← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

ويرتضيه الذوق السليم. انظر أبا السعود. ﴿ وإِذ قال عيسى ابنُ مريم يا بني إِسرائيلَ﴾ ، لم يقل: يا قوم، كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم من جهة الأب، حتى يكونوا مِن قومه: ﴿إِني رسولُ الله إِليكم﴾ ، كان رسولاً لهم ولمَن دخل معهم، كالنصارى، ﴿مُصَدِّقًا لما بين يديَّ مِن التوراة﴾ ، وهو من إحدى الدواعي إلى تصديقهم إياه، ﴿ومُبشِّرًا برسولٍ يأتي من بعدي﴾ ، وهو من الدواعي أيضاً إلى تصديقه؛ لأنَّ بشارته به ﵇ واقعة في التوراة، أي: أُرسلت إليكم في حال تصديقي للتوراة، وفي حال بشارتي برسول يأتي من بعدي، يعني: أنَّ ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه، مَن تقدّم ومَن تأخّر، وهذا الرسول ﴿اسمُه أحمدُ﴾ وهو محمد ﷺ . قال القشيري: كل نبيًّ بشّر قومَه بنبيِّنا صلى الله وعليه وسلم، وأفرد اللهُ عيسى بالذِّكْرِ في هذا الموضع لأنه أخِرُ نبيِّ قبل نبيِّنا ﷺ ، فبيّن أنّ البشارة به عَمَّتْ جميعَ الأنبياء واحداً بعد واحدٍ حتى انتهى إلى عيسى ﵇. هـ. قال الكواشي: و " أحمد " بناء مبالغة، والمعنى: أنَّ الأنبياء كلهم حمّادون الله، وهو أكثر حمداً مِن غيره، وكلهم محمودون لِما فيهم جميل الأخلاق، وهو أكثرهم خِلالاً حميدة. ثم قال: وعن كعب: قال الحواريون: يا روح الله؛ هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد، حكماء، علماء، أبراراً، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى باليسير من العمل. هـ. وقال السهيلي: في اسمه " أحمد ومحمد " إشارة إلى كونه خاتماً؛ لأنَّ الحمد مشروع عند انقضاء الأمور واختتامها وتمامها. هـ. ﴿فلما جاءَهم﴾ أيك عيسى، أو محمد ﵉ ﴿بالبيناتِ﴾ ؛ المعجزات الظاهرة، ﴿قالوا هذا سِحرٌ مبين﴾ ؛ ظاهر سحريته، وقرأ الإخوان " ساحر " وصف للرسول. ﴿ومَن أظلمُ ممن افترى على الله الكذبَ وهو يُدْعَى إِلى الإِسلام﴾ أي: أيّ الناس أشد ظلماً ممن يُدْعى إلى سعادة الدارين، فيضع موضع الإجابة الافتراءَ على الله ، بقوله لكلامه الذي دعا عباده إلى الحق: هذا سحر؟ أي: هو أظلم من كل ظالم، ﴿واللهُ لا يهدي القومَ الظالمين﴾ أي: لا يُرشدهم إلى ما فيه صلاحهم؛ لعدم توجههم إليه. ﴿يُريدون لِيُطفئوا نورَ الله بإفواههم﴾ أي: دينه أو: كتابه، أو حجته النيِّرة، واللام مزيدة، أي: يُريدون إطفاءَ نور الله، أو للتعليل والمفعول محذوف، أي: يريدون الكذب ليُطفئوا نورَ الله، وهو تهكُّم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام، بقولهم في القرآن: هذا سحر، مُثِّلت حالهم بحال مَن ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، ﴿والله مُتِم نُوره﴾ أي: مبلغه إلى غاية يُنشره في الآفاق، ويُعليه على الأديان ﴿ولو كَرِه الكافرون﴾ . ﴿ هو الذي أرسل رسولَه بالهُدى﴾ ؛ بالقرآن، أو بالمعجزات، أو بالهداية ﴿ودين الحق﴾ ؛ الملة الحنيفية ﴿ليُظهره عَلَى الدين كلِّه﴾ أي: ليعليه على جميع الأديان المخالفة

стр. 3082

له، ولقد أنجز الله ـ عزّ وعلا ـ وعده، حيث جعله بحيث لم يبقَ دين من الأديان إلاَّ وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن إلا دين الإسلام. هـ. ﴿ولو كَرِه المشركون﴾ ذلك، قال الطيبي: قوله تعالى: ﴿ومَن أظلم ... ﴾ الخ، حذَّر تعالى مما لقي قوم موسى من إزاغة القلوب، والحرمان من التوفيق، بسبب الأذى، وما ارتكب قوم عيسى بعد مجيئه بالبينات من تكذيبه وقولهم فيه: " هذا سحر مبين "، ألاَ ترى كيف جمع الكل في قوله: ﴿ومن أظلم ... ﴾ الآية، قال: وقضية الدعوة إلى الإسلام توقير مَن يدعو إليه، وإجابة دعوته. ثم قال: وأمّا قوله: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ هو تذييل لقوله: ﴿ومَن أظلم ممن افترى ... ﴾ الآية؛ لأنّ الظلم هو: وضع الشيء في غير محله، وأيُّ ظلم أعظم من جعل إجابة الداعي إلى الله مفترياً؟ ! والكفر: التغطية ومحاولة إطفاء النور إخفاء وتغطية، ودين الحق هو التوحيد، والشركُ يقابله، ولذلك قال: ﴿ولو كره المشركون﴾ . هـ. الإشارة: سوء الأدب مع الأكابر، وإذايتهم، سبب كل طرد وبُعد، وسبب كلّ ذُل وهوان، وحسن الأدب معهم وتعظيمهم، سبب كُلِّ تقريب واصطفاء، وسبب كُلِّ عز ونصر، ولذلك قال الصوفية: " اجعل عَمَلك مِلحًا، وأدبك دقيقًا ". ألآ ترى بنى إسرائيل حين أساؤوا الأدب مع نبي الله موسى بقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلآ ... ﴾ [المائدة: ٢٤] الخ كيف أذلَّهم الله وأخزاهم إلى يوم القيامة، وانظر أصحابَ نبينا ﷺ حيث تأدّبوا غاية الأدب، وقالوا يوم بدر: " لا نقولُ كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك، ولكن اذهب أنت وربك ونحن معك، والله لو خُضت بنا ضحضاح البحر لخضناه معك " كيف أعزَّهم الله ونصرهم على سائر الأديان، ببركة حُسن أدبهم ﵃ وأرضاهم. يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أَدُلُّكُمْ على تجارةٍ تُنجِيكم من عذابٍ أليم﴾ ، وكأنهم قالوا: وما هذه التجارة، أو: ماذا نصنع؟ فقال: ﴿تؤمنون بالله ورسوله وتُجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفُسِكم﴾ ، وهو خبر بمعنى الأمر، أي:

стр. 3083

وجاهِدوا، وجيء به بصيغة الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنه قد وقع، فأخبر بوقوعه، وقرىء " تؤمنوا " و " تجاهدوا " على إضمار لام الأمر. ﴿ذلكم خير لكم﴾ ، الإشارة إلى الإيمان والجهاد بقِسْميه، أي: هو خير لكم من أموالكم وأنفسكم ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أنه خير لكم، وقد قلتم: لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله لسارعنا، فهذا هو أحب الأعمال إلى الله، أو: إن كنتم من أهل العلم؛ فإنَّ الجهلة لا يعتد بأفعالهم. ﴿يَغفر لكم ذنوبكم﴾ : جواب للأمر المدلول بلفظ الخبر، على قول، أو شرط مقدر، أي: إن تُؤمنوا وتُجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم ﴿ويُدْخِلْكم جناتٍ تجري مِن تحتها الأنهارُ ومساكنَ طيبةً﴾ ولا تطيب إلاّ بشهود الحبيب ﴿في جناتِ عَدْن﴾ أي: إقامة لا انتقال عنها. وجنة عدن هي مدينة الجنة ووسطها، يسكنها الصالحون الأبرار من العلماء والشهداء، وفوقها الفردوس، هي مسكن الأنبياء والصدِّيقين من المقربين، هذا هو المشهور، كما في الصحيح، ﴿ذلك الفوزُ العظيمُ﴾ أي: ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة الموصوفة بما ذكر من الأوصاف الجليلة هو الفوز الذي لا فوز وراءه. ﴿ وأُخرى﴾ أي: ولكم إلى هذه النعمة العظيمة نعمةٌُ أخرى عاجلة ﴿تُحبونها﴾ وترغبون فيها، وفيه شيء من التوبيخ على محبة العاجل. ثم فسَّرها بقوله: ﴿نصرٌ من الله وفتحٌ قريبٌ﴾ أي: عاجِل، وهو فتح مكة، والنصر على قريش، أو فتح فارس والروم، أو: هل أَدُلكم على تجارةٍ تُنجيكم، وعلى تجارةٍ تُحبونها، وهي نصر وفتح قريب، ﴿وبَشِّر المؤمنين﴾ : عطف على " تؤمنوا " لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل لهم: آمنوا وجاهِدوا يُثبكم الله وينصركم، وبشر أيها الرسول بذلك المؤمنين. ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصارَ الله﴾ أي: أنصار دينه ﴿كما قال عيسى ابنُ مريمَ للحواريين مَنْ أنصاري إِلى الله﴾ ؟ أي: مَن يكون مِن جندي ومختصاً بي، متوجهاً إلى الله. ظاهره تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى: ﴿مَن أنصاري إلى الله﴾ ولكنه محمول على المعنى، أي: كونوا أنصارَ الله، كما كان الحواريون أنصارَ عيسى، حينما قال لهم: مَن أنصاري إلى الله؟ ﴿قال الحواريون نحن أنصارُ الله﴾ أي: نحن الذين ينصرون دينه، والحواريون: أصفياؤه، وهم أول مَن آمن به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس، وقيل: كانوا اثني عشر رجلاً. وحواري الرجل: صفوته وخاصته، من الحَور، وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قًصَّارين يُحوِّرون الثياب، أي: يُبيّضونها، وقيل: إنما سُمُّوا حواريين لأنهم كانوا يُطهرون النفوس بإقامتهم الدين والعلم، ولمَّا كفرت اليهود بعيسى ﵇، وهَمُّوا بقتله، فرَّ مع الحواريين إلى النصارى بقرية يُقال لها: نصرى، فنصوره، فقاتل اليهودَ بهم مع الحواريين، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فآمنت طائفةٌ من بني إسرائيل وكفرت طائفةٌ﴾ به، فقاتلوهم ﴿فإيَّدنا الذين آمنوا﴾ بعيسى ﵇ ﴿على عدوهم﴾ أي: قوّيناهم ﴿فأصبحوا ظاهِرين﴾ ؛ غالبين عليهم.

стр. 3084

الإشارة: هل أّدلُكم على تجارةٍ، وهي سلوك طريق التربية، على أيدي الرجال، تُنجيكم من عذاب أليم، وهو غم الحجاب على الدوام؛ تؤمنون بالله ورسوله أولاً، وتجاهدون هواكم وسائرَ العلائق بأموالكم وأنفسكم ثانياً، فالأموال تدفعونها لمن يدلكم على ربكم، والأنفس تُقدمونها لمَن يُربيكم، يَتحكم فيها بما يشاء ﴿في سبيل الله﴾ في الطريق الموصلة إلى حضرته، ﴿ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون﴾ أي: إن كان لكم علم وعقل، فهذا خير لكم، يغفر لكم ذنوبكم، أي: يُغطي مساوئكم، فيُغطي وصفكم بصوفه، ونعتكم بنعته، فيُوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، ويُدخلكم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، ومساكن طيبة، هي السكنى والأطمئنان في مقامات اليقين، مع شهود رب العالمين، أو روح الرضا وريحان التسليم، أو الإقامة في حضرة القدس، مع التنزُّه في المقامات، في جنات عدن، وهي الرسوخ والإقامة في جنات المعارف ذلك الفوز العظيم. ﴿ وأُخرى تحبونها﴾ عاجلة، ﴿نصر من الله﴾ : عِزٌّ دائم، ﴿وفتح قريب﴾ هو دخول بلاد المعاني. وقال القشيري: الفتح القريب: الرؤية والزلفة، ويقال: الشهود، ويقال: الوجود أبد الأبد. هـ. ﴿وبَشِّر﴾ بأنهم ظافرون بهذا، إن فعلوا ما أُمروا به. وقال الورتجبي: نصر الله: تأييده الأزلي، الذي سبق للعارفين والموحِّدين، والفتح القريب: كشف نقابه وفتح أبواب وِصاله، بنصره ظهروا على نفوسهم، فقهروها، وبفتحه أبواب الغيب شاهَدوا كل مغيب مستور من أحكام الربوبية وأنوار الألوهية. هـ. وباقي الآية يُرغب في القيام في نصر الدين، وإرشاد العباد إلى الله، حتى تظهر أنوار الدين، وتخمد ظلمة المعاصي والبِدَع من أقطار البلاد، وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم.

стр. 3085

سورة الجمعة يقول الحق ﷻ : ﴿يُسَبِّحُ لله ما في السمواتِ وما في الأرض﴾ ، وهذا التسبيح إمّا أن يكون: تسبيح خِلقة، يعني: أنك إذا نظرت إلى شيء دلتك خِلقتُه على وحدانيته تعالى، وتنزيهِه عما لا يليق به، وإمّا أن يكون تسبيح معرفة؛ بأن يخلق في كل شيء ما يعرفه به تعالى وينزّهه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِحُ بحَمدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُون تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ، أو: تسبيح ضرورة، بأن يُجري اللهُ التسبيحَ على كل جوهر، من غير معرفةٍ له بذلك. قاله النسفي. ﴿الملكِ القُدُّسِ﴾ أي: المنزَّه عما لا يليق به من الكمالات. ولا يُقال: المنزّه عن النقائص؛ إذ لا يصح اتصافه بها حتى تُنفى عنه، وربما يكون نقصاً في حقه، كما يُقال: الملِك ليس بجزار. ﴿العزيزِ الحكيمِ﴾ ، وقرئت هذه الصفات الأربع بالرفع على المدح. ﴿هو الذي بَعَثَ في الأميين رسولاً منهم﴾ أي: بعث رجلاً أُميًّا في قوم أميين، وقيل: ﴿منهم﴾ : من أنفسهم، يعلمون نَسَبه وأحواله وصِدْقَه. والأُمي: منسوب إلى أميّة العرب؛ لأنهم لايقرؤون ولا يكتبون من بين الأمم. قيل. بُدئت الكتابة في العرب بالطائف، وهم أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. ﴿يتلو عليهم آياته﴾ ؛

стр. 3086

القرآن ﴿ويُزكِّيهم﴾ ؛ يطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية، ﴿ويُعَلّمهم الكتابَ﴾ ؛ القرآن ﴿والحكمةَ﴾ ؛ السُنَّة، أو الفقه في الدين، أو إتقان العلم والعمل، ﴿وإِن كانوا من قبلُ لفي ضلالٍ مبين﴾ ؛ كفر وجهالة. و " إن " مخففة، أي: وإن الشأن كانوا في ضلال فظيع، وهو بيان لشدة افتقارهم لمَن يرشدهم، وإزاحة لِمَا عسى أن يتوهم مِن تعلُّمه ﷺ مِن الغير؛ إذ كلهم كانوا مغروقين في الجهل والضلال، ليس فيهم مَن يعلم شيئاً. ﴿وآخرين منهم﴾ : عطف على " الأميين " أي: بعث في الأميين، الذين في عصره، وفي آخرين من الأميين ﴿لَمَّا يلحقوا بهم﴾ أي: لم يلحقوا بهم بعدُ، وسيلحقون، وهم الذين يأتون بعد الصحابة إلى يوم القيامة، وقيل: هم العجم، أي: وآخرين من جنسهم، وقيل: عطف على " يُعلّمهم " أي: يُعلّم أخرين منهم، وعلى كلِّ فدعوته ﷺ عامة. ﴿وهو العزيزُ الحكيم﴾ ؛ المبالغ في العزة والحكمة، ولذلك مكَّن رجلاً أميًّا من ذلك الأمر العظيم، واصطفاه من بين كافة البشر. ﴿ ذلك﴾ الذي امتاز به محمد ﷺ من بين سائر البشر ﴿فضلُ الله﴾ وإحسانه، أو: ذلك التوفيق حتى يؤمنوا من فضل الله، لا باستحقاق، أو الاعتناء بالبعث وعدم الإهمال، مع ما حصل منه من النتائج المذكورة، فضل من الله، وقطع الأسباب في الجملة في استحقاق الفضل؛ إذ علقه بالمشيئة في قوله: ﴿يؤتيه مَن يشاء﴾ تفضُّلاً وعطية، ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ الذي يُستحقر دونه نِعم الدنيا والآخرة. الإشارة: كل مَن لم يعرف الله معرفةَ العيان، فهو من الأميين، فكما مَنَّ الله تعالى على عباده ببعثه الرسول، بعد أن كانوا في ضلالٍ مبين، كذلك مَنَّ على أمته بعده، فبَعَثَ مشايخَ التربية يتلو عليهم آياته الدالة على شهوده وظهوره، ويزكيهم من الرذائل التي تحجبهم عن الله، ويُعلّمهم أسرارَ الكتاب، وأسرارَ الحكمة، وهي الشريعة، إذ لا يوقف على أسرارهما إلاّ بعد تطهير القلوب، وتزكية النفوس، وإن كانوا من قبل ملاقاة المشايخ لفي ضلال مبين، حائدين عن طريق الشهود، وبعث أيضاً في آخرين منهم من يُذكِّرهم ويُعرفهم بالله، وهكذا لا ينقطع الداعي إلى يوم القيامة، لكن لا يصل إليه إلاّ مَن أراد الله أن يوصله إليه، ولذلك قال: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ... ﴾ الآية. يقول الحق ﷻ : ﴿مَثَلُ﴾ اليهود ﴿الذين حُمِّلُوا التوراةَ﴾ أي: كُلِّفوا علمها، والعمل بما فيها، ﴿ثم لم يحملوها﴾ ؛ لم يعملوا بما فيها، فكأنهم لم يحملوها، ﴿كَمَثَلِ الحمارِ يحمل أسفاراً﴾ جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، شَبّه اليهودَ بالحمار، فإنهم حملة التوراة وقُرّاؤها وحُفّاظ ما فيها، ثمّ لم يعملوا بها، ولم ينتفعوا بآياتها، وذلك: أنَّ فيها بعث رسولِ الله ﷺ والبشارة به، فلم يؤمنوا، فهم أشبه شيء بحمار حمل كُتباً كباراً من كتب العلم، فهو يشمي بها، ولا يدري منها إلاَّ ما يلحقه من الكدّ والتعب. وفي التلخيص: وَجْهُ الشَبَه: حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع تحمُّل التعب في استصحابه، وكل مَن عَلِمَ ولم يعمل بعلمه فهذا مثلُه. قال الطيبي: لمّا تمسكت اليهود بقوله: " في الأميين "؛ لأنه خاص بالعرب، أتبعه بضرب المثل لمَن تمسّك بهذه الشبهة، وترك الدلائل الواضحة المسطورة بعموم البعثة، وأنه كالحمار يحمل أسفاراً، ولا يدري ما حمل، ولا ما فيه. هـ. وجملة " يحمل " حال، والعامل فيها، معنى المثل، أو: صفة للحمار؛ إذ ليس المراد به معيناً، فهو كقوله: ولَقَد أَمُرُّ علُى اللئيم يَسُبُّني ... ﴿بئس مثلُ القومِ الذين كذَّبوا بآيات الله﴾ أي: بئس مثلاً مثل القومُ الذين كذّبوا، أو بئس مثل القوم المكذِّبين مثلهم، وهم اليهود الذين كذَّبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد ﷺ ، ﴿واللهُ لا يهدي القوم الظالمين﴾ وقت اختيارهم الظلمَ، أو: لا يهدي مَن سبق في علمه أنه يكون ظالماً، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد. ﴿ قل يا أيها الذين هادوا إِن زعمتم أنكم أولياءُ لله من دون الناس فتَمَنَّوا الموتَ إِن كنتم صادقين﴾ ، كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ، أي: إن كان قولكم حقًا، وكنتم على ثقة، فتمنُّوا على الله أن يُميتمكم ويبعثكم سريعاً إلى دار كرامته، التي أعدّها لأوليائه، فإنّ الحبيب يُحب لقاء حبيبه، وينتقل من دار الأكدار، إلى دار السرور والهناء، قال تعالى: ﴿ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم﴾ من الكفر والمعاصي الموجبة للنار. والباء متعلقة بما يدل عليه النفي، أي: يأبون ذلك بسبب ما قدمت أيديهم،

стр. 3087

﴿والله عليم بالظالمين﴾ أي: بهم. وإيثار الإظهار في موضع الإضمار لذمهم والتسجيل عليهم بالظلم في كل ما يأتون وما يذرون من الأمور، التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل من ولاية الله. ثم إنهم لم يجسر أحدٌ منهم أن يتمناها، بل فرٌّوا منها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الموت الذي تفرون منه﴾ ولم تجسروا أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم، ﴿فإنه مُلاقيكم﴾ لا محالة، من خير صارف يلويه، ولا عاطف يُثنيه، وقد قال ﷺ : " لو تَمَنَّوه لماتوا من ساعتهم "، وهذه إحدى المعجزات. ودخلت الباء في خبر " إن " مع أنه لا يجوز: إن زيداً فمنطلق؛ لأنَّ " الذي " قد عُرف فيه معنى الشرط والجزاء، كأنه قيل: إن فررتم من أي موت كان؛ من قتال أو غيره، فإنه ملاقيكم، ﴿ثم تُرَدُّون إلى عالم الغيب والشهادة﴾ الذي لاتخفى عليه خافية، ﴿فيُنبئكم بما كنتم تعملون﴾ من الكفر والمعاصي، بأن يجازيكم عليها. قال الكواشي: أكذب اللهُ اليهودَ في ثلاث، افتخروا بأنهم أولياء الله فكذبهم بقوله: ﴿فتَمنَّواالموتَ﴾ وبأنهم أهل الكتاب، والعرب لا كتاب لهم، فشُبِّهوا بالحمار يحمل أسفاراً، وبالسبت، وأنه ليس للمسلمين مثله، فجعل الله لهم الجمعة. هـ. ولذلك ذكرها بإثر تكذيبهم. الإشارة: مَثَلُ الذي يقرأ القرآن ويتلوه ولا يتدبّر معانيه، أو يقرأ العلم ولا يعمل به، كمثل الحمار..الخ. وعُروض الموت على النفس، أو العمل أو الحال، ميزان صحيح، فكل حال وعمل، أو شخص هزمه الموت فهو معلول، وحب البقاء للترقِّي والتوسعة في المعرفة محمود، وغيره مذموم، وقد تقدّم في البقرة تفصيل ذلك، فراجعه إن شئت. وأمّا تمني الموت فقد نُهي عنه، إلاّ لخوف الفتنة، فقد قال ابن عباس لعمر ﵄: ما لك تُكثر الدعاء بالموت؟ وما الذي مَلِلت من العيش؟ أما تُقوّم فاسداً وتعين صالحاً؟ فقال عمر: يا بن عباس! كيف لا أتمنى الموت، وأطلب القدوم على الله، ولست أرى في الناس إلاّ فاتحاً فاه لِلعدة من الدنيا إمّا بحق لا يثق به، أو بباطل لا يناله، ولولا أن يسألني ربي عن الناس لفررت منهم، وتصبح الأرض مني بلاقع. هـ. وقيل لسفيان الثوري: لِمَ تتمنَّ الموت، وقد نهى رسولُ الله ﷺ عنه؟ فقال: إن سألني ربي عن ذلك أقول: لثقتي بك يا رب، وخوفي من الناس، ثم أنشد: قد قلتُ لمّا مَدَحوا الحياة وأسرفوا في الموت ألف فضيلة لا تُعرف فيها أمان لقائه بلقائه وفراق كل معاشرِ لا يُنصِف وقال طاوس: لا يحرز المرء إلاَّ حفرته، وأنشدوا: يبكي الرجالُ على الحياة وقد أفنى دموعي شوقي إلى الأجل

стр. 3088

أموت من قبل أن يفر مني دَهْري فإني منه على وجل يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ ، والإمام على المنبر، و " مِن " بيان لـ " إذا " أو تفسير لها، وقيل: " مِن " بمعنى " في " كقوله: ﴿مَاذَا خَلَقُواْ مِن ألأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠ والأحقاف: ٤] أي: في الأرض. وإنما سُمي جُمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة، وقيل: أول مَن سمّاها جمعة: كعب بن لؤي، وكان يُسمى العروبة، وقيل: إنَّ الأنصار قالوا قبل الهجرة: لليهود يومٌ يجتمعون فيه في كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلُموا نجعل يوماً نجتمع فيه، فنذكر الله نُصلّي، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم الجمعة، فاجتعوا إلى سعد بن زُرارة، فصلَّى بهم ركعتين، وذكَّرهم، فسموه يومَ الجمعة، لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة ـ أي: بعد ذلك ـ تقريراً لفعلهم، فهي أول جمعة كانت في الإسلام. وأما أول جمعة جمعها رسولُ الله ﷺ فهي لمَا قَدِم المدينةَ مهاجراً، نزل قباء، على بَني عَمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء الأربعاء والخميس، وأسّس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً إلى المدينة، فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف، في بطن وادٍ لهم، وقد بنوا هناك مسجداً، فخطب، وصلّى الجمعة فيه. انظر الثعلبي. ويم الجمعة سيد الأيام، وفي الحديث: " مَن مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووُقي فتنة القبر ". فإذا نُودي للصلاة ﴿فاسْعَوا إِلى ذكر الله﴾ أي: امشوا واحضروا الخطبة والصلاة ﴿وذَرُوا البيع﴾ أي: اتركوا المعاملة كلها، وإنما خص البيع؛ لأنّ يوم الجمعة كان سوقًا يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال، فقيل لهم: بادِروا إلى تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، ﴿واسْعَوا إِلى ذكر الله﴾ الذي لا شيء أنفع منه، ﴿ذلكم﴾ أي: السعي إلى ذكر الله ﴿خيرٌ لكم﴾ من البيع والشراء ﴿إِن كنتم تعلمون﴾ الخير والشر الحقيقيين، أو: إن كنتم

стр. 3089

من أهل العلم. ﴿ فإِذا قُضِيَتِ الصلاةُ﴾ أي: أُدّيت وفرغ منها ﴿فانتشِرُوا في الأرض﴾ ، أمْرُ إباحة، أي: اخرجوا لإقامة مصالحكم، ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ ؛ الرزق، قال ابن عباس: " إنما هي عيادة المريض، وحضور الجنائز، وزيارة أخ في الله " ومثله في الحديث، وعن الحسن: طلب العلم، وقيل: صلاة التطوُّع. ﴿واذكروا اللهَ كثيراً﴾ ، أي: ذكراً كثيراً، أو زمناً كثيراً، ولا تخصُّوا ذكره بالصلاة، ﴿لعلكم تُفلحون﴾ أي: كي تفوزوا بخير الدارين. ﴿وإِذا رأَوْا تجارة أو لهوا انفَضُّوا إِليها﴾ ، رُوي أنّ أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقَدِم دِحْيَة بن خَليفةَ، بتجارة من زيت الشام، والنبيُّ ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقاموا إليها؛ خشية أن يُسبقوا إليه، فما بقي معه ﵇ إلاّ ثمانية، أو اثنا عشر؛ العشرة المبشَّرون بالجنة، وبلال وابن مسعود، وقيل: أربعون، وهذا مبنى الخلاف في عدد الجماعة التي تنعقد بهم وتجب عليهم، فقال مالك: تنعقد باثني عشر غير الإمام، وتجب على قرية يُمكنهم الإقامة والدفع عن أنفسهم في الغالب، وقال الشافعي: أربعون رجلاً وقال أبو حنيفة: لا بد من المصر الجامع، والسلطان القاهر، وتصح الصلاة عنده بأربعة. ولمّا انفضُّوا قال ﷺ : " والذي نفس محمد بيده لو قاموا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً " وفي مراسيل أبي داود: إنّ الخطبة كانت بعد الصلاة، فتأوّلوا ﵃ أنهم قد قضوا ما عليهم، فحولت الخطبة بعد ذلك قبل الصلاة. هـ. وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، وهو المراد باللهو. وتخصيص التجارة برجْع الضمير إليها؛ لأنها المقصودة، أو لأن الانفضاض إذا كان للتجارة مع الحاجة إليها مذموماً، فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو، فهو مذموم في نفسه، وقيل: التقدير: إذا رأوا تجارة انفضُّوا إليها، أو لهواً انفضُّوا إليه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه. وقال أبو حيان: وإنما قال: " إليها "، ولم يقل: إليهما، لأن العطف بـ " أو " لا يثنى فيه الضمير، بل يفرد، وقال الطيبي: الضمير راجع إلى اللهو، باعتبار المعنى، والسر فيه: أنَّ التجارة إذا شغلت المكلّف عن الذكر عُدت لهواً، وتعد فضلاً إن لم تشغله، كما ذكر قبل ذلك، فراجعه. ﴿وتَركُوك قائمًا﴾ على المنبر، وفيه ندليل على طلب القيام في الخطبة إلاَّ لعذر. ﴿قل ما عند الله﴾ من الثواب ﴿خير من اللهو ومن التجارة﴾ فإنَّ في ذلك نفع محقق دائم، بخلاف ما فيهما من النفع المتوهم. ﴿واللهُ خيرُ الرازقين﴾ فإليه اسعوا، ومنه اطلبوا الرزق، أي: لا يفوتهم رزق الله بترك البيع، فهو خير الرازقين.

стр. 3090

الإشارة: إذا نُودي لصلاة القلوب في مقام الجمع، من ناحية الداعي إليها، وهم المشايخ العارفون، فاسعوا إلى ذكر الله، ودُوموا عليه باللسان والقلب، ثم بالقلب فقط، ثم بالروح، ثم بالسر، فإنَّ الذكر منشور الولاية، ولا بد منه في البداية والنهاية، قال الورتجبي بعد كلام: الساعي إلى الذكر مقام المريدين، والمحقق في المعرفة غلب عليه ذكر الله إياه بنعت تجلِّي نفسه لقلبه. هـ. ﴿ وذّرُوا البيع﴾ أي: اتركوا كلَّ ما يشغل عن الله، فلا تتجلى الحقائق إلاّ بعد ترك العلائق، ذلكم، أي: ترك كل شاغل، خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون، أي: إن كنتم من أهل العلم بالله فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ... الخ، أي: إذا حصل لكم البقاء بعد الفناء؛ فانتشِروا في أرض العبودية، واتسعوا في ميادين البشرية، بالاستمتاع بالشهوات المباحة بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، وابتغوا من فضل الله، بالتجارات الرابحة، وهي إرشاد العباد إلى الله، ﴿واذكروا الله كثيرا﴾ أي: في كل شيء وعند كل شيء، برؤية الحق في كل شيء، وإليه تُشير وصيته ﷺ لمُعاذ بقوله: " واذكر الله عند كل حَجر وشجر ". وقوله تعالى: ﴿وإِذا رأوا تجارة أو لهوا انفضُّوا إِليها﴾ ، قال القشيري: يُشير إلى السالكين المحرومين من الجذبة ـ وهو السالك الأبتر ـ إذا رأوا تجارة، أي: طاعة تُوجب ثواب الآخرة، يقومون إليها، ويَثبون عليها، نظراً إلى ثواب الآخرة، كما قال ﵇: " لا تكونوا كالأجير السوء، إن أُعطي عمل، وإن لم يُعطَ لم يعمل "، أو لهواً أطرب النفس برؤية الطاعة واستِلْذَاذها بنظر الخلق إليها، انفضُّوا إليها وتركوك ـ أيها السالك الحقيقي ـ قائماً بعبودية الحق، ومشاهدة قيوميته، قل: ما عند الله من المواهب العالية، والعطايا السنية، خيرٌ من لهو النفس برؤية الغير، ومن التجارات بثواب الآخرة، لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلآ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ١١٠] أو: ما عند الله نَقْداً للعارفين من واردات القلوب، وبواده الحقيقية، خير مما يؤمل من الدنيا والآخرة للغافلين، والله خير الرازقين، لإعطائه رزق النفس، وهو الطاعة على المنهاج والشرع، ورزق القلب، وهو الأعمال القلبية، كالزهد والورع والرضا والتسليم والمراقبة، والبسط والقبض، والأُنس والهيبة، ورزق الروح بالتجليات والمشاهدات، والمعاينات والتنزُّلات، ورزق السر برفع رؤية الغير والغيرية، ورزق الخفاء بالفناء في الله والبقاء به. هـ. قال الورتجبي: فيه تأديب المريدين حين اشتغلوا عن صحبة المشايخ، بخلواتهم وعباداتهم، لطلب الكرامة، ولم يعلموا أنَّ ما يجدون في خلواتهم بالإضافة إلى ما يجدون في صحبة مشايخهم لَهْوٌ. هـ. وهو حق. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد، عين عيان التحقيق، وعلى آله وصحبه وسلّم.

стр. 3091

سورة المنافقون يقول الحق ﷻ : ﴿إذا جاءك﴾ أيها الرسول ﴿المنافقون﴾ أي: حضروا مجلسك، ﴿قالوا نشهدُ إِنك لَرسولُ الله﴾ ، أكدوا بإنَّ واللام؛ للإيذان بأنَّ شهادتهم هذه صادرة عن صميم قلبهم، وخلوص اعتقادهم، ووفور رغبتهم ونشاطهم، قال تعالى: ﴿واللهُ يعلم إِنك لَرسوله﴾ حقيقةً، كما يدل عليه ظاهر كلامهم. والجملة معترضة بين شهادتهم وتكذيبهم بقوله: ﴿واللهُ يشهدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون﴾ ، وحكمته: أنه لو لم يذكره لتوهم أنَّ قوله: ﴿واللهُ يشهد إِنَّ المنافقين لكاذبون﴾ إبطال للرسالة، فوسطه بين حكاية قول المنافقين وبين تكذيبهم؛ ليزيل هذا الوهم، ويُحقق الرسالة. وقوله: " لكاذبون " أي: في ادعائهم أنهم قالوا ذلك عن اعتقاد وصميم قلب، كما يُشير إليه ظاهر قولهم. قال القشيري: كذَّبهم فيما قالوا: إنّا نشهد عن بصيرة، ونعتقد تصديقك، فلم يكذبهم في الشهادة، ولكن كذَّبهم في قولهم: إنّا مخلصون مصدِّقون بك. هـ. ﴿اتخَذوا أيمانَهم﴾ الفاجرة ﴿جُنَّةً﴾ ؛ وقاية عما يتوجه إليهم من المؤاخذة بالقتل والسبي، وغير ذلك، واتخاذها جُنَّةً عبارة عن إعدادهم وتهيئهم لها إلى وقت الحاجة، ليحلفوا بها، ويتخلّصوا عن المؤاخذة، ﴿فصَدُّوا﴾ بأنفسهم ﴿عن سبيل الله﴾ وضلُّوا عن طريق الحق، أو: فصّدُّوا مَن أراد الدخول في الإسلام بإلقاء الشُبه، وصدُّوا مَن أراد الإنفاق في سبيل الله بالنهي عنه، كما سيجيء عنهم، ولا ريب أنّ هذا الصدّ منهم متقدم على حلفهم بالفعل، ولذلك عبّر بالاتخاذ. ﴿إِنهم ساء ما كانوا يعملون﴾ من النفاق

стр. 3092

والصدّ. وفي " ساء " معنى التعجب وتعظيم أمرهم للسامعين. ﴿ذلك﴾ أي: ما تقدّم من قولهم، الناعي عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالاً، أو: ما وصف مِن حالهم في النفاق والكذب والاستتار بالأيمان الفاجرة. ﴿بأنهم﴾ ؛ بسبب أنهم ﴿أمنوا﴾ ؛ نطقوا بكلمة الشهادة، كسائر مَن دخل في الإسلام ﴿ثم كفروا﴾ أي: ظهر كفرهم بما شُوهد منهم من شواهد الكفر ودلائله، أو: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ونطقوا بالكفر عند شياطينهم، ﴿فطُبعَ على قلوبهم﴾ ؛ ختم عليها، حتى لا يدخلها الإيمان، جزاء على نفاقهم، فتمرّنوا على الكفر، واطمأنوا به، ﴿فهم لا يفقهون﴾ شيئًا، لا يعرفون حقيَّة الإيمان ولا حقيقته أصلاً. الإشارة: قد يأتي إلى مشايخ التربية مَن يُنافقهم، طمعًا في الدنيا، فيقول: نشهد إنك لَمن العارفين، أو مِن أهل التربية، مثلاً، فَتَجُر الآيةُ ذيلَها عليه، وقد يكون مذبذباً، تارة تلوح له أنوارُ الولاية، وتارة تَستر عنه، فيُصدّق ثم يرجع، ثم يُطبع على قلبه. قال القشيري: ﴿ذلك بأنهم آمنوا﴾ : استضاؤوا بنور الإجابة، فلم يَنْبَسِطْ عليهم شعاعُ نور السعادة، فانطفأ نورُهم بقَهْرِ الحرمان، وبَقوا في ظلمة القسمة السابقة بحكم الشقاوة. هـ. وهنا إشارة أخرى للقشيري، وهو: إذا جاءك أيها الروح الصافية منافق الهوى والنفس الأمّارة، قالوا: نشهد إنك لَرسول الله، أي: كاملة صافية، يُريدون بذلك توقفها عن الترقي باستحسان ما أدركت، والوقوف معه، والله يعلم إنك لَرسوله، حين تصفى، فتكون محل العِلم الرباني، والوحي الإلهامي، والله يشهد إنهم لكاذبون في ادعاء الشهادة بلا حقيقة، اتخذوا أيمانهم جُنَّة، لئلا تكرّ عليهم بأنوارها، فتُخرجهم عن عوائدهم وشهواتهم، فصُدُّوا عن سبيل الله، حيث بقوا مع عوائدهم، أو: فصدُّوا الروح إن صدقتهم وطاوعتهم، ذلك بأنهم أمنوا، حيث ترد عليهم أنوار الواردات، ثم كفروا؛ رجعوا إلى وطنهم، من الحظوظ، حيث تخمد أنوار الواردات عنهم، فطُبع على قلوبهم، حيث وقفوا مع عوائدهم فهم لا يفقهون: لا يعرفون سر إيجادهم، ولا لماذا خُلقوا. هـ. بالمعنى. يقول الحق ﷻ : ﴿وإِذا رأيتهم تُعْجِبُكَ أجسامُهم﴾ لضخامتها، ويروقك منظرُهم؛ لصباحة وجوههم، والخطاب للرسول ﷺ ، أو: لكل سامع، ﴿وإِن يقولوا تسمعْ لِقَولهم﴾ لفصاحتهم، وذلاقة ألسنتهم، وحلاوة كلامهم، وكان ابن أُبي رجلاً جسيماً صبيحاً، وقوم من المنافقين في مثل صفته، فكانوا يحضرون مجلس الرسول ﷺ ، ويستندون فيه، ولهم جهارة المناظرة، وفصاحة الألسن، فكان النبي ﷺ ومَن معه يُعجبون

стр. 3093

بهم، ويسمعون إلى كلامهم. ﴿كأنهم خُشُب مُسَنَّدةٌ﴾ أي: هم كخشب مُسَنَّدة، شُبِّهوا في جلوسهم في مجلس الرسول صلى الله عليهم وسلم مستندين فيها بخُشب منظومة، مسندة إلى الحائط، في كونهم أشباحاً خاليه من العلم والخير؛ لأنّ الخشب إذا انتُفع بها كانت في سَقفٍ، أو جدارٍ، أو غير ذلك من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً غير منتفع به، أُسند إلى الحائط فشُبِّهوا به في عدم الانتفاع. أو: لأنهم أشباح بلا أرواح، وأجرام بلا أحلام. و " خُشُب " بضمتين، جمع خَشبة، كَثمرة وثُمُر، ويسكن، كبَدنة وبُدن. ﴿يحسبون كلَّ صيحةٍ﴾ واقعة ﴿عليهم﴾ ، فـ " كل ": مفعول أول، و " عليهم ": مفعول ثان، أي: يظنون كلَّ صيحة واقعة عليهم لاستقرار الرعب في قلوبهم، فإذا نادى منادٍ في العسكر، أو انفلتت دابة، أو نُشِدت ضالّة؛ ظنوه إيقاعاً بهم. ﴿هم العدوُّ﴾ أي: الكاملون في العداوة، الراسخون فيها، فإنّ أعدى الأعادي المكاشِر، الذي يُكاشر وتحت ضلوعه الداء. فالألف واللام للجنس، أو: للعهد، أي: العدو الذي يشهد لك، ويعتقد خلاف ما يشهد، ﴿فاحْذرهم﴾ ولا تغتر بحلاوة منطقهم، ﴿قاتلهم اللهُ﴾ ، دعاء عليهم، أو: تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم، ﴿أنَى يُؤفكون﴾ أي: كيف يعدلون عن الحق بعد وضوحه، تعجُّباً من جهلهم وضلالتهم. الإشارة: لا عبرة بالأجسام العريضة، ولا بالألسن الفصيحة، إنما العبرة بالقلوب المطهرة، والسرائر المنورة، " إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى صوركم ... " الحديث، و " رُبَّ أشعثَ أغبر، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسمَ على اللهِ لأبَرَّه في قسمه " قال القشيري: قوله تعالى: ﴿وإذا رأيتهم..﴾ الخ، أي: هم أشباح وقوالب، ليس وراءهم ألبابُ وحقائق، والجوزُ الفارغ يؤنق ظاهره، ولكن للعب الصبيان. هـ. وقال الشاعر: وما الحسنُ في وجه الفتى شرفاً له إذا لم يكن في فعله والخلائق وقالت العامة: لا يتكلم إلاَّ الجوز الفارغ، ذمًّا لشقشقة اللسان، وفي الحديث أيضاً ذمهم والتحذير منهم. أما قوله ﷺ : " التمسوا حوائجكم عن حِسَان الوُجُوه " فإنما المراد: ما يظهر على الوجه من البهجة والنور، والخفة والملاحة، مما خامر الباطن من بشاشة الإيمان ونور المعرفة. والله تعالى أعلم.

стр. 3094

يقول الحق ﷻ : ﴿وإِذا قيل لهم﴾ عند ظهور نفاقهم: ﴿تعالَوا يستغفر لكم رسولُ الله لَووا رؤوسَهم﴾ أي: عطفوا استكباراً. وقرأ غير نافع بالتشديد للمبالغة. ﴿ورأيتهم يصُدُّون﴾ أي: يُعرضون عن القائل، أوعن الاستغفار، ﴿وهم مستكبرون﴾ عن الاعتذار والاستغفار. رُوي أنَّ رسولَ الله ﷺ حين لقي بني المصطلق على المُرَيْسيع ـ وهوماءٌ لهم ـ وهزمهم، وقتلهم، ازدحم على الماء " جهجاه " أجير لعُمر ـ مع سِنانٍ ـ حليف لعبد الله بن أُبيّ المنافق ـ فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين! وصرخ سنان: يا للأنصار! فأعان جَهْجَاهاً جُعال من فقراء المهاجرين، ولطم سناناً، فقال ابنُ أُبيّ: أُوَقد فعلوها، وقال: وما صحبنا محمداً إلا لنُلطَم! وما مثلنا ومثلهم إلاَّ كما قائل القائل: سمِّن كلبك يَأكُلْكَ! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ. ثم قال لقومه: كُفوا طعامكم عن هذا الرجل، ولا تُنفقوا على مَن عنده حتى ينفضُّوا ويتركوه، فسمع ذلك زيدُ بن أرقم، وكان حدثاً، فقال: أنت ـ والله ـ الذليلُ، المبَغَّضُ في قومك، ومحمد على رأسه تاج المعراج، في عزّ من الرحمن، وقوةٍ من المسلمين، فقال عبد الله: اسكت، فإنما كنتُ ألعب، فأخبر زيدٌ رسولَ الله ﷺ ، فقال عمر ﵁: دعني أضرب عنقَ المنافق! فقال رسولُ الله ﷺ : " إذن تُرْعَدُ أنوفٌ كثيرة بيثرب " قال: فإن كرهت أن يقتله مُهاجريّ، فمُر به أنصاريًّا، فقال: " فكيف إذا تحدّث الناسُ أنّ محمداً يقتل أصحابه؟ " فأرسل ﷺ له، فأتى، فقال: " أنت صاحب الكلام الذي بلغني "؟ فقال: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلتُ شيئاً من ذلك، وإنّ زيداً لكاذب، وهو قوله: ﴿اتخَذوا أَيمانهم جُنَّة﴾ فقال الحاضرون: يا رسول الله! شيخُنا وكبيرُنا، لا تُصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون قد وَهم، قال زيد: فوجدتُ في نفسي، ولآمَنِي الناسُ، فلزمتُ بيتي، فلما نزلت الآية، قال رسولُ الله ﷺ لزيد: " يا غلام إنَّ الله قد صَدَّقك وكذّب المنافقين "، فلما بان كذب عبد الله؛ قيل له: قد نزلت فيك آيٌ شِدادٌ، فاذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، فلوى رأسه، وقال: أمرتموني أن أومن فآمنتُ، وأمرتموني أن أزكي مَالي، فزكّيتُ، ما بقي لي إلاّ أن أسجد لمحمد، فنزل: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا ... ﴾ الآية، وما بقي إلاّ أياماً حتى اشتكى ومات.

стр. 3095

قاله النسفي، فانظره، مع أنّ سورة براءة متأخرة عن هذه، وفيها: ﴿وَلآ تُصَلِ عَلَى أَحَدٍ مّنْهُم ... ﴾ [التوبة: ٨٤] التي نزلت فيه. قالت تعالى: ﴿سواءٌ علَيهم أّسْتغفَرتَ لَهم أَم لَم تستغفرْ لَهم﴾ ، أي: لا مساغ للنصح فيهم، ﴿لَن يَغفِرَ اللهُ لَهُم﴾ أي: ما داموا على النفاق. والمعنى: سواء عليهم الاستغفار وعدمه؛ لأنهم لا يلتفتون إليه، ولا يعتدون به؛ لكفرهم، أو لأنّ الله لا يغفر لهم أبداً، ﴿إِنَّ اللهَ لا يهدي القوم الفاسقين﴾ ؛ لإصرارهم على الفسق، ورسوخهم في الكفر والنفاق. والمراد: إما هم بأعيانهم، والإظهار في موضع الإضمار لبيان غلوهم في الفسق، أو: الجنس، وهم داخلون في زمرتهم دخولاً أولياً. ﴿هم الذين يقولون﴾ للأنصار: ﴿لا تُنفقوا على مَن عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ ؛ يتفرقوا، وهذه المقالة كانت السبب في استدعائه إلى الاستغفار، كما تقدّم، فحقها التقديم قبل قوله: ﴿وإِذا قيل لهم تعالوا﴾ وإنما أُخرت ليتوجه العتاب إليه مرتين، كما تقدّم في سورة البقرة. ثم قال تعالى، في الرد على الخبيث: ﴿ولله خزائنُ السموات والأرض﴾ ، فهو رد وإبطال لما زعموا من أنَّ عدم إنفاقهم يؤدي إلى انفضاض الفقراء من حوله ﷺ ببيان أنَّ خزائن الأرزاق بيد الله تعالى خاصة، يُعطي مَن يشاء، ويمنع مَن يشاء، فيرزق منها المهاجرين، وإن أمسك أهلُ المدينة عنهم، ﴿ولكنَّ المنافقين لا يفقهون﴾ ؛ ولكن عبد الله وأضرابه لايفقهون ذلك فيهتدون، بما يُزيِّن لهم الشيطان. ﴿يقولون لئن رجعنا﴾ من غزوة بني الصطلق ﴿إِلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعَزُّ منها﴾ يعني: نفسه ـ لعنه الله ـ ﴿الأذلَّ﴾ يعني: جانب المؤمنين، وإسناد القول بذلك إلى المنافقين؛ لرضاهم به، فردّ تعالى عليهم ذلك بقوله: ﴿وللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ولله الغلبة والعزّة، ولِمن أعزّه من رسوله والمؤمنين، لا لغيرهم، كما أنَّ المَذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. وعن بعض الصالحات، وكانت في هيئة رثّة من الفقر: ألستُ على الإسلام، وهو العزّ الذي لا ذُلّ معه، والغنى الذي لا فقر معه؟ وعن الحسن بن عليّ ﵁: أنَّ رجُلاً قال لهُ: إنَّ فيك تيهاً؟ قال: ليس بتيه، ولكنه عزّة، وتلا هذه الآية. هـ. ﴿ولكنَّ المنافقينَ لا يعلمون﴾ ذلك؛ لفرط جهلهم وغرورهم، فيهذون ما يهذون. رُوي أنَّ ولد عبد الله بن أُبيّ، واسمه عبد الله، وكان رجلاً صالحاً، لَمَّا سمع الآية جاء إلى أبيه، فقال له: أنت والله يا أبت الذليل، ورسول الله العزيز، ووقف على باب السكة التي يسلكها أبوه، وجرّد السيف، ومنعه الدخول، وقال: والله لا دخلتَ منزلك إلاَّ أن يأذن في ذلك رسولُ الله ﷺ ، وعبد الله في أذل حال، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فبعث إليه: " أن خَلِّه يمضي إلى منزله، وجزاه خيراً " فقال: الآن فنعم. هـ.

стр. 3096

الإشارة: مَن تكبّر عن حط رأسه للأكابر ففيه خصلة من النفاق، والمراد بالأكابر: الأولياء العارفون بالله، مَن تكبّر عنهم مات، وفيه بقية مِن النفاق، إذ لا يخلو منه إلاّ بالتطهير الكبير على أيدي المشايخ، وكذلك مَن منع الناس مِن الإنفاق على أهل النسبة، كائناً ما كانوا، فشُؤمه الحرمان من نسيم أهل الوصلة، ﴿ولله خزائن السماوات والأرض﴾ أي: خزائن الأرزاق الحسية والمعنوية، فقد يُعطي أحدهما دون الآخر، وقد يعطيهما معاً، أو: يمنعهما معاً، على حسب المشيئة، قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: ﴿ولله خزائن السماوات والأرض﴾ وقال الجنيد: خزائن السماوات: الغيوب، وخزائن الأرض: القلوب، وهم علاّم الغيوب، ومُقلِّب القلوب. وكان الشبلي يقرأ: ﴿ولله خزائن السماوات والأرض﴾ ويقول: فأين تذهبون. هـ. أي: حين تهتمون بالرزق بعد هذه الآية. ﴿ وَلِلَّهِ العزةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، قال بعضهم: عزة الله: قهره، وعزته لرسوله: إظهاره، وعزتُه للمؤمنين: نصره إياهم على مَن آذاهم. وقيل: عزة الله: الولاية ﴿هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف: ٤٤] ، وعزة الرسول: الكفاية والعناية، وعزة المؤمنين: الرفعة والرعاية، وقيل: عزة الله: الربوبية، وعزة الرسول: النبوة، وعزة المؤمنين: العبودية، فإذا أردتَ أيها العبد أن تكون عزيزاً فارفع همتك عن الخلق، وسُد باب الطمع، وتحلَّ بحلية الورع. قال بعضهم: والله ما رأيتُ العزّ إلاَّ في رفع الهمة عن الخلق، وقال آخر: ما قُذِّر لماضغيك أن يمضغاه فلا بدّ أن يمضغاه، فامضغه ـ ويحك ـ بعز، ولا تمضغه بذل. هـ. يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تُلهكم أموالكُم﴾ أي: لايشغلكم الاهتمام بتدبير أمورها، والاعتناء بمصالِحها، والتمتُّع بها، ﴿ولا أولادُكم﴾ أي: سروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والاستغراق في الأسباب، للنفقة عليهم ﴿عن ذكر الله﴾ أي: عن الاشتغال بذكره ، من الصلاة، والذكر، وسائر العبادات، والمراد: نهيهم عن التلهي بها، وتوجيه النهي لهم للمبالغة، كقوله تعالى: ﴿وَلآ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢] ، ﴿ومن يَفْعَلْ ذلك﴾ أي: التلهي بالدنيا عن الدين ﴿فأولئك هم الخاسرون﴾ ؛ الكاملون في الخسران، حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني. ﴿وأَنفِقوا مِن مَّا رزقناكم﴾ أي: بعض ما رزقناكم، تفضُّلاً، من غير أن يكون

стр. 3097

حصوله من جهتكم ادخاراً للآخرة، وهو عام في المفروض والمندوب، ﴿مِن قبل أن يأتي أحدَكُم الموتُ﴾ بأن يُشاهد دلائله، ويُعاين أمارته ومخايله. وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام بما قدّم، والتشويق لِما أخّر، ﴿فيقولَ﴾ حين تَيَقُنِه بحلوله: ﴿لولا أخَّرتني﴾ ؛ أمهلتني ﴿إلى أجلٍ قريب﴾ ؛ أمدٍ قصيرٍ، ﴿فأصَّدَّقَ﴾ بالنصب، جواب التمني، ﴿وأكن من الصالحين﴾ بالجزم، عطفاً على محل ﴿فأصَّدق﴾ أو: على توهُّم إسقاط الفاء، كأنه قيل: إن أخرتني أصَّدَّق وأكن، وقرأ أبو عمرو بالنصب عطفاً على اللفظ. ﴿ولن يُؤخر اللهُ نفساً﴾ ؛ لن يمهلها ﴿إِذا جاء أجَلُهَا﴾ ؛ آخر عُمْرِها المكتوب في اللوح. ﴿واللهُ خبير بما تعملون﴾ فيُجَازيكم عليه، إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشر، فسارعوا إلى الخيرات، واستعِدوا لما هو آت. قال ابن عباس: ما قصَّر أحد في الزكاة والحجِّ إلاَّ سأل الرجعة عند الموت. هـ. والظاهر: أنَّ كل مَن قصَّر في الاجتهاد، وتعمير الأوقات، كله يطلب الرجعة، وكل مَن أدركته المنية قبل الوصول إلى الله مغبون، ولذلك ذكر التغابن بعدها، وفي الحديث: " مَا مِن أحدٍ إلاَّ سيندم عند الموت، إن كان عاصياً أن لو تاب، وإن كان طائعاً أن لو زاد " أو كما قال ﷺ . قال في غريب المنتقى: إنّ العبد يقول عند كشف الغطاء: يا ملك الموت أَخِّرني يوماً أعتذر فيه إلى ربي، وأتوب وأتزوّد صالحاً لنفسي، فيقول المَلك: فَنيت الأيامُ، فلا يوم، فيقول: أخَّرني ساعة، فيقول: فَنِيَت الساعات فلا ساعة. هـ. قيل: لمَّا كانت سورة المنافقين رأس ثلاث وستين سورة، أُشير فيها إلى وفاته ﷺ بقوله تعالى: ﴿ولن يُؤخر اللهُ نفساً إِذا جاء أجلها﴾ فإنه ﷺ مات على رأس ثلاث وستين سنة، وعقبها بالتغابن، ليظهر التغابن في فقده ﷺ . هـ. الإشارة: قد نهى الله تعالى عن الاشتغال عن ذكره بالأموال والأولاد، ويُقاس عليه سائر القواطع، فلا عذر للعبد في تركه في وقت من الأوقات، فما مِن وقت من الأوقات إلاَّ وله حق جديد، وأمر أكيد، لا يُقضى في غيره، فحقوق الأوقات لا تقضى، بخلاف الحقوق التي لها أوقات محدودة، فإنها تُقضى في غيرها، ولمّا كان الذِكر يُطهِّر القلب، ويُخرج ما فيه من حب الدنيا وغيرها، أمر بالإنفاق بعد الأمر به؛ ليسهل الإنفاقَ على العبد. قال بعض الحكماء في مدح الذكر والترغيب فيه: الذكر منشور الولاية، ولا بُد منه في البداية والنهاية، وهو يُثمر أحوالاً شريفة، وماقامات عالية منيفة، وعلوماً لطيفة، ويحيي عوالم طالما كانت قَبْلُ مواتاً، ويُلبِسُ النفسَ وجنودَها ذلة وسُبَاتاً، ونظيره إذا وصل للقلب: كدخول الماء في الأسراب، فإنه يُخرج ما فيها من الحشرات والدواب، فكذلك الذكر، إذا صدم القلب، ودخل سُويداءه، فإنه يُخلصه مِن مساكنة صلصال النفس، ويُزيل

стр. 3098

عن ناظره الغشاوة واللبس، ولهذا كان أفضل الأعمال، وأزكى الأحوال، وفُضّل على جهاد السيف والقتال. هـ. وأنفِقوا مما رزقناكم من العلوم والمعارف، لمَن يطلبها وكان أهلاً لها، بعد إنفاق ما عنده من الحس، وإلاَّ فلا خير في فقير شحيح، فإنه مِن أقبح كل قبيح. فانتهزوا الفرصة، وبادِروا نفوذ الأجل، فالترقي إنما تهو في هذه الدار. قال القشيري: لا تَغْتَرُّوا بسلامةِ أوقاتِكم، وتَرَقَّبوا بغَتَات آجالكم، وتأهَّبوا لِما بين أيديكم من الرحيل، ولا تعرجوا في أوطان التسويف. هـ. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

стр. 3099

سورة التغابن يقول الحق ﷻ : ﴿يُسبِّح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ أي: يُنزّهه سبحانه جميعُ ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه، قال القشيري: المخلوقات بجملتها مُسَبِّحةٌ لله، ولكن لا يَسْمَعُ تسبيحَها مَن فيه طَرَشُ النكرة. هـ. ﴿له الملكُ وله الحمدُ﴾ لا لغيره؛ إذ هو المبدىء لكلّ شيء، وهو القائم به، والمهيمن عليه، وهو المُولي لأصول النِعم وفروعها، وأمّا ملك غيره فاسترعاء من جنابه، وحمد غيره اعتداد بأنّ نعمة الله جرت على يديه. فتقديم الظرفين للاختصاص. ﴿وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ﴾ ؛ لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى كل سواء. ﴿هو الذي خَلَقَكُم﴾ خلقاً بديعاً، حائزاً لجميع الكمالات العلمية والعملية، ومع ذلك ﴿فمنكم كافرٌ﴾ أي: فبعض منكم مختار للكفر كاسباً له، على خلاف ما تستدعيه خِلقته، ﴿ومنكم مؤمن﴾ مختار للإيمان، كاسباً له، على حسب ما تقتضيه خِلقته، وكان الواجب عليكم جميعاً أن تكونوا مختارين للإيمان، شاكرين لنِعم الخلق والإيجاد، وما يتفرّع عليهما من سائر النِعم، فما فعلتُم ذلك مع تمام تمكُّنكم منه، بل تشعّبتم شعباً، وتفرقتم فِرَقاً. وتقديم الكفر لأنه الأغلب والأنسب للتوبيخ. قال القشيري: ﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ أي: في سابق علمه سمَّاه كافراً، لعلمه أنه يكفر، وكذلك المؤمن. هـ.

стр. 3100

قال أبو السعود: حَمْله على ذلك مما لا يليق بالمقام، فانظره. ﴿واللهُ بما تعملون بصيرٌ﴾ فيُجازيكم بذلك، فاختاروا منه ما ينفعكم من الإيمان والطاعة، وإياكم وما يرديكم من الكفر والعصيان. ﴿خَلَقَ السماوات والأرضَ بالحق﴾ ؛ بالحكمة البالغة، المتضمنة للمصالح الدينية والدنيوية، حيث جعلها مقرًّا للمكلّفين ليعملوا فيُجازيهم، ﴿وصوَّركم فأّحْسَن صُوَركم﴾ حيث أنشأكم في أحسن تقويم، وأودع فيكم من القُوى والمشاعر الظاهرة والباطنة، ما نيط بها جميع الكمالات البارزة والكامنة، وخصَّكم بخلاصة خَصائص مُبدعاته، وجعلكم أنموذجَ جميع مخلوقاته، فالكائنات كلها منطوية في هذه النشأة. قال النسفي: أي: خلقكم أحسن الحيوان كلّه، وأبهاه، بدليل: أنّ الإنسان لا يتمنّى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومِن حُسن صورته: أنه خلق منتصباً غير منكبٍّ، ومَن كان دميماً، مشوّه الصورة، سمج الخلقة، فلا سماجة ثمَّ، ولكن الحسن على طبقات، فلانحطاطها عمّا فوقها لا تستملح، ولكنها غير خارجة عن حدّ الحُسن. وقال الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان. هـ. قلت: وما أشار إليه هو الذي نظمه الجيلاني في عينيته، حيث قال: وكُلُّ قبيحٍ إنْ نَسَبْتِ لحُسْنِه أَتَتْكَ مَعَانِي الحُسْنِ فِيهِ تُسارعُ يُكَمِّل نُقصانَ القبيحِ جَمَالُه فَما ثَمَّ نُقصانٌ. وَلاَ ثَمَّ بَاشِعُ ﴿وإِليه المصيرُ﴾ في النشأة الأخرى، لا إلى غيره، فأحسِنوا سرائركم، باستعمال تلك القوى والمشاعر فيما خُلقن له. ﴿يعلمُ ما في السماوات والأرض ويعلم ما تُسِرُّون وما تُعلنون﴾ أي: ما تُسرونه فيما بينكم، وما تُظهرونه من الأمور، والتصريح به مع اندراجه فيما سبق قبله؛ لأنه الذي يدور عليه الجزاء، ففيه تأكيد للوعد والوعيد، وتشديد لهما. وقوله تعالى: ﴿واللهُ عليم بذاتِ الصُدور﴾ : تذييل لِما قبله، ومُقَرِّر له، من شمول علمه تعالى لسِرِّهم وعلنهم، أي: هو محيط بجميع المضمرات المستكنة في صدور الناس، بحيث لا يُفارقها أصلاً، فكيف يخفى عليه ما يُسرونه وما يُعلنونه، فحق أن يُتقى ويُحذر. وإظهار الجلالة للإشعار بعلية الحكم، وتأكيد استقلال الجملة. قيل: وتقدّم تقرير القدرة على تقرير العلم؛ لأنّ دلالة المخلوقات على قدرته تعالى بالذات، وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأوصاف، وكل ما ذكره بعد قوله: ﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يُعصى الخالق ولا تُشكر نِعَمه. قال الطيبي: الفاء في " فمنكم " تفصيلية، والآية كلها واردة لبيان عظمة الله في مُلكِه وملكوته، وذلك أنه تعالى لمّا أثبت لذاته الأقدس التنزيه، وأنّ كل شيء ينزهه ويُقدّسه عما

стр. 3101

لا يَليق بجلاله، ثم خصّ أنه لوصفه بالمالكية على الإطلاق، وكل كمال وجمال ونعمةٍ وإفضال منه، وهو خالق كل مهتدٍ وضال، ونظم دليل الآفاق مع ليل الأنفس، وبيّن أنَّ إليه المصير، ختم ذلك بإثبات العلم الشامل للكليات والجزئيات، وكرره تكريراً، وأكّده توكيداً، وكأنَّ ذكر العلم في قوله: ﴿والله بما تعملون بصيرٌ﴾ استطراد لذكر الخلق وتفصيله، ولإثبات القضاء والقدر، ولمّا فرغ من بيان العظمة جاء بالتهديد والوعيد، وقال: ﴿ألم يأتكم ... ﴾ الآية. هـ. الإشارة: هو الذي خلقكم، فمنكم كافر بطريق الخصوص، ومنكم مؤمن بها، داخل فيها، أي: فمنكم عام ومنكم خاص. قال القشيري: فمنكم كافرٌ، أي: سائر للحق بالخلق، ومنكم مؤمن، أي: مُصدِّقٌ بظهور الحق في الخلق. ثم قسَّم الناسَ على ثلاثة: مَن لا يرى إلاّ الخلق، وهم أهل الفرق، ومَن لا يرى إلاّ الحق، وهم أهل الجمع، ومَن يرى الحق في الخلق، والخلق في الحق، لا يحجبه أحدُهما عن الآخر، فهم أهل جمع الجمع. خَلَقَ سماواتِ الأرواح ليُعرف بها، وأرض الأشباح ليُعبد بها، وهو الواحد الأحد، وصوَّركم فأحسن صُورَكم، حيث جعلها جامعة للعوالم العلوية والسفلية؛ لأنَّ الله تعالى خلَقَ آدَم على صُورَتِهِ، وذاته المقدسة جامعة لمظاهر الصفات والأسماء، وتلك المظاهر كلها مجموعة في الصور الآدمية، بخلاف سائر الكائنات، فما في صورتها إلآَّ بعض الأسماء والصفات، فتأمّله. وإليه المصير، أي: وإلى ذاته ترجع جميع الصور والأشكال، فما خرج شيء عن إحاطة الذات والصفات، يعلم ما تُسرُّون من العقائد الصحيحة، وما تُعلنون من العبادات الخالصة، أو: ما تُسرُّون من الكشوفات الذوقية، وما تُعلنون من العبودية الاختيارية، هذا في خاصة أهل الظاهر وأهل الباطن، أو: ما تُسرُّون من العقائد الفاسدة، وما تُعلنون من الأعمال الخبيثة، أو: ما تُسرُّون من الاتحاد أو الحلول، وما تعلنون من العمل والمعلول، وهذا في طالحي الفريقين.

стр. 3102

يقول الحق ﷻ : لكفار مكة ﴿ألم يأتكم نبأُ الذين كفروا من قبلُ﴾ ؟ كقوم نوح، ومَن بعدهم من الأمم المُصرَّة على الكفر، ﴿فذاقوا وبالَ أمرهم﴾ أي: شؤم كفرهم في الدنيا من الهلاك والاستئصال. والوبالُ: الثقل والشدة، وأمرهم: كفرهم، عبّر عنه بالأمر إيذاناً بأنه أمر هائلٌ، وجناية عظيمة، و " ذاقوا " عطف على " كفروا " أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا فذاقوا من غير مهلة ما يسْتتبعُهُ كفرهم في الدنيا؟ ﴿ولهم في الآخرة عذابٌ أليم﴾ لا يُقادَر قدره. ﴿ذلك﴾ أي: ما ذكر من العذاب الذي ذاقوه في الدنيا، وما سيذوقونه في الآخرة ﴿بأنه﴾ ؛ بسبب أن الشأن ﴿كانت تأتيهم رُسُلهم بالبينات﴾ ؛ بالمعجزات الظاهرة، ﴿فقالوا أَبَشَرٌ يهدوننا﴾ أي: قال كلُّ قوم من المذكورين في حق رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات منكرين كون الرسول من البشر، متعجبين من ذلك ﴿أَبَشرٌ﴾ مِن جنس البشر ﴿يهدوننا﴾ ، أنكروا رسالة البشر، ولم ينكروا عبادةَ الحجر، ﴿فكفروا﴾ بالرسل ﴿وتَوَلَّوا﴾ عن التدبُّر فيما أتوا به من البينات، أو: عن الإيمان بهم، ﴿واستغنى اللهُ﴾ أي: أظهر استغناءه عن إيمانهم وطاعتهم، حيث أهلكهم وقطع دابرهم، ولولا استغناؤه تعالى عنها ما فعل ذلك، ﴿والله غنيٌّ﴾ عن العالمين، فضلاً عن إيمانهم وطاعتهم، ﴿حميدٌ﴾ يحمده كلُّ مخلوقٍ بلسان الحال والمقال، أو: مستحق للحمد بذاته، وإن لم يحمده حامد. ثم ذكر كفرهم بالبعث، فقال: ﴿زَعَمَ الذين كفروا أن لن يُبعثوا﴾ ، الزعم: ادّعاء العلم، فيتعدّى إلى مفعولين، سدّ مسدهما " أن " المخففة، أي: أدّعى أهل مكة أنّ الشأن لن يُبعثوا بعد موتهم، ﴿قل بلى وربي لَتُبعثن﴾ ، ردًّا لزعمهم وإبطالاً لِما نفوه مؤكَّداً بالقسم، فإن قلْتَ: ما معنى اليمين على شيء أنكروه؟ قلتُ: هو جائز؛ لأنّ التهديد به أعظم موقعاً في القلب، فكأنه قيل: ما تنكرونه والله إنه لواقع لا محالة، ﴿ثم لتُنبَّؤنَّ بما عَمِلتم﴾ أي: لتُحاسبن وتُجزون بأعمالكم، ﴿وذلك﴾ أي: ما ذكر من البعث والحساب ﴿على الله يسيرٌ﴾ هيّن، لتحقق القدرة التامة، وقبول المادة للإعادة. الإشارة: ألم يأتكم يا معشر المنكِرين على أولياء زمانكم، خبر مَن أنكر قبلكم، ذاقوا وبالَ أمرهم حيث ماتوا محجوبين عن شهوده، مطرودين عن ساحة قربه، ذاقوا وبال أمرهم في الدنيا؛ الجزع والهلع وتسليط الخواطر والشكوك، ولهم في الآخرة عذاب البُعد والحِجاب، وسبب ذلك: إنكار الخصوصية عند بشر مثلهم، فكفروا به، وتولَّوا عنه، والله غني عنهم، وعن توجههم، وعن جميع الخلق، زعم الذين كفروا؛ ستروا الحق بالخلق، أي: احتجبوا بالخلق عن شهود الحق، أن لن يُبعثوا على معتقدهم، قل: بلى وربي لتُبعثن، كما عشتم محجوبين عن رؤية الحق إلاّ نادراً؛ لأنَّ العبد يموت على ما عاش، ويُبعث على ما مات، من معرفةٍ أو نكران، ثم لتُحاسبن على أعمالكم، لا يغادَر منها صغيرةٌ ولا كبيرةٌ، بخلاف العارفين، لا يُرفع لهم ميزان، ولا يتوجه لهم حساب، حيث

стр. 3103

فَنوا عن أنفسهم، وبقوا بالله، وهم من السبعين ألفاً. وبالله التوفيق. قلت: الفاء في قوله ﴿فأمِنوا﴾ فصيحة، مفصحة عن شرط مقدر، أي: إذا كان الأمر كما ذكرنا من وقوع البعث لا محالة فآمِنوا وتأهّبوا له. يقول الحق ﷻ : ﴿فآمِنوا بالله ورسوله﴾ محمد ﷺ ، ﴿والنورِ الذي أنزلنا﴾ وهو القرآن، فإنه بيّن حقائق الأشياء، فيهتَدي به كما يهتدى بالنور. والالتفات في " أنزلنا " لكمال العناية بالإنزال، ﴿والله بما تعملون﴾ من الامتثال وعدمه ﴿خبير﴾ ، فيجازيكم عليه. وإظهار اسم الجليل لتربية المهابة، وتأكيد استقلال الجملة. واذكر ﴿يومَ يجمعكم﴾ أو: لَتنبؤنَّ، أو خبير ﴿يوم يجمعكم ليوم الجمع﴾ وهو يوم يُجمع فيه الأولون والآخرون للحساب والجزاء، ﴿ذلك يوم التغَابُنِ﴾ ، مستعار من: تغابن القومُ في التجارة، وهو أن يُغبن بعضُهم بعضاً، لنزول السعداء منازلَ الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء لو كانوا أشقياء، كما ورد في الحديث. وقد يتغابن الناسُ في ذلك اليوم بتفاوت الدرجات، وذلك هو التغابن الحقيقي، لا التغابن في أمور الدنيا، ﴿ومَن يؤمن بالله ويعمل صالحاً نُكَفِّرْ﴾ بنون العظمة لنافع والشامي، وبياء الغيبة، أي: يُكَفِّر الله ﴿عنه سيئاتِه ونُدْخِلْه جنات﴾ أو: يُدخله الله ﴿جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها أبداً ذلك﴾ أي: ما ذكر من تكفير السيئات وإدخال الجنات ﴿الفوزُ العظيم﴾ الذي لا فوز وراءه؛ لانطوائه على النجاة من أعظم الهلكات، والظفر بأجل الطلبات. ﴿والذين كفروا وكَذَّبوا بآياتنا أولئك أصحابُ النار خالدين فيها وبئس المصير﴾ ؛ المرجع، كأنّ هاتين الآيتين الكريمتين بيان لكيفية التغابن. والله تعالى أعلم. الإشارة: فأمِنوا بالله ورسوله إيمان العيان، لا إيمان البرهان، أي: قدِّموا إيمان البرهان، ثم سيروا إلى مقام العيان، وآمِنوا بالقرآن، وصَفُّوا مرآة قلوبكم حتى تسمعوه منا بلا واسطة، واذكروا يومَ يجمعكم ليوم الجمع الدائم لأهل الجمع في الدنيا، ذلك يوم

стр. 3104

التغابن، يغبن الذاكرون الغافلين، والمجتهدون المقصّرين، والعارفون بالله والمحجوبين عنه، وهذا هو الغبن الكبير، ومَن يُؤمن بالله، ثم يَجْهد في شهود الله، ويعمل عملاً صالحاً، وهو العمل بالله، نُكفِّر عنه سيئاته، أي رؤية أعماله ووجوده، أي: نُغَطِّي وصفَه بوصفي، ونعتَه بنعتي، ونُدخله جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحِكم، وذلك هو الفوزُ العظيم، أي: خَلْع الوجود المجازي عنه، وإلباس الوجود الحقيقي هو الفوز العظيم. والذين كفروا بطريق الخصوص، وكذَّبوا بآياتنا، وهم العارفون الدالون على الله، أولئك أصحاب النار، أي: نار الحجاب وجحيم الاحتجاب، خالدين فيها، وبئس المصير الحجاب والاحتجاب. يقول الحق ﷻ : ﴿ما أصاب من مُصيبةٍ﴾ دنيوية أو أخروية ﴿إِلاّ بإذن الله﴾ أي: بتقديره وإرادته، كأنها بذاتها متوجهة إلى الإنسان، متوقفة على إذنه تعالى، ﴿ومَن يُؤمن بالله﴾ أي: يُصدِّق بأنّ المقادير كلها بيد الله ﴿يَهْدِ قلبه﴾ للرضا والتسليم، أو الاسترجاع، فيقول: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون، أو: يَهْدِ قلبه حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وعن مجاهد: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن ظُلم غفر. ونقل ابن عطية عن المفسرين: أنّ المراد: مَن اعترف بالقدر هانت عليه المصيبة، وسلَّم لأمر الله تعالى. ﴿واللهُ بكل شيءٍ عليمٌ﴾ فيعلم ما في القلوب من برد الرضا أو حرارة التدبير. ﴿وأطيعوا اللهَ﴾ فيما أمركم به، ومن جملته: الرضا بقضائه عن المصائب، ﴿وأطيعوا الرسولَ﴾ فيما سنَّ لكم من الأخلاق الطيبة، وكرر الأمر للتأكيد والإيذان بالفرق بين الطاعتين في الكيفية، ﴿فإِن توليتم﴾ عن طاعتهما ﴿فإنما على رسولنا البلاغُ المبين﴾ ، وهو تعليل للجواب المحذوف، أي: فإن تُعرضوا فلا بأس عليه؛ إذ ما عليه إلاّ البلاغ، وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه. وإظهار الرسول مضافاً إلى نون العظمة في مقام إضماره لتشريفه ﷺ والإشعار بأنّ مدار الحكم، الذين هو وظيفته ﵇ هو محض التبليغ، ولتشنيع التولِّي عنه. ﴿اللهُ لاَ إِله إِلاَّ هُوَ﴾ لا يستحق العبادة غيره، فـ " الله ": مبتدأ، و " لاَ إله إِلاَّ هُوَ ": خبره، ﴿وعلى الله﴾ دون غيره ﴿فليتوكل المؤمنون﴾ ، حَثّ رسولَه ﷺ على التوكُّل عليه حتى ينصره الله، وهي عامة لغيره، وإظهار الجلالة في موضع الإضمار للإشعار بعليّة

стр. 3105

التوكُّل والأمر به، فإنّ الألوهية مقتضية للتبتُل إليه تعالى بالكلية، وقطع التوكُّل عما سواه بالمرة. الإشارة: ما من نَفَس تُبديه، إلاَّ وله قَدَر فيك يُمضيه. ما أصاب من مصيبة قلبية أو نفسية، ظاهرة أو باطنة، إلاّ بإذن الله وقَدَرِه، وكذلك ما أصاب من مسرةٍ أو زيادة إلاّ بإذنه تعالى. قال القشيري: أي: أيّ خصلة حَصَلَت فمن قِبَله، خَلْقاً، وبعلمه وإرادته حُكماً، ومَن يؤمن بالله يهدِ قلبه، حتى يهتدي إلى الله في السراء والضراء في الدنيا، وفي الآخرة يهديه إلى الجنة، وقيل: يهديه للأخلاق السنية، وقيل: لاتباع السنّة، واجتنابِ البدعة. هـ. وقال أبو بكر الورّاق: ومَن يؤمن بالله عند النعمة والرخاء فيعلم أنها من فضل الله يهدِ قلبه للشكر، ومَن يؤمن بالله عن الشدة والبلاء، فيعلم أنها من الله يَهْد قلبه للصبر والرضا. هـ. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر والمتبادر: أنّ قوله: ﴿ما أصاب ... ﴾ الآية جمعٌ على الله، ورَدٌّ من الأسباب، والوقوف معها، إلى الوقوف مع قضائه، وإنما يجد ذلك المؤمن بالله، وأمّا غيره فصَدْره ضَيق حرج عن قبول المعرفة، ولذلك قال: ﴿ومَن يؤمن بالله يَهْد قلبه﴾ لمعرفته والأطمئنان به، أي: ومَن لم يؤمن يَصْلى نار القطيعة والبُعد، وحرارة التدبير، ففيه ترغيب في الإيمان وتحذير من الكفر، وأنّ الإيمان تعقبه جنة الرضا والتسليم، عاجلاً، والكفر بضد ذلك، فبَعد أن ذكر الجزاء في الآخرة أشار إلى الجزاء المعجّل من اليقين والرضا للمؤمن، وضده للكافر. والله أعلم. هـ. وأطيعوا اللهَ في الفرائض، والرسول في السنن، وقد بقي بعد الرسول خلفاؤه، يسنون السننَ الخاصة، فمَن أعرض عنهم، يقال له: ﴿فإن توليتم ... ﴾ الآية، وتقدّم في آل عمران وغيرها الكلام على التوكُّل. وبالله التوفيق.

стр. 3106

يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنّ مِن أزواجكم وأولادِكم عدواً لكم﴾ يشغلونكم عن طاعة الله تعالى، ويُخاصمونكم في أمور الدنيا، أي: إنَّ من الأزواج أزواجاً يُعادين بعولتهنّ ويخاصمنَهم، ومن الأولاد أولاداً يُعادون آباءهم ويعقّونهم، ﴿فاحذروهم﴾ ؛ كونوا على حذر منهم إن شغلوكم عن الله، فالضمير للعدو، فإنه يُطلق على الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي﴾ [الشعراء: ٧٧] ، أو: للأزواج والأولاد جميعاً، فالمأمور به على الأول: الحذر عن الكل، وعلى الثاني: الحذر من البعض، لأنّ منهم مَن ليس بعدو، وإمّا الحذر عن عموم الفريقين، لاشتمالهما على العدو. ﴿وإِن تَعفوا﴾ عن ذنوبهم القابلة للعفو، بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا، أو بأمور الدين لكن مع التوبة، أو: تعفوا إذا اطّلعتم منهم على عداوة، ﴿وتصفحوا﴾ ؛ تُعرضوا عن التوبيخ، ﴿وتغفروا﴾ ؛ تستروا ذنوبهم، ﴿فإِنَّ الله غفور رحيم﴾ يغفر لكم ذنوبكم، ويعاملكم مثل ما عاملتم. رُوي أنّ ناساً من أهل مكة أرادوا الهجرة، فتعلّق بهم نساؤهم وأولادهم، وقالوا: تنطلقون وتُضيعوننا، فرقُّوا لهم، ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك، ورأوا الذين سبقوهم قد فَقِهُوا في الدين، وحازوا رئاسةَ التقدُّم، أرادوا أن يُعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فرغّبهم في العفو. ﴿إِنما أموالُكم وأولادُكم فتنةٌ﴾ ؛ بلاءٌ ومحنةٌ، يوقعون في الإثم والعقوبة، أو: امتحان واختبار، يختبر بهما عبادَه، هل يصدونهم عن الخير أم لا، فيعرف القويّ في دينه من الضعيف. قال الحسن: أدخل " مِن " للتبعيض في الأزواج والأولاد؛ لأنَّ كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر " مِن " في فتنة الأموال والأولاد؛ لأنها لا تخلو من فتنة واشتغال قلب بها. كان لابن مسعود بَنون كالبُدور، فقيل له ـ وهم بين يديه: أيسرُّونك؟ فقال: لا، إنما يسرُّني لو نفضت يدي من التراب عند دفنهم، فنفوز بأجورهم، قيل له: إنَّ لك الأجر في تربيتهم، فقال: كل ما يشغل عن الله مشؤوم. هـ. من اللباب. وعن ابن مسعود: لا يقل أحدكم: اللهم اعصمني من الفتنة؛ إذ لا يخلو منها أحد، ولكن ليقل: اللهم إنني أعوذ بك من مضلاَّت الفتن. قال أبو بريدة: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، فجاءه الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يجرانهما، يعثران، ويقومان، فنزل رسولُ الله ﷺ عن المنبر، حتى أخذهما، ثم قرأ: ﴿إنما أموالكم وأولادُكُم فتنةٌ﴾ ... الآية، ثم قال " إني رأيت هذين فلم أصبر " ثم أخذ في خطبته. ﴿ واللهُ عنده أجرٌ عظيم﴾ لمَن آثر محبةَ الله وطاعتَه على محبة الأموال والأولاد،

стр. 3107

والسعي في تدبير مصالحهم، وليس في الآية ترهيب من مخالطة الأزواج والأولاد، إنما المراد النهي عن الاشتغال بهم عن ذكر الله وطاعته، فإذا تيسّر ذلك معهم فالمخالطة أولى، فَعَن أنس ﵁: قلت: يا رسول الله؛ الجلوس مع العيال أحب إليك أم في المسجد؟ قال: " جلوس ساعة مع العيال أحب إليَّ من الاعتكاف في مسجدي هذا، ودرهم تُنفقه على العيال أفضل من أن تنفقه في سبيل الله " انظر السمرقندي. ﴿فاتقوا اللهَ مَا استطعتم﴾ أي: ابذلوا جهدَكم وطاقتكم في تقواه، قال ابن عطية: تقدّم الخلاف هل هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أو: مُبيّنة لها، والمعنى: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم، وهذا هو الصحيح. هـ. ﴿واسمَعُوا﴾ ما تُوعظون به، ﴿وأطيعوا﴾ فيما تُؤمرون به ﴿وأَنفِقوا﴾ مما رزقناكم في الوجوه التي أُمرتم، فالإنفاق فيها خالصاً لوجهه ﴿خيراً لأنفسِكم﴾ أي: وائتوا خيراً لأنفسكم، ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ الفائزون بكل خير. ﴿إِن تُقرضوا اللهَ﴾ بصرف أموالكم إلى المصارف التي عيّنها ﴿قرضاً حسناً﴾ مقروناً بالإخلاص ﴿يُضاعِفْهُ لكم﴾ بالواحدة عشراً إلى سبعمائة أو أكثر، ﴿ويغفرْ لكم﴾ ببركة الإنفاق ما فرط منكم، ﴿واللهُ شكورٌ﴾ يُعطي الجزيل في مقابلة القليل، ﴿حليمٌ﴾ لا يُعاجِل بالعقوبة، ﴿عالمُ الغيب والشهادة﴾ لا تخفى عليه خافية، ﴿العزيزُ الحكيمُ﴾ مبالغ في القدرة والحكمة. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما يشغلك عن السير إلى الحضرة، أو عن الترقِّي في معاريج الوصلة، فهو عدو لك، فاحذره، بالفرار من موافقته والوقوف معه، فكن إبراهيميًّا، حيث رمَى أهلَه وولَده في وادٍ غير ذي زرع، وتركهم في كنف الله وحِفْظِه، فانظر كيف حَفِظَهم غايةَ الحفظ، وتولاهم غاية التولي، وجعل أفئدة الناس تهوي إليهم من كل جانب، وانصبّت عليهم الأرزاق من كل ناحية، فهذه عادته تعالى مع أهل التوكُّل والانقطاع إليه. ومِن الأزواج والأولاد مَن يزيد بالرجل ويُعينه على ربه، فهؤلاء ليسوا بأعداء. قال سهل: مَن دعاك مِن أهلك وولدك للميل للدنيا فهو عدو، ومَن واخاك على القناعة والتوكُّل فليس بعدو. هـ. قال القشيري: إنَّ من أزواجكم: نفوسكم الأمَارة، وأولادكم: صفاتها ومُناها وأخلاقها الشهوانية، عدوًّا لكم، يمنعكم عن الهجرة إلى مدينة القلب، الذي هو بيت الرب، فاحذروا متابعتَهم بالكلية، وإن تعفوا عن هفواتكم الواقعة في بعض الأوقات، لكونهم مطية لكم، وتصفحوا عن التوبيخ، وتغفروا: تستروا ظلمتهم بنور إيمانكم وشعاع قلوبكم، فإنّ اللهَ غفور سائر لكم بستر لطفه، رحيم بإفاضة رحمته عليكم. هـ. ببعض المعنى. إنما أموالكم وأولادُكُم فتنةٌ اختبار من الحق، ليعلم مَن يقف معها، أو ينفذ عنها، فأهل العناية لم يشغلهم عن الله شيء، فحين توجّهوا إليه كفاهم أمْرَهم، أو: بالغيبة عنها

стр. 3108

بالخمرة القوية. قال القشيري: أموالكم: أعمالكم المشوبة، وأولادكم: أخلاقكم المكدرة، فكدورة الطبع فتنة توجب افتتانكم بالإعراض عن الحق، والإقبال على الدنيا، وحب الجاه عند الناس، والتفاتهم إليكم بحسن الاعتقاد، والله عنده أجر عظيم بالفناء عن الكل والبقاء بالحق. هـ. ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ أي: غِيبوا عما سوى الله طاقة جهدكم، وتقدّم أنَّ قوله تعالى: ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] خطاب لأهل التجريد، وهذا خطاب لأهل الأسباب، والله تعالى أعلم. وقال ابن عطاء: الاستطاعة على الظواهر والأعمال، وحق تقاته على القلوب والأحوال. هـ. أي: اتقوا الله حق تقاته بتوجيه القلوب إليه بلا التفات، واتقوا الله ما استطعتم بعمل الجوارح قدر الطاقات. قال القشيري: ما أنتم في الجملة مستطيعين، ويتوجه إليكم التكليف، فاتقوا الله، والتقوى عن شهود التقوى، بعد ألاّ يكونَ تقصيرٌ في التقوى غايةُ التقوى. هـ. واسمعوا منا بلا واسطة، وأطيعوا فيما نأمركم به مما يُقرب إلينا، وننهاكم عنه مما يُبعد عنا. قال القشيري: أطيعوا بالنفس لأحكام الشريعة، وبالقلب لآداب الطريقة، وبالروح بطلوع الحقيقة. هـ. وأنفِقوا من أموالكم وعلومكم وأسراركم، على الطالبين والسالكين والواصلين، يكن خيراً لأنفسكم، لأنّ الناس نفس واحدة، فإنفاقك على غيرك إنفاق على نفسك، لانتفاء الغيرية في الأحدية. ومن يُوق شُحَّ نفسه بإنفاقها في مرضاة الله، بأن يُقدمها للمَتالف والمتاعب في طلب الوصول، فأولئك هم المفلحون الظافرون بشهود الحق. قال القشيري: ومَن يُوق شُحَّ نفسه حتى يرتفع عن قلبه الأخطار، ويتحرَّر من رِقِّ المكونات، فأولئك هم المفلحون. هـ. وعن بعضهم: مَن أنفق بكُرهٍ فهو شح، ومَن أَنفق بطوعٍ فهو الفرض، ومَن عُوفي من بلاء الجمع والمنع، والرغبة والحرص، فقد دخل في ميدان الفلاح. هـ. إن تُقرضوا الله بإعطاء وجودكم قرضاً حسناً، من غير اعتبار الغرض والعوض، بالفناء عن شهود القَرْض والحس، يُضاعفه لكم بالوجود الحق، المشتمل على جميع الموجودات الإضافية، ويغفر لكم: يستر عنكم مساوئكم وحسّ وجودكم قبل فنائكم في الله وبقائكم به. والله شكور يقبل مَن توجه إليه بلا شيء، حليم يُغيّب العبد عن شهود مساوئه، بإغراقه في إحسانه. عالم الغيب: بواطن الأرواح، والشهادة: شهادة ظواهر الأشباح، العزيز: المعزّ لأوليائه ومكل مَن انتسب إليه، الحكيم في قسمه المراتب على حسب التوجُّه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

стр. 3109

سورة الطلاق ﴿ياأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ... ﴾ . يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها النبيُّ إِذا طلقتم النساءَ﴾ ، خصَّ النبيَّ ﷺ بالنداء، وعمَّ بالخطاب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ إمام أمته وقدوتهم، كما يُقال لرئيس القوم: يا فلان افعلوا كذا وكذا؛ إظهاراً لتقدُّمه، واعتباراً لترؤسه، وأنه قدوة قومه، فكان هو وحده في حكم كلّهم، وسادًّا مسدَّ جميعهم. ومعنى " إذا طلقتم ": إذا أردتم تطليقهن، كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] ، تنزيلاً للمقبل على الشيء المشارِف له منزلةَ الشارع فيه، كقوله ﷺ : " مَن قتل قتيلاً فله سلبه "، ومنه: كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المُصَلِّي. ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: مستقبلات لِعِدَّتهن، شارعة فيها، بمجرد الطلاق، من غير أن تكون في حيض أو نِفاس، فإنَّ المرأة إذا طلقت في طُهر تعتد بذلك الطُهر من أقرائها، فتخرج من العدّة برؤية الحيض الثالث، بخلاف إذا طُلقت في غير طُهر، فتنتظر الطُهر منه، فلا تخرج إلاّ برؤية الحيض الرابع. والمراد أن يُطلِّق في طُهر لم يمس فيه، وهذا هو طلاق السُنَّة. قال ابن جزي: واختلف في الطلاق: هل هو مباح أو مكروه، وأمّا إن كان على غير وجه السُنة فهو ممنوع. هـ. وفي قراءة رسول الله ﷺ :

стр. 3110

" فطلِّقوهن في قُبل عِدّتهن ". قال ابن جزي: واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض، هل هو معلَّل بتطويل العدة، أو تعبُّد، والصحيح: أنه معلَّل بذلك، وينبني على هذا الخلاف فروع، منها: هل يجوز إذا رضيت به المرأةُ أم لا؟ ومنها: هل يجوز طلاقها في الحيض وهي حامل أم لا؟ ومنها: هل يجوز طلاقها قبل الدخول وهي حائض أم لا؟ فالتعليل بتطويل العدة يقتضي جواز هذه الفروع، والتعبُّد يقتضي المنع، ومَن طَلَّق في الحيض لزمه الطلاق، ثم أُمر بالرجعة على وجه الإجبار عند مالك، ودون إجبار عند الشافعي حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلَّق وإن شاء أمسك، حسبما ورد في حديث ابن عمر، حيث طلّق امرأته، فأمره ﷺ برجعتها هـ. ﴿وأَحْصُوا العِدَّةَ﴾ ؛ اضبطوها، وأكمِلُوها ثلاثة أقراء كوامل، لِما ينبني عليها من الأحكام، كالرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك، ﴿واتقوا اللهَ ربكم﴾ في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن. وفي التعبير بعنوان الربوبية تأكيد لِما أمر، ومبالغة في إيجاب الاتقاء. ﴿ لا تُخرجوهن من بيوتهن﴾ ؛ من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن مع أنها للأزواج لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكانها، كأنها أملاكهن. ﴿ولا يَخْرُجْن﴾ ولو بالإذن منكم، فإنَّ الإذن في الخروج في حكم الإخراج، وقيل: لا يخرجن باستبدادهن، أمّا إذا اتفقا على الخروج جاز، وهو خلاف مذهب مالك، فلا يجوز لها في مذهبه المَبيت عن بيتها، ولا أن تغيب عنه، إلاّ لضرورة التصرُّف، وذلك لحفظ النسب، وصيانة المرأة، فإن كان المسكن ملكًا للزوج، أو مكترىً عنده لزمه إسكانها فيه، وإن كان المسكن لها فعليه كِراؤه مدة العدة، وإن كان قد استمتعته فيه مدة الزوجية؛ ففي لزوم خِراج العدة له قولان في المذهب، والصحيح لزومه؛ لأنّ الاستمتاع قد انقطع بالطلاق. ﴿إِلاَّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيِّنة﴾ ، قيل: الزنا، فيخرجن لإقامة الحد، قاله الليثي والثعلبي، وقيل: سوء الكلام وإظهار الفحش مع الأصْهار، فتخرج ويسقط حقها من السكنى، وتلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظاً للنسب. قاله ابن عباس، ويؤيده: قراءة أُبي: " إلاَّ أن يفحشن عليكم "، وقيل: جميع المعاصي من القذف والسرقة وغير ذلك. قاله ابن عباس أيضاً. ومال إليه الطبري. وقيل: الخروج من بيتها خروجَ انتقال، متى فعلت ذلك سقط حقها. قاله ابن الفرس، وإلى هذا ذهب مالك في المرأة إذا نشزت في

стр. 3111

العدة، وقيل: هو النشوز قبل الطلاق، فإذا طلّقها بسبب نشوزها فلا سكنى على زوجها قاله قتادة. ﴿وتلك حدودُ الله﴾ أي: تلك الأحكام المذكورة هي حدود الله التي عيّنها لعباده، ﴿ومَن يَتَعَدَّ حدودَ الله﴾ المذكورة، بأن يُخلّ بشيء منها، على أنَّ الإظهار في محل الإضمار لتهويل أمر التعدي، والإشعار بعلة الحكم، ﴿فقد ظَلَمَ نفسه﴾ ؛ أضرَّ بها، إذ لعله يندم. والتفسير بتعريضها للعذاب يأباه قوله: ﴿لا تدرى لعل اللهَ يُحدِثُ بعد ذلك أمراً﴾ فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية، وقد قالوا: إنَّ الأمر الذي يُحدثه اللهُ تعالى: هو أن ينقلب قلبه بُغضها إلى محبتها، أو: من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ويندم، فلا بد أن يكون الظُلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعدِّيه، وهو الندم إن كان طلَّق ثلاثاً، فيمنع من الرجعة، أو: الحياء، إن كان إخراجها من المسكن بلا سبب، أو: فقد ظَلَمَ نفسَه بتعريضها للعذاب الشامل؛ الدنيوي والأخروي، حيث خالف ما أمره سيده. ﴿لاتدري﴾ أيها المخاطب ﴿لعل اللهُ يُحِدثُ بعد ذلك أمراً﴾ وهو الرجعة، والمعنى: أحصوا العِدَّة وامتثلوا ما أُمرتم به، لعل الله يُحدث الرجعة لنسائكم. ﴿ فإذا بَلَغْنَ أجلَهن﴾ أي: قاربن آخر العِدَّة ﴿فأمْسِكُوهنَّ﴾ ؛ راجعوهن ﴿بمعروفٍ﴾ بحُسن معاشرة وإنفاقٍ لائق، ﴿أو فارِقوهنَّ بمعروفٍ﴾ بإعطاء الصداق والإمتاع حين الطلاق، والوفاء بالشروط. والمعنى: فأنتم بالخيار؛ إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتّقاء الضرر، وهو أن يُراجعها في آخر عدتها ثم يُطلٍّقها، تطويلاً لعِدتها وتعذيباً لها، ﴿وأَشْهِدوا﴾ عند الرجعة والمفارقة ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ منكم﴾ من المسلمين، وهذا الإشهاد مندوب على المشهور لئلا يقع بينهما التجاحد. وفي قوله: ﴿ذوي عدل﴾ دلالة على أنهم ذكور، فلا تجوز شهادة النساء في النكاح ولا في الطلاق عند الجمهور. ﴿وأقيموا الشهادةَ للهِ﴾ أيها الشهود عند الحاجة إليها، خالصاً لوجهه تعالى. ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى الحث على الإشهاد في الرجعة، أو: إلى جميع ما ذكر، ﴿يُوعظ به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ إِذ هو المنتفِع به، والمقصود بتذكيره. الإشارة: إذا طلقتم الدنيا وحظوظَ نفوسكم؛ فليكن ذلك إلى أجل معلوم، وهو الرسوخ والتمكين بعد الوصول، وأَحْصُوا العدّة: اضبطوا أيام سيركم لئلا تضيع في البطالة أو الفضول، واتقوا ما سوى ربكم أن تلتفتوا إليه، لا تُخرجوا نفوسكم من أشباحها بشِدة مجاهدتها، فإنها مَغرفة السر، ومطيّة السير، نَبَرُّ بها فيما تقوم بها من مآكل وملبس ونُخالف هواها، ولا يَخرجن، إي: ولا تتركوها أن تخرج من عش التربية قبل الترشيد، إلاّ أن تطغى وتفحش، فبالِغ في مجاهدتها بما يقارب موتها، وتلك حدود الله التي حَدّها للسائر، ومَن يتعدَّ شيئاً منها فقد ظلم نفسه، إمّا بتفريط أو إفراط، فصاحب التفريط لا يصل، وصاحب الإفراط لا يدوم، لا تدري أيها السائر لعل اللهَ يُحدث بعد ذلك انقياداً

стр. 3112

وتسهيلاً، فإذا بلغ أجل الوصول، وحل التمكين، فلا ميزان على النفس، إن شاء أمسك عليها إبقاء، وإن شاء غاب عنهما فناء، وأشهِدوا ذّوّيْ عدل منكم، وهم أهل الفن، فلا يخرج مِن ربقة المجاهدة وعش الإرادة، حتى يشهد له الشيخ أو أهل الفن. والله تعالى أعلم. ثم حَضَّ على التقوى التي هي مجمع الخير، فقال: ﴿ ... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ . يقول الحق ﷻ : ﴿ومَن يَتَّقِ اللهَ﴾ بأن طلَّق للسُنَّة، ولم يُضار بالمعتدّة، ولم يُخرجها من مسكنها، واحتاط في الإشهاد، وغير ذلك، ﴿يجعل له مخرجاً﴾ مما عسى يقع في شأن الأزواج من الغموم والمضائق، ويُفرِّج عنه ما يعتريه من الكروب. رُوي عن ابن عباس أنه قال لمَن طَلَّق ثلاثاً: " إنك لم تتق الله، فبانت منك امرأتك ". والمختار: أنَّ الآية عامة، أي: ومَن يتق الله في أقواله وأفعاله وأحواله يجعل له مخرجاً من كرب الدنيا والأخرة. وعن النبي ﷺ أنه قرأها، فقال: " مخرجاً من شُبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة "، قال ابن جزي: وهذا ـ أي العموم ـ أرجح من خمسة أوجه، الأول: حمل اللفظ على عمومه، فيدخل فيه الطلاق وغيره. والثاني: رُوي: أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أُسر ولده، وضُيِّق عليه رزقه، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأمره بالتقوى، وقال له: " أَكْثِرْ من: لاحَول ولا قوة إلا بالله " فلم يلبث إلاَّ يسيراً، وانطلق ولده، ووسع عليه زرقه. والثالث: أنه رُوي عنه ﷺ أنه قال: " إني لأَعْلمُ آية لو أخذ الناسُ بها لكفتهُم ﴿ومَن يَتَّقِ الله يَجْعَل له مخرجا﴾ " فما زال يكررها، انظر بقيته. ﴿ويَرْزُقه من حيثُ لا يحتسب﴾ أي: من وجوه لاتخطر بباله ولا بحسبه، ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أي: يكل أمرَه إليه من غير تعلُّق بغير، ولا تدبير نفس، ﴿فهو حَسْبُه﴾ ؛ كافيه في جميع أموره، ﴿إِنَّ اللهَ بالغُ أَمْرِه﴾ ، بالإضافة في قراءة حفص، أي: منفذاً أمره، وبالتنوين والنصب عند غيره، أي: مبلغ ما يريد، لا يفوته مُراد، ولا يعجزه مطلوب. ﴿قد جعل اللهُ لكل شيءٍ قَدْراً﴾ ؛ تقديراً، أو توقيتاً، أو مقداراً معلوماً ووقتاً محدوداً، لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، وهذا حث على التوكل وترغيب فيه، لأنَّ العبد إذا عَلِمَ أنَّ الأمور

стр. 3113

كلها بيد الله، من الرزق وغيره وأنَّ لها وقتاً محدوداً لا يُجاوزه، توكل عليه، وانجمع بكليته عليه، ولم يبقَ له إلاّ التسليم للقدَر السابق. قال ابن عطية: في الآية حَضٌّ على التوكل، أي: لا بد من نفوذ أمر الله تعالى، توكلتَ أيها المرء أم لم تتوكل، فإنْ توكلتَ على الله كفاك، وتعجّلت الراحة والبركة، وإن لم تتوكل وَكَلَك إلى جحدك وتسخُّطك، وأمره نافذ في الوجهين. هـ. الإشارة: ومَن يتق الله التقوى الكاملة، يجعل له من كمل مُشْكل وشُبهة ومتشابه مَخرجاً، فيَنحلّ له كل ما أشكل على الناس في أمر الدين والدنيا، ويرزقه من العلوم والأسرار والمعارف، ما لا يخطر على بال، من حيث لا يحتسب، من غير تعلُّم ولا مدارسة، وقال القشيري: إذا صَدَقَ العبدُ في تقواه أخرجه من أشغاله، كالشعرة من العجين، لا يتعلق بها شيء، يضرب على المتقِي سرادقات عنايته، ويُدخله في كنف الإيواء ويصرف الأشغال، عن قلبه، ويُخرجه عن تدبيره، ويُجرده عن كل شغل، ويكفيه كل أمر، وينقله إلى شهود قضاء تقديره. هـ. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵁ في هذه التقوى: أن تكون ظاهرة وباطنة، ظاهرة من المعاصي، وباطنة من المساوىء والدعاوى، أمّا مَن طهَّر ظاهره من المعاصي، وسَدّ الأُفق بالدعاوى وإضافة التدبير والاختيار لنفسه، فلا يقوم خيره بِشَرِّه، أي: فلا يدخل في الآية. ثم قال: إِلاَّ مَن وَطَّن نفسه على الأرياح إلى أيّ وجهة تقلب، أي: دار مع رياح الأقدار حيث دارت، ولم يسكن إلى شيء، وكان ممن قال اللهُ فيه: ﴿تَتَجَافَىا جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] ، أتراه منع جنوبَهم من مضاجع النوم، وترك قلوبهم مضجعة وساكنة لغيره، بل رفع قلوبهم عن كل شيء، ولا يضاجِعُون أسرارهم شيئاً، فافهم هذا المعنى، تتجافى جُنوبهم عن مضاجعة الاختيار ومنازعة الأقدار، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، فالخوف قَطَعَهم عن غيره، وبالشوق إليه أطمعهم فيه، ومما رزقناهنم ينفقون. هـ. مختصراً. وقوله تعالى: ﴿ويَرْزُقه من حيثُ لا يحتسبُ﴾ قال في الحاشية الفاسية: أي: يرزقه المقدَّر في الأزل من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه، فيأكل ويلبس من غير انتظار، ولا استشراف نفس، ولا تعب، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما يكفيه عن السؤال، ومَن عَرَف اللهَ عَرَفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة، فيلقي زمام الاختيار إليه، فيكفيه كل مؤنه في الدنيا والآخرة، وهو السميع العليم، وقد قال سهل: التقوى: التبري من الحول والقوة. هـ. وقوله تعالى: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فهو حَسْبه﴾ قال القشيري: فالله حاسبه، أي: كافيه. ﴿إِنَّ اللهَ بالغُ أَمْرِه﴾ ، إذا سَبَقَ له شيءٌ من التقدير، فلا محالةَ يكون، وفي التوكل لا يتغير المقدور ولا يتأخر، ولكنَّ المتوكل تكون ثقته بقلبه، غير كارهٍ لما يرد عليه، وهذا

стр. 3114

من أجَلِّ النعم. ثم قال في موضع آخر: التوكل: شهود نَفْسِك خارجاً من المِنَّة، جارياً عليك أحكام التقدير من غير تدبيرٍ منك ولا اطلاع لك على حُكمه، فسبيلُ العبد: الخمودُ والرضا دونَ استعلام الأمر. وفي الخبر: " أعوذ بالله من علم لا ينفع " ومن جملته: أن يكون قد وقع لك شُغْلٌ، واستقبلك مُهمٌ، وقد اشتبه عليك وجهُ التدبير فيه، وتكون مُطالباً بالسُكون، فيطلبك العلم، وتتمنى أن تعرف متى يصلح هذا الأمر، وبأي سببٍ؟ وعلى أي وجهٍ؟ وعلى يد مَن؟ فهذا كله تخليطٌ، وغير مُسلَّم شيءٌ من ذلك للأكابر، وهو مِن العلم الذي يجب التعوُّذ منه، فيجب عليك السكون والرضا، فإذا جاء وقتُ الكَشْف، فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينظر العبدُ في هذه الحالة تعريفاً في المنام، أوينظر في فال من الجامع ـ اي: ككتاب وشَبهه ـ أو يرجو بيان حاله، بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت، كلُّ هذا تركُ للأدب، واللهُ لا يَرْضى بذلك من أوليائه، بل الواجبُ السكون. هـ. وقال في القوت: والحسب إلى الحسيب يجعلُه ما شاء كيف شاء، فقد قيل: ﴿فهو حَسْبُه﴾ أي: التوكل حَسْبُه من سائر المقامات، ثم قال معرباً باللطافة، مسلياً للجماعة: ﴿إِنَّ الله بالغ أمره﴾ أي: منفذ حكمه فيمن توكل، ومَن لا يتوكل، إلاَّ أنّ مَن توكّل عليه يكون الله حَسبه، أي: يكفيه أيضاً مُهِم الدنيا والآخرة، ولا يزيد مَن لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسْمه، كما لا ينقص عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد مَن توكل عليه هُدىً إلى هداه، ويرفعه مقاماً في اليقين قدر تقواه، ويُعزّه بعزّه، وينقص مَن لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب والهم، ويُشتت قلبَه، ويشغل فكرَه، فالمتوكل عليه يُجب له تكفير السيئات، ويُلقي عليه رضاه ومحبته في المقامات، أمّا الكفاية فقد ضَمِنها تعالى لِمن صدق في توكله عليه، والوقاية قد وهبها لمَن أحسن تفويضه إليه، إلاّ أنّ الاختيار وعلم الاستتار إليه في الكفاية والوقاية، يجعل ذلك ما يشاء كيف شاء، وأين شاء، من أمور الدنيا وأمور الآخرة، من حيث يعلم العبد، ومن حيث لا يعلم؛ لأنَّ العبد تجري عليه الأحكام في الدارين، وفقير محتاج إلى الرحمة واللطف في المكانين. هـ. يقول الحق ﷻ : ﴿واللائي يَئِسْنَ من المحيض من نسائكم﴾ لكبرهن، وقدّروه بستين، أو: بخمس وخمسين. رُوي أنَّ ناساً قالوا: قد عرفنا عِدة الأقراء، فما

стр. 3115

عدة التي لم تحض؟ فنزلت. وقوله: ﴿إِن ارتبتمْ﴾ أي: إن أشكل عليكم حكمهنّ كيف يعتددن، ﴿فعِدَّتهُنَّ ثلاثةُ أشهرٍ﴾ أو: إن ارتبتم في حيضها، هل انقطع أو لم ينقطع، فعِدَّتها بالأشهر، وهي المرتابة التي غابت حيضتُها، وهي في سن مَن يحيض، واختلف فيها، فقيل: ثلاثة أشهر على ظاهر الآية، وقيل: تسعة، وتستبرىء بثلاثة، وهو المشهور في مذهب مالك، وقدوته في ذلك عُمر بن الخطاب، لأنّ مذهبه عُمري، وقيل: تعتد بالأقراء، ولو بلغت ثلاثين سنة، حتى تبلغ سن مَن لا يحيض، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. ﴿واللائي لم يَحِضْنَ﴾ من صغر، فعدتهنّ ثلاثة أشهر، حذف لدلالة ما قبله، ﴿وأُولات الأحوالِ أجَلُهُنَّ﴾ أي: عِدّتهن ﴿أن يضعن حَملَهن﴾ سواء كن مطلقات، أو متوفًّى عنهن أزواجهن، عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء. وقال عليّ وابن عباس ﵄: إنما هذا في المطلقات الحوامل، وأما المتوقَّى عنهن فعدّتهنَ أقصى الأجلين، إما الوضع، أو انقضاء أربعة أشهر وعشر، وحُجة الجمهور: حديث سُبَيْعة، أنها لما مات زوجها، ووضعت، أَمَرَها رسولُ الله ﷺ بالتزوُّج، وقد رُوي أن ابن عباس رجع إليه، ولو بلغ عليًّا لرجع، فهذه الآية مخصَّصة لِما في سورة البقرة من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ... ﴾ [البقرة: ٢٣٤] . تنبيه: وَضْعُ الحمل إنما يُبرىء الرحم إذا كان من نكاح صحيح، وأمّا من الزنى فلا يُبرئ، باتفاقٍ، فمَن حملت مِن زنى وهي متزوجة فلا تحل للهارب الذي حملت منه إذا طُلّقت بوضع حملها منه، بل لا بد من ثلاثة قروء بعد الوضع، نَعَم مَن لا زوج لها من حُرةٍ أو أَمةٍ إذا حملت من زنى تمَّ استبراؤها بوضع حملها. ﴿ ومَن يتقِ اللهَ﴾ في شأن أحكام العدة ومراعاة حقوقها ﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسراً﴾ أي: يُسهل عليه أمره. ويتحلّل عليه ما تعقّد ببركة التقوى، ﴿ذلك﴾ أي: ما علَّمكم من الأحكام ﴿أمرُ الله أَنزله إِليكم﴾ لتعملوا به. وإفراد الكاف مع أنّ المُشار إليهم جماعة؛ لأنها لتعيين الفرق بين البُعد والقرب، لا لتعيين خصوصية المخاطبين ﴿ومَن يتق الله﴾ بالمحافظة على أحكامه ﴿يُكفِّر عنه سيئاتِه﴾ فإنَّ الحسنات يُذهبن السيئات، ﴿ويُعْظِمْ له أجراً﴾ بالمضاعفة والتكثير. الإشارة: والنفوس التي يئسن من المساوىء والميل إلى الدنيا، ثم شككتم في تحقق طهارتها، تنتظر ثلاثة أشهر، فإذا مضت هذه المدة ولم يظهر منها ميل، فالغالب طهارتها، وكذلك النفوس الزكية، الباقية على الفطرة، التي لم يظهر منها خَلل، تنتظر هذه المدة، فإن ظهرت سلامتها فلا مجاهدة عليها، والنفوس الحوامل بكثرة الأشغال عِدَّة تمام فتحها أن تضع كل ما يثقل عليها ويمنعها من السير، ولقد سمعتُ شيخنا البوزيدي رضي الله عنه

стр. 3116

يقول: إن شئتم أن أُقسم لكم؛ إنه لا يدخل أحد عالَم الملكوت وفي قلبه علقة. هـ. ﴿ومَن يتق الله﴾ أي: يعزم على البر والتقوى يجعل له تعالى من أمره يُسراً، يُسهّل عليه طريق السلوك، ويكفيه كلَّ ما يُثقله ويشغله عنه، إما بإزالة ذلك له، أو بغيبته عن شؤونه، ومَن يتق الله بالفعل يُكَفِّر عنه سيئاتِه، أي: يُغطّي عنه أوصافه الذميمة بأوصافه الحميدة، ويُعظم له أجراً بأن يفتح له باب مشاهدته. والله تعالى أعلم. يقول الحق ﷻ : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ أي: المطلَقات ﴿من حيثُ سَكَنتم﴾ أي: مكاناً من حيث سكنتم، فـ " من " للتبعيض، أي: بعض مكانِ سكناكم. قال قتادة: لو لم يكن له إلاّ بيت واحد سكنها في بعض جوانبه. ﴿من وُجْدِكُم﴾ أي: وُسْعِكم، أي: ما تطيقونه، فهو عطف بيان، أو بدل. قال أبو حيان: لا يُعرف عطف بيان يعاد فيه العامل، إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً. هـ. والوجد، يجوز فيه الضم ـ وهو أشهر ـ والفتح والكسر. قال ابن جزي: فأمّا المطلقات غير المبتوتة فيجب لها على زوجها السُكُنَى والنفقة اتفاقاً، وأمّا المبتوتة ففيها ثلاثة أقوال، أحدها: أنها يجب لها السكنى دون الفقة، وهو مذهب مالك والشافعي، والثاني: أنها يجب لها السكنى والنفقة، وهو مذهب أبي حنيفة، والثالث: أنها ليس لها سُكنى ولا نفقة، وهو قول محمد، وثابت البناني، وأُبي بن كعب. فحُجة مالك: حديث فاطمة بنت قيس، وهو أنَّ زوجها طلَّقها البتَّةَ، فقال لها رسولُ الله ﷺ : " ليس لك عليه نفقة "، فيوخذ منه: أنَّ لها السُكْنى، وحُجة مَن أوجب لها السكنى والنفقة: قول عمر بن الخطاب: لا ندع آيةً من كتاب الله ربنا لقول امرأة، فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " لها السُكْنَى والنفقة "، وحجة مَن لم يجعل لها سكنى ولا نفقة: أنَّ في بعض الروايات عنها ـ أي: فاطمة بنت قيس ـ أنها قالت: " لم يجعل لي رسولُ الله ﷺ نفقة ولا سُكْنَى ". ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ في السُّكْنَى ﴿لِتُضيِّقُوا عليهن﴾ ويُلجأن إلى الخروج، ﴿وإِن كن﴾

стр. 3117

أي: المطلقات ﴿أُولات حملٍ فأَنفِقوا عليهن حتى يضعنَ حَملَهن﴾ فيخرجن من العِدّة. قال ابن جزي: اتفق العلماء على وجوب النفقة في العِدّة للمطلقة، عملاً بالآية، سواء كان الطلاق رجعيًّا أو بائناً. واتفقوا أنَّ للمطلقة غير الحامل النفقة والسُكْنى في العِدّة إذا كان الطلاق رجعيًّا، فإن كان بائناً فاختلفوا في نفقتها حسبما ذكرناه، وأمّا المتوفَّى عنها إذا كانت حاملاً فلا نفقة لها عند مالك والجمهور، لأنهم رأوا أنَّ هذه الآية إنما هي في المطلقات. وقال قوم: لها النفقة في التركة. هـ. ﴿ فإنْ أرضعنَ لكم﴾ هؤلاء المطلقات أولادَكم ﴿فآتوهن أجورَهُنَّ﴾ أي: أجرة الرضاع، وهي النفقة وسائر المؤن المُفصل في كتب الفقه. ﴿وأْتَمِرُوا بينكم بمعروفٍ﴾ ، خطاب للرجال والنساء، أي: يأمر كلُّ واحد منكم صاحبَه بخيرٍ؛ من المسامحة والرفق والإحسان، ولا يكن من الأب مماكسة، ومن الأم معاسرة، أو: تشاوروا بينكم على التراضي في الأجرة، ومنه: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] . ﴿وإِن تعاسَرتمْ﴾ ؛ تضايقتم، فلم ترضَ الأمّ بما ترضع به الأجنبية، ﴿فستُرضِعُ له أخرى﴾ ؛ فستُوجد مرضعةٌ أخرى، غير متعاسرة، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة. والمعنى: إن تشططت الأمّ على الأب في أجرة الرضاع، وطلبت منه كثيراً، فللأب أن يسترضع لولده امرأة أخرى بما هو أرفق إلاّ ألاَّ يَقبل الولدُ غيرها، فتُجبر على رضاعة بأجرة المثل. ﴿ليُنفق ذو سَعَةٍ من سَعته ومَن قُدِرَ عليه رزقُه فليُنفق مما آتاه اللهُ﴾ أي: لِينفق كُلٌّ واحد من المعسر والموسر بما يبلغه وسعه، يعني: ما أُمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات، ﴿ومن قَدِرَ﴾ أي: ضُيِّق ﴿عليه رزقُه فلينفقْ﴾ عليها ﴿مما آتاه اللهُ﴾ فيَفرض الحاكمُ عليه ما يطيقه، ﴿لا يُكلِّف اللهُ نفسا إِلاَّ ما آتاها﴾ ؛ أعطاها من الرزق، وفيه تطييب قلب المعسر، وترغيب له في بذل مجهوده، وقد أكد ذلك بالوعد، حيث قال: ﴿سيجعل اللهُ بعد عُسر يُسراً﴾ أي: بعد ضيق في المعيشة سعة فيها، فإنّ عادته تعالى أن يُعقب العسر باليسر، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح: ٥] ، وكرره مرتين، فلن يغلب عسر يسريْن. الإشارة: أسكِنوا نفوسَكم من حيث سكنتم بها قبل التوجه، فينبغي للمريد أن يُسايس نفسه شيئاً فشيئاً، حتى يغيب عنها في شهود الحق، من غير تشديدٍ في إخراجها عن طبعها بالكلية، فإنها حينئذٍ تَملّ وتكِلّ، فقد قيل: مَن سار إلى الله بموافقة طبعه كان الوصول إليه أقرب إليه من طبعه، ومَن سار إلى الله بمخالفة طبعه كان الوصول إليه على قدر بُعده عن طبعه، وفيه مشقة وحرج. ولذا قال تعالى: ﴿ولا تُضاروهن لتُضيقوا عليهن﴾ لئلا تمل وترجع من حيث جاءت، ولذلك قال ﷺ : " لا يكن أحدكم كالمُنْبَت، فلا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى "، نعم مخالفة طبعها في حب الظهور والجاه، أو حب الدنيا،

стр. 3118

واجب حتماً لا رخصة فيه، وهذه سيرة أشياخنا ﵃ لا يُضيقون على المريد في جوع ولا عطش، ولا كثرة رياضة، وإنما يأمرونه بالخمول وتخريب الظاهر والزهد التام، والورع الكامل، فقد سمعت شيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي الحسني ﵁ يقول: سُدُّوا باب الطمع، وافتحوا باب الورع، واللهِ إن فعلتم ذلك حتى يستولي باطنكم على ظاهركم. هـ. أي: تستولي المعاني على الحس، فيتحقق الشهود الكامل. وكان أيضاً يقول: نحن لسنا مع جوعٍ ولا مع شبعة، نحن مع الله. هـ. أي: غائبون عن الجوع والشبع في ذكر الله وشهوده. وإن كن أُولات حَمل، أي: ثقل من كثرة العلائق، فأّنْفِقوا عليهن من الواردات الإلهية بصُحبة الرجال، حتى تصادم تلك العلائق، فتهدمها، فتضع الحمل عنها، فإن أرْضَعْن لكم، بإن تهذبت ورجعت روحانيةً تأتيك بالعلوم التي يرتضع منها القلب باليقين والمعرفة، فأتوهن أجورهن من البرّ بها والرفق، وائتمروا بينكم بمعروف، فتُؤمر أنت بالإحسان إليها، وتُؤمر هي بالطاعة لك، وإن تعاسرتم، بأن ضعفت هِمتكم، وقلّت أمدادكم، بعدم صحبة أهل الإمداد، فستُرضع له نفس أخرى، أي: فليتخذ شيخاً كاملاً يُرضع له نفسه من ثدي أسرار العلوم والمعارف، ولذلك قيل: مَن لا شيخ له فالشيطان شيخه، لِيُنفق ذو سعة من سعته، وهم الواصلون العارفون، يُنفقون من سعة علومهم وأسرارهم، على المريدين الذي استرضعوهم، ومَن قُدر عليه رزقه من المريدين السائرين فليُنفق مما آتاه الله على مَن تعلقَ به من المريدين، لا يُكلف الله نفسا إلا ما آتاها، سيجعل الله بعد عُسرٍ وضيقِ في العلوم والأسرار يُسراً، فتتسع عليه العلوم والأسرار بعد التمكين. والله تعالى أعلم. يقول الحق ﷻ : ﴿وكَأَيِّن من قريةٍ﴾ أي: كثير من أهل قرية ﴿عَتَتْ﴾ ؛ أعرضت ﴿عن أمر ربها ورُسلِه﴾ أي: عن طاعتهما على وجه العتوّ والعناد، ﴿فحاسبناها حِساباً شديداً﴾ بالاستقصاء والتنقير والمباحثة في كل نقير وقطمير، ﴿وعذَّبناها عذاباً نُكراً﴾ ؛ منكراً فظيعاً، والمراد: إمّا عذاب الآخرة، والتعبير بالماضي لتحقُّق وقوعه، أو عذاب الدنيا، وهو أرجح؛ لأنه سيذكر عذاب الآخرة بعدُ بقوله: ﴿أعدّ اللهُ لهم عذاباً شديداً ... ﴾ الخ،

стр. 3119

﴿فذاقت وَبَالَ أمرِها﴾ أي: وخامة شأنها، وعقوبة فعلها. قال في الصحاح: والوَبَلَة ـ بالتحريك: الثِقَّلُ والوخَامةُ، وقد وَبُل المرتعُ بالضم وَبْلاً ووَبَالاً، فهو وَبيلٌ، أي: وخِيمٌ. هـ. وفي القاموس: وبُلَ ككَرُمَ وبَالةً ووبالاً ووبُولاً، وأرض وَبِيلَةٌ: وخيمةُ المرتَعِ. هـ. ﴿وكان عاقبةُ أمرها خُسراً﴾ أي: خساراً وهلاكاً. ﴿أعدَّ اللهُ لهم﴾ في الآخرة ﴿عذاباً شديداً﴾ ، وعلى أنَّ الكل في الآخرة يكون هذا تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً، كأنه قال: أعدّ الله لهم هذا العذاب الشديد، ﴿فاتقوا اللهَ يا أُولي الألبابِ﴾ في مخالفة أمره، واحذروا ما حلّ بمَن طغى وعتا. وأولو الألباب هم أهل العقول الصافية، ثم فسَّرهم بقوله: ﴿الذين آمنوا﴾ إيماناً خالصاً من شوائب الشرك والشك، فالموصول عطف بيان لأولي الألباب، أو نعت، أو منصوب بأعِني، ﴿قد أنزل اللهُ إِليكم ذكراً﴾ أي: القرآن. وانتصب ﴿رسولا﴾ بفعل مضمر، أي: وأرسل رسولاً، أو: هو بدل من " ذِكْراً " كأنه في نفسه ذكر، أو: على تقدير حذف مضاف، قد أنزل ذا ذكر رسولاً، وأريد بالذكر: الشرف، كقوله: ﴿وَإِنَهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي: ذو شرف ومجدٍ عند الله، أو: للمنزَل عليه، أو: لقارئه، وبالرسول: جبريل، أو محمد ـ عليهما الصلاة والسلام ـ ﴿يتلوا﴾ أي: الرسول، أو الله ﴿عليكم آياتِ الله مُبينات﴾ أي: واضحاتٍ، قد بيَّنها اللهُ تعالى لقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَات﴾ [آل عمران: ١١٨والحديد: ١٧] وقرىء بكسر الياء، أي: تُبين ما تحتاجون إليه من الأحكام، ﴿لِيُخرج الذين آمنوا وَعمِلوا الصالحاتِ من الظلمات إِلى النور﴾ متعلق بـ " يتلو "، أو: بـ " أنزل "، وفاعل " يُخرج " إما الله، أو الرسول، أي: ليحصّل لهم الله أو الرسول ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو: ليخرج من عَلِمَ وقدّر أنه سيؤمن، ﴿ومَن يؤمن بالله ويعمل صالحاً﴾ حسبما بُيّن في تضاعيف ما أنزل من الآيات المبينات ﴿يُدخله جناتٌ تجري من تحتها الأنهارُ﴾ ، وقرأ نافع والشامي بنون العظمة ﴿خالدين فيها أبداً﴾ ، والجمع باعتبار معنى " مَن " كما أنَّ الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، ﴿قد أحسن اللهُ له رزقاً﴾ في الدنيا والآخرة. قال القشيري: الرزقُ الحَسَنُ: ما كان على حَدِّ الكفاية، لا نقصان فيه، ليضعف عن كفاية صاحبه، ولا زيادةَ فيه تَشْغَلهُ عن ربهم. هـ. بالمعنى. وسيأتي في الإشارة بقيته. الإشارة: وكأيّن من قريةٍ من قرى القلوب عتت عن أمر ربها؛ عن تحمُّل أعباء العبودية؛ لأنّ القلب لا يحب إلا العلو والغنى والراحة، فإذا أراد العبد أن ينزل إلى الخمول والذل والفقر والتعب عَتَا وتَكَبَّر، وقد حكم اللهُ تعالى بالطبع على القلب المتكبّر، بقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] في قراءة الإضافة، والمراد بالرسل: الواردات القهرية، فالقلب أيضاً شأنه الفرار منها؛ لأنها تهدم عليه عوائده، وحسابه تعالى لها إحصاؤه لخواطرها، وعتابه عليها، وتعذيبه بالجزع

стр. 3120

والهلع، والحرص والطمع، وغم الحجاب وسوء الحساب، فهذا وبال القلوب المتكبِّرة على الله، وعلى أولياء الله، وعاقبتها حرمان نعيم الحضرة، ونسيم القربة. فاتقوا الله يا أولي الألباب: القلوب الصافية، أي: دُوموا على تقواكم، واحْذروا مما حلّ بالقلوب الخاربة، الذين آمنوا إيمان الخصوص، قد أنزل الله إليكم ذكرا، أي: مذكِّراً، رسولاً بعثه الله خليفةَ رسوله الأعظم ﷺ ، وهو الشيخ الداعي إلى الله، يتلو عليكم آياته، أي: شواهده الموصِّلة إليه، ليُخرج الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، وهي آداب العبودية، من ظلمات الجهل والغفلة، وحس الكائنات إلى نور العيان، ومَن يُؤمن بالله، ويثق به في جميع أموره، (ويعمل صالحاً) يُعرض عما سوى الله، يُدخله جنات المعارف، يخلد فيها، قد أحسن اللهُ له رزقاً لقلبه وروحه وسره، من العلوم والمعارف والأسرار. قال القشيري بعد كلام: وكذلك أرزاقُ القلوب ـ أي: تكون على حد الكفاية، من غير زيادة ولا نقصان ـ ثم قال: وحسنها: أن يكون له من الأحوال ما يشتغلُ به في الوقت من غير نقصان يجعله يتعذّب بتعطُّشه، ولا تكون بزيادة، فيكون على خَطَرٍ من مغاليط لا يَخْرُجُ منها إلاّ بتأييدٍ من الله سماويٍّ. هـ.
следующие страницы →