Полный текст (3 416 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
الثاني أبلغ وأشد، وقيل: الأول عند النزع، والثاني عند القيامة، وقيل: الأول للبعث، والثاني للجزاء. وقُرىء " ستعلمون " بالخطاب على نهج الالتفات، تشديداً للردع والوعيد، لا على تقدير: قل لهم؛ للإخلال بجزالة النظم الكريم.
الإشارة: إن ظهرت أنوار الطريق، ولاحت أسرار أهل التحقيق، كثر الكلام بين الناس فيها، والتساؤل عنها، فيُقال في شأنهم، عمَّ يتساؤلون عن النبأ العظيم، الذي هو ظهور الحق وشهوده، الذي هم فيه مختلفون، فمنهم مَن يُنكره رأساً، ومنهم مَن يُقره في الجملة، ويقول: هم لقوم أخفياء لا يعرفهم أحد، كلاَّ سيعلمون يوم تحق الحقائق وتبطل الدعاوى، ويندم المفرط، حيث لا ينفع الندم وقد زلّت به القدم.
يقول الحق ﷻ : ﴿ألم نجعل الأرضَ مِهاداً﴾ أي: بساطاً وفراشاً، فرشناها لكم حتى سكنتموها. وقُرىء " مَهْداً " تشبيهاً لها بمهد الصبي، وهو ما يمهّد له لينام عليه، تسمية للممهود بالمصدر. ولمّا أنكروا البعث قيل لهم: ألم يَخلُق مَن أضيف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة، فلِمَ تُنكرون قدرته على البعث؟ وما هو إلا اختراع مثل هذه الاختراعات، أو: قيل لهم: لِمَ فعل هذه الأشياء، والحكيم لا يفعل شيئاً عبثاً، وإنكارُ البعث يؤدّي إلى أنه عابث في كل ما فعل؟ ومن هنا يتضح أنَّ الذي وقع عنه التساؤل هو البعث، لا القرآن أو نبوة النبي ﷺ كما قيل. والهمزة للتقرير. والالتفات إلى الخطاب على القراءة المشهورة للمبالغة في الإلزام والتبكيت.
﴿والجبالَ أوتاداً﴾ للأرض، لئلا تميد بكم، فأرساها بها كما يُرسى البيت بالأوتاد، ﴿وخلقناكم أزواجاً﴾ ذكراً وأنثى، ليسكن كل من الصنفين إلى الآخر، وينتظم أمر المعاشرة والمعاش، ويتيسر التناسل. وقيل: خلقناكم أصنافاً وأنواعاً في ألوانكم وصوركم وألسنتكم، وهو عطف على المضارع المنفي، داخل في حكم التقرير، فإنه في قوة: إنما جعلنا الأرض.. الخ.
﴿وجعلنا نَومكم سُباتاً﴾ أي: راحة لكم، أو: قطعاً للأعمال والتصرُّف، فتريحون أبدانكم به من التعب. والسبْت: القطع. أو: موتاً؛ لِما بينهما من المشاكلة التامة في انقطاع أحكام الحياة، وعليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ﴾ [الأنعَام: ٦٠] وقوله: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] .
стр. 3257
﴿وجعلنا الليلَ لباساً﴾ يستركم بظلامه، كما يستركم اللباس، شبّهه بالثياب التي تلبس، لأنه يستر عن العيون، وقيل: المراد به ما يستتر به عند النوم من اللحاف ونحوه. ﴿وجلعنا النهارَ معاشاً﴾ أي: وقت حياة تتمعشون فيه من نومكم، الذي هو أخو الموت، كقوله: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً﴾ [الفرقان: ٤٧] أي: تنتشرون فيه من نومكم، أو تطلبون فيه معاشكم، وتتقلبون في حوائجكم، على حذف مضاف، أي: ذا معاش.
﴿
وبنينا فوقكم سَبْعاً شِداداً﴾ أي: سبع سموات، قوية الخلق، محكمة البناء، لا يؤثّر فيها مرّ الدهور، ولا المرور والكرور. والتعبير عنها بالبناء مبني على تنزيلها منزلة القبة المضروبة على الخلق، وهو يؤيد كونها الأفلاك المحيطة. ﴿وجعلنا﴾ فيها ﴿سِراجاً وهَّاجاً﴾ أي: مضيئاً وقّاداً، أي: جامعاً للنور والحرارة، وهو الشمس، والوهَّاج: الوقّاد المتلألىء، من: وهجت النار إذا أضاءت، أو البالغ في الحرارة، من: الوهج، وهو الحر. والتعبير عنها بالسراج مناسب للتعبير عن السموات بالبناء، فالدنيا بيت وسراجه الشمس بالنهار والقمر والنجوم بالليل. والجعل هنا بمعنى الإنشاء والإبداع، كالخلق، غير أنَّ الجعل مختص بالإنشاء التكويني، وفيه معنى التقدير والتسوية.
﴿وأنزلنا من المُعْصِرات﴾ أي: السحاب إذا أعصرت، أي: شارفت أن يعصرها الرياح فتمطر، ومنه: أعصرت الجارية: إذا دنت أن تحيض، والرياح: إذا حان لها أن تعصر السحاب، وقد جاء: أنَّ الله تعالى يبعث الرياح، فتحمل الماء إلى السحاب فتعصره كما يعصر الماء من الجفافة، أي: أنزلنا من السحاب ﴿ماءً ثَجَّاجاً﴾ أي: منصباً بكثرة، يقال: ثج الدم، أي: أساله، ومنه قوله ﷺ : " أفضل الحج العجّ والثج " أي: رفع الصوت بالتلبية، وصب دم الهَدْي.
﴿لنُخرج به﴾ ؛ بذلك الماء ﴿حباً﴾ يُقتات به، كالحنطة والشعير، ونحوهما ﴿ونباتاً﴾ يُعلف، كالتبن والحشيش. قال الطيبي: النبات أريد به النابت. وتقديم الحب مع تأخره في الإخراج لشرفه؛ لأنَّ غالبة قوت الإنسان. ﴿وجناتٍ﴾ ؛ بساتين، من: جنّة إذا ستره، فالجنة تطلق على ما فيه النخل والشجر المتكاثف، لأنه يستر الأرض بظل أشجاره، وقال الفراء: الجنة ما فيه النخل، والفردوس مافيه الكرم. و ﴿ألفافاً﴾ صفة، أي: ملتفّةَ الأشجار، واحدها: " لِفّ " ككِن وأكنان، أو: لَفيف، كشريف وأشراف، أو: لا واحد له، كأوْزاع وأضياف، أو جمع الجمع، فألفاف جمع " لُفّ " بالضم، و " لُفّ " ـ جمع " لَفَّاء " كخُضر وخضراء، واللِّفُ: الشجر الملتف.
قال أبو السعود: اعلم أنَّ فيما ذكر تعالى من أفعاله دلالة على صحة البعث من ثلاثة أوجه:
стр. 3258
الأول: باعتبار قدرته تعالى، فإنَّ مَن قَدَر على إنشاء هذه الأفعال البديعة، من غير مثالٍ يُحتَذِيه ولا قانون ينتحيه، كان على الإعادة أقدر وأقوى.
الثاني: باعتبار علمه وحكمته، فإنَّ مَن أبدع هذه المصنوعات على نمط رائع، مستتبع لغايات جليلة، ومنافع جميلة، عائدة إلى الخلق، يستحيل أن يخليها من الحكمة بالكلية، ولا يجعل لها عاقبة باقية.
والثالث: باعتبار نفس الفعل، فإنَّ في اليقظة بعد النوم أنموذجاً للبعث بعد الموت، يشاهدونها كل يوم، وكذا إخراج الحب والنبات من الأرض الميتة، يعاينونه كل حين، شاهد على إخراج الموتى من القبور بعد الفناء والدثور، كأنه قيل: ألم يفعل هذه الأفعال الآفاقية والأنفسية، الدالة بفنون الدلالات على حقيّة البعث، الموجبة للإيمان به، فما لكم تخوضون فيه إنكاراً، وتتساؤلون عنه استهزاءً؟ هـ.
الإشارة: ألم نجعل أرضَ البشرية مِهاداً للعبودية والقيام بآداب الربوبية، وجبالَ العقل أوتاداً، يسكنونها لئلا يميلها الهوى عن الاعتدال في الاستقامة وخلقناكم أزواجاً أصنافاً؛ عارفين وعلماء، وعُبَّاداً وزُهَّاداً، وصالحين وجاهلين، وعصاة وكافرين، وجعلنا نومَكم، اي: سِنَتكم عن الشهود، بالميل إلى شيء من الحس في بعض الأوقات، سُباتاً، أي: راحة للقلوب، لأنَّ دوام التجلَّي يمحقُ البشرية، وفي الأثر: " رَوِّحوا قلوبكم بشيءٍ من المباحات " أو كما قال ﵊. أو: نومَكم الحسي راحة للأبدان، لتنشط للعبادة، وجعلنا ليل القطيعة لباساً ساتراً عن الشهود، وجعلنا نهارَ العيان معاشاً؛ حياة للأرواح والأسرار، وبنينا فوقكم سبعَ مقامات شِداداً صعاباً، فإذا قطعتموها وترقيتم عنها أفضيتم إلى فضاء الشهود، وهي التوبة النصوح، والورع، والزهد، والصبر على مجاهدة النفس، وخرق عوائدها، والتوكُّل، والرضا، والتسليم، وجعلنا في قلوبكم بعد هذه المقامات سِراجاً وهّاجاً، وهي شمس العرفان لا تغرب أبداً، وأنزلنا من سماء الغيوب ماء ثجّاجاً، تحيى به الأوراح والأسرار، وهو ماء الواردات الإلهية، والعلوم اللدنية، لنُخرج به حبًّا؛ حِكماً لقوت الأرواح، ونباتاً؛ علوماً لقوت النفوس، وجنات: بساتين التوحيد، مشتملة على أشجار ثمار الأذواق وظلال التقريب.
يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّ يومَ الفَصْلِ﴾ بين الخلائق، فيتميز المحسن من المسيء، والمحقّ من المبطل، ﴿كان﴾ في علم الله تعالى وتقديره ﴿ميقاتاً﴾ ؛ وقتاً محدوداً، ومُنتهى معلوماً لوقوع الجزاء، أو: ميعاداً لجمع الأولين والآخرين، وما يترتب عليه من الجزاء ثواباً وعقاباً، لا يكاد يتخطاه بالتقدُّم ولا بالتأخُّر، وهو ﴿يوم ينفخ في الصور﴾ نفخة ثانية، فـ " يوم " بدل من " يوم الفصل "، أو عطف بيان له، مفيد لزيادة تخفيمه وتهويله في تأخير الفصل، فإنه زمان ممتد، في مبدئه النفحة، وفي بقيته الفصل وآثاره. والصُور: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل. عن أبي هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: " لَمَّا خَلَقَ الله السموات والأرض خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضع له على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، حتى يؤمر بالنفخ فيه، فيؤمر به، فينفخ نفخةً لا يبقى عندها في الحياة غير ما شاء الله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّماواتِ ... ﴾ [الزمر: ٦٨] الآية، ثم يؤمر بأخرى، فينفخ نفخه لا يبقى معها ميت إلاَّ بُعث وقام، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمََّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] . " والفاء في قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ﴾ فصيحة تفصح عن جملة حُذفت ثقةً بدلالة الحال عليها، وإيذاناً بغاية سرعة الإتيان، كما في قوله تعالى: ﴿أّنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أي: فتبعثون من قبوركم فتأتون عقب ذلك من غير لبث ﴿أفواجاً﴾ ؛ جماعات مختلفة الأحوال، متباينة، الأوضاع، حسب اختلاف أعمالكم وتباينها، مِن راكب، وطائر، وماش خفيف وثقيل، ومكب على وجهه، وغير ذلك من الأحوال العظيمة، أو: أمماً، كل أمة مع رسولها، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُناَسِ بِإِمَامِهْم﴾ [الكهف: ٤٧] .
﴿
وفُتِحت السماءُ﴾ أي: تشققت لنزول الملائكة، وصيغة الماضي لتحقُّق وقوعه، ﴿فكانت أبواباً﴾ ؛ فصارت ذات أبواب وطرق وفروج، وما لها اليومَ من فُروج. ﴿وسُيْرت الجبالُ﴾ في الجو على هيئتها بعد قلعها من مقارها، ﴿فكانت سَرَاباً﴾ ؛ هباءً، تخيل الشمس أنها سراب، وهَل هذا التسيير قبل البعث، فلا يقع إلاَّ على أرض قاع صفصف، وهو ما تقتضيه ظواهر الآيات، كقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ [الكهف: ٤٧] وقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٤، ١٥] والفاء تقتضي الترتيب، أو لا يقع إلاّ بعد البعث، وهو ظاهر الآية هنا وسورة القارعة. وهو الذي اقتصر عليه أبو السعود، قال: يُبدل اللهُ الأرض، ويُغيّر
стр. 3259
هيئاتها، ويُسَيّر الجبال على تلك الهيئة الهائلة عند حشر الخلائق بعد النفخة الثانية ليشاهدوها. هـ. والله أعلم بحقيقة الأمر.
ثم شرع في تفصيل أحكام الفصل بعد بيان هوله، وقدَّم بيان حال الكفرة ترهيباً، فقال: ﴿إنَّ جهنم كانت مِرْصَاداً﴾ أي: موضع الرصد، وهو الارتقاب والانتظار، أي: تنتظر الكفار وترتقبهم ليدخلوا فيها، أو طريقاً يمر عليه الخلق، فالمؤمن يمر عليها، والكافر يقع فيها، أي: كانت في علم الله وقضائه موضع رصد يرصد فيه الخزنةُ الكفارَ ليعذبوهم فيها، ﴿للطاغين مآباً﴾ : نعت لمرصاد، أي: كائناً للطاغين مرجعاً يرجعون إليه لا محالة، ﴿لابثين فيها﴾ ، ماكثين فيها، وهو حال مُقدَّرة من المستكن في الطاغين. وقرأ حمزة (لبثين) ، وهو أبلغ من " لابثين " لأنَّ اللابث مَن يقع منه مطلق اللَّبْث، واللَّبِث مَن شأنه اللبث والمقام، و ﴿أحقاباً﴾ : طرف للبثهم، جمع حُقب، كقُفْل وأقفال، وهو الدهر، ولم يرد به عدداً محصوراً، بل كلما مضى حُقب تبعه حقب، إلى غير نهاية، ولا يستعمل الحُقب إلاّ حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها. وقيل: الحقب ثمانون سنة، ورُوي عنه ﵊ أنه ثلاثون ألف سنة. وقال الحسن: ليس للأحقاب عدة إلاّ الخلود.
﴿لا يَذُوقون فيها بَرْداً ولا شَراباً﴾ : حال من ضمير " لابثين " أي: غير ذائقين فيها ﴿برداً﴾ أي: نسيماً بارداً، بل لهباً حاراً، ﴿ولا شراباً﴾ بارداً، ﴿إلاَّ حميماً﴾ ؛ ماءً حاراً، استثناء منقطع، أي: لا يذوقون في جهنم، أو في الأحقاب، برداً، ولا ينفس عنهم غم حر النهار، أو: نوماً، فإنَّ النوم يطلق عليه البرد، لأنه يبرد سَوْرة العطش، ولا شراباً يُسكن عطشهم، لكن يذوقون فيها ماءً حاراً، يحرق ما يأتي عليه، ﴿وغسَّاقاً﴾ أي: صديداً يسيل من أجسادهم. وفي القاموس: وغَساق كسَحاب وشدّاد: البادرُ المنتن. وقال الهروي عن الليث: (وغساقاً) أي: مُنتناً، ودلّ عليه قوله ﷺ : " لو أنَّ دلواً من غساق يُهرَاقُ في الدنيا، لأنتَنَ أهلُ الدنيا "، وقيل: ما يسيل من أعينهم من دموعهم يسقون به مع الحميم، يقال: غسقت عينه تغْسَق، إذا سالت. ثم قال: ومَن قرأ بالتخفيف، فهو البارد الذي يُحرق ببرده. هـ.
﴿
جزاءً وِفاقاً﴾ أي: جُوزوا بذلك جزاءً موافقاً لأعمالهم الخبيثة، مصدر بمعنى الصفة، أو: ذا وفاق. ﴿إِنهم كانوا لا يرجون حِساباً﴾ أي: لا يخافون محاسبة الله إياهم، أو: لا يؤمنون بالبعث فيرجعوا حسابه، ﴿وكذّبوا بآياتنا﴾ الناطقة بذلك ﴿كِذَّاباً﴾ أي: تكذيباً مفرطاً، ولذلك كانوا مصرِّين على الكفر وفنون المعاصي. و " فعّال " في باب فعّل فاش. ﴿وكلَّ شيءٍ﴾ من الأشياء، ومِن جملتها أعمالهم الخبيثة، ﴿أحصيناه﴾ أي: حفظناه وضبطناه ﴿كِتاباً﴾ ، مصدر مؤكد لأحصينا؛ لأنَّ الإحصاء والكتابة من وادٍ واحد،
стр. 3260
أو: حال بمعنى مكتوب في اللوح المحفوظ، أو في صحف الحفظة، والجملة اعتراض، وقولة تعالى: ﴿فذُوقوا فلن نزيدكم إِلاَّ عذاباً﴾ مسبب عن كفرهم بالحساب، وتكذيبهم بالآيات، أي: فذوقوا جزاء تكذيبكم والالتفات شاهد على شدّة الغضب. روي عنه ﷺ أنه قال: " إنَّ هذه الآية أشدُّ ما في القرآن على أهل النار ". الإشارة: إنَّ يوم الفصل بين العمومية والخصوصية، أو تقول: بين الانتقال من مقام أهل اليمين إلى مقام المقربين، كان في علم الله ميقاتاً، أي: مؤقتاً، وهو يوم انتقاله من شهود الأكوان إلى شهود المكوِّن، أو من مقام البرهان إلى مقام العيان. يوم يُنفخ في صور الأرواح التي سبقت لها العناية، فيُزعجها شوق مقلق أو خوف مزعج، فتأتون إلى حضرة القدس، تسيرون إليها على يد الخبير أفواجاً، وفُتحت سماء الأرواح ليقع العروج إليها من تلك الأرواح السائرة، فكانت أبواباً، وسُيرت جبال العقل حين سطوع أنوار الحقائق، فكانت سراباً، فلا يبقى من نور العقل إِلاّ ما يميز به بين الحس والمعنى، وبين الشريعة والحقيقة. إنَّ جهنم البُعد كانت مِرصاداً، للطاغين المتكبرين عن حط رؤوسهم للخبير، الباقين مع عامة أهل اليمين، مآباً لا يبرحون عنها، لابثين فيها أحقاباً مدة عمرهم وما بعد موتهم، لا يذوقون فيها برد الرضا، ولا شراب نسيم التسليم، إلاَّ حميماً: حر التدبير والاختيار، وغساقاً: نتن حب الدنيا وهمومها، جزاءً موافقاً لميلهم إلى الحظوظ والهوى، إنهم كانوا لا يرجون حِساباً، فلم يحاسبوا نفوسهم، ولا التفتوا إلى إخلاصها، وكذّبوا بأهل الخصوصية، وهم الأولياء الدالون على الله، ثم يقال لهم: ذّوقوا وبال القطيعة، فلن نزيدكم إلاّ تعباً وحرصاً وجزعاً. عائذاً بالله من سوء القضاء، وشماتة الأعداء.
يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّ للمتقين مفازاً﴾ أي: فوزاً ونجاة من كل مكروه، وظفراً بكل محبوب، وهو مَفْعَلٌ من الفوز، يصلح أن يكون مصدراً ومكاناً، وهو الجنة، ثم أبدل البعض من الكل، فقال: ﴿حدائقَ﴾ ؛ بساتين فيها أنواع الشجر المثمر، جمع حديقة، وأبدل من المفرد، لأنَّ المصدر لا يجمع، بل يصلح للقليل والكثير، ﴿وأعناباً﴾ ، كرر لشرفه، لأنه يخرج منه أصناف مِن النِعم، ﴿وكواعبَ﴾ ؛ نساء نواهِد، وهي مَن لم تسقط ثديها لصغرٍ، ﴿أتراباً﴾ أي: لَدَاتٍ مستوياتٍ في السنّ، ﴿وكأساً دِهاقاً﴾ ؛ مملوءة.
стр. 3261
﴿لا يسمعون فيها﴾ ؛ في الجنة، حال من ضمير خبر " إن "، ﴿لَغْواً﴾ ؛ باطلاً، ﴿ولا كِذَّاباً﴾ أي: لا يكذّب بعضهم بعضاً، وقرأ الكسائي بالتخفيف، من المكاذبة، أي: لا يُكاذبه أحد، ﴿جزاءً من ربك﴾ : مصدر مؤكد منصوب، بمعنى: إنَّ للمتقين مفازاً، فإنه في قوة أن يقال: جازى المتقين بمفاز جزاء كائناً من ربك. والتعرُّض لعنوان الربوبية، المنبئة عن التبليغ إلى الكمال شيئاً فشيئاً مع الإضافة إلى ضميره ﷺ مزيد تشريف له ﵊، ﴿عَطاءً﴾ أي: تفضُّلاً منه تعالى وإحساناً، إذ لا يجب عليه شيء، وهو بدل مِن " جزاء "، ﴿حِساباً﴾ أي: مُحسِباً، أي: كافياً، على أنه مصدر أقيم مقام الوصف، أو بولغ فيه، من: أحسبه إذا كفاه حتى قال حسبي، أو: على حسب أعمالهم.
﴿ربِّ السماواتِ والأرضِ وما بينهما﴾ بدل من " ربك "، ﴿الرحمن﴾ : صفة له، أو للأول، فمَن جَرَّهما فبدل من " ربك ". ومَن رفعهما فـ " رب " خبر متبدأ محذوف، أو متبدأ خبره " الرحمن "، أو " الرحمن " صفة، و " لا يملكون " خبر، أو هما خبران، وأيًّا ما كان ففي ذكر ربوبيته تعالى للكل ورحمته الواسعة إشعار بمدار الجزاء المذكور، ﴿لا يملكون﴾ أي: أهل السماوات والأرض ﴿منه خِطاباً﴾ ؛ معذرة أو شفاعة أو غيرهما إلاَّ بإذنه، وهو استئناف مقرر لما أفادته الربوبية العامة، من غاية العظمة والكبرياء، واستقلاله تعالى بما ذكر من الجزاء والعطاء، من غير أن يكون لأحد قدرة عليه، والتنكير في للتقليل والنوعية. قال القشيري: كيف يكون للمكوَّن المخلوق المسكين مُكْنةٌ أن يملك منه خِطاباً، أو يتنفَّسَ بدونه نفساً؟ كلاَّ، بل هو الله الواحدُ الجبّار. ثم قال: إنما تظهر الهيبةُ على العموم لأهل الجمع في ذلك اليوم. وأمّا الخصوص فهم أبداً بمشهدِ العز بنعت الهيبة. هـ.
﴿
يومَ يقومَ الرُّوحُ﴾ ؛ جبريل ﵇ عند الجمهور، وقيل: مَلكٌ عظيم، ما خلق الله تعالى بعد العرش أعظم منه، يكون وحده صفًّا، ﴿والملائكةُ صفاً﴾ : حال، أي: مصْطفين ﴿لا يتكلمون﴾ أي: الخلائق خوفاً، ﴿إِلاَّ مَن أّذِنَ له الرحمنُ﴾ في الكلام أو الشفاعة، ﴿وقال صَواباً﴾ أي: حقًّا. قال الطيبي عن الإمام: فإن قيل: لَمَّا أذن له الرحمن في التكلم عَلِمَ أنه حق وصواب، فما الفائدة في قوله: ﴿وقا صواباً﴾ ؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: أنَّ التقدير: لا ينطقون إلاَّ بعد ورود الإذن والصواب، ثم يجتهدون في ألاَّ ينطقوا إلاَّ بالحق والصواب، وهذا مبالغة في وصفهم بالطاعة. وثانيهما: أنَّ التقدير: لا يتكلمون إلاَّ في محضر إذن الرحمن في شفاعته والمشفوع له ممن قال صواباً، وهو قول لا إله إلا الله. هـ. قلت: والمعنى: أن يُراد بالصواب: استعمال الأدب في الخطاب، بمراعاة التعظيم، كما هو شأن الكلام مع الملوك.
ثم قال تعالى: ﴿ذلك اليومُ الحق﴾ أي: الثابت المحقَّق لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه. والإشارة إلى يوم قيامهم على الوجه المذكور، وما فيه من معنى البُعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو درجته، وبُعد منزلته في الهول والفخامة.
стр. 3262
وهو مبتدأ، و " اليوم " خبره، أي: ذلك اليوم العظيم الذي يقوم الروح والملائكة مصطفين، غير قادرين على التكلم عنهم ولا عن غيرهم من الهيبة والجلال، هو اليوم الحق، ﴿فمَن شاء اتخذ إَلى ربه مآباً﴾ ؛ مرجعاً بالعمل الصالح. والفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف، أي: إذا كان الأمر كذلك من تحقُّق اليوم المذكور لا محالة، فمَن شاء أن يتخذ إلى ربه مرجعاً، أي: إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم، فليفعل ذلك بالإيمان والطاعة، و " إلى ربه " يتعلق بـ " مآب " قُدّم اهتماماً وللفواصل.
﴿إِنَّا أنذرناكم﴾ بما ذكر في السورة من الآيات الناطقة بالبعث وما بعده من الدواعي، أو بسائر القوارع الواردة في القرآن، أي: خوفناكم ﴿عذاباً قريباً﴾ هو عذاب الآخرة، وقُربه لتحقُّق وقوعه، وكل آتٍ قريب، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] ، وعن قتادة هو قتل قريش يوم بدر ويأباه قوله تعالى: ﴿يوم ينظر المرء ما قدمت يداه﴾ فإنه بدل من " عذاب " أو ظرف لمُضمر هو صفة له، أي: عذاباً كائناً يوم ينظر المرء، أي: يُشاهد ما قدَّمه من خير وشر. و " ما " موصولة، والعائد محذوف، أو استفهامية، أي: ينظر الذي قدمته يداه، أو: أي شيء قدمت يداه وقيل: المراد بالمرء: الكافر.
وقوله: ﴿ويقول الكافرُ يَا لَيْتَنِي كنتُ ترابا﴾ ، وضع الظاهرَ موضع الضمير، لزيادة الذّم، أي: يَا لَيْتَنِي كنتُ تُرَابًا لم أُخلق ولم أُكلّف، أو: ليتني كنت تراباً في هذا اليوم فلم أُبعث. وقيل: يحشر اللهُ تعالى الحيوان حتى يقتص للجماء من القرناء، ثم يرده تراباً، فيود الكافرُ أن يكون تراباً مثله، وقيل: الكافر: إبليس يرى آدم وولده وثوابهم، فيتمنى أن يكون من الشيء الذي احتقره حين قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢ وصا: ٧٦] . قال الطيبي: والعموم في المرء هو الذي يساعده النظم. ثم قال عن الإمام: فإن قلتَ: لِمَ خُصَّ بعد العموم قول الكافر دون المؤمن؟ قلت: دلّ قول الكافر على غاية التحسُّر، ودلّ حذف قول المؤمن على غاية التبجُّح ونهاية الفرح بما لا يَحصُره الوصف. هـ. قال المحشي: والظاهر أنه اقتصر على قول الكافر بعد العموم في المرء، لأنه المناسب للنذارة التي اقتضاها المقام. هـ. قلتُ: ولو ذكر قول المؤمن لقال: ويقول المؤمن هاؤم اقرؤوا كتابيه، تبجُّحاً وفرحاً. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إنَّ للمتقين الله حق تقاته مفازاً، وهو التخلُّص من رؤية الأكوان، والإفضاء إلى رؤية الشهود والعيان، وهو دخول حدائق العرفان، واقتطاف ثمار الوجدان، ونكاح أبكار الحقائق، وهنّ أتراب، لاستوائها غالباً في لذة الشهود لمَن تمكن منها. ويشربون كأس الخمرة الأزلية، لا يسمعون في حضرة القدس لغواً ولا كِذاباً، لغاية أدبهم، جزاء من ربك على مكابدتهم في أيام سيرهم، عطاءً كافياً مغنياً من الرحمن، لا يملكون منه خِطاباً، لغاية هيبتهم، وهذا لقوم أقامهم مقام الهيبة، وثَمَّ آخرون أقامهم مقام البسط والإدلال،
стр. 3263
وهم المتمكنون في معرفته، ينبسطون معه، ويشفعون في عباده في الدارين. قال الورتجبي: مَن كان كلامه في الدنيا من حيث الكشف والمعاينة، فهو مأذون في الدنيا والآخرة، يتكلم مع الحق على بساط الحرمة والهيبة، يُنقذ الله به الخلائق من ورطة الهلاك. هـ.
يوم يقوم الروح، أي: جنس الروح، وهي الأرواح الصافية، التي التحقت بالملائكة، فتقوم معهم صفاً في مقام العبودية التي شرفت بها، لا يتكلمون هيبةً لمقام الحضرة، إلاَّ مَن أّذِنَ له الرحمنُ في الشفاعة، على قدر مقامه، وقال صواباً، أي: استعمل الأدب في مخاطبته فإذا استعمل الأدب شفع، ولو قصر مقامه عن عدد المشفوع فيه. حُكي أنَّ بعض الأولياء قال عند موته: يا رب شفِّعني في أهل زماني، فقال له الهاتف مِنْ قِبل الله تعالى: لم يبلغ مقامك هذا، فقال: يا رب إذا كان ذلك بعملي واجتهادي فلعَمري إنه لم يبلغ ذلك، وإذا كان ذلك بكرمك وَجُودك، فهو أعظم من ذلك، فشَفَّعه الحقُّ تعالى في الوجود. هكذا سمعتُ الحكاية من شيخنا الفقيه العالم، سيدي " التاودي بن سودة " ﵀، فحُسن خطاب هذا الرجل بلّغه ما لم يبلغه قدره.
ذلك اليوم الحق، تحِق فيه الحقائق، وتبطل فيه الدعاوى، ويفتضح أهلها، فمَن شاء اتخذ إلى ربه مآباً، يرجع به إلى ربه، وهو حُسن التوجه إليه، برفض كل ما سواه. ﴿إنَّا أنذرناكم عذاباً قريباً﴾ قال القشيري: أي: عذاب الالتفات إلى النفس والدنيا والهوى، يوم ينظر المرءُ ما قدَّمت يداه من الإساءة والإحسان هـ. ويقول الكافر الجاحد لطريق الخصوصية، حتى مات محجوباً: يَا لَيْتَنِي كنتُ تُراباً، تحسُّراً على ما قاته من مقام المقربين. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 3264
سورة النازعات
فإنَّ جواب القسم: لتُبعثن ثم لتعذِّبن.
يقول الحق ﷻ : ﴿والنازعاتِ﴾ أي: والملائكة التي تنزع الأرواح من أجسادها، كما قال ابن عباس، أو أرواح الكفرة، كما قاله هو أيضاً وابن مسعود، ﴿غَرْقاً﴾ أي: إغراقاً، من: أَغرق في الشيء: بالغ فيه غايةً، فإنها تُبالغ في نزعها فتخرجها من أقاصي الجسد. قال ابن مسعود: تنزع روح الكافر مِن جسده من تحت كل شعرة، ومِن تحت الأظافر، ومن أصول القدمين، ثم تفرقها في جسده، ثم تنزعها حتى إذا كادت تخرج تردها في جسده، فهذا عملها بالكفار دون المؤمنين. أو: تُغرقها في جهنم، فهو مصدر مؤكد.
﴿والناشطاتِ نشطاً﴾ أي: ينشطونها ويخرجونها من الجسد، من: نَشط الدلو من البئر: أخرجها. ﴿والسابحاتِ سَبْحاً﴾ أي: يسبحون بها في الهوى إلى سدرة المنتهى. شبّه سرعة سيرهم بسبح الهوام، أو يسبحون في إخراجها سبح الغواص الذي يخرج من البحر ما يخرج، ﴿فالسابقاتِ سبقًا﴾ فيسبقون بأرواح الكفرة إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، ﴿فالمُدبراتِ أَمْراً﴾ تُدبر أمر عقَابها وثوابها، بأن تهيئها لإدراك ما أعدّ لها من الآلام والثواب، أو السابحات التي تسبح في مضيها، فتسبق إلى ما أمروا به، فتدبر أمراً من أمور العباد، مما يصلحهم في دينهم ودنياهم كما رُسم لهم.
стр. 3265
أو: يكون تعالى أَقْسَم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب، غرقاً في النزع، بأن تقطع الفلك حتى تنحطّ في أقصى المغرب، وتنشط من برج إلى برج، أي: تخرج، من: نَشط الثور: إذا خرج من بلد إلى بلد، وتَسْبح في الفلك، فتسبق بعضها بعضاً، فتُدبر أمراً نِيط بها، كاختلاف الفصول، وتقدير الأزمنة، وتدبير مواقيت العبادة، وحيث كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب قسرية ـ أي: قهرية - وحركاتها من برج إلى برج ملائمةً، عبَّر عن الأولى بالنزع، وعن الثانية بالنشط.
أو: بأنفس الغُزاة، أو: بأيديهم التي تنزع القِسي، بإغراق السهام، وينشطون بالسهم إلى الرمي، ويَسْبحون في البر والبحر، فيسبقون إلى حرب العدو، فيُدبرون أمرها، أو: بصفات خيلهم، فإنها تنزع في أعنّتها نزعاً تغرق فيه الأعنّة لطول أعناقها، لأنها عراب، وتخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وتَسْبح في جريها، فتسبق إلى العدو، فتدبر أمر الظفر والغلبة. وسيأتي في الإشارة أحسن هذه الأقوال إن شاء الله.
وانتصاب " نشطاً " و " سَبْحاً " و " سبقاً " على المصدرية، وأما " أمراً " فمفعول به، وتنكيره للتهويل والتفخيم. والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير العنواني منزلة المتغاير الذاتي؛ للإشعار بأنَّ كل واحدٍ من الأوصاف المعدودة من معظّمات الأمور، حقيق بأن يكون حياله مناطاً لاستحقاق موصوفه للإجلال والإعظام بالإقسام من غير انضمام أوصاف الآخر إليه. والفاء في الأخيرين للدلالة على ترتيبهما على ما قبلهما بلا مهلة. والمقسم عليه محذوف، تعويلاً على إشارة ما قبله من المقسم به إليه، ودلالة ما بعد من أحوال القيامة عليه، فإنَّ الإقسام بمَن يتولى نزع الأرواح، ويقوم بتدبيرها، يلُوح بكون المقسم عليه مِن قبل تلك الأمور لا محالة، ففيه من الجزالة ما لا يخفى.
أي: لتُبعثن ﴿يومَ ترجُفُ الراجِفةُ﴾ ، فالعامل في الظرف هو الجواب المحذوف. والرجف: شدة الحركة. والراجفة: النفخة الأولى، وُصفت بما حدث عندها لأنها تضطرب لها الأرض حتى يموت مَن عليها، وتزلزل الجبال وتندك الأرض دكاً، ثم ﴿تتبعها الرادِفةُ﴾ ؛ النفخة الثانية، لأنها تردف الأولى، وبينهما أربعون سنة، والأولى تُميت الخلق والثانية تُحْييهم.
﴿قلوبٌ يومئذٍ﴾ ، وهي قلوب منكري البعث، ﴿واجفةٌ﴾ ؛ مضطربة، من: الوجيف، وهو الاضطراب، ﴿أبصارُها﴾ أي: أبصار أصحابها ﴿خاشعةٌ﴾ ؛ ذليلة لهول ما ترى، ﴿يقولون﴾ أي: منكرو البعث في الدنيا استهزاءً وإنكاراً للبعث: ﴿أئنا لمردودون في الحافرة﴾ ، استفهام بمعنى الإنكار، أي: أنُردّ بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياءً كما كنا؟ والحافرة: الحالة الأولى، يُقال لمَن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي: إلى حالته الأولى، يُقال: لمَن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي: إلى حالته الأولى، ويُقال: رجع في حافرته، أي: طريقته التي جاء فيها، فحفر فيها، أي: أثر فيها بمشيه، وتسميتها حافرة مع أنها محفورة، كقوله: ﴿عيشة
стр. 3266
راضية﴾ [الحاقة: ٢١] على تسمية القابل بالفاعل.
أنكروا البعث ثم زادوا استبعاداً فقالوا: ﴿أئذا كنا عظاماً نخرةً﴾ ؛ بالية. ونخرة أبلغ من ناخرة؛ لأنَّ " فَعِلٌ " أبلغ من فاعل، يقال: نَخِرَ العظم فهو نَخِرٌ وناخر: بِلَى، فالنَخِر هو البالي الأجوف الذي تمر به الريح فيسمع له نخير، أي: أنُرد إلى البعث بعد أن صرنا عظاماً بالية؟ . و " إذا " منصوب بمحذوف، وهو: أنُبعث إذا كنا عظاماً بالية مع كونها أبعد شيء في الحياة.
﴿قالوا﴾ أي: منكروا البعث، وهو حكاية لكفر آخر، متفرع على كفرهم السابق، ولعل توسيط " قالوا " بينهما للإيذان بأنّ صدور هذا الكفر عنه ليس بطريق الاطراد والاستمرار، مثل كفرهم الأول المستمر صدوره عنهم في كافة أوقاتهم، حسبما يُنبىء عنه حكايته بصيغة المضارع، أي: قالوا بطريق الاستهزاء، مُشيرين إلى ما أنكروه من الرد في الحافرة، مشعرين بغاية بُعدها من الوقوع: ﴿تلك إِذاً كرةٌ خاسرةٌ﴾ أي: رجفة ذات خسران، أو خاسر أصحابها، والمعنى: أنها إن صحّت وبُعثنا فنحن إذاً خاسرون لتكذيبنا بها، وهذا استهزاءُ منهم.
قال تعالى في إبطال ما أنكروه: ﴿فإِنما هِي زجرةٌ وَاحدَةٌ﴾ أي: لا تحسبوا تلك الكرّة صعبة على الله، بل هي أسهل شيء، فما هي إلاّ صيحة واحدة، يُريد النفخة الثانية، من قولهم: زَجَر البعير: إذا صاح عليه. ﴿فإِذا هم بالسَّاهرةِ﴾ أي: فإذا هم أحياء على وجه الأرض، بعدما كانوا أمواتاً في جوفها. والساهرة: الأرض البيضاء المستوية، سُميت بذلك، لأنَّ السراب يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة جارية، وفي ضدها: عين نائمة، وقيل: إنَّ سالكها لا ينام خوف الهلكة، وقيل: أرض بعينها بالشام إلى جنب بيت المقدس، وقيل: أرض مكة. وقيل: اسم لجهنّم. وعن ابن عباس: أنَّ الساهرة: أرض مِن فضة، لم يُعص اللهَ تعالى عليها قط، خلقها حينئذ. وقيل: أرض يُجددها اللهُ تعالى يوم القيامة. وقيل: الأرض السابعة، يأتي الله بها يوم القيامة فيُحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تُبدل الأرض غير الأرض، وقيل: الساهرة: أرض صحراء على شفير جهنم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: والأرواح النازعات عن ملاحظة السِّوى غرقاً في بحار الأحدية. والناشطات من علائق الدنيا ومتابعة الهوى نشطاً، والسابحات بأفكارها في بحر أنوار الملكوت، وأسرار الجبروت، سبحاً، فالسابقات إلى حضرة القدس سبقاً، فالمدبرات أمر الكون، بالتصرُّف فيه بالنيابة عن الحق، وهو مقام القطبانية، أو النازعات عن الحظوظ والشهوات غرقاً في التجرُّد إلى العبادات بأنواع الطاعات. وهذه أنفس العُبّاد، والناشطات عن الدنيا، وأهلها فراراً إلى الله نشطاً، وهي أنفس الزُهّاد، والسابحات بعقولها في أسرار العلوم، فتستخرج من الكتاب والسنة درراً ويواقيت، يقع النفع بها إلى يوم الدين، وهي
стр. 3267
أنفس العلماء الجهابذة، فالسابقات إلى الله بأنواع المجاهدات والسير في المقامات، حتى أفضت إلى شهود الحق عياناً، سبقاً، وهي أنفس الأولياء العارفين، فالمُدبرات أمر الخلائق بقسم أرزاقها وأقواتها ورتبها، وهي أنفس الأقطاب والغوث. وقال البيضاوي: هذه صفات النفوس، وحال سلوكها، فإنها تنزع من الشهوات، وتنشط إلى عالم القدس، فتسْبَح في مراتب الارتقاء، فتسبق إلى الكمالات، حتى تصير من المكمِّلات، زاد الإمام: فتُدبْر أمر الدعوة إلى الله. وقال الورتجبي: إشارة النازعات إلى صولات صدمات تجلي العظمة، فتنزع الأرواح العاشقة عن معادن الحدوثية. ثم قال: والناشطات: الأرواح الشائقة تخرج من أشباحها بالنشاط، حين عاينت جمال الحق بالبديهة وقت الكشف. ثم قال: والسابحات تسْبَح في بحار ملكوته وقاموس كبرياء جبروته، تطلب فيها أسرار الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية، فالسابقات في مصاعدها عالم الملكوت، وجنات الجبروت، تُسابق كل همة، فالمدبِّرات هي العقول القدسية تُدَبّر أمور العبودية بشرائط إلهام الحقيقة. هـ.
والمقسَم عليه: ليبعَثن اللهُ الأرواحَ الميتة بالجهل والغفلة، حين تنتبه إلى السير بالذكر والمجاهدة، فإذا حييت بمعرفة الله كانت حياة أبدية. وذلك يوم ترجف النفس الراجفة، وذلك حين تتقدّم لخرق عوائدها ومخالفة هواها، تتبعها الرادفة، وهي ظهور أنوار المشاهدة، فحينئذ تُبعث من موتها، وتحيا حياة لا موت بعدها، وأمّا الموت الحسي فإنما هو انتقال من مقام إلى مقام. قلوب يومئذ ـ أي: يوم المجاهدة والمكابدة ـ واجفة، لا تسكن حتى تُشاهد الحبيب، أبصارُها في حال السير خاشعة، لا يُخلع عليها خلعُ العز حتى تصل. يقول أهل الإنكار لهذه الطريق: أئِنا لمردودون إلى الحالة الأولى، التي كانت الأرواح عليها في الأزل، بعد أن كنا ميتين بالجهالة، مُرْمى بنا في مزابل الغفلة، كعِظام الموتى، قالوا: تلك كرة خاسرة، لزعمهم أنهم إذا صاروا إلى هذا المقام لم يبقَ لهم تمتُّع بشيء أصلاً، مع أنَّ العارف إذا تحقق وصوله تمتع بالنعيمين؛ نعيم الأشباح ونعيم الأرواح. قال تعالى في رد ما استحالوه: فَإِنَّمَا هِي زَجْرَةٌ وَاحدَةٌ من همة عارف، أو نظرة وليّ كامل، فإذا هم في أرض الحضرة القدسية. قال الشيخ أو العباس: والله ما بيني وبين الرجل إلاَّ أن أنظر إليه وقد أغنيته. قلت: والله لقد بقي في زماننا هذا مَن يفوق أبا العباس والشاذلي وأضرابهما في الإغناء بالنظرة والملاحظة، والحمد لله.
يقول الحق ﷻ : ﴿هل أتاك حديثُ موسى﴾ ، تشويقاً لما يُلقى إليه مِن خبره، أي: هل أتاك حديثه، أنا أُخبرك به، إن كان هذا أول ما أتاه من حديثه. وإن كان تقدّم قبل هذا حديثه، وهو المتبادر، فالمعنى: أليس قد آتاك حديثه. وقوله: ﴿إِذْ ناداه رَبُّه﴾ : ظرف للحديث لا للإتيان، لاختلاف وقتهما، أي: هل وصلك حديثه ناداه ربه ﴿بالوادِ المقدّس﴾ ؛ المبارك المطهّر، اسمه: ﴿طُوى﴾ بالصرف وعدمه. فقال في ندائه له: ﴿اذهبْ إِلى فرعون إِنه طَغَى﴾ ؛ تجاوز الحدّ في الكفر والطغيان، ﴿فقلْ﴾ له بعد أن تأتيه: ﴿هل لك إِلى أن تزكَّى﴾ أي: هل لك رغبة وتَوَجُّه إلى التزكية والتطهير من دنس الكفر والطغيان بالطاعة والإيمان. قال ابن عطية: " هل " هو استدعاء حسن. قال الكواشي: يقال: هل لك في كذا؟ وهل لك إلى كذا؟ كقولك: هل ترغب في كذا، وهل ترغب إلى كذا. قال: وأخبر تعالى أنه أمر موسى بإبلاغ الرسالة إلى فرعون بصيغة الاستفهام والعرض، ليكون أصغى لأذنه، وأوعى لقلبه، لِما له عليه من حق التربية. هـ. وأصله: " تتزكى "، فحذف إحدى التاءين، أو: أدغمت، فيمن شدّد الزاي.
﴿وأهْدِيَكَ إِلى ربك﴾ ؛ وأهديك إلى معرفته، بذكر دلائل توحيده وصفات ذاته، ﴿فتخشَى﴾ ، لأنَّ الخشية لا تكون إلاَّ مع المعرفة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُاْ﴾ [فاطر: ٢٨] أي: العلماء بالله. وقال بعض الحكماء: اعرفوا الله، فمَن عرف الله لم يقدر أن يعصيه طرفةَ عين. فالخشية ملاك الأمر، فمَن خشي الله أتى منه كل خير، ومَن أَمِنَ اجترأ على كل شر. ومنه الحديث: " مَن خشي أدلج، ومَن أدلج بلغ المنزل " قال النسفي: بدأ مخاطبته بالاستفهام، الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلامَ الرقيق، ليستدعيه باللطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوّه، كما أمر بذلك في قوله: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِِّناً﴾ [طه: ٤٤] هـ.
﴿
فأراه الآيةَ الكبرى﴾ ، الفاء: فصيحة تفصح عن جملة قد طويت تعويلاً على تفصيلها في السور الأخرى، فإنه ﵇ ما أراه إياها عقب هذا الأمر، بل بعدما جرى بينه وبينه من المحاورات إلى أن قال: ﴿إِن كُنتَ جِئْتَ بِئَايَةٍ فَأْتِ﴾ [الأعراف: ١٠٦] . والآية الكبرى: العصا، أو: هي واليد، لأنهما في حُكم آية واحدة. ونسبتُها إليه ﵇ بالنسبة إلى الظاهر، كما أنّ نسبتها إلى نون العظمة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُءَايَاتِنَا كُلَّهَا﴾ [طه: ٥٦] بالنظر إلى الحقيقة ﴿فكذَّب وعَصَى﴾ أي: كذَّب موسى ﵇. وسمَّى معجزته سحراً، وعصى اللهَ بالتمرُّد، بعدما عَلِمَ صحة
стр. 3268
الأمر ووجوب الطاعة، أشد العصيان وأقبحه، حيث اجترأ على إنكار وجود رب العالمين رأساً. وكان اللعين وقومه مأمورين بعبادته ، وترك القولة العظيمة التي يدّعيها الطاغية، ويقبلها منه الفئة الباغية، لا بإرسال بني إسرائيل من الأسر فقط. قاله أبو السعود.
﴿ثم أّدْبَر﴾ أي: تولَّى عن الطاعة، أو: انصرف عن المجلس ﴿يسعَى﴾ في معارضة الآية، أو: أدبر هارباً من الثعبان، فإنه رُوي أنه ﵇ لمّا ألقى العَصا انقلب ثعباناً أشعر، فاغراً فاه، بين لحييه ثمانون ذرعاً، فوضع لحيه الأسفل على الأرض، والأعلى على القصر، فتوجه نحو فرعون، فهرب وأحدَثَ، وانهزم الناسُ مُزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً من قومه وقيل: إنها ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة نحو فرعون، وجعلت تقول: يا موسى مُرني بما شئت، وجعل فرعون يقول: بالذي أرسلك إلاّ أخذته، فأخذه فعاد عصا..
﴿فحشَرَ﴾ أي: فجمع السحرة، كقوله: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] أو: جمع الناس، ﴿فنادَى﴾ في المقام الذي اجتمعوا فيه، قيل: قام خطيباً، ﴿فقال أنا ربكم الأعلَى﴾ لا رب فوقي، وكان لهم أصنام يعبدونها. وهذه العظيمة لم يجترىء عليها أحد قبله. قال ابن عطية: وذلك نهاية في المخارقة، ونحوُها باقٍ في ملوك مصر وأتباعهم. هـ. قيل: إنما قال ذلك ابنُ عطية لأنَّ ملك مصر في زمانه كان إسماعيليًّا، وهو مذهب يعتقدون فيه إلهية ملوكهم. وكان أول مَن ملكها منهم: المعتز بن المنصور بن القاسم بن المهدي عبيد الله، وآخرهم العاضد. وقد طهَّر الله مصر من هذا المذهب، بظهور الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذا ﵀ وجزاه عن الإسلام خيراً. هـ. من الحاشية.
﴿
فأخَذَه اللهُ نكال الآخرةِ والأُولى﴾ بالإغراق، فالنكال: مصدر بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم، وهو التعذيب الذي ينكل مَن رآه أو سمعه، ويمنعه من تعاطي ما يُفضي إليه. وهو منصوب على أنه مصدر مؤكد، كوعْدَ الله وصبغةَ الله، وقيل: مصدر لـ " أخذ "، أي: أخذه الله أخذ نكال الآخرة، وقيل: مفعول من أجله، أي: أخذه الله لأجل نكال الآخرة. وإضافته إلى الدارين باعتبار وقوع بعض الأخذ فيهما، لا باعتبار أنَّ ما فيه من المنع والزجر يكون فيهما، فإنَّ ذلك لا يتصور في الآخرة، بل في الدنيا، فإنَّ العقوبة الأخروية تنكل مَن يسمعها، وتمنعه من تعاطي ما يؤدي إليها لا محالة. وقيل: المراد بالآخرة والأولى: قوله: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِنْ إِلَاهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨] . قيل: كان بين الكلمتين أربعون سنة، فالإضافة إضافة المسبب إلى السبب.
﴿إِنَّ في ذلك﴾ أي: فيما ذكره من قصة فرعون وما فعل به ﴿لَعِبرةً﴾ عظيمة ﴿لِمن﴾ شأنه أن ﴿يَخْشَى﴾ وهو مَن عرف الله تعالى وسطوته.
стр. 3269
الإشارة: جعل القشيري موسى إشارة إلى القلب، وفرعون إشارة إلى النفس، فيُقال: هل أتاك حديث القلب حين ناداه ربه بالحضرة المقدسة، بعد طي الأكوان عن مرآة نظره، فقال له: اذهب إلى فرعون النفس إنه طغى. وطغيانها: إرادتها العلو والاستظهار، فقل له: هل لك إِلى أن تَزَكَّى وتتطهر من الخبائث، لتدخل الحضرة، فأَهديك إلى معرفة ربك فتخشى، فإنما يخشى اللهَ مَن عرفه. فأراه الآية الكبرى مِن خرق العوائد ومخالفة الهوى، فكَذَّب وعصى، حين رأى عزم القلب على مجاهدته، فحشر جنوده مِن حب الدنيا والرئاسة، وإقبال الناس والحظوظ والشهوات، فنادى، فقال: أنا ربكم الأعلى، فلا تعبدوا غيري. هذا قول فرعون النفس، فأخذه اللهُ نكال الآخرة والأولى، أي: استولى جند القلب عليه، فأغرقه في قلزوم بحر الفناء والبقاء. إنَّ في ذلك لعبرة لمَن يخشى، ويسلك طريق التزكية، فإنه يصل إلى بحر الأحدية. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
يقول الحق ﷻ : مخاطباً أهلَ مكة، المنكرين للبعث، بناء على صعوبته في زعمهم، وتوبيخاً وتبكيتاً، بعدما بيّن سهولته على قدرته بقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِي زَجْرَةٌ وَاحدَةٌ﴾ ﴿أأنتم أشدُّ خَلْقاً﴾ أي: أَخَلْقُكم بعد موتكم أشق وأصعب في تقديركم ﴿أم السماءُ﴾ أي: أم خلق السماء على عِظمها وانطوائها على تعاجيب البدائع التي تحار العقول عن ملاحظة أدناها، وهذا كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىا أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى﴾ [يَس: ٨١] . ثم بيَّن كيفية خلقها فقال: ﴿بناها﴾ أي: الله، وفي عدم ذكر الفاعل، فيه وفيما عطف عليه، من التنبيه على تعينه وتفخيم شأنه ما لا يخفى.
﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ أي: أعلى سقفها من الأرض، وذهب بها إلى سمت العلوّ مدًّا رفيعاً مسيرة خمسمائة عام ﴿فسوّاها﴾ أي: فعدّلها مستوية ملساء، ليس فيها تفاوت ولا فطور، أو: تممها بما جعل فيها من الكواكب والدراري، وغيرها مما لا يعلمه إلاَّ الخلاَّق العليم، من قولهم: سوَّى فلان أمره: إذا أصلحه.
﴿وأغْطشَ ليلها﴾ أي: أظلمه، ويُقال: غطش الليل وأغطشه الله، كما يُقال: ظلُم وأظلمه الله. ﴿وأخرج ضحاها﴾ أي: أبرز نهارها، عبّر عنه بالضُحى، لأنه أشرف أوقاته وأطيبها، فكان أحق بالذكر في مقام الامتنان. ويجوز أن يكون أضاف الضحى إليها
стр. 3270
بواسطة الشمس، أي: أبرز ضوء شمسها. والتعبير بالضُحى لأنه وقت قيام سلطانها وكما إشراقها.
﴿والأرضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَآ﴾ أي: بسطها ومهّدها لسكْنى أهلها وتقلُّبهم في أقطارها، وكانت حين خُلقت كورة غير مدحوةٍ، فدحيت من تحت مكة بعد خلق السماء بألفي عام. ثم فسّر الدحو فقال: ﴿أخرج منها ماءها﴾ بتفجير عيونها وإجراء أنهارها، ﴿ومرعاها﴾ ؛ كلأها، وهو ما ترعاه البهائم، وهو في الأصل: موضع الرعي، أو: مصدر ميمي بمعنى المفعول، وتجريد الجملة من العاطف إِمّا لأنها تفسير لدحاها، أو تكملة له، فإنَّ السكنى لا تتأتى لمجرد البسط، بل لا بد من تهيئة أمر المعاش من المأكل والمشرب حتماً، أو: لأنها حال بإضمار " قد " عند الجمهور، أو بدونه عند الكوفيين.
﴿
والجبالَ أرساها﴾ أي: أثبتها وأثبت بها الأرض أن تميد بأهلها، وإرساء الجبال لها من باب الحكمة، وإلاَّ فالقدرة هي الحاملة للكل. وانتصاب الأرض والجبال بفعل يُفسره ما بعده. ولعل تقديم إخراج الماء والمرعى ذكراً مع تقديم الإرساء عليه وجوداً؛ لإبراز كمال الاعتناء بأمر المأكل والمشرب. وهذا كما ترى يدل بظاهره على تأخر دحو الأرض عن خلق السماء وما فيها، كما يروى عن الحسن: من أنه تعالى خلق الأرض في موضع بيت المقدس، كهيئة الفِهْر، عليه دخان ملزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات، وأمسك الفِهْرَ في موضعها وبسط منها الأرض، وذلك قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقاً ... ﴾ [الأنبياء: ٣٠] . وفي القاموس: الفِهْرُ بالكسر: الحَجَرُ قَدْرَ ما يدق به الجَوْزُ، أو ما يملأ الكفَّ. هـ.
والتحقيق في المسألة: أنَّ أول ما خلق اللهُ العرش من القبضة النورانية المحمدية، ثم خلق ياقوتة صفراء، فذابت من هيبته تعالى فصارت ماء، ثم اضطرب الماء فعلته زبدة، فخلق منها الأرض، ثم علا منه دخان فخلق منه السماء، ثم دحا الأرض وهيّأ فيها أقواتها للناس والأنعام وغيرهما، كما قال تعالى: ﴿متاعاً لكم ولأنعامكم﴾ أي: فجعل ذلك تمتيعاً لكم ولأنعامكم، فهو مفعول لأجله؛ لأنَّ فائدة البسط والتمهيد وإخراج الماء والمرعى واصلة للإنسان والأنعام، أو: مصدر من غير لفظه، فإنَّ قوله تعالى: ﴿أخرج منها ماءها ومرعاها﴾ في معنى: متّعكم بذلك.
﴿فإذا جاءت الطامةُ الكبرى﴾ أي: الداهية العُظمى التي تطمّ على سائر الدواهي، أي: تعلوها وتغلبها، من قولك: طمّ الأمر: إذا علا وغلب، وهي القيامة، أو النفخة الثانية، أو: الساعة التي يُساق فيها الخلائق إلى محشرهم، أو: التي يُساق فيها أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، ﴿يوم يتذكَّرُ الإِنسانُ ما سعَى﴾ أي: يتذكر فيه كل واحد ما عمله من خير وشر، بأن يُشاهده مدوناً في صحيفته، وقد كان نسيه مِن فرط الغفلة، وطول الأمل، كقوله تعالى: ﴿أحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] . و " يوم ": بدل من " إذا "
стр. 3271
والأحسن: أنه مفعول بفعل محذوف، أي: أعني. ﴿وبُرّزَت الجحيمُ﴾ أي: أظهرت إظهاراً بيناً لا يخفى على أحد ﴿لمن يرى﴾ كائناً مَن كان، فلا تتوقف رؤيتها إلاّ على وجود حاسة البصر، ولا مانع من الرؤية ولا حاجب. يُروى أنه يُكشف عنها فتلتظي نيرانها كل ذي بصر.
﴿فأمَّا مَن طَغَى﴾ أي: جاوز الحدّ في العصيان ﴿وآثر الحياةَ الدنيا﴾ الفانية، فانهمك فيما متع به فيها، ولم يستعد للحياة الآخرة الأبدية بالإيمان والطاعة، ﴿فإِنَّ الجحيم﴾ التي ذكر شأنها ﴿هي المأوى﴾ أي: مأواه. فاللام سادّة مسد الإضافة للعلم بأنَّ صاحب المأوى هو الطاغي، وجملة " فأمّا ": جواب " إذا " على طريقة: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّى هُدىً فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ ... ﴾ [البقرة: ٣٨] ، وقيل: جواب " إذا " محذوف، وهي تفصيل له، أي: إذا جاءت انقسم الناس على قسمين، فأمّا مَن طغى.. الخ، والذي يستدعيه فخامة التنزُّل، ويقتضيه مقام التهويل؛ أنَّ الجواب المحذوف تقديره: يكون من عظائم الشؤون ما لم تُشاهده العيون، ثم فصَّل أحوال الناس بقوله: فأمّا.. الخ.
﴿
وأمّا مَن خافَ مَقامَ ربه﴾ أي: مُقامه بين يدي مالك أمره يوم الطامة الكبرى، يوم يتذكر الإنسانُ ما سعى. ﴿وَنَهَى النفسَ عَنِ الْهَوَى﴾ المُرْدِيِّ، أي: زجرها عن اتّباع الشهوات الفانية، ولم يعتد بمتاع الحياة الدنيا وزهرتها، ولم يغتر بزخارفها وزينتها، علماً منه بوَخَامة عاقبتها، وقيل: هو الرجل يهم بالمعصية فيتذكّر مقامه للحساب فيتركها. والهوى: ميل النفس إلى ما تهوى من غير تقييد بالشريعة، ﴿فإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأوَى﴾ له لا لغيره، وسيأتي تحقيقه في الإشارة.
الإشارة: فإذا جاءت الطامة، وهو التجلَّي الجلالي الذي لايعرفه فيه إلاّ الرجال، يومئذ يتذكر الإنسان ما سعى فيه من علم التوحيد، فمَن كان عارفاً بالله في جميع الأشياء عرفه في جميع التجليات، كيفما تلوّنت، ومَن كان قاصراً في المعرفة في البعض وأنكره في البعض، كما في حديث القيامة، حيث يتجلّى لبعض عباده في صورة لا يعرفونها، فيُنكرونه، ويقولون، هذا موضعنا حتى يأتينا ربنا، ثم يتجلّى لهم في صورة يعرفونها، فيُقرونه، وهذا لقصورهم في المعرفة، ولو عرفوا الله في جميع تجلياته ما أنكروه في شيء منها، وبُرّزت الجحيم لمَن يرى، أي: وبُرّزت حينئذ نار القطيعة لمَن يرى. قال القشيري: أي: ظهرت جحيم الحجاب لمَن يراه غيرَ الأشياء، فإنه عين الأشياء في جميع التجليات، الجمالية والجلالية، العلوية والسفلية، الصورية والمعنوية. هـ.
فأمَّا مَن طغى وتبع هواه، وآثر الحياة الدنيا، والاشتغال بها عن الإقبال على الله، فإنَّ الجحيم هي المأوى، أي: جحيم الحرمان عن مشاهدة الرحمن، وأمّا مَن خافَ مقامَ ربه، أي: قيام ربه بالأشياء، أو على الأشياء، واطلاعه عليها، أو قيامه بين يدي الله غداً للحساب، فالأول لأهل المشاهدة، والثاني لأهل المراقبة، والثالث لأهل المحاسبة، وَنَهَى
стр. 3272
النفسَ عن الهوى، عن كل ما يشغل عن الله، ويُقسي القلبَ عن ذكر مولاه، مما تهواه النفوس، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأوَى، جنة المعارف لمَن ترك ما تهوى نفسُه من المباحات، وجنة الزخارف لمَن ترك ما تهواه من المحرّمات.
قال الورتجبي: خاطب تعالى العبادَ بهذه الآية في أوائل مقاماتهم، حين وجب عليهم ترك النفوس، وشرَه هواها، والميل إلى حظوظها، لأنهم في وقت قصودهم إلى الله لا يجوز لهم الرخص والرفاهية، فقد وجب عليهم الإعراض عن حظوظ أنفسهم، خوفاً من الاحتجاب عن الوصول إلى الله تعالى، ولعلمهم بأنه محيط بحركات شهوات نفوسهم الخفية، حين تميل بخفاياها إلى مرادها دون الله، فإذا جادوها وقهروها بتأييد الله أوصلهم الله مقامَ مشاهدته، وهي جنة العارفين، فإذا ترقُّوا إلى درجات المعرفة لم يحتاجوا إلى قهر النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ نفوسهم وأجسامهم وشياطينهم صارت روحانية، فجانست الأرواح الملكوتية، فشهوات نفوسهم هناك من تواثير حلاوة أرواحهم في مشاهدة الحق، فتشتهي الأنفسُ ما تشتهي الأرواحُ في الغيوب والعقول والقلوب، فيضطرهم هناك إلى كل شيء يكون للنفوس والأرواح، جنات تظهر فيها أنوار شهود الحق، وأين الكافر والمعطِّل والمدّعِي من هذا المقام؟ وهم خلقوا من الجهالة، فيموتون في الضلالة، وأصحاب القلوب والمعارف عيش أرواحهم عيش الربانيين، وعيش نفوسهم عيش الجنّانيين ـ أي أهل الجنة الحسية ـ والله قادر بذلك يختص برحمته مَن يشاء، ولهذا قال ﵊: " أسلم شيطاني " وقال: " نحن معاشر الأنبياء أجسادنا روح " ثم قال عن سهل: لا يَسلم من الهوى إلاَّ الأنبياء وبعض الصدّيقين، ليس كلهم، وإنما يسلم من الهوى مَن ألزم نفسه الأدب. هـ. قلت: الذي يُلزم نفسه الأدب هو الذي ينزل إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين، وقليل ما هم.
يقول الحق ﷻ : ﴿يسألونك عن الساعةِ أيَّان مُرْسَاها﴾ أي: متى إرساؤها، أي: إقامتها، يُريدون: متى يُقيمها الله تعالى ويكوّنها، وقيل: إيّان منتهاها ومستقرها، كما أنّ مرسى السفينة المحل التي تنتهي إليه وتستقر فيه، ﴿فِيمَ أنتَ مِن ذِكراها﴾ أيّ: في أي شيء أنت مِن أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به؟ أي: ما أنت من ذكراها وتبيين وقتها لهم في شيءٍ حتى يسألونك بيانها، إنما أنت نذير بها، كقولك: ليس فلان من العلم في شيءٍ وهو إنكار ورد لسؤال المشركين عنها، لأنَّ علمها مما استأثر به علاّم الغيوب
стр. 3273
وقيل: كان رسولُ الله ﷺ لم يزل يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت، فكفّ، فهو على هذا تعجيب من كثرة ذكره لها، أي: أنت في شُغل وأي شغل أنت من الاهتمام بالسؤال عنها.
وقالت عائشة ﵂: كان ﷺ يسأل عن الساعة كثيراً، فما نزلت هذه الآية انتهى عن ذلك. ولا يرده قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيُّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي: إنهم يزعمون أنك مُبالغ في السؤال عنها حتى علمتها ولست كما يزعمون، لأنّا نقول هذه الآية نزلت قبل تلك، وأنه كان أولاً يسأل عنها حتى نُهي بهذه الآية فانتهى، كما ذكر في الحديث المذكور، فنزلت تلك مخبرة عن حاله بعد انتهائه. والله أعلم. قال القشيري: من أين لك علمها ولم نعلمك بذلك، وقيل: يوقف على قوله: " فِيمَ " أي: هذا السؤال الذي يسألونك فيم، أي: في أي شيء هو، فيكون إنكاراً لسؤالهم، ثم ابتدأ: " مِن ذكراها " أي: إن ظهورك وبعثك وأنت خاتم النبيين من جملة ذكراها، أي: أشراطها وعلامتها، ومؤذن بقيامها، فلا حاجة لسؤالهم عنها، ويرده: عدم الإتيان بهاء السكت، ويجاب: بأنه ليس بلازم، وإنما تَلزمُ فيما جرّ بإضافة اسم، لبقائه على حرف واحد، كما هو مقرر في محله، مع عدم ثبوته في المصحف.
ثم أومأ تعالى إلى أنه مختص بحقيقة علمها، فقال: ﴿إِلى ربك منتهاها﴾ ؛ منتهى علمها متى يكون، لا يعلمها غيره، ﴿إِنما أَنتَ منذرُ مَن يخشاها﴾ أي: لم تُبعث لتُعلمهم وقت الساعة، وإنما بُعثت لتُخوّف مِن أهوالها مَن يخاف شدائدها، ﴿كأنهم يوم يرونها﴾ أي: الساعة ﴿لم يَلبثوا﴾ في الدنيا ﴿إِلاَّ عشيةً أو ضُحاها﴾ أي: ضحى العشية، استقلُّوا مدّة لبثهم في الدنيا لما عاينوا من الهول، كقوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وإنما صحّ إضافة الضحى إلى العشية للملابسة، لاجتماعهما في نهارٍ واحد، والمراد: أن مدة لبثهم لم تبلغ يوماً كاملاً، ولكن أحد طرفي النهار عشية يومٍ واحدٍ أوضحاه.
وقال أبو السعود: الآية إما تقرير وتأكيد لما يُنبىء عنه الإنذار من سرعة مجيء المنذَر به، أي: كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد الإنذار إلاّ عشية يوم واحد أو ضحاه، فلما ترك اليوم أضيف ضحاه إلى عشيته. وإمّا رد لما أدمجوه في سؤالهم، فإنهم كانوا يسألون عنها بطريق الاستهزاء مسعجلين لها، فالمعنى: كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد الوعيد بها إلا عشية أو ضُحاها، واعتبار كون اللبث في القبور أو في الدنيا لا يقتضيه المقام، وإنما الذي يقتضيه اعتبار كونه بعد الإنذار، أو بعد الوعيد، تحقيقاً للإنذار، وردًّا لاستبطائهم. والجملة على الأول: حال من الموصول، فإنه على تقدير الإضافة وعلى عدمها مفعول لمُنذر، كما أنَّ قوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِنَ النَّهَارٍ﴾ [يونس: ٤٥] حال من الضمير في " نحشرهم " أي: نحشرهم مشبّهين بمَن لم يلبث في الدنيا إِلا ساعة من النهار، خلا أن التشبيه هناك في الأحوال الظاهرة من الزي والهيئة، وفيما نحن فيه من الاعتقاد، كأنه قيل:
стр. 3274
عِدْهم مشبهين يوم يرونها في الاعتقاد بمَن لم يلبث بعد الإنذار بها إلاّ تلك المدة اليسيرة، وعلى الثاني: مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. هـ.
الإشارة: يسألونك أيها العارف عن الساعة التي يفتح الله فيها على المتوجِّه بالدخول في مقام الفناء في الذات، أيَّان مُرْساها، إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشى فواتها، أي: إنما أنت مُبَيّن الطريق التي توصل إليها، وتُخوِّف من العوائق التي تعوق عنها، وليس مِن وظيفتك الإعلام بوقتها، لأنها موهبة من الكريم الوهّاب، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها، أي: يستصغرون مدة مجاهدتهم وسيرهم في جانب عظمها. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.
стр. 3275
سورة عبس
يقول الحق ﷻ : ﴿عَبَسَ﴾ أي: كلح ﴿وتَوَلَّى﴾ ؛ أعرض ﴿أن جاءه﴾ أي: لأن جاءه ﴿الأعمَى﴾ ، وهو عبد الله ابن أمِّ مكتوم، وأمُّ مكتوم: أمُّ أبيه، وأبوه: شريح بن مالك بن ربيعة الفهري، وذلك أنه أتى رسولَ الله ﷺ وعنده صناديد قريش، عُتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرُهم، فقال: يا رسول الله، علِّمني مما علمك الله، وكرر ذلك، وهو لا يعلم تشاغله ﷺ بالقوم، فَكَرِه رسولُ الله ﷺ قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت، فكان رسول الله ﷺ يُكرمه، ويقول إذا رأه: " مرحباً بمَن عاتبني فيه ربي "، ويقول: " هل لك من حاجة "، واستخلفه على المدينة مرتين.
ولم يُواجهه ـ تعالى ـ بالخطاب، فلم يقل: عبستَ وتوليتَ؛ رفقاً به وملاطفة؛ لأنَّ مواجهة العتاب من رب الأرباب من أصعب الصعاب، خلافاً للزمخشري وابن عطية ومَن وافقهما. و " أن جاءه ": علة لـ " تولَّى "، أو " عبس "، على اختلاف المذهبين في التنازع، والتعرُّض لعنوان عماه إمّا لتمهيد عذره في الإقدام على قطع كلامه ﵇ بالقوم،
стр. 3276
والإيذان باستحقاقه بالرفق والرأقة، وإمّا لزيادة الإنكار، كأنه تولَّى عنه لكونه أعمى. قاله أبو السعود.
﴿وما يُدْرِيك﴾ أي: أيّ شيء يجعلك دارياً بحال هذا الأعمى حتى تُعرض عنه ﴿لعله يَزَّكَّى﴾ ؛ لعل الأعمى يتطهّر بما سمع منك من دنس الجهل، وأصله: يتزكَّى، فأدغم. وكلمة الترجي مع تحقق الوقوع وارد على سنن الكبرياء، أو: على أنّ الترجّي بالنسبة إليه ﵇ للتنبيه على أنَّ الإعراض عنه عند كونه مرجواً للتزكِّي مما لا ينبغي، فكيف إذا كان مقطوعاً بالتزكِّي، وفيه إشارة إلى أنَّ مَن تصدّى لتزكيتهم من الكفرة لا يرجى لهم التزكّي والتذكُّر أصلاً. وقوله تعالى: ﴿أو يذَّكَّرُ﴾ : عطف على " يزّكى "، داخل في حكم الترجي، قوله: ﴿فتَنفَعه الذِكرَى﴾ : عطف على " يذَّكَّر "، ومَن نصبه فجواب الترجي، أي: أو يتذكر فتنفعه موعظتك إن لم يبلغ درجة التزكي التام، أي: إنك لا تدري ما هو مترقَب منه مِن تزكٍّ أو تذكُّر، ولو دريت لَمَا فرط ذلك منك.
﴿
أمَّا مَن استغنى﴾ أي: مَن كان غنياً بالمال، أو: استغنى عن الإيمان، أو عما عندك من العلوم والمعارف التي انطوى عليه القرآن ﴿فأنت له تَصَدّى﴾ ؛ تتصدى وتتعرض له بالإقبال عليه، والاهتمام بإرشاده واستصلاحه. وفيه مزيد تنفير له ﷺ عن مصاحبتهم، فإنّ الإقبال على المدبِر ليس من شأن الكرام، أهل الغنى بالله. ﴿وما عليك ألاَّ يزَّكَّى﴾ أي: وليس عليك بأس في ألاَّ يزَّكّى بالإسلام حتى تهتم بأمره، وتُعرض عمن أسلم وأقبل إليك، وقيل: " ما " استفهامية، أي: أيُّ شيء عليك في ألاّ يزكّى هذا الكافر.
﴿وأمّا مَن جاءك يسعى﴾ أي: حال كونه مسرعاً طالباً لِما عندك من أحكام الرشد، وخصال الخير، ﴿وهو يخشى﴾ الله تعالى أو الكفار، أي: أذاهم في إتيانك، أو: الكبوة، أي: السقطة، كعادة العميان، ﴿فأنت عنه تَلَهَّى﴾ ؛ تتشاغل، وأصله: تتلهى. رُوي: أنه ﷺ ما عبس بعدها في وجه فقير قط، ولا تصدَّى لغَني بعدُ.
﴿كلاَّ﴾ أي: لا تَعُدْ إلى مثلها. وحاصل العتاب: ترجيح الإقبال على مَن فيه القبول والأهلية للانتفاع، دون مَن ليس كذلك ممن فيه استغناء، وإن كان قصده ﵇ صالحاً، ولكن نبَّهه اللهُ ـ تعالى ـ على طريق الأولى في سلوك الدعوة إليه، وأنّ مظنة ذلك الفُقراء؛ لتواضعهم، بخلاف الأغنياء، لتكبُّرهم وتعاظمهم. ولذلك لم يتعرض ﷺ لغَنِي بعدها، ولم يُعرض عن فقير، وكذلك ينبغي لفضلاء أمته من العلماء الدعاة إلى الله، وقد كان الفقراء في مجلس الثوري أُمراء. ثم قال تعالى: ﴿إِنها تذكرةٌ﴾ ؛ موعظة يجب أن يُتعظ بها، ويُعمل بموجبها، وهو تعليل للردع عما ذكر ببيان رتبة القرآن العظيم الذي استغنى عنه مَن تصدّى له، ﴿فمَن شاءَ ذّكَرَه﴾ أي: فمَن شاء اللهُ أن يذكره ذكره. أي: ألهمه الله الاتعاظ به، أو: مَن شاء حفظه واتعظ به، ومَن رغب عنها، كما فعله المستغني، فلا حاجة إلى الاهتمام بأمره.
стр. 3277
وذكّر الضمير؛ لأنَّ التذكرة في معنى الذكر والوعظ. وقال أبو السعود: الضميران للقرآن، وتأنيث الأول لتأنيث خبره، وقيل: الأول للسورة، أو للآيات السابقة، والثاني للتذكرة؛ لأنها في معنى الذكر والوعظ، وليس بذلك؛ فإنَّ السورة والآيات وإن كانت متصفة بما سيأتي من الصفات الشريفة، لكنها ليست مما ألقي على المستغنى عنه، واستحق بسبب ذلك ما سيأتي من الدعاء عليه، والتعجب مِن كفره المفرط، لنزولها بعد الحادثة، وأمّا مَن جَوْز رجوعهما إلى العتاب المذكور، فقد أخطأ وأساء الأدب، وخبط خبطاً يقضي منه العجب، فتأمّل. هـ.
وحاصِلُ المعنى: أنَّ هذه الآيات ـ أي آيات القرآن ـ تذكرة، فمَن شاء فليتعظ بها، حاصلة ﴿في صُحُفٍ﴾ منتسخة من اللوح، ﴿مُكَرَّمةٍ﴾ عند الله ، ﴿مرفوعةٍ﴾ في السماء السابعة، أو: مرفوعة المقدار والمنزِلة، ﴿مُطَهَّرةٍ﴾ عن مساس أيدي الشياطين، أو: عما ليس من كلام الله تعالى أو: مِن خللٍ في اللفظ أو المعنى، ﴿بأيدي سَفَرَةٍ﴾ أي: كَتَبَة من الملائكة، يستنسخون الكتبَ من اللوح، على أنه جمع: " سافِرٍ "، من السَّفْر، وهو الكتب، وقيل: بأيدي رسل من الملائكة يَسْفِرون بالوحي، بينه تعالى وبين أنبيائه، على أنه جمع " سفير " من السِفارة، وحَمْل " السَفَرة " على الأنبياء ﵈ أو على القُراء، لأنهم يقرؤون الأسفار، أو على الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بعيد؛ لأنَّ هذه اللفظة مختصة بالملائكة، لا تكاد تُطلق على غيرهم، وقال القرطبي: " المراد بقوله تعالى في الواقعة: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] هؤلاء السَفَرة ". ﴿كِرام﴾ عند الله تعالى، أو: متعطفين على المؤمنين يكلؤونهم ويستغفرون لهم، ﴿بررةٍ﴾ ؛ أتقياء، أو: مطيعين لله تعالى، من قولهم: فلان يبر خالقه، أي: يُطيعه، أو: صادقين، من قولهم: برّ في يمينه: صدق. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ينبغي للداعي إلى الله أن ينبسط عند الضعفاء، ويُقبل عليهم بكليته ويواجههم بالبشاشة والفرح، سواء كانوا ضعفاء الأموال، أو ضعفاء الأبدان، كالعُميان والمحبوسين والمرضى، أو: ضعفاء اليقين، إن أقبلوا إليه، فقد كان الشيخ أبو العباس المرسي يحتفل بملاقاة أهل العصيان والجبابرة أكثر مِن غيرهم، فقيل له في ذلك، فقال: هؤلاء يأتونا فقراء منكسرين، بخلاف غيرهم من العلماء والصالحين. قلت: وكذلك رأيتُ حال أشياخنا ﵃ يَبرون بالجبابرة وأهل العصيان، ليجرُّوهم بذلك إلى الله تعالى، قالوا: يأتينا الرجل سَبُع فنهلس عليه فيرجع ذئباً، ثم نهلس عليه فيرجع قِطاً، ثم نجعل السلسلة في عنقه ونقوده إلى ربه. نَعَم إن تزاحم حق الفقراء وحق الجبابرة في وقت واحدٍ قدّم حقَّ الفقراء؛ لشرفهم عند الله، إلاّ إن كانوا راسخين، فيُقَدِّم عليهم غيرهم؛ لأنهم حينئذ يحبون الإيثار عليهم.
قال الورتجبي: بيَّن الله تعالى هنا ـ يعني في هذه الآية ـ درجةَ الفقر، وتعظيم أهله،
стр. 3278
وخِسّة الدنيا، وتحقير أهلها، وأنَّ الفقير إذا كان بنعت الصدق والمعرفة والمحبة كان شرفاً له، وهو من أهل الصُحبة، ولا يجوز الاشتغال بصُحبة الأغنياء، ودعوتهم إلى طريق الفقراء، إذا كان سجيتهم لم تكن بسجية أهل المعرفة، فإذا كان حالهم كذلك لا يأتون إلى طريق الحق بنعت التجريد، فالصُحبة معهم ضائعة، إلا ترى كيف عاتب الله نبيَّه بهذه الآية بقوله: ﴿أمّا مَن استغنى..﴾ الآية، كيف يتزكَّى مَن خُلق على جبِلة حب الدنيا والعمى عن الآخرة والعُقبى. هـ.
يقول الحق ﷻ : ﴿قُتِلَ الإِنسانُ﴾ أي: لُعن، والمراد: إمّا مَن استغنى عن القرآن الكريم الذي ذكرت نُعُوته الجليلة، الموجبة للإقبال عليه، والإيمان به، وإمّا الجنس باعتبار انتظامه له ولأمثاله من أفراده، وقيل: المراد: أُميّة أو: عُتبة بن ربيعة. ﴿ما أكْفَرَه﴾ ، ما أشد كفره! تعجبٌ من إفراطه في الكفران، وبيانٌ لاستحقاقه الدعاء عليه، وقيل: " ما " استفهامية، توبيخي، أي: أيُّ شيء حَمَلَه على الكفر؟ ! ﴿من أي شيءٍ خَلَقهُ﴾ أي: من أيِّ شيءٍ حقيرٍ خلَقَه؟ ثم بيّنه بقوله: ﴿من نطفةٍ خَلَقَه﴾ أي: مِن نطفة مذرة ابتداء خلقه، ﴿فقدَّره﴾ ؛ فهيّأه لِما يصلح له، ويليق به من الأعضاء والأشكال، أو: فقدّره أطوراً إلى أن تَم خلقه.
﴿ثم السبيلَ يَسَّرهُ﴾ أي: يَسّر له سبيل الخروج من بطن أمه، بأن فتح له فم الرحم، وألهمه أن يتنكّس ليسهل خروجه. وتعريف " السبيل " باللام للإشعار بالعموم، أو: يَسْر له سبيل الخير أو الشر، على ماسبق له، أو يَسْر له سبيل النظر السديد، المؤدِّي إلى الإيمان، وهو منصوب بفعل يُفسره ما بعده.
﴿ثم أماته فأقْبَره﴾ أي: جعله ذا قبرٍ يُوارَى فيه تكرمةً، ولم يجعله مطروداً على وجه الأرض تأكله السباع والطير، كسائر الحيوان. يُقال: قبرتَ الميت: إذا دفنته، وأقبرته: أمرت بدفنه. وعدّ الإماتة من النِعم؛ لأنها وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم، ولأنها سبب وصول الحبيب إلى حبيبه. ﴿ثم إِذا شاء أنْشَرَهُ﴾ أي: إذا شاء نَشْرَه، على القاعدة المستمرة مِن حذف مفعول المشيئة، أي: ثم ينشره في الوقت الذي شاء، وهو يوم القيامة، وفي تعلُّق الإنشار بمشيئته ـ تعالى ـ إيذان بأنّ وقته غير متعين، قال ابن عرفة: تعليق المعاد بالمشيئة جائز، جارٍ على مذهب أهل السنة؛ لأنهم يقولون: إنه جائز
стр. 3279
عقلاً، واجب شرعاً، وأمّا المعتزلة فيقولون بوجوبه، بناء على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين. هـ.
﴿
كلاَّ﴾ ، ردع للإنسان عما هو عليه، ثم بيَّن سبب الردع فقال: ﴿لمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ﴾ أي: لم يقضِ العبد جميع ما أمَرَه اللهُ به؛ إذ لا يخلوا العبد من تقصيرٍ ما، فإن قلت: " لَمَّا " تقتضي توقع منفيها، وهو هنا متعذر كما قلتَ؟ . قلتُ: الأمر الذي أمر الله به عبادَه في الجملة: هو الوصول إلى حضرة الشهود والعيان، وهو ممكن عادة، متوقع في الجملة، وقد وصل إليه كثير من أوليائه تعالى، فمَن وصل إليه فلا تقصير في حقه، وإن كانت المعرفة غير متناهية، ومَن لم يصل إليه فهومُقصِّر، غير أنَّ عقابه هو احتجابه عن ربه. والله تعالى أعلم.
ثم أَمَرَ بالتفكُّر في نِعم الله، ليكون سبباً للشكر، الذي هو: صرف كلية العبد في طاعة مولاه، فلعله يقضي ما أَمَرَه فقال: ﴿فلينظر الإِنسانُ إِلى طعامه﴾ أي: فلينظر إلى طعامه الذي هو قِوام بدنه، وعليه يدور أمر معاشه، كيف صيَّرناه، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الماءَ﴾ أي: الغيث ﴿صَبًّا﴾ عجيباً، فمَن قرأ بالفتح فبدل اشتمال من الطعام، وبالكسر استئناف. ﴿ثم شققنا الأرضَ﴾ بإخراج النبات، أو: بالحرث، وهو فعل الله في الحقيقة؛ إذ لا فاعل سواه، ﴿شَقًّا﴾ بديعاً لائقاً بما يشقها من النبات، صِغراً أو كِبراً، وشكلاً وهيئة، أو: شقاً بليغاً؛ إذ لا ينبت بمطلق الشق، وإذا نبت لا يتم عادة. و " ثم " للتراخي التي بين الصبّ والشق عادة، سواء قلنا بالنبات أو بالكَراب، وهو الحراثة.
﴿فأنبتنا فيها حَبًّا﴾ كالبُر والشعير وغيرهما مما يتغذّى به. قال ابن عطية: الحب: جمع حبة ـ بفتح الحاء، وهو: كل ما يتخذه الناس ويُرَبونه، والحِبة ـ بكسر الحاء: كل ما ينبت من البذور ولا يُحْفل به ولا هو بمتخَذ. هـ. ﴿وعِنباً﴾ أي: ثمرة الكَرْم، وهذا يؤيد أن المراد بالشق: حفر الأرض بالحرث أو غيره، لأنَّ العنب لا يشق الأرض في نباته، وإنما يغرس عوداً. وقال أبو السعود: وليس من لوازم العطف أن يقيد المعطوف بجميع ما قيّد به المعطوف عليه، فلا ضرر في في خُلُو نبات العنب عن شق الأرض. هـ. ﴿وقَضْباً﴾ وهو كل ما يقضب، أي: يُقطع ليُؤكل رطباً من النبات، كالبقول والهِلْيَوْن ونحوه مما يُؤكل غضاً، وهو جملة النِعَم التي أنعم الله بها، ولا ذكر له في هذه الآية إلاّ في هذه اللفظة. قاله ابن عطية. والهِلْيَوْن ـ بكسر الهاء وسكون اللام: جمع هليونة، وهو الهِنْدَبا. قاله ابن عرفة اللغوي، وقيل: هو الفِصْفَصَة، وهو ضعيف؛ لأنها للبهائم، وهي داخلة في الأَبْ.
﴿
وزيتوناً ونخلا﴾ ، الكلام فيهما كما تقدّم في العنب، ﴿وحدائقَ﴾ ؛ بساتين ﴿غُلْباً﴾ : جمع غلباء، أي: غلاظ الأشجار مع نعومتها، وصفَ به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها، ﴿وفاكهةً﴾ أي: ما تتفكهون به من فواكه الصيف والخريف، ﴿وأبًّا﴾ أي:
стр. 3280
مرعَى لدوابكم، من: أبَّه: إذا أمَّه، أي قصده، لأنه يُؤم وينتجع، اي: يُقصد، أو: من أب لكذا: إذا تهيأ له؛ لأنه مُتهيأ للرعي، أو: فاكهة يابسة تُؤب للشتاء.
وعن الصِّدِّيق ﵁ أنه سُئل عن الأب، فقال: أيُّ سماء تُظلني، وأيّ أرض تُقلني إذا قلتُ في كتاب الله ما لا علم لي به. وعن عمر ﵁ أنه قرأ هذه الآية، فقال: كل هذا قد عرفناه، فما الأبُّ؟ ثم رفع عصاً كانت بيده، فقال: هذا لعَمْرُ الله التكلُّف، وما عليك يا ابن أمر عمر، ألاَّ تدري ما الأبُّ؟ ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم وما لا فلتَدعُوه. هـ. وهذه اللفظة من لغات البادية، فلذلك خفيت على الحواضر. ﴿متاعاً لكم ولأنعامكم﴾ أي: جعل ذلك تمتيعاً لكم ولمواشيكم، فإنّ بعض هذه المذكورات طعام لهم، وبعضها علف لدوابهم، و ﴿متاعاً﴾ : مفعول لأجله، أو: مصدر مؤكد لفعله المضمر بحذف الزوائد، أي: متّعكم بذلك متاعاً، والالتفات لتكميل الامتنان، والله تعالى أعلم.
الإشارة: قُتل الإنسان؛ لُعن الغافل عن ذكر الله، لقوله ﵇: " الدنيا مَلعونَةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلاَّ ذِكْرُ الله وما وَالاهُ، وعالماً ومُتَعلِّماً "، فلم يخرج من اللعنة إلاّ الذاكر والعالِم والمتعلم إذا أخلصا، ثم عجب تعالى من شِدة كفره لنِعمه، حيث لم يُشاهد المُنعِّم في النِعم، فيقبض منه، ويدفع إليه، ثم ذكر أول نشأته ومنتهاه، وما تقوم به بِنْيتِه فيما بينهما؛ ليحضه على الشكر. قال القشيري: ﴿من أيّ شيء خلقه..﴾ الخ، يعني: ما كان له ليكفر، لأنّا خلقناه من نطفة الوجود المطلق وهيأناه لمظهرية ذاتنا وصفاتنا، وأسمائنا. هـ.
ثم قال: ﴿ثم السبيل يَسَّره﴾ أي: سهلنا عليه سبيل الظهور لِمَظاهر الأسماء الجلالية والجمالية، ثم أماته عن أنانيته، فأقبره في قبر الفناء عن رؤية الفناء، ثم إذا شاء أنشره بالبقاء بعد الفناء. كلاَّ لِيرتدع عن كفرانه لنِعمنا، وليستغرق أحواله في شهود ذاتنا، ليكون شاكراً لأنعُمنا، لمَّا يقضِ مَآ اَمَرَه، وهو الوصول إلى حضرة العيان. فكل مَن وصل إلى حضرة الشهود بالفناء والبقاء فقد قضى ما أَمَرَه به مولاه، وكل مَن لم يصل إليها فهو مُقَصِّر، ولو أعطي عبادة الثقلين. قال القشيري: ويُقال: لم يقضِ الله له أمره به، ولو قضى له ما أمره به لَمَا عصاه. هـ. وقال الورتجبي: لم يفِ بالعهد الأول، حين خاطبه الحق بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولم يأتِ بمراد الله منه، وهو العبودية الخالصة. هـ. قلت: يعني مع انضمام شهود عظمة الربوبية الصافية.
وقوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسانُ إلى طعامه﴾ أي: الحسي والمعنوي، وهو قوت القلوب والأرواح، أنَّا صببنا الماء صبًّا، أي: صببنا ماء العلوم والواردات على القلوب
стр. 3281
الميتة فحييت. قال القشيري: صَبَبْنا ماءَ الرحمة على القلوب القاسية فَلاَنتْ للتوبة، وماء التعريف على القلوب الصافية فنبتت فيها أزهار التوحيد وأنوارُ التجريد. هـ. ثم شققنا أرض البشرية بأنواع العبادات والعبودية، شقًّا، فأنبتنا فيها: في قلبها حَبَّ المحبة، وكَرْمَ الخمرة الأزلية، وقَضْب الزهد في زهرة الدنيا وشهواتها، وزيتوناً يشتعل بزيتها مصابيح العلوم، ونخلاً يجنى منها ثمار حلاوة المعاملة، وحدائق، أي: بساتين المعارف متكاثفة التجليات، وأبًّا، أي: مرعى لأرواحكم، بالفكرة والنظرة في أنوار التجليات الجلالية والجمالية، فيأخذ النصيب من كل شيء، ويعرف الله في كل شيء، كما قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن المجذوب ﵁:
الخلقُ نَوَّارٌ، وَأَنا رَعَيْتُ فيهم
هم الحجب الأكبر والمدخل فيهم
متاعاً لكم، أي: لقلوبكم وأرواحكم، بتقوية العرفان في مقام الإحسان، ولأنعامكم أي: نفوسكم بتقوية اليقين في مقام الإيمان. والله تعالى أعلم.
يقول الحق ﷻ : ﴿فإِذا جاءت الصَّاخةُ﴾ أي: صيحة القيامة، وهي في الأصل: الداهية العظيمة، وسُميت بذلك لأنَّ الخلائق يَصخون لها، اي: يُصيخون لها، مِن: صَخَّ لحديثه: إذا أصاخ له واستمع، وُصفت بها النفخة الثانية لأنَّ الناس يصخون لها، وقيل: هي الصيحة التي تصخ الآذان، أي: تصمها، لشدة وقعها. وجواب (إذا) : محذوف أي: كان من أمر الله ما لا يدخل تحت نطاق العبارة، يدل عليه قوله: ﴿يومَ يفرُّ المرءُ مِنْ أخيه﴾ ، فالظرف متعلق بذلك الجواب، وقيل: منصوب بأعني، وقيل: بدل من " إذا " أي: يهرب من أخيه لاشتغاله بنفسه، فلا يلتفت إليه ولا يسأل عنه، ﴿و﴾ يفرُّ أيضاً من ﴿أُمهِ وأبيهِ﴾ مع شدة محبتهم فيه في الدنيا، ﴿وصاحبتهِ﴾ أي: زوجته ﴿وبنيهِ﴾ ، بدأ بالأخ ثم بالأبوين؛ لأنهما أقرب منه، ثم بالصاحبة والبنين؛ لأنهم أحبُّ، فالآية من باب الترقي. وقيل: أول مَن يفرُّ من أخيه: هابيل، ومن أبويه: إبراهيم، ومن صاحبته: نوح ولوط، ومن ابنه: نوح. ﴿لكل امرىءٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغْنيه﴾ أي: لكل واحد من المذكورين شغل شاغل، وخطب هائل، يكفيه في الاهتمام به، ويشغله عن غيره.
ثم بيَّن أحوال المذكورين وانقسامهم إلى السعداء والأشقياء، بعد ذكر وقوعهم في داهية دهياء، فقال: ﴿وجوه يومئذٍ مُسْفِرةٌ﴾ أي: مضيئة متهللة، من: أسفر الصبح: إذا
стр. 3282
أضاء، قيل: ذلك مِن قيام الليل، وقيل: مِن إشراق أنوار الإيمان في قلوبهم، ﴿ضاحكةٌ مستبشرةٌ﴾ بما تُشاهد من النعيم المقيم والبهجة الدائمة. ﴿ووجوه يومئذٍ عليها غبرةٌ﴾ أي: غبار وكدور، ﴿تَرهقها﴾ أي: تعلوها وتغشاها ﴿قَتَرَةٌ﴾ أي: سواد وظُلمة ﴿أولئك هم الكفرةُ﴾ ، الإشارة إلى أصحاب تلك الوجوه. وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد درجتهم في السوء، أي: أولئك الموصوفون بسواد الوجوه وغبرتها هم الكفرة ﴿الفجرةُ﴾ أي: الجامعون بين الكفر والفجور، ولذلك جمع الله لهم بين السواد والغبرة. نسأل الله السلامة والعافية.
الإشارة: فإذا جاءت الصاخة، أي: النفحة الإلهية التي تجذب القلوب إلى الحضرة القدسية، فتأنّست القلوب بالله، وفرتْ مما سواه فترى الرجل حين تهب عليه هذه النفحة، بواسطة أو بغير واسطة، يفر من الخلق، الأقارب والأجانب، أُنساً بالله وشُغلاً بذكره، لا يزال هكذا حتى يصل إلى مولاه، ويتمكن من شهوده أيَّ تمكُّن، فحينئذ يخالط الناسَ بجسمه، ويفارقهم بقلبه، كما قالت رابعة العدوية ﵂:
إِنَّي جَعلتُكَ في الفُؤَادِ مُحَدّثي
وأَبَحْتُ جسمي مَنْ أراد جُلوسي
فَالْجِسْمُ مني لِلْجَلِيس مُؤَانِس
وحبيبُ قَلْبي في الفُؤادِ أنِيسي
قال القشيري: قالوا: الاستقامة أن تشهد الوقت قيامة، فَما مِن وَلِيًّ وعارفٍ إلاّ وهو اليومَ يَفرُّ بقلبه من الجميع؛ لأنّ لكل شأناً يُغنيه، فالعارفُ مع الخَلْق لا بقلبه، ثم ذكر شعر رابعةُ. وقال الورتجبي: أكّد الله أمر نصيحته لعباده ألاّ يعتمدوا إلى مَن سواه في الدنيا والآخرة، وأنَّ ما سواه لا ينقذه مِن قبض الله حتى يفرّ مما دون الله إلى الله. هـ. وقال في قوله تعالى: ﴿لكل امرىء منهم يومئذ شأن يُغنيه﴾ : لكل واحدٍ منهم شأن يشغله، وللعارف شأن مع الله في مشاهدته، يُغنيه عما سِوَى الله. هـ.
قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ مُسْفِرة ضاحكة مستبشِرة﴾ كل مَن أَسفر عن ليل وجوده ضياءُ نهار معرفته، فوجهه يوم القيامة مُسْفِر بنور الحبيب، ضاحك لشهوده، مستبشر بدوام إقباله ورضوانه. وقال أبو طاهر: كشف عنها سُتور الغفلة، فضحكت بالدنو من الحق، واستبشرت بمشاهدته. وقال ابن عطاء: أسفر تلك الوجوه نظرُها إلى مولاها، وأضحكها رضاه عنها. هـ. قال القشيري: ضاحكة مستبشرة بأسبابٍ مختلفة، فمنهم مَن استبشر بوصوله إلى حبيبه، ومنهم بوصوله إلى الحور، ومنهم، ومنهم، وبعضهم لأنه نظر إلى ربِّه فرأه، ووجوه عليها غبرة الفراقُ، يرهقها ذُلُّ الحجاب والبعاد. هـ.
قال الورتجبي: ﴿وجوه يومئذ مُسْفِرة﴾ ، وجوه العارفين مُسْفرة بطلوع إسفار صبح تجلِّي جمال الحق فيها، ضاحِكة مِن الفرح بوصولها إلى مشاهدة حبيبها، مستبشرة بخطابه
стр. 3283
ووجدان رضاه، والعلم ببقائها مع بقاء الله. ثم وصف وجوه الأعداء والمدّعين فقال: ﴿ووجوه يومئذٍ عليه غبرةُ﴾ الفراقِ يوم التلاق، وعليها قَتر ذل الحجاب، وظلمة العذاب ـ نعوذ بالله من العتاب ـ قال السري: ظاهر عليها حزن البعاد؛ لأنها صارت محجوبة، عن الباب مطرودة، وقال سَهْلٌ: غلب عليها إعراض الله عنها، ومقته إياها، فهي تزداد في كل يوم ظلمة وقترة. هـ.
اللهم أسفر وجوهنا بنور ذاتك، وأضحكنا وبَشِّرنا بين أوليائك في الدنيا والآخرة، إِنك على كل شيءٍ قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 3284
سورة التكوير
يقول الحق ﷻ : ﴿إِذا الشمسُ كُوِّرتْ﴾ أي: ذُهب بضوئها، من كوَّرت العمامة: إذا لففتها، أي: يُلفّ ضوؤها لفًّا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنَة فكوّره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كُوِّرت: نُكّست، وعن ابن عباس ﵁: تكويرها: إدخالها في العرش. ﴿وإِذا النجومُ انكَدرَتْ﴾ أي: انقضّت وتساقطت، فلا يبقى يومئذٍ نجمٌ إلاّ سقط على الأرض. قال ابن عباس ﵁: النجوم قناديل معلّقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض، بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات مَن في السموات ومَن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويُروى: أن الشمس والنجوم تُطرح في جهنم، ليراها مَن عبدها، كما قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] .
﴿وإِذا الجبال سُيِّرتْ﴾ عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فيها عِوجاً ولا أمتاً. ﴿وإِذا العِشَار﴾ جمع: عُشَرَاء، وهي الناقة التي مرّ على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنْفس ما يكون عند أهلها، وأعزّها عليهم، ﴿عُطِّلَتْ﴾ ؛ تُركت مهملة؛ لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحبّ ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تُبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن
стр. 3285
شدة الأمر. ﴿وإِذا الوحوشُ حُشِرت﴾ أي: جُمعت من كل جانب، وقيل: بُعثت للقصاص، قال قتادة: يُحشر كلُّ شيءٍ حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها رُدّت تراباً، فلا يبقى منها إلاّ ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. ﴿وإِذا البحار سُجّرتْ﴾ أي: أُحميت، أو مُلئت وفُجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحراً واحداً، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الأنفطار: ٣] ، من سَجر التنّور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يُقذف بالكواكب فيها، ثم تُضرم فتصير نيراناً، فمعنى " سُجِّرتْ " حينئذ: قُذف بها في النار، وقد ورد أنّ في النار بحاراً من نار.
﴿
وإِذا النفوس زُوِّجتْ﴾ أي: قُرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحُور، ونفوس الكافرين بالشياطين. ﴿وإِذا الموؤدةُ﴾ أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا وُلد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتاً رمت بها، وإذا ولدت ابناً ضَمّته، فإذا كان يوم القيامة ﴿سُئِلَتْ بأيّ ذنبٍ قُتلتْ﴾ ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أنَّ أطفال المشركين لا يُعذّبون، وأنَّ التعذيب لا يكون بغير ذنب.
﴿وإِذا الصُحفُ نُشِرَتْ﴾ أي: صُحف الأعمال، فإنها تُطوى عند الموت وتُنشر عند الحساب، قال ﷺ : " يُحشرُ الناس يوم القيامةِ حُفَاةً عراة " فقالت أمُ سلمة: فكيف بالنساء؟ ! فقال: " شُغِل الناسُ يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نَشْرُ الصُّحُفِ، فيها مثاقيلُ الذرِّ، ومثاقيلِ الخَرْدل " وقيل: نُشرت: فُرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وَداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصُحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال.
﴿وإِذا السماءُ كُشِطَتْ﴾ ، قُطعت وأزيلت، كما يُكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، ﴿وإِذا الجحيمُ سُعِّرتْ﴾ أي: أوقدت إيقاداً شديداً، غضباً على العصاة، ﴿وإِذا الجنة أُزْلِفَتْ﴾ أي: قُربت من المتقين، كقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [قَ: ٣١] .
عن ابن عباس ﵁: إن هذه ثِنتا عشرة خصلة، ستٌّ في الدنيا، فيما بين
стр. 3286
النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجرتْ﴾ على أنَّ المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وستٌّ في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أنَّ تلك الخصال كلها بعد البعث، فإنَّ الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كُوِّرت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأمّا الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدّم، وأمّا العِشار فلا يتصور إهمالها إلاَّ بعد بعث أهلها.
وقوله تعالى: ﴿علمتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ : جواب " إذا "، على أنَّ المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كلُّ نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إمّا حضور صحائفها، كما يُعرب عنه نشرُها، وإمّا حضور أنفسها، على أنها تُشكّل بصورة مناسبة لها في الحُسن والقُبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩، العنكبوت: ٥٤] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ... ﴾ [النساء: ١٠] ، الآية، وقوله ﵇ في حق مَن يشرب في آنية الذهب: " إنما يُجَرْجرُ في بطنه نار جهنم " ولا بُعد في ذلك، ألا ترى أنَّ العِلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على مَن له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد رُوي عن عباس ﵁ أنه قال: " يُؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان "، وأيًّا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله ، كما نطق به قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً..﴾ [آل عمران: ٣٠] الآية؛ لأنها لمّا عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تُشاهد جزاءها، خيراً كان أو شرًّا.
الإشارة: اعلم أنَّ النفس والروح والسر أسماء لمسمَّى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سُميت نفساً، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سُميت روحاً فإذا تزكّت وأشرقت عليها أسرار الذات سُميت سرًّا، فالإشارة في قوله: ﴿إذا الشمس كُورت﴾ إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبقَ منها للعارف إلاّ ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال؛ جبال العقل، سُيرت؛ لأنّ نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العِشارُ عُطلتْ، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها، وإذا الوحوش، أي:
стр. 3287
الخواطر الردية حُشرتْ وغرقتْ في بحر الأحدية، وإذا البحارُ بحار الأحدية سُجرتْ، أي: فُجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحراً واحداً متصلاً أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زُوجتْ بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سُرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. هـ.
وإذا الموؤودة سُئِلَتْ بأيّ ذنبٍ قُتلتْ، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأُميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكُّر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتُسأل بأي ذنب قُتلت، حتى تعطّلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. هـ. وإذا الصُحف؛ الواردات الإلهية نُشرتْ على القلوب القدسية، فظهرت أنوارُها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماءُ كُشطتْ، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سُعّرتْ لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أُزلفت لأهل الجمع والوصال، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق.
يقول الحق ﷻ : ﴿فلا أُقسم﴾ ، " لا " صلة، أي: أُقسم ﴿بالخُنَّس﴾ أي: بالكواكب الرواجع، مِن: خَنَس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراريّ الخمسة، وهي: بهرام [المريخ] ، وزحل، وعطارد، والزُّهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كرَّ راجعاً إلى أوله، ﴿الجَوَارِ﴾ أي: السيّارة ﴿الكُنَّس﴾ أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أنَّ هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كُنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها.
﴿والليلِ إِذا عسعس﴾ ؛ أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسَعْسع: إذا
стр. 3288
أدبر ولم يبقَ منه إلاّ اليسير، قال الشاعر:
حَتَّى إذا الصُّبحُ لها تَنَفَّسَا
وانجابَ عنها ليلُها وعَسْعسا
والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، ﴿والصبح إّذا تنفس﴾ ؛ امتدّ ضوؤه وارتفع حتى يصير نهاراً، ولمّا كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفساً له مجازاً، فقيل: تنفس الصبح.
وجواب القسم: ﴿إِنه﴾ أي: القرآن ﴿لقولُ رسولٍ كريم﴾ على ربه، وهو جبريل ﵇ قاله عن الله ، وإنما أضيف القرآن إليه؛ لأنه هو الذي نزل به.
﴿ذي قوةٍ﴾ ؛ ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، ﴿عند ذي العرش مكينٍ﴾ أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولمّا كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: ﴿عند ذي العرش﴾ ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. ﴿مطاعٍ ثَمَّ﴾ أي: في السموات يُطيعه مَن فيها، أو عند ذي العرش تُطيعه ملائكتُه المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله ﷺ وفتح خزنةُ الجنة الجنةَ لمحمدٍ حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. هـ. ﴿أمين﴾ على الوحي.
﴿
وما صاحِبُكم﴾ هو الرسول ﷺ ﴿بمجنونٍ﴾ كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسَم عليه، ﴿ولقد رآه﴾ أي: رأى محمدٌ ﷺ جبريلَ على صورته التي خلقه اللهُ عليها، ﴿بالأُفق المبين﴾ أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي ﷺ لجبريل: " إني أُحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح "، قال: لا يسعني، قال: " بمِنىً "، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي ﷺ للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبيُّ ﷺ خرّ مغشيًّا عليه، فتحوّل جبريلُ في صورته، فضمّه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإنَّ العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحياناً من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفورـ حتى ما يحمل عرش ربك إلاّ عظمته. هـ.
أو: ولقد رأى جبريلَ ﵇ ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد ﷺ بالأُفق الأعلى.
﴿وما هو على الغيبِ﴾ أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب
стр. 3289
﴿بضنين﴾ ؛ ببخيل، على قراءة الضاد، من: ضنَّ بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحُلْوان، بل يُعلّمه لكل مَن يطلبه ولا يكتم شيئاً منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئاً مما أوحى إليه أو يزيد فيه، ﴿وماهو بقول شيطان رجيم﴾ ؛ طريد، وهو كقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر.
﴿فأين تذهبون﴾ وتتركون الحقَّ الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مُثَّلت حالهم في تركهم الحقّ، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمَن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأيُّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بيَّنْتُ لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلاَّ عندنا: هـ. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ ﴿إِن هو إِلاّ ذِكْرٌ للعالَمين﴾ أي: موعظة وتذكير للخلق ﴿لمَن شاء منكم﴾ : بدل من العالمين بإعادة الجار، ﴿إن يستقيم﴾ : مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمَن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، ﴿وما تشاؤون﴾ الاستقامة ﴿إِلاّ أن يشاء الله﴾ .
ولمّا نزل قوله تعالى: ﴿لمَن شاء منكم أن يستقيم﴾ قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: ﴿وما تشاؤون إِلاّ أن يشاء اللهَ ربَّ العالمين﴾ أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعاً وثمانين كتاباً مما أنزل الله، فوجدتُ فيها: مَن جعل لنفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلاّ بمشيئته، ولا تعمل إلاّ بقوته، ولا تطيع إلاّ بفضله، ولا تعصي إلاّ بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟ . هـ.
وقال الطيبي عن الإمام: إنَّ مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله؛ لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف؛ لأنَّا بيَّنَّا أنّ المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. هـ.
الإشارة: فلا أُقسم بالخُنَّس؛ الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكُنَّس؛ لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع
стр. 3290
عوائده، والصُبح، أي: صُبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفَّس ثم تطلع شمسه شيئاً فشيئاً، إنه، أي: الوحي الإلهامي لَقَولُ رسول كريم واراد رباني، ذي قوة؛ لأنه يأتي من حضرة قهّار قوي متين، فلا يُصادم شيئاً من المساوىء إلاّ دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تَمَكَّن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقرَّبين السابقين؛ مطاع ثَمَّ أمين؛ لأنّ الوارد الإلهي تجب طاعته؛ لأنه يتجلّى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأُفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وماه هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يُخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمُتَّهَم، ولا بخيل، بل يجود به على مَن يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبقَ لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين، أي: ما جعله الله في كل زمان إلاّ ليُذَكِّر أهل زمانه، لمَن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شِئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين.
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 3291
سورة الانفطار
يقول الحق ﷻ : ﴿إِذا السماءُ انفطرتْ﴾ أي: انشقت لنزول الملائكة، كقوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾ [النبأ: ١٩] ، ﴿وإِذا الكواكبُ انتثرتْ﴾ أي: تساقطت متفرقة، ﴿وإِذا البحار فُجِّرتْ﴾ ؛ فُتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالأُجاج، وزال ما بينها من البرزخ والحاجز، وصارت البحار بحراً واحداً. رُوي: أنَّ الأرض تنشق، فتغور تلك البحار، وتسقط في جهنم، فتصير نيراناً، وهو معنى التسجير المتقدم عند الحسن. ﴿وإِذا القبورُ بُعْثرِتْ﴾ أي: قُلب ترابها، وأُخرج موتاها، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته: إذا جعلت أسفله أعلاه، وجواب " إذا ": ﴿عَلِمَتْ نفسٌ مَّا قدَّمتْ وأخَّرَتْ﴾ أي: إذا كانت هذه الأشياء قرأ كلُّ إنسان كتابه، وجُوزي بعمله، لأنَّ المراد بها زمان واحد، مبدأه: النفخة الأولى، ومنتهاه: الفصل بين الخلائق ونشر الصُحف، لا أزمنة متعددة حسب تعددها، وإنما كررت لتهويل ما في حيّزها من الدواهي، ومعنى " ما قَدَّم وأخَّر ": ما سلف مِن عملٍ؛ خير أو شر، مَن سَنّ سُنة حَسَنةٌ أو سيئة يُعمل بها بعده، قاله ابن عباس وابن مسعود. وعن ابن عباس أيضاً: ما قدّم من معصية وأخّر من طاعة، وقيل: ما قدَّم من أمواله لنفسه، وما أخَّر لورثته، وقيل: ما قدَّم من فرض، وأخّر منه عن وقته، وقيل: ما قدمتْ من الأسقاط والأفراط، وأخّرت من الأولاد. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إذا سماء المعاني انفطرت، أي: تشققت وظهرت من أصداف الأواني، وإذا نجوم على الرسوم انتثرت عند طلوع شمس العيان، وإذا بحار الأحدية فُجِّرتْ وانطبقت على الكائنات فأفنتها، وإذا القلوب الميتة بُعثت وحييت بالمعرفة، عَلِمَتْ نفسٌ مَّا
стр. 3292
قدّمت من المجاهدة، وما أخَّرت منها؛ إذ بقدر المجاهدة في خرق العوائد تكون المشاهدة، وبقدر الشكر يكون الصحو، وبقدر الشُرب يكون الرّي، فعند النهاية يظهر قدر البداية، البدايات مجلاة النهايات " فمَن أشرقت بدايته، أشرقت نهايته ". وبالله التوفيق.
يقول الحق ﷻ : ﴿يا أيها الإِنسانُ مَا غرّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾ ؛ أيّ شيءٍ خدعك وجرّأك على عصيانه، وقد علمتَ ما بين يديك من الدواهي التامة، والعواطب الطَامّة، وما سيكون حينئذ من مشاهدة ما قَدَّمتَ من أعمالِك، وما أخّرت؟ والتعرُّض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه مما لا يصلح أن يكون مداراً للاغترار، حسبما يغويه الشيطان، ويقول: افعل ما شئتَ فإنَّ ربك كريم، قد تفضّل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، وتمنية باطلة، بل هو مما يُوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، كأنه قيل: ما حملك على عصيان ربك، الموصوف بالصفات الزاجرة عنه، الداعية إلى خلافه.
رُوي أنه ﷺ لمّا قرأها قال: " غرَّه جهلُه " وعن عمر ﵁: غرّه حُمقه، وقال قتادة: غرّه عدوه المسلّط عليه ـ يعني الشيطان ـ وقيل للفضيل: لو أقامك اللهُ تعالى يوم القيامة بين يديه فقال لك: ﴿مَا غرَّك بِرَبِّكَ الكريم﴾ ماذا كنتَ تقول؟ قال: أقول: ستُورك المرخاة، لأنَّ الكريم هو الستّار وأنشدوا:
يا كاتِمَ الذنْب أّمَا تَسْتَحِي
واللهُ في الخلوة رَائِيكَا
غَرَّكَ مِنْ رَبِّك إمْهَالُه
وسترُه طولَ مسَاوِيكا
وقال مقاتل: غرّه عفو الله حين لم يعجل عليه العقوبة، وقال السدي: غرّه رفق الله به، وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، فقال لي: ما غرك بي؟ لقلتُ: غرّني بك بِرّك سالفاً وآنفاً، وقال آخر: أقول: غرّني حلمك، وقال أبو بكر الورّاق: لو قال لي: ما غرَّك بي؟ لقلتُ: غرّني بك كرم الكريم. وهذا السر في التعبير بالكريم، دون سائر الصفات، كأنه لقَّنه الإجابة حتى يقول: غرّني كرم الكريم، وهكذا قال أبو الفضل العابد:
стр. 3293
غرّني تقييد تهديدك بالكريم، وقال منصور بن عمّار: لو قيل لي: ما غرّك؟ قلت: ما غرّني إلا ما علمتُه من فضلك على عبادك، وصفحك عنهم. هـ.
﴿
الذي خَلَقك فَسَوَّاكَ﴾ أي: جعلك مستوي الخلْقِ، سالم الأعضاء مُعَدّة لمنافعها، ﴿فعدلك﴾ ؛ فصيّرك معتدلاً متناسب الخَلق، غير متفاوت فيه، ولم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا أحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضه أسود، أو: جعلك معتدلاً تمشي قائماً، لا كالبهائم. وقراءة التخفيف كالتشديد، وقيل: معنى التخفيف: صَرَفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال، فيكون من العدول. ﴿في أيّ صورةٍ ما شاء رَكَّبَك﴾ أي: رَكَّبك في أيّ صورة شاءها من الصور المختلفة، و " ما ": مزيدة، و (شاء) : صفة لصورة، أي: ركَّبك في أيّ صورة شاءها واختارها من الصور العجيبة الحسنة، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِيا أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها؛ لأنها بيان لـ " عدلك ". ﴿كلاَّ﴾ ، ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، وجعله ذريعة إلى الكفر المعاصي، مع كونه موجباً للشكر والطاعة. والإضرابَ في قوله تعالى: ﴿بل تُكذِّبون بالدين﴾ عن جملة مقدّرة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أقبح من ذلك، وهو تكذيبكم بالجزاء والبعث، أو بدين الإسلام، الذي هو من جملة أحكامه، فلا تُصدقون به، ﴿وإِنَّ عليكم لَحافِظين﴾ : حال مفيدة لبطلان تكذيبهم، وتحقيق ما يُكذِّبون به، أي: تُكذِّبون بالجزاء، والحال أنَّ عليكم مِن قِبلنا لحافظين لأعمالكم، ﴿كِراماً﴾ عندنا ﴿كاتبين﴾ لها، ﴿يعلمون ما تفعلون﴾ من الخير والشر، قليلاً أو كثيراً، ويضبطونه نقيراً أو قطميراً. وفي تعظيم " الكاتبين "، بالثناء عليهم؛ تفخيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، حيث يستعمل فيها هؤلاء الكِرام.
الإشارة: يا أيها الأنسان، ما غرَّك بالله حتى لم تنهض إلى حضرة قدسه؟ ! غرّه جهله ومتابعة هواه، أو قناعته من ربه، والقناعة من الله حرمان، أو غلطه، ظن أنه كامل وهو ناقص من كل وجهٍ، أو ظنّ أنه واصل، وهو ما رحل عن نفسه قدماً واحداً، ظنّ أنه في أعلى عليين باق في أسفل سافلين، وهذا الغلط هو الذي غَرّ كثيراً من الصالحين، تراموا على مراتب الرجال، وهم في مقام الأطفال، سبب ذلك عدم صُحبتهم للعارفين، ولو صَحِبوا الرجالَ لرأوا أنفسهم في أول قدم مِن الإرادة، وهذا هو الجهل المركّب، جَهلوا، وجهلوا أنهم جاهلون. ثم شوّقه إلى السير إليه بالنظر إلى صورة بشريته، فإنه عدلها في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه روحاً قدسية سماوية من روحه القديم، ثم لمّا زجر عن الاغترار لم ينزجروا، بل تمادوا على الغرور، وفعلوا فعل المكذِّب بالبعث والحساب؛ مع أنّ عليهم من الله حفظة كِراماً، يعلمون ما يفعلون، فلم يُراقبوا الله ﷻ ، المُطَّلع على سرهم وعلانيتهم، ولم يحتشموا من ملائكته المُطَّلعين على
стр. 3294
أفعالهم. والله تعالى أعلم.
يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّ الأبرارَ﴾ أي: المؤمنين ﴿لَفِي نعيم﴾ عظيم، وهو نعيم الجنان ﴿وإِنَّ الفُجَّار﴾ أي: الكفار ﴿لَفِي جحيم﴾ كذلك، وفي تنكيرهما من التفخيم والتهويل ما لا يخفى، ﴿يَصْلَونها يومَ الدِّين﴾ يُقاسون حرها يوم الجزاء، وهو استئناف بياني منبىء عن سؤال نشأ عن تهويلها، كأنه قيل: ما حالهم فيها؟ فقال: يحترقون فيها يوم الدين، الذي كانوا يُكذِّبون به، ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ طرفة عين بعد دخولها، وقيل: معناه: وما كانوا عنها غائبين قبل ذلك، بل كانوا يجدون سمومها في قبورهم، حسبما قال ﷺ : " القَبْر رَوْضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّة، أو حُفْرة مِنْ حُفَرِ النَّار ". ﴿وما أدراك ما يومُ الدين ثم ما أدراك ما يومُ الدين﴾ ، هو تهويل وتفخيم لشأن يوم الدين الذي يُكذِّبون به، ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق؛ فعلى أيّ صورة تصوروه، فهو فوقها، وكيفما تخيلوه فهو أهم من ذلك وأعظم، أي: أيُّ شيء جعلك دارياً ما هو يوم الدين؟ على أنَّ " ما " الاستفهامية خبر " يوم "، كما هو رأي سيبويه، لما مَرّ من أنّ مدار الإفادة هو الخبر لا المبتدأ، ولا ريب أنّ مناط إفادة التهويل والفخامة هنا هو: ما يوم الدين أيّ شيء عجيب هو في الهول والفضاعة؟ انظر أبا السعود. قال ابن عباس ﵁: كل ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿وما أدراك﴾ فقد دراه، وكل ما فيه من قوله: ﴿وما يدريك﴾ فقد طوي عنه. هـ. وينتقض بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىا﴾ [عبس: ٣] .
ثم بيَّن شأن ذلك اليوم إجمالاً، فقال: ﴿يومَ لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً﴾ أي: لا تستطيع دفعاً عنها، ولا نفعاً لها بوجه، وإنما تملك الشفاعة به بالإذن، و (يوم) : مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من (يوم الدين) ، ومَن نصب؛ فبإضمار " اذكر "، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وشويقه ﷺ إلى معرفته: اذكر يوم لا تملك نفس إلى آخره، فإنه يُدريك ماهو، ﴿والأمرُ يومئذ لله﴾ لا لغيره، فهو القاضي فيه وحده دون غيره، ولا شك أنَّ الأمر لله في الدارين، لكن لمّا كان في الدنيا خفياً، لا يعرفه إلاَّ العلماء بالله، وأمّا في الآخرة فيظهر المُلك لله لكل أحدٍ، خصّه به هناك. والله تعالى أعلم.
стр. 3295
الإشارة: قال القشيري: إنَّ الأبرار لفي نعيم الشهود والحضور، وإنَّ الفجار لفي جحيم الحجاب والغيبة، يَصْلونها يومَ الدين، يحترقون بنار الحجاب، ونيران الاحتجاب يوم الجزاء والثواب، وما أدراك ما يومُ الدين، ثم ما أدراك ما يومُ الدين، يُشير إلى التعجُّب من كُنه أمره، وشأن شأنه، يوم لا تملك نفسٌ لنفس شيئاً، لفناء الكل، ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً. هـ. ﴿والأمر يومئذ لله﴾ ، قال الواسطي: الأمر اليوم ويومئذ ولم يزل ولا يزال لله، لكن الغيب بحقيقته لا يُشاهده إلاّ الأكابر من الأولياء، وهذا خطاب للعموم، إذا شاهدوا الغيب تيقّنوا أنَّ الأمر كله لله. فأما أهل المعرفة فمُشَاهَد لهم الأمر كمشاهدتهم يومئذٍ، لا تزيدهم مشاهدة الغيب عياناً على مشاهدته لهم تصديقاً، كعامر بن عبد القيس، حين يقول: لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً. هـ. وقاله أيضاً عليّ ﵁. وقال القشيري: الأمر يومئذ لله وقبله وبعده، ولكن تنقطع الدعاوى ذلك اليوم، ويتضح الأمر، وتصير المعارف ضرورية. هـ. وقال الشيخ ابن عباد ﵁ في رسائله الكبرى، بعد كلام: وليت شعري، أيُّ وقت كان المُلك لسواه حتى يقع التقييد بقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾ [الحَجّ: ٥٦] وقوله: ﴿والأمر يومئذ لله﴾ لولا الدعاوَى العريضة من القلوب المريضة. هـ. وقال الورتجبي: دعا بهذه الآية العبادَ إلى الإقبال عليه بالكلية بنعت ترك ما سواه، فإنَّ المُلك كله لله في الدنيا والآخرة، يُضل مَن يشاء، ويهدي مَن يشاء. هـ. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
следующие страницы →