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قُوتلوا لا ينصرونهم﴾ ، وكان الأمر كذلك، فلم يقدر أحد أن يرفع رأسه لنصرتهم، ففيه معجزة واضحة، ﴿ولئن نصروهم﴾ على الفرض والتقدير، ﴿ليُوَلُّنَّ الأدبارَ﴾ فراراً ﴿ثم لا يُنصرون﴾ أبداً، إما المنافقون أو اليهود، أي: لا تكون لهم شوكة أبداً. وإنما قال: ﴿ولئن نصروهم﴾ بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم، أي: على الفرض والتقدير كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، والحق تعالى كما يعلم ما يكون، يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون. ﴿ لأنتم أشدُّ رهبةً﴾ أي: أشد مرهوبية، مصدر: رُهِبَ، المبني للمفعول، أي: أنتم أشد خوفاً ﴿في صُدورهم من الله﴾ دلالة على نفاقهم، يعني: إنهم يُظهرون لكم في العلانية خوفَ الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله، ﴿ذلك﴾ أي: ما ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ شيئاً حتى يعلموا عظمة الله تعالى، فيخشوه حق خشيته. ﴿لا يُقاتلونكم﴾ أي: اليهود والمنافقون، أي: لا يقدرون على قتالكم ﴿جميعاً﴾ ؛ مجتمعين متفقين في موطن من المواطن، ﴿إلاّ في قُرىً محصنةٍ﴾ ، بالدُّروب والخنادق، ﴿أو مِن وراء جُدُر﴾ دون أن يصحروا ويبارزوكم؛ لفرط رهبتهم. وقرأ المكي: " جدار " بالإفراد. ﴿بأسُهم بينهم شديدٌ﴾ ، بيان لِما ذكر من أنَّ رهبتهم ليس لضعفهم وجُبنهم في أنفسهم، فإنّ بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفُهم وجبنهُم بالنسبة إليكم، بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب. ﴿تَحْسَبُهم﴾ أي: المنافقين واليهود ﴿جميعاً﴾ أي: مجتمعين ذوي أُلفة واتحاد، ﴿وقلوبُهم شَتَّى﴾ ؛ متفرقة لا أُلفة بينها. قال ابن عطية: وهذه حالة الجماعة المتخاذلة. هـ. يعني: أنّ بينهم إحناً وعداوات، فلا يتعاضدون حقَّ التناصر ولا ينصرون أبداً. قال القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب أصلِ كل فساد، وموجب كل تخاذل، واتفاق القلوب، والاشتراك في الهمّة، والتساوي في القصد، يُوجب كلٍّ ظفرٍ وسعادة. هـ. وما وَصَف به الحق تعالى المنافقين واليهود كله تجسير للمؤمنين، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. ﴿ذلك﴾ التفرُّق ﴿بأنهم قوم لا يعقلون﴾ شيئاً، حتى يعرفوا الحق ويتبعوه، وتطئمن به قلوبهم، وتتحد كلمتهم، ويَرمُوا عن قوس واحدة، لكن لّمَّا جهلوا الحق

стр. 3061

تشتتت طُرُقهم، وتشتتت القلوب حسب تشتُّت الطُرق، وأما ما قيل من أنَّ المعنى: لا يعقلون أنّ تشتيت القلوب مما يُوهن قلوبهم، فبعيد. الإشارة: إذا حاصر المريدُ قريةَ القلب ليُخرج منها الأوصاف المذمومة لتتهيأ لسكنى سلطان المعرفة، تقول الحظوظ والأهوية المنافقة للنفس، وأوصافها اليهودية: لا تخرجوا، فنحن نُعاونكم، وفي نصرتكم، لئن أُخرجتم لنخرجنَّ معكم، ولا نُطيع فيكم أحداً أبداً، وإن قوتلتم بالمجاهدة والرياضة؛ لننصرنكم بالتخاذل والتثُّبط، والله يشهد أنهم لكاذبون؛ إذ لا قدرة لشيء إلاّ بإذن الله. ﴿لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم ... ﴾ الآية. لا يقاتلونكم جميعاً، أي: لا يجتمع جند الهوى النفس على قتالكم، إلاّ في قلوب غافلة، شديدة العلائق والمساوىء محصنة من دخول النور بأسوار الشواغل والعلائق، أو: تُوَسْوِس من وراء جُدُر الإيمان، وأما القلوب الفارغة من الشواغل، المطهرة من المساوئ، فإنما يقاتلها البعض الباقي فيها. بأسهم بينهم شديد، أي: الحرب بينهم سجال، إذا غلب جند النفس استولت ظلماتها على الروح، وإذا غلب جند القلب والروح استولى النورُ على ظلمة النفس، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، أي: تظنون أنَّ مهاوي الهوى ومهاوي النفس واحدة، وقلوبهم شتى، فالأهواء مختلفة، والحظوظ متفاوتة، والمساوىء متفرقة، فلكل شخص حظ، ولكل نفس هوى غير ما يشتهي الآخر، وذلك بأنهم قوم لا يعقلون، ولو عقلوا لاتفقت أهواؤهم في محبة الله ورسوله، قال ﷺ : " لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يكُون هواه تابعاً لما جئتُ به ". يقول الحق ﷻ : مَثَلهم، أي: مثل اليهود في حلول البأس بهم ﴿كَمَثَلِ الذين مِن قبلهم﴾ وهم أهل بدر ﴿قريبًا﴾ أي: استقر مِن قبلهم زمنًا قريبًا، فكانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من بدر، كما صدر به البخاري عن الزهري. ثم قال: وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأُحد. هـ. قلت: وهو الموافق لِما تقدم في صدر السورة، وهو المشهور، ﴿ذاقوا وبالَ أمرِهم﴾ أي: ذاقوا سوء عاقبة أمرهم وعداوتهم لرسول الله ﷺ وهو القتل في الدنيا، ﴿ولهم﴾ مع ذلك في الآخرة ﴿عذابٌ أليمٌ﴾ . ومَثَل المنافقين ﴿كَمَثَلِ الشيطانِ إِذ قال للإِنسان اكْفُرْ فلما كفر قال إِني بريء منك

стр. 3062

إِني أخاف اللهَ ربَّ العالمين﴾ أي: مثل المنافقين في أغوائهم اليهود على القتال، ووعدهم إياهم النصر، ثم مشاركتهم لهم وخذلانهم كمثل الشيطان إذ استغوى الإنسان بكيده، ثم تبرّأ منه في العاقبة. وقيل: المراد: استغواؤه قريشًا يوم بدر، وقوله: ﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] إلى قوله: ﴿إِنِّي بَرِياءٌ مِّنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] . قال أبو السعود: وقد أجمل في النظم الكريم، حيث أسند كُلاًّ من الخبرين إلى المقدّر المضاف إلى ضمير الفريقين من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه، ثقةً بأنّ السامع يَرُد كُلاًّ مِن المثالين إلى ما يُماثله، كأنه قيل: مَثَل اليهود في حلول العذاب، كمَثَل الذين من قبلهم ... الخ، ومثل المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال حسبما تقدّم عنهم كمثل الشيطان ... الخ. هـ. ﴿فكان عَاقِبتهما﴾ أي: عاقبة الإنسان الكافر والشيطان، ﴿أنهما في النار خالِدَيْن فيها﴾ ، فـ " عاقبتهما ": خبر كان، و " أنهما " اسمها، و " خالِدَين ": حال. ﴿وذلك جزاءُ الظالمين﴾ أي: الخلود في النار جزاء كل ظالم. وذكر الثعلبي هنا قصة برصيصا الراهب الطويلة، فانظرها فيه، ففيها عبرة، وقيل: فيه نزلت الآية. الإشارة: مثل الأوصاف المذمومة حيث ترد عليها أنوار الشهود؛ كمثل كفار قريش حين استولت عليها الأنصار والمهاجرون، وأمدّهم الله بملائكة السماء، فهزموهم وقتلوهم، ودفنوهم في القليب، ومثل النفوس الأمّارة وجنودها، كمثل الشيطان يوسوس بالمعاصي، ثم يرجع، فكان عاقبتهما إذا أطاعه الإنسان أنهما في النار القطيعة خالدَين فيها، وذلك جزاء الظالمين لنفوسهم، حيث حرموها الوصول. والله تعالى أعلم. يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ في كل ما تأتون وتذرون، ﴿ولتنظرْ نَفْس ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أي: أيّ شيء قدمت من الأعمال الصالحة ليوم القيامة. سمّاه باليوم الذي يلي يومك تقريبًا له، أو عبّر عن الآخرة بالغد، كأنّ الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد، وتنكيره لتفخيمه وتهويله، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لغاية عِظمه. وعن مالك بن دينار: مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدّمنا، خسرنا ما خلفنا. ﴿واتقوا اللهَ﴾ ، كرر تأكيدًا للأمر بالتقوى، أو الأول في أداء الواجبات، كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل، وهذا في ترك المعاصي، كما يؤذن به الوعيد في قوله: ﴿إِنَّ الله خبير بما تعملون﴾ أي: من المعاصي. ﴿ولا تكونوا كالذين نَسُوا اللهَ﴾ أي: نسوا حقوقه تعالى أو: تركوا ذكره، ﴿فأنساهم أنفسهم﴾ ؛

стр. 3063

فأهملهم ولم يذكرهم بتوفيقِ ولا هداية، أو: جعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلصها، أو: أراهم يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم، ﴿أولئك هم الفاسقون﴾ ؛ الكاملون في الفسق. ﴿لا يستوي أصحابُ النار﴾ الذي نسوا الله فاستحقُّوا الخلود في النار ﴿وأصحابُ الجنة﴾ الذين اتقوا الله، فاستحقُّوا الخلود في الجنة، ﴿أصحابُ الجنة هم الفائزون﴾ ، وهذا تنبيه وإيقاظ وإيذان بأن غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكهم، على إيثار العاجلة واتباع الشهوات، كأنهم لايعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبَوْن العظيم بين أصحابها، وأنَّ الفوز العظيم لأصحاب الجنة، والعذاب الأليم لأصحاب النار، فمِن حقهم أن يعلموا وينتبهوا له، كما تقول لمَن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة مَن لا يعرفه؛ لتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطُّف. واستدل بالآية على أنّ المسلم لا يُقتل بالكافر، وأنَّ الكفار لا يملكون أموال المسلمين، ورُدَّ بأنَّ عدم الاستواء إنما هو في الأحوال الأخروية، لا الدنيوية. والله تعالى أعلم. الإشارة: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ ، أن تشهدوا معه سواه ﴿ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ﴾ من المعرفة، فإنّ الشهود يوم القيامة على قدر المعرفة هنا، " واتقوا الله " فلا تؤثروا عليه سواه، ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله﴾ أي: ذكره والتوجه إليه، " فأنساهم أنفسهم " أي: غيّبهم عن إصلاحها وعلاجها، حتى ماتت في أودية الخواطر والشكوك، " أولئك هم الفاسقون " الخارجون عن الحضرة المقدسة. " لا يستوي أصحاب النار " أي: نار القطيعة والحجاب " وأصحاب الجنة " أي: جنة المعارف، " أصحاب الجنة هم الفائزون " بكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب. يقول الحق ﷻ : ﴿لو أنزلنا هذا القرآن﴾ العظيم الشأن، المنطوي على فنون القوارع، ﴿على جبلٍ﴾ من الجبال، مع كونه علَماً في القسوة وعدم التأثير بما يُصادمه، ﴿لَرَأيته خاشعًا﴾ ؛ خاضعًا متصدِّعًا متشققًا ﴿من خشية الله﴾ أي: من شأن القرآن وعظمته أنه لو جُعل في الجبل تمييز، ونزل عليه، لخضع وتطأطأ وتشقق من خشية الله، وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن، وقوة تأثير ما فيه من المواعظ، كما ينطق به قوله تعالى: ﴿وتلك الأمثالُ نضربها للناس لعلهم يتفكرون﴾ ، وهي إشارة إلى هذا المثل، وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل. والمراد: توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشُّعه عند تلاوة

стр. 3064

القرآن، وتدبُّر قوارعه وزواجره. الإشارة: قال ابن عطاء: أشار إلى فضله على أوليائه وأهل معرفته، أنَّ شيئًا من الأشياء لا يقوم لصفاته، ولا يبقى مع تجلَّيه، إِلاّ مَن قوّاه الله على ذلك، وهو قلوب العارفين. هـ. قلت: وهذا في تجلِّي الصفات، فما بالك بتجلِّي الذات؟ ! فلا يطيقه إلاّ قلوب الراسخين المقربين، وقال العارف الورتجبي: لو كانت الجبالُ مقامَ الإنسان في الخطاب لتدكدكت الجبال، وتذرّرت، وانفلتت الصخور الصم، وانهدمت الشامخات العاليات، في سطوات أنواره، وهجوم سنا أقداره، وذلك بأنها عرفت حقيقةً، وأقرت بالعجز عن حمل هذا الخطاب العظيم حيث قال سبحانه: ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] . قلت: وكأنه يُشير إلى أن تجلي صفة كلامه من جملة الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبيْنَ أن يحملنها، وهذه الأمانة هي تجلِّي الذات وتجلِّي الصفات، فلم يطق حملها إلاَّ الإنسان الكامل، وهو العارف الحقيقي، أما عن تجلِّي الذات فقد أشفقت مِن حمله السمواتُ والأرضُ والجبالُ، حسبما تقدّم. أما تجلِّي الصفات؛ فذكر هنا أنه لو تجلّت للجبل لخضع وتشقّق ولم يطق حملها، فلو زالت حُجب الغفلة عن القلوب لذابت من هيبة تجلِّي صفة كلامه وخطابه تعالى، إلاَّ أنَّ الله تعالى قَوَّى قلوب أوليائه حتى أطاقوا شهود ذاته، وسماع خطابه، بعد انقشاع الحُجب عن قلوبهم. ثم قال الورتجبي: ولا تخض يا أخي في بحر كلام المتكلمين أنَّ الجبال ليس لها عقل، فإِنَّ هناك أرواحًا وعقولاً لا يعلمها إلاَّ الله ﴿يَآجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سَبَأ: ١٠] ولولا هناك ما يقبل الخطاب لما خاطبها، فإنَّ ببعض الخطاب ومباشرة الأمر تهبط من خشية الله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] والخشية: مكان العلم بالله وبخطابه. هـ. قلت: أسرار المعاني القائمة بالأواني سارية في الجمادات وغيرها، فهي عاقلة عالمة في باطن الأمر. والله تعالى أعلم. يقول الحق ﷻ : ﴿هو اللهُ الذي لاَ إِله إِلاّ هُوَ﴾ وحده ﴿عَالِمُ الغيبِ والشهادة﴾ أي: ما غاب عن الحس من الأسرار القديمة، وما حضر له من الأجرام الحسية. قال الورتجبي: أي: عالم بالمعلومات الغيبية قبل وجودها، وبعد وجودها، لا يزيد علمه بالغيب علمه بالعلانية، لا علمه بالعلانية علمه بالغيب. هـ. وتقديم الغيب على

стр. 3065

الشهادة لتقدُّمه في الوجود، وتعلُّق العلم القديم به، أو: المراد بالغيب: المعدوم، وبالشهادة: الموجود، أو السر والعلانية، ﴿هو الرحمنُ الرحيم﴾ أي: الرحمن بجلائل النِعم، والرحيم بدقائقها، أو: الرحمن بنعمة الإيجاد، والرحيمُ بنعمة الإمداد. ﴿هو اللهُ الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ ، كرر لإبراز الاعتناء بأمر التوحيد، ﴿الملكُ﴾ ؛ المتصرف بالإطلاق، الذي لا يزول مُلكه أبدًا، ﴿القدوسُ﴾ ؛ البليغ في النزاهة عما لا يليق به. وقُرىء بالفتح، وهي لغة فيه، ﴿السلام﴾ ذو السلامة من كل نقص، أو: الذي يَسلم الخلق من ظلمه، أو: ذو السلام على أوليائه يوم القيامة، ﴿المؤمنُ﴾ ؛ واهب الأمْن، أو: المؤمن مِن عذابه مَن أطاعه، أو المصدِّق لعباده إذا وحّدوه، أو: المصدِّق للرسل بالمعجزات، ﴿المهيمِنُ﴾ ؛ الرقيب الحافظ لكل شيء مُفَيْعِل، من: الأمن، بقلب همزته هاء، ﴿العزيزُ﴾ ، الغالب الذي لا يُغلب، ﴿الجبَّارُ﴾ الذي جَبَرَ خلقه على ما أراد، أو: جبر أحوالهم، أي: أصلحها، ﴿المتكبّر﴾ الذي تكبّر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصًا، أو: البليغ الكبرياء والعظمة. ﴿سبحان الله عما يشركون﴾ ، نزَّه ذاته عما يصفه به المشركون إثر تعداد صفاته التي لا يمكن أن يُشارَك في شيءٍ منها أصلاً. ﴿هو اللهُ الخالقُ﴾ ؛ المقدّر للأشياء على مقتضى حكمته، ﴿البارىء﴾ ؛ الموجد لها بريةً من التفاوت؛ وقيل: المميِز بعضها من بعض بالأشكال المختلفة، ﴿المُصَوِّر﴾ ؛ الموجد لصورها وكيفيتها كما أراد. قال الغزالي: الخالق من حيث إنه مُقدِّر، البارىء من حيث إنه مُوجد، المصوِّر، مِن حيث أنه مُصَوِّر صور المخترعات أحسن ترتيب، ومُزيّنها أحسن تزيين. هـ. قلت: وحاصل كلامه: أن الخالق يرجع للإرادة، والبارىء للقدرة، والمُصَوِّر للحكمة، والأحسن: أن يُقال: إنّ الخالق: المخترع للأشياء من غير أصل، البارىء: المهيىء كلَّ ممكن لقبول صورته، فهو من معنى الإرادة؛ إذ متعلّقه التخصيص، المُصَوِّر: المُعطي كل مخلوق ما هيىء له من صورة وجوده بحكمته، فهو معاني اسمه " الحكيم ". ﴿ له الأسماءُ الحسنى﴾ لدلالتها على المعاني الحسنة، وتقدم عدها في آخر الإسراء. ﴿يُسبح له ما في السمواتِ والإرض﴾ ؛ ينطق بتنزيهه عن جميع النقائص تنزيهًا ظاهرًا، ﴿وهو العزيزُ﴾ لا يُغلب، ﴿الحكيمُ﴾ الذي لايمكن الاعتراض عليه في شيء من تقديراته. ختم السورة بما بدأ به من التسبيح. عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سألت حبيبي رسولَ الله ﷺ عن اسم الله الأعظم؟ فقال: " عليك بآخر الحشر، فأَكْثِر قراءته "، فأعدتُ عليه، فأعاد عليّ فأعدت عليه، فأعاد عليّ، وعنه ﷺ أنه قال: " مَن قَالَ حِينَ يُصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السيمع

стр. 3066

العليم، من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّلَ اللهُ سبعين ألف ملك يُصلُّون عليه حتى يُمسي، فإذا مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومَن قالها حين يُمسي كان بتلك المنزلة " رواه الترمذي. وأسند ابن جزي حديثًا إلى عبد الله بن مسعود: أنه قال: قرأتُ على النبي ﷺ فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال: " ضع يدك على رأسك " قلت: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: " أقرأني جبريلُ القرآنَ، فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال: ضع يدك على رأسك يا محمد، قلت: ولمَ ذاك؟ قال: إنَّ الله ﵎ افتتح القرآن فضرب فيه، فلما انتهى إلى آخر الحشر، أمر الملائكة أن تضع يدها على رؤوسها، فقالت: يا ربنا ولِمَ ذلك؟ قال: لأنه شفاء من كل داء إلا السام " وسمعتُ من شيخنا الفقيه الجنوي أنه حديث ضعيب، يعمل به الإنسان وحده، فإذا كان مع الناس تركه، لئلا تعتقد العامة أنه مندوب أو واجب. هـ. الإشارة: قد ذكرنا في تفسير الفاتحة الكبير كيفية التعلُّق والتخلُّق والتحقُّق بهذه الأسماء. وقال الورتجبي: بيّن بقوله: " الأسماء " أنَّ لذاته النعوت والأسامي القديمة المقدسة عن الإشراك والإدراك، فلما ظهر بهذه الأوصاف أظهر أنوار صفاته في الآيات، وألبس أرواح نوره الأرواح والأشباح والأعصار والأدهار والشواهد والحوادث، فسبّحه الكلُّ بألسنة نورية غيبية صفاتية، لقوله: ﴿يُسبح له ... ﴾ الآية، قلت: أرواح نوره هي أسرار ذاته اللطيفة السارية في الأشباح والأرواح والجمادات وجميع الموجودات، التي بها قامت. قال: ثم بيّن أنه منزّه بتنزيهه عن تنزيههم وإدراكهم وعلمهم بقوله: ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ العزيز عن الإدراك، الحكيم في إنشاء الأقدار. تعالى الله عما أشار إليه الواصف الحدثاني واللسان الإنساني. هـ.

стр. 3067

سورة الممتحنة يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوَّكم أولياء﴾ أي: أصدقاء، نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أنه لمّا تجهز رسولُ الله ﷺ لغزوة الفتح، كتب إلى أهل مكة، إنَّ رسول الله ﷺ يُرديكم، فخُذوا حِذركم. وفي رواية: كتب: إنَّ رسولَ الله ﷺ يسير إليكم بجيشٍ كالليل، يسيل كالسيل، فالحذرَ الحذرَ، وأرسله مع " ساره " مولاة بني المطلب، وقيل: كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط، فنزل جبريلُ ﵇ بالخبر، فبعث رسولُ الله ﷺ عليًّا وعمّاراً، وطلحة، والزبير، والمقداد، وأبا مرثد، وقال: " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإنّ بها ظعينة، معها كتاب إلى أهل مكة، فخذوه منها، وخلُوها، فإن أبتْ فاضربوا عنقها " فأدركوها ثمة، فجحدت، فسلّ عليٌّ سيفه، فأخرجته من عِقاصِها. زاد النسفي: أنه ﵇ أمَّن يوم الفتح جميعَ الناس إلاّ أربعة، هي أحدهم، فاستحضر رسول الله ﷺ حاطباً، وقال: " ما حملك على

стр. 3068

هذا "؟ فقال: يا رسول الله! ما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا غششتُ منذ نصحتُ، ولكني كنتُ امرءاً مُلْصَقًا في قريش، ليس لي فيهم مَن يحمي أهلي، فأردتُ أن أتخذ عندهم يداً، وعملتُ أن كتابي لا يُغني شيئاً، فصدّقه ﷺ ، وقَبِلَ عُذره، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: " وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطَّلَعَ عَلَى أهلِ بَدرِ، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم " ففاضت عينا عمر ﵁، أي: من بكاء الفرح. والعَدُو: فَعُول، من: عدا، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد. وفي الآية دليل على أنّ الكبيرة لا تسلب الإيمان. وقوله: ﴿تُلْقٌونَ إِليهم بالمودةِ﴾ : حال، أي: لا تتخذوهم أولياء مُلقين إليهم، أو: استئناف، أو: صفة لأولياء، أي: توصلون إليهم المودة، على أن الباء زائدة، كقوله: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، أو: تُلقون إليهم أخبارَ النبي ﷺ بسبب المودة التي بينكم وبينهم، فتكون أصلية. ﴿وقد كفروا بما جاءكم من الحق﴾ : حال من فاعل " تتخذوا " أو " تُلقون "، أي: لا تتولوهم، أو: لا تودوهم وهذه حالتهم يكفرون ﴿بما جاءكم من الحق﴾ ؛ الإسلام، أو: القرآن، جعلوا ما هو سبب الإيمان سبب الكفر. ﴿يُخرجون الرسولَ وإِياكم﴾ من مكة، وهواستئناف مُبيَّن لكفرهم وعتوهم، أو حال من " كفروا ". وصيغة المضارع لاستحضار الصورة. وقوله: ﴿أن تؤمنوا بالله ربِّكم﴾ تعليل للإخراج، أي: يُخرجونكم لإيمانكم، ﴿إِن كنتم خرجتمْ جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي﴾ ، هو متعلق بـ " لاتتخذوا " كأنه قيل: لا تودُّوا أعدائي إن كنتم أوليائي. ﴿تُسِرُّون إِليهم بالمودةِ﴾ أي: تُفضون إليهم بمودتكم سرًّا، أو تُسِرُّون إليهم أسرارَ رسولِ الله ﷺ بسبب المودة، وهو استئناف وارد على نهج العتاب والتوبيخ. ﴿وأنا أعلمُ﴾ أي: والحال أني أعلم منكم ﴿بما أخفيتم وما أعلنتم﴾ ومُطلِع رسولي على ما تُسِرُّون، فإني طائل لكم في الإسرار، وقيل: الباء زائدة، و " أعلم " مضارع و " ما " موصولة، أو مصدرية. ﴿ومَن يَفْعله منكم﴾ أي: الاتخاذ ﴿فقد ضَلَّ سواء السبيل﴾ ؛ فقد أخطأ طريق الحق والصواب. ﴿إِن يَثْقفوكم﴾ أي: يظفروا بكم ﴿يكونوا لكم أعداءً﴾ أي: يُظهروا ما في قلوبهم من العداوة، ويُرتبوا عليها أحكامها، ﴿ويبسُطُوا إِليكم أيديَهم وألسنتهم بالسوء﴾ ؛ بما يسوؤكم من القتل والأسر. ﴿ووَدُّوا لو تكفرون﴾ أي: تمنُّوا ارتدادكم. وصيغة الماضي لتحقُّق ودادهم قبل أن يثقفوكم. ﴿لن تنفَعَكُم أرحامُكُم﴾ ؛ قراباتكم ﴿ولا أولادُكم﴾ الذين تُوالون المشركين لأجلهم، وتتقرّبون إليهم محاماةً عليهم، ﴿يومَ القِيامة يَفْصِلُ بينكم﴾ وبين أقاربكم

стр. 3069

وأولادكم، بما اعتراكم من أهوال ذلك اليوم، حسبما نطق به قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ... ﴾ [عبس: ٣٤-٣٦] الآيات، ويحتمل أن يكون ظرفًا لـ " تنفعكم "، أي: لا تنفعكم أقاربكم يوم القيامة، ثم استأنف بقوله: ﴿يفصل بينكم﴾ لبيان عدم نفعهم. وهنا قراءات بيّنّاها في غير هذا. ﴿والله بما تعملون بصيرٌ﴾ فيجازيكم على أعمالكم. الإشارة: أعدى الأعادي إليك نفسك، فهي عدوة لله ولرسوله ولأوليائه؛ لأنها أمّارة بالسوء، ويُضاف إليها جنودها، فيقال ﴿يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ ، من النفس وجنودها، تُلقون إليهم بالمودّة والموافقة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق من طريق المجاهدة، يُخرجون الرسول: الوارد الحقيقي، أو الإيمان العياني، من قلوبكم، ويُخرجونكم من الحضرة كراهةَ أن تُؤمنوا بالله ربكم إيماناً حقيقيًّا، إن كنتم خرجتم عن هواكم جهادًا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي ومعرفتي، تُسِرُّون إليه بالمودة والموافقة، وأنا أعلم بما أخفيتم من الميل إلى حظوظها، وما أعلنتم، ومَن يفعله ـ أي: الميل عن طريق المجاهدة ـ فقد ضلّ سواء السبيل؛ طريق الوصول، فقد قيل: " مَن رأيته يتبع الرُخص والشهوات، فاعلم أنه لا يأتي منه شيء ". لن تنفعكم أقاربكم ولا حظوظكم، بدلاً من الله شيئًا " ماذا وجَدَ من فقدك "، فالحظوظ الفانية تفنى وتبقى الحسرة والندامة. يوم القيامة يفصلُ بينكم وبينها؛ لفنائها، أو بينكم وبين ما تشتهون من دوام النظرة، والله بما تعملون بصيرٌ، فيُجازي على قدر الكدّ والتعب. يقول الحق ﷻ : ﴿قد كانت لكم أُسوةٌ﴾ أي: قدوة ﴿حسنةٌ﴾ أو: خصلة حميدة، حقيقة بأن يُرتقى بها ويُقتدى، كائنة ﴿في إِبراهيمَ والذين معه﴾ من أصحابه المؤمنين، أو: الأنبياء المعاصرين له، وقريبًا من عصره، ورجّحه الطبري وغيره؛ لأنه لم يروا لإبراهيم أتباع مؤمنون وقت مكافحته نمرودًا. وقد قال لسارة، حين رحل بها إلى الشام: " ليس على وجه الأرض مَن يعبد الله غيري وغيرك ". ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ ، جمْع بريء، كظريف وظرفاء، أي: نتبرأ مِّنْكُمْ ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ من الأصنام، ﴿كَفَرنا بكم﴾ أي: بدينكم، أو: معبودكم، أو: بكم وبأصنامكم، فلا نعتد

стр. 3070

بشأنكم وبآلهتكم، ﴿وبدا بيننا وبينكم العداوةُ والبغضاءُ أبداً﴾ أي: هذا دأبنا أبداً ﴿حتى تُؤمنوا بالله وَحْدَه﴾ وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، فتنقلب العداوة حينئذ ولاية، والبغضاء محبة. وحاصل الآية: أنّ الحق تعالى يقول: إن كانت عداوة الكفار لكم إنما هي لأجل إيمانكم بالحق، فعادوهم أنتم، وكافحوهم بالعداوة، وأَظْهِروا البغضاء لهم والمقت، وصَرِّحوا أنّ سبب العداوة ليس إلاّ كفركم بالله، وما دام هذا السبب قائمًا كانت العداوة، حتى إن أزلتموه انقلبت العداوةُ مولاةً، وأنتم مقتدون في ذلك بالخليل ﵇ وسائر الأنبياء، حيث كافحوا الكفارَ بالعداوة، وتوكّلوا على الله. قال ابن عطية: هذه الأسوة مقيّدة بالتبرِّي من المشركين وإشراكهم، وهو مطرد في كل ملة، وفي نبينا ﷺ أسوة حسنة على الإطلاق، في العقائد وفي أحكام الشرع. هـ. فلكم أسوة فيمن تقدّم. ﴿إِلاَّ قولَ إِبراهيمَ لأبيه لأَستغفرنَّ لك﴾ ، وذلك لموعدةٍ وعدها إياه، أي: اقتدوا به في كل شيء، ولا تقتدوا به في استغفاره لأبيه الكافر. واستغفاره ﵇ لأبيه الكافر جائز عقلاً وشرعاً قبل النهي، لوقوعه قبل تبيُّن أنه من أصحاب الجحيم، لكنه ليس مما ينبغي أن يُؤتسى به أصلاً. ﴿وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله من شيءٍ﴾ أي: من هداية ومغفرة وتوفيق. وهذه الجملة من تمام قول المستثنى، كأنه قال: أستغفرُ لك وما في طاقتي إلاّ الاستغفار، إظهاراً للعجز وتفويضاً للأمر. ﴿ربنا عليك توكلنا وإِليك أَنَبْنا﴾ أي: أَقبلنا، ﴿وإِليك المصيرُ﴾ ؛ المرجع، وهو من تمام ما نقل عن إبراهيم ﵇ ومَن معه مِن الأسوة الحسنة، وهو راجع لِما قبل الاستثناء، قالوه بعد المهاجرة ونشر البغضاء، التجاء إلى الله تعالى في جميع أمورهم، لا سيما في موافقة الكفرة، وكفاية شرورهم، وقيل: معناه: قولوا، فيكون أبتداء كلام خطاباً لهذه الأمة، وضعّفه أبو السعود. وتقديم المعمول لقصر التوكُّل والإنابة والمصير عليه تعالى. ﴿ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا﴾ بأن تُسلطهم علينا، فيفتنونا بعذاب لا نُطيقه، ﴿واغفر لنا﴾ ما فرط منا، ﴿ربنا إِنك أنت العزيزُ﴾ الذي لا يذلّ مَن التجأ إليه، ولا يخيب رجاء مَن توكل عليه، ﴿الحكيمُ﴾ الذي لا يفعل إلاَّ ما فيه حكمة بالغة. وتكرير النداء للمبالغة في التضرُّع والالتجاء. ﴿لقد كان لكم فيهم﴾ ؛ في إبراهيم ومَن معه ﴿أُسوةٌ حسنةً﴾ ، تكرير للمبالغة في الحث على الاقتداء به، ولذلك صدّره بالقسم. وقوله: ﴿لمَن كان يرجو اللهَ واليومَ الآخر﴾ بدل من " لكم "، وحكمته: الإيذان بأن مَن يؤمن بالله واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم، وأنّ تركه مخلّ بالإيمان بهما، كما ينبىء عنه قوله تعالى: ﴿ومَن يتولَّ فإِنَّ اللهَ هو الغنيُّ الحميدُ﴾ ، فإنه إنما يُوعَد بأمثاله الكفرة، أي: هو الغني عن الخلق، الحميد المستحق للحمد وحده.

стр. 3071

الإشارة: ينبغي للمريد أن يكون إبراهيميًّا، يتبرأ من كلَّ ما يشغله عن الله، أيًّا مَن كان، ويظهر العداوة والبغضاء لكل مَن يقطعه عن مولاه، حتى يوافقه على طريقه وسيرته، إلاّ على وجه النصيحة والدعاء إلى الله، إن كان أهلاً لذلك، فيُذكِّر مَن خالفه في طريقه، فإن أيس منه استغفر له، ودعا له بالهداية، مُقرًّا بالعجز عن هدايته وتوفيقه، ثم يلتجىء إلى مولاه في جميع أموره، ويتحصّن بالله من فتنة أهل الظلم والغفلة. والله غالب على أمره. يقول الحق ﷻ : ﴿عسى اللهُ أن يجعلَ بينكم وبين الذين عادَيْتم منهم﴾ ؛ من أقاربكم المشركين، ﴿مودةً﴾ بأن يُوافقوكم في الدين. وَعَدهم بذلك لما رأى منهم من التصلُّب في الدين، والتشديد في معاداة أقربائهم، تطييباً لقلوبهم، ولقد أنجز وَعْدَه الكريم، فأسْلَم كثير منهم يوم فتح مكة، فتصافوا، وتوادوا، وصاروا أولياء وإخواناً، وخالَطوهم وناكَحوهم. و " عسى " من الله واجبة الوقوع. ﴿واللهُ قديرٌ﴾ أي: مبالغ في القدرة على تغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة، ﴿واللهُ غفور رحيم﴾ ، فيغفر لمَن أسلم من المؤمنين ويرحمهم، أو: غفور لما فَرَط منكم من مولاتهم قبلُ، وما بقي في قلوبكم من ميل الطبع إلى الرحم بعدُ، رحيم لمَن لم تبقَ فيه بقية. الإشارة: عسى الله أن يجعل بينكم وبين نفوسكم، التي عاديتموها وخالفتموها، وقطعتم مواد هواها، مودةً، حين تتهذّب وتتأدّب وترتاض بالمجاهدة، فالواجب حينئذ البرور بها، والإحسان إليها، لأنها انقلبت روحانية، تصطاد بها العلوم اللدنية، والمعارف الربانية، وفيها يقول شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن المجذوب ﵁: سايس من النفس جهدك صبّح ومس عليها لعلها تدخل في يدك تعود تصطاد بها فالآية تسلية وترجية لأهل المجاهدة من السائرين دون الواصلين؛ فإنّ المجاهدة لا تكون إلاّ قبل المشاهدة، أو: تكون تسلية لهم عند مقاطعة أقاربهم وعشائرهم، حين فرُّوا عنهم لله، بأن يهديهم الله، حتى يوافقوهم على طريقهم. وبالله التوفيق. يقول الحق ﷻ : ﴿لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تَبروهم﴾ أي: لا ينهاكم عن البر بهؤلاء، فـ " أن تبروهم ": بدل من الموصول، ﴿وتُقْسِطوا إِليهم﴾ أي: تقضوا إليهم بالقسط، أي: بالعدل، ولا تظلموهم، وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك، فكيف في حق المسلم؟ ﴿إِن اللهَ يُحب المُقسِطين﴾ ؛ الحاكمين بالعدل، رُوِي أن " قُتَيلةَ بنت عبد العزى " قَدِمَتْ مشركة على بنتها " أسماء بنت أبي بكر " ﵁، بهدايا، فلم تقبلها، ولم تأذن لها بالدخول فنزلت، وأمرها رسولُ الله ﷺ أن تقبل منها، وتُكرمها، وتُحسن إليها. وقيل: المراد بهم خزاعة، وكانوا صالحوا رسولَ الله ﷺ ألاّ يقاتلوه، ولا يُعينوا عليه. قال المحلي: وهذا قبل الأمر بجهادهم. ومثله لابن عطية، فإنه نقل الخلاف، ثم قال: وعلى أنها في الكفار فالآية منسوخة بالقتال. هـ. قال الكواشي: نزلت رخصة في صلة الذين لم يُعادوا المؤمنين ولم يُقاتلوهم. ثم قال: وفي هذه الآية دلالة على جواز صلة الكفار، الذين لم ينصبوا لحرب المسلمين، وبِرهم، وإن انقطعت الموالاة بينهم. هـ. قال القشيري: مَن كان فيهم حُسن خُلق، أو للمسلمين منهم رِفْق، أُمروا بالملاينة معهم، شاهد هذه الجملة: " إنَّ الله يُحب الرِّفق في الأمر كله ". هـ. المحشي. وهذا: فيما لا ضرر فيه للمسلمين، وفي المدارك: حكى الدارقطني أنَّ عبدَ وزيرِ المعتضد دخل على القاضي إسماعيل، وكان نصرانيّاً، فقام له ورحّب به، فرأى إنكار مَن عنده، فقال: علمت إنكاركم، وقد قال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله ... ﴾ الآية، وهذا رجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا مَن البر، فسكت الجماعةُ عند ذلك. هـ. قال البرزلي: ولعله رأى ذلك ضرورة، وتأنّس بظاهر الآية، وخاف مِن أذاه إن لم يفعل ذلك. هـ. وفي حديث الجامع: " بُعثتُ بمداراة الناس "، قيل: والفرق بينها وبين المداهنة: أنَّ المداهنة: إظهار الرضا بفعل الفاسق من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرفق في تعليم الجاهل، والملاطفة في نهي الفاسق عن فعله، وقد قال تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] ، وقيل: المداهنة: ترك الدين بالدنيا، والمداراة: بيع الدنيا بحفظ الدين. وقد عَدّ السهروردي في " الآداب " مِن رُخص الصوفية: التكلُّف مع أبناء الدنيا

стр. 3072

والرؤساء والسلاطين، والقيام لهم، وحسن الإقبال عليهم، والأدب في ذلك: إلاّ يكون طمعاً في دنياهم، ولا اتخاذ جاه عندهم كان ﷺ يدخل عليه سادات قريش فيُكرمهم، ويُجلهم، ويُحسن مجالستهم، وقال: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرِموه " هـ. وانظر الأصل الرابع والثمانين في إنزال الناس منازلهم، فقد ذكر فيه: أن العاقل عن الله يُعاشر الناس على ما دبَّر الله لهم، فالغَنِيّ قد أكرمه الله كرامةَ ابتلاء، كما ذكر في تنزيله، فإذا لم تُنزله المنزلةَ التي أنزله الله فيها، فاستهنت به، وحقّرته من غير جرم استحق بذلك الجفاء، فقد تركتَ موافقة الله في تدبيره، وأفسدت عليه دينه وأثمتَه، وكذلك معاملة الملوك والوُلاة على هذا السبيل، فإذا عاملت الملوك والسلاطين بمعاملة الرعية، فقد استخففت بحق السلطان، وكيف يجوز أن تستخف بحقه، والسلطان ظل الله في الأرض؟ به تسكن النفوس، وتجمع الأمور، والناظر إلى ظل الله عليهم في الشغل عن الالتفات إلى أعمالهم. ثم ذكر أنّ ضد ما ذكر مِن ضعف المعرفة واليقين، وعدم التخلُّص من النفس، فلم تكن لقوتِهم مطالعة ما ذكر، فخافوا على نفوسهم من مخالطتهم أن يجدوا حلاوة بِرهم، فتخلط قلوبُهم بقلوبهم، فجانبوهم، والآخرون نظروا إليهم بغير الجمع، فشغلوا بما ألبسَهم مِن ظله عن جميع ما هم فيه، فلم يضرهم اختلاطهم بهم. وبهذه القوة كان أصحاب رسول الله ﷺ يلقون الأمراء، الذين قد ظهر جَوْرهم، ويقبلون جوائزهم، فكان ابن دينار ومحمد بن واسع، ومَن قبلهم، والحسن البصري، يلقون الأمراء ويَقبلُون منهم، فكانوا يلقونهم بما ذكر من رؤية ظل الله عليهم، ويُظهرون العطف عليهم والنصيحة لهم. ثم وَجَّه حديثَ ابن عباس: " ملعون مَن أكرم بالغنى وأهان بالفقر " فإنَّ معناه: مَن عظَّم الدنيا وعظَّم أهلها، فأمّا مَن دقت الدنيا في عينه، يرى أهلَها مُبْتَلون بها، بما تقتضيه من القيام بالشكر، ثم غرقه في حِسَابه، فيرحمه كما يرحم الذي ذهب به السيل، ويكرمه، ويبره بما عَوّده الله، وأبقاه على دينه، لئلا يَفسد، فذلك فعل الأنبياء والأولياء، وبذلك وصَّى رسول الله ﷺ فقال: " إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه " فهو إنما يُكرم لله ويهين لله، لا للدنيا، ومن فعل ذلك للدنيا كان ملعونًا، ثم ذكر حديث: " مَن أُعطي حظه من الرفق أُعطي حظَّه من خير الدنيا والآخرة، من حُرمه حُرم كذلك "، ثم ذكر قصة نسْطُور

стр. 3073

صاحب ابن مريم ﵇ ورفقه وتلطُّفه مع ذلك الملك الذي سجن صاحبيْه، حتى استخلصهما منه برفق، وأعلم الملكَ وجميعَ الناس في قضية عجيبة، فعليك بها. ﴿ إِنما ينهاكم اللهُ عن﴾ موالاة ﴿الذي قاتلوكم في الدين وأَخْرَجوكم من دياركم﴾ ، وهم عتاة أهل مكة، ﴿وظاهَرُوا﴾ أي: عاوَنُوا ﴿على إِخراجكم﴾ وهم سائر أهلها، ﴿أن تَوَلَّوْهم﴾ : بدل اشتمال من الموصول، والمعنى: لا ينهاكم عن مبرة مَن لم يتعرّض لكم، إنما ينهاكم عمّن أذاكم ﴿أن تَولَّوهُم ومَن يتولهمْ فأولئك هم الظالمون﴾ حيث وضعوا التولي في غير موضعه. الإشارة: لا ينهاكم الله عن النفوس المطيعة، التي لم تصدكم عن السير إلى الحضرة، أن تبرُّوا بها، وترفقوا بها، إنما ينهاكم عن النفوس الفاجرة، التي قاتلتكم، وصدّتكم عن الحضرة، وأخرجتكم عن دائرة الولاية، باتباع هواها أن تولوها، وتسعوا في حظوظها وهواها، ومَن يتولها، وبقي في رِقَّها؛ فقد ظلم نفسه وبخسها، حيث حرمها نعيمَ الحضرة. أو: لا ينهاكم الله عن بعض العامة، التي لا مضرة فيهم، أن تبرهم بالوعظ والتذكير، وتُقسطوا إليهم بقول الإحسان، إنما ينهاكم عن أهل الإنكار المخالفين لكم، من الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والعلماء المتجبرين، والفقراء الجاهلين، أن تولوهم؛ فإنَّ مخالطتهم سم قاتل للمريد، ومَن يتولهم لا يُفلح أبدًا. قلت: ﴿إذا جاءكم المؤمناتُ﴾ إنما حُذفت تاء التأنيث للفصل بالمفعول، ورُدّ بأنّ الحذف مع الفصل بغير " إلاّ " مرجوح، والصواب: أنه على حذف الموصوف، أي: النساء المؤمنات، وهو اسم جمع، يجوز في الأمران، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ ... ﴾ [يوسف: ٣٠] . يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمناتُ﴾ أي: مُشْرِفات على الإيمان ونَطَقْن بالشهادة، وإنما ظهر بعد الامتحان، ﴿مُهاجراتٍ﴾ من بين الكفار، ﴿فامْتَحِنُوهن﴾ ؛ فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن للسانهن. كان صلى الله عليه وسلم

стр. 3074

يستحلفهن: ما خرجن من بُغض زوْج، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماسَ دُنيا، ولا عشقًا لرجل منا بل حبًّا لله ورسوله. وقد كان ﷺ صالح أهلَ مكة على أنَّ مَنْ أسلم منهم يَرُده إليهم، فجاءت " سُبيْعَةُ بنت الحارث " مُسْلِمةً بعد الفراغ من الكتاب، فقال زوجها: اردد عليّ امرأتي، فنزلت، فاستحلفها ﷺ بما تقدّم، فحلفت، فلم يردها عليه، وأعطى مهرها زوجَها، فتزوجها عمرُ، فكان ﷺ يَرُد مَن جاء من الرجال، ولا يَرُد النساء. وعن ابن عباس: امتحانها: أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله. ﴿اللهُ أعلم بإِيمانهن﴾ ، لأنه المُطّلع على قلوبهن. وفيه إشارة إلى التخفيف في الامتحان، وأنه ليس المطلوب غايته لتصلوا إلى العلم، بل ما يحصل به الظن القوي، وأما العلم فخاص بالله تعالى. ﴿فإِن عَلِمْتُموهن مؤمناتٍ﴾ ، العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظن القوي، بظهور الأمارات. وتسمية الظن علمًا يُؤذن بأنَّ الظن الغالب، وما يفضي إليه القياس، جارٍ مجرى العلم، وصاحبه غير داخل في قوله: ﴿وَلآ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ﴾ [الإسراء: ٣٦] . قاله النسفي. ﴿فلا تَرْجِعُوهنَّ إِلى الكفار﴾ أي: إلى أزواجهن الكفرة، ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لهم، ولا هم يَحِلُّونَ لهن﴾ ، تعليل للنهي، أي: حيث خرجت مسلمة حَرُمت على المشرك. والتكرير إما لتأكيد الحرمة، أو الأول: لبيان زوال النكاح الأول، والثاني: لبيان امتناع النكاح الجديد، ما دام مشركاً، فإنْ أسلم في عِدتها كان أولى بها. ﴿ وآتوهم ما أنفقوا﴾ أي: أعطوا أزواجَهن مثلَ ما دفعوا من المهور، ﴿ولا جُناحَ عليكم أن تَنكحوهن﴾ ، فإنَّ إسلامهن حالَ بينهن وبين أزواجهن الكفار، ﴿إِذا آتيتموهن أُجورهنَّ﴾ ؛ مهورهن؛ لأنّ المهر أجر البُضْع، وبه احتجّ أبو حنيفة على ألاّ عِدَّة على المهاجِرة. قال الكواشي: أباح تعالى نكاحهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب؛ لأنَّ الإسلام فرّق بينهن وبين أزواجهن بعد انقضاء العدة، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي امرأته عند مالك والشافعي وأحمد، خلافًاً لأبي حنيفة في غير الحامل. هـ. ﴿ولا تُمسكوا بِعِصَم الكوافرٍ﴾ ، العصمة: ما يعتصم به من عقدٍ وسبب. والكوافر: جمع كافرة، وهي التي بقيت في دار الحرب، أو: لحقت بدار الحرب مرتدةً، أي: لا يكن بينكم وبين النساء الكوافر عصمة ولا عُلقة زوجية. قال ابن عباس ﵁: مَن كانت له امراة كافرة بمكة فلا يعتَدنَّ بها من نسائه؛ لأنَّ اختلاف الدارين قطع عصمتها منه. ولمّا نزلت الآية طلَّق عمرُ ﵁ امرأتين كانتا له بمكة، قُرَيْبَة بنت أبي أمية، وأم كلثوم الخزاعية. ﴿واسألوا ما أنفقتم﴾ من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار، أي: اطلبوه من الكفرة، ﴿وَلْيَسْألوا ما أنفقوا﴾ من مهور نسائهم المهاجرات ممن تزوجها منا. ﴿ذلكم حُكْمُ الله﴾ أي: جميع ما ذكر في هذا الآية. وقوله: ﴿يحكم بينكم﴾ : كلام مستأنف أو: حال من " حُكم الله " على حذف الضمير، أي: يحكمه الله، وجعل الحُكْم حاكماً على

стр. 3075

المبالغة وقال: " يحكم " مستقبلاً، مع أن الحكم ماضٍ باعتبار ظهور متعلقة، ﴿واللهُ عليم حكيمٌ﴾ يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة. رُوي أنه لمّا نزلت الآية أدّى المؤمنون ما أُمروا به من مهور المهاجرات إلى أزواجهن من المشركين، وأبى المشركون أن يردُّوا شيئًا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، فنزل قوله تعالى: ﴿وإن فاتكم﴾ أي: سبقكم وانفلت منكم ﴿شيءٌ من أزواجكم إِلى الكفار﴾ أي: أحَدٌ من أزواجكم، وقرىء به. وإيقاع " شيء " موقعه للتحقير والتعميم، ﴿فعاقبتم﴾ ، من المعاقبة، لا من العقوبة، أي: صرتم منهم إلى الحال التي صاروا إليها منكم، وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزواجهم، شبّه ما حكم به على المسلمين والكافرين، من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأداء هؤلاء مهور نساء هؤلاء أخرى، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره. ﴿فآتوا الذين ذهبتْ أزواجُهم﴾ منكم إلى الكفار ﴿مثلَ ما أنفقوا﴾ ، تُعطوه من مهر المهاجرة التي تزوجتموها، ولا تؤتوا زوجها الكافر شيئًا، أي: ما كنتم تُعطونه للكفار من مهور أزواجهم المهاجرات أعطوه لمَن فاتت زوجته ولحقت بالكفار، فأزال الله دفعها إليهم، حين لم يرضوا بحُكمه، على أنّ هذا حكم قد نُسخ. قال ابن عطية: وهذه الآية كلها قد ارتفع حكمها. هـ. وذكر الكواشي الخلاف في النسخ وعدمه، وأنَّ رد المال مستمر، وذكر الخلاف في أنَّ الإنفاق كان على الوجوب أو الندب. هـ. وقيل: معنى " فعاقبتم " من العقوبة، أي: فأصبتموهم في القتال، حتى غنمتم، فأعطوا المسلمين الذين ارتدت زوجاتهم، ولحقْن بدار الحرب مهورَ زوجاتهم من هذه الغنيمة. قال ابن عباس: خمس نسوة رجعن عن الإسلام، ولحقن بالمشركين، من نساء المهاجرين: أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت عند عياض بن شداد، وفاطمة بنت أبي أمية، أخت أم سلمة، وكانت تحت عمر بن الخطاب، وعزةُ بنت عبد العزى، كانت تحت هشام بن العاص، وأم كلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر أيضًا، فأعطاهم النبي ﷺ مهور نسائهم من الغنيمة. هـ. ﴿واتقوا اللهَ الذي أنتم به مؤمنون﴾ أي: احذروا أن تتعدُّوا ما أُمرتم به؛ فإن الإيمان يقتضي فعل ما أمر به صاحبه. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص، وهم المشايخ العارفون؛ إذا جاءكم النفوس المؤمنه بطريقكم، وأرادوا الانخراط في سلككم، فامتحنونهن، هل هي صادقة الطلب، أو تريد حرفًا من حروف الهوى، فإن علمتم صدقهن، فلا تردجعوهن إلى أهل الغفلة، سيما أهل الإنكار؛ إذ لا يحل مخالطتهم في طريق الخصوص، وآتوهم من العلوم والمعارف عِوض ما أنفقوا من أنفسهم وأموالهم، ولاجناح عليكم أن تعقدوا عليهم عقدة الإرادة، التي هي كعقدة النكاح إذا آتيتموهن أجورهن، وهو أن تبذلوا لهم ما عندكم من

стр. 3076

السر، قدر ما يطيقون، ومن نقض العهد ورجع عن الإرادة فلا تُمسكوا بعصمته، وأطلقوه مع نفسه، فإن سألكم شيئًا مما كان بذل فسلوه عوض ما بذلتم له من العلم، وإن رجع أحد منكم إلى أهل الإنكار، ثم جاء أحد منهم إليكم فآتوه من العلم ما آتيتم مَن فرّ منكم، واتقوا الله الذي توجهتم إليه، فلا تُعطوا السر مَن لا يستحقه، ولا تمنعوه من مستحقه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها النبي إِذا جاءك المؤمناتُ﴾ حال كونهن ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُن﴾ ، يريد: وأد البنات، ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ ، كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها: هو ولدي منك. كنَّى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً؛ لأنّ بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلد منه بين الرِجلْين. ﴿ولا يَعْصِينَكَ في معروفٍ﴾ أي: فيما تأمرهن من معروف، وتنهاهن عن منكر. والتعبير بالمعروف مع أنّ الرسول ﷺ لا يأمر إلاّ به؛ للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق. وتخصيص الأمور المعدودة بالذكر في حقهن؛ لكثرة وقوعها فيهن. ﴿فبايعْهُنَّ﴾ على ما ذكر وما لم يذكر؛ لوضوح أمره، ﴿واسْتَغفِرْ لهنَّ اللهَ﴾ فيما مضى، ﴿إِنَّ الله غفور رحيمٌ﴾ أي: مبالغ في المغفرة والرحمة، فيغفر لهن ويرحمهن إذا وَفَّيْن بما بايعن عليه. رُوي: أنه ﷺ لمّا فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعُمرُ قاعد أسفل منه، يُبايعهنّ عنه بأمره، وهند بنت عتبة ـ امراة أبي سفيان ـ متقنّعه متنكّرة مع النساء، خوفًا من النبي صلى الله عليه سلم أن يعرفها، فقال ﷺ : " أبايعكن على ألا تُشركن بالله شيئًا " فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا شيئًا ما رأيتك أخذته على الرجال ـ لأنه ﵇ بايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط ـ فقال النبي ﷺ : " ولا تسرقن " فقالت هند: إنّ أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصَبتُ منم ماله هَنَاتٍ، فقال أبو سفيان: هو لك حلال، فقال: " ولا تزنين " فقالت هند: أَوَتزني الحُرّة؟ فقال: " ولا تقتلن أولادكنّ "، فقالت هند: رَبيناهم صغارًا وقتلتموهم كبارًا، وكان ابنها قُتل يوم بدر، فقال: " ولا تأتين ببهتان ... " الخ، فقالت هند: والله إنّ البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلاّ بالرشد ومكارم الأخلاق! فقال: " ولا تعصين في معروف " فقالت: وما جلسنا في مجلسنا

стр. 3077

هذا وفي أنفسان أن نعصيك في شيء، فأقرّ النسوةُ بما أخذ عليهن. وقالت أميمة: يا رسول الله، صافحْنا؟ فقال: " إني لا أُصافح النساء، إنما قَوْلي لامرأة كقولي لمائة امرأة "، قالت عائشة: ما مست يدُ رسولِ الله ﷺ يدَ امرأةٍ قط، إنما بايعهن كلامًا، وقيل: لفّ على يده ثوبًا، وقيل: غمس يده في قدح، فغمسْن أيديهن فيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: الشيخ في قومه كالنبي في أمته، فيُقال له: إذا جاءك النفوسُ المؤمنةُ يُبايعنك على ألا ترى مع الله شيئاً، ولا تميل إلى الدنيا، ولا إلى الهوى، ولا تهمل ما تنتج أفكارُها من الواردات، ولا تأتي ببهتان تفتريه؛ بأن تنسب فعلاً إلى غير الله، أو بأن تكذب في أحوالها وأقوالها، ولا تعصي فيما تأمرها وتنهاها، فإن جاءت على ما ذكر فبايعها واستغفِر لها الله فيما فرّطت فيه، إنّ الله غفور رحيم.

стр. 3078

سورة الصف يقول الحق ﷻ : ﴿سَبَّح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيزُ الحكيم﴾ . ولمَّا قال بعضُ الصحابة: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لبذلنا في أموالنا، فنزلت أية الجهاد، فتباطأ بعضُهم، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون﴾ . وقيل: لمَّا أخبر الله بثواب شهداء بدر، فقالوا: والله لئن شَهِدنا قتالاً لنُفْرِغَنَّ فيه وُسْعَنا، ففرُّوا يوم أُحُد، فنزلت. وقيل: نزلت فيمن يمدح كذباً، حيث كان يقول: قتلتُ، ولم يقتل، وطعنتُ، ولم يطعن، وقيل: كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر ونكأ فيهم، فقتله صُهيب، وانتحل قتله آخر، فنزلت في المنتحِل. أي: لأيّ شيء تقولونه من الخير والمعروف، على أنّ مدار التوبيخ إنما هو عدم فعلهم، وإنما وجّه إلى قولهم تنبيهاً على تضاعيف معصيتهم، لبيان أنَّ المنكَر ليس ترك الخير الموعود فقط، بل الوعد به أيضاً، وقد كانوا يحسبونه معروفاً، ولو قيل: لِمَ لا تفعلون ما تقولون، لفُهم منه أنّ المنكَر إنما هو ترك المفعول. ﴿كَبُرَ مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ ، هو بيان لغاية قُبح ما فعلوا، وفرط سماحته، و " كَبُرَ " جارية مجرى نعم، بزيادة معنى التعجُّب، ومعنى التعجُّب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأنّ التعجُّب لا يكون إلاّ مِن شيءٍ خارج عن نظائره، وفي " كَبُرَ " ضمير مبهَم مفسَّر بالنكرة بعده، و " أن تقولوا " هو المخصوص بالذم، وقيل: قصد فيه التعجُّب من غير لفظه، وأُسند إلى " إن تقولوا "، ونصب " مقتاً " على تفسيره، دلالةً على أنّ

стр. 3079

قولهم ما لا يفعلون مقتٌ خالص لا شوب فيه، كأنه قيل: ما أكبر مقتاً قولهم بلا عمل. ثم بيَّن ما هو مَرْضِي عنده، بعد بيان ما هو ممقوت بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحب الذين يُقاتِلون في سبيله﴾ ، وهو المقصود بالذات من السورة؛ وقوله: ﴿صفًّا﴾ أي: صافِّين أنفسهم، أو مصفوفين، مصدر وقع موقع الحال، ﴿كأنهم بُنيان مرصُوص﴾ ؛ لاصق بعضه ببعض، وقيل: أريد: استواء نيّاتهم في حرب عدوّهم، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رُصَّ بعضه إلى بعض، وهو حالٌ أيضاً، أي: مشبّهين بالبنيان الملاصق. قال ابن عرفة: التشبيه في الثبات وعدم الفرار كثبوت البناء ولزومه. هـ. الإشارة: ﴿سَبَّحَ لله﴾ ، قال الورتجبي: لمَّا عاينوا آيات الله طلبوا فيها مشاهدة الله، فوجدوا في نفوسهم تأثير مباشرة نور قدرة الله، فقدَّسُوه أنه باين بوجوده من الحدثان. هـ. قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مقتًا﴾ ... الخ، قال القشيري: خُلفُ الوعد مع كلِّ أحدٍ قبيحٌ، ومع الله أقبح، ويُقال: إظهارُ التجلُّدِ من غير شهودِ مواضعَ الفقر إلى الحقِّ في كل نَفَسٍ يؤذِنُ بالبقاء مع ما حصل به الدعوى، واللهُ يحب التبرِّي من الحول والقوة. ويقال: لم يتوعَّد على زَلَّةٍ بمثْلِ ما توعَّد على هذا، بقوله: ﴿كَبُرَ مقتا عند الله﴾ . هـ. ولذا فرّ كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير، وآثروا السكوت، كما قال بعضهم: لو كان ينفعني وعظي وعظتُكم أنا الغريق فما خوفي مِن البلل قال أبو زيد الثعالبي: وهذا إن وَجد مَن يكفيه ويقوم عنه في الوعظ، وإلاّ فلا ينبغي السكوت. قال الباجي في سنن الصالحين، عن الأصمعي: بلغني أنَّ بعض الحُكماء كان يقول: إني لأعظكم، وإني لكبير الذنوب، ولو أنَّ أحداً لا يعظ أخاه حتى يُحْكِم أمرَ نفسه لتُرك الأمر بالخير، واقتُصر على الشر، ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكير مِن النسيان. وقال أبو حازم: إني لأعظ الناسَ، وما أنا بموضع الوعظ، ولكن أُريد به نفسي. هـ. قلت: وكان شيخ شيوخنا سيدي على الجمل العمراني ﵁ يقول حين يُذَكِّر: نحْن ما ننبَحُ إلاّ على نفوسنا. هـ. ثم قال: وقال الحسن لِمطرف: عِظ أصحابك، فقال: أخاف أنْ أقولَ ما لا أفعل، فقال: يرحمك الله، وأيّنا يفعل ما يقول، ودّ الشيطانُ لو ظفر منكم بهذه، فلم يأمر أحدٌ منكم بمعروف ولم ينهَ عن منكر. هـ. وفي حديث الجامع: " مُروا بالمَعْرُوفِ وإنْ لَمْ تَفعلُوه، وانْهَوْا عَنِ المنكرِ وإنْ لم تَتجنبُوه " وقال الغزالي: مَن ترك العمل خوف الآفة والرياء، فإنَّ ذلك منتهى بغية الشيطان منه، إذ المراد منه ألاَّ يفوته الإخلاص، ومهما ترك العمل فقد ضيَّع العمل والإخلاص. هـ. قلت: ولا شك أنَّ الوعظ مِن المخلصين وأهل

стр. 3080

القلوب، أشد تأثيراً من غيرهم، فإنَّ الكلامَ إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان حدّه الآذان، وفي الحِكَم: " تسبق أنوارُ الحكماء أقوالَهم، فحيث ما صار التنوير وصل التعبير ". فأهل النور تسري أنوارُهم في الجالسين قبل أن يتكلموا، وربما انتفع الناسُ بصمتهم، كما ينتفعون بكلامهم، وأمّا أهل الظُلمة ـ وهو مَن في قلبه حُب الدنيا ـ فكلامهم قليل الجدوى، تسبق ظلمةُ قلوبهم إلى قلوب السامعين، فلا ينتفع إلاّ القليل. يقول الحق ﷻ : واذكر يا محمد لهؤلاء المعرضين عن الجهاد قول موسى لبنى إسرائيل، حين ندبهم إلى قتل الجبابرة، بقوله: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١] الآية، فلم يمتثلوا أمره، وعصوه أشد عِصيان، حيث قالوا: ﴿يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ... ﴾ [المائدة: ٢٢] الآية، إلى أن قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ ... ﴾ [المائدة: ٢٤] الآية. وآذوه ﵇ كل الإذاية فقال: ﴿يا قوم لِمَ تُؤذونني وقد تعلمون أني رسولُ الله إِليكم﴾ ، فالجملة: حال، والحال أنكم تعلمون عِلماً قطعياً، مستمراً، بمشاهدة ما ترون من المعجزات الباهرة، إَني رسولُ الله إليكم، لأُرشدكم إلى خير الدنيا والأخرة، ومِن قضية عِلْمكم أن تُبالغوا في تعظيمي، وتُسارعوا إلى طاعتي، ﴿فلما زاغوا﴾ أي: أصرُّوا على الزيغ عن الحق الذي جاءهم به، واستمروا عليه ﴿أزاغ اللهُ قلوبَهم﴾ ؛ صرفها عن قبول الحق، والميل إلى الصواب، لصرف اختيارهم نحو الغيّ والإضلال، ﴿واللهُ لا يهدي القوم الفاسقين﴾ أي: لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق، المصرِّين على الغواية، هدايةً موصّلَة إلى الطاعة وحسن الأدب، والمراد بهم المذكورون خاصة، والإظهار في موضع الإضمار لذمِّهم بالفسق وتعليل عدم الهداية، أو جنس الفاسقين، وهم داخلون في حكمهم دخولاً أوليًّا، وأَيًّا ما كان فوصفهم بالفسق نظر إلى ما في قوله تعالى: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] ، هذا الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم،

стр. 3081

ويرتضيه الذوق السليم. انظر أبا السعود. ﴿ وإِذ قال عيسى ابنُ مريم يا بني إِسرائيلَ﴾ ، لم يقل: يا قوم، كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم من جهة الأب، حتى يكونوا مِن قومه: ﴿إِني رسولُ الله إِليكم﴾ ، كان رسولاً لهم ولمَن دخل معهم، كالنصارى، ﴿مُصَدِّقًا لما بين يديَّ مِن التوراة﴾ ، وهو من إحدى الدواعي إلى تصديقهم إياه، ﴿ومُبشِّرًا برسولٍ يأتي من بعدي﴾ ، وهو من الدواعي أيضاً إلى تصديقه؛ لأنَّ بشارته به ﵇ واقعة في التوراة، أي: أُرسلت إليكم في حال تصديقي للتوراة، وفي حال بشارتي برسول يأتي من بعدي، يعني: أنَّ ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه، مَن تقدّم ومَن تأخّر، وهذا الرسول ﴿اسمُه أحمدُ﴾ وهو محمد ﷺ . قال القشيري: كل نبيًّ بشّر قومَه بنبيِّنا صلى الله وعليه وسلم، وأفرد اللهُ عيسى بالذِّكْرِ في هذا الموضع لأنه أخِرُ نبيِّ قبل نبيِّنا ﷺ ، فبيّن أنّ البشارة به عَمَّتْ جميعَ الأنبياء واحداً بعد واحدٍ حتى انتهى إلى عيسى ﵇. هـ. قال الكواشي: و " أحمد " بناء مبالغة، والمعنى: أنَّ الأنبياء كلهم حمّادون الله، وهو أكثر حمداً مِن غيره، وكلهم محمودون لِما فيهم جميل الأخلاق، وهو أكثرهم خِلالاً حميدة. ثم قال: وعن كعب: قال الحواريون: يا روح الله؛ هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد، حكماء، علماء، أبراراً، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى باليسير من العمل. هـ. وقال السهيلي: في اسمه " أحمد ومحمد " إشارة إلى كونه خاتماً؛ لأنَّ الحمد مشروع عند انقضاء الأمور واختتامها وتمامها. هـ. ﴿فلما جاءَهم﴾ أيك عيسى، أو محمد ﵉ ﴿بالبيناتِ﴾ ؛ المعجزات الظاهرة، ﴿قالوا هذا سِحرٌ مبين﴾ ؛ ظاهر سحريته، وقرأ الإخوان " ساحر " وصف للرسول. ﴿ومَن أظلمُ ممن افترى على الله الكذبَ وهو يُدْعَى إِلى الإِسلام﴾ أي: أيّ الناس أشد ظلماً ممن يُدْعى إلى سعادة الدارين، فيضع موضع الإجابة الافتراءَ على الله ، بقوله لكلامه الذي دعا عباده إلى الحق: هذا سحر؟ أي: هو أظلم من كل ظالم، ﴿واللهُ لا يهدي القومَ الظالمين﴾ أي: لا يُرشدهم إلى ما فيه صلاحهم؛ لعدم توجههم إليه. ﴿يُريدون لِيُطفئوا نورَ الله بإفواههم﴾ أي: دينه أو: كتابه، أو حجته النيِّرة، واللام مزيدة، أي: يُريدون إطفاءَ نور الله، أو للتعليل والمفعول محذوف، أي: يريدون الكذب ليُطفئوا نورَ الله، وهو تهكُّم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام، بقولهم في القرآن: هذا سحر، مُثِّلت حالهم بحال مَن ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، ﴿والله مُتِم نُوره﴾ أي: مبلغه إلى غاية يُنشره في الآفاق، ويُعليه على الأديان ﴿ولو كَرِه الكافرون﴾ . ﴿ هو الذي أرسل رسولَه بالهُدى﴾ ؛ بالقرآن، أو بالمعجزات، أو بالهداية ﴿ودين الحق﴾ ؛ الملة الحنيفية ﴿ليُظهره عَلَى الدين كلِّه﴾ أي: ليعليه على جميع الأديان المخالفة

стр. 3082

له، ولقد أنجز الله ـ عزّ وعلا ـ وعده، حيث جعله بحيث لم يبقَ دين من الأديان إلاَّ وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن إلا دين الإسلام. هـ. ﴿ولو كَرِه المشركون﴾ ذلك، قال الطيبي: قوله تعالى: ﴿ومَن أظلم ... ﴾ الخ، حذَّر تعالى مما لقي قوم موسى من إزاغة القلوب، والحرمان من التوفيق، بسبب الأذى، وما ارتكب قوم عيسى بعد مجيئه بالبينات من تكذيبه وقولهم فيه: " هذا سحر مبين "، ألاَ ترى كيف جمع الكل في قوله: ﴿ومن أظلم ... ﴾ الآية، قال: وقضية الدعوة إلى الإسلام توقير مَن يدعو إليه، وإجابة دعوته. ثم قال: وأمّا قوله: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ هو تذييل لقوله: ﴿ومَن أظلم ممن افترى ... ﴾ الآية؛ لأنّ الظلم هو: وضع الشيء في غير محله، وأيُّ ظلم أعظم من جعل إجابة الداعي إلى الله مفترياً؟ ! والكفر: التغطية ومحاولة إطفاء النور إخفاء وتغطية، ودين الحق هو التوحيد، والشركُ يقابله، ولذلك قال: ﴿ولو كره المشركون﴾ . هـ. الإشارة: سوء الأدب مع الأكابر، وإذايتهم، سبب كل طرد وبُعد، وسبب كلّ ذُل وهوان، وحسن الأدب معهم وتعظيمهم، سبب كُلِّ تقريب واصطفاء، وسبب كُلِّ عز ونصر، ولذلك قال الصوفية: " اجعل عَمَلك مِلحًا، وأدبك دقيقًا ". ألآ ترى بنى إسرائيل حين أساؤوا الأدب مع نبي الله موسى بقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلآ ... ﴾ [المائدة: ٢٤] الخ كيف أذلَّهم الله وأخزاهم إلى يوم القيامة، وانظر أصحابَ نبينا ﷺ حيث تأدّبوا غاية الأدب، وقالوا يوم بدر: " لا نقولُ كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك، ولكن اذهب أنت وربك ونحن معك، والله لو خُضت بنا ضحضاح البحر لخضناه معك " كيف أعزَّهم الله ونصرهم على سائر الأديان، ببركة حُسن أدبهم ﵃ وأرضاهم. يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أَدُلُّكُمْ على تجارةٍ تُنجِيكم من عذابٍ أليم﴾ ، وكأنهم قالوا: وما هذه التجارة، أو: ماذا نصنع؟ فقال: ﴿تؤمنون بالله ورسوله وتُجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفُسِكم﴾ ، وهو خبر بمعنى الأمر، أي:

стр. 3083

وجاهِدوا، وجيء به بصيغة الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنه قد وقع، فأخبر بوقوعه، وقرىء " تؤمنوا " و " تجاهدوا " على إضمار لام الأمر. ﴿ذلكم خير لكم﴾ ، الإشارة إلى الإيمان والجهاد بقِسْميه، أي: هو خير لكم من أموالكم وأنفسكم ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أنه خير لكم، وقد قلتم: لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله لسارعنا، فهذا هو أحب الأعمال إلى الله، أو: إن كنتم من أهل العلم؛ فإنَّ الجهلة لا يعتد بأفعالهم. ﴿يَغفر لكم ذنوبكم﴾ : جواب للأمر المدلول بلفظ الخبر، على قول، أو شرط مقدر، أي: إن تُؤمنوا وتُجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم ﴿ويُدْخِلْكم جناتٍ تجري مِن تحتها الأنهارُ ومساكنَ طيبةً﴾ ولا تطيب إلاّ بشهود الحبيب ﴿في جناتِ عَدْن﴾ أي: إقامة لا انتقال عنها. وجنة عدن هي مدينة الجنة ووسطها، يسكنها الصالحون الأبرار من العلماء والشهداء، وفوقها الفردوس، هي مسكن الأنبياء والصدِّيقين من المقربين، هذا هو المشهور، كما في الصحيح، ﴿ذلك الفوزُ العظيمُ﴾ أي: ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة الموصوفة بما ذكر من الأوصاف الجليلة هو الفوز الذي لا فوز وراءه. ﴿ وأُخرى﴾ أي: ولكم إلى هذه النعمة العظيمة نعمةٌُ أخرى عاجلة ﴿تُحبونها﴾ وترغبون فيها، وفيه شيء من التوبيخ على محبة العاجل. ثم فسَّرها بقوله: ﴿نصرٌ من الله وفتحٌ قريبٌ﴾ أي: عاجِل، وهو فتح مكة، والنصر على قريش، أو فتح فارس والروم، أو: هل أَدُلكم على تجارةٍ تُنجيكم، وعلى تجارةٍ تُحبونها، وهي نصر وفتح قريب، ﴿وبَشِّر المؤمنين﴾ : عطف على " تؤمنوا " لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل لهم: آمنوا وجاهِدوا يُثبكم الله وينصركم، وبشر أيها الرسول بذلك المؤمنين. ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصارَ الله﴾ أي: أنصار دينه ﴿كما قال عيسى ابنُ مريمَ للحواريين مَنْ أنصاري إِلى الله﴾ ؟ أي: مَن يكون مِن جندي ومختصاً بي، متوجهاً إلى الله. ظاهره تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى: ﴿مَن أنصاري إلى الله﴾ ولكنه محمول على المعنى، أي: كونوا أنصارَ الله، كما كان الحواريون أنصارَ عيسى، حينما قال لهم: مَن أنصاري إلى الله؟ ﴿قال الحواريون نحن أنصارُ الله﴾ أي: نحن الذين ينصرون دينه، والحواريون: أصفياؤه، وهم أول مَن آمن به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس، وقيل: كانوا اثني عشر رجلاً. وحواري الرجل: صفوته وخاصته، من الحَور، وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قًصَّارين يُحوِّرون الثياب، أي: يُبيّضونها، وقيل: إنما سُمُّوا حواريين لأنهم كانوا يُطهرون النفوس بإقامتهم الدين والعلم، ولمَّا كفرت اليهود بعيسى ﵇، وهَمُّوا بقتله، فرَّ مع الحواريين إلى النصارى بقرية يُقال لها: نصرى، فنصوره، فقاتل اليهودَ بهم مع الحواريين، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فآمنت طائفةٌ من بني إسرائيل وكفرت طائفةٌ﴾ به، فقاتلوهم ﴿فإيَّدنا الذين آمنوا﴾ بعيسى ﵇ ﴿على عدوهم﴾ أي: قوّيناهم ﴿فأصبحوا ظاهِرين﴾ ؛ غالبين عليهم.

стр. 3084

الإشارة: هل أّدلُكم على تجارةٍ، وهي سلوك طريق التربية، على أيدي الرجال، تُنجيكم من عذاب أليم، وهو غم الحجاب على الدوام؛ تؤمنون بالله ورسوله أولاً، وتجاهدون هواكم وسائرَ العلائق بأموالكم وأنفسكم ثانياً، فالأموال تدفعونها لمن يدلكم على ربكم، والأنفس تُقدمونها لمَن يُربيكم، يَتحكم فيها بما يشاء ﴿في سبيل الله﴾ في الطريق الموصلة إلى حضرته، ﴿ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون﴾ أي: إن كان لكم علم وعقل، فهذا خير لكم، يغفر لكم ذنوبكم، أي: يُغطي مساوئكم، فيُغطي وصفكم بصوفه، ونعتكم بنعته، فيُوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، ويُدخلكم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، ومساكن طيبة، هي السكنى والأطمئنان في مقامات اليقين، مع شهود رب العالمين، أو روح الرضا وريحان التسليم، أو الإقامة في حضرة القدس، مع التنزُّه في المقامات، في جنات عدن، وهي الرسوخ والإقامة في جنات المعارف ذلك الفوز العظيم. ﴿ وأُخرى تحبونها﴾ عاجلة، ﴿نصر من الله﴾ : عِزٌّ دائم، ﴿وفتح قريب﴾ هو دخول بلاد المعاني. وقال القشيري: الفتح القريب: الرؤية والزلفة، ويقال: الشهود، ويقال: الوجود أبد الأبد. هـ. ﴿وبَشِّر﴾ بأنهم ظافرون بهذا، إن فعلوا ما أُمروا به. وقال الورتجبي: نصر الله: تأييده الأزلي، الذي سبق للعارفين والموحِّدين، والفتح القريب: كشف نقابه وفتح أبواب وِصاله، بنصره ظهروا على نفوسهم، فقهروها، وبفتحه أبواب الغيب شاهَدوا كل مغيب مستور من أحكام الربوبية وأنوار الألوهية. هـ. وباقي الآية يُرغب في القيام في نصر الدين، وإرشاد العباد إلى الله، حتى تظهر أنوار الدين، وتخمد ظلمة المعاصي والبِدَع من أقطار البلاد، وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم.

стр. 3085

سورة الجمعة يقول الحق ﷻ : ﴿يُسَبِّحُ لله ما في السمواتِ وما في الأرض﴾ ، وهذا التسبيح إمّا أن يكون: تسبيح خِلقة، يعني: أنك إذا نظرت إلى شيء دلتك خِلقتُه على وحدانيته تعالى، وتنزيهِه عما لا يليق به، وإمّا أن يكون تسبيح معرفة؛ بأن يخلق في كل شيء ما يعرفه به تعالى وينزّهه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِحُ بحَمدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُون تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ، أو: تسبيح ضرورة، بأن يُجري اللهُ التسبيحَ على كل جوهر، من غير معرفةٍ له بذلك. قاله النسفي. ﴿الملكِ القُدُّسِ﴾ أي: المنزَّه عما لا يليق به من الكمالات. ولا يُقال: المنزّه عن النقائص؛ إذ لا يصح اتصافه بها حتى تُنفى عنه، وربما يكون نقصاً في حقه، كما يُقال: الملِك ليس بجزار. ﴿العزيزِ الحكيمِ﴾ ، وقرئت هذه الصفات الأربع بالرفع على المدح. ﴿هو الذي بَعَثَ في الأميين رسولاً منهم﴾ أي: بعث رجلاً أُميًّا في قوم أميين، وقيل: ﴿منهم﴾ : من أنفسهم، يعلمون نَسَبه وأحواله وصِدْقَه. والأُمي: منسوب إلى أميّة العرب؛ لأنهم لايقرؤون ولا يكتبون من بين الأمم. قيل. بُدئت الكتابة في العرب بالطائف، وهم أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. ﴿يتلو عليهم آياته﴾ ؛
следующие страницы →