← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

حجاباً كما تقدّم، إلاّ فتنة لأهل الغفلة، الكافرين بوجود الخصوصية، اختباراً لمَن يقف معها، فتحجبه عن ربه، ولمَن يتخلّص منها، فينفذ إلى ربه، ليستيقن أهل العلم بالله حين يطَّهروا منها، ويزداد السائرون إيماناً بمجاهدتهم في التخلُّص منها، ولا يبقى في القلب ريب ولا وَهْم، وليقول الذين في قلوبهم مرض من ضعف اليقين: ماذا أراد الله بخلق هذه الأمراض في قلوب العباد؟ فيُقال: أراد بذلك إضلال قوم عن حضرته، بالوقوف مع تلك الحُجب، وهداية قوم، بالنفوذ عنها، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ القاطعة عنه بقهره تعالى، والموصلة إليه برحمته، إلا هو. وقال الورتجبي: جنوده: عظمته وكبرياؤه وسلطانه وقهره، الذي صدرت منه جنود السموات والأرض، وله جنود قلوب العارفين، وأرواح الموحِّدين، وأنفاس المحبين، التي يستهلك بها كل جبّار عنيد، وكل قهّار عتيد. قيل: قال الله لمحمد ﷺ : إنكم لا تقفون على المخلوقات، فكيف تقفون على الأسامي والصفات؟ !. هـ. ثم حذَّر من سَقَر الحظوظ، والسقوط في مهاوي اللحوظ، وأقسم أنها من الدواهي الكُبَر لِمن ابتُلي بها، حتى سقط في الحضيض الأسفل من الناس، فمَن شاء فليتقدّم إلينا بالهروب منها، ومَن شاء فليتأخر بالسقوط فيها، والغرق في بحرها. والعياذ بالله. يقول الحق ﷻ : ﴿كلُّ نفس بما كسبتْ رهينةٌ﴾ أي: مرهونة، محبوسة عند الله تعالى بكسبها. ورهينة: فعلية، بمعنى مفعولة، وإنما دخلتها التاء، مع أن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، تقول: رجل جريح، وامرأة جريح؛ لأنها هنا لم تتبع موصوفاً اصطلاحياً، ومَن قال: إنَّ الخبر في معنى الصفة فهي تابعة له، جعل " رهينة " اسماً بمعنى الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم، وقيل: إنَّ التاء في رهينة للنقل مع الوصفية للاسمية، لا للتأنيث، كما في نصيحة وذبيحة. هـ. فكل واحد مرهون بذنبه. ﴿إِلاَّ أصحابَ اليمين﴾ فإنهم فاكُّون رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم، كما يفك

стр. 3222

الراهن رهنه بأداء الدَّين، وقيل: هم أطفال المسلمين؛ لأنهم لا أعمال لهم يُرهنون بها، وقيل: هم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، ﴿في جنات﴾ ، لا يُكتَنَهُ كُنهها، ولا يُدرك وصفها، أي: هم في جناتٍ، والجملة استئناف بياني، كأنه قيل: ما بالهم؟ فقال: هم ﴿في جناتٍ يتساءلون﴾ ؛ يسأَل بعضهم بعضاً ﴿عن﴾ أحوال ﴿المجرمين﴾ ، فيقول بعضهم لبعض: قد سألناهم فقلنا له: ﴿ما سلككم في سقرٍ﴾ ؟ فـ ﴿قالوا لم نك من المصلين ... ﴾ الخ. قاله النسفي، ورده أبو السعود، فقال: وليس المراد بتساؤلهم أن يسأل بعضُهم بعضاً، على أن يكون كل واحد منهم سائلاً ومسؤولاً معاً، بل صدور السؤال عنهم مجرداً عن وقوعه عليهم، فإنَّ صيغة التفاعل وإن وضعت في الأصل للدلالة على صدور الفعل عن المتعدد، ووقوعه عليه معاً، بحيث يصير كل واحد فاعلاً ومفعولاً معاً، كما في قولك: تراءى القوم، أي: رأى كُلُّ واحد منهم الآخر، لكنها قد تجرد عن المعنى الثاني، ويقصد بها الدلالة على الأول فقط، فيُذكر للفعل حينئذ مفعول، كما في قولك: تراءوا الهلال، فمعنى ﴿يتساءلون عن المجرمين﴾ : يسألونهم عن أحوالهم، وقد حذف المسؤول لكونه عيَّن المسؤول عنه، أي: يسألون المجرمين عن أحوالهم، وقوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر﴾ : مقول لقول هو حال من فاعل " يتساءلون " أي: يسألونهم قائلين: أيُّ شيء أدخلكم في سقر؟ فتأمل ودع عنك ما يتكلّف المتكلفون. هـ. ﴿ قالوا﴾ أي: المجرمين مجيبين للسائلين: ﴿لم نكُ من المصلِّين﴾ للصلوات الواجبة، ﴿ولم نك نُطعم المسكين﴾ كما يُطعم المسلمون، وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة، ﴿وكنا نخوض مع الخائضين﴾ أي: نشرع في الباطل مع الشارعين فيه، فنقول الباطل والزور في آيات الله، ﴿وكنا نُكذِّب بيوم الدين﴾ ؛ بيوم الجزاء والحساب. وتأخير ذكر جنايتهم هذه مع كونها أعظم من الكل؛ لتفخيمها، كأنهم قالوا: وكنا بعد ذلك مكذِّبين بيوم الدين، ولبيان كون تكذيبهم به مقارناً لسائر جناياتهم المعدودة مستمراً إلى آخر عمرهم، حسبما نطق به قوله تعالى: ﴿حتى أتانا اليقينُ﴾ ؛ الموت ومقدماته، ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعةُ الشافعين﴾ من الملائكة والنبيين والأولياء والصالحين، لأنها خاصة بالمؤمنين، وفيه دلالة على ثبوت الشفاعة للمؤمنين، وفي الحديث: " إن من أمتي مَن يدخل الجنة بشفاعته أكثر من ربيعة ومضر ". ﴿فما لهم عن الذكرةِ﴾ ؛ عن التذكير والوعظ بالقرآن ﴿معرِضين﴾ ؛ مولّين، والفاء لترتيب ما قبلها من موجبات الإقبال عليه، والاتعاظ به من سوء حال المعرضين، و " معرضين ": حال من الضمير الواقع خبراً لـ " ما " الاستفهامية، كقولك: ما لك قائماً؟ أي: فإذا كان حال المكذّبين به على ما ذكر من سوء الحال. فإيُّ شيء حصل لكم حال كونكم معرضين عن القرآن، مع تعاضد الدواعي إلى الإيمان؟ ﴿كأنهم حُمُرٌ﴾ ؛ أي حُمر الوحش

стр. 3223

﴿مُستنفِرَةٌ﴾ ؛ شديدة النفار، كأنها تطلب النفار من نفوسها. وقرأ نافع والشامي بفتح الفاء، أي: استنفرها غيرُها، وجملة التشبيه حال من ضمير " معرضين " أي: مشبّهين بحُمر نافرة ﴿فرّتْ من قسورة﴾ أي: من أسد، فَعْولة من القَسر، وهو القهر، وقيل: هي جماعة الرماة الذين يصطادونها، شُبِّهوا في إعراضهم عن القرآن، واستماع ما فيه من المواعظ، وشرودهم عنه بحُمر حدث في نفارها ما أفزعها. وفيه مِن ذمهم وتهجين حالهم من تشبيههم بالحُمر ما لا يخفى. ﴿بل يُريد كل امرىءٍ منهم أن يُؤتَى صُحفاً مُنَشَّرةً﴾ : عطف على مُقدّر يقتضيه الكلام، كأنه قيل: لم يكتفوا بتلك التذكرة، ولم يَرضوا بها، بل يُريد كل امرىء منهم أن يُؤتى ﴿صُحفاً مُنشَّرة﴾ ؛ قراطيس تُنشر وتٌقرأ، وذلك أنهم قالوا للرسول ﷺ : لن نتبعك حتى تأتي كلَّ واحدٍ منا بكتاب من السماء، عنوانها: من رب العالمين إلى فلان بن فلان، يؤمر فيها باتباعك، وهذا كقوله: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزِلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . وقيل: قالوا: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل واحد منا صحيفة، فيها براءته وأمنه من النار. ﴿ كَلاَّ﴾ ، ردع لهم عن تلك الجرأة، وزجر عن اقتراح الآيات، ﴿بل لا يخافون الآخرة﴾ فلذلك يُعرضون عن التذكرة، لاَ لامتناع إيتاء الصُحف. ﴿كَلاَّ إِنه تذكرةٌ﴾ زجَرهم عن إعراضهم عن التذكرة، وقال: إن القرآن تذكرة بليغة كافية، ﴿فمَن شاءَ ذكرَه﴾ أي: فمَن شاء أن يذكره ذكره، وحاز سعادة الدارين، ﴿وما يَذْكُرُون﴾ بمنجرد مشيئتهم ﴿إِلاّ أن يشاء اللهُ﴾ هدايتهم فيذكرون، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: وما يذكرون لِعلةٍ من العلل، وفي حال من الأحوال، إلاَّ أن يشاء الله ذلك، وهو تصريح بأنَّ أفعال العباد كلها بمشيئة الله تعالى، وقرأ نافع ويعقوب بتاء الخطاب للكفرة. ﴿هو أهلُ التقوى﴾ أي: حقيق با، يُتقى عقابه، ويؤمن به ويُطاع، ﴿وأهلُ المغفرةِ﴾ ؛ حقيق بأن يَغفر لمَن آمن به وأطاعه، وعنه ﵇ في تفسيرها: " هو أهل أن يُتّقى، وأهل أن يغفر لمن اتقاه ". وفي رواية ابن ماجه والترمذي: " قال الله تعالى: أنا أهل أن أُتَّقَى، فلا يُجعل معي إله آخر، فمَن اتقى ذلك فأنا أهل أن أغْفر له " قال ذلك ﵇ لَمّا قرأ الآية. هـ. الإشارة: قال الورتجبي: قوله تعالى: ﴿كل نفس بما كسبتْ رهينة ... ﴾ الخ، كلُّ واقفٍ مع حال، وملاحظ لمقام، فهو مرتهن، إلاّ مَن تجرّد مما دون الله، وهم أصحاب يمين مشاهدة الحق، فإنهم في جنان قُربه ووصاله. هـ. أي: كل نفس واقفة مع حالها أو مقامها مرتهنة معه، إلاّ مَن ينفذ إلى شهود الحق، إنه يكون من قبضة اليمين الذين اختارهم

стр. 3224

الله بمحض الفضل، فهم في جنات المعارف يتساءلون عن الغافلين: ما سلككم في سقر السقوط من درجة القُرب والوصال؟ قالوا: لم نك من المُصلِّين الصلاة الدائمة، ولم نك نُطعم المسكين، بل كنا بُخلاء بأموالنا وأنفسنا، وكنا نخوض في أودية الدنيا مع الخائفين، وكنا نُكذّب بيوم الدين؛ لأنَّ أفعالهم كانت فعل مَن لا يُصدّق بيوم الحساب، حتى أتانا اليقين بعد الموت، فندمنا، فلم ينفع الندم وقد زلّت القَدَم، فما تنفع فيهم شفاعة الشافعين، حيث ماتوا غافلين؛ لأنَّ الشفاعة لا تقع في مقام القُرب والاصطفاء، فمَن مات بعيداً بسبب الغفلة لا يصير قريباً، ولو شفع فيه ألف نبي وألف وَلِيّ، إذ القُرب على قدر الكشف، وكشف الحجاب عن الروح إنما يحصل في هذه الدار، لقوله ﵇: " يموت المرء على ما عاش عليه، ويُبعث على ما مات عليه " وإنما تقع الشفاعة في النجاة، أو في الدرجة الحسية، والله تعالى أعلم. فما لهم، أي: لأهل الإعراض عن المذكِّر، عن التذكرة منه مُعرضين، كأنهم حُمر الوحش فرّت من قسورة، وتشبيههم بالحُمر في البلادة والجهل، وكل مَن طلب الكرامة من الأولياء فهو كاذب في الطلب، إذ لو صدق في الطلب لأراه الله الكرامات على أيديهم كالسحاب، كلاَّ بل لا يخافون الآخرة، ولو خافوها وجعلوها نُصب أعينهم لما توقّفوا على كرامة ولا معجزة، والأمر كله بيد الله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة. وبالله التوفيق، وصلى الله سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 3225

سورة القيامة يقول الحق ﷻ : ﴿لا أُقسم﴾ أي: أُقسم. وإدخال " لا " النافية على فعل القسم شائع، كإدخاله على المقسم به في " لا وربك " و " لا والله "، وفائدتها: توكيد القسم، وقيل: صلة، كقوله: ﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٥] وقيل: هي نفي وَرَدَ لكلام معهود قبل القسم، كأنهم أنكروا البعث، فقيل: لا، أي: ليس الأمر كذلك، ثم قال: أُقسم ﴿بيوم القيامة﴾ إنَّ البعث لواقع. وأيًّا ما كان ففي الإقسام على تحقيق البعث بيوم القيامة من الجزالة ما لا يخفى. وقيل: أصله: لأُقسم، كقراءة ابن كثير، على أنَّ اللام للابتداء، و " أٌقسم ": خبر مبتدأ مضمر، أي: لأنا أُقسم، ويُقويه أنه في الإمام بغير ألف ثم أشبع فجاء الألف. ﴿ولا أٌقسم بالنفس اللوّامة﴾ ، الجمهور على أنه قسم آخر، وقال الحسن: الثانية نفي، أي: أُقسم بيوم القيامة لا بالنفس اللوّامة، فيكون ذمًّا لها، وعلى أنه قسم يكون مدحاً لها، أي: أقسم بالنفس المتقية، التي تلوم صاحبها على التقصير، وإن اجتهدت في الطاعة. أو: بالنفس المطمئنة اللائمة للنفس الأمّارة، وقيل: المراد الجنس، لِما رُوي أنه ﵇ قال: " مَا مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فَاجِرَةٍ إِلاَّ وتلُومُ نفسها يوم القِيامَة، إنْ عَملت خَيْراً، قالت: كيف لم أزدْ؟ ! وإِنْ عملت شرًّا، قالت: ليتني كُنتُ قصرتُ " وذكره

стр. 3226

الثعلبي من كلام البراء: قال أبو السعود: ولا يخفى ضعفه؛ لأنِّ هذا القدر من اللوم لا يكون مدراراً للإعظام بالإقسام، وإن صدَر عن النفس المؤمنة المحسنة، فكيف من الكافرة المندرجة تحت الجنس، وقيل: بنفس آدم ﵇، فإنها لا تزال تتلوَّم على فعلها الذي خرجت به من الجنة. وجواب القسم: لتُبعثنّ، دليله: ﴿أيَحْسَبُ الإِنسانُ﴾ أي: الكافر المنكرِ للبعث ﴿ألَّن نجمعَ عِظامه﴾ بعد تفرّقها ورجوعها عظاماً رفاتاً مختلطاً بالتراب، أو: نسفَتْها الرياح وطيَّرتها في أقطار الأرض، أو: ألقتها في البحار. وقيل: إنَّ عَدِيّ بن ربيعة، خَتنَ الأخنس بن شريق، وهما اللذان قال فيهما النبي ﷺ : " اللهم اكفني جارَيْ السوء، عَدياً والأخنس " قال ـ عَدِيّ ـ: يا محمد، حدِّثنا عن يوم القيامة متى يكون، وكيف أمرها وحالها؟ فأخبره ﵇، فقال: يا محمد؛ لو عاينتُ ذلك لم أصدقك، ولم أُومِنْ بك، أَوَيجمعُ الله هذه العظام؟ فنزلت. ﴿بلى﴾ أي: نجمعها حال كوننا ﴿قادرين على أن نُسَوّي بنانه﴾ أي: أصابعه كما كانت في الدنيا بلا انفصال ولا تفاوت مع صغرها، فكيف بكبار العِظام؟ ! ﴿بل يريد الإِنسانُ لِيَفجُر أمامه﴾ : عطف على ﴿أيحسب﴾ إمّا على أنه استفهام توبيخي، أضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا، أو: على أنه إيجاب انتقل إليه عن الاستفهام، أي: بل يريد ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات، وما يستقبله من الزمان، لا يرعوي عنه. قال القشيري: ﴿لِيفجُر أمامه﴾ أي: يعزم على أنه يستكثر من معاصيه في مستأنف وقته، ولا يحلّ عقدةَ الإصرار من قلبه، فلا تصحّ توبتُه؛ لأنّ التوبة من شرطها: العزم على أن لا يعودَ إلى مثل ما عَمِل، فإذا كان استحلى الزلّة في قلبه، وتفكّر في الرجوع إلى مثله فلا تصح ندامتُه. هـ. وقيل: ﴿ليفجُرَ أَمامَه﴾ أي: يكفر بما قُدامه، ويدل على هذا قوله: ﴿يسأل أيَّانَ يومُ القيامةِ﴾ أي: متى يكون؟ استبعاداً واستهزاءً. ﴿فإِذا بَرِقَ البصرُ﴾ أي: تحيَّر، من: برق الرجل: إذا نظر إلى البرق فدهش بصره، وقرأ نافع بفتح الراء، وهي لغة، أو من البريق، بمعنى لمع من شدة شخوصه، ﴿وخَسَفَ القمرُ﴾ ؛ ذهب ضوؤه أو غاب، من قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ [القصص: ٨١] وقرىء: خُسف، بضم الخاء. ﴿وجُمعَ الشمسُ والقمرُ﴾ أي: جُمع بينهما، ثم يُكوّران ويُقذفان في النار، أو يُجمعان أسودين مكورين، كأنهما ثوران عقِيران. وفي قراءة عبد الله: " وجمع بين الشمس والقمر ". وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة، ثم يقذفان في البحر، فيكونان نار الله الكبرى، أو: جمع بينهما في الطلوع من المغرب. ﴿يقول الإِنسانُ يومَئذٍ﴾ أي: حين تقع هذه الأمور العظام: ﴿أين المفَرُّ﴾ أي: الفرار من النار، يائساً منه، والمراد بالإنسان: الكافر، أو: الجنس، لشدة الهول. قال القشيري: وذلك حين تُقاد جهنم بسبعين ألف سلسلة، كل سلسلة بيد سبعين ألف مَلَك، فيقول الإنسان: أين المفر؟ فيقال:

стр. 3227

لا مهرب من قضاء الله، " إلى ربك يومئذ المستقر "، أي: لا محيد عن حكمه. هـ. والمفر: مصدر، وقرأ الحسن بكسر الفاء، فيحتمل المكان أو المصدر. ﴿ كلاَّ﴾ ؛ ردعٌ عن طلب المفرّ وتمنِّيه، ﴿لا وَزرَ﴾ ؛ لا ملجأ ولا حصن، وأصل الوَزر: الجبل الذي يمتنع فيه. قال السدي: كانوا إذا فزعوا تحصَّنوا في الجبال، فقال تعالى: لا جبل يعصمكم يومئذ مني، ﴿إِلى ربك يومئذ المستقَرُّ﴾ أي: إليه خاصة استقرار العباد، ومنتهى سيرهم، أو: إلى حُكمه استقرار أمرهم، أو: إلى مشيئته موضع قرارهم، يُدخل مَن يشاء الجَنة ومَن يشاء النار، ﴿يُنبّأُ الإِنسانُ يومئذٍ﴾ أي: يُخبر كل امرىء، برًّا كان أو فاجراً، عند وزن الأعمال ﴿بما قَدَّم﴾ من عمله خيراً كان أو شرًّا، فيُثاب على الأول، ويُعَاقب على الثاني، ﴿وما أخَّرَ﴾ أي: لم يعمله خيراً كان أو شرًّا، فيُعاقب بالأول ويثاب على الثاني، أو: بما قدم من حسنة أو سيئة قبل موته، وبما أَخَّرَ من حسنة أو سيئة سَنَّها فعُمل بها بعد موته، أو: بما قدّم في أول عمره، وأخَّرَ عمله في آخر عمره، أو: بما قَدَّم من أمواله أمامه، وأخَّرَ آخره لورثته، نظيره. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] . ﴿بل الإِنسانُ على نفسِهِ بصيرةٌ﴾ أي: شاهِدٌ بما صدر عنه من الأعمال السيئة، كما يُعرب عنه التعبير بـ " على " وما سيأتي من الجملة الحالية، والتاء للمبالغة، كعلاّمة، أو: أنّثه لأنه أراد به جوارحه؛ إذ هي التي تشهد عليه، أو: هو حُجّة على نفسه، والبصيرة: الحُجة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] وتقول لغيرك: أنت حُجّة على نفسك. ومعنى " بل ": الترقي، أي: يُنبأ الإنسان بأعماله، بل هو يومئذ عالم بتفاصيل أحواله، شاهد على نفسه، لأنّ جوارحه تنطق بذلك. و " بصيرة ": مبتدأ، و " على نفسه ": خبر مقدّم، والجملة: خبر " الإنسان "، ﴿ولو أَلْقَى معاذِيرَه﴾ : حال من الضمير في " بصيرة "، أو: من مرفوع (ينبأ) أي: ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه أي: هو بصيرة على نفسه، تشهد عليه جوارحُه، ويُعمل بشهادتها، ولو اعتذر بكل معذرة، أو يُنبأ بأعماله ولو اعتذر..الخ. والمعاذير: اسم جمع للمعذرة، كالمناكير اسم جمع للمنكَر، لا جمع؛ لأنّ جمعها معاذِر بالقصر، وقيل: جمع " مِعْذار " وهو: الستر، أي: ولو أرخى ستوره. وقيل: الجملة استئنافية، أي: لو ألقى معاذيره ما قُبلت منه، لأنَّ عليه مَن يُكذِّب عُذره، وهي جوارحه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد قرن الله تعالى قسَمَه بالنفس اللوّامة بِقسَمِه بيوم القيامة، لمشاركتها له في التعظيم، بل النفس اللوَّامة أعظم رتبة عند الله، لأنها تكون لوّامة تلوم صاحبها على القبائح، ثم تكون لهَّامة تُلهمه الخيرات والعلوم اللدنية، ثم تكون مطمئنة، حين تطمئن بشهود الحق بلا واسطة، بل تستدل بالله على غيره، فلا ترى سواه، فحينئذ ترجع إلى أصلها، وتُرجع الأشياء كلها إلى أصولها، وهو القِدَم والأبد، فيتلاشى الحادث ويبقى

стр. 3228

القديم وحده، كما كان وحده. فالنفوس أربعة: أمّارة، ولوّامة، ولهّامة، ومطمئنة، وهي في الحقيقة نفس واحدة، تتطور وتتقلب من حالٍ إلى حال، باعتبار التخلية والتحلية، والترقية والتردية، فأصلها الروح، فلما تظلّمت سميت نفساً أمّارة، ثم لوّامة، ثم لهّامة، ثم مطمئنة. قال القشيري: أيحسب الإنسان، أي: الإنسان المحجوب بنفسه وهواه، ألَّن نجمع عِظامه؛ أعماله الحسنة والسيئة، بلى قادرين على أن نُسَوِّي بنانه، أي: صغار أفعاله الحسنة والسيئة، بل يُريد الإنسان المحجوب لِيَفْجُرَ أمامه، بحسب الاعتقاد والنية، قبل الإتيان بالفعل، أي: يعزم على المعاصي في المستقبل قبل أن يفعل، يسأل أيَّان يوم القيامة؟ لطول أمله، ونسيان آخرته، ولو فُتحت بصيرتُه لَشَاهد القيامة في كل ساعة ولحظة، بتعاقب تجلي الإفناء والإبقاء. فإذا بَرِقَ البصرُ: تحيّر من سطوات أشعة سبحات التجلِّي الأحدي الجمعي، وخسَف القمر، أي: ستر نور قمر القلب بنور شمس الروح، وجُمع الشمس والقمر، أي: جُمع شمس الروح وقمر القلب، بالتجلِّي الأحدي الجمعي، يعني: فيغيب نور قمر الإيمان في شعاع شمس العرفان، يقول الإنسان يومئذ: أين المفر؟ من خوف الاضمحلال والاستهلاك، وليس عنده حينئذ قوة التمكين فيخاف من الاصطلام، إلى ربك يومئذ المستقر بالرسوخ والتمكين، بعد الفرار إلى الله، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] . هـ. بالمعنى. يُنبأ الإنسانُ يومئذٍ بما قَدَّم من المجاهدة، حيث يرى ثمرتها، وما أَخَّرَ، حيث يرى شؤم تفريطه فيها، فالمشاهدة على قدر المجاهدة، فبقدر ما يُقَدِّم منها تعظم مشاهدته، وبقدر ما يُؤخِّر منها تَقِلّ. بل الإنسان على نفسه بصيرة، يرى ما ينقص من قلبه وما يزيد فيه، ويشعر بضعفه وقوته، إن صحّت بصيرته، وطهرت سريرته، فإذا فرط في حال سيره لا يقبل عذره، ولو ألقى معاذيره. وبالله التوفيق. قلت: اختلف المفسرون في وجه المناسبة في هذه الآية، فقال بعضهم: ما تضمنه من الاقتدار على حفظه وإبقائه في قلبه، بإخراجه عن كسبه وإمساكه وحفظه، فالقادر على

стр. 3229

ذلك قادر على إحياء الموتى وجمع عظامها، وتسوية بنانها. ونَقَل الطيبي عن الإمام الفخر: أنه تعالى لمّا أخبر عن الكفار أنهم يُحبون العاجلة، وذلك قوله: ﴿بل يُريد الإنسان لِيفجُر أَمامه﴾ بيَّن أنَّ العَجَلة مذمومة، ولو فيما هو أهم الأمور وأصل الدين، بقوله: ﴿لا تُحرِّكْ به لسانَك﴾ فاعترض به، ليؤكد التوبيخ على حب العاجلة بالطريق الأولى. هـ. وقيل: اعترض نزولُها في وسطِ السورة قبل أن تكمل، فوُضعت في ذلك المحل، كمَن كان يسرد كتاباً ثم جاء سائل يسأل عن نازلةٍ، فيطوي الكتابَ حتى يُجيبه، ثم يرجع إلى تمام سرده. انظر الإتقان. يقول الحق ﷻ : ﴿لا تُحرِّكْ به﴾ ؛ بالقرآن ﴿لسانَكَ لِتعجَلَ به﴾ ، وقد كان ﵊ يأخذ في القراءة قبل فراغ جبريل، كراهة أن يتفلّت منه، فقيل له: لا تُحرك لسانك بقراءة الوحي، ما دام جبريل يقرأ، ﴿لِتعجَلَ به﴾ ؛ لتأخذه على عجلة، لئلا يتفلّت منك، ثم ضَمِنَه له بقوله: ﴿إِنَّ علينا جَمْعَه﴾ في صدرك، ﴿وقرآنه﴾ ؛ وإثبات قراءته في لسانك، فالمراد بالقرآن هنا: القراءة، وهذا كقوله: ﴿وَلآ تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] ، ﴿فإِذا قرأناه﴾ على لسان جبريل ﴿فاتَّبعْ قرآنه﴾ أي: قراءته، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بيانَهُ﴾ إذا أشكل عليك شيء مِن معانيه وأحكامه. الإشارة: لا تُحرِّكْ بالواردات الإلهية لسانك لِتَعْجَل به حين الإلقاء، بل تمهّل في إلقائه ليُفهم عنك، إنَّ علينا جمعه وقرآنه، أي: حفظه وقراءته، فإذا قرأناه على لسانك في حال الفيض فاتبع قرآنه، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ. وفي الحِكم: " الحقائق تَرِدُ في حال التجلي جملة، وبعد الوعي يكون البيان، ﴿فإذا قرأناه فاتبعْ قرآنه إنَّ علينا بيانه﴾ ". ولا شك أنَّ الواردات في حال الفيض تبرز مجملةً، لا يقدر على حصرها ولا تَفَهُّمِها، فإذا فَرَغَ منها قولاً وكتابة فتَدَبرها وجدها صحيحةَ المعنى، واضحةَ المبنى، لا نقص فيها ولا خلل، لأنها من وحي الإلهام، وكان بعض المشايخ يقول لأصحابه: إني لأستفيد مني كما تستفيدون أنتم، وكان الشيخ أبو الحسن ﵁ إذا فاض بالمواهب يقول: هلاَّ مَن يكتب عنا هذه الأسرار. إلى غير ذلك مما هو مُدوَّن عند أهل الفن. والله تعالى أعلم.

стр. 3230

يقول الحق ﷻ : ﴿كلاَّ﴾ أي: انزجروا عما أنتم عليه من إنكار البعث والفجور، ﴿بل تُّحبون العاجلةَ وتَذَرون الآخرة﴾ أي: بل أنتم يا بني آدم لما خلقتم من عجل، وجُبلتم عليه، تَعْجلون في كل شيء، ولذلك تُحبون العاجلة مع فنائها وسرعة ذهابها، ﴿وتذرون الآخرة﴾ مع بقائها ودوام نعيمها. قال بعضهم: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والعكس، الآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من طين يفنى. ومَن قرأ بالغيب فالكلام مع الكفرة. ﴿وجوه يومئذٍ ناضرةٌ﴾ أي: وجوه كثيرة، وهي وجوه المؤمنين المخلصين، يوم إذ تقوم القيامة، بهية متهللة، يشاهَدُ عليها نَضْرة النعيم، ﴿إِلى ربها ناظرةٌ﴾ أي: مستغرِقة في مشاهدة جماله، فتغيب عما سواه. ورؤيته تعالى يوم القيامة متفاوتة، يتجلّى لكل واحد على قدر ما يطيق من نور ذاته على حسب استعداده في دار الدنيا، فيتنعّم كل واحد في النظرة على قدر حضوره هنا، ومعرفته. ورؤيته تعالى جائزة في الدنيا والآخرة، واقعة في الدارين عند العارفين، وهذه الآية شاهدة لذلك، وهي مخصَّصة لقوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أي: لا تراه، على قولٍ. قال بعضُهم: هي واقعة للمؤمنين قبل دخول الجنة وبعده، حسبما ورد في الصحيح. وقوله في الحديث: " فيأتيهم الله في الصورة التي لا يعرفونها "، المراد بالصورة: الصفة، والمعنى: أنهم يرونه ثانياً على ما يعرفونه من صفاته العلية، وأهل المعرفة لا ينكرونه في حال من الأحوال. والمقصود من الآية: تقبيح رأي حب العاجلة بذكر حسن عاقبة حب الآجلة، أي: كيف يذر العاقل مثل تلك المسرّة، التي ليس فوقها شيء، بدلاً من هذه اللذة الخسيسة الدنية، أم كيف يغتر بعروض هذا السرور وعاقبته الهلاك والثبور؟ انظر الطيبي. وحَمْل النظرعلى الانتظار لأمر ربها، أو لثوابها، لا يصح خلافاً للمعتزلة؛ لأنَّ الانتظار لا يُسْند إلى الوجه، وأيضاً: المستعمل بمعنى الانتظار لا يتعدّى بـ " إلى "، مع أنه لا يليق الانتظار في دار القرار. ﴿ووجوه يومئذٍ باسرٍةٌ﴾ أيك كالحة، شديدة العبوسة، وهي وجوه الكفار. ﴿تظن﴾ أي: يتوقع أربابُها ﴿أن يُفعل بها فاقِرة﴾ أي: داهية عظيمة، تقصم فقار الظهر. ﴿كلاَّ﴾ ، ردع عن إيثار العاجلة على الآخرة، أي: ارتدعوا عن ذلك وتنبّهوا لِما بين أيديكم من الموت، الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم، وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلّدين، وذلك ﴿إِذا بلغتِ﴾ الروح ﴿التراقيَ﴾ ، ولم يتقدّم للروح ذكر؛ إلاَّ أنَّ السياق يدل عليها، والتراقي: العظام المكتنفة لحفرة النحر عن يمين وشمال، جمع: ترقوة، أي: إذا بلغت

стр. 3231

أعالي الصدور، ﴿وقيلَ مَن راقٍ﴾ أي: قال مَن حضر المحتضر: مَن يرقيه وينجيه مما هو فيه من الموت؟ وهو من الرُقية، وقيل: هو من كلام ملائكة الموت، أي: أيكم يَرْقَى بروحه، ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ من الترقِّي. ﴿وظنَّ أنه الفِراقُ﴾ أي: تيقّن المحتضرُ أنَّ ما نزل به هو الفِراق من دار الدنيا ونعيمها التي كان يحبها ﴿والتفَّتِ الساقُ بالساقِ﴾ أي: التوت ساقاه بعضها على بعض عند موته. وعن سعيد بن المسيِّب: هما ساقاه حين تُلفّان في أكفانه، وقيل: شدّة فراق الدنيا بشدّة إقبال الآخرة، على أنَّ الساق مَثَلٌ في الشدة. وعن ابن عباس ﵁: هَمَّان: هَمٌّ الولد، وهَمُّ القدوم على الواحد الصمد. ﴿إِلى ربك يومئذٍ المساقُ﴾ أي: إلى الله وإلى حكمه يُساق، لا إلى غيره، إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار، وهو مصدر: ساقه مساقاً. ﴿فلا صدَّق﴾ ما يجب به التصديق، من الرسول والقرآن الذي نزل عليه، أو: فلا صدّق ماله زكاه، ﴿ولا صَلَّى﴾ مافُرض عليه، والضمير فيها للإنسان المذكور في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣] ، أو: إلى المحتضر المفهوم من قوله: ﴿إذا بلغت التراقي﴾ ، وهو أقرب. ﴿ولكن كذَّب﴾ بما ذكر من الرسول والقرآن ﴿وَتَولَّى﴾ عن الإيمان والطاعة، ﴿ثم ذهب إلى أهله يَتَمطَّى﴾ ؛ يبختر بذلك، وأصله: يتمطط، أي: يتمدّد؛ لأنّ المتبختر يَمُدُّ خطاه، فأبدلت الطاءُ ياءً؛ لاجتماع ثلاثة أحرف متماثلة، قال في النهاية: مِشْيةٌ مُطيْطاء، بالقصر والمد، أي: فيها تَبخْتُرن ويقال: مَطَوْتُ ومَطَطْتُ بمعنى مدَدْتُ، وهي من المُصَغَّراتٍ التي لم يُستعمل لها مُكَبَّرٌ. هـ. أو: من المطا، وهو الظَّهْر فإنه يلويه. ﴿ أَوْلَى لك فأَوْلَى﴾ أي: ويل لك، وأصله: أولاك الله ما تكره، واللام مزيدة، كما في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] أو: أولى الهلاك لك فأولى، وقيل: هو مقلوب من الويل، وقيل: أولى بالعذاب وأحق به، وقيل: من الوَلى، وهو القرب، أي: قاربه ما يهلكه. ﴿ثم أَوْلَى لك فأَوْلَى﴾ ، كرر للتأكيد، كأنه قيل: ويل لك فويل لك ثم ويل لك فويل لك، وقيل: التكرير فيه، لأنه أراد بالأول: الهلاك الدنيوي وفي القبر والبرزخ، ثم في القيامة، ثم في النار. ﴿أيَحْسَبُ الإِنسانُ أن يُترك سُدىً﴾ ؛ أيظن الكافرُ أن يُترك مُهْمَلاً، لا يُؤمر ولا يُنهى ولا يُبعث ولا يُجازَى، ﴿ألم يكُ نطفة مِن مَنِيٍّ تُمنى﴾ ؟ أي: تُراق في الأرحام، ﴿ثم كان علقةً﴾ أي: صار المَنِي قطعة دم جامد، بعد أربعين يوماً ﴿فخَلَقَ فسَوّى﴾ أي: فخلق الله منها بشراً سويًّا؟ ﴿فجعل منه﴾ ؛ من الإنسان، أو: من المَنِي ﴿الزوجين﴾ ؛ الصنفين ﴿الذكرَ والأُنثى﴾ لحكمه بقاء النسل، ﴿أليس ذلك بقادرٍ على أن يُحيي الموتى﴾ وهو أهون من البدء في قياس العقول؟ كان ﵇ إذا قرأها يقول: " سبحانك! بلى ".

стр. 3232

الإشارة: قال في الإحياء: اعلم أنَّ رأس الخطايا والمهِلكة هو حب الدنيا، ورأس أسباب النجاة هو: التجافي بالقلب عن دار الغرور. ثم قال: واعلم أنه لا وصول إلى سعادة لقاء الله في الآخرة إلاَّ بتحصيل محبته والأنس به في الدنيا، ولا تحصل المحبة إلاَّ بالمعرفة، ولا تحصل المعرفة إلاَّ بدوام الفكر، ولا يحصل الأنس إلاَّ بالمحبة ودوام الذكر، ولا تتيسَّر المواظبة على الذكر إلاَّ بإقلاع حب الدنيا من القلب، ولا يقع ذلك إلاّ بترك لذات الدنيا وشهواتها، ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات، ولا تنقمع الشهوات بشيءٍ كما تنقمع بنار الخوف المحرقة للشهوات. هـ. على نقل صاحب الجواهر. ومَن أسعده الله بلقاء شيخ التربية هان عليه معالجة النفس من غير تعب، في أقرب وقت، بحيث يُغيّبه عنها، ويزُجه في الحضرة، في أقرب زمان، فيدخل في قوله تعالى: ﴿وجوده يومئذ ناضرةٌ إِلى ربها ناظرةٌ﴾ فتحصل له النضرة والنظرة في الدنيا والآخرة، فيفنى عن نظره حسُّ الكائنات، وتظهر أسرار الذات الأزلية للعيان بادية، فيستدل بالله على غيره، فلا يرى سواه، وينشد ما قال الشاعر: فَلم يَبْق إلا الله لم يبقَ كائن فما ثَمَّ موصولٌ ولا ثَمَّ بائِنُ بِذَا جاء بُرهانُ العَيانِ فما أرى بِعَيني إلاَّ عينَه إذْ أُعايِنُ قال القشيري: قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرةٌ ... ﴾ الخ، يُقال: هذه الآية دليل على أنهم بصفة الصحو، ولا يداخلهم حيرة ولا دهش، لأنَّ النضرة من أمارات البسط، والبقاء في حال اللقاء أتم من اللقاء، والرؤية عند أهل التحقيق تقتضي بقاء الرائي.. الخ كلامه. ﴿ووجوه يومئذ باسِرة﴾ وهي وجوه أهل الغفلة، المحجوبين في الدنيا عن شهود الحق، تظن أن يُفعل بها داهية فاقرة، لِما فرّطت في جنبه ـ تعالى ـ من عدم التوجه إليه، كلاَّ، فلترتدع اليوم، ولتنهض قبل فوات الإبان، وهو إذا بلغت الروحُ التراقي، وقيل: مَن راقٍ؟ والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذ المساق، فيحصل الندم، وقد زلت القدم، فلا صدّق بوجود الخصوصية عند أربابها، فيصحبهم ليزول عنه الغين والمرض، أي: غين الحجاب ومرض الخواطر والشكوك، ولا صلَّى صلاةَ القلوب، ولكن كذَّب بوجود الطبيب، وتولِّى عنه مع ظهوره، ثم ذهب إلى هواه ودنياه يتمطى، أَوْلَى لك فأَوْلى، أي: أبعدك الله وطردك، ثم أَوْلَى لك فأوْلى، أيحسب الإنسانُ أن يتركه الحقُ سدىً، من غير أن يُرسل له داعياً يدعوه إلى الحق؟ ألم يك نطفة مهينة، ثم صوَّره ونفخ فيه من روحه، أليس ذلك بقادرٍ على أن يُحيي الموتى؟ أي: القلوب والأرواح الميتة، بالعلم والمعرفة، بلى وعزة ربنا إنه لَقادر، " مَن استغرب أن يُنقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وَكَانَ الله على كُلِّ شيء مقتدراً " وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله.

стр. 3233

سورة الإنسان يقول الحق ﷻ : ﴿هل أتى على الإِنسان﴾ ، والاستفهام للتقرير والتعريف، أو بمعنى " قد "، أي: قد مضى على الإنسان قبل زمانٍ قريبٍ ﴿حِينٌ من الدهر﴾ أي: طائفة محدودة كائنة من الزمن الممتد ﴿لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ بل كان شيئاً منسياً غير مذكور بالإنسانية أصلاً، كالعنصر والنطفة وغير ذلك. والجملة المنفية: حال من الإنسان، أي: مضى عليه زمان غير مذكور، أو صفة لـ " حين " على حذف العائد، أي: لم يكن فيه شيئاً، والمراد بالإنسان: الجنس. والإظهار في قوله: ﴿إِنَّا خلقنا الإنسانَ﴾ لزيادة التقرير، أو: يراد آدم ﵇، وهو المروي عن ابن عباس وقتادة، فقد أتى عليه حين من الدهر، وهو أربعون سنة مصوَّراً قبل نفخ الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف، وفي رواية الضحاك عنه: أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون، فأقام أربعين سنة، ثم من صلصال، فأقام أربعين، ثم خلقه بعد مائة وعشرين سنة. هـ. قلت: جمهور المؤرخين أنَّ آدم صُوِّر في السماء، ويقال: كان على باب الجنة، تمر به الملائكة وتتعجب منه، ويمكن أن يكون صُوّر في الأرض، ثم رُفع إلى السماء، القدرة صالحة. والله تعالى أعلم بما كان. وقال بعضهم: المراد بالإنسان الأول: آدم ﵇، وبالثاني: أولاده، أي: خلقنا نسل الإنسان ﴿من نُطفةٍ أمشاجٍ﴾ أي: أخلاط، من: مشجت الشيء: إذا خلطته ومزجته، وصف به النطفة؛ لأنها مختلطة من ماء الرجل وماء المرأة، ولكل منهما أوصاف مختلفة، من اللون، والرقّة، والغلظ، وخواص متباينة، فإنَّ ماء الرجل أبيض غليظ، فيه

стр. 3234

قوة العصب، وماء المرأة أصفر رقيق، فيه قوة الانعقاد، وتخلّق منهما الولد، فما كان من عصب وعظم وقوة فمن ماء الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمِن ماء المرأة. قال القرطبي: وقد رُوي هذا مرفوعاً. وقيل: إذا علا ماءُ الرجل أشبهه الولد، وإذا علا ماء المرأة أشبهها. وقيل: إذا سبق أحدهما فالشبه له. وقيل: " أمشاج " مفرد غير جمع، كبَرْمة أعشار، وثوب أخلاق. وقيل: أمشاج: ألوان وأطوار، فإنَّ النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة. وقال ابن السكيت: الأمشاج: الأخلاط؛ لأنها ممتزجة من أنواع الأغذية من نبات الأرض، فخلق الإنسان منها ذا طبائع مختلفة. هـ. ﴿ نبتليهِ﴾ حال، أي: خلقناه مبتلين له، أي: مريدين ابتلاءه بالأمر والنهي في المستقبل، ﴿فجعلناه سميعاً بصيراً﴾ ليتمكن من سماع الآيات التنزيلية، ومشاهدة الآيات التكوينية، فهو كالمسبب عن الابتلاء، فلذلك عطف على الخلق بالفاء، ورتّب عليه قوله: ﴿إِنَّا هديناه السبيلَ﴾ ؛ بيَّنَّا له الطريق، بإنزال الآيات، ونصب الأدلة العقلية والسمعية، ﴿إِمَّا شَاكِراً وإِمَّا كَفُوراً﴾ : حال من مفعول ﴿هديناه﴾ ، أي: مكّنّاه وأقدرناه على سلوك الطريق الموصل إلى البُغية، في حالتي الشكر والكفر، أي: إن شكر أو كفر فقد هديناه السبيل في الحالين، فإن شكر نفع نفسه، وإن كفر رجع وبال كفره عليه، أو: حال من " السبيل "، أي: عرفناه السبيل، إمّا سبيلاً شاكراً، وإمّا سبيلاً كفوراً. ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز، والمراد: سالكه. الإشارة: قد أتى على الإنسان حين من الدهر، وهو قبل وقوع التجلِّي به، لم يكن شيئاً مذكوراً، بل كان شيئاً معلوماً موجوداً في المعنى دون الحس، غير مذكور في الحس، فلمّا وقع به التجلِّي صار شيئاً مذكوراً، يذكر بالخطاب والتكليف، ويمكن أن يكون الاستفهام إنكارياً، أي: هل أتى عليه زمان لم نذكره فيه، بل لم يأتِ عليه وقت إلاَّ وكان مذكوراً لي. ويُقال: هل غفلتُ ساعة عن حفظك؟ هل ألقيتُ ساعة حبلك على غاربك؟ هل أخليتك ساعة من رعاية جديدة، وحماية مزيدة. هـ. من الحاشية. ثم بيَّن كيفية التجلِّي به فقال: ﴿إنَّا خلقنا الإنسان﴾ أي: بشريته ﴿من نُطفة أمشاج﴾ أي: من نطفة من أخلاط الأرض، فلذلك كانت تنزع إلى أصلها، وتخلد إلى أرض الحظوظ والهوى، نبتليه بذلك، ليظهر الصادق في طلب الحق بمجاهدة نفسه في إخراجها عن طبعها الأصلى، والمُعرض عن الطلب باسترساله مع طبعها البشري، ويقال: خلقته من أمشاج النطفتين فينزع طبعُ الولد إلى الإغلب منهما، فإن غَلَبَ ماء الرجل نزع إلى طبع أبيه، خيراً كان أو شرًّا، وإن غلب ماء المرأة، نزع إلى طبع أمه كذلك، ابتلاء من الله وقهرية، فلا بد أن يغلب الطبع، ولو جاهد جهده، ولذلك قال ﵇: " إذا سمعتم أنَّ الجبال انتقلت فصَدِّقوا، وإذا سمعتم أنَّ الطباع انتقلت فلا تُصَدِّقوا " وفائدة الصُحبة

стр. 3235

والمجاهدة: خمود الطبع وقهر صولته، لا نزعه بكليته، فيقع الرجوع إلى الله من الطبع الدنيء، ولا يقدح في خصوصيته إن رجع إلى الله في الحين، ولذلك تلونت أحوال الأولياء بعد مجاهدتهم ورياضتهم. والله تعالى أعلم. فجعلناه سميعاً بصيراً، ونفخنا فيه روحاً سماوية وقدسية، تحن دائماً إلى أصلها، فمنها مَن غلبت عليه النطفةُ الطينية، فأخلدت بها إلى الأرض، فبقيت مسجونة في هيكلها، محجوبة عن ربها، ومنها: مَن غلبت روحانيتها على الطينية، فعرجت بها إلى الحضرة القدسية، حتى رجعت إلى أصلها وإلى هذا أشار بقوله: ﴿إنا هديناه السبيل﴾ أي: بيَّنَّا له الطريق الموصل إلى الحضرة، فصار إمّا شاكراً بسلوكها أو كافراً بالإعراض عنها، وعدم الدخول تحت تربية العارف بها. يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّا أعتدْنا﴾ ؛ أعددنا ﴿للكافرين سلاسلاً﴾ يُقادون بها إلى النار ﴿وأغلالاً﴾ يُقيَّدون بها ﴿وسعيراً﴾ يُحرقون بها. و " سلاسل " لا ينصرف؛ لصيغة منتهى الجموع، ومَن صرفه فليناسب أغلالاً، إذ يجوز صرف غير المنصرف للتناسب. وتقديم وعيد الكفرة مع تأخرهم في الجمع على طريق اللف والنشر المعكوس، كقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ... ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الآية ليتخلّص إلى الكلام على الفريق الأول بطريق الإطناب، فقال: ﴿إِنَّ الأبرارَ﴾ جمع بر وبار، كرب وأرباب، وشاهد وأشهاد، وهو مَن يبر خالقه، أي: يُطيعه، وقيل: الأبرار هم الصادقون في الإيمان، أو: الذين لا يؤذون الذر، ولا يعمدون الشر. ﴿يشربون من كأس﴾ وهو الزجاجة إذا كان فيها خمر، ويُطلق على نفس الخمر، فـ " مِن " على الأول ابتدائية، وعلى الثاني تبعيضية، ﴿كان مِزاجُها﴾ أي: ما تمزج به ﴿كافوراً﴾ أي: ماءٌ كافورٌ، وهو عين في الجنة، ماؤها في بياض الكافور ورائحتِه وبردِه. وفي القاموس: الكافور: نبت طيب، نَوره كنَور الأُقحوان، وطِيب معروف، يكون

стр. 3236

من شجر بجبال بحر الهند والصين، يُظل خلقاً كثيراً، وتألفه النمور، وخشبه أبيض هش، ويوجد في أجوافه الكافور، وهو أنواع، ولونها أحمر، وإنما يبيّض بالتصعيد، والتصعيد: الإذابة. هـ. وقوله تعالى: ﴿عيناً﴾ : بدل من " كافور "، وعن قتادة: تمزج لهم بالكافور، وتختم لهم بالمسك، وقيل: يخلق فيها رائحة الكافور وبياضه ويرده، فكأنها مزجت بالكافور، وهذا أنسب بأحوال الجنة، فـ " عيناً " على هذين القولين: بدل من محل (من كأس) على حذف مضاف، أي: يشربون خمر عين، أو: نصب على الاختصاص، وقوله تعالى: ﴿يشرب بها عبادُ الله﴾ : صفة لعين، أي: يشربون منها، أو: الباء زائدة، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة: " يشربها "، أو: هو محمول على المعنى، أي: يتلذذون بها، أو يروون بها، وإنما عبّر أولاً بحرف " من " وثانياً بحرف الباء؛ لأنَّ الكأس مبتداً شرابهم وأول غايته، وأمّا العين فيها يمزجون شرابهم. قاله النسفي. وقيل: الضمير للكأس، أي: يشربون العين بتلك الكأس، ﴿يُفجِّرُونها تفجيراً﴾ أي: يُجْرُونَها حيث شاؤوا من منازلهم إجراءاً سهلاً، لا يمتنع عليهم، بل يجري جرياً بقوة واندفاع. ﴿ يُوفُون بالنَّدْرٍ﴾ بما أَوجبوا على أنفسهم من الطاعات، وهو استئناف مسوق لبيان ما لأجله رُزقوا ما ذكر من النعيم، كأنه قيل: ماذا كانوا يفعلون حتى نالوا تلك الرتبة العالية؟ فقال: يُوفون بما أوجبوا على أنفسهم، فكيف بما أوجبه اللهُ عليهم؟ ﴿ويخافون يوماً كان شَرُّه﴾ ؛ شدائده أو عذابه ﴿مُسْتَطِيراً﴾ ؛ منتشراً فاشياً في أقطار الأرض غاية الانتشار، من: استطار الفجر: انتشر. ﴿ويُطعِمون الطعامَ على حُبه﴾ أي: كائنين على حب الطعام والحاجة إليه، كقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] أو: على حب الإطعام، بأن يكون ذلك بطيب النفس، أو: على حب الله، وهو الأنسب بقوله: ﴿لوجه الله﴾ ، ﴿مسكيناً﴾ ؛ فقيراً عاجزاً عن الاكتساب، أسكنه الفقرُ في بيته، ﴿ويتيماً﴾ ؛ صغيراً لا أب له، ﴿وأسيراً﴾ أي: مأسوراً كافراً. كان ﵇ يؤتى بالأسير، فيدفعه إلى بعض المسلمين، فيقول له: " أحسِن إليه " أو: أسيراً مؤمناً، فيدخل فيه المملوك والمسجون، وقد سمى رسولُ الله ﷺ الغريم أسيراً فقال: " غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك ". ثم علّلوا إطعامهم فقالوا: ﴿إِنما نُطعمكم لوجه الله﴾ أي: لطلب ثوابه، أو: هو بيان من الله تعالى عما في ضمائرهم من الإخلاص، لأنَّ الله تعالى عَلِمه منهم، فأثنى عليهم وإن لم يقولوا شيئاً، وفيه نظر؛ إذ لو كان كذلك لقال: " يطعمهم " بضمير الغيب، فالجملة على الأول محكية بقول محذوف، حال من فاعل " يُطعمون " أي: قائلين بلسان الحال أو المقال؛ لإزاحة توهم المنّ المبطل للصدقة، وتوقع المكافآت المنقصة للأجر: ﴿إنما نُطعمكم ... ﴾ الخ. وعن الصدّيقة ﵂ كانت تبعث بالصدقة، ثم تسأل الرسولَ ما قالوا، فإذا ذكر دعاءهم دعت لهم بمثله، ليبقى لها ثواب الصدقة خالصاً. ﴿لا

стр. 3237

نُريد منكم جزاء ولا شُكوراً﴾ أي: لا نطلب على طعامنا مكافأة هدية ولاثناءً، وهو مصدر: شكر شكراً وشُكوراً. ﴿إِنَّا نخافُ من ربنا﴾ أي: إنا لا نُريد منكم المكافأة لخوف عذاب الله على طلب المكافأة في الصدقة، أو: إنا نخاف من ربنا فنتصدّق لوجهه حتى نأمن من ذلك الخوف، ﴿يوماً عَبُوساً قمْطريراً﴾ ، وصف اليوم بصفة أهله، نحو: نهاره صائم. والقمطرير: الشديد العبوس، الذي يجمع ما بين عينيه، أي: نخاف عذاب يوم تعبس فيه الوجوه أشد العبوسة. ﴿ فوقاهم اللهُ شَرَّ ذلك اليوم﴾ ؛ صانهم من شدائده، لسبب خوفهم وتحفُّظهم منه، ﴿ولَّقاهم﴾ أي: أعطاهم بدل عبوس الفجار ﴿نضرةً﴾ ؛ حُسناً في الوجوه ﴿وسُروراً﴾ في القلب، ﴿وجزاهم بما صبروا﴾ ؛ بصبرهم على مشاق الطاعات، ومهاجرة المحرمات، وإيثار الغير بالعطاء في الأزمات، ﴿جنةً﴾ ؛ بستاناً يأكلون منه ما يشاؤون ﴿وحَرِيراً﴾ يلبسونه ويتزينون به. وعن ابن عباس ﵁: أنّ الحسن والحسين ﵄ مَرِضا فعادهما النبيُّ ﷺ في أّناس معه، فقالوا لعليّ ﵁: لو نذرت على ولدك، فنذر عليّ وفاطمةُ وجاريتهما ـ يقال لها: فِضة ـ إن برئا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام، فشُفيا، فاستقرض عليّ من يهودي ثلاث أصُوع من الشعير، فطحنت ﵂ صاعاً، واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل، فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني، أطعمكم اللهُ من موائد الجنة، فآثروه، وباتوا لم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صياماً، فلما أمسوا وضعوا الطعام بين أيديهم، فوقف عليهم يتيم، فأثروه، ثم وقف عليهم في الثالثة أسير، ففعلوا مثل ذلك، فلما أصبحوا أخذ بيد الحسن والحسين، وأقبلوا إلى النبي ﷺ ، فلما أبصرهم وهم يرتعشون، كالفراخ من شدة الجوع، قال ﵇: " ما أشد ما يسوؤني مما أرى بكم "، وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبريلُ ﵇ وقال: يا محمد هنّاك الله في بيتك، فأقرأه السورة. هكذا ذكر القصة الزمخشري وجمهور المفسرين، وأنكر ذلك الترمذي الحكيم في نوادره، وجزم بعدم صحتها لمخالفتها لأصول الشريعة، وعدم جريه على ما تقتضيه من إنفاق العفو، وكذا " ابْدَأ بمَن تَعُولُ " و " كفى بالمرء إثماً أن يَضيّع مَن يقوت "، وغير ذلك. هـ.

стр. 3238

قلت: ويُجاب بأنَّ هذا من باب الأحوال، وللصحابة في الإيثار أحوال خاصة بهم؛ لشدة يقينهم ﵃، وقد خرج الصدّيق ﵁ عن ماله مِراراً، وقال: (تركت لأهلي الله ورسوله) ، وكذلك فعل الصحابي الذي قال لامرأته: نوِّمِي صبيانك ليتعشّى ضيف رسول الله ﷺ الذي نزل فيه، ﴿وَيُؤْثِرُون عَلَى أَنفُسِهِمْ ... ﴾ [الحشر: ٩] الآية، وصاحب الأحوال معذور، غير أنه لا يُقتدى به في مثل تلك الحال، فإنكار الترمذي بما ذَكَر غير صحيح. ﴿ متكئين فيها﴾ ؛ في الجنة، حال من " جزاهم "، والعامل جزاء، ﴿على الأرائك﴾ ؛ على الأسِرة في الحجال، ﴿لا يَرَون فيها شمساً ولا زمهريراً﴾ لأنه لا شمس فيها ولا زمهرير ـ أي: بردٌ ـ فظِلها دائم؛ وهواها معتدل، لا حرَّ شمس يحمي، ولا شدّة بردٍ يؤذي، فالزمهرير: البرد الشديد، وقيل: القمر، في لغة طيء، أي: الجنة مضيئة لا يُحتاج فيها إلى شمس ولا قمر. وجملة النفي إمّا حال ثانية، أو: من المستكن في (متكئين) . ﴿ودانيةً﴾ : عطف على (جنة) ، أي: وجنة أخرى دانية ﴿عليهم ظِلالها﴾ ؛ قريبة منهم ظلال أشجارها؛ قال الطيبي: إنما قال: (دانية عليهم) ولم يقل " منهم "؛ لأنَّ الظلال عالية عليهم. هـ. فظلالها فاعل بدانية، كأنهم وُعدوا جنتين؛ لأنهم وُصفوا بالخوف، وقد قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ، ﴿وذًللت قُطوفُها تذليلا﴾ أي: سُخَّرت ثمارها للقائم والقاعد، والمتكىء، وهو حال من " دانية " أي: تدنو عليهم ظلالها في حال تذليل قطوفها. وقال في الحاشية: جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية؛ وفيه لطيفة: أنَّ استدامة الظل مطلوبة هناك، وأمّا الذليل للقطْف فهو على التجدًّد شيئاً بعد شيء، كلما أرادوا أن يقطعوا شيئاً منها ذل لهم، ودنا لهم، قعداً كانوا أو مضطجعين. هـ. وظاهر كلامه: أنَّ " ظلالها " مبتدأ، و " عليهم " خبر، وظاهر كلام الطيبي: أنه فاعل. والقطوف: جمع قِطْف، وهو ما يجتنى من ثمارها. ﴿ويُطاف عليهم بآنيةٍ من فضةٍ﴾ أي: يدير عليهم خَدَمُهم كؤوس الشراب، وكأنه تعالى لَمَّا وصف لباسهم، وهيئة جلوسهم، وطعامهم، ذكر شرابهم، ثم يذكر خدمهم، وما هيأ لهم من المُلك الكبير، و (آنية) : جمع إناء، وهو: وعاء الماء، ﴿وأكواب﴾ أي: مِن فضة، جمع كوب، وهو الكوز العظيم الذي لا أُذن له ولاعروة، ﴿كانت قواريراً﴾ " كان " تامة، أي: كُونت فكانت قوارير بتكوين الله. و (قواريرَ) : حال، أو: ناقصة، أي: كانت في علم الله قوارير، ﴿قواريرا من فِضةٍ﴾ : بدل من الأول، أي: مخلوقة من فضة، قال ابن عطية: يقتضي أنها من زجاج ومن فضة، وذلك ممكن؛ لكونه من زجاج في شفوفه، ومن فضة في جوهره، وكذلك فضة الجنة شفافة. هـ. فهي جامعة لبياض الفضة وحُسنها، وصفاء القوارير وشفيفها، حتى يُرى ما فيها من الشراب من خارجها. قال ابن عباس: قوارير كل أرض من تربتها، وأرض الجنة فضة. هـ. و " قوارير " ممنوع من

стр. 3239

الصرف، ومَن نَوّنه فلتناسب الآي المتقدّمة والمتأخّرة، ﴿قدَّروها تقديراً﴾ ؛ صفة للقوارير، يعني: أنَّ أهل الجنة قدَّروها في أنفسهم، وتمنوها، وأرادوا أن تكون على مقادير وأشكال معينة، موافقة لشهواتهم، فجاءت حسبما قدَّروها، تكرمةً لهم، أو: السُّقاة جعلوها على قّدْر ريّ شاربها؛ لتكون ألذّ لهم وأخف عليهم. وعن مجاهد: لا تُفيض ولا تَغيض، أو: قَدَّروها بأعمالهم الصالحة، فجاءت على حسبها. ﴿ ويُسقون فيها كأساً﴾ ؛ خمراً ﴿كان مِزَاجُهَا زَنجبِيلاً﴾ أي: ما يشبه الزنجبيل في الطعم والرائحة. وفي القاموس: الزنجبيل: الخمر، وعُروق تسري في الأرض، ونباته كالقصب والبرد، له قوة سخنة هاضمة ملينة.. الخ. قلت: وهو السكنجيبر ـ بالراء ـ ولعل العرب كانت تمزج شرابها به للرائحة والتداوي. وقوله تعالى: ﴿عيناً﴾ : بدل من " زنجبيلا "، ﴿فيها﴾ أي: في الجنة ﴿تُسمى سلسبيلا﴾ ، سُميت العين زنجبيلاً؛ لأنَّ ماءها فيه رائحة الزنجبيل، والعرب تستلذه وتستطيبه، وسميت سلسبيلاً لسلاسة انحدارها، وسهولة مساغها، قال أبو عُبيدة: ماء سلسبيل، أي: عذب طيب. هـ. ويقال: شراب سلسبيل وسَلسَال وسلَسيل، ولذلك حُكم بزيادة الباء، والمراد: بيان أنها في طعم الزنجبيل، وليس فيها مرارة ولا زعقة، بل فيها سهولة وسلاسة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إِنَّا أعتدنا للكافرين بطريق الخصوص، وهم أهل الحجاب سلاسل الأشغال والعلائق، وأغلال الحظوظ والعوائق، فلا يرحلون إلى الله وهم مكبّلون بشهواتهم، مغلولون بعوائقهم. وأعتدنا لهم سعير القطيعة والطرد. إنَّ الأبرارَ، وهم المطهرون من درن العيوب، المتجرَّدون من علائق القلوب، يشربون من كأس خمر المحبة كان مزاجها كافورَ بردِ اليقين، عيناً يشرب منها عبادُ الله المخلصون، يُفجِّرونها على قلوبهم وأرواحهم وأسرارهم تفجيراً، فتمتلىء محبةً ويقيناً، يُوفون بما عقدوا على أنفسهم من المجاهدة والمكابدة إلى وضوع أنوار المشاهدة، ويخافون يوماً كان شرُّه مستطيراً، إذ فيه يفتضح المدّعون، ويظهر المخلصون، ويُطعمون طعام الأرواح والأسرار من العلوم والمعارف، على حُبه، إذ لا شيء أعز منه عندهم، إذ هو الإكسير الأكبر، والغنى الأوفر، مسكيناً، أي: ضعيفاً من اليقين، ويتيماً لا شيخ له، وأسيراً في أيدي العلائق والحظوظ، وإنما نفعل ذلك لوجه الله، لا يريدون بذلك جزاء، أي: عِوضاً دنيوياً ولا أخروياً، ولا شكوراً؛ مدحاً أو ثناءً؛ إذ قد استوى عندهم المدح والذم، والمنع والعطاء، قائلين: إنا نخاف من ربنا، إن طلبنا عوضاً، أو قَصَّرنا في الدعاء إلى الله، يوماً شديداً تُعبّس فيه وجوه الجاهلين، وتُشرق وتتهلّل وجوه العارفين. فوقاهم اللهُ شرَّ ذلك اليوم، فصبروا قليلاً، واستراحوا كثيراً، ولقَّاهم نضرةً؛ بهجة في أجسادهم، وسُروراً دائماً في قلوبهم وأسرارهم. وجزاهم بما صبروا في أيام سيرهم جنة المعارف والزخارف، متكئين فيها على الأرائك؛ على أَسِرة القبول، وفُرُش الرضا وبلوغ المأمول، لا يَرون فيها حَرّ التدبير

стр. 3240

والاختيار ولا زمهرير الضعف والانكسار؛ لأنَّ العارف باطنه قوي على الدوام، لأنَّ مَن عنده الكنز قلبه سخين به دائماً. وقال القشيري: لا يؤذيهم شمس المشاهدة؛ لأنَّ سطوة الشهود ربما تفني صاحبها بالكلية، فيغلب عليه السُكْر، فلا يتنعّم بلذة الشهود، ولا زمهرير الحجاب والاستتار. هـ. باختصار. ودانية، أي: وجنة أخرى دانية، وهي جنة البقاء، والأُولى جنة الفناء، عليهم ظلالها، وهي روح الرضا ونسيم التسليم، وذُللت قُطوفها من الحِكَم والمواهب، تذليلاً، فمهما احتاجوا إلى علم أو حكمة أجالوا أفكارهم، فتأتيهم بطرائف العلوم وغرائب الحِكَم، ويُطاف عليهم بأواني الخمرة الأزلية، فيشربون منها في كل وقت وحين، كيف شاؤوا وحيث شاؤوا. جعلنا الله مِن حزبهم، آمين. يقول الحق ﷻ : ﴿ويطوفُ عليه ولدان﴾ أي: غلمان ينشئهم اللهُ لخدمة المؤمنين. أو: ولدان الكفرة يجعلهم الله تعالى خدماً لأهل الجنة. ﴿مخلَّدون﴾ لا يموتون، أو: دائمون على ما هم عليه من الطراوة والبهاء، ﴿إِذا رأيتهم حَسِبْتَهُم لؤلؤاً منثوراً﴾ لحُسْنهم، وصفاء ألوانهم، وإشراق وجوههم، وانبثاثِهم في مجالسهم ومنازلهم. وتخصيص المنثور لأنه أزين في المنظر من المنظوم. ﴿وإِذا رأيتَ ثَمَّ﴾ أي: وإذا وقعت منك رؤية هناك، فـ " رأيت " هنا: لازم، ليس له مفعول لا ملفوظ ولا مُقدّر، بل معناه: أنَّ بصرك أينما وقع في الجنة ﴿رأيتَ نعيماً﴾ عظيماً ﴿ومُلكاً كبيراً﴾ أي: هنيئاً واسعاً. وفي الحديث: " أَدْنَى أهل الجنةِ منزلا مَن ينظرُ في مُلكه مَسيرة ألف عام، ويَرَى أقصاهُ كما يرى أدناه "، وقال أيضاً ﷺ : " إنَّ أدنى أهل الجنة منزلاً الذي يركبُ في ألف ألف من خَدَمه من الولدان، على خيل من ياقوت أحمر، لها أجنحة من ذهب "، ثم قرأ ﵇: ﴿وإذا رأيت ثَمَّ ... ﴾ إلخ. وقيل: مُلكاً لا يعقبه زوال، وقال الترمذي: مُلك التكوين، إذا أرادوا شيئاً كان هـ. وقيل: تستأذن عليهم الملائكة استئذان الملوك. رُوي: إنَّ الملائكة تأتيهم بالتُحف، فتستأذن عليهم، حاجباً بعد حاجب، حتى يأذن لهم الآخر، فيدخلون عليهم من كل بابٍ بالتُحف والتحية والتهنئة. هـ.

стр. 3241

ثم وصف لباس أهل الجنة فقال: ﴿عَالِيَهُم ثِيَابُ سُندُسٍ﴾ فمَن نصبه جعله حالاً من الضمير في " يطوف عليهم " أي: يطوف عليهم ولدان عالياً للمطوف عليهم ثيابُ سندس، ومَن قرأه بالسكون فمبتدأ، و " ثياب " خبر، أي: الذي يعلوهم من لباسهم ثياب سندس، وهو رقيق الديباج، ﴿خُضْرٌ﴾ ؛ جمع أخضر، ﴿وإِستَبرقٌ﴾ ؛ غليظ الديباج، فمَن رفعهما حملهما على الثياب، ومَن جَرَّهما فعلى سندس. ﴿وحُلُّوا أساوِرَ من فضةٍ﴾ وفي سورة الملائكة: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ [فاطر: ٣٣] ، والجمع بينهما: بأنه يجمع في التحلية بينهما. قال ابن المسيب: (لا أحدٌ من أهل الجنة إلاّ وفي يده ثلاثة أسْوِرة، واحد من فضة، وآخر من ذهب، وآخر من لؤلؤ) أو: يختلف ذلك باختلاف الأعمال، فبعضهم يُحلّى بالفضة، وبعضهم بالذهب، وبعضهم باللؤلؤ. ﴿ وسقاهم ربُّهم﴾ ، أضيف إليه تعالى للتشريف والتخصيص، وقيل: إنَّ الملائكة يعرضون عليهم الشراب، فيأبون قبولَه منهم ويقولون: قد طال أخْذُنا مِن الوسائط، فإذا هم بكاساتٍ تُلاقِي أفواههم بغير أكفٍّ من غيبٍ إلى عَبْدٍ. هـ. قلت: ولعل هؤلاء كانوا محجوبين في الدنيا، وأمّا العارفون فالوسائط محذوفة في نظرهم مع وجودنا. فيسقيهم ﴿شراباً طهوراً﴾ أي: ليس برجْسٍ كخمر الدنيا، لأنَّ كونها رجساً بالشرع لا بالعقل، أو: لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضِرة، وتدوسه الأرجل الوسخة، والوضر: الوسخ. قال البيضاوي: يريد به نوعاً آخر، يفوق النوعين المتقدمين، ولذلك أسند سقيه إلى الله، ووصفه بالطهورية، فإنه يطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الحسية، والركون إلى ما سوى الحق، فيتجرّد لمطالعة جماله، ملتذًّا بلقائه، باقياً ببقائه، وهو منتهى درجات الصدِّيقين، ولذلك خُتِم به ثواب الأبرار. هـ. ويُقال لأهل الجنة: ﴿إِنَّ هذا﴾ أي: الذي ذكر من فنون الكرامات ﴿كان لكم جزاء﴾ في مقابلة أعمالكم الحسنة، ﴿وكان سعيُكم مشكوراً﴾ ؛ مرضياً مقبولاً عندنا، حيث قلتم للمسكين واليتيم والأسير: لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً. الإشارة: ويطوف على قلوبهم وأسرارهم جواهر العلوم، ويواقيت الحِكَم كأنها اللآلىء المنثورة، وإذا رأيتَ ثَمَّ إذا جالت فكرتك، وعامت في بحار الأحدية، رأيت ببصيرتك نعيماً من نعيم الأرواح، وهي لذة الشهود والفرح برؤية الملك الودود، ومُلكاً كبيراً، وهي عظمة الذات الأولية والآخرية، والظاهرة والباطنة. وإذا رأيتَ ذلك كان الوجود كله تابعاً لك، ينبسط ببسطك، وينقبض بقبضك، وحكمه حكمك، وأمره عند أمرك، تتصرف بهمتك على وفق إرادة مولاك، عاليَهم ثياب العز والبهاء، وثياب الهيبة والجلال؛ وحُلُّوا أساورَ من مقامات اليقين، وَسَقَاهُمْ ربُّهم شَرَاباً طَهُوراً، وهو شراب الخمرة، فإنها تطهر القلوب والأسرار من البقايا والأكدار. وقال القشيري: ويقال: يُطهرهم من محبة الأغيار، ويقال: من الغلِّ والغِشِّ

стр. 3242

والدعوى. ثم قال ويقال: مَن سقاه اليوم شرابَ محبَّتِه لا يستوحِش في وقته من شيء، ومن مقتضى شُرْبه بكأسِ محبته أن يجودَ على كل أحدٍ بالكونين من غير تمييز، لا يَبْقَى على قلبه أثرٌ للأخطار، ومَن آثر شربه بذل كله لكل أحدٍ لأجل محبوبه؛ فيكون لأصغرِ الخَدم تُرَابَ القَدَم، لا يتحرك فيه للتكبُّر عرقٌ، وقد يكون من مقتضى ذلك الشراب أيضاً في بعض الأحيان أن يَتِيه على أهل الدارين، وأن يَمْلِكَه سرورٌ، ولا يَتَمَالَكُ معه عن خَلْع العذارِ، وإلقاء قناع الحياء وإظهار ما به من المواجيد. ومن موجبات ذلك السُكْر: سقوطَ الحشمة، فيتكلم بمقتضى البسط، أو بموجب لطف السكون بما لا يستخرج منه في حال صَحْوه شُبهة بالمناقيش،، وعلى هذا قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِيا أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قالوا: سَكِرَ مِن سماع كلامه، فَنَطَقَ بذلك لسانُه، وأمّا حين يسقيهم شرابَ التوحيد فينتفي عنهم شهود كلِّ غَيْرٍ، فيهيمون في أودية العِزِّ، ويتيهون في مفاوزِ الكبرياء، وتتلاشى جملتُهم في هوى الفردانية، فلا عقلَ ولا تمييز، ولا فهمَ ولا إدراك. والعبد يكون في ابتداء الكشفِ مستوعباً، ثم يصير مستغرقاً، ثم يصير مُسْتَهلَكاً ﴿وَأَنَّ إِلَىا رَبِّكَ الْمُنتَهَىا﴾ [النجم: ٤٢] . هـ. وقال الورتجبي: فتلك الكائنات المروقات عن علل الحجاب والعتاب دارت عليها في الدنيا حتى ترجع إلى معادنها من الغيب. ثم قال: فإذا شَرِبوا تلين جلودُهم وقلوبهم إلى ذكر الله، سقاهم ذلك في الدنيا، في ميدان ذكره، بكأس محبته، على منابر أُنسه بمخاطبة الإيمان، وسقاهم في الآخرة، في ميدان قربه، بكأس رؤيته، عَلَى مَنَابِرَ مِن نورٍ بمخاطبة العيان. هـ. قلت: تفريقه بين الدنيا والآخرة غير لائق بمقام المحقِّقين من العارفين، فالعارف لم تبقَ له دنيا ولا آخرة، لم يبقَ له إلاّ الله، تتلوّن تجلياته، فما هناك هو حاصل اليوم، لولا تكثيف الحجاب. ثم يُقال لأهل التمكين: إنَّ هذا كان لكم جزاء على مجاهدتكم وصبركم، وكان سعيكم مشكوراً، وحضكم منه موفوراً. وبالله التوفيق.

стр. 3243

يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّا نحن نزَّلنا عليك القرآن تنزيلا﴾ أي: مفرّقاً منجماً، شيئاً فشيئاً، لحِكَم بالغة مقتضية لتفريقه، لا غيرنا، كما يُعرب عنه تكرير الضمير مع " إن "، فهو تأكيد لاسم إن، أو: ضمير فصل لا محل له ﴿فاصبر لِحُكم ربك﴾ في تأخير نصرك، فإنّ له عاقبة حميدة، أو: اصبر لتبليغ الرسالة، وتحمل الأذى؛ فإن العاقبة لك، ﴿ولا تُطِعْ منهم آثماً أو كفوراً﴾ أي: لا تُطع الآثم في إثمه، ولا الكافر في كفره، أي: لا تُطع كل واحد من مرتكب الإثم الداعي لك إليه، أو من الغَالي في الكفر الداعي إليه، و " أو " للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان والاستقلال به، باعتبار ما يدعون إليه، فإنَّ ترتيب الوصف على الوصفين مشعر بعليتهما، فلا بد أن يكون النهي عن الإطاعة في الإثم والكفر، لا فيما ليس بإثم ولا كفر. وقيل: الآثم: عُتبة، فإنه كان ركّاباً متعاطياً لأنواع الفسوق، والكفور: الوليد، فإنه كان غالياً في الكفر، شديد الشكيمة في العتو. والظاهر: أنّ المراد كل آثم وكافر، اي: لا تُطع أحدهما، وإذا نهى عن طاعة أحدهما لا بعينه، فقد نهى عن طاعتهما معاً، ولو كان بالواو لجاز أن يُطيع أحدهما؛ لأن الواو للجمع، فيكون منهياً عن طاعتهما، لا عن طاعة أحدهما. ﴿واذكر اسمَ ربك بُكرةً وأصيلا﴾ اي: دُم على ذكره في جميع الأوقات. وتخصيص الوقتين لشرفهما. قيل: لمّا نهى حبيبه عن طاعة الآثم والكفور، وحَثه على الصبر على آذاهم وإفراطهم في العداوة؛ عقّب ذلك بالأمر باستغراق أوقاته في ذكره وعبادته، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَكَ يَضِيقُ صَدْرَكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ ... ﴾ [الحجر: ٩٧، ٩٨] الآية، وفي إقباله راحة له من وحشته؛ لجهلهم بأنسه بربه، وقرّة عينه به. وفي ذلك أمُره بالإفراد لربه بطاعته، دون مَن يدعوه، لخلاف ذلك من ألإثم والكفور. هـ. من الحاشية. أو: بكرة: صلاة الفجر، وأصيلاً: الظهر والعصر، ﴿ومن الليل فاسجدْ له﴾ ؛ وبعض الليل فصلِّ صلاة العشاءين، ﴿وسبِّحه ليلاً طويلاً﴾ أي: تهجّد له قِطْعاً من الليل طويلاً؛ ثلثه أو نصفه أو ثلثيه. وتقديم الظرف في (مِن الليل) لِما في صلاة الليل من مزيد كلفة وخلوص. ﴿ إِنّ هؤلاء﴾ الكفرة ﴿يُحبون العاجلةَ﴾ وينهمكون في لذاتها الفانية، ويؤثرونها على الآخرة، فلا يلتفتون إلى ذكرٍ ولا صلاة، ﴿ويذرون وراءهم﴾ ؛ قدّامهم، فلا يستعدُّون له، أو: ينبذونه وراء ظهورهم، ﴿يوماً ثقيلاً﴾ ؛ شديداً لا يعبؤون به، وهو يوم القيامة؛ لأنّ شدائده تثقل على الكفار. ووصفه بالثقل لتشبيه شدته وهوله بثقل شيء فادح، وهو كالتعليل لِما أمر به ونَهَى عنه. ﴿نحن خلقناهم﴾ لا غيرنا، ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُم﴾ أي: قوّينا خِلقتهم حتى صاروا أقوياء، يُقال: رجل حسن الأسر: الخلق، وفرس شديد الأسر، أي: الخلقة، ومنه

стр. 3244

قوله لبيد: ساهِمُ الوجه شديدٌ أسْرُهُ مُشرِفُ الحاركِ محبوكُ الكَتَدْ أو: أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب، أو: أخذنا ميثاقهم على الإقرار، ﴿وإِذا شئنا بدّلنا أمثالهم تبديلاً﴾ أي: إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم وبدّلنا أمثالهم في الخلقة ممن يطيع ولا يعصي. أو: بدلنا أمثالهم تبديلاً بديعاً لا ريب فيه، وهو البعث كما ينبىء عنه كلمة (إذا) لدلالتها على تحقُّق القدرة وقوة الداعية. ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرةُ﴾ ، الإشارة إلى السورة، أو الآيات القريبة، أي: هذه موعظة بليغة، ﴿فمَن شاء اتخذ إِلى ربه سبيلاً﴾ بالتقرُّب إليه بالطاعة واتباع رسوله ﷺ ، ﴿وما تشاؤون﴾ اتخاذَ السبيل إلى الله، أو: مايشاء الكفرة ﴿إِلاّ أن يشاء الله﴾ ، وهو تحقيق للحق، ببيان أنَّ مجرد مشيئَتهم غير كافية في اتخاذ السبيل، ولا يقدرون على تحصيله في وقت من الأوقات، إلاَّ وقت مشيئته في تحصيله لهم، إذ لا دخل لمشيئة العبد إلاّ في الكسب، وإنما التأثير لمشيئة الله تعالى، ﴿إِنَّ الله كان عليما حكيماً﴾ ؛ عليماً بما يكون منهم من الأحوال، حكيماً مصيباً في الأقوال والأفعال، وهو بيان لكون مشيئته تعالى مبنية على أساس العلم والحكمة، أي: هو تعالى مبالغ في العلم والحكمة، فيعلم ما يستأهله كل أحد، فلا يشاء لهم إلاّ ما يستدعيه علمه وتقضيه حكمته. وقوله تعالى: ﴿يُدخل من يشاء في رحمته﴾ ، بيان لأحكام مشيئته، المترتبة على علمه وحكمته، أي: يُدخل في رحمته مَن يشاء أن يدخله فيها، وهو الذي يصرف مشيئته نحو اتخاذ سبيل الله تعالى، حيث يوفقه لما يؤدي إلى دخول الجنة من الإيمان والطاعة. ﴿والظالمين﴾ وهم الذين صرفوا مشيئَتهم إلى خلاف ما ذكر ﴿أعدَّ لهم عذاباً أليماً﴾ متناهياً في الإيلام، و " الظالمين " منصوب بمضمر يُفسره معنى ما بعده، أي: أهان الظالمين أعد لهم عذابا أليما. الإشارة: إنّا أنزلنا عليك أيها الخليفة القرآن، أي: الجمع على ربك في قلبك وسرك، تنزيلاً مترتباً شيئاً فشيئاً على حسب التهذيب والتدريب، فاصبرْ لحُكم ربك، أي: ما حَكَم به عليك من قهرية الجلال، وارتكاب الأهوال، ومقاسات الأحوال، فإنَّ العاقبةَ

стр. 3245

شهودُ الكبير المتعالي، وبذلُ المُهج والأرواح قليل في حقه، ولا تُطع في حال سيرك آثماً يريد أن يميلك عن قصد السبيل، أو كفوراً بطريق الخصوص يريد أن يصرفك عنها، واذكر اسم ربك، أي: استغرق أنفاسك في ذكر اسمه الأعظم، وهو الاسم المفرد؛ الله الله، فتكثر منه بكرة وأصيلاً، وآناء الليل والنهار، ومن الليل فاسجدْ له وسبَّحه ليلاً طويلاً، أي: ومن أجل ليل القطيعة اخضع وتضرَّع وسَبِّح في الأسحار، خوفاً من أن يقطعك عنه، فيظلم عليك ليل وجودك، فتحجب به عن ربك، إنَّ هؤلاء المحجوبين بوجودهم وحظوظِ نفوسهم، يُحبون العاجلة، فيؤثرون هواهم على محبة مولاهم، ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً، يوم يُساق أهل التخفيف من المريدين إلى مقعد صدق زُمراً، ويتخلّف أهل النفوس في موقف الحساب. إنَّ هذه تذكرة لمَن فتحت بصيرته وأبصر الحق وأهله، فمَن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً، بإيثار صحبته أهل الحق والتحقيق، حتى يردون به حضرة التحقُّق، لكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله، فمَن شاء عنايته أدخله في رحمة هدايته، ومَن شاء خذلانه سلك به مسلك الضلالة، والعياذ بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 3246

سورة المرسلات يقول الحق ﷻ : ﴿والمُرسلاتِ﴾ أي: والملائكة المرسلات ﴿عُرْفاً﴾ أي: بالمعروف من الأمر والنهي، وانتصابه بإسقاط الخافض، أو: فضلاً وإنعاماً، فيكون نقيض المنكر، وانتصابه على العلة، أي: أرسلهن للإنعام والإحسان، أو: متتابعة، وانتصابه على الحال، أي: يتلو بعضها بعضاً، وفي القاموس: عُرفاً، أي: بعضٌ خلف بعض. هـ. ﴿فالعاصفاتِ عَصْفاً﴾ أي: تعصفن في مُضِيهنّ عصف الرياح، ﴿والناشراتِ﴾ أجنحتها في الجو ﴿نَشْراً﴾ عند انحطاطها بالوحي، أو: الناشرات للشرائع نشراً في الأقطار، أون: الناشرات للنفوس الميتة بالكفر والجهل بما أوحين من الإيمان والعلم. ﴿فالفارقات﴾ بين الحق والباطل ﴿فرقاً﴾ ، ﴿فالملقيات﴾ ، إلى الأنبياء ﴿ذِكْراً عُذْراً﴾ للمحقّين ﴿أو نُذْراً﴾ للمبطلين، ولعل تقديم النشر على الإلقاء؛ للإيذان بكونه غاية للإلقاء، فهو حقيق بالاعتناء به. أو: والرياح المرسلات متتابعة، فتعصف عصفاً، وتنشر السحاب في الجو نشراً، وتفرّق السحاب فرقاً على المواضع التي أراد الله إن يُمطر عليها، فيلقين ذكراً، أي: موعظة وخوفاً عند مشاهدة آثار قدرته تعالى، إمّا عذراً للمعتذرين إلى الله تعالى برهبتهم وتوبتهم، وإمّا نُذراً للذين يكفرونها وينسبونها إلى الأنواء. أو يكون تعالى أقسم بآيات القرآن المرسلة إلى رسول الله ﷺ ، فعصفن سائر الكتب بالنسخ، ونشرن آثار الهدى في مشارق الأرض ومغاربها، وفرقن بين الحق والباطل، فألقين الحق في أكناف العالمين، عذراً للمؤمنين، ونُذراً للكافرين. قال ابن جزي: والأظهر في المرسلات والعاصفات: أنها الرياح؛ لأنَّ وصف الريح بالعصف حقيقة، والأظهر في الناشرات والفارقات:

стр. 3247

أنها الملائكة؛ لأنَّ الوصف بالفارقات أليق بهم، ولذلك عطف المتجانسين بالفاء، ثم عطف ما ليس من جنسهما بالواو. هـ مختصراً. ثم ذكر المُقْسَم عليه، فقال: ﴿إِنَّ ما تُوعدون﴾ أي: إن الذي تُوعدونه من مجيء يوم القيامة ونزول العذاب بكم ﴿لواقع﴾ لا محالة. الإشارة: أقسم تعالى بنفوس العارفين، المرسَلة إلى كل عصر، بما يُعرف ويُستحس شرعاً وطبعاً، من التطهير من الرذائل والتحلية بالفضائل، فعصفت البدعَ والغفلة من أقطار الأرض عصفاً، ونشرت الهداية في أقطار البلاد، وحييت بهم العباد، ففرقت بين الحق والباطل، وبين أهل الغفلة واليقظة، وبين أهل الحجاب وأهل العيان، فألقت في قلوب مَن صَحبها ذكراً حتى سرى في جميع أركانها، فأظهرت عُذراً للمنتسبين الذاكرين، ونُذراً للمنكرين، الغافلين. قال البيضاوي: أو أقسم بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها، فعصفن ما سوى الحق، ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، وفرقن بين الحق بذاته، والباطل في نفسه، فرأوا كل شيء هالكاً إلاّ وجهه، وألقين ذكراً، بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلاّ ذكر الله تعالى. هـ. يقول الحق ﷻ : ﴿فإِذا النجومُ طُمِستْ﴾ ؛ مُحيت ومُحقت، أو ذُهب بنورها. وجواب " إذا " محذوف، وهو العامل فيها، أي: وقع الفصل ونحوه، أو: وقع ما وُعدتم به. و " النجوم ": فاعل بمحذوف يُفسره ما بعده، ﴿وإِذا السماءُ فُرِجَتْ﴾ ؛ فُتحت، فكانت أبواباً لنزول الملائكة، ﴿وإِذا الجبال نُسِفَتْ﴾ ؛ قُطعت من أماكنها، وأُخذت من مقارها بسرعة، فكانت هباءً منبثاً، ﴿وإِذا الرُسل أُقِتَتْ﴾ أي: وُقتت وعُين لهم الوقت الذي يحضرون للشهادة على أممهم، فَفَجَأن ذلك الوقت، وجُمعت للشهادة على أممهم، أي: وإذا الرسل عاينت الوقت الذي كانت تنتظره، ﴿لأيَّ يوم أُجِّلَتْ﴾ أي: ليوم عظيم أخّرت وأُمهلت، وفيه تعظيم لليوم، وتعجيب من هوله. والتأجيل من الأجل، كالتوقيت من الوقت. ثم بيّن ذلك اليوم، فقال: ﴿ليوم الفصْلِ﴾ أي: أُجِّلت ليوم يفصل فيه بين الخلائق، وقال ابن عطاء: هو اليوم الذي يفصل فيه بين المرء وقرنائه وإخوانه وخِلاّنه، إلاّ ما كان منها لله وفي الله. هـ. وهو داخل في الفصل بين الخلائق، وجزء من جزئياته، ﴿وما أدراك ما يومُ الفصل﴾ أي: أيُّ شيء جعلك دارياً ما هو يوم الفصل، فوضع الظاهر موضع

стр. 3248

الضمير، تهويل وتفظيع لشأنه، ﴿ويل يومئذٍ للمكذِّبين﴾ بذلك اليوم، أي: ويل لهم في ذلك اليوم الهائل، و " ويل " أصله: مصدر منصوب بفعل سدّ مسده، لكن عدل به إلى الرفع على الابتداء، للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه للمدعوّ عليه، و " يومئذ " ظرف له، و " للمكذِّبين " خبره، أي: الويل في ذلك اليوم حاصل لهم. قال ابن عطية: وأمّا تكرير قوله تعالى: ﴿ويل يومئذ للمكذِّبين﴾ في هذه السورة، فقيل: لمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعيد على التكذيب بذلك. هـ. وهذا الآخر هو الصواب، وسيأتي التنبيه عليه في كل آية. الإشارة: إذا أشرقت شموس العرفان، وبدت أسرارُ الذات للعيان، انطمس نور نجوم علم الفروقات الكونية، والفروعات الوهمية، ولم يبقَ إلاّ علم الوحدة الذاتية ومعنى انطماسها: الغيبة عنها والفناء عنها بما هو أمتع وأحلى منها، من شهود الذات الأقدس، والاستغراق في شهود أنوارها وأسرارها. وإذا السماء، أي: سماء الأرواح فُرجت عنها ظُلمة الحس، فظهرت للعيان. واعلم أنَّ أرض الأشباح وسماء الأرواح محلهما واحد، وإنما تختلف باختلاف النظرة، فَمَن نَظَر الأشياءَ بعين الفرق في محل الحدوث تُسمى في حقه عالم الأشباح، ومَن رآها بعين الجمع في مقام القِدَم، تسمى في حقه عالم الأرواح، والمظهر واحد. وإذا الجبال؛ جبال الوهم والخيالات، أو: جبال العقل الأصغر، نُسفت، أي: تلاشت وذهبت، وإذا الرسل أي: الدعاة إلى الله من أهل التربية، أُقتت: عُين لها وقت وقوع ذلك، وهو يوم الفتح الأكبر بالاستشراف على الفناء في الذات، وأي يوم ذلك، وهو يوم لقاء العبد ربه في دار الدنيا، وهو يوم الفصل، يفصل فيه بين الخصوص والعموم، بين المقربين وأهل اليمين، بين أهل الشهود والعيان، وأهل الدليل والبرهان، ويل يومئذ للمكذِّبين بطريق هذا السر العظيم. يقول الحق ﷻ : ﴿ألم نُهلِكِ الأولينَ﴾ كقوم نوح وعاد وثمود، لتكذيبهم بذلك اليوم، وقُرىءَ بفتح النون، من: هلكه بمعنى أهلكه، ﴿ثم نُتبِعُهم الآخِرِين﴾ أي: ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بهم، لأنهم كذّبوا مثل تكذيبهم. و " ثم " وما بعده: استئناف، تهديد لأهل مكة، وقُرىءَ بالجزم عطف على " نُهلك " فيكون المراد بالآخرين المتأخرين هلاكاً من المذكورين، كقوم لوط وشعيب وموسى ﵇،

стр. 3249

﴿كذلك﴾ أي: مثل ذلك الفعل الفظيع ﴿نفعل بالمجرمين﴾ أي: بكل مَن أجرم من كل أمة، ﴿ويل يومئذٍ﴾ أي: يوم وقوع الهلاك بهم ﴿للمكذِّبين﴾ بما أوعدنا. ﴿ألم نَخْلُقْكُمْ من ماءٍ مهينٍ﴾ ؛ حقير، وهو النطفة، ﴿فجعلناه في قرارٍ مكينٍ﴾ أي: مقرّ يتمكّن فيه، وهو الرحم، ﴿إِلى قَدَرٍ معلوم﴾ ؛ إلى مقدار معلوم من الوقت، قدّره اللهُ تعالى في أزله، لا يتقدّم عليه ولا يتأخر عنه، وهو تسعة أشهر في الغالب، أو أكثر أو أقل على حسب المشيئة، ﴿فقدّرنا﴾ ذلك تقديراً لا يتبدل، أو: فَقَدرْنا على ذلك ﴿فَنِعْمَ القادرون﴾ أي: المقدِّرون له نحن، أو: فنعم القادرون على أمثال ذلك، ﴿ويل يومئذ للمُكذِّبين﴾ لقدرتنا على ذلك، أو: على الإعادة، أو: بنعمة الفطرة من النشأة الدالة على صدق الوعيد بالبعث. ﴿ألم نجعل الأرضَ كِفَاتاً﴾ ؛ ... وجامعة، والكِفَات: اسم ما يَجمع ويضم، من: كَفَتَ شعره: إذا ضمه بخرقة، كالضمام والجماع لما يَضُمّ ويجمع، أي: ألم نجعلها كفاتاً تكفت ﴿أحياءً﴾ كثيرة في ظهرها ﴿وأمواتاً﴾ غير محصورة في بطنها. ونظر الشعبي إلى الجبانة فقال: هذه كِفَاتُ الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كِفَات الأحياء. هـ. ولمّا كان القبر كفاتاً كالبيت قُطع مَن سَرق منه. و " أحياء وأمواتاً " منصوبان بـ " كِفاتاً " لأنه في معنى اسم الفاعل، أي: كافتة أحياء وأمواتاً، أو: بفعل محذوف، أي: تكفت على الحال، أي: تكفتهم في حال حياتهم ومماتهم. ﴿ وجعلنا فيها رواسيَ﴾ ، أي: جبالاً ثوابت ﴿شامخاتٍ﴾ ؛ طوالاً شواهق، ووصْفُ جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مطرد، وتنكيرها للتفخيم، وللإشعار بأنَّ فيها ما لم يُعرف، ﴿وأسقيانكم ماءً﴾ بأن خلقنا فيها أنهاراً ومنابع ﴿فُراتاً﴾ ؛ عذباً صافياً ﴿ويل يومئذ للمُكذِّبين﴾ بأمثال هذه النِعم العظيمة. الإشارة: ألم نُهلك الجبابرة الأولين، المتكبرين على الضعفاء والمساكين، ثم نُتبعهم الآخرين، كذلك نفعل بالمجرمين في كل زمان، أو: ألم نُهلك الغافلين المتقدمين والمتأخرين، بموت قلوبهم وأرواحهم، بالانهماك في الشهوات، كذلك نفعل بالطغاة المتكبرين، ويل يومئذ للمكذِّبين الشاكّين في وقوع هذا الوعيد. ألم نخلقكم من مآء مهين حقير؟ فكيف تتكبّرون وأصلكم حقير، وآخركم لحم منتن عقير؟ ولعليّ كرّم الله وجهه: مَا لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بينهما يحمل العذرة. هـ. هذا في الصورة البشرية، وأمّا الروح السارية فيها، فأصلها عز وشرف، فمَن غلبت روحُه على بشريته، وعقله على هواه، التحق بالملائكة الكرام في الشرف والنزاهة، ومَن غلبت بشريتُه على روحانيته، وهواه على عقله، التحق بالبهائم في الخسة والدناءة.

стр. 3250

ألم نجعل أرض البشرية جامعة للقلوب والأرواح والأحياء بالعلم والمعرفة، حين غلبت الروح والعقل على البشرية والهوى، وللنفوس والقلوب الميتة، حين غلب الهوى. وجعلنا فيها رواسي من العقول الثابتة، لتميز بين النافع الضار، وأسقيانكم من ماء العلوم التي تحيا به القلوب والأرواح، ماءً عذباً لمَن وفّقه اللهُ لشُربه على أيدي الرجال. ويل يومئذ للمكذِّبين بها، فإنه يعيش ظمآناً، ويموت عطشاناً، والعياذ بالله. يقول الحق ﷻ للكفرة المكذِّبين: ﴿انطلِقوا﴾ أي: سيروا ﴿إِلى ما كنتم به تُكَذِّبون﴾ من النار المؤبَدة عليكم، ﴿انطلقوا إِلى ظِلًّ﴾ ؛ دخان جهنم ﴿ذي ثَلاثٍ شُعَبٍ﴾ ، يتشعّب لِعظَمه ثلاث شعب، كما هو شأن الدخال العظيم، تراه يتفرّق ذوائب، وقيل: يخرج لسان من النار يحيط بالكفار كالسرداق، ويتشعّب من دخانها ثلاث شُعب، فتُظلم حتى يفرغ من حسابهم، والمؤمنون في ظل العرش. قيل: الحكمة في خصوصية الثلاث: أن حجاب النفس عن أنوار القدس ثلاث، الحس والخيال والوهم، وقيل: إنّ المؤدِّي إلى هذا العذاب هو القوة الوهمية الشيطانية، الحالة في الدماغ، والقوة الغضبية التي عن يمين القلب، والقوة الشهوانية البهيمية التي عن يساره، ولذلك قيل: تقف شُعبة فوق الكافر، وشُعبة عن يمينه، وشُعبة عن يساره. ثم وصف ذلك الظل بقوله: ﴿لا ظليلٍ﴾ أي: لا مُظِلّ من حرّ ذلك اليوم أو من حرّ النار، ﴿ولا يُغنِي من اللهب﴾ أي: وغير مغنٍ عن حر اللهب شيئاً لعدم البرودة فيه، وهذا كقوله: ﴿وَظِلٍ مِن يَحْمُومٍ لاَّ بَارٍدٍ َولآ كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣، ٤٤] ، ﴿إِنها ترمي بشَرَرٍ﴾ وهو ما تطاير من النار ﴿كالقَصْرِ﴾ في العِظم، أي: كل شررة كقصر من القصور في العِظم. وقيل: هو الغليظ من الشجر، الواحدة: قَصْرةٌ، كجمْر وجمرة، ﴿كأنه جمالاتٌ﴾ جمع جَمَلَ. وقرأ أهل الكوفة، غير شعبة " جِمَالةٌ " وهو أيضاً جمع جَمَل، وجمالات جمع الجمع. ﴿صُفرٌ﴾ فإنَّ الشرار لِما فيه من النار يكون أصفر، وقيل: سود؛ لأنَّ سواد الإبل يضرب إلى الصفرة، والأول تشبيه لها في العِظم، وهذا في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط. وقيل: الضمير في " إنه " يعود إلى القصر، فيذهب به إلى تصوير عجيب وتطوير غريب. شبهت الشرارة حين تنقض من النار في العظم بالقصر، ثم شبّه القصر

стр. 3251

المشبّه به، حين يأخذ في الارتفاع والانبساط، بأن ينشق عن أعداد لا نهاية لها بالجمالات المتكاثرة، فيتصوّر فيها حينئذٍ العِظَم أولاً، والانشقاق مع الكثرة والصُفرة والحركة ثانياً، فيبلغ بالتشبيه إلى الذروة العليا. هـ. من الحاشية. ﴿ ويل يومئذٍ للمكذّبين﴾ بنارٍ هذه صفتها مع شواهد القدرة على ذلك وعلى أكبر منه، ﴿هذا يومُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ ، الإشارة إلى وقت دخولهم النار، أي: هذا يوم لاينطقون فيه بشيءٍ، إمَّا لأنَّ السؤال والجواب والحساب قد انقضت قبل ذلك، ويوم القيامة طويل، له مواطن ومواقيت، فينطقون في وقتٍ دون وقتٍ، فعبّر عن كل وقت بيوم، أو: لا ينطقون بشيءٍ ينفعهم، فإنَّ ذلك كلا نُطق. وقُرىءَ بنصب اليوم، أي: هذا الذي ذكروا وقع يومَ لاَ يَنطِقُونَ، ﴿وَلاَ يُؤذَنُ لهم﴾ في الاعتذار ﴿فيعتذِرُون﴾ : عطف على " يُؤذَن " منخرط في سلك النفي، أي: لا يكون لهم إذن ولا اعتذار يتعقب له، وليس الإذن سبباً للأعتذار وإلاّ لنصب. قال الطيبي عن صاحب الكشف: التقدير: هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ بمنطق ينفعهم، ولا يعتذرون بعذرٍ يدفع عنهم، فـ " يعتذرن " داخل في النفي، ولو حملناه على الظاهر لتَنَاقض؛ لأنه يصير: هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ فيعتذرون؛ لأن الاعتذار نُطق أيضاً. هـ. ﴿ويل يومئذٍ للمكذِّبين﴾ بالبعث وما بعده. ﴿هذا يومُ الفَصْلِ﴾ بين الحق والباطل، أو: بين المُحق والمُبطل، ﴿جمعناكم﴾ فيه، والخطاب لأمة محمد ﷺ ﴿والأولينَ﴾ من الأمم، فيقع الفصل بين الخلائق، ﴿فإِن كان لكم كَيْدٌ﴾ هنا كما كان في الدنيا ﴿فكِيدُونِ﴾ فإنَّ جميع مَن كنتم تُقلدون وتقتدُون بهم حاضرون معكم. وهذا تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا، وإظهار لعجزهم هناك، ﴿ويل يومئذٍ للمكذِّبين﴾ بهذا، حيث أظهر ألاَّ حِيلة لهم في الخلاص من العذاب. الإشارة: انطلِقوا إلى ضد ما كنتم به تُكذِّبونن مِن رفع درجات المجتهدين المقربين وسقوط درجة البطالين، فانحطوا إلى نار البُعد والحجاب. وتكذيبهم بذلك هو من حيث لم يعملوا بمقتضاه. انطلقوا إلى ظل الحجاب، ذي ثلاث شُعب، تشعب عليه الحجاب، وانسدل عليه ثلاث مرات، ظِل حجاب الغفلة، وظِل حجاب الهوى، وظِل حجاب حس الكائنات. لا ظليل؛ ليس فيه نسيم القُرب، ولا برد الرضا والتسليم، ولا يُغني من لهب حر القطيعة والبُعد، أو حرّ التدبير والاختيار، إنها ترمي بشررٍ، مَن كان باطنه في نار القطيعة رمَى بشررها على ظاهره، فيظهر منه الغضب والقسوة والغِلظة والفظاظة. قال القشيري: يُشير إلى ما يترتب على هذه الشُعب من الأوصاف البهيمية والسبُعية والشيطانية، وأنَّ كل صفة منها بحسب الغلظة والشدة، كالقصور المرتفعة، والبروج المشيّدة، كأنه جمالات عظيمة الهيكل، طويلة الأثر، صُفر من شدة قوة النارية في ذلك الشرر، وهي القوة الغضبية. ويل يومئذ للمكذِّبين بهذه التشبيهات اللطيفة والإشعارات الظريفة، المنبئة عن الحقائق والدقائق. هـ.

стр. 3252

هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ من شدة تحيرهم، وقوة دهشهم، وَلاَ يُؤذن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ عن بطالتهم وتقصيرهم وقلة استعدادهم لهذا اليوم. ﴿ويل يومئذ للمكذِّبين﴾ قال القشيري: لأنهم أفسدوا الاستعداد، بالركون إلى الدنيا وشهواتها، والميل عن الآخرة ودرجاتها. هـ. هذا يوم الفصل بين أهل الجد والاجتهاد، وأهل البطالة والفساد، أو بين أهل القرب والوصال، وبين أهل البُعد والانفصال، أو بين أهل الشهود والعيان وأهل الدليل والبرهان، أو: بين المقربين وعامة أهل اليمين، جمعناكم والأولين، فيقع التمييز بين الفريقين من المتقدمين والمتأخرين، فإن كان لكم كيد وحيلة ترتفعون بها إلى درجات المقربين، فكيدونن ولا قُدرة على ذلك، حيث فاتهم ذلك في الدنيا. ويل يومئذ للمكذَّبين بهذا الفصل والتمييز. يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّ المتقين﴾ الكفرَ والتكذيب ﴿في ظلالٍ﴾ ممدودة ﴿وعيون﴾ جارية ﴿وفواكهَ مما يشتهون﴾ ؛ مما يستلذون من فنون الترفُّه وأنواع التنعُّم. يقال لهم: ﴿كُلوا واشربوا﴾ ، فالجملة: حال من الضمير المستقر في الظرف، أي: هم يستقرُّون في ظلالٍ مقولاً لهم: ﴿كلوا واشربوا هنيئاً﴾ لا تباعة عليه ولا عتاب، ﴿بما كنتم تعملون﴾ في الدنيا من الأعمال الصالحة، ﴿إنَّا كذلك﴾ أي: مثل هذا الجزاء العظيم ﴿نجزي المحسنينَ﴾ في عقائدهم وأعمالهم، فأحسِنوا تنالوا مثل هذا أو أعظم. ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ بهذا، حيث نال المؤمنون هذا الجزاء الجزيل، وبقوا هم في العذاب المخلَّد الوبيل. ويُقال لهم في الدنيا على وجه التحذير: ﴿كُلوا وتمتعوا﴾ كقوله: ﴿اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] أو: في الآخرة، أي: الويل ثابت لهم، مقولاً لهم ذلك، تذكيراً لهم بحالهم في الدنيا، بما جَنوا على أنفسهم من إيثارهم المتاع الفاني عن قريب على التمتُّع الخالد، أي: تمتّعوا زمناً ﴿قليلاً﴾ أو متاعاً قليلاً، لأنَّ متاع الدنيا كله قليل، ﴿إِنكم مجرمون﴾ أي: كافرون، أي: إنَّ كلّ مجرم يأكل ويتمتّع أياماً قلائل، ثم يبقى في الهلاك الدائم. ﴿ويل يومئذ للمكذِّبين﴾ ، زيادة توبيخ وتقريع، أو: ويل يومئذ للمكذِّبين الذين كذَّبوا. ﴿وإِذا قيل لهم اركعوا﴾ أي: أطيعوا الله واخشعوا وتواضعوا لله، بقبول وحيه واتباع رسوله، وارفضوا هذا الاستكبار والنخوة، ﴿لا يركعون﴾ ؛ لا يخشعون ولا يقبلون ذلك،

стр. 3253

ويُصرون على ماهم عليه من الاستكبار. وقيل: وإذا أُمروا بالصلاة لا يفعلون، إذ رُوي أنها نزلت حين أمر رسولُ الله ﷺ ثقيفاً بالصلاة، فقالوا: لا ننحني، فإنها خسّة علينا، فقال ﷺ : " لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود " وقيل: هو يوم القيامة، حين يُدْعَوْن إلى السجود فلا يستطيعون. ﴿ ويل يومئذ للمكذِّبين﴾ بأمره ونهيه. وفيه دلالة على أنَّ الكفار مخاطبون بالفروع. ﴿فبأيِّ حديث بعده﴾ أي: بعد القرآن الناطق بأحاديث الدارين، وأخبار النشأتين، على نمط بديع، ولفظ بليغ مُعجِز، مؤسس على حُجج قاطعة، وأنوار ساطعة، فإذا لم يؤمنوا به ﴿فبأي حديثٍ بعده يؤمنون﴾ أي: إن لم يؤمنوا بالقرآن، مع أنه آية مبصرة، ومعجزة باهرة، من بين الكتب السماوية، فبأي كتاب بعده يؤمنون؟ فينبغي للقارىء أن يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. الإشارة: إنَّ المتقين ما سوى الله في ظلال التقريب، وبرد التسليم، ونسيم الوصال، فما أطيب نسيمهم، وما ألذ مشربهم، كما قال الشاعر: يا نسيمَ القُرب ما أطيبكا ذاق طعم الأُنس مَن حَلَّ بكا أيُّ عيشٍ لأناس قُرِّبوا قد سُقوا بالقدس من مشربكا ﴿وعيون﴾ أي: مناهل الشرب من رحيق الوجدان، وفواكه النظر، مما يشتهون، أي: وقت يشتهون، كُلوا من رزق أرواحكم وأسراركم، وهو الترقي في معاريج العرفان، وأشربوا من رحيق أذواقكم، هنيئاً بما كنتم تعملون أيام مجاهدتكم، إنَّا كذلك نجزي المحسنين المتقين علومَهم وأعمالَهم. ويل يومئذ للمكذِّبين بطريق هذا المقام الرفيع، يُقال لهم: كُلوا وتمتّعوا وانهمكوا في الشهوات أياماً قلائل، إنكم مجرمون، وسيندم المفرّط إذا حان وقت الحصاد. وإذا قيل لهم: اخضعوا لمَن يُربيكم ويُرقيكم إلى تلك المراتب العلية المتقدمة للمتقين، لا يخضعون، فالويل لهم على تكذيبهم، فبأي حديث وأيّ طريق بعد هذا يؤمنون، وأيّ طريق يسلكون، وبأيّ كتاب يهتدون؟ إن حادوا عن طريق السلوك على أيدي الرجال، فماذا بعد الحق إلاّ الضلال. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

стр. 3254

سورة النبأ يقول الحق ﷻ : ﴿عَمّ يتساءلون﴾ ، وأصله: " عمّا " فحذفت الألف، كما قال في الألفية: وما في الاسْتِفهامِ إن جُرَّت حُذِفْ أَلِفهَا وأَوْلهَا الها إنْ تَقْفِ وحذفها إمّا للفرق بين الاستفهامية والموصولة، أو للتخفيف، لكثرة الاستعمال، وقُرىء بالألف على الأصل، أي: عن شيءٍ يتساءلون. والضمير لأهل مكة، وكانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم، يسأل بعضُهم بعضاً، ويخوضون فيه إنكاراً واستهزاءً، وليس السؤال عن حقيقته، بل عن وقوعه، الذي هو حال من أحواله، ووصف من أوصافه، فإنَّ " ما " كما يُسأل بها عن الحقيقة يُسأل بها عن الصفة، فتقول: ما زيد؟ فيقال: عالم أو طبيب. وقيل: النبأ العظيم هو القرآن، عجب من تساؤلهم واختلافهم وتجادلهم فيه. والاستفهام للتفخيم والتهويل والتعجيب من الجدال فيه، مع وضوح حقه وإعجازه الدالّ على صدق ما جاء به، وأنه من عند الله، فكان ينبغي ألاّ يجادل فيه، ولا يتساءل عنه، بل يقطع به ولا يشك فيه، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَؤاْ عَظِيمُ﴾ [صا: ٦٧] الآية. وقال الورتجبي: النبأ العظيم: كلامه القديم، عظيم بعظم الله القديم، لا يَنال بركته إلاّ أهل الله وخاصته. هـ. وقيل: كانوا يسألون المؤمنين، فالتفاعل قد يكون من واحد متعدد، كما في قولك: تراؤوا الهلال. انظر أبا السعود.

стр. 3255

وقوله: ﴿عن النبأ العظيم﴾ يتعلق بمحذوف، دلّ عليه ما قبله، فيوقف على " يتساءلون " ثم ليستأنف " عن النبأ ... " الخ، أي: يتساءلون عن الخبر العظيم، وهو البعث وما بعده، أو القرآن، فتكون المناسبة بين السورتين قوله: ﴿فَبِأَيْ حَدِيِث بَعْدَهُ يُؤْمِنُون﴾ [المرسلات: ٥٠] مع قوله: ﴿عن النبأ العظيم﴾ ، والأحسن: أنه كل ماجاءت به الشريعة من البعث والتوحيد والجزاء وغير ذلك. قال ابو السعود: هو بيان لشأن المسؤول عنه، إثر تفخيمه بإبهام أمره، وتوجيه أذهان السامعين نحوه، وتنزيلهم منزلة المستفهمين، لإيراده على طريقة الاستفهام من علاّم الغيوب، للتنبيه على أنه لعدم نظيره خارج عن دائرة علم الخلق، حقيق بأن يُعتنى بمعرفته ويُسأل عنه، كأنه قيل: عن أي شيء يتساءلون، هل أُخبركم به، ثم قيل بطريق الجواب: عن النبأ العظيم، على منهاج قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] فـ " عن " متعلقة بما يدل عليه المذكور، وحقه أن يُقَدَّر مؤخراً، مسارعة إلى البيان، هذا هو الحقيق بالجزالة التنزيلية، وقد قيل: هي متعلقة بالمذكور، و " عَمَّ " متعلق بمضمر مفسَّر به، وأيّد ذلك بأنه قُرِىء " عمَّه "، والأظهر: أنه مبني على إجراء الوصل مجرى الوقف، وقيل: " عن " الأولى للتعليل، كأنه قيل: لِمَ يتساءلون عن النبأ العظيم؟ والنبأ: الخبر الذي له شأن وخطر. هـ. ﴿ الذين هم فيه مختلفون﴾ ، فمنهم مَن يقطع بإنكاره، ومنهم مَن يشك، فمنهم مَن يقول: ﴿مَاهِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] ومنهم مَن يقول: ﴿مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] ومنهم مَن يُنكر المعادين معاً، كهؤلاء، ومنهم مَن يُنكر المعاد الجسماني، كبعض أهل الكتاب. أو: في القرآن، فمنهم مَن يقول: سحر، ومنهم مَن يقول: كهانة، ومنهم مَن يقر بحقيّته، ويُنكره حسداً وتكبُّراً. والضمير في " هم فيه " للتأكيد، وفيه معنى الاختصاص، ولم يكن لقريش اختصاص بالاختلاف، لكن لمّا كان خوضهم فيه أكثر، وتعقبهم له أظهر، جعلوا كأنهم مخصوصون به. هـ. قاله الطيبي. فـ " فيه " متعلق بـ " مختلفون "، قُدِّم اهتماماً به ورعاية للفواصل، وجعل الصلة جملة اسمية للدلالة على الثبات، أي: هم راسخون في الاختلاف، وقيل: المراد بالاختلاف: مخالفتهم للنبي ﷺ في إثباته، حيث أنكروه، فيحمل الاختلاف على صدور الفعل من متعدد، لا علَى مخالفة بعضهم لبعض من الجانبين، لأنَّ الكل وإن استحق الردع والوعيد، لكن استحقاق كل جانب لهما ليس لمخالفته للجانب الآخر، إذ لا حقيّة في شيء منهما حتى يستحق مَن يخالفه المؤاخذة، بل لمخالفته له ﷺ في إثباته. هـ. انظر أبا السعود. ﴿كلاَّ﴾ ، ردع عن الاختلاف والتساؤل بالمعنى المتقدم، ﴿سيعلمون﴾ عن قريبٍ حقيقة الحال إذا حلّ بهم العذاب والنكال، ﴿ثمَّ كلاَّ سيعلمون﴾ ، تكرير للردع والوعيد للمبالغة في التأكيد والتشديد. والسين للتقريب والتأكيد. و " ثم " للدلالة على أنَّ الوعيد

стр. 3256

الثاني أبلغ وأشد، وقيل: الأول عند النزع، والثاني عند القيامة، وقيل: الأول للبعث، والثاني للجزاء. وقُرىء " ستعلمون " بالخطاب على نهج الالتفات، تشديداً للردع والوعيد، لا على تقدير: قل لهم؛ للإخلال بجزالة النظم الكريم. الإشارة: إن ظهرت أنوار الطريق، ولاحت أسرار أهل التحقيق، كثر الكلام بين الناس فيها، والتساؤل عنها، فيُقال في شأنهم، عمَّ يتساؤلون عن النبأ العظيم، الذي هو ظهور الحق وشهوده، الذي هم فيه مختلفون، فمنهم مَن يُنكره رأساً، ومنهم مَن يُقره في الجملة، ويقول: هم لقوم أخفياء لا يعرفهم أحد، كلاَّ سيعلمون يوم تحق الحقائق وتبطل الدعاوى، ويندم المفرط، حيث لا ينفع الندم وقد زلّت به القدم. يقول الحق ﷻ : ﴿ألم نجعل الأرضَ مِهاداً﴾ أي: بساطاً وفراشاً، فرشناها لكم حتى سكنتموها. وقُرىء " مَهْداً " تشبيهاً لها بمهد الصبي، وهو ما يمهّد له لينام عليه، تسمية للممهود بالمصدر. ولمّا أنكروا البعث قيل لهم: ألم يَخلُق مَن أضيف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة، فلِمَ تُنكرون قدرته على البعث؟ وما هو إلا اختراع مثل هذه الاختراعات، أو: قيل لهم: لِمَ فعل هذه الأشياء، والحكيم لا يفعل شيئاً عبثاً، وإنكارُ البعث يؤدّي إلى أنه عابث في كل ما فعل؟ ومن هنا يتضح أنَّ الذي وقع عنه التساؤل هو البعث، لا القرآن أو نبوة النبي ﷺ كما قيل. والهمزة للتقرير. والالتفات إلى الخطاب على القراءة المشهورة للمبالغة في الإلزام والتبكيت. ﴿والجبالَ أوتاداً﴾ للأرض، لئلا تميد بكم، فأرساها بها كما يُرسى البيت بالأوتاد، ﴿وخلقناكم أزواجاً﴾ ذكراً وأنثى، ليسكن كل من الصنفين إلى الآخر، وينتظم أمر المعاشرة والمعاش، ويتيسر التناسل. وقيل: خلقناكم أصنافاً وأنواعاً في ألوانكم وصوركم وألسنتكم، وهو عطف على المضارع المنفي، داخل في حكم التقرير، فإنه في قوة: إنما جعلنا الأرض.. الخ. ﴿وجعلنا نَومكم سُباتاً﴾ أي: راحة لكم، أو: قطعاً للأعمال والتصرُّف، فتريحون أبدانكم به من التعب. والسبْت: القطع. أو: موتاً؛ لِما بينهما من المشاكلة التامة في انقطاع أحكام الحياة، وعليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ﴾ [الأنعَام: ٦٠] وقوله: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] .

стр. 3257

﴿وجعلنا الليلَ لباساً﴾ يستركم بظلامه، كما يستركم اللباس، شبّهه بالثياب التي تلبس، لأنه يستر عن العيون، وقيل: المراد به ما يستتر به عند النوم من اللحاف ونحوه. ﴿وجلعنا النهارَ معاشاً﴾ أي: وقت حياة تتمعشون فيه من نومكم، الذي هو أخو الموت، كقوله: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً﴾ [الفرقان: ٤٧] أي: تنتشرون فيه من نومكم، أو تطلبون فيه معاشكم، وتتقلبون في حوائجكم، على حذف مضاف، أي: ذا معاش. ﴿ وبنينا فوقكم سَبْعاً شِداداً﴾ أي: سبع سموات، قوية الخلق، محكمة البناء، لا يؤثّر فيها مرّ الدهور، ولا المرور والكرور. والتعبير عنها بالبناء مبني على تنزيلها منزلة القبة المضروبة على الخلق، وهو يؤيد كونها الأفلاك المحيطة. ﴿وجعلنا﴾ فيها ﴿سِراجاً وهَّاجاً﴾ أي: مضيئاً وقّاداً، أي: جامعاً للنور والحرارة، وهو الشمس، والوهَّاج: الوقّاد المتلألىء، من: وهجت النار إذا أضاءت، أو البالغ في الحرارة، من: الوهج، وهو الحر. والتعبير عنها بالسراج مناسب للتعبير عن السموات بالبناء، فالدنيا بيت وسراجه الشمس بالنهار والقمر والنجوم بالليل. والجعل هنا بمعنى الإنشاء والإبداع، كالخلق، غير أنَّ الجعل مختص بالإنشاء التكويني، وفيه معنى التقدير والتسوية. ﴿وأنزلنا من المُعْصِرات﴾ أي: السحاب إذا أعصرت، أي: شارفت أن يعصرها الرياح فتمطر، ومنه: أعصرت الجارية: إذا دنت أن تحيض، والرياح: إذا حان لها أن تعصر السحاب، وقد جاء: أنَّ الله تعالى يبعث الرياح، فتحمل الماء إلى السحاب فتعصره كما يعصر الماء من الجفافة، أي: أنزلنا من السحاب ﴿ماءً ثَجَّاجاً﴾ أي: منصباً بكثرة، يقال: ثج الدم، أي: أساله، ومنه قوله ﷺ : " أفضل الحج العجّ والثج " أي: رفع الصوت بالتلبية، وصب دم الهَدْي. ﴿لنُخرج به﴾ ؛ بذلك الماء ﴿حباً﴾ يُقتات به، كالحنطة والشعير، ونحوهما ﴿ونباتاً﴾ يُعلف، كالتبن والحشيش. قال الطيبي: النبات أريد به النابت. وتقديم الحب مع تأخره في الإخراج لشرفه؛ لأنَّ غالبة قوت الإنسان. ﴿وجناتٍ﴾ ؛ بساتين، من: جنّة إذا ستره، فالجنة تطلق على ما فيه النخل والشجر المتكاثف، لأنه يستر الأرض بظل أشجاره، وقال الفراء: الجنة ما فيه النخل، والفردوس مافيه الكرم. و ﴿ألفافاً﴾ صفة، أي: ملتفّةَ الأشجار، واحدها: " لِفّ " ككِن وأكنان، أو: لَفيف، كشريف وأشراف، أو: لا واحد له، كأوْزاع وأضياف، أو جمع الجمع، فألفاف جمع " لُفّ " بالضم، و " لُفّ " ـ جمع " لَفَّاء " كخُضر وخضراء، واللِّفُ: الشجر الملتف. قال أبو السعود: اعلم أنَّ فيما ذكر تعالى من أفعاله دلالة على صحة البعث من ثلاثة أوجه:

стр. 3258

الأول: باعتبار قدرته تعالى، فإنَّ مَن قَدَر على إنشاء هذه الأفعال البديعة، من غير مثالٍ يُحتَذِيه ولا قانون ينتحيه، كان على الإعادة أقدر وأقوى. الثاني: باعتبار علمه وحكمته، فإنَّ مَن أبدع هذه المصنوعات على نمط رائع، مستتبع لغايات جليلة، ومنافع جميلة، عائدة إلى الخلق، يستحيل أن يخليها من الحكمة بالكلية، ولا يجعل لها عاقبة باقية. والثالث: باعتبار نفس الفعل، فإنَّ في اليقظة بعد النوم أنموذجاً للبعث بعد الموت، يشاهدونها كل يوم، وكذا إخراج الحب والنبات من الأرض الميتة، يعاينونه كل حين، شاهد على إخراج الموتى من القبور بعد الفناء والدثور، كأنه قيل: ألم يفعل هذه الأفعال الآفاقية والأنفسية، الدالة بفنون الدلالات على حقيّة البعث، الموجبة للإيمان به، فما لكم تخوضون فيه إنكاراً، وتتساؤلون عنه استهزاءً؟ هـ. الإشارة: ألم نجعل أرضَ البشرية مِهاداً للعبودية والقيام بآداب الربوبية، وجبالَ العقل أوتاداً، يسكنونها لئلا يميلها الهوى عن الاعتدال في الاستقامة وخلقناكم أزواجاً أصنافاً؛ عارفين وعلماء، وعُبَّاداً وزُهَّاداً، وصالحين وجاهلين، وعصاة وكافرين، وجعلنا نومَكم، اي: سِنَتكم عن الشهود، بالميل إلى شيء من الحس في بعض الأوقات، سُباتاً، أي: راحة للقلوب، لأنَّ دوام التجلَّي يمحقُ البشرية، وفي الأثر: " رَوِّحوا قلوبكم بشيءٍ من المباحات " أو كما قال ﵊. أو: نومَكم الحسي راحة للأبدان، لتنشط للعبادة، وجعلنا ليل القطيعة لباساً ساتراً عن الشهود، وجعلنا نهارَ العيان معاشاً؛ حياة للأرواح والأسرار، وبنينا فوقكم سبعَ مقامات شِداداً صعاباً، فإذا قطعتموها وترقيتم عنها أفضيتم إلى فضاء الشهود، وهي التوبة النصوح، والورع، والزهد، والصبر على مجاهدة النفس، وخرق عوائدها، والتوكُّل، والرضا، والتسليم، وجعلنا في قلوبكم بعد هذه المقامات سِراجاً وهّاجاً، وهي شمس العرفان لا تغرب أبداً، وأنزلنا من سماء الغيوب ماء ثجّاجاً، تحيى به الأوراح والأسرار، وهو ماء الواردات الإلهية، والعلوم اللدنية، لنُخرج به حبًّا؛ حِكماً لقوت الأرواح، ونباتاً؛ علوماً لقوت النفوس، وجنات: بساتين التوحيد، مشتملة على أشجار ثمار الأذواق وظلال التقريب. يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّ يومَ الفَصْلِ﴾ بين الخلائق، فيتميز المحسن من المسيء، والمحقّ من المبطل، ﴿كان﴾ في علم الله تعالى وتقديره ﴿ميقاتاً﴾ ؛ وقتاً محدوداً، ومُنتهى معلوماً لوقوع الجزاء، أو: ميعاداً لجمع الأولين والآخرين، وما يترتب عليه من الجزاء ثواباً وعقاباً، لا يكاد يتخطاه بالتقدُّم ولا بالتأخُّر، وهو ﴿يوم ينفخ في الصور﴾ نفخة ثانية، فـ " يوم " بدل من " يوم الفصل "، أو عطف بيان له، مفيد لزيادة تخفيمه وتهويله في تأخير الفصل، فإنه زمان ممتد، في مبدئه النفحة، وفي بقيته الفصل وآثاره. والصُور: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل. عن أبي هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: " لَمَّا خَلَقَ الله السموات والأرض خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضع له على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، حتى يؤمر بالنفخ فيه، فيؤمر به، فينفخ نفخةً لا يبقى عندها في الحياة غير ما شاء الله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّماواتِ ... ﴾ [الزمر: ٦٨] الآية، ثم يؤمر بأخرى، فينفخ نفخه لا يبقى معها ميت إلاَّ بُعث وقام، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمََّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] . " والفاء في قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ﴾ فصيحة تفصح عن جملة حُذفت ثقةً بدلالة الحال عليها، وإيذاناً بغاية سرعة الإتيان، كما في قوله تعالى: ﴿أّنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أي: فتبعثون من قبوركم فتأتون عقب ذلك من غير لبث ﴿أفواجاً﴾ ؛ جماعات مختلفة الأحوال، متباينة، الأوضاع، حسب اختلاف أعمالكم وتباينها، مِن راكب، وطائر، وماش خفيف وثقيل، ومكب على وجهه، وغير ذلك من الأحوال العظيمة، أو: أمماً، كل أمة مع رسولها، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُناَسِ بِإِمَامِهْم﴾ [الكهف: ٤٧] . ﴿ وفُتِحت السماءُ﴾ أي: تشققت لنزول الملائكة، وصيغة الماضي لتحقُّق وقوعه، ﴿فكانت أبواباً﴾ ؛ فصارت ذات أبواب وطرق وفروج، وما لها اليومَ من فُروج. ﴿وسُيْرت الجبالُ﴾ في الجو على هيئتها بعد قلعها من مقارها، ﴿فكانت سَرَاباً﴾ ؛ هباءً، تخيل الشمس أنها سراب، وهَل هذا التسيير قبل البعث، فلا يقع إلاَّ على أرض قاع صفصف، وهو ما تقتضيه ظواهر الآيات، كقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ [الكهف: ٤٧] وقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٤، ١٥] والفاء تقتضي الترتيب، أو لا يقع إلاّ بعد البعث، وهو ظاهر الآية هنا وسورة القارعة. وهو الذي اقتصر عليه أبو السعود، قال: يُبدل اللهُ الأرض، ويُغيّر

стр. 3259

هيئاتها، ويُسَيّر الجبال على تلك الهيئة الهائلة عند حشر الخلائق بعد النفخة الثانية ليشاهدوها. هـ. والله أعلم بحقيقة الأمر. ثم شرع في تفصيل أحكام الفصل بعد بيان هوله، وقدَّم بيان حال الكفرة ترهيباً، فقال: ﴿إنَّ جهنم كانت مِرْصَاداً﴾ أي: موضع الرصد، وهو الارتقاب والانتظار، أي: تنتظر الكفار وترتقبهم ليدخلوا فيها، أو طريقاً يمر عليه الخلق، فالمؤمن يمر عليها، والكافر يقع فيها، أي: كانت في علم الله وقضائه موضع رصد يرصد فيه الخزنةُ الكفارَ ليعذبوهم فيها، ﴿للطاغين مآباً﴾ : نعت لمرصاد، أي: كائناً للطاغين مرجعاً يرجعون إليه لا محالة، ﴿لابثين فيها﴾ ، ماكثين فيها، وهو حال مُقدَّرة من المستكن في الطاغين. وقرأ حمزة (لبثين) ، وهو أبلغ من " لابثين " لأنَّ اللابث مَن يقع منه مطلق اللَّبْث، واللَّبِث مَن شأنه اللبث والمقام، و ﴿أحقاباً﴾ : طرف للبثهم، جمع حُقب، كقُفْل وأقفال، وهو الدهر، ولم يرد به عدداً محصوراً، بل كلما مضى حُقب تبعه حقب، إلى غير نهاية، ولا يستعمل الحُقب إلاّ حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها. وقيل: الحقب ثمانون سنة، ورُوي عنه ﵊ أنه ثلاثون ألف سنة. وقال الحسن: ليس للأحقاب عدة إلاّ الخلود. ﴿لا يَذُوقون فيها بَرْداً ولا شَراباً﴾ : حال من ضمير " لابثين " أي: غير ذائقين فيها ﴿برداً﴾ أي: نسيماً بارداً، بل لهباً حاراً، ﴿ولا شراباً﴾ بارداً، ﴿إلاَّ حميماً﴾ ؛ ماءً حاراً، استثناء منقطع، أي: لا يذوقون في جهنم، أو في الأحقاب، برداً، ولا ينفس عنهم غم حر النهار، أو: نوماً، فإنَّ النوم يطلق عليه البرد، لأنه يبرد سَوْرة العطش، ولا شراباً يُسكن عطشهم، لكن يذوقون فيها ماءً حاراً، يحرق ما يأتي عليه، ﴿وغسَّاقاً﴾ أي: صديداً يسيل من أجسادهم. وفي القاموس: وغَساق كسَحاب وشدّاد: البادرُ المنتن. وقال الهروي عن الليث: (وغساقاً) أي: مُنتناً، ودلّ عليه قوله ﷺ : " لو أنَّ دلواً من غساق يُهرَاقُ في الدنيا، لأنتَنَ أهلُ الدنيا "، وقيل: ما يسيل من أعينهم من دموعهم يسقون به مع الحميم، يقال: غسقت عينه تغْسَق، إذا سالت. ثم قال: ومَن قرأ بالتخفيف، فهو البارد الذي يُحرق ببرده. هـ. ﴿ جزاءً وِفاقاً﴾ أي: جُوزوا بذلك جزاءً موافقاً لأعمالهم الخبيثة، مصدر بمعنى الصفة، أو: ذا وفاق. ﴿إِنهم كانوا لا يرجون حِساباً﴾ أي: لا يخافون محاسبة الله إياهم، أو: لا يؤمنون بالبعث فيرجعوا حسابه، ﴿وكذّبوا بآياتنا﴾ الناطقة بذلك ﴿كِذَّاباً﴾ أي: تكذيباً مفرطاً، ولذلك كانوا مصرِّين على الكفر وفنون المعاصي. و " فعّال " في باب فعّل فاش. ﴿وكلَّ شيءٍ﴾ من الأشياء، ومِن جملتها أعمالهم الخبيثة، ﴿أحصيناه﴾ أي: حفظناه وضبطناه ﴿كِتاباً﴾ ، مصدر مؤكد لأحصينا؛ لأنَّ الإحصاء والكتابة من وادٍ واحد،

стр. 3260

أو: حال بمعنى مكتوب في اللوح المحفوظ، أو في صحف الحفظة، والجملة اعتراض، وقولة تعالى: ﴿فذُوقوا فلن نزيدكم إِلاَّ عذاباً﴾ مسبب عن كفرهم بالحساب، وتكذيبهم بالآيات، أي: فذوقوا جزاء تكذيبكم والالتفات شاهد على شدّة الغضب. روي عنه ﷺ أنه قال: " إنَّ هذه الآية أشدُّ ما في القرآن على أهل النار ". الإشارة: إنَّ يوم الفصل بين العمومية والخصوصية، أو تقول: بين الانتقال من مقام أهل اليمين إلى مقام المقربين، كان في علم الله ميقاتاً، أي: مؤقتاً، وهو يوم انتقاله من شهود الأكوان إلى شهود المكوِّن، أو من مقام البرهان إلى مقام العيان. يوم يُنفخ في صور الأرواح التي سبقت لها العناية، فيُزعجها شوق مقلق أو خوف مزعج، فتأتون إلى حضرة القدس، تسيرون إليها على يد الخبير أفواجاً، وفُتحت سماء الأرواح ليقع العروج إليها من تلك الأرواح السائرة، فكانت أبواباً، وسُيرت جبال العقل حين سطوع أنوار الحقائق، فكانت سراباً، فلا يبقى من نور العقل إِلاّ ما يميز به بين الحس والمعنى، وبين الشريعة والحقيقة. إنَّ جهنم البُعد كانت مِرصاداً، للطاغين المتكبرين عن حط رؤوسهم للخبير، الباقين مع عامة أهل اليمين، مآباً لا يبرحون عنها، لابثين فيها أحقاباً مدة عمرهم وما بعد موتهم، لا يذوقون فيها برد الرضا، ولا شراب نسيم التسليم، إلاَّ حميماً: حر التدبير والاختيار، وغساقاً: نتن حب الدنيا وهمومها، جزاءً موافقاً لميلهم إلى الحظوظ والهوى، إنهم كانوا لا يرجون حِساباً، فلم يحاسبوا نفوسهم، ولا التفتوا إلى إخلاصها، وكذّبوا بأهل الخصوصية، وهم الأولياء الدالون على الله، ثم يقال لهم: ذّوقوا وبال القطيعة، فلن نزيدكم إلاّ تعباً وحرصاً وجزعاً. عائذاً بالله من سوء القضاء، وشماتة الأعداء. يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّ للمتقين مفازاً﴾ أي: فوزاً ونجاة من كل مكروه، وظفراً بكل محبوب، وهو مَفْعَلٌ من الفوز، يصلح أن يكون مصدراً ومكاناً، وهو الجنة، ثم أبدل البعض من الكل، فقال: ﴿حدائقَ﴾ ؛ بساتين فيها أنواع الشجر المثمر، جمع حديقة، وأبدل من المفرد، لأنَّ المصدر لا يجمع، بل يصلح للقليل والكثير، ﴿وأعناباً﴾ ، كرر لشرفه، لأنه يخرج منه أصناف مِن النِعم، ﴿وكواعبَ﴾ ؛ نساء نواهِد، وهي مَن لم تسقط ثديها لصغرٍ، ﴿أتراباً﴾ أي: لَدَاتٍ مستوياتٍ في السنّ، ﴿وكأساً دِهاقاً﴾ ؛ مملوءة.
следующие страницы →