Полный текст (3 416 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
يقول: إن شئتم أن أُقسم لكم؛ إنه لا يدخل أحد عالَم الملكوت وفي قلبه علقة. هـ. ﴿ومَن يتق الله﴾ أي: يعزم على البر والتقوى يجعل له تعالى من أمره يُسراً، يُسهّل عليه طريق السلوك، ويكفيه كلَّ ما يُثقله ويشغله عنه، إما بإزالة ذلك له، أو بغيبته عن شؤونه، ومَن يتق الله بالفعل يُكَفِّر عنه سيئاتِه، أي: يُغطّي عنه أوصافه الذميمة بأوصافه الحميدة، ويُعظم له أجراً بأن يفتح له باب مشاهدته. والله تعالى أعلم.
يقول الحق ﷻ : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ أي: المطلَقات ﴿من حيثُ سَكَنتم﴾ أي: مكاناً من حيث سكنتم، فـ " من " للتبعيض، أي: بعض مكانِ سكناكم. قال قتادة: لو لم يكن له إلاّ بيت واحد سكنها في بعض جوانبه. ﴿من وُجْدِكُم﴾ أي: وُسْعِكم، أي: ما تطيقونه، فهو عطف بيان، أو بدل. قال أبو حيان: لا يُعرف عطف بيان يعاد فيه العامل، إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً. هـ. والوجد، يجوز فيه الضم ـ وهو أشهر ـ والفتح والكسر.
قال ابن جزي: فأمّا المطلقات غير المبتوتة فيجب لها على زوجها السُكُنَى والنفقة اتفاقاً، وأمّا المبتوتة ففيها ثلاثة أقوال، أحدها: أنها يجب لها السكنى دون الفقة، وهو مذهب مالك والشافعي، والثاني: أنها يجب لها السكنى والنفقة، وهو مذهب أبي حنيفة، والثالث: أنها ليس لها سُكنى ولا نفقة، وهو قول محمد، وثابت البناني، وأُبي بن كعب. فحُجة مالك: حديث فاطمة بنت قيس، وهو أنَّ زوجها طلَّقها البتَّةَ، فقال لها رسولُ الله ﷺ : " ليس لك عليه نفقة "، فيوخذ منه: أنَّ لها السُكْنى، وحُجة مَن أوجب لها السكنى والنفقة: قول عمر بن الخطاب: لا ندع آيةً من كتاب الله ربنا لقول امرأة، فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " لها السُكْنَى والنفقة "، وحجة مَن لم يجعل لها سكنى ولا نفقة: أنَّ في بعض الروايات عنها ـ أي: فاطمة بنت قيس ـ أنها قالت: " لم يجعل لي رسولُ الله ﷺ نفقة ولا سُكْنَى ".
﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ في السُّكْنَى ﴿لِتُضيِّقُوا عليهن﴾ ويُلجأن إلى الخروج، ﴿وإِن كن﴾
стр. 3117
أي: المطلقات ﴿أُولات حملٍ فأَنفِقوا عليهن حتى يضعنَ حَملَهن﴾ فيخرجن من العِدّة. قال ابن جزي: اتفق العلماء على وجوب النفقة في العِدّة للمطلقة، عملاً بالآية، سواء كان الطلاق رجعيًّا أو بائناً. واتفقوا أنَّ للمطلقة غير الحامل النفقة والسُكْنى في العِدّة إذا كان الطلاق رجعيًّا، فإن كان بائناً فاختلفوا في نفقتها حسبما ذكرناه، وأمّا المتوفَّى عنها إذا كانت حاملاً فلا نفقة لها عند مالك والجمهور، لأنهم رأوا أنَّ هذه الآية إنما هي في المطلقات. وقال قوم: لها النفقة في التركة. هـ.
﴿
فإنْ أرضعنَ لكم﴾ هؤلاء المطلقات أولادَكم ﴿فآتوهن أجورَهُنَّ﴾ أي: أجرة الرضاع، وهي النفقة وسائر المؤن المُفصل في كتب الفقه. ﴿وأْتَمِرُوا بينكم بمعروفٍ﴾ ، خطاب للرجال والنساء، أي: يأمر كلُّ واحد منكم صاحبَه بخيرٍ؛ من المسامحة والرفق والإحسان، ولا يكن من الأب مماكسة، ومن الأم معاسرة، أو: تشاوروا بينكم على التراضي في الأجرة، ومنه: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] . ﴿وإِن تعاسَرتمْ﴾ ؛ تضايقتم، فلم ترضَ الأمّ بما ترضع به الأجنبية، ﴿فستُرضِعُ له أخرى﴾ ؛ فستُوجد مرضعةٌ أخرى، غير متعاسرة، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة. والمعنى: إن تشططت الأمّ على الأب في أجرة الرضاع، وطلبت منه كثيراً، فللأب أن يسترضع لولده امرأة أخرى بما هو أرفق إلاّ ألاَّ يَقبل الولدُ غيرها، فتُجبر على رضاعة بأجرة المثل.
﴿ليُنفق ذو سَعَةٍ من سَعته ومَن قُدِرَ عليه رزقُه فليُنفق مما آتاه اللهُ﴾ أي: لِينفق كُلٌّ واحد من المعسر والموسر بما يبلغه وسعه، يعني: ما أُمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات، ﴿ومن قَدِرَ﴾ أي: ضُيِّق ﴿عليه رزقُه فلينفقْ﴾ عليها ﴿مما آتاه اللهُ﴾ فيَفرض الحاكمُ عليه ما يطيقه، ﴿لا يُكلِّف اللهُ نفسا إِلاَّ ما آتاها﴾ ؛ أعطاها من الرزق، وفيه تطييب قلب المعسر، وترغيب له في بذل مجهوده، وقد أكد ذلك بالوعد، حيث قال: ﴿سيجعل اللهُ بعد عُسر يُسراً﴾ أي: بعد ضيق في المعيشة سعة فيها، فإنّ عادته تعالى أن يُعقب العسر باليسر، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح: ٥] ، وكرره مرتين، فلن يغلب عسر يسريْن.
الإشارة: أسكِنوا نفوسَكم من حيث سكنتم بها قبل التوجه، فينبغي للمريد أن يُسايس نفسه شيئاً فشيئاً، حتى يغيب عنها في شهود الحق، من غير تشديدٍ في إخراجها عن طبعها بالكلية، فإنها حينئذٍ تَملّ وتكِلّ، فقد قيل: مَن سار إلى الله بموافقة طبعه كان الوصول إليه أقرب إليه من طبعه، ومَن سار إلى الله بمخالفة طبعه كان الوصول إليه على قدر بُعده عن طبعه، وفيه مشقة وحرج. ولذا قال تعالى: ﴿ولا تُضاروهن لتُضيقوا عليهن﴾ لئلا تمل وترجع من حيث جاءت، ولذلك قال ﷺ : " لا يكن أحدكم كالمُنْبَت، فلا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى "، نعم مخالفة طبعها في حب الظهور والجاه، أو حب الدنيا،
стр. 3118
واجب حتماً لا رخصة فيه، وهذه سيرة أشياخنا ﵃ لا يُضيقون على المريد في جوع ولا عطش، ولا كثرة رياضة، وإنما يأمرونه بالخمول وتخريب الظاهر والزهد التام، والورع الكامل، فقد سمعت شيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي الحسني ﵁ يقول: سُدُّوا باب الطمع، وافتحوا باب الورع، واللهِ إن فعلتم ذلك حتى يستولي باطنكم على ظاهركم. هـ. أي: تستولي المعاني على الحس، فيتحقق الشهود الكامل. وكان أيضاً يقول: نحن لسنا مع جوعٍ ولا مع شبعة، نحن مع الله. هـ. أي: غائبون عن الجوع والشبع في ذكر الله وشهوده.
وإن كن أُولات حَمل، أي: ثقل من كثرة العلائق، فأّنْفِقوا عليهن من الواردات الإلهية بصُحبة الرجال، حتى تصادم تلك العلائق، فتهدمها، فتضع الحمل عنها، فإن أرْضَعْن لكم، بإن تهذبت ورجعت روحانيةً تأتيك بالعلوم التي يرتضع منها القلب باليقين والمعرفة، فأتوهن أجورهن من البرّ بها والرفق، وائتمروا بينكم بمعروف، فتُؤمر أنت بالإحسان إليها، وتُؤمر هي بالطاعة لك، وإن تعاسرتم، بأن ضعفت هِمتكم، وقلّت أمدادكم، بعدم صحبة أهل الإمداد، فستُرضع له نفس أخرى، أي: فليتخذ شيخاً كاملاً يُرضع له نفسه من ثدي أسرار العلوم والمعارف، ولذلك قيل: مَن لا شيخ له فالشيطان شيخه، لِيُنفق ذو سعة من سعته، وهم الواصلون العارفون، يُنفقون من سعة علومهم وأسرارهم، على المريدين الذي استرضعوهم، ومَن قُدر عليه رزقه من المريدين السائرين فليُنفق مما آتاه الله على مَن تعلقَ به من المريدين، لا يُكلف الله نفسا إلا ما آتاها، سيجعل الله بعد عُسرٍ وضيقِ في العلوم والأسرار يُسراً، فتتسع عليه العلوم والأسرار بعد التمكين. والله تعالى أعلم.
يقول الحق ﷻ : ﴿وكَأَيِّن من قريةٍ﴾ أي: كثير من أهل قرية ﴿عَتَتْ﴾ ؛ أعرضت ﴿عن أمر ربها ورُسلِه﴾ أي: عن طاعتهما على وجه العتوّ والعناد، ﴿فحاسبناها حِساباً شديداً﴾ بالاستقصاء والتنقير والمباحثة في كل نقير وقطمير، ﴿وعذَّبناها عذاباً نُكراً﴾ ؛ منكراً فظيعاً، والمراد: إمّا عذاب الآخرة، والتعبير بالماضي لتحقُّق وقوعه، أو عذاب الدنيا، وهو أرجح؛ لأنه سيذكر عذاب الآخرة بعدُ بقوله: ﴿أعدّ اللهُ لهم عذاباً شديداً ... ﴾ الخ،
стр. 3119
﴿فذاقت وَبَالَ أمرِها﴾ أي: وخامة شأنها، وعقوبة فعلها. قال في الصحاح: والوَبَلَة ـ بالتحريك: الثِقَّلُ والوخَامةُ، وقد وَبُل المرتعُ بالضم وَبْلاً ووَبَالاً، فهو وَبيلٌ، أي: وخِيمٌ. هـ. وفي القاموس: وبُلَ ككَرُمَ وبَالةً ووبالاً ووبُولاً، وأرض وَبِيلَةٌ: وخيمةُ المرتَعِ. هـ. ﴿وكان عاقبةُ أمرها خُسراً﴾ أي: خساراً وهلاكاً.
﴿أعدَّ اللهُ لهم﴾ في الآخرة ﴿عذاباً شديداً﴾ ، وعلى أنَّ الكل في الآخرة يكون هذا تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً، كأنه قال: أعدّ الله لهم هذا العذاب الشديد، ﴿فاتقوا اللهَ يا أُولي الألبابِ﴾ في مخالفة أمره، واحذروا ما حلّ بمَن طغى وعتا. وأولو الألباب هم أهل العقول الصافية، ثم فسَّرهم بقوله: ﴿الذين آمنوا﴾ إيماناً خالصاً من شوائب الشرك والشك، فالموصول عطف بيان لأولي الألباب، أو نعت، أو منصوب بأعِني، ﴿قد أنزل اللهُ إِليكم ذكراً﴾ أي: القرآن.
وانتصب ﴿رسولا﴾ بفعل مضمر، أي: وأرسل رسولاً، أو: هو بدل من " ذِكْراً " كأنه في نفسه ذكر، أو: على تقدير حذف مضاف، قد أنزل ذا ذكر رسولاً، وأريد بالذكر: الشرف، كقوله: ﴿وَإِنَهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي: ذو شرف ومجدٍ عند الله، أو: للمنزَل عليه، أو: لقارئه، وبالرسول: جبريل، أو محمد ـ عليهما الصلاة والسلام ـ ﴿يتلوا﴾ أي: الرسول، أو الله ﴿عليكم آياتِ الله مُبينات﴾ أي: واضحاتٍ، قد بيَّنها اللهُ تعالى لقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَات﴾ [آل عمران: ١١٨والحديد: ١٧] وقرىء بكسر الياء، أي: تُبين ما تحتاجون إليه من الأحكام، ﴿لِيُخرج الذين آمنوا وَعمِلوا الصالحاتِ من الظلمات إِلى النور﴾ متعلق بـ " يتلو "، أو: بـ " أنزل "، وفاعل " يُخرج " إما الله، أو الرسول، أي: ليحصّل لهم الله أو الرسول ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو: ليخرج من عَلِمَ وقدّر أنه سيؤمن، ﴿ومَن يؤمن بالله ويعمل صالحاً﴾ حسبما بُيّن في تضاعيف ما أنزل من الآيات المبينات ﴿يُدخله جناتٌ تجري من تحتها الأنهارُ﴾ ، وقرأ نافع والشامي بنون العظمة ﴿خالدين فيها أبداً﴾ ، والجمع باعتبار معنى " مَن " كما أنَّ الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، ﴿قد أحسن اللهُ له رزقاً﴾ في الدنيا والآخرة. قال القشيري: الرزقُ الحَسَنُ: ما كان على حَدِّ الكفاية، لا نقصان فيه، ليضعف عن كفاية صاحبه، ولا زيادةَ فيه تَشْغَلهُ عن ربهم. هـ. بالمعنى. وسيأتي في الإشارة بقيته.
الإشارة: وكأيّن من قريةٍ من قرى القلوب عتت عن أمر ربها؛ عن تحمُّل أعباء العبودية؛ لأنّ القلب لا يحب إلا العلو والغنى والراحة، فإذا أراد العبد أن ينزل إلى الخمول والذل والفقر والتعب عَتَا وتَكَبَّر، وقد حكم اللهُ تعالى بالطبع على القلب المتكبّر، بقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] في قراءة الإضافة، والمراد بالرسل: الواردات القهرية، فالقلب أيضاً شأنه الفرار منها؛ لأنها تهدم عليه عوائده، وحسابه تعالى لها إحصاؤه لخواطرها، وعتابه عليها، وتعذيبه بالجزع
стр. 3120
والهلع، والحرص والطمع، وغم الحجاب وسوء الحساب، فهذا وبال القلوب المتكبِّرة على الله، وعلى أولياء الله، وعاقبتها حرمان نعيم الحضرة، ونسيم القربة. فاتقوا الله يا أولي الألباب: القلوب الصافية، أي: دُوموا على تقواكم، واحْذروا مما حلّ بالقلوب الخاربة، الذين آمنوا إيمان الخصوص، قد أنزل الله إليكم ذكرا، أي: مذكِّراً، رسولاً بعثه الله خليفةَ رسوله الأعظم ﷺ ، وهو الشيخ الداعي إلى الله، يتلو عليكم آياته، أي: شواهده الموصِّلة إليه، ليُخرج الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، وهي آداب العبودية، من ظلمات الجهل والغفلة، وحس الكائنات إلى نور العيان، ومَن يُؤمن بالله، ويثق به في جميع أموره، (ويعمل صالحاً) يُعرض عما سوى الله، يُدخله جنات المعارف، يخلد فيها، قد أحسن اللهُ له رزقاً لقلبه وروحه وسره، من العلوم والمعارف والأسرار. قال القشيري بعد كلام: وكذلك أرزاقُ القلوب ـ أي: تكون على حد الكفاية، من غير زيادة ولا نقصان ـ ثم قال: وحسنها: أن يكون له من الأحوال ما يشتغلُ به في الوقت من غير نقصان يجعله يتعذّب بتعطُّشه، ولا تكون بزيادة، فيكون على خَطَرٍ من مغاليط لا يَخْرُجُ منها إلاّ بتأييدٍ من الله سماويٍّ. هـ.
стр. 3121
سورة التحريم
يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ ما أحلَّ اللهُ﴾ . في سبب نزول هذه السورة روايتان؛ إحداهما: أنَّ رسول الله ﷺ جاء يوماً إلى بيت زوجه حفصة، فوجدها ذهبت لزيارة أبيها، فبعث إلى جاريته مارية، فقال معها في البيت، فجاءت حفصة، فقالت: يا رسول الله؛ أما كان في نسائك أهون مني، أتفعل هذا في بيتي، وعلى فراشي؟ فقال لها ﵊: " أيُرضيك أن أُحَرِّمها "؟ فقالت: نعم، فقال: " إني قد حَرّمتها " زاد ابن عباس: وقال مع ذلك: " والله لا أطؤها أبداً "، ثم قال لها: " لاتُخبري بهذا أحداً، وأُبشرك أنَّ أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي " ثم إنِّ حفصة قرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة، وأخبرتها، وكانتا مصادقتين، ولم ترَ في إفشائها حَرَجاً، واستكتمتها، فأوحى الله إلى نبيه بذلك. ورُوي أنه ﵇ طلَّق حفصة، واعتزل نساءه، فمكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية، فنزل جبريلُ، وأمره برَدِّها، وقال له: إنها صوّامة قوّامة، وإنها من نسائك في الجنة، فردَّها.
والرواية الثانية: أنه ﵊ كان يدخل على زوجه زينب بنت جحش، فتسقيه عسلاً، فاتفقت عائشةُ وحفصة وسودة على أن تقول له مَن دنا منهن: أكلتَ مغافير، وهو ضمغ العُرفُط، وهو حلو كريه الريح، ففعل ذلك، فقال رسولُ الله ﷺ : " لا، ولكني شربتُ عسلاً "، فقُلن له: جَرَست نحلُه العُرفُط، أي: أكلت، ويقال للنحل: جراس، فقال ﷺ : " لا أشربه أبداً "، وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة، فدخل بعد ذلك على زينب، فقالت: ألاَ أسقيك من ذلك العسل؟ فقال: " لا حاجة لي به " فنزلت الآية عتاباً له على أن ضيَّق على نفسه تحريم الجارية والعسل. والرواية الأولى أشهر عند
стр. 3122
المفسرين والثانية خرّجها البخاري في صحيحه.
فإن قلتَ: لِمَ عاتبه اللهُ على هذا التحريم، ولم يعاتب يعقوبَ على تحريم لحوم الإبل على ما ذكر في سورة آل عمران؟ قلتُ: رتبة نبينا ﵊ أرفع في المحبة والاعتناء، فلم يرضَ منه أن يُضيّق على نفسه، أرأيت إن كان لك ولد تُحبه، ووسعتَ عليه، ثم أراد أن يُضيّق على نفسه، فإنك لا ترضى له ذلك، محبةً فيه، وشفقة عليه. وانظر تفسير ابن عرفة.
قال ابن جزي: ولنتكلم على فقه التحريم: فأمّا تحريم الطعام والمال وسائر الاشياء ما عدا النساء فلا يلزم، ولا شيء عليه فيه عند مالك، وأوجب عليه أبو حنيفة كفارة اليمين، وأمّا تحريم الأَمة فإن نوى به العتق لزم، وإن لم ينو به ذلك لم يلزم، وكان حكمه ما ذكرناه في الطعام، وأمَا تحريم الزوجة، فاختلف الناس فيه على أقوال كثيرة، فقال أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وغيرهم: إنما يلزم فيه كفارة يمين. هـ. قلت: وظاهره: سواء قال لها: أنتِ حرام، أو حلف بالحرام واحداً أو ثلاثاً، وسواء كان منجّزاً أومعلّقاً، كما إذا قال: كل امرأة تزوجتُها عليكِ فهي حرام، مثلاً، فلا يلزم من ذلك شيء عَلَيَّ قول هؤلاء السادات ﵃. ثم قال: وقال مالك في المشهور عنه: هي ثلاث تطليقات في المدخول بها وينوي في غيرها، وقال ابن الماجشون: هي ثلاث في الوجهين، ورُوي عن مالك: أنها طلقة بائنة ـ قلتُ: وبهذا جرى العمل اليوم ـ وقيل: رجعية. هـ.
﴿تبتغي مَرْضَاتَ أزواجِك﴾ : حال، أو استئناف مُبيّن للحال الداعي، أي: تطلب رضا أزواجك بالتضييق على نفسك، والمراد: رضا حفصة، وهذا يُؤيد أنها نزلت في تحريم الجارية، وأمّا تحريم العسل فلم يقصد به رضا أزواجه، وإنما تركه لرائحته. ﴿واللهُ غفور﴾ أي: غفور لك ما كان تركه أولى من الصدع بالحق من غير مبالاة بأحدٍ، ولا تُضيّق على نفسك، ﴿رحيم﴾ بك، حيث وسّع عليك، ولم يرضَ لك أن تُضيق على نفسك. قال القشيري: ظاهرُ هذا الخطاب عتابٌ على كونه حَرَّمَ على نفسه ما أحلّه اللهُ لمراعاة قلب امرأته، والإشارة فيه: وجوب تقديم حق الله على كل شيء في كل وقت. ثم قال تعالى، عنايةً بأمره: ﴿قد فرض اللهُ لكم تَحِلَّةَ أيمانكم﴾ وتجاوزاً عنه بما كان تركه أولى. هـ.
والحاصل: أنه تعالى غفر له ميله للسِّوى سهواً، والسهو قهرية الحق تعالى، قهر بها عبادَه ليتميّز ضعف العبودية من قوة الربوبية، وهو ليس بنقصٍ في حق البشر، لكنه لمّا
стр. 3123
كان في الغالب لا يحصل إلاَّ مع عدم العزم عُدَّ تفريطاً وهفوة، كما قال تعالى في حق آدم: ﴿فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه: ١١٥] ، فالمغفرة في الحقيقة، وطلب التوبة من السهو، إنما هو لقلة العزم وعدم الحزم، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، ولا تصغ بأذنك إلى ما قاله الزمخشري ومَن تبعه من كون ما فعله ﵇ زلة، حيث حرّم ما أحلّ الله، فإنه تجاسر على منصب النبوة، وقلة أدب. وقوله تعالى: ﴿ما أحلّ الله لك﴾ زيادة " لك " تَرُدّ ما زعمه الزمخشري، ولو كان كما قال لقال له: لِم تحرم ما أحل الله.
ثم قال تعالى: ﴿قد فَرَضَ اللهُ لكم تَحِلَّةَ أَيمانكم﴾ أي: شرع لكم تحليلها، وهو حل ما عقده بالكفَّارة، أو بالاستثناء متصلاً، والأول هو المراد هنا، وهل كفَّر ﵊؟ قال مقاتل: أعتق رقبةً، وقال الحسن: لم يُكفِّر؛ لأنه مغفور له. قال بعضهم: هذه التحلة إنما هي لليمين المقرونة بالتحريم، وقال بعضهم: بل هي لنفس التحريم، وبه تمسّك أبو حنيفة في تحريم الحلال، فأوجب كفارةَ اليمين. ﴿واللهُ مولاكم﴾ أي: سيدكم ومتولي أمورَكم، فلا يُحب ما ضيّق عليكم. قال في الحاشية الفاسية: ومَن تأمّل هذه السورة لاح له منزلةَ حبيب الله عند الله، وحقق معنى قول عائشة: " يا رسول الله؛ ما أرى ربك إلاّ يُسارع في هواك " الحديث متفق على صحته هـ ﴿وهو العليمُ﴾ بما يُصلحكم، فيشرعه لكم، ﴿الحكيمُ﴾ المتقن في أفعاله وأحكامه، فلا يأمركم ولا ينهاكم ألاَّ بما تقتضيه الحكمة البالغة.
الإشارة: هذا العتاب يتوجه لكل مَن سبقت له عند الله عناية وزلفى، إذا ضَيّق على نفسه فيما أحلّ اللهُ له، فلا يرضى منه ذلك، محبةً فيه، وقد صدر مني مثل هذا زمان الوباء، فحلفت لبعض أزواجي: أني لا أتزوج عليها، وسبب ذلك أنها كانت مصارِمة لي، في غاية الغضب والقطيعة، وقد كان غلب على ظني الموت، لِما رأيتُ من الازدحام عليه، فخفتُ أن نموت متقاطعَين، فلمّا حلفتُ لها رأى بعض الفقراء من أصحابنا: أنه يقرأ عليّ أو معي: ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحرم ... ﴾ الخ السورة، ففهمت الإشارة على أنّ اليمين لا تلزم، والله أعلم، لأنّ بساط اليمين كان غلبة ظن الموت، فلما تخلّف انحل اليمين، كقضية الرجل الذي وجد الزحام على اللحم، فحلف لا يشتري لحماً أبداً، ثم وجد الفراغ، فقال مالك: لا يلزمه شيء. هـ.
وقال الورتجبي: أدب نبيه ﵊ ألاَّ يستبد برأيه، ويبتع ما يُوحى إليه. هـ. وجعل القشيري النبيَّ إشارة إلى القلب، أي: يا أيها القلب المتوجِّه لِمَ تُحرم ما أحل الله من حلاوة الشهود، تبتغي مرضاة نفسك وحظوظها، فتتبع هواها، وتترخّص في مباحات الشريعة، وهي تحجب عن أسرار الحقيقة، أو: لِمَ تُحرِّم ما أحل الله من
стр. 3124
الاستغراق في سُكر بحر الحقيقة، تبتغي مرضاة بقاء نفسك، والشعور بوجودها. وكان ﷺ يقول: " لي وقت لا يَسعني فيه غير ربي " وكان يقول لعائشة حين يغلب عليه السُكْر والاضمحلال في الحق: " كلميني حركيني يا حميراء " وكذلك القلب إذا غلب عليه الوجد، وخاف من الاصطلام، أو مِن مَحق البشرية، يطلب مَن يبرد عليه مِن نفسه أو مِن غيره، وقد سَمِعْتُ مِن شيخ شيخنا ﵁ أنه قال: كان يغلب عَلَيَّ الوجد والسكر، فكنت أذهبُ إلى مجالسة العوام ليبُرد عليّ الحال، خوفاً من الاصطلام أو المحق، وذلك بعد وفاة شيخه.
وقوله تعالى: ﴿والله غفور رحيم﴾ أي: فلا يؤاخذ العبدَ بهذا الميل اليسير إلى الحس، دواء لنفسه، قد فرض اللهُ لكم تحلةَ أيمانكم، أي: الميل اليسير إلى الرفق بالنفس؛ لأنها مطية القلب، بمجاهدتها يصل إلى كعبة الوصول، وهي حضرة الرب. وبالله التوفيق.
يقول الحق ﷻ : ﴿وإِذ أَسَرَّ﴾ أي: واذكر أيها السامع حين أَسَرَّ ﴿النبيُّ إِلى بعض أزواجه﴾ يعني حفصة ﴿حديثاً﴾ ؛ حديث تحريم مارية، أو العسل، أو إمامة الشيخين، ﴿فلما نَبَّأَتْ به﴾ أي: أخبرت حفصةُ عائشةَ بالحديث وأفشته، فحذف المفعول، وهو عائشة، ﴿وأظْهَرَه اللهُ عليه﴾ أي: أطلع اللهُ تعالى نبيَّه ﵊ على إفشاء حفصة على لسان جبريل ﵇، أو: أظهر الله عليه الحديث، من الظهور، ﴿عَرَّفَ بعضَه﴾ أي: عرَّف النبيُّ ﷺ حفصةَ بعض الحديث الذي أفشته، قيل: هو حديث الإمامة، رُوي أنه ﵊ قال لها: " ألم أقل لك اكتمي عليّ "؟ قالت: " والذي بعثك بالحق ما ملكتُ نفسي " فرحاً بالكرامة التي خَصَّ اللهُ تعالى بها أباها.
﴿وأَعْرَضَ عن بعضٍ﴾ فلم يُخبرها تكرُّماً. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام، وقال الحسن: ما استقصى كريم قط. وقرأ الكسائي: " عَرَف " بالتخفيف، أي:
стр. 3125
جازى عليه، من قولك للمسيء: لأعْرِفَنَّ لك ما فعلت، أي: لأجازينَّك عليه، فاجازاها ﵇ بأن طلَّقها، وآلى من نسائه شهراً، وقعد في مشربة مارية حتى نزلت آية التخيير، وقيل: هَمَّ بطلاقها، فقال له جبريل: لا تُطلِّقها، فإنها صوّامة قوّامة. هـ. قيل: المعرّف: حديث الإمامة، والمعرَض عنه: حديث مارية. ﴿فلما نَبَّأها به﴾ أي: أخبر ﷺ حفصةَ بما عرفه من الحديث، قالت حفصة للنبي ﵇: ﴿مَن أنبأكَ هذا قال نبأنيَ العليمُ الخبيرُ﴾ الذي لا تخفى عليه خافية.
﴿إِن تتوبا إِلى الله﴾ ، الخطاب لحفصة وعائشة، على الالتفات للمبالغة في العتاب، ﴿فقد صَغَتْ قُلوبُكما﴾ ؛ مالت عن الواجب في مخالصة رسول الله ﷺ ، مِن حُب ما يُحبه، وكراهة ما يكرهه، وكان ﵊ شقَّ عليه تحريم مارية وكَرِهَه، وهما فرحا بذلك. وجواب الشرط: محذوف، أي: إن تتوبا إلى الله فهو الواجب، فقد زالت قلوبكما عن الحق، أو: تُقبلْ توبتكما، أو هو: " فقد صغت " أي: إن تتوبا زاغب قلوبكما فاستوجبتما التوبة، أو: فقد كان منكما ما يقضي أن يُتاب منه. قال ابن عطية: وهذا الجواب للشرط، وهو متقدم في المعنى، وإنما نزلت جواباً في اللفظ. هـ. وقُرىء " زاغت " من الزيغ.
﴿
وإِن تَظَاهرا عليه﴾ أي: تتعاونا عليه بما يسوؤه، من الإفراط في الغيرة، وإفشاء سرّه، والفرح بتحريم مارية، ﴿فإِنَّ اللهَ هو مولاه﴾ ؛ وليُّه وناصره، وزيادة " هو " إيذان: أنّه يتولّى ذلك بذاته بلا واسطة، ﴿وجبريلُ﴾ أيضاً وليّه، الذي هو رئيس الملائكة المقرّبين، ﴿وصالحُ المؤمنين﴾ أي: ومَن صلح مِن المؤمنين، أي: كل مَن آمن وعمل صالحاً، وقيل: مَن برىء مِن النفاق، وقيل: الصحابة جملة، وقال ابن عباس: أبو بكر وعمر، ورُوي مرفوعاً، وبه قال عكرمة ومقاتل، وهو اللائق؛ لتوسيطه بين جبريل والملائكة ﵈، فإنه جمع بين التظاهر المعنوي والتظاهر الحسي، فجبريل ظاهَره ﵇ بالتأييدات الإلهية، وهما وزيراه وظهيراه في أمور الرسالة، وتمشية أحكامها الظاهرة، ولأنَّ تظاهرهما له ﷺ أشد تأثيراً في قلوب ينتيْهما، وتوهيناً في حقهما، فكانا حقيقا بالذكر، بخلاف ما إذا أريد به جنس الصالحين، كما هو المشهور. قاله أبو السعود.
﴿والملائكةُ﴾ مع تكاثر عددهم وامتلاء السموات من جموعهم ﴿بعد ذلك﴾ أي: بعد نصرةِ الله ، وناموسه الأعظم، وصالح المؤمنين، ﴿ظهيراً﴾ أي: فوْج ظهير مُعاون له، كأنهم يد واحدة على مَن يعاديه، فماذا يفيد تظاهر امرأتين على مَنْ هؤلاء ظُهراؤه؟ ولمّا كانت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، قال: ﴿بعد ذلك﴾ تعظيماً لنصرتهم ومظاهرتهم.
﴿عسى ربُّه إِن طَلَّقكُنَّ أن يُبْدِلَه﴾ بالتخفيف، والتشديد للتكثير، أي: يعطيه اللهُ
стр. 3126
تعالى بدلكن ﴿أزواجاً خيراً منكن﴾ ، قال النسفي: فإن قلتَ: كيف تكون المبدّلات خيراً منهنَ، ولم يكن على وجه الأرض نساء خيراً من أمهات المؤمنين؟ قلتُ: إذا طلّقهنّ رسولُ الله ﷺ لإيذائهنّ إياه لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف خيراً منهن. هـ. وأجاب أبو السعود: بأنّ ما عُلّق بما لم يقع لا يجب وقوعه. هـ. وليس فيه ما يدل على أنه ﷺ لم يُطلِّق حفصة، فإنّ تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة.
ثم وصف المبدَلات بقوله: ﴿مُسلماتٍ مؤمناتٍ﴾ أي: مُقرّات مخلصات، أو: منقادات مصدّقات، ﴿قانتاتٍ﴾ ؛ طائعات، فالقنوت: هو القيام بطاعة الله، وطاعة الله في طاعة رسوله، ﴿تائباتٍ﴾ من الذنوب ﴿عابداتٍ﴾ ؛ متعبدات متذللات، ﴿سائحاتٍ﴾ ؛ صائمات، وقيل للصائم: سائح؛ لأنَّ السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يُطعمه، فشبّه به الصائم في إمساكه إلى وقت إفطاره، أو: مهاجرات. قال زيد بن أسلم: لم يكن في هذه الأمة سياحة إلاَّ الهجرة، ﴿ثيباتٍ وأبكاراً﴾ ، إنما وسط العاطف بين الثيبات والأبكار، دون سائر الصفات؛ لأنهما صفتان متباينتان، وعَطْف الأبكار على الثيبات من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً ... ﴾ [التوبة: ١٢١] . والله تعالى أعلم.
الإشارة: توجه العتاب له ﷺ مرتين في تحريم الجارية، وفي إخفائه لذلك، إذ فيه بعض مراقبة الخلق، والعارف لا يُراقب إلاّ الحق، فهذا قريب من قوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أّحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، ففيه من التصوُّف: أنَّ العارف يكون الناس عنده كالموتى، أو كالهباء في الهواء، وفي الحديث عنه ﵊: " لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يكون الناس عنده كالأباعر " إذا ليس بيدهم نفع ولا ضر.
وإشارة الآية على ما قال القشيري: وإذ أَسَرَّ القلبُ إلى بعض أزواجه، وهي النفس والهوى، حديث المخالفة، على طريق " شاوروهنّ وخالِفوهنّ " فلما نبأت النفسُ الهوَى لتفعلا ذلك، وأظهره الله عليه بوحي الإلهام، عَرَّف بعضَه وأعرض عن بعض، أي: عاتبهما على البعض، وسامحهما في الآخر، فلما نبأ القلبُ النفسَ بما أفشت للهوى، قالت: مَن أنبأك هذا.. الخ، إن تتوبا إلى الله، وتنقادا لحكمه فقد وقع منكما ما يوجب التوبة، وإن تظاهرا على القلب بتزيين المخالفة وتتبع الحظوظ والشهوات، فإنَّ الله هو مولاه، ينصره بالأجناد السماوية والأرضية، من التأييدات والواردات، عسى ربه إن طلقكن
стр. 3127
وغاب عنكن أن يُبدله أخلاقاً طيبة، ونفوساً مطمئنة، مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ، عابداتٍ سائحاتٍ بأفكارها في ميادين الغيوب، وبحار التوحيد، ثيبات، أي: تأتي بعلوم الرسميات وأبكار الحقائق.
يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها الذين آمنوا قُو أنفسَكم﴾ أي: نَجُّوها من النار، بترك المعاصي وفعل الطاعات، ﴿وأهليكم﴾ بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم، أو بان تُعلِّموهم وتُرشدوهم. قال القشيري: أظهٍروا من أنفسكم الطاعات ليتعلموا منكم ويقتادوا بأفعالكم. هـ. وفي الحديث: " رحِم الله امرءاً قال: يا أهلاه، صلاتَكم صيامَكم مسْكينَكم، يتيمَكم " أي: الزموا ما ينفعكم، فمَن له أهل وأهملهم من التعلُّم والإرشاد عُوتب عليهم، أي: احملوهم على الطاعة، لتَقُوهُمْ ﴿ناراً وقُودُهَا الناسُ والحجارةُ﴾ أي: نوعاً من النار لا تتّقد إلاّ بالناس والحجارةن كما تتّقد غيرها بالحطب. قال ابن عباس: هي حجارة الكبريت، فهي أشد الأشياء حرًّا. ﴿عليها ملائكةٌ﴾ تلي أمرها والتعذيبَ بها، وهي الزبانية، ﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ ؛ غلاظُ الأقوال، شِدادُ الأحوال، أو: غلاظُ الخلْق، شِداد الخُلُق، أقوياءُ على الأفعال الشديدة، لم يخلق اللهُ فيهم رحمة، ﴿لاَّ يَعْصُون اللهَ مَآ أَمَرَهم﴾ أي: لا يعصون أمره، فهو بدل اشتمال من " الله " أو: فيما أمرهم، على نزع الخافض، ﴿ويفعلون ما يُؤمرون﴾ من غير تراخ ولاتثاقل، وليست الجملتان في معنى واحد؛ إذ معنى الأولى: أنهم يمتثلون أمره ويلتزمونها، ومعنى الثانية: أنهم يُؤدون ما يُؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوَانون فيه.
ويُقال للكفرة يوم القيامة عند دخولهم النار: ﴿يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليومَ﴾ إذ لا ينفعكم عذركم؛ حيث فرَّطتم في الدنيا، ﴿إِنما تُجْزَون﴾ اليوم ﴿ما كنتم تعملون﴾ في الدنيا من الكفر والمعاصي، بعدما نُهيتُم عنها، وأُمرتم بالإيمان والطاعة، فلا عُذر لكم قطعاً.
الإشارة: قُوا أنفسكم نارَ الحجبة والقطيعة، بتخليتها من الرذائل، وتحليتها بالفضائل، ليلحقوا بكم في درجاكم. ونار القطيعة وقودها الناس، أي: عامة الناس والقلوب القاسية، عليها ملائكة غِلاظ شِداد، وهم القواطع القهرية، فمَن كفر بطريق الخصوصية لا ينفعه يوم القيامة اعتذاره، حين يسقط عن درجة المقرَّبين الأبرار وبالله التوفيق.
стр. 3128
يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها الذين آمنوا تُوبوا إِلى الله توبةً نَصوحاً﴾ أي: بالغة في النصح، وُصفت بذلك مجازاً، وهي وصف للتائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسَهم، فيأتوا بها على طريقتها، وذلك أن يتوبوا عن القبائح، لقبْحها، نادمين عليها، مغتمِّين أشد الاغتمام لارتكابها، عازمين على أنهم لا يعودون إلى قبيح من القبائح، وقيل: نصوحاً: صادقة، وقيل: خالصة، يُقال: عسل ناصح: إذا خلص من شمعه، وقيل: مِن نصاحة الثوب، أي: ترقيعه، لأنها ترقع خروقك في دينك وترمّ خللك، وقيل: توبة تنصح الناس، أي: تدعوهم إلى مثلها؛ لظهور آثارها في صاحبها، باستعمال الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها، ومَن قرأ بضم النون فمصدر، أي: ذات نصوح، أو تنصح نصوحاً. وفي الحديث: " التوبة النصوح أن يتوب، ثم لا يعود إلى الذنب إلى أن يعود اللبن في الضرع " وعن حذيفة: " بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه " وعن ابن عباس ﵁: " هي الاستغفار باللسان، والندم بالجنان، والإقلاع بالأركان ". ﴿عسى ربُّكم أن يُكَفِّرَ عنكم سيئاتِكم﴾ ، هذا على ما جرى به عادة الملوك من الإجابة بعسى ولعل، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. وقيل: عبّر بـ " عسى " للإشعار أنّ المغفرة تفضل وإحسان، وأنّ التوبة غير موجبة لها، ولِيَبقى العبد بين خوف ورجاء ولو عمل ما عمل. ﴿ويُدْخِلَكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ يومَ لا يُخزي اللهُ النبيَّ﴾ . هو ظرف لـ " يدخلكم " ﴿والذين آمنوا معه﴾ : عطف على " النبي "، و " معه ": ظرف لآمنوا، وفيه تعريض بمَن أخزاهم الله من الكفرة. ﴿نُورُهُمْ﴾ : مبتدأ، و ﴿يسعى﴾ خبره، أي: يُضيء ﴿بين أيديهم وبأَيمانهم﴾ أي: على الصراط وفي مواطن القيامة، ﴿يقولون﴾ حال، أي: قائلين حين ينطفىء نور المنافقين: ﴿ربنا أتمم لنا نورنا واغفرْ لنا إِنك على كل شيءٍ قديرٌ﴾ ، وقيل: يدعون بذلك تقرُّباً إلى الله مع تمام نورهم، وقيل: تتفاوت أنوارهم
بحسب أعمالهم، فيسألون إتمامه تفضُّلاً، وقيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم كأجاود الخيل، وبعضهم حبواً، وزحفاً، وهم
стр. 3129
الذين يقولون: ﴿ربنا أَتمم لنا نورنا﴾ . وقد تقدّم: أنَّ مِن المقربين مَن تُقرّب لهم غُرف الجنات، فيركبون فيها، ويسرحون إلى الجنة، ومنهم مَن يطير في الهواء إلى باب الجنة، فيقول الخزنة: مَن أنتم؟ فيقولون: وحن المتحابُّون في الله، فيقول: اذهبوا فنِعْمَ أجر العاملين، ويقول بعضهم لبعض: أين الصراط الذي وُعدنه، فيُقال لهم: جزتموه ولم تشعروا. والله تعالى أعلم.
الإشارة: توبةُ العامة من الذنوب، وتوبةُ الخاصة من العيوب، وتوبة خاصة الخاصة من الغيبة عن حضرة علاّم الغيوب، فهؤلاء أشد الناس افتقاراً إلى التوبة؛ إذ لا بُد للعبد من سهوٍ وسِنةٍ حتى يجول بقلبه في الأكوان، أو يميل عن الاعتدال، فيجب في حقهم الاستغفار منها، ولذلك كان ﵊ يستغفر في المجلس الواحد سبعين أو مائة مرة. وقد تكلم السّلفُ عن التوبة النصوح دون ما تقدّم، فقال ابن جبير: هي التوبة المقبولة، ولا تُقبل إلا بثلاثة شروط: خوف ألاَّ تُقبل منه، ورجاء أن تُقبل، وإدمان الطاعة. وقال ابن المسيب: توبة تنصحون بها أنفسكم، وقال القرظي: يجمعها أربعة: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وترك العود بالجنان، ومهاجرة سيىء الخلان. وقال الثوري: علامتها أربعة: القِلة، والعِلة، والذلة، والغربة. وقال الفضيل: هو أن يكون الذنب نصب عينيه. وقال الواسطي: تكون لا لعرض دنيوي ولا أخروي. وقال أبو بكر الورّاق: هي أن تضيق عليك الدنيا بما رَحُبتْ، كحالة الذين خُلِّفوا. وقال رُويم: أن تكون لله وجهاً بلا قفا، كما كنت عند المعصية قفا بلا وجه، وقالت رابعة: توبة لا ارتياب فيها، وقال السري: لا تصلح التوبة النصوح إلاّ بنصيحة النفس والمؤمنين؛ لأنَّ مَن صحّت توبته أَحبَّ أن يكون الناس مثله، وقال الجنيد: هي أن تنسى الذنب فلا تذكره أبداً؛ لأنَّ مَن أحب اللهَ نسي ما دونه. هـ.
يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها النبيُّ جاهِدِ الكفارَ﴾ بالسيف ﴿والمنافقين﴾ بالحجة، أو: بالقول الغليظ والوعظ البليغ، أو: بإقامة الحدود، ولم يؤمر بقتالهم لِتَسَتُّر ظاهرهم بالإسلام، " أُمرت أن أحكم بالظواهر، والله يتولى السرائر "، ﴿واغْلُظْ
стр. 3130
عليهم﴾ ؛ واستعمل الخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمخاصمة باللسان. ﴿ومأوَاهم جهنمُ﴾ يُباشرون فيها عذاباً غليظاً، ﴿وبئس المصيرُ﴾ جهنم، أو مصيرهم.
الإشارة: كُلُّ إنسان مأمور بجهاد أعدائه، من النفس، وَالهوى، والشيطان، وسائر القواطع، وبالغلاظ عليهم، حتى يُسلموا وينقادوا لحُكمه أو تقل شوكتهم، وهذا هو الجهاد الأكبر، لدوامه واتصاله، فمَن دام عليه حتى ظفر بعدوه، أو لقي ربه، كان مِن الصدّيقين، الذين درجتهم فوق درجة الشهداء، تلي درجة المرسَلين. وبالله التوفيق.
قلت: " مثلاُ ": مفعول ثان لضرب، أي: جعل، و " امرأةَ ": مفعول أول، أي: جعل امرأة نوح وامرأة لوط مثلاُ مضروباً للذين كفروا.
يقول الحق ﷻ : ﴿ضَرَبَ اللهُ مثلاً للذين كفروا﴾ ، ضَرْبُ المثل في أمثال هذه المواقع عبارة عن: إيراد حالة غريبة ليُعرف بها حالة أخرى، مشاكِلة لها في الغرابة، أي: ضرب الله مثلاً لحال الذين كفروا حيث يُعاقَبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين، ولا ينفعهم ما كان بينهم وبين المؤمنين من النسب والمصاهرة بهاتين المرأتين، ﴿امرأتَ نوحٍ وامرأتَ لوطٍ﴾ قيل: اسم الأولى: واهلة، والثانية: راعلة، ﴿كانتا تحت عبدين من عبادنا صَالِحَينِ﴾ أي: كانتا في عصمة نبييْن عظيميْن، متمكنين من تحصيل خير الدنيا والأخرة، وحيازة سعادتهما، ﴿فخانتاهما﴾ بإفشاء سرهما، أو بالكفر والنفاق، ﴿فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً﴾ أي: فلم يُغن الرسولان عن المرأتين بحق ما بينهما من الزواج شيئاً من الإغناء من عذاب الله تعالى، ﴿وقيل﴾ لهما عند موتهما، أو يومَ القيامة: ﴿ادخلا النارَ مع الداخلين﴾ أي: مع سائر الداخلين من الكفرة، الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء.
стр. 3131
قال القشيري: لما سبقتً للمرأتين الفُرْقةُ يوم القِسْمة، لم تنفعهما القرابةُ يومَ العقوبة. هـ. قال ابن عطية: وقول مَن قال: إنَّ في المثلَين عبرة لأزواج النبي ﷺ بعيد. هـ. قلت: لا بُعد فيه لذكره إثر تأديب المرأتين، وليس فيه غض لجانبهنّ المعظم، إنما فيه إيقاظ وإرشاد لما يزيدهم شرفاً وقُرباً من تعظيم الرسول ﷺ وطاعته، وصيانة سِره، والمسارعة إلى ما فيه محبتُه ورضاه، وكل مَن نصحك فقد أحبّك، وكل مَن أهملك فقد مقتك.
﴿
وضَرَبَ اللهُ مثلاً للذين آمنوا﴾ في أنهم ينفعهم إيمانهم، ولو كانوا تحت قهرية الكفرة، حيث لم يميلوا عنه، ﴿امرأة فرعونَ﴾ ، وهي أسية بنت مزاحم، وهي عمة موسى ﵇، آمنت به فعذّبها بالأوتاد الأربعة، وتَدَ يديها ورجليها وألقاها في الشمس على ظهرها، وألقى عليها صخرةَ عظيمة، فأبصرت بيتَها في الجنة، من دُرة، وانتزع اللهُ روحَها، فلقيتها الصخرة بلا روح، فلم تجد ألماً، وقال سَلْمَان: كانت امرأة فرعون تُعذَّب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة، وفيه بيان أنها لم تمِل عن الإيمان مع شدة ما قاست من العذاب، وكذا فليكن صوالح النساء، وأمر عائشة وحفصة أن يكونا كآسية هذه. هـ. من الثعلبي.
﴿إِذ قالتْ﴾ : ظرف لمحذوف، أي: ضرب مثلاً لحالها حين قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لي عندكَ﴾ أي: قريباً من رضوانك ﴿بيتاً في الجنة﴾ أو: في أعلى درجات المقربين، رُوي: أنها لَمّا قالت ذلك أُريت بيتها في الجنة. ﴿ونجِّني من فرعونَ وعملِهِ﴾ أي: من نفسه الخبيثة وعمله السيىء ﴿ونجني من القوم الظالمين﴾ أي: من القبط التابعين له في الظلم قال الحسن وابن كيسان: نجاها الله أكرمَ نجاةٍ، ورفعها إلى الجنة، فهي فيها تأكل وتشرب. هـ.
﴿ومريمَ ابنة عمرانَ﴾ : عطف على " امرأة فرعون " أي: وضرب اللهُ مثلا للذين آمنوا حالَها وما أُتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين، مع كون قومها كفاراً، ﴿التي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ ؛ حفظته ﴿فنفخنا في مِن روحنا﴾ المخلوقة لنا، أو: من روح خَلقتُه بلا واسطة، ﴿وصدَّقتْ بكلماتِ ربها﴾ ؛ بصُحفه المنزلة، أو: بما أوحى اللهُ إلى أنبيائه، ﴿وكتابه﴾ أي: جنس الكتاب الشامل للكل، وقرأ البصري وحفص بالجمع، أي: كُتبه الأربعة، وقُرىء: " بكلمة الله وكتابه " أي: بعيسى وبالكتاب المنزَّل عليه الإنجيل، ﴿وكانت من القانِتين﴾ أي: من عدة المواظبين على الطاعة، والتذكير للتغليب، والإشعار بأنَّ طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال، حتى عُدت من جملتهم، أو كانت من نسل القانتين؛ لأنها من أعقاب هارون، أخي موسى ﵉. وعن النبي ﷺ : " كَمُل مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إلا أربع: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ ، وفضل عائشة على النساء كفضل
стр. 3132
الثريد على سائر الطعام ". قال النسفي: وفي طيِّ هذين التمثيلين تعريض بأمَّيِّ المؤمنين المذكورتين في أوّل السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله ﷺ بما كَرِهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه، وإشارة إلى أنّ مِن حقهما أن تكونا في الأخلاق كهاتين المؤمنتين، وألاّ تتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى عليه وسلم. هـ. وفي الثعلبي: وقال ابن عباس وجماعة: قطع اللهُ بهذه الآية طمَعَ مَن ركب المعصية، ورجا أن ينفعه صلاح غيره، وأخبر أنّ معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعاً. هـ.
الإشارة: قال القشيري: المرأتان الكافرتان إشارة إلى النفس الأمّارة والهوى المتَّبع، أي: كانتا تحت القلب والروح، فخانتاهما، حيث غلبتا القلبَ والروحَ، وجذبتاهما إليهما، فمال القلب إلى الحظوظ الجسمانية، ومالت الروحُ إلى الحروف الظلمانية، كحب الجاه والرئاسة والكرامة، فلم تُغنيا عنهما من الله شيئاً، حيث فاتهما اليقين والمعرفة العيانية، والمرأتان المؤمنتان إشارة إلى النفس المطمئنة والقلب المطمئن، حيث غلبا النفس الأمّارة والهوى، لم يضرهما صحبتهما، فقالت النفس المطمئنة: ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، والقلب لمّا حَفِظً نفسه من دخول العلل، نفخ الحقُّ فيه من روحه، فأحياه به، وأشْهَده أنوار قدسه، فصدّق بكلمات الله الدالة على ذاته، ثم ترقَّى إلى شهود المتكلِم، وكان من القانتين، فجمع بين شهود عظمة الربوبية وآداب العبودية. قال الورتجبي: ﴿فنفخنا فيه ... ﴾ الآية، أي: ظهر فيه نور الفعل، ثم ظهر في نور الفعل نور الصفة، فظهر في نور الصفة نور الذات، فكان بنور الذات والصفات حيًّا موصوفاً بصفاته، ناظراً إلى مشاهدة نور ذاته، لم تنقطع عنه أنوار الذات والصفات والفعل أبداً. وهذه خاصية لمَن له أثر من روحه. قال بعضهم: نفخ من نوره في روح عبده، ليحيي بذلك الروح، ويحيى به، ويطلب النورَ ولا يغفل عن طلب المُنوِّر، فيعيش في الدنيا حميداً، ويُبعث في الآخرة شهيداً، فلمّا وجدت رَوحُ روحِ الله صدّقت بظهوره في العالم، وشبيه قلوب العالمين بأنه يكون مرآة الحق للخلق، وذلك قوله: ﴿وصَدَّقت بكلمات ربها﴾ ولمّا باشر أنوار القدس وروح الأنس كادت نفسها أن تميل إلى السكر في الأنانية، فسبق لها العناية، وأبقاها في درجة العبودية، حتى لا تسقط بالسُكر عن مقام الصحو، ألا ترى كيف قال: ﴿وكانت من القانتين﴾ أي: من المستقيمين في معرفتها بربها، ومعرفتها بقيمة نفسها أنها مُسَخَّرة عاجزة لربها. هـ. وبالله
التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
стр. 3133
سورة الملك
يقول الحق ﷻ : ﴿تباركَ﴾ أي: تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين فالبركة: السمو والزيادة، حسية أو عقلية، وكثرة الخير ودوامه، والمعنى الأول أنسب للمقام، باعتبار تعاليه عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، وصيغة التفاعل للمبالغة في ذلك؛ فإنَّ ما لا يصح نسبته إليه تعالى من الصيغ، كالتكثُّر ونحوه، إنما يُنسب إليه تعالى باعتبار غاياتها. وعلى الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه تعالى على مخلوقاته من فنون الخيرات، أي: تعالى بالذات عن كل ما سواه. ﴿الذي بيده المُلك﴾ أي: بيده التصرُّف التام والاستيلاء على كل موجود، وهو مالك المُلك، يُؤتيه مَن يشاء، وينزعه عمن يشاء، واليد: مجاز عن القدرة التامة، والاستيلاء الكامل. ﴿وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ﴾ من المقدورات، أو من الإنعام والانتقام ﴿قديرٌ﴾ ؛ مبالغ في القدرة يتصرف فيه على حسب ما تقتضيه مشيئته المبنية على الحِكم البالغة.
والجملة: معطوفة على الصلة، مقرِّرة لمضمونها، مفيدة لجريان أحكام مُلكه تعالى في جلائل الأمور ودقائقها، دالة على العموم والشمول في أنه متصرف في أحوال المُلك
стр. 3134
في إيجاد أعيان الأشياء؛ المتصرّف فيها وفي إيجاد عوارضها الذاتية. ولو اقتصر على قوله: ﴿بيده الملك﴾ لأوهم قصوره على تغيُّر أحوال المُلك فقط.
ثم أحال على ما هو مُشاهد من التصرُّف بقوله: ﴿الذي خلق الموتَ والحياةَ﴾ أي: موتكم وحياتكم أيها المكلّفون. ومعنى خلق الموت والحياة: إيجاد ما يصحح الإحساس وإعدامه. والموت عند أهل السنة: صفة وجودية مضادة للحياة، وأمّا ما رُوي عن ابن عباس: أنه تعالى خلق الموتَ في صورة كبش أملح، لا يمر بشيء ويجد ريحه إلاّ مات، وخلق الحياة في صورة فرس، لا يَمر والا يجد رائحتها شيء إلاّ حيى " فوارد على منهاج التمثيل والتصوير، ويجوز أن يكون حقيقة، إذ القدرة صالحة. وتقديم الموت لأنه أدعى لأحسن العمل، الذي هو حكمة خلق الموت والحياة، المشار إليه بقوله: ﴿ليبلوكم أَيُّكم أحسنُ عملا﴾ أي: خلق موتكم الذي يعمّ الأمير والأسير، والحياة التي لا تبقى لعليل ولا طبيب، ليُعاملكم معالمة مَن يختبركم أيكم أحسن عملاً؛ فيُجازيكم على مراتب متفاوتة، حسب طبقات علومكم وأعمالكم؛ فإنَّ العمل غير مختص بالجوارح، ولذلك فسَّره ﷺ بقوله: " أيكم أحسن عقلاً، وأردع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله "، وفي رواية: " أيكم أحسن عقلاً، وأشدكم له خوفاً، وأحسنكم في أمره ونهيه نظراً، ون كانوا أقلّكم تطوُّعاً " وقال ابن عباس وغيره: أيكم أزهد في الدنيا.
قال القشيري: كيف تكونوا في الصبر في المحنة، والشكر عند المنّة. وقال النسفي: ﴿أيكم أحسن عملاً﴾ : أخلصه وأصوبه، فالخالص: أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على السُنَّة، والمراد: أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل، وسلّط عليكم الموت، الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، فما وراءه إلاّ البعث والجزاء، الذي لا بدّ منه، ولمّا قدّم الموت ـ الذي هو أثر صفة القهر ـ على الحياة ـ التي هي أثر صفة اللطف ـ قدّم صفة القهر على صفة اللطف بقوله: ﴿وهو العزيزُ﴾ : الغالب، الذي لا يُعجزه مَن أساء العمل، ﴿الغفور﴾ ؛ الستور، الذي لاييأس منه أهل الإساءة والزلل. هـ.
ثم استشهد على تمام قدرته بقوله: ﴿الذي خلق سبعَ سمواتٍ طِباقاً﴾ أي: متطابقة بعضها فوق بعض، من طباق النعلَ: أذا خصفها طبقاً على طبق، وهو مصدر وُصف به، أو: ذات طباق، أو: طوبقت طباقاً. وقوله تعالى: ﴿ما ترى في خَلْقِ الرحمنِ من تفاوتٍ﴾ صفة أخرى لسبع سموات، وضع فيها " خَلْق الرحمن " موضع الضمير للتعظيم، والإشعار بعلة الحكم، وبأنه تعالى خلقها بقدرته، رحمةً وتفضُّلاٍ، ولأنَّ في إبداعها نعماً جليلة. أو: استئناف. والخطاب للرسول ﷺ ، أو لكل أحدٍ يصلح للخطاب، و " مِن " لتأكيد
стр. 3135
النفي، أي: ما ترى فيه شيئاً من تفاوت، أي: اختلاف وعدم تناسب أو اضطراب. وعن السدي: من عيْبٍ. وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأنّ بعضاً يفوت بعضاً. وقرأ الأخوان: " تَفَوُّت " كالتعاهد والتعهّد، والبناء لواحد. ﴿فارجع البصرَ﴾ أي: ردَّه إلى السماء، حتى يصحَّ عندك ما أُخْبِرْت به معاينةً، حتى لا يبقى شُبهة. ﴿هل ترى من فطورٍ﴾ ؛ صدروع وشقوق، جمع: فَطَر، وهو الشقّ، يقال: فطره فانفطر.
﴿ثم ارجع البصرَ كرتينِ﴾ أي: كرّره رجعتين مع الأُولى، فتكون ثلاثاً، أو: بالأُولى، وقيل: لمَ يُرد الاقتصار على مرتين، بل أراد به التكرير بكثرةٍ، أي: كرر نظرك ودقّقه مراراً، هل ترى خللاً أو عيباً في السموات؟ وجواب الأمر: ﴿ينقلبْ﴾ ؛ يرجع ﴿إليك البصرُ خاسئاً﴾ ؛ ذليلاً، أو: بعيداً مما تريد، وهو حال من البصر، ﴿وهو حَسِيرٌ﴾ أي: كليل لطول المعاودة، وكثرة المراجعة، ولم يحصل ما قصد.
ثم بيَّن حُسنها وبهجتها، فقال: ﴿ولقد زيَّنا السماءَ الدنيا﴾ أي: القُربى منكم ﴿بمصابيحَ﴾ أي: بكواكب مضيئة بالليل إضاءة السراج فيه، زينةً لسقف هذه الدار، من السيارة والثوابت، تتراءى كأنها كلها مركوزة فيها، مع أنَّ بعضها في سائر السموات، وما ذلك إلاَّ لأنَّ كل واحدة منها مخلوقة على نمط رائق، تحار في فهمه الأفكار، وطراز فائق تهيم في دركه الأنظار. قال الفخر: وليس في هذه الآية ما يدل على أنَّ الكواكب مركوزة في سماء الدنيا، وذلك لأنَّ السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في سماء الدنيا، أو في سماء أخرى فوقها، فهي لا بد أن تظهر في سماء الدنيا، وتلوح فيها، فعلى كِلا التقديرين فالسماء الدنيا مُزَيّنة بها. هـ.
﴿
وجعلناها رُجوماً للشياطين﴾ أي: وجعلنا فيها فائدة أخرى، هي: رجم أعدائكم الذي يُخرجونكم من النور إلى الظلمات، بانقضاض الشُهب المقتَبسة منها، فيأخذ المَلك شعلة من نار الكوكب، ويضرب بها الجني، فيقتله، أو يخبِّله، فيرجع غُولاً يُفزع الناسَ، وأمّا الكواكب فلا تزول عن أماكنها؛ لأنها قارّة في الفلك. قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة السماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمَن تأوّل فيها غير ذلك، فقد تكلّف ما لا علم له به. ﴿وأعتدنا لهم﴾ ؛ للشياطين ﴿عذابَ السعير﴾ بعد الإحراق في الدنيا بالشُهب. والله تعالى أعلم.
الإشارة: تبارك الذي بيده المُلك، الملُك الظاهري والمُلك الباطني، يُعطيهما مَن يشاء، ويمنعهما مَن يشاء، فالمُلك الظاهري عز يفنى والملك الباطني عز يبقى، وهما ضدان لا يجتمعان في شخص واحد، ولا يتفقان، بل أحدهما يغير من الآخر، والمراد بالملك الباطني: معرفة الشهود والعيان، فلا يناسبها إلاّ الخمول، ولا تقوم إلاّ به، ومهما ظهرت أخذ صاحبها وصدمته الحوافر. الذي خلق الموتَ في بعض القلوب والأرواح، فكانت ميتة جاهلة ذليلة حقيرة، والحياةَ في بعضها، فكانت حيّة عارفة مالكة عزيزة، فعل
стр. 3136
ذلك ليبلوكم أيك أحسنُ عملاً بالإقبال على الله، والتوجٌّه بكليته إليه، أو بالإدبار عنه، والإعراض عن الداعي إليه. وقيل: أحسن العمل: نيسان العمل ورؤية الفضل. هـ. والمراد: أنه يجتهد في العمل، ويغيب عنه، ومَن جعل الموتَ نُصب عينيه لا محالة يجتهد، ولله در القائل:
وَفِي ذِكْرِ هولِ الموتِ والقَبْر والبلاَ
عَن الشغْل باللذَّاتِ للمرء زَاجِر
أَبَعْدَ اقْتِرابِ الأَربَعينَ تَربُّص
وشَيْب فَذاك مُنْذِرٌ لك ذَاعِر
فَكَمْ في بُطون الأرضِ بعد ظُهورها
مَحَاسِنهم فيها بوَالٍ دَوَاثِر
وأنت على الدنيا مُكب مُنَافِس
لِحُطَامِها فيها حَريص مُكاثر
علَى خطرٍ تُمسي وتُصبح لاَهِياً
أَتدْرِي بماذا لَوْ عقلت تُخاطِر
وَإِنْ أحد يَسعى لدُنياه جَاهداً
ويَذْهلُ عن أخراه لآ شَكَّ خاسِر
فَجدّ ولا تَغفَل، فَعَيشك زائِل
وأَنْتِ إِلى دارِ الْمَنِيَّةِ صَائِر
وهو العزيز يُعز مَن أقبل عليه، والغفور لمَن رجع بعد الإعراض إليه. الذي خلق سبعَ سموات الأرواح، وتقدّم قريباً تفسيرها، وعالم الأوراح في غاية الإتقان، ليس فيه خلل ولا تفاوت، ولقد زيَّنا السمآء الدنيا. قال القشيري: أراد بسماء الدنيا سماء القلب، لدنوه من سماء الروح، أي: زيّنا ونوّرنا سماء القلب بمصابيح العلم وأنوار الواردات القلبية، وسبحات الإلهامات الربانية، وجعلناها رجوماً للشياطين؛ الخواطر النفاسية، والهواجس الظلمانية الشيطانية، وأعتدنا لتلك الخواطر عذابَ السعير، فيحترق بالخواطر الملكية والرحمانية. هـ.
يقول الحق ﷻ : ﴿وللذين كفروا بربهم﴾ أي: ولكل مَن كفر بالله مِن الشياطين وغيرهم ﴿عَذابُ جهنم﴾ يُعذّبون بها جميعاً، ﴿وبئس المصيرُ﴾ ، المرجع جهنم. ﴿إِذا أُلقوا فيها﴾ ؛ طُرحوا في جهنم، كما يُطرح الحطب في النار، ﴿سَمِعُوا لها﴾ ؛ لجهنم ﴿شهيقاً﴾ ؛ صوتاً منكراً، كصوت الحمير. شبّه حسيسها المنكر الفظيع بالشهيق. ﴿وهي تفور﴾ ؛ تغلي بهم كغليان المِرُجَل بما فيه.
стр. 3137
﴿تكاد تميَّزُ﴾ أي: تتميّز، يعني: تتقطّع وتتفرّق وينفصل بعضها من بعض ﴿من الغيظ﴾ وذلك حين تمد عنقها إليهم، لتستولي عليهم. وغيظها حقيقة بالإدراك الذي خلقه الله فيها. ﴿كلما أُلْقِي فيها فوجٌ﴾ ؛ جماعة من الكفار ﴿سألهم خزنتُها﴾ مالك وأعوانه من الزبانية توبيخاً لهم: ﴿ألم يأتكم نذير﴾ ؛ رسولٌ يُخوفكم من هذا العذاب الفظيع؟ ﴿قَالُواْ بلى قَدْ جَآءَنَا نذيرٌ﴾ ، اعترفوا بعدل الله، وأنَّ الله أزاح عذرهم ببعث الرسل، وإنذارهم ما وقعوا فيه، تحسُّراً على ما فاتهم من السعادة، وتمهيداً لِما وقع منهم من التفريط تندُّماً اغتماماً على ذلك، ﴿فكذَّبنا﴾ ذلك النذير في كونه نذيراً من جهته تعالى: ﴿وَقُلْنَا مَا نزَّل اللهُ من شيءٍ﴾ مما يقولون من وعد ووعيد، وغير ذلك، ﴿إِن أنتم إِلاَّ في ضلالٍ كبير﴾ أي: قال الكفار للمنذِّرين: ما أنتم إلاّ في خطأ عظيم، بعيد عن الصواب.
وجمع ضمير الخطاب مع أنَّ مخاطب كل فوج نذيرُه؛ لتغليبه على أمثاله، مبالغةً في التكذيب، وتمادياً في التضليل، كما ينبىء عنه تعميم المنزل مع ترك ذكر المنزل عليه، فإنه مُلوح لعمومه حتماً، أو: إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل. ويجوز أن يكون قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ في ضلال كبير﴾ من كلام الخزنة للكفار، على إرادة القول، ومرادهم بالضلال: الهلاك، أو: سمُّوا جزاء الضلال باسمه، كقوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] مشاكلة، أو: يكون من كلام الرسل، حكوه للخزنة، اي: قالوا لنا هذا فلم نهتبله.
﴿
وقالوا﴾ أيضاً معترفين بتفريطهم: ﴿لو كنا نسمعُ﴾ الإنذار سماع طالب الحقّ ﴿أو نعقلُ﴾ شيئاً ﴿ما كنا في أصحاب السعير﴾ في عِددهم، ومن أتباعهم، من الشياطين وغيرهم، وفيه دليل على أنَّ مدار التكليف على أدلة السمع والعقل، وأنهما حجتان. ﴿فاعترَفوا بذنبهم﴾ ، الذي هو كفرهم وتكذيبهم الرسل في وقت لا ينفعهم، ﴿فسُحقاً لأصحابٍ السعير﴾ أي: أبعدهم من رحمته وكرامته، وهو مصدر مؤكد لعامله، أي: فسُحقوا سحقاً، أو: فأسحقهم الله سحقاً، بحذف الزوائد. وفيه معنى الدعاء.
الإشارة: وللذين كفروا بشهود ربهم في الدنيا عذابُ جهنم، وهو البُعد والحجاب، وبئس المرجع، حين يرجع المقربون إلى مقعد صدق، عند مليك مقتدر، إذا أُلقوا في الحُجبة والقطيعة سمعوا لها شهيقاً غيظاً عليهم، وسخطة بهم، وبصفاتهم المضلة، وهي تفور من قُبح أعمالهم. تكاد تميّز من الغيظ عليهم، كلما أُلقي فيها فوج من أهل الغفلة، قال لهم خزنتها وهم صور أعمالهم وهيئة أخلاقهم الردية: ألم يأتكم نذير؛ داع يدعوكم إلى الله، من العارفين بالله؟ فاعترفوا بأنهم أنكروهم وجحدوا خصوصيتهم، فماتوا محجوبين عن اللهِ، والعياذ بالله.
стр. 3138
يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّ الذين يخشَون ربهم بالغيب﴾ أي: يخافون عذابه غائباً عنهم، أو: عن أعين الناس، أو: بالقلب؛ لأنّ القلب أمر غيبي، أو: يخشون ربهم ولم يروه معاينة، ﴿لهم مغفرة﴾ لذنوبهم ﴿وأجر كبير﴾ لا يُقادر قدره، الجنة وما فيها.
﴿وأسِرُّوا قولكم أو اجهروا به﴾ ، ظاهره: الأمر بأحد الأمرين؛ الإسرار والإجهار ومعناه: ليستوِ عندكم إسراركم وإجهاركم، فإنه في عِلْم الله سواء. كقوله: ﴿سَوَآءٌ مِنكُم مَّنْ أَسَرَ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] ، وكأنه تعالى لمّا قال: ﴿يخشون ربهم بالغيب﴾ ربما يتوهم أن الله تعالى يغيب عنه شيء، رفع ذلك. وقيل: إنَّ المشركين كانوا ينالون من رسول الله ﷺ ، فيُخبره جبريلُ ﵇ بما قالوا فيه ونالوا منه، فقالوا فيما بينهم: أسِروا قولكم لئلا يسمع رب محمد فيخبره، فنزلت. وتقديم السر على الجهر للإيذان بافتضاحهم، ووقوع ما يحذرونه، وللمبالغة في شمول علمه تعالى، المحيط بجميع المعلومات، كأنَّ عِلْمَه تعالى بما يُسرونه أقدم منه بما يجهرونه، مع كونهما في الحقيقة على السواء، ولأنَّ مرتبة السر أقدم وجوداً؛ لأنّ ما يقع به الجهر يتقدّم التحدُّث به في النفس.
وقوله تعالى: ﴿إِنه عليمٌ بذات الصدور﴾ تعليل لِما قبله، أي: عليم بضمائر الصدور قبل أن تترجم الألسنة، فكيف لا يعلم ما تتكلم به. وفي صيغة " فعيل "، وتحلية " الصدور " بلام الاستغراق، ووصف الضمائر بصاحبتها من الجزالة ما لا غاية وراءه، كأنه قيل: إنه مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية، المستكنة في صدروهم، فكيف يخفى عليه ما يُبدونه؟ ويجوز أن يراد بـ ﴿ذات الصدور﴾ : القلوب التي في الصدور، أي: عليم بالقلوب وأحوالها، فلا يخفى عليه من أسرارها، ﴿ألا يعلم من خلق﴾ " مَنْ " فاعل بيعلم، ﴿وهو اللطيفُ الخبيرُ﴾ أنكر أن يكون مَن خلق الأشياء وأوجدها غير عالم بباطنها وظاهرها، وصفته أنه اللطيف، أي: العالِم بدقائق الأشياء الخبير؛ العالم بحقائقها. ويجوز أن يكون (مَن) مفعولاً، أي: ألاَ يعلم اللهُ مَن خلقه.
وفيه على الأول دليل على خلق أفعال العباد، وهو مذهب أهل السنة، ووجه الدليل: أنه تعالى لمّا قرر أنه عالم بالسر والجهر، وبكل ما في الصدور، قال بعده: ﴿ألا يعلم مَن خَلَقَ﴾ ، وهذا الكلام إنما يتصل بما قبله إذا كان تعالى خالقاً لكل ما يفعلونه في السر والجهر، وفي القلوب والصدور، فأنه لو لم يكن خالقاً لها لم يكن قوله: ﴿ألا يعلم مَن خلق﴾ مقتضياً كونَه تعالى عالماً بتلك الأشياء، وهو خالق الأشياء وأحوالها، وعالم
стр. 3139
بجميع ذلك، ولذلك عقَّب ذلك بقوله: ﴿وهو اللطيف الخبير﴾ .
الإشارة: إنَّ الذين يخشون ربهم بالغيب، فراقَبوه وعبدوه، حتى عرفوه، فصار الغيب عندهم شهادة. قال الورتجبي: وصف الله معرفة العارفين به، قبل رؤيتهم مشاهدته، فإذا عاينوه استفادوا من رؤيته علم المعاينة، وهو المعرفة بالحقيقة، خشوا منه في غيبة منه، وهو خشية القلب، فلما رأوه على الخشية الإجلال، وهو علم الروح والسر. هـ.
وقوله تعالى: ﴿وهو اللطيفُ الخبير﴾ ، قال بعضهم: الحق تعالى منزّه عن الأين والجهة، والكيف، والمادة، والصورة، ومع ذلك لا يخلو منه أين ولا مكان، ولا كم، ولا كيف، ولا جسم، ولا جوهر، ولا عرض؛ لأنه للطفه سارٍ في كل شيء، ولنوريته ظاهر في كل شيء، ولإطلاقه وإحاطته متكيّف بكل كيف، غير متقيد بذلك، ومَن لم يذق هذا، أو لم يشهده، فهو أعمى البصيرة، محروم عن مشاهدة الحق. هـ. وقال الغزالي: إنما يستحق هذا الاسم ـ يعني اللطيف ـ مَن يطلع على غوامض الأشياء، وما دقّ منها وما لطف، ثم سلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق دون العُنف، والخبير هو الذي لا يعزب عنه الأخبار الباطنة، فلا يجري في المُلك والملكوت شيء، ولا يتحرك ذرة ولا تسكن، ولا تضطرب نفس ولا تطمئن، إلاّ ويكون عنده خبرها. وهو بمعنى العلم، لكن العلم إذا أُضيف إلى الخفايا الباطنة يسمى خِبرة، ويسمى صاحبها خبيراً. هـ.
يقول الحق ﷻ : ﴿هو الذي جعل لكم الأرضَ ذلولا﴾ ؛ مذلّلة ليّنة يسهل عليكم سلوكها. وتقديم (لكم) على مفعول الجعل؛ للاهتمام والتشويق، ﴿فامشُوا في مناكبها﴾ ؛ جوانبها، وهو تمثيل لفرط التذلُّل، فإنَّ منكب البعير أرقّ أعضائه وأصعبها على أن يطأها الراكب بقدميه، فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يتأتى المشي في مناكبها لم يبقَ منها شد لم يتذلّل، ﴿وكُلوا من رزقه﴾ أي: والتمسوا من رزق الله في سلوكها، أو إذا تعذّر العيس في أرضٍ فامشوا في مناكبها إلى أرض أخرى، كما قال الشاعر:
يا نفس مالكِ تهوي الإقامةَ في
أرض تعيش بين من ناواكِ بها
أما سمعتِ وعجز المرء منقصَةٌ
في محكم الوحي: فامشوا في مناكبها
стр. 3140
أو: كُلوا من رزق الله الخارج منها، ﴿وإِليه النُشورُ﴾ أي: الرجوع بالبعث، فتُسألون عن شكر هذه النعم.
ثم هدَّد مَن لم يشكر فقال: ﴿أأمِنْتُم مَن في السماء﴾ من ملكوته وأسرار ذاته، وعبّر بها؛ لأنها منزل قضاياه، وتدبيراته ووحيه، ومسكن ملائكته وأوامره ونواهيه، فكل ما يظهر في الأرض إنما يقضي به في السماء، وحينئذ يبرز، فكأنه قال: أأمِنتم خالق السموات؟ وقال اللجائي: كل شيء علا فهو سماء، وسماء البيت: سقفه، وليس المقصود في الآية سماء الدنيا؛ ولا غيرها من السبع الطباق، وإنما المعنى: أأمِنتم مَن في العلو، وهو علو الجلال، وليس كون الله في سماء الحوادث من صفات الكمال، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. هـ. وسيأتي في الإشارة تحقيقة عند أهل التوحيد. أي: أأمِنتم مَن في السماء أسرار ذاته ﴿أن يخسف بكم الأرضَ﴾ كما خسف بقارون بعد ما جَعلها لكم ذلولاً تمشون في مناكبها، وتأكلون من رزقه فيها، بحيث كفرتم تلك النعمة، فقلبها لكم ﴿فإِذا هي تمورُ﴾ ؛ تضطرب وتتحرّك.
﴿أم أَمِنْتُم مَن في السماء أن يُرسل عليكم حاصباً﴾ ؛ حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل، أو: ريحاً فيها حجارة. و " أن ": بدل اشتمال في الموضعين. ﴿فستعلمون﴾ عن قريب ﴿كيف نذيرٍ﴾ أي: إنذاري عن مشاهدتكم للمنذَر به، ولكن لا ينفعكم العلم حينئذٍ.
﴿
ولقد كذَّب الذين مِن قبلهم﴾ ؛ من قبل كفار مكة، من كفار الأمم السابقة، كقوم نوح وعاد وأضرابهم، والالتفات إلى الغيبة؛ لإبراز كمال الإعراض عنهم، ﴿فكيف كان نكير﴾ ؛ إنكاري عليهم، بإنزال العذاب، أي: كان على غاية الهول والفظاعة، وهذا هو مورد التأكيد القسمي لا تكذيبهم فقط، وفيه من المبالغة في تسلية الرسول ﷺ وتشديد التهويل ما لا يخفى. والله تعالى أعلم.
الإشارة: هو الذي جعل لكم أرض البشرية مذلّلة للعبودية، والقيام بآداب الربوبية، فامشوا في مناكبها؛ فسيحوا بقلوبكم في جوانبها، تفكُّراً واعتباراً لِما فيهم من عجائب الإتقان، وبدائع الحِكم، فقد جمعت أسرار الوجود بأسره، وكُلوا من رزقه مما اكتسبه القلب بالنظر والتفكُّر، من قوة الإيمان، وهو قوت القلوب، وشهود الحق فيها، وهو قوت الأرواح والأسرار، وإليه النُشور ببعث الأرواح من موت الغفلة والجهل، إلى حياة اليقظة والمعرفة، أأمِنتم مَن في السماء أن يخسف بكم الأرض، أي: إذا أسأتم معه الأدب. واعلم أن ذات الحق ﷻ عمّت الوجود، فليست محصورة في مكان ولا زمان، ﴿فأينما تُولوا فَثَمّ وجه الله﴾ ، فأسرار ذاته ـ تعالى ـ سارية في كل شيء، قائمة بكل شيء، كما تقدّم، فهو موجود في كل شيء، لا يخلو منه شيء، أسرار المعاني قائمة
стр. 3141
بالأواني، وإنما خصّ الحق ـ تعالى ـ السماء بالذكر؛ لأنها مرتفعة معظّمة، فناسب ذكر العظيم فيها، وعلى هذا تُحمل الأحاديث والآيات الواردة على هذا المنوال. وليس هنا حلول ولا اتحاد؛ إذ ليس في الوجود إلاّ تجليات الحق ومظاهر ذاته وصفاته، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه، فما مثال الكون إلا كجبريل حين يتطوّر على صورة دحية، غير أنَّ رداء الكبرياء منشور على وجه ذاته وأسرار معانيه، وهو ما ظهر من حسن الكائنات، وما تلوّنت به الخمرة من أوصاف العبوية. ولا يفهم هذا إلاَّ أهل الذوق السليم. وبالله التوفيق.
يقول الحق ﷻ : ﴿أَوَلَمْ يَرَوُا﴾ أي: أَغَفلُوا ولم ينظروا ﴿إِلى الطيرِ﴾ ؛ جمع طائر ﴿فوقهم﴾ في الهواء ﴿صافاتٍ﴾ ؛ باسطاتٍ أجنحتها في الجو عند طيرانها ﴿ويقبِضْنَ﴾ ؛ ويضممنها إذا ضربن بها حيناً فحيناً، للاستظهار به على التحرُّك، وهو السر في إيثار (ويقبضن) الدال على تجدُّد القبض تارة بعد تارة على " قابضات "، فـ " يقبضن ": معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى، أي: يصففن ويقبضن، أو: صافات وقابضات. والطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والهواء للطائر كالماء للسابح، والأصل في السباحة: مدّ الأطراف وبسطها، وأمّا القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرُّك. ﴿ما يُمسِكُهُنَّ﴾ في الجو عند البسط والقبض على خلاف مقتضى الطبع ﴿إلاَّ الرحمنُ﴾ الواسع رحمته كل شيء، ومن جملتها: إمساكه الطير في الهواء بقدرته، وإلا فالثقيل يسفل طبعاً ولا يطفو، وكذلك لو أمسك حِفظَه وتدبيره للعالم لتهافت وتلاشى. ﴿إِنه بكل شيءٍ بصيرٌ﴾ يعلم كيفية إبداع المبدعات، وتدبير المصنوعات، ومن مبدعاته: أنَّ الطير على أشكال وخصائص هيّأهن للجري في الهواء.
﴿أمَّنْ هذا الذي هو جندٌ لكم ينصركم من دون الرحمن﴾ ، هو تبكيت لهم ينفي أن يكون لهم ناصر من عذابه غير الله، أي: لا ناصر لكم إلاّ الرحمن برحمته. " أم " منقطعة مقدرة ببل؛ للانتقال من توبيخهم على ترك التأمُّل فيما يشاهدونه من أحوال الطير المنبئة عن تعاجيب قدرة الله تعالى إلى التبكيت بما ذكر من نفي نصرة غيره تعالى، والالتفات
стр. 3142
للتشديد في ذلك، و (من) : مبتدأ و (هذا) : خبره، و (الذي) وما بعده: صفتهن وإيثار " هذا " تحقيراً له، و (ينصركم) : صفة لجُند، باعتبار لفظه، و (من دون) : إما حال من فاعل " ينصركم " أو لمصدر محذوف، أي: نصراً حاصلاً من دون الرحمن، أو: متعلق بينصركم، كقوله: ﴿مَن يَنصُرُنِى مِنَ اللهِ﴾ [هود: ٣٠] ، والمعنى: بل مَن هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم ينصركم نصراً كائناً من دون نصرة الرحمن؟ ! ﴿إِنِ الكافرون إلاّ في غرورٍ﴾ أي: ما هم في زعمهم أنهم محفوظون من النوائب بحفظ آلهتهم، لا بحفظه تعالى فقط، إلاّ في غرور عظيم، وضلال فاحش من الشيطان. والالتفات إلى الغيبة؛ للإيذان بافتضاح حالهم، والإعراض عنهم، وإظهار قبائحهم، والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالكفر، وتعليل غرورهم به.
﴿
أمّنْ هذا الذي يرزقكم إِنْ أمسك﴾ اللهُ ﴿رزقَه﴾ بإمساك المطر وسائر مبادئه، أي: مَن هذا الحقير الذي يقدر على إتيان رزقكم من آلهتكم إن أمسكه الله؟ ﴿بل لَجُّوا في عَتُوٍّ ونفورٍ﴾ ، إضراب عن مُقدّر يستدعيه المقام، كأنه قيل بعد تمام التبكيت والتعجيز: لم يتأثروا بشيء من ذلك، ولم يذعنوا للحق، ﴿بل لجُّوا﴾ أي: تمادوا ﴿في عتوٍّ﴾ أي: استكبار وطغيان ﴿ونفورٍ﴾ ؛ وشُرود عن الحق لِثقله عليهم. ثم ضرب مثلاً للمشرِك والموحِّد، فقال: ﴿أفمن يمشي مُكبًّا على وجهه﴾ أي: ساقطاً على وجهه ﴿أهْدى﴾ ، والفاء لترتيب ذلك على ما ظهر من سواء حالهم، وسقوطهم في مهاوي الغرور، وركوبهم متن عشواء العتو والنفور. والمُكب: الساقط على وجهه، والمعنى: أفمن يمشي وهو يعثر في كل ساعة، ويخرّ على وجهه في كل خطوة أهدى إلى المقصود ﴿أَمَّنْ يمشي سَوِياً﴾ أي: قائماً سالماً من الخبط والعِثار ﴿على صراط مستقيم﴾ مستوي الأجزاء لا عوج فيه، ولا انحراف؟ و " من " الثانية: معطوفة على الأُلى عطف المفرد. وقيل: المراد بالمكب: الأعمى، وبالسوي: البصير. وقيل: مَن يمشي مُكباً هو الذي يُحشر على وجهه إلى النار، ومَن يمشي سويًّا: الذي يُحشر على قدميه إلى الجنة.
﴿قل هو الذي أنشأكم﴾ إنشاءً بديعاً، ﴿وجعل لكم السمعَ﴾ لتسمعوا آيات الله، وتمتثلوا ما فيها من الأوامر والنواهي، وتتعظوا بمواعظها، ﴿والأبصارَ﴾ لتنظروا بها إلى الآيات التكوينية الشاهدة بشؤون الله تعالى، ﴿والأفئدةَ﴾ لتتفكروا بها فيما تسمعونه وتشاهدونه من الآيات التنزيلية والتكوينية؛ لتترقوا في معاريج الإيمان والمعرفة، ﴿قليلاً ما تشكرون﴾ باستعمالها فيما خُلقت له. و " قليلاً ": إما نعت لمحذوف، أو: ظرف، و (ما) : صلة لمحذوف، أي: شكراً قليلاً، أو: زمناً قليلاً. وقيل: القلة عبارة عن العدم. ﴿قل هو الذي ذرأكم في الأرض﴾ أي: خلقكم وكثَّركم فيها ﴿وإِليه تُحشرون﴾ للجزاء لا إلى غيره، فتهيؤوا للقائه.
الإشارة: أَوَلَم يَرَوا إلى طيور أفكار العارفين فوقهم منزلةً ورفعة، صافاتٍ، تجول
стр. 3143
في ميادين الغيوب، ويقبضن عنانهن، عكوفاً في الحضرة، وسكوناً في النظرة، ما يُمسِكُهن فيها إلاَّ الرحمن الذي مَنَّ عليهم برحمته، فأسكنهم فيها، إنه بكل شيء بصير، فيُبصر مَن توجه إليه ومَن لا، أمَّنْ هذا الذي هو جند لكم ينصركم على طريق السلوك، ويُبلغكم إلى حضرة مالك المَلوك، من دون الرحمن؟ إنِ الكافرون بهذا إلاّ في غرور، حيث حسبوا أنَّ وصولهم بحسب جهادهم وطاعتهم، أمَّن هذا الذي يرزقكم إمداد قلوبكم من العلوم والمعارف واليقين الكبير، إن أمسك رزقه فلم يتوجه إليكم إلاَّ القليل، بل لجُّوا في عُتو ونفور، أفمن يمشي مُكبًّا على وجهه، حيث رام سلوك الطريق بلا شيخ ولا دليل عارف، أهدى أمَّنْ يمشي سويًّا سالماً من الانحراف، على صراط مستقيم، تُوصله إلى حضرة العيان، وهو مَن سلك الطريق على يد الخبير، بل مَن سلكه على يد الخبير أهدى وأصوب، قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم دلائل السلوك إلى معرفته، لتستدلوا عليه بالأدلة السمعية والعقلية، ثم تَتَرَقون إلى صريح معرفته، بسلوك الطريق على يد الخبير، قل هو الذي ذرأكم في أرض العبودية، وإليه تُحشرون بشهود عظمة الربوبية.
يقول الحق ﷻ : ﴿ويقولون﴾ مِن فرط عتوهم وعنادهم استهزاء: ﴿متى هذا الوعدُ﴾ أي: الحشر الموعود ﴿إن كنتم صادقين﴾ فيما تعدونه من مجيء الساعة؟ والخطاب للرسول ﷺ والمؤمنين المشاركين له ﵇ في الوعد، وتلاوة الآيات المتضمنة له، وجواب الشرط: محذوف، أي: إن صدقتم فيه فبيَّنوا وقته؟ ﴿قل إِنما العلمُ﴾ أي: العلم بوقته ﴿عند الله﴾ تعالى، لا يطلع عليه غيره ﴿وإِنما أنا نذير مبينٌ﴾ أُنذركم وقوع الموعود لا محالة، وأمّا العلم بوقت وقوعه فليس من وظائف الإنذار.
﴿فلما رَأَوه﴾ أي: العذاب الموعود. والفاء فصيحة مُعربة عن تقدير جملة، كأنه قيل: قد أتاهم الموعود فلما رأوه ... الخ، نزّل ما سيقع بمنزلة الواقع لتحقق وقوعه، و ﴿زُلفةً﴾ : حال من مفعول " رَأَوه " أي: قريباً منهم، وهو مصدر، أي: ذا زلفة، ﴿سِيئَتْ﴾ أي: تغيرت ﴿وجوهُ الذين كفروا﴾ بأن غشيها الكآبة ورهقها القَترُ والذلة. ووضع الموصول موضع ضميرهم؛ لذمهم بالكفر، وتعليل المساءة به. ﴿وقيل﴾ توبيخاً لهم، وتشديداً لعذابهم: ﴿هذا الذي كنتم به تَدَّعون﴾ ؛ تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه
стр. 3144
إنكاراً واستهزاءً، وهو " تفتعلون " من الدعاء، وقيل: من الدعوى، أي: تدعون ألاَّ بعث ولا حشر. ورُوي عن مجاهد: أنَّ الموعود يوم بدر، وهو بعيد.
﴿قل أرأيتم﴾ أي: أخبروني ﴿إِن أهلكنيَ اللهُ﴾ أي: أماتني. والتعبير عنه بالهلاك لِما كانوا يدعون عليه ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك، ﴿ومَن معيَ﴾ مِن الْمُؤْمِنِين ﴿أو رَحِمَنا﴾ باخير آجالنا، فنحن في جوار رحمته متربصون إحدى الحسنيين ﴿فمَن يُجير الكافرين من عذاب أليم﴾ أي: لا يُنجيكم منه أحد، متنا أو بَقينا. ووضع " الكافرين " موضع ضميرهم؛ للتسجيل عليهم بالكفر، وتعليل نفي الإنجاء به، أي: لا بد من لحوق العذاب لكفركم، مُتنا أو بقينا، فلا فائدة في دعائكم علينا.
﴿
قل هو﴾ أي: الذي أدعوكم إليه ﴿الرحمن﴾ مولى النعم كلها، ﴿آمَنَّا به﴾ وحده؛ لعِلْمنا ألاَّ راحم سواه، ﴿وعليه توكلنا﴾ وحده؛ لعِلْمنا أنَّ ما عداه كائناً ما كان بمعزل عن النفع والضر. ﴿فستعلمون﴾ عن قريب ﴿مَن هو في ضلالٍ مبينٍ﴾ منا ومنكم، ﴿قل أرأيتم﴾ ؛ أخبروني ﴿إِن أصبحَ ماؤُكم غوراً﴾ ؛ غائراً في الأرض بالكلية، أو: لا تناله الدلاء ﴿فمَن يَأْتِيكُمْ بماءٍ مَّعِينٍ﴾ ؛ جارٍ أو ظاهر سهل المأخذ، يصل إليه مَن وصله؟ . وفي القاموس: ماء معيون ومعين: ظاهر. هـ. وقال مكي: ويجوز أن يكون معين " فعيل " من مَعَن الماء: كثر، ويجوز أن يكون مفعولاً من العَين، وأصله: معيون، ثم أعل، أي: فمَن يأتيكم بماء يُرى بالعين. هـ. مختصراً.
وقرئت الآية عند مُلحدٍ، فقال: يأتي بالمعول والفؤوس، فذهبت عيناه تلك الليلة وَعمِيَ، وقيل: إنه محمد بن زكريا المتطبب، أعاذنا الله من سوء الأدب مع كتابه. قال ابن عرفة: ذكر ابن عطية في فضل السورة أربعة أحاديث، وقد تقرّر أنَّ أحاديث الفضائل لم تصح إلاَّ أحاديث قليلة، ليس هذا منها. هـ. وفي الموطأ: إنها تُجادل عن صاحبها.
الإشارة: ويقولون ـ أي: أهل الإنكار على المريدين ـ: متى هذا الوعد بالفتح إن كنتم صادقين في الوعد بالفتح على أهل التوجه؟ قل أيها العارف الداعي إلى الله: إنما العلمُ عند الله، وإنما أنا نذير مبين، أُنذر البقاء في غم الحجاب وسوء الحساب، فلما رأوه ـ أي رأوا أثر الفتح على المتوجهين، بظهور سيما العارفين على وجوههم، ونبع الحِكَم من قلوبهم على ألسنتهم ـ زلفةً، أي: قريباً، سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ بطريق الخصوص، وأنكروها ـ أي ساءهم ذلك حسداً أو ندماً، وقيل هذا الذي كنتم به تَدَّعون، أي: تدَّعون أنه لا يكون، وأنه قد انقضى زمانه، وأهل الإنكار لا محالة يتمنون هلاكَ أهل النِسبة، فيُقال لهم: أرأيتم إن أهلكنا الله بالموت، أو رَحِمَنا بالحياة، فمَن يُجيركم أنتم من
стр. 3145
عذاب القطيعة والبُعد، أي: هو لا حق لكم لا محالة، متنا أو عشنا، قل هو، أي: الذي توجهنا إليه، الرحمن وضمّنا إليه، آمنّا به وعليه توكلنا في كفاية شروركم، فستعلمون حين يُرفع المقربون في أعلى عليين، ويسقط أهل الحجاب في الحضيض الأسفل من الجنة، مَن هو اليوم في ضلال مبين، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤكم ـ ماء حياة قلوبكم من الإيمان والتوحيد، غَوْراً، فمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ معين؟ أي: فمَن يُظهره لكم، ما يأتي به إلاَّ أهل العلم بالله.
والله تعالى أعلم. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
стр. 3146
سورة القلم
يقول الحق ﷻ : ﴿نا﴾ ، هو من جملة الرموز، كـ ﴿ص﴾ و ﴿ق﴾ ، وكأنه ـ والله أعلم ـ يُشير إلى ما خصّ به نبيَّه من أسرار النبوة والخلافة، أي: نبأناك ونبَّهناك ونوّبناك خليفة عنا، أو نوّهنا بك في مُلكنا وملكوتنا، أو: أيها النبي المفخّم، والرسول المعظّم، وحق نون والقلم ما أنت بمجنون. وقيل: مختصر من نور وناصر ونصير، وقيل: من الرحمن، لكن ورد في الحديث: " أول ما خلق اللهُ القلم، ثم خَلَقَ النون "، وهو الدواة، وذلك قوله: ﴿ن والقلم﴾ فإن صَحّ الحديث فهو أولى في تفسير الآية، وقد رُوي عن ابن عباس وغيره، في تفسير الآية: أنه الدواة والقلم الذي بأيدي الناس، ورُوي عن ابن عباس أيضاً: أنه الحوت الأعظم، الذي عليه الأرضون السبع.
قال الكلبي ومقاتل: اسمه يهموت ـ بالياء ـ وقيل: ليُوثا، وقيل: باهوتا. رُوي: أنَّ الله تعالى لَمَّا خلق الأرض وفَتَقَها، بعث مِن تحت العرش ملكاً، فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع، فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق، والأخرى بالمغرب، باسطتين، قابضتين على الأرضين السبع، فلم يكن لقدميه موضع قرار، فأهبط الله من الفردوس ثوراً، له أربعون ألف قرنٍ، وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم تستقر قدماه، فأهبط الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة في الفردوس، غلظها خمسمائة عام، فوضعها على سنام الثور إلى أذنه، فاستقرت قدما المَلك عليه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخاره في البحر، فهو يتنفس كل يوم
стр. 3147
نفساً، فإذا تنفّس مدَّ البحرُ، وإذا هدأ نَفَسُه جزرَ البحر، فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله صخرة خضراء، كغلظ سبع سموات وسبع أرضين، فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه: ﴿فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] الآية، فلم تستقر الصخرة، فخلق الله نوناً ـ وهو الحوت العظيم ـ فوضع الصخرة على ظهره، وسائر جسده عارٍ، والحوت على البحر، والبحر على متن الريح، والريح على القدرة الأزلية، يُقلُّ الدنيا بما فيها حرفان " كن فيكون ". هـ. من الثعلبي، وهذا من باب عالَم الحكمة، وإلاَّ فما ثَمَّ إلا تجليات الحق وأسرار الذات، والصفات الأزلية. وتفسير ﴿ن﴾ بهذا الحوت ضعيف.
قال ابن جزي: ويُبطل قول مَن قال: إنه الحوت أو الدواة، بأنه لو كان كذلك لكان مُعرباً، ولَكَان في آخره تنوين، فكونه موقوفاً دليل على أنه حرف هجاء، نحو: ﴿الام﴾ وغيره. هـ.
ثم أقسم بالقلم، فقال: ﴿والقلم وما يسطرون﴾ ، قيل: هو القلم الذي كتب اللوح المحفوظ، فالضمير في ﴿يسطرون﴾ للملائكة، وقيل: القلم المعروف عند الناس، أقسم له بِما فيه من المنافع والحِكم. قال ابن الهيثم: من جلالة القلم أنه لم يكتب الله كتاباً إلا به، ولذلك أقسم به. الأقلام مطايا الفِطن ورسل الكرام، وقيل: البيان اثنان: بيان لسان، وبيان بَنَان، ومِن فضل بيان البنان أنَّ ما تبيَّنته الأقلام باق على الأيام، وبيان اللسان تدْرُسه الأعوام، ولبعض الحكماء: قِوام أمور الدين والدنيا: القلم، والسيف تحت القلم. وأنشد بعضهم في هذا المعنى:
قَلَمٌ مِنَ القَصَبِ الضَّعيف الأجْوفِ
أَمضَى من الرُّمْح الطويل الأهيَفِ
ومِن النِّصال إذا انْبَرَتْ لِقسِيِّها
ومِن المُهَنَّد في الصِّقال المُرْهَفِ
وأَشَدُّ إِقدَاماً من الليْثِ الذي
يَكْوِي القُلوبَ إذا بدا في الموقِفِ
وقال آخر:
قَوْمٌ إذا عَرَفوا عَداوةَ حَاسِدٍ
سَفَكُوا الدِّمَا بأَسِنَّةِ الأَقْلامِ
ولَضَرْبَةٌ مِن كاتبٍ بِبَنَانِهِ
أَمْضَى وأَبْلَغُ من رقيق حُسَامِ
فالضمير في ﴿يَسْطُرون﴾ على هذا لبني آدم، فالضمير يعود على الكتبة المفهومة من القلم اللازمة له.
ثم ذكر المقسَم عليه، فقال: ﴿ما أنت بنعمةِ ربك بمجنونٍ﴾ أي: ليس بك جنون كما يزعمه الكفرة، فـ (بنعمة ربك) : اعتراض بين " ما " وخبرها، كما تقول: أنت بحمد الله فاضل، وقيل: المجرور في موضع الحال، والعامل فيه معنى النفي، كأنه قيل: أنت بريء
стр. 3148
من الجنون، ملتبساً بنعمة ربك، التي هي النبوة والرسالة. والتعبير بعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى معاريج الكمال، مع الإضافة إلى ضميره ﷺ لتشريفه ﵇ والإيذان بأنه تعالى يُتم نعمته عليه، ويُبلغه من العلو إلى غاية لا غاية وراءه، والمراد: تنزيهه ﵇ عما كانوا ينسبونه من الجنون حسداً وعداوة ومكابرة، مع جزمهم بأنه ﷺ في غاية الغايات القاصية، ونهاية النهايات الثابتة من حصافة العقل، ورزانة الرأي. ﴿وإِنَّ لك﴾ في مقابلةِ مقاساتك ألوان الشدائد من جهتهم، وتحمُّلك لأعباء الرسالة ﴿لأجراً﴾ عظيماً لا يُقادَر قدره ﴿غيرَ ممنونٍ﴾ ؛ غير مقطوع، أو: غير ممنون به عليك من جهة الناس، بأن أعطاه تعالى لك بلا واسطة.
﴿
وإنك لعلى خُلُقِ عظيم﴾ لا يُدْرِك شأوَه أحدٌ مِن الخلق، ولذلك تَحْتَمِل من جهتهم ما لا يحتمله أحد من البشر. وسُئلت السيدة عائشة ﵂ عن خلقة ﷺ ، فقالت: كان خُلقه القرأن، ألست تقرأ القرآن: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ... ﴾ [المؤمنون: ١] الآية. وقيل: المراد: التأدُّب بآداب القرآن، بامتثال أمره واجتناب نهيه.
قال ابن جُزي: وتفصيل ذلك: أنَّ رسولَ الله ﷺ جمع كل فضيلة، وحاز كل خصلة جميلة، فمن ذلك: شرف النسب، ووفور العقل، وكثرة العلم والعبادة، وشدة الحياء، والسخاء، والصدْق، والشجاعة، والصبر، والشكر، والمروءة، والتوءدة، والاقتصاد، والزهد، والتواضع، والشفقة، والعدل، والعفو، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، وحُسن المعاشرة، وحسن التدبير، وفصاحة اللسان، وقوة الحواس، وحسن الصورة، وغير ذلك، حسبما ورد في أخباره وسِيرَه ﷺ ، ولذلك قال: " بُعثت لأتمم مكارمَ الأخلاق "، قال الجنيد: سُمي خُلقه عظيماً؛ لأنه لم تكن له همة سوى الله . هـ. والخُلق: السجية والطبع. قال في القاموس: الخُلْق بالضم وبضمتين: السجية، والطبع، والمروءة والدين. هـ.
وعرَّف بعضهم حقيقة الخُلق، فقال: مَلكة للنفس، تصدر عنها الأفعال بسهولة، من غير فكر ولا رَوية، فخرج الصبر؛ لأنه بصُعوبة، والفكرة؛ لأنها تكون بروية، ثم ينظر في تلك الأفعال الصادرة عن تلك المَلكة؛ فإن كانت سيئة، كالغضب، والعَجَلة، والكِبر، والفظاظة، والغلظة، والقسوة، والبُخل، والجُبن، وغير ذلك من القبائح، سُمي خُلقاً سيئاً، وإن كانت تلك الأفعال حسنة، كالعفو، والحلم، والجود، والصبر، والرحمة، ولين الجانب، وتحمل الأذى، سُمي خلقاً حسناً، الذي اتصف به صلى الله عليه سلم على أكمل الوجوه، ومَدَحه بقوله: " ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن
стр. 3149
الخلق يبلغ درجة الصائم القائم " وبقوله: " أفضل ما أُعطي المرء الخلق الحسن " في أحاديث كثيرة. وبالله التوفيق.
الإشارة: قد يُقال: أشار بقوله: ﴿ن﴾ إلى سرعة إنفاذ أمره بين الكاف والنون، ثم أقسم بالقلم على تنزيه نبيه من الجنون، ويُقال مثل ذلك لخلفائه، إذا رُمُوا بالجنون أو السحر أو سخافة العقل، ويُقال لهم في إرشاد الناس وتذكيرهم ما قيل لنبيّهم: ﴿وإِنَّ لك لأجراً غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم﴾ ، فحُسن الخلق دليل على ثبوت الخصوصية، وعدمه دليل على عدم وجودها؛ لأنّ الخمرة إذا دخلت القلب والروح هَذّبت أخلاقهما، وطهّرت أكدارهما، وما تُبقي إلاَّ الذهب الإبريز.
وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن العارف: كان ﷺ على خُلقٍ عظيم؛ لشرح صدره بالنور، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ، ولحديث شرح صدره وشقه وتطهيره، ونزع حظ الشيطان منه، ثم إفراغ الحكمة والنور فيه، حتى مُلىء بذلك، فكان شيئاً محضاً لله تعالى، لا تعلُّق له بغيره، فناسب القرأن، وصار خُلقاً له، منقوشاَ فيه، من غير روية، ولا تكسب في ذلك، بل طُبع على ذلك، وسرى فيه أمر الوحي، وجرى على مقتضاه في جميع أحواله، ولذلك تجد السُنة مشرعة من القرآن، وخارجة منه خروج اللبن من الضرع، والزبد من اللبن، فصار متخلّقاً بالقرآن، وفي الحقيقة متخلّقاً بخُلق الله، ومظهرَ أوصافه، ومجلاة سره وشأنه، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾ [الفتح: ١٠] الآية، ومَن رآه فقد رأى الحق. والله أعلم. هـ. فعائشة ﵂ احتشمت وسترت حيث عبّرت بالقرآن، ولم تقل كان خلقه خلق الرحمن.
يقول الحق ﷻ : ﴿فسَتُبْصِرُ﴾ يا محمد ﴿ويُبصرون﴾ أي: كفارُ قريش عاقبةَ أمرك
стр. 3150
وأمرهم، أو: مَن هو المجنون منكم. قال ابن عباس ﵁: فستعلم ويعلمون يوم القيامة حين يتبيّن الحق من الباطل. هـ. وقيل: في الدنيا بظهور عاقبة أمرك بظهور الإسلام، واستيلائك عليهم بالقتل والنهب، ويبصرونك مُهاباً معظّماً في قلوب العالمين، وكونهم أذلةً صاغرين. قال مقاتل: هذا وعيد بعذاب يوم بدر.
والباء في قوله: ﴿بأيِّكم المفتونُ﴾ قيل: زائدة، أي: تُبصرون أيكم المفتون، أي: المجنون، وقيل: غير زائدة، أي: بأيكم الفتنة، فالمفتون مصدر، كقولهم: ما لك معقول، أي: عقل، وقيل: الباء بمعنى " في "، أي: في أي فريق منكم المفتون، هل في فريق المؤمنين أم المشركين؟ والآية تعريض بأبي جهل، والوليد بن المغيرة، وأضرابهما، وتهديد، كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ (٢٦) ﴾ [القمر: ٢٦] .
﴿إِنَّ ربك هو أعلمُ بمَن ضلَّ عن سبيله﴾ تعليل لمضمون ما قبله، من ظهور جنونهم، بحيث لا يخفى على أحد، وتأكيد لِما فيه من الوعد والوعيد، أي: هو أعلم بمَن ضل عن طريقه الموصلة إلى سعادة الدارين، وبمن هو في تيه الضلال، متوجهاً إلى ما يسوقه إلى الشقاوة الأبدية، وهذا هو المجنون الذي لا يُفرّق بين الضرر والنفع، بل يحسب الضررَ نفعاً فيؤثره، والنفعَ ضرراً فيهجره، ﴿وهو أعلمُ بالمهتدين﴾ إلى سبيله، الفائزين بكل مطلوب، الناجين من كل مرهوب، وهم العقلاء المراجيح، فيجزي كُلاًّ من الفريقين حسبما يستحقه من العقاب والثواب. وإعادة ﴿هو أعلم﴾ لزيادة التقرير.
وإذا تقرّر أنك على الهدى، ومُكَذَبوك على الضلال ﴿فلا تُطع المكذِّبين﴾ ، فالفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: دُم على ما أنت عليه، من عدم طاعتهم، وتَصَلّبْ في ذلك. وهذا تهييج للتصميم على عصيانهم، وقد أرادوه على أن يعبدوا الله مدة، ويعبد آلهتهم مدة، ويكفُّوا عنه غوائلهم، فنهاه عن ذلك، أو: نُهي عن مداهنتهم ومداراتهم، بإظهار خلاف ما في ضميره ﷺ ؛ استجلاباً لقلوبهم. ﴿وَدُّوا لو تُدْهِنُ﴾ ؛ لو تلين لهم ﴿فيُدْهِنُون﴾ ؛ فيلينون لك، ولم ينصب بإضمار " أن " مع أنه جواب التمني؛ لأنه عدل به إلى طريق آخر، وهو أن جعله خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم مدهنون، أي: فهم الآن يُدهنون لطمعهم في إدهانك، فليس داخلاً في حيّز تمنيهم؛ بل هو حاصل لهم، وفي بعض المصاحف: ﴿فيدهنوا﴾ على أنه جواب التمني.
﴿
ولا تُطعْ كلَّ حلاّفٍ﴾ ؛ كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به زجراً لمَن يُكثر الحلف، ﴿مَهِينٍ﴾ ؛ حقير في الرأي والتدبير، من المهانة، وهي القلة والحقارة، أو: كذَّاب؛ لأنه صغير عند الناس، ﴿هَمَّازٍ﴾ ؛ عيّابٍ طعَّان مغتاب ﴿مشَّاء بنميم﴾ ؛ نقّال للحديث من قوم إلى قوم، على وجه السِّعاية والفساد بينهم، فالنميم والنميمة: السعاية في إفساد ذات البيْن، ﴿مناعٍ للخير﴾ ؛ بخيل، والخير: المال، أو: منّاع أهلَه من الخير، وهو الإسلام، والمراد: الوليد بن المغيرة، عند الجمهور، وكان يقول لبنيه العشرة: مَن أسلم منكم منعته رفدي. هـ ﴿مُعْتَدٍ﴾ ؛ مجاوز في الظلم حدّه، ﴿أثيمٍ﴾ ؛ كثير الإثم، ﴿عُتُلٍّ﴾ ؛ غليظ جافٍ، مِن عتله: إذا قاده بعنف وغلظةٍ، ﴿بعد ذلك﴾ ؛ بعدما عدّ له من المثالب
стр. 3151
﴿زنيمٍ﴾ ؛ دَعِيّ، أي: ولد زنا، وكان الوليد دَعِياً في قريش، ليس من سِنْخهم، ادّعاه أبوه المغيرة بعد ثماني عشرة سنة من مولده، وقيل: بغَت أمه ولم يعرف حتى فضحته الآية: والنطفة إذا خبثت خبث الناشىء عنها. رُوي: أنه دخل على أمه، وقال لها: إنَّ محمداً وصفني بشعرة أوصاف، وجدت تسعة فِيّ، فأما الزنيم فلا علم لي به، فإن أخبرتني بحقيقته، وإلاّ ضربت عنقك، فقالت: إنَّ أباك عنّين، وخفتُ أن يموت، فيصل المال إلى غير ولده، فدعوت راعياً، فأنت من ذلك الراعي. هـ. وقيل: هو الأخنس بن شريق، أصله من ثقيف، وعِدادُه في بني زهرة.
﴿أن كان ذا مالٍ وبنينَ﴾ : متعلق بقوله: ﴿لا تُطع﴾ أي: لاتُطع مَن هذه مثالِبه لأن كان صاحب مال وبنينَ مستظهراً بهم، فإنه حظه من الدنيا، وقيل: متعلق بما بعده، أي: لأن كان ذا مال وبنين كذّب بآياتنا، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿إذا تُتلى عليه آياتُنا﴾ أي: القرآن ﴿قال أساطيرُ الأولين﴾ أي: أكاذيب المتقدمين، ولا يعمل فيه " قال "؛ لأنّ ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله. ومَن قرأ بكسر " إن " فشرط حُذف جوابه، أي: إن كان ذا مال فلا تُطعه، والمعنى: لا تُطع كل حلاّف شارطاً يَسَارَه. قيل: لمّا عاب الوليدُ النبيَّ ﷺ كاذباً بأمر واحد، وهو الجنون، سمّاه اللهُ تعالى صادقاً بعشرة أسماء، فإذا كان مِن عدله أن يجزي المسيء إلى رسول الله ﷺ بعشر، كان من فضله أن يجزي المُصلِّي عليه أو المادح له بعشر فأكثر.
﴿سَنَسِمُه على الخرطوم﴾ ؛ سنعلِّمه على أنفه بالكي بالنار إهانةً له، وتخصيص الأنف بالذكر؛ لأنَّ الوسم عليه أبشع، وقيل: خطم بالسيف يوم بدر، فبقيت سمة على خرطومه، وفيه نظر إذا قلنا هو الوليد، فإنه مات قبل بدر، لأنه من المستنصرين الخمسة، وقد ماتوا كلهم قبل وقعة بدر، وقيل: سنعلمه يوم القيامة بعلامة يُشوه بها من بين سائر الكفرة.
الإشارة: فستُبصر أيها العارف، والمتوجّه إلى الله، ويُبصر أهل الانتقاد من أهل الغفلة، أيكم المفتون، هل أنتم حين اجتمعت قلوبكم بالله، وجعلتم الهموم هَمًّا واحداً، فكفاكم الله همّ دنياكم، أو: هُم الذين تفرّقت قلوبهم، وتشعّبت همومهم، حتى ماتوا في أودية الفتن، فلم يُبالِ الله بهم في أيّ أودية الدنيا هلكوا، كما في الأثر. إِنَّ ربك هو أعلم بمَن ضَلّ عن طريقه الموصلة إليه، وهو أعلم بالمهتدين إليها، السائرين فيها، حتى وصلوا إلى حضرة قدسه، فلا تُطع أيها المتوجّه المكذّبين لهذه الطريق، ودُّوا لو تلينون إليهم، وتشاركونهم فيما هم فيه من الحظوظ، فيميلون إليكم، طمعاً فيكم أن يصرفوكم
стр. 3152
عن طريق الجد والاجتهاد، ولا تُطع كل حلاف مهين، قال القشيري: مّهين: هو الذي سقط من عيننا، فأقمناه بالبُعد عنا، همّاز مشاء بنميم، مُعذَّب بالوقيعة في أوليائنا. هـ.
قال بعضهم: بُحث عن النمَّام فلم يوجد إلا ابن الزنا، واستدل بالآية في قوله: ﴿بعد ذلك زنيم﴾ . وقوله تعالى: ﴿منَّاعٍ للخير﴾ ، وضده من أخلاق الصوفية، وهو أن يكون وصّالاً للخير لعباد الله، حسًّا ومعنىً، ﴿معتد أثيم﴾ وضده: كثير الإحسان والطاعة، ﴿عُتل﴾ وضده: سهل لين، ﴿بعد ذلك زنيم﴾ أي: لقيط، لا أب له، وكل مَن لا شيخ له يصلح للتربية فهو لقيط، لا أب له، فلا يصلح للاقتداء كما لا يؤم الناسَ ابنُ الزنا، وقوله تعالى: ﴿أن كان ذا مال وبنين إِذا تُتلى عليه آياتنا قال ... ﴾ الخ. أي: إنما حمله على التكذيب طغيانه بالمال، وهذه عادته تعالى: أنَّ المترفين لا ينالون من طريق السابقين شيئاً إلاَّ النادر. والله تعالى أعلم.
يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّا بلوناهم﴾ ؛ أهل مكة، أي: امتحنّاهم بالقحط والجوع، حتى أكلوا الجِيفَ الرِّممَ، بدعاء النبي صلى الله عليه سلم حيث قال: " اللهم اشدُدْ وطأتَك على مُضَرَ، واجعلها عَلَيْهمَ سِنينَ كسِني يوسفَ " ﴿كما بلونا أصحابَ الجنةِ﴾ ، وهم قوم من أهل الصلاة، قيل: كانوا مؤمنين، أهل كتاب، بعد رفع عيسى ﵇ وكانوا بـ " ضرْوان " على فراسخ من صنعاء اليمن. قال ابن جزي: كانوا من بني إسرائيل. هـ. والجنة، قال ابن عباس: هو بستان، يقال له: الضّروان، دون صنعاء بفرسخين، يطؤه أهل الطريق، كان غَرَسه رجل من أهل الصلاح، فورثه ثلاثة بنين، فإذا أصرموه كان للمساكين كل ما تعدّاه المنجل والقِطاف، فإذا طرح من فوق النخل إلى البساط، فكل شيء سقط عن البساط؛ فهو للمساكين، فكان أبوهم يتصدّق منها على المساكين، فكان يعيش من ذلك
стр. 3153
في حياة أبيهم اليتامى والأرامل والمساكين، وفي رواية: كان يأخذ قوت سنة، ويتصدّق بالباقي، وكان ينادي على الفقراء وقت الصرام، فلما مات أبوهم؛ قالوا: لقد قلَّ المال، وكثر العيال، فتحالفوا بينهم ليغدوا غدوة قبل خروج الناس، ويصرمونه، ولا يشعر المساكين، وهو قوله تعالى:
﴿إِذْ أقسَموا﴾ ؛ حلفوا ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مصبحين﴾ ؛ ليقطفنّها داخلين في الصباح، قبل انتشار الفقراء، ﴿ولا يستثنون﴾ ؛ لا يقولون إن شاء الله، وسمي استثناء، وإن كان شرطاً صورةً؛ لأنه يؤدي مؤدّى الاستثناء؛ لأنّ قولك: لأخرجنّ إن شاء الله، و: لا أخرج إلا أن يشاء الله، واحدٌ، أو: لا يستثنون؛ حصة المساكين، كما كان يفعل أبوهم.
﴿
فطاف عليها﴾ أي: على الجنة ﴿طائف من ربك﴾ أي: نزل عليها بلاء من جهته تعالى، قيل: أنزل الله عليها ناراً فأحرقتها، وقيل: طاف بها جبريل، لأنه الموكل بالخسف، فاقتلعها، وطاف بها حول البيت، ثم وضعها بالطائف، وليس بمكة وما قرب منها بستان غيرها، وهي مدينة الطائف. انظر اللباب. ﴿وهم نائمون﴾ أي: في حال نومهم، أوَ: غافلون عما جرت به المقادير، ﴿فأصبحتْ﴾ أي: فصارت الجنة ﴿كالصَّرِيم﴾ ؛ كالبستان الذي صرمت ثماره، بحيث لم يبقَ فيها شيء، وقيل: كالليل المُظلم، احترقت فاسودّت، أو: كالصبح، أي: صارت أرضاً بيضاء بلا شجر. وفي القاموس: الصريم: الأرض المحصود زرعها، والصبح والليل. هـ.
﴿فَتَنَادَوا﴾ أي: نادى بعضُهم بعضاً ﴿مُصْبِحين﴾ ؛ داخلين في الصباح: ﴿أَنِ اغْدوا﴾ أي: اخرجوا غدوه ﴿على حَرْثِكم﴾ ؛ بستانكم وضيعتكم، وتعدية الغدو بـ " على " لتضمنه معنى الإقبال والاستيلاء، ﴿إِن كنتم صارمين﴾ ؛ قاصدين الصرم. ﴿فانطلقوا وهم يتخافتون﴾ ؛ يتساررون فيما بينهم بطريق المخافتة، لئلا يسمع المساكين ﴿أن لا يدخلنَّها﴾ أي: الجنة، و " أن " مفسرة، أي: قائلين في تلك المخافتة: لايدخلنها ﴿اليومَ عليكم مسكين﴾ ، والنهي عن دخول المساكين نهي عن التمكين على وجه المبالغة، أي: لا تُمكنوهم من الدخول. ﴿وغَدَوا على حَرْدٍ﴾ ؛ على جِدٍّ في المنع ﴿قادرين﴾ عند أنفسهم على المنع، كذا عن نفطوية، من قولهم: حردت الإبل إذا قلَّت ألبانها فمنعتها، و " حاردت السنة " إذا كانت شهباء، من قلة مطرها، أو: الحرد: القصد والسرعة، يقال: حَرَدَ حَرْده، أي: قصد قصده، قال الشاعر:
стр. 3154
أقْبَلَ سَيْلٌ جاء من أَمْرِ الله
يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنةِ المُغِلَّهْ
أي: يقْصد قصدها، أي: وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة قادرين على صِرامها عند أنفسهم، وقيل: معنى الحرد: الغضب، يقال: حَرِدَ الرجل حَرْداً: غضب، أي: غدوا على غضبٍ على المسكين قادرين على المنع، أو على صِرامها في زعمهم، وقيل: الحرد: اسم للجنة، أي: غدوا على تلك الجنة قادرين على صِرامها عند أنفسهم.
﴿فلما رَأَوها﴾ أي: جنتهم محترقة ﴿قالوا إِنَّا لضالون﴾ أي: ضللنا جنتنا، وما هي بها، لِما رأوا من هلاكها، فلما تأمّلوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بل نحن محرومون﴾ ؛ حُرمنا خيرها بجنايتنا على أنفسنا، ﴿قال أوسطُهم﴾ أي: أعدلُهم وخيرُهم رأياً، أو: أكبرهم سنًّا: ﴿ألم أقل لكم لولا تُسبِّحون﴾ ؟ تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نياتكم، وقد كان قال لهم حين عزموا على ذلك: اذكروا الله، وتوبوا إليه من هذه الجريمة الخبيثة من فوركم، وسارِعوا إلى حَسْم شرها قبل حلول النقمة، فَعَصوه. وقيل: المراد بالتسبيح: الاستثناء؛ لأنه تعظيم لله تعالى في الجملة؛ لأنَّ الاستثناء تفويض إليه، والتسبيح تنزيه، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم، والأول أنسب بقوله: ﴿قالوا سبحان ربنا إِنَّا كنا ظالمين﴾ فيما عزمنا عليه من المنع، أو: في عدم الاستثناء، فتكلّموا بعد نزول العذاب بما كان يدعوهم إلى التكلُّم به قبل نزوله.
﴿
فأقبل بعضُهم على بعض يتلاومون﴾ أي: يلوم بعضُهم بعضاً بما فعلوا من الهرب من المساكين، ويُحيل كلُّ واحد منهم اللائمة على الآخر، ثم اعترفوا جميعاً بأنهم تجاوزوا الحد بقوله: ﴿قالوا يَا وَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظالمين﴾ ؛ متجاوزين حدود الله بمنع الفقراء حقهم، وتَرْكِ الاستثناء، ﴿عسى ربُّنا أن يُبْدلنا خيراً منها﴾ أي: يعطينا خيراً من جنتنا ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة، ﴿إِنَّا إِلى ربنا راغبون﴾ ؛ طالبون منه الخير، راجون العفو منه. وعن مجاهد: ثابوا فأُبدلوا خيراً منها، وعن ابن مسعود ﵁: بلغني أنهم أخلصوا، فأبدلهم الله جنة تُسمى الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً، وعن أبي خالد اليماني أنه رآها، ورأى كل عنقود منها كالرجُل الأسود القائم، وقد تقدّم أنهم مؤمنون، إمّا من بني إسرائيل أو غيرهم، فلا معنى لمَن توقف في قولهم: ﴿إِنَّا إِلى ربنا راغبون﴾ هل يكون إسلاماً أم لا؟ نعم، قد قيل: إنهم كانوا كفاراً، فيحتمل أن يكون قولهم هذا إسلاماً، أو يكون على حد ما يكون من المشركين إذا أصابتهم شدة. قال تعالى: ﴿كذلك العذابُ﴾ أي: مثل ذلك العذاب الذي ذكرناه في حق أصحاب الجنة هو عذاب الدنيا لمَن تخالف أمرنا، ولم يشكر نِعمنا، ﴿ولَعذابُ الآخرة أكبرُ﴾ ؛ أعظم منه وأشد، ﴿لو كانوا يعلمون﴾ أنه أكبر لا حترزوا عما يؤديهم إليه.
قال الطيبي: قال الإمام ـ أي الفخر ـ: المقصود من القصة أنه تعالى قال: ﴿أن كان ذا مال وبنين إِذا تُتلى عليه آياتنا قال ... ﴾ الخ؛ أي: لأجْل أن أعطاه الله المال والبنين كفر
стр. 3155
بالله، إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمّر الله عليه؛ لأنّ أصحاب الجنة لَمَّا أَتوا بهذا القدر اليسير من المعصية، دمَّر الله على جنتهم، فكيف حال مَن عاند الرسولَ، وأصرّ على الكفر والمعصية؟ أو: لأنَّ أصحاب الجنة خرجوا لينتفعوا بالجنة، ويمنعوا الفقراء منها، فقلب الله عليهم القضية، فكذا أهل ممكة، حَردُوا إلى بدر أرادوا الكيد بمحمد وأصحابه ـ صلوات الله عليه ـ فأخلف الله ظنّهم، فقُتلوا وأُسروا. هـ.
الإشارة: مَن كان يفعل الإحسان، ويُوسع في العطاء، ثم قبض يده، فإنَّ الله يقبض فيضه عنه، كما قبض هو إحسانه عن عباده، فما دام يُوسّع فإنَّ الله يُوسّع عليه، فإذا قبض قبض الله عنه، ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] ، وكذلك مَن خالف عادة أسلافه في العطاء وشدّ يده؛ فإنَّ الله يُخالف عنه ما كان يفعل مع أسلافه، من فَيْض الأرزاق الحسية أو المعنوية، فإن تاب ورجع إلى فعل ما كان عليه أسلافه؛ أعاد الله عليه إحسانه، كما فعل بأصحاب الجنة حين تابوا، وهذا صريح الآية، وتَصْدق أيضاً بمَن كان يُنفق من سعة علومه ومواهبه، ثم قبض ذلك من غير عذر، فإنَّ الله تعالى يقبض عنه زيادة المواهب، وربما يطوف على باطنه طائف من الله، فيُصبح خالياً من ثمار المواهب، حتى يتوب ويرجع إلى ما كان عليه، وبالله التوفيق.
يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبّهِمْ﴾ في الآخرة، أو: في جوار القدس ﴿جناتِ النعيم﴾ أي: جنات ليس فيها إلاَّ التنعُّم الخالص عن شائبة ما ينقصه من المكدّرات، وخوف الزوال، بخلاف جنات الدنيا ونعيمها، وقال بعضهم: لهم جنات النعيم، مِن صفتها: أنَّ العبد فيها مُقيم، والنبي فيها نديم، والمضيف فيها الكريم، والثواب فيها عظيم، والعطاء فيها جسيم، والحزن فيها عديم. هـ.
﴿أفنجعلُ المسلمين كالمجرمين﴾ ، تقرير لِما قبله من فوز المتقين بجنات النعيم، ورَدٌّ لما يقوله الكفرة عند سماعهم لحديث الآخرة، وما أعدّ للمسلمين، فإنهم كانوا يقولون: إن صحّ أنَّا نُبعث كما يزعم محمد ومَن معه، لم يكن حالنا وحالهم إلاَّ مثل ما هي في الدنيا، لم يزيدوا علينا، ولم يفضلونا، فرَدّ الله عليهم. والهمزة للإنكار، والعطف على مُقدّر يقتضيه المقام، أي: أنحِيفُ في الحُكم، فنجعل المسلمين الذين كابدوا مشاقَ
следующие страницы →