← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يقول الحق ﷻ : إن السفر والغزو ليس هما مما يجلب الموت أو يقدم الأجل، وعلى تقدير: لو وقع ذلك وحضر أجلكم فيه وقتلتم فِي سَبِيلِ اللَّهِ بالسيف، أَوْ مُتُّمْ حتف أنفكم، لما تنالون من المغفرة والرحمة والروح والريحان خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من حطام الدنيا الفانية لو لم تموتوا، وعلى أي وجه متم أو قتلتم فلا تحشرون إلا إلى الله، لا إلى أحد غيره، فيوفى جزاءكم ويعظم ثوابكم، وأما البقاء في الدنيا فلا مطمع لأحد فيه، سافر أو قعد في بيته، وقدَّم أولاً القتل على الموت وأخره ثانياً لأن الأول رتب عليه المغفرة والرحمة، وهما في حق من قتل في الجهاد أعظم ممن مات بغيره، فقدمه اعتناء به، وفي الثاني رتب عليه الحشر، وهو مستوٍ في القتل والموت، فلا مزية فيه للقتل على الموت. والله أعلم. الإشارة: ولئن قتلتم نفوسكم وبذلتم مهجكم في طلب محبوبكم، فظفرتم بالوصول إليه قبل موتكم، أو متم في السير قبل الوصول إلى محبوبكم، لما تنالون من كمال اليقين وشهود رب العالمين، أو من المغفرة والرحمة التي تضمكم إلى جواره، خير مما كنتم تجمعون من الدنيا قبل توجهكم إليه، فإن الموت والحشر مكتوب على كل مخلوق، فيظهر فوز المجاهدين والمتوجهين، وغبن القاعدين المتسوفين. وبالله التوفيق. ولمّا وقع ما وقع يوم أحد من مخالفة الرسول والفرار عنه- ﵊ لم يعاتب ﷺ أحدا، ولكن ألان لهم الكلام وعفا عنهم، كما أخبر عن ذلك الحق تعالى بقوله: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٩] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) قلت: (فبما) : صلة. والفظ: الجافي، يقال: فظ فظاظةً وفظوظاً، ورجل فظ، وامرأة فظة، والفض- بغير المشالة: التفرق، ويطلق على الكسر، ومنه: لا يفضض الله فاك. يقول الحق ﷻ : فبرحمة من الله ونعمة كنت سهلاً ليناً رفيقاً، فحين عصوا أمرك، وفروا عنك، ألنت لهم جانبك، ورفقت بهم، بل اغتممت من أجلهم مما أصابهم، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا جافيا سيئ الخلق غَلِيظَ الْقَلْبِ قاسيَهُ فأغلظت لهم القول، لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أي: لتفرقوا عنك، ولم يسكنوا إليك، فَاعْفُ عَنْهُمْ فيما يختص بك، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ في حق ربك حتى يشفعك فيهم، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ الذي يصح أن يشاور فيه تطييباً لخاطرهم، ورفعاً لأقدارهم، واستخراجاً وتمهيداً لسنة المشاورة لغيرهم، وخصوصاً الأمراء.

стр. 422

قال ﵊: «ما شقى عبد بمشورة، وما سعد باستغناء برأى» . وقال أيضاً: «مَا خَابَ مَن اسْتَخَارَ، وَلاَ نَدِمَ من اسْتَشَار» . وقال أيضا- ﵊ «إذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ أَسخيَاءَكُمْ، وأَمرُكُم شُورَى بَيْنَكُم، فَظَهْرُ الأرْض خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا. وإذا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، ولم تكن أموركم شُورَى بَيْنَكُم، فبَطْنُ الأرْضِ خَيرٌ من ظَهْرِهَا» . فَإِذا عَزَمْتَ على شيء بعد الشورى، (فتوكل على الله) أي: ثق به وكيلاً، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ فينصرهم ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم. الإشارة: ما اتصف به نبينا- ﵊ من السهولة والليونة والرفق بالأمة، اتصفت به ورثته من الأولياء العارفين، والعلماء الراسخين، ليتهيأ لهم الدعوة إلى الله، أو إلى أحكام الله، ولو كانوا فظاظاً غلاظاً لانفض الناس من حولهم، ولم يتهيأ لهم تعريف ولا تعليم، فينبغي لهم أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوة الناس، ويستغفروا لهم، ويشاوروهم في أمورهم، اقتداء برسولهم، فإذا عزموا على إمضاء شيء فليتوكلوا على الله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. قال الجنيد- ﵁: (التوكل أن تقبل بالكلية على ربك وتعرض عمن دونه) . وقال الثوري: أن تفني تدبيرك في تدبيره، وترضى بالله وكيلاً ومدبراً، قال الله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا. وقال ذو النون: (خُلع الأرباب، وقطع الأسباب.) وقال الخواص: قطع الخوف والرجاء مما سوى الله تعالى. وقال العرجي: رد العيش إلى يوم واحد، وإسقاط هم غد. هـ. وقال سهل: معرفة معطي أرزاق المخلوقين، ولا يصح لأحد التوكل حتى تكون عنده السماء كالصفر «١» والأرض كالحديد، لا ينزل من السماء قطر، ولا يخرج من الأرض نبات، ويعلم أن الله لا ينسى له ما ضمن من رزقه بين هذين. هـ. وقيل: هو اكتفاء العبد الذليل بالرب الجليل، كاكتفاء الخليل بالخليل، حين لم ينظر إلى عناية جبريل. وقيل لبهلول المجنون: متى يكون العبد متوكلاً؟ قال: إذا كان بالنفس غريباً بين الخلق، وبالقلب قريباً إلى الحق. وقال النبي ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أكْرَم النَّاسِ فَلْيَتقِ الله، ومَنْ سَرَّه أن يكُون أغنى النّاس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يَده» . قال ابن جزي: التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع وحفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات، لوجهين: أحدهما: قوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ، والآخر:

стр. 423

الضمان الذي في قوله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، وقد يكون واجباً لقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فجعله شرطاً في الإيمان، ولظاهر قوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فإن الأمر محمول على الوجوب. واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب: الأولى: أن يعتمد العبد على ربه، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده، الذي لا يشك فى نصيحته له وقيامه بمصالحه. الثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه لا يعرف سواها ولا يلجأ إِلاَّ إليها. الثالثة: أن يكون العبد مع ربه كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم إليه نفسه بالكلية. فصاحب الدرجة الأولى عنده حظ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية. وصاحب الثانية له حظ من الاختيار، بخلاف صاحب الثالثة. وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخاص، الذي تكلمتُ عليه في قوله: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فهي تقوى بقوته وتضعف بضعفه. فإن قيل: هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا؟ فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام: أحدها: سبب معلوم قطعاً قد أجراه الله، فهذا لا يجوز تركه كالأكل لرفع الجوع واللباس لرفع البرد. الثاني: سبب مظنون: كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدح فعله في التوكل، فإن التوكل من أعمال القلوب لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه. والثالث: سبب موهوم بعيد، فهذا يقدح فعله في التوكل، قلت: ولعل هذا مثل طلب الكيمياء والكنوز وعلم النار والسحر، وشبه ذلك. ثم فوق التوكل التفويض، وهو: الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده في الاعتماد على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند الاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدباً مع الله. هـ وأصله للغزالي، وسيأتي بقية الكلام عند قوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ. وبالله التوفيق. ولما أمر نبيّه- ﵊ بالتوكل، رغب فيه جميع عباده، فقال: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٦٠] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)

стр. 424

يقول الحق ﷻ : (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ) كما نصركم يوم بدر، (فلا غالب لكم) من أحد من الناس، (وإن يخذلكم) كما خذلكم يوم أحد، (فمن) هذا (الذي ينصركم من بعده) تعالى، أي: فلا ناصر سواه. وهذا تنبيه على الحث على التوكل، وتحريض على ما يستوجب به النصر، وهو الاعتماد على الله، وتحذير مما يستوجب الخذلان، وهو مخالفة أمره وعصيان رسوله، أو الاعتماد على غيره، ولذلك قال: (وعلى الله فليتوكَّل المؤمنون) لِمَا علموا ألا ناصر سواه. الإشارة: إن ينصركم الله على مجاهدة النفوس، ودوام السير إلى حضرة القدوس، فلا غالب لكم من النفس، ولا من الناس ولا من الهوى ولا من الشيطان، وإن يخذلكم- والعياذ بالله- فمن ذا الذي ينصركم من بعد خذلانه لكم؟ فليعتمد المريد في سيره على مولاه، وليستنصر به في قطع حظوظه وهواه، فإنه لا ناصر له سواه. وأنشدوا: إِذَا كَانَ عُوْنُ اللهِ لِلمَرْءِ نَاصِراً ... تَهَيَّأ لَهُ مِنْ كُلِّ صَعْبِ مُرَادُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِن اللهِ للْفَتَى ... فَأَكْثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما تبادرت الرماة إلى الغنيمة كما تقدم، وقع فى وهمهم أنه- ﵊ يحرمهم من الغنيمة، وذلك غلول لا يليق بحاله- ﵊، فنزه الله نبيه عن ذلك، فقال: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٦١] وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) قلت: الغلول: السرقة من الغنائم، فمن قرأ بفتح الياء وضم الغين، فمعناه: لا ينبغي له أن يأخذ شيئاً من الغنيمة خفية، والمراد: تبرئة رسوله- ﵊ من ذلك. ومَن قرأ بضم الياء ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى، ما كان لنبي أن يُخان، أي: أن تخونه أُمّتُه في المغانم، وكذلك الأمراء، وإنما خص النبيَّ ﷺ بذلك لبشاعة ذلك مع النبيّ لأن المعاصي تعظم بحضرته، والثاني: أن يكون المعنى: ما كان لنبي أن يُنسب إلى الخيانة كقوله: فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ أي: لا ينسبونك إلى الكذب. يقول الحق ﷻ : ما كانَ ينبغي لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ويأخذ شيئاً من الغنيمة خفية لأن ذلك خيانة والنبوة تنافي ذلك، والمراد: نزاهة الرسول- ﵊ عن ذلك، كقوله: مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ

стр. 425

مِنْ وَلَدٍ ، ودفعُ ما توهمه الرماة، فقد روى أنه- ﵊ قال لهم لما تركوا المركز: «ألمْ أعْهَد إليكُمْ ألا تَتْركُوا المركَزَ حتَّى يأتيكُمْ أمْري؟» قالوا: تَرَكْنا بقية إخْوانِنَا وُقوفاً، فقال النبي ﷺ : «بل ظَننْتُم أنّا نَغُلّ ولا نقْسِمُ لكُمْ» . فنزلت الآية. وقيل إنه- ﵊: بعث طلائع، فغنم رسول الله ﷺ ، وقسم على من معه فقط، فنزلت، فاسترجع ذلك منهم. وقيل: في قطيفة حمراء فُقدت يوم بدر، فقال المنافقون: لَعَلَّ رَسُولَ الله ﷺ أَخَذَهَا، فنزلت. ثم ذكر وعيد الغلول، فقال: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: يأتي بالذي غله يحمله على رقبته، قال ﵊: «لا ألقى أحَدكُمْ يَوْمَ القيامة يجئ على رَقَبته بَعِيرٌ لَهُ رغاء، أو بقرة لها خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ «١» .» ثم قال: «اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ ثلاثاً» . كما في البخاري. ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما كَسَبَتْ تاماً، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بنقص ثواب مُطيعهم، ولا يزاد على عقاب عاصيهم وكان اللائق بما قبله أن يقول: ثم يوفى ما كسب. لكنه عمم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه، وأنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى. قاله البيضاوي. الإشارة: ما قيل في النبي- ﵊ يقال في ورثته الكرام، كالأولياء والعلماء الأتقياء، فإنهم ورثة الأنبياء، فيُظن بهم أحسن المذاهب، ويلتمس لهم أحسن المخارج، لأن الأولياء دلّوا على معرفة الله، والعلماء دلّوا على أحكام الله، وبذلك جاءت الرسل من عند الله، فلا يظن بهم نقص ولا خلل، ولا غلول ولا دخل، فلهم قسط ونصيب من حرمة الأنبياء، ولا سيما خواص الأولياء، ومن يظن بهم نقصاً أو خللاً، ويغل قلبه على شيء من ذلك، فسيرى وباله يوم تفضح السرائر، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، فلحوم الأولياء والعلماء سموم قاتلة، وظن السوء بهم خيانة حاصلة. والله تعالى أعلم. فاعتقاد الكمال فى الأنبياء والأولياء مستوجب لرضى الله، والانتقاد عليهم موجب لمقت الله، كما أشار إلى ذلك الحق- جلت قدرته- فقال: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٢ الى ١٦٣] أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)

стр. 426

يقول الحق ﷻ : (أفمن اتبع رضوان الله) بأن اعتقد في نبيه الكمال، وأطاعه في وصف الجلال والجمال، وهم المؤمنون، حيث نزهوا نبيهم من النقائص، ومَن هَجَسَ في قلبه شيء بادر إلى التوبة، ثم اتصف بكمال الخصائص، هل يكون كَمَنْ باءَ بغضب مِنَ اللَّهِ؟ وهم المنافقون، حيث نافقوا الرسول واتهموه- ﵊ بالغلول. أو يقول: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بالطاعة والانقياد كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بالمعاصي وسوء الاعتقاد وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي المنقلب، والفرق بين المصير والمرجع: أن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى، ولا كذلك المرجع. قاله البيضاوي. هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ أي: أهل الرضوان درجات متفاوتة عند الله، على قدر سعيهم في موجب الرضا، وأهل السخط درجات أيضاً، على قدر تفاوتهم في العصيان، وهو على حذف مضاف، أي: ذُوو درجات، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ فيجازي كلا على قدر سعيه. الإشارة: (أفمن اتبع رضوان الله) بتعظيم الأولياء والعلماء وأهل النسبة، كمن باء بسخط من الله بإهانة من أمر الله أن يُعظم ويُرفع، ومأواه حجاب الحس وعذاب البعد، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، فأهل القرب درجات على قدر تقربهم إلى ربهم، وأهل البعد درجات في البعد على قدر بعدهم من ربهم، بشؤم ذنبهم وسوء أدبهم، والله بصير بأعمالهم وما احتوت عليه قلوبهم. ثم ذكر موجب التعظيم للرسول- ﵊ وهو كونه نعمة مهداة، فقال: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٦٤] لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) يقول الحق ﷻ : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حيث بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: من جنسهم، أو من نسبهم، عربيّاً مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة، ويفتخروا به على غيرهم. وتخصيص المؤمنين بالمنة، وإن كانت نعمته عامة لزيادة انتفاعهم على غيرهم لشرفهم وذكرهم به، حال كونه يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ القرآن، بعد أن كانوا جاهلية لا يعرفون الوحي ولا سمعوا به، وَيُزَكِّيهِمْ أي: يطهرهم من دنس الذنوب ودرن العيوب، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي: القرآن، وَالْحِكْمَةَ أي: السنة، وَإِنْ كانُوا أي: وإنه، أي: الأمر والشأن كانوا مِنْ قَبْلُ بعثته لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: ظاهر بيِّن.

стр. 427

الإشارة: لقد منّ الله على المتوجهين إليه الطالبين لمعرفته، حيث بعث لهم من يأخذ بأيديهم، ويطوي مسافة البعد عنهم، وهم شيوخ التربية، يتلون عليهم آياته الدالة على كشف الحجاب وفتح الباب، ويزكيهم من دنس العيوب المانعة لعلم الغيوب، ثم يزكيهم من درن الحس إلى مشاهدة القرب والأنس، ويعلمهم الكتاب المشتمل على عين التحقيق، والحكمة المشتملة على التشريع وبيان الطريق، فيجمعون لهم ما بين الحقيقة والشريعة، وقد كانوا قبل ذلك في ضلال مبين عن الجمع بينهما. وهذه المنّة عامة في كل زمان، إذ لا تخلو الأرض من داع يدعو إلى الله، ومن اعتقد قطعه فقد قطع منّة الله، واستعجز قدرة الله، وسد باب الرحمة في وجه عباد الله، والعياذ بالله. ولما استغرب الصحابة- رضى الله عنهم- ما وقع بهم يوم أحد، مع كونهم وعدوا النصر، نبههم الحق تعالى أن ذلك منهم بشؤم مخالفتهم، فقال: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٦٥] أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) قلت: الهمزة- للتفريع، و (لَمَّا) : ظرف، خافضة لشرطها، منصوبة بجوابها، وهي معطوفة على محذوف، أي: أكان ما كان يوم أحد، ولمّا أصابتكم مصيبة، قلتم ما قلتم، و (قد أصبتم) : جملة حالية. يقول الحق ﷻ : أحين أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ يوم أحد بقتل سبعين منكم، وقَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها يوم بدر فقتلتم سبعين وأسرتم سبعين، قُلْتُمْ أَنَّى هذا أي: من أين أصابنا هذا البلاء وقد وعدنا النصر؟ قُلْ لهم: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي: مما اقترفته أنفسكم من مخالفة المركز، والنصر الموعود كان مشروطاً بالثبات والطاعة، فلما اختل الشرط اختل المشروط، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على النصر بشرط وبغيره، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب والشروط لأن هذا العالم قائم بين قدرة وحكمة. أو: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) باختياركم الفداء يوم بدر. رُوِيَ عن على ﵁ قال: (جاء جِبْريل إلى النبي ﷺ يوم بدر فقال: خيِّرْ أصْحَابَكَ في الأسارى، إن شاءوا القتل، وإن شاءوا الفداء، على أن يقتل مِنْهُمْ عاماً مقبلاً مِثْلُهمْ، قالوا: الفِدَاء ويُقْتَلُ مِنَّا.) . والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا أصاب المريد شيء من المصائب والبلايا، فلا يستغرب وقوع ذلك به، ولا يتبرم منه، فإنه في دار المصائب والفجائع، «لا تستغرب وقوع الأكدار ما دُمتَ في هذه الدار، فإنما أبرزت ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها» . وإذا كان أصابته مصيبة في وقت، فقد أصابته نعمٌ جمة في أوقات عديدة، فليشكر الله على ما أولاه، وليصبر على ما ابتلاه، ليكون صباراً شكوراً.

стр. 428

قال الشيخ أبو الحسن- ﵁: (العارف هو الذي عرف إساءاته في إحسان الله إليه، وعرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه، فاذكروا آلاء لله لعلكم تفلحون) . وأيضاً: كل ما يصيب المؤمن فمن كسب يده، ويعفو عن كثير. وإن كان المريد وعد بالحفظ والنصر، فقد يكون ذلك بشروط خفيت عليه، فلم تتحقق فيه، فيخلف حفظه لينفذ قدر الله فيه، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً. وليتميز الصادق من الكاذب والمخلص من المنافق، كما أشار إلى ذلك بقوله: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٦ الى ١٦٨] وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨) قلت: (وقيل لهم تعالوا) : استئناف، أو معطوف على (نافقوا) ، و (الذين قالوا لإخوانهم) : بدل من الضمير المجرور في (لهم) ، أي: وقيل للمنافقين: قاتلوا أو ادفعوا، ثم فسرهم بقوله: وهم (الذين قالوا لإخوانهم ... ) الخ. أو من الواو في (يكتمون) ، أو منصوب على الذم، أو مبتدأ، والخبر: (قل..) على من يجيز إنشاء الخبر، و (قعدوا) : جملة حالية، على إضمار قد. يقول الحق ﷻ : وَما أَصابَكُمْ يا معشر المسلمين يوم أحد يَوْمَ الْتَقَى جمع المسلمين وجمع الكفار، من القتل والجرح والهزيمة، فَبِإِذْنِ اللَّهِ وقضائه، لا راد لإمضائه، وَلِيَعْلَمَ علم ظهور في عالم الشهادة الْمُؤْمِنِينَ والمنافقين فيظهر إيمان هؤلاء وكفر هؤلاء، وقد ظهر نفاقهم حيث رجعوا مع عبد الله بن أبي، وكانوا ثلاثمائة. وذلك انَّ ابن أُبيّ كان رأيه ألا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طلب الخروجَ قومٌ من المسلمين، فخرج- ﵊ كما تقدم، غضب ابن أُبيّ، وقال: أطاعهم وعصاني. فرجع، ورجع معه أصحابه، فتبعهم

стр. 429

أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام، وقال لهم: ارجعوا (قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا) ، أي: كثروا سواد المسلمين، فقال ابنُ أُبيّ- رأس المنافقين-: ما أرى أن يكون قتالاً، ولو علمنا أن يكون قتال (لاتبعناكم) ، وكنا معكم. قال تعالى: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ لظهور الكفر عليهم من كلامهم، فأمارات الكفر عليهم أكثر من أمارات الإيمان، أو: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن رجوعهم ومقالتهم تقوية للكفار عليهم وتخذيل للمسلمين، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، فهم يظهرون خلاف ما يبطنون، لا تواطئ قلوبهم ألسنتهم بالإيمان، وإضافة القول إلى الأفواه تأكيد وتغليظ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ منكم بِما يَكْتُمُونَ من النفاق لأنه يعلمه مفصلاً بعلم واجب، وأنتم تعلمونه مجملا بأمارات. وهؤلاء المنافقون هم (الذين قالوا) في شأن إخوانهم الذين قُتلوا يوم أحد: لَوْ أَطاعُونا وجلسوا في ديارهم ما قُتِلُوا، قالوا هذه المقالة وقد قعدوا عن الخروج، قُلْ لهم يا محمد: فَادْرَؤُا أي: فادفعوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنكم تقدرون أن تدفعوا القتل عمن كتب عليه، فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه حين يبلغ أجلكم، فإنه أحرى بكم، فالقعود لا يُنجي من الموت إذا وصل الأجل، فإن أسباب الموت كثيرة، فقد يكون القعود سبباً للموت إن بلغ الأجل، وقد يكون الخروج سبباً للنجاة إن لم يبلغ. والله تعالى أعلم. الإشارة: وما أصابكم يا معشر الفقراء عند توجهكم إلى الحق فارين من الخلق، حين استشرفتم على الجمع وجمع الجمع فبإذن الله فإنَّ الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، وليظهر الصادق من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء، والطريق الموصلة إليها محفوفة بالمكاره، مشروطة بقتل النفوس وحط الرؤوس، ودفع العلائق، والفرار من العوائق. فإذا قيل للعوام: قاتلوا أنفسكم في سبيل الله لتدخلوا حضرة الله، أو ادفعوا عن أنفسكم العلائق لتشرق عليكم أنوار الحقائق، قالوا: قد انقطع هذا الطريق واندرست أرباب علم التحقيق، ولو نعلم قتالاً بقي يُوصلنا إلى ربنا، كما زعمتم لاتبعناكم ودخلنا فى طريقكم. هم للكفر يومئذ أقرب للإيمان، حيث تحكموا على القدرة الأزلية، وسدوا باب الرحمة الإلهية، وإنما يقولون ذلك احتجاجاً لنفوسهم، وأبقاء على حظوظهم، وليس ذلك من خالص قلوبهم، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وإذا نزل بأهل النسبة نكبة أو بلية، قالوا لأخوانهم، الذين دخلوا في طريق القوم، وقد قعدوا هُم مع العوام: لو أطاعونا ولم يدخلوا في هذا الشأن، ما قتلوا أو عذبوا، فقل لهم أيها الفقير: القضاء والقدر يجري على الجميع، فادفعوا عن أنفسكم ما تكرهون، إن كنتم صادقين أن المكاره لا تصيب إلا من توجه لقتال نفسه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

стр. 430

ولمّا قتل الشهداء يوم أحد أكرم الله أرواحهم بما يكل عنه اللسان، فقالوا: يا ليت قومنا يعلمون بما نحن فيه، كى يرغبوا فى الجهاد، فقال لهم الله تعالى: أنا أخبرهم عنكم، فأنزل الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٩ الى ١٧١] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) قلت: (ألّاخوف عليهم) : بدل من (الذين لم يلحقوا) ، أو مفعول لأجله، وكرر: (يستبشرون) ليذكر ما تعلق به من الفضل والنعمة، أو: الأول بحال إخوانهم، وهذا بحال أنفسهم. يقول الحق ﷻ : وَلا تَحْسَبَنَّ أيها الرسول، أو أيها السامع، الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ هم أَحْياءٌ لأن الله تعالى جعل أرواحهم في حواصل طير خضر، يسرحون في الجنة حيث شاءوا عند ربهم، بالكرامة والزلفى، يُرزقون من ثمار الجنة ونعيمها، فحالهم حال الأحياء في التمتع بأرزاق الجنة، بخلاف سائر الأموات من المؤمنين فإنهم لا يتمتعون بالأرزاق حتى يدخلوا الجنة. قاله ابن جزي. قلت: شهداء الملكوت- وهم العارفون- أعظم قدراً من شهداء السيوف، وراجع ما تقدم في سورة البقرة «١» . فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من الكرامة والزلفى والنعيم الذي لا يفنى، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أي: بإخوانهم الذي لم يُقتلوا فيلحقوا بهم من بعدهم. وتلك البشارة هي: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، أو من أجل أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. والحاصل: أنهم يستبشرون بما تبين لهم من الكرامة في الآخرة، وبحال من تركوا من خلفهم من المؤمنين، وهو أنهم إذا ماتوا أو قُتلوا، كانوا أحياء، حياة لا يدركها خوفُ وقوعِ محذور، ولا حزن فوات محبوب. فالآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس، بل هو جوهر مدرك بذاته، لا يفنى بخراب البدن، ولا يتوقف على وجود البدن إدراكه وتألمُه والتذاذه. ويؤيد ذلك قوله تعالى في آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وما رَوى ابنُ عباس من أنه ﷺ قال: «أرْواحُ الشهداء في أجْوافِ طَيْرِ خَضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجنّةِ، وتَأكُلُ منْ ثِمارِها، وتَأوِي إلى قَنَادِيلَ مُعلَّقةٍ في ظلِّ العَرشِ» - قال معناه البيضاوي.

стр. 431

ولمّا ذكر استبشارهم بإخوانهم ذكر استبشارهم بما يخصهم فقال: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وهو ثواب أعمالهم الجسماني، وَفَضْلٍ وهو نعيم أرواحهم الروحاني، وهو النظر إلى وجهه الكريم، ويستبشرون أيضاً بكونه تعالى لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ، ماتوا في الجهاد أو على فرشهم، حيث حسنت سريرتهم وكرمت علانيتهم، قال ﷺ : «إن لله عباداً يصرفهم عن القتل والزلازل والأسقام، يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم، ويحييهم في عافية، ويميتهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء» «١» . قلت: ولعلهم العارفون بالله، جعلنا الله من خواصهم، وسلك بنا مسالكهم. آمين. الإشارة: لا تحسبن الذين بذلوا مُهجهم، وقتلوا أنفسهم بخرق عوائدها، وعكس مراداتها، في طلب معرفة الله، حتى ماتت نفوسهم، وحييت أرواحهم بشهود محبوبهم، حياة لا موت بعدها، فلا تظن أيها السامع أنهم أموات، ولو ماتوا حسّاً، بل هم أحياء على الدوام، وفي ذلك يقول الشاعر: مَوْتُ التَّقِيِّ حَيَاةٌ لا فَنَاءَ لَهَا ... قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَحْيَاءُ فهم عند ربهم يشاهدونه مدة بقائهم، يرزقون من ثمار المعارف وفواكه العلوم، فرحين بما أتحفهم الله به من القرب والسر المكتوم، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم في المرتبة ممن تعلق بهم، وأنهم سيصلون إلى ما وصلوا إليه من معرفة الحي القيوم، فلا يلحقهم حينئذٍ خوف ولا حزن ولا هم ولا غم، لما سكن في قلبهم من خمرة محبة الحبيب، والقرب من القريب المجيب، وفي ذلك يقول ابن الفارض: وإِنْ خَطَرَتْ يوما علَى خاطِر امْرِئ ... أقَامَتْ بِهِ الأفْرَاحُ، وارتَحلَ الهمّ يستبشرون بنعمة أدب العبودية، وفضل شهود أسرار عظمة الربوبية، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المحبين لطريق المخصوصين، فإن طريق محبة طريق القوم عناية، والتصديق بها ولاية، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما رجع أبو سفيان من غزوة أُحد، هو وأصحابه، حتى بلغوا الروحاء، ندم وهم بالرجوع، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فندب أصحابه للخروج في طلبه، وقال: «لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس» ، فخرج ﷺ في سبعين رجلاً حتى بلغوا حمراء الأسد- وهي على ثمانية أميال من المدينة- وكان بأصحابه القرح، فتحاملوا على أنفسهم كي لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين، فذهبوا، فأنزل الله- تعالى- في شأن من خرج مع الرسول ﷺ : [سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٢] الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)

стр. 432

قلت: (الذين) : مبتدأ، وجملة (للذين أحسنوا) : خبر، أو صفة للمؤمنين قبله، أو نصب على المدح. يقول الحق ﷻ : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فأطاعوه فيما ندبهم إليه من اللحوق بالمشركين، إرهاباً لهم، مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ أي: الجرح، فتحاملوا على أنفسهم حتى ذهبوا مع نبيهم، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ بأن فعلوا ما أُمروا به، وَاتَّقَوْا الله في مخالفة أمر رسوله، أَجْرٌ عَظِيمٌ يوم يقدمون عليه. الأشارة: الذين استجابوا لله فيما ندبهم من الوصول إلى حضرته، وللرسول فيما طلبهم به من اتباع سنته، فجعلوا قلوبهم محلاً لحضرته، وجوارحهم متبعة لشريعته، من بعد ما أصابهم في طلب الوصول إلى ذلك قرح وضرب وسجن وإهانة، فصبروا حتى ظفروا بالجمع بين الحقيقة والشريعة، للذين أحسنوا منهم بالثبات على السير إلى الوصول إلى الحق، واتقوا كل ما يردهم إلى شهود الفرق، أجر عظيم وخير جسيم، بالعكوف في الحضرة، والتنعم بالشهود والنظرة. ثم قال الحق تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٧٣ الى ١٧٥] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) قلت: الموصول بدل من الموصول قبله، و (يخوف) : يتعدى إلى مفعولين للتضعيف، حذف الأول، أي: يخوفكم أولياءه من الكفار، أو حذف الثاني، أي: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج إلى ملاقاة العدو. وهنا تفسيران: أحدهما: أن يكون من تتمة غزوة أحد، وهو الظاهر، ليتصل الكلام بما بعده، وذلك أن أبا سفيان لما هَمّ بالرجعة ليستأصل المسلمين، لقيه معبد الخزاعي، فقال له: إن محمداً خرج يطلبك في جمع لم أرَ مثله، فدخله الرعب، فلقيه ركب من عبد القيس يريد المدينة بالميرة، فقال لهم: ثبطوا محمداً عن لحوقنا، ولكم حمل بعير من الزبيب، فلما لقوا المسلمين خوفوهم، فقالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، ومضوا حتى بلغوا حمراء الأسد ثم رجعوا، فعلى هذا: يقول الحق ﷻ : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ وهم ركب عبد قيس حيث قالوا للمسلمين: إِنَّ النَّاسَ يعني أبا سفيان ومن معه، قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ليرجعوا ليستأصلوكم فَاخْشَوْهُمْ وارجعوا إلى دياركم

стр. 433

فَزادَهُمْ ذلك إِيماناً ويقيناً وتثبيتاً في الدين، وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بحسب التوجه إلى الله والتفرغ مما سواه، وينقص بحسب التوجه إلى الدنيا وشغبها، ويزيد أيضاً بالطاعة والنظر والاعتبار، وينقص بالمعصية والغفلة والاغترار. ولما قال لهم الركب ذلك ليخوفهم، قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي: كافينا الله وحده، فلا نخاف غيره، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي: نعم من يتوكل عليه العبد، وهي كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره، وهي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في النار، فَانْقَلَبُوا راجعين من حمراء الأسد، متلبسين بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وهي العافية والسلامة، وَفَضْلٍ وهي زيادة الإيمان وشدة الإيقان، لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ من جراحة وكيد عدو، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ، الذي هو مناط الفوز بخير الدارين، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ فقد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد مع الرسول ﷺ الذي هو موجب الرضوان. ثم حذَّرهم الحق تعالى ممن ثبّطهم عن اللحوق بالكفار، وهو ركب عبد القيس، تشبيهاً لهم بالشيطان، فقال: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يخوفكم أولياءه من المشركين، أو يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ القاعدين من المنافقين، فَلا تَخافُوهُمْ فإن أمرهم بيدي، وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله على خوف الناس. التفسير الثاني: أن يكون الكلام على غزوة بدر الصغرى: وذلك أن أبا سفيان لما انصرف من أُحد نادى: يا محمد، موعدنا بدرٌ لقابل، إن شئت، فقال ﷺ : «إن شاء الله تعالى» ، فلما كان العام القابل، خرج أبو سفيان فى أهل مكة، حتى نزل مرّ الظهران، فأنزل الله الرعب في قلبه، وبدا له أن يرجع، فلقي نُعيم بن مسعود الأشجعي معتمراً، فقال له: ائت المدينة وأعلمهم أنّا في جمع كثير، وثبطهم عن الخروج، ولك عندي عشر من الإبل، فأتى المدينة فأخبرهم، فكره أصحابُ النبي ﷺ الخروج، فقال النبي ﷺ : «والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرجَنّ، ولو وَحْدِي» . فرجع الجَبان وتأهب الشجعان، فخرجوا حتى أتوا بدراً الصغرى، ورجع أبو سفيان إلى مكة، فسموا جيش السويق، ووافق المسلمون السوق ببدر، وكانت معهم تجارات، فباعوا وربحوا، وانصرف النبي ﷺ إلى المدينة «١» . فعلى هذا، يقول الحق ﷻ : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، يعني: في غزوة بدر الصغرى، لميعاد أبي سفيان، مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ يعني: في غزوة أحد في العام الأول، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ بالخروج مع الرسول، وَاتَّقَوْا الله في مخالفته، أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ يعني نُعَيْم بن مسعود، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم، كما يقال: فلان يركب الخيل، وما يركب إلا فرساً. أو: لأنه انضم إليه

стр. 434

ناس من المدينة وأذاعوا كلامه. إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يعني: أبا سفيان وأهل مكة لما خرج إلى مَرّ الظهران. وقوله: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي: عافية وسلامة، وَفَضْلٍ ما أصابوا من التجارة، وقوله: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يعني: نعيماً يخوفكم أَوْلِياءَهُ والباقي ظاهر. الإشارة: أهل القوة من المريدين إذا قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم ليردوكم أو يؤذوكم فاخشوهم، زادهم ذلك إيماناً وإيقاناً، وتحققوا أنهم على الجادة، لسلوكهم على منهاج من قبلهم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا الآية، واكتفوا بعلم الله ونظره وبرعايته ونصره، فانقلبوا بنعمة الشهود، وفضل الترقي في عظمة الملك الودود، لم يمسسهم في باطنهم سوء ولا نقصان، واستوجبوا من الله الرضى والرضوان، وإنما ذلكم شيطان يردهم عن مقام الشهود والعيان، فلا ينبغي لهم أن يخافوا ومطلبهم مقام الإحسان، الذي تُبْذل في طلبه الأرواح والأبدان. وبالله التوفيق. ثم هوَّن شأن الكفار، وأمّن المسلمين من ضررهم، فقال: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٧٦ الى ١٧٧] وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) قلت: حَزَنَ يحزُن كبلغ يبلُغ، وأحزن يُحْزِن، كأَكْرم يكرم، لغتان، والأولى أفصح. يقول الحق ﷻ : ولا يهولك شأن الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي: يبادرون إلى الوقوع فيه، كالمنافقين او الكفار جميعاً، فلا تخف ضررهم إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً أي: لن يضروا أولياء الله، وإنما يرجع ضررهم إلى انفسهم. يُرِيدُ اللَّهُ- بسبب ما أظهر فيهم من المسارعة إلى الكفر- أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي ثواب الْآخِرَةِ لِمَا سبق لهم من الشقاء، حتى يموتوا على الكفر. وفي ذكر الإرادة إشعار بأن كفرهم بلغ الغاية، حتى أراد أرحم الراحمين ألاَّ يكون لهم حظ من رحمته. وَلَهُمْ مع ذلك عَذابٌ عَظِيمٌ. ثم كرر شأنهم تأكيدا فقال: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ أي: استبدلوا الإيمان الذي ينجيهم من العذاب، لو دخلوا فيه، بالكفر الذي يُوجب العذاب، لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ موجع، أو يكون في الكفار أصالة، وهذا في المرتدين، والله تعالى أعلم.

стр. 435

الإشارة: إنكار العوام على الخصوص لا يضرهم، ولا يغض من مرتبتهم، بل يزيدهم رفعةً وعلواً وعزّاً وقرباً، قال تعالى: لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وسمعت شيخنا البوزيدى ﵁ يقول: «كلامُ الناس في الولي كناموسة نفخت على جبل» . أي: لا يلحقهم من ذلك إلا ما يلحق الجبل من نفخ الناموسة، يريد الله ألا يجعل لهم من نصيب القرب شيئاً، ولهم عذاب البعد والنصب، في غم الحجاب وسوء الحساب، لا سيما من تمكن من معرفتهم، ثم استبدل صحبتهم بصحبة العوام، فلا تسأل عن حرمانه التام، والعياذ بالله. ثم لا يدل إمهال الكافرين وتمتعهم بطول الحياة على إرادة الخير لهم، بل إنما ذلك استدراج وزيادة فى الإثم، كما أشار إلى ذلك بقوله: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٨] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨) قلت: من قرأ بالتحتية، فالذين كفروا: فاعل، و (إن) وما بعدها: سد مسد المفعولين، ومن قرأ بالفوقية فالذين: مفعول أول، و (إنما) : سد مسد الثاني، و (ما) : مصدرية، والإملال: الإمهال والتأخير. ومنه: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا أي: حينا طويلا. يقول الحق ﷻ : ولا يظنن الذين كفروا أن إمهالي لهم وإمدادهم بطول الحياة، هو خير لهم، إنما نمهلهم استدراجاً لِيَزْدادُوا إثماً وعقوبة، وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ يُهينهم، ويُخزيهم يوم يُعز المؤمنين. الإشارة: إمهال العبد وإطالة عمره، إن كانت أيامه مصروفةً فى الطاعة واليقظة، وزيادة المعرفة، فإطالتها خير، والبركة في العمر إنما هي بالتوفيق وزيادة المعرفة، وفي الحكم: «مَن بورك له في عمره أدرك في يسيرٍ من الزمان مالا تدركه العبارة ولا تلحقه الإشارة» . وإن كانت أيام العمر مصروفة في الغفلة والبطالة وزيادة المعصية، فالموت خير منها. وقد سُئل- ﵊ أيُّ الناس خَيْرٌ؟ قال: «مَنْ طَالَ عُمرُه وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قيل فَأَيُّ النّاسِ شر؟ قال: مَنْ طَالَ عَمُرُهُ وَسَاءَ عَمله» . والله تعالى أعلم.

стр. 436

ولمّا قال ﵊: «إنَّ اللهَ أطلعني على من يُؤمِنُ بي ممن يكْفُر» . قال المنافقون: نحن معه ولا يعرفنا، فأنزل الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٩] ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) قلت: ماز يميز، وميّز يُمَيِّز، بمعنى واحد، لكن في ميّز معنى التكثير. يقول الحق ﷻ لعامة المؤمنين والمنافقين: ما كانَ اللَّهُ ليترك الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ من الاختلاط، ولا يعرف مخلصكم من منافقكم، بل لا بد أن يختبركم حتى يتميز المنافق من المخلص، بالوحي أو بالتكاليف الشاقة، التي لا يصبر عليها إلا المخلصون، كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله، ليختبر به بواطنكم، ويستدل به على عقائدكم، أو بما ظهر في غزوة أحد من الأقوال والأفعال التي تدل على الإيمان أو النفاق، وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ حتى تعرفوا ما في القلوب من كفر أو إيمان، أو تعرفوا: هل تَغْلُبون أو تُغْلَبُون. وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي لرسالته مَنْ يَشاءُ، فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات، أو ينصب له ما يدل عليها، فَآمِنُوا بِاللَّهِ الذي اختص بعلم الغيب الحقيقي، وآمنوا برسله الذين اختارهم لأسرار الغيوب، لا يعلمون إلا ما علَّمهم. رُوِيَ أن الكفرة قالوا: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا: من يؤمن منا ومن يكفر؟ فنزلت الآية. وقيل: سببها ما تقدم من قول المنافقين، ووجه المناسبة: هو ما صَدَرَ منهم يوم أُحُد من المقالات التي ميزتهم من المؤمنين. وَإِنْ تُؤْمِنُوا إيماناً حقيقياً وَتَتَّقُوا النفاق والشرك فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ عند الله. الإشارة: من سُنّة الله في المتوجهين إليه إذا كثروا، وظهرت فيهم دعوى القوة، أرسل الله عليهم ريح التصفية، فيثبت الصحيح، والخاوي تذروه الريح، وما كان الله ليذرهم على ما هم عليه من غير اختبار، حتى يميز الخبيث من الطيب، أي: مَنْ هِمَّتُه الله ومَنْ هِمَّتُه سواه، وما كان الله ليُطلعكم على الغيب حتى يعلموا من يثبت ممن يرجع، أو يعلموا ما يلحقهم من الجلال والجمال، وإنما ذلك خاص بالرسل ﵈، وقد يُطلع على شيء من ذلك بعض خواص ورثتهم الكرام، فالواجب على المريد أن يُؤمن بالقدر المغيب، ولا يستشرف على الاطلاع عليه «استشرافُك على ما بطن فيك من العيوب، خير من استشرافك على ما حُجب عنك من الغيوب» . (وإن تؤمنوا) بمواقع القضاء والقدر، (وتتقوا) القنوط والكدر، (فلكم أجر عظيم) .

стр. 437

ولمّا كان البخل هو معيار المخلصين من المخلطين، ذكره بإثر تمييز المؤمنين من المنافقين، فقال: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٠] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) قلت: من قرأ بالخطاب فالموصول مفعول أول، و (خيراً) : مفعول ثان، والضمير للفصل، والخطاب للرسول ﷺ ، ولا بد من حذف مضاف، أي: لا تحسبن بُخلَ الذين يبخلون خيراً لهم، ومن قرأ بالغيب ف- (الذين) : فاعل، والمفعول الأول محذوف، لدلالة (يبخلون) عليه، لا يحسبن البخلاء بخلهم خيراً لهم، والطوق: ما يدار بالعنق. يقول الحق ﷻ : ولا يظنن الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من الأموال، فلم يؤدوا زكاتها، أن بخلهم خير لهم، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ لاستجلابه العذاب إليهم، ثم بيَّنه بقوله: سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ أي: يلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق للعنق، وقيل: يطوق به حقيقة، لقوله ﵊: «ما من رَجُل لا يؤدي زكاة ماله إلا إذا كان يوم القيامة- مُثِّلَ له شُجَاعاً أقْرع، له زَبِيبتَان، يطوِّقُه، ثم يأخُذُ بِلْهزِمتيه- أي: شدقيه- يقول: أنا كنْزكَ، أنا مَالُكَ، ثُم تَلا هذه الآية: وَلا يَحْسَبَنَّ ... » . وقيل: يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقاً من نار. والمال الذي بخل به هو لله، وسيرجع لله، وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو الذي يرث الأرض ومن عليها، فكيف يبخل العبد بمال الله، وهو يعلم أنه يرجع لله، فيموت ويتركه لمن يسعد به! ولله درّ القائل، حيث قال: يا جَامِعَ الْمَالِ كَمْ تُضَرُّ به ... تَطْمَعُ بالله فِي الخُلُودِ معَهْ هَلْ حَمَل المالَ ميّت معه؟ ... أما تراه لِغَيْرِه جَمَعَهْ؟! وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لا يخفى عليه منعكم ولا إعطاؤكم، فيجازي كُلاً بعمله. الإشارة: لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضل الرئاسة والجاه، أن يبذلوها في طلب معرفة الله، وبذلها: إسقاطها وإبدالها بالخمول، والذل لله، وإسقاط المنزلة بين عباد الله، فلا يظنون أن بخلهم بذلك خير لهم، بل هو شر لهم، سيلزمون وبال ما بخلوا به يوم القيامة، حين يرون منازل المقربين كالشمس الضاحية في أعلى عليين، وهم مع عوام أهل اليمين، محجوبون عن شهود رب العالمين، إلا في وقت مخصوص وحين.

стр. 438

فمن بخل بماله حشر مع الفجار، ومن بخل بنفسه وجاهه، وبذل ماله، حشر مع الأبرار، ومن بذلهما معا حشر مع المصطفين الأخيار، ومنتهى الملك لله الواحد القهار، وهو الغنى بالإطلاق. فمن وصفه بضد ذلك كان من أهل البعاد والشقاق. وإلى ذلك أشار بقوله: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨١ الى ١٨٣] لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) قلت: (وقتلهم) : معطوف على (ما) المفعولة أو النائبة عن الفاعل، على القرائتين رفعاً ونصباً، و (أن الله) : عطف على (ما) أي: ذلك العذاب بسبب ما قدمتم وبأن الله منتفٍ عنه الظلم، فلا بد أن يعاقب المسيئ ويثيب المحسن، (الذين قالوا إِنَّ الله عهد إلينا) : صفة للذين (قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ) ، أو بدل منه مجرور مثله. يقول الحق ﷻ : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ اليهود الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وقائله: فنحاص بن عازوراء، في جماعة منهم، وذلك أن النبي ﷺ كتب مع أبي بكر إلى يهود بنى قينقاع، يدعوهم إلى الإسلام، وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً، فدخل أبو بكر ﵁ مِدْرَاسَهُم «١» ، فوجد خلقاً كثيراً اجتمعوا إلى فنحاس، وهو من علمائهم- ومعه حبر آخر اسمه: (أيشع) ، فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم، فو الله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، فأسلِمْ وصَدِّق، وأقْرِض الله قرضاً حسناً يدخلك الجنة، فقال فنحاص لعنه الله: يا أبا بكر تزعم ان ربنا يستقرضنا أموالنا، وما يستقرض إلا الفقير من الغني، ولو كان غنيّاً ما استقرض، فلطمه أبو بكر ﵁ وقال: لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك، فشكاه إلى رسول الله ﷺ فقال له: ﵊: - «ما حملك على ما فعلت؟» فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولاً عظيماً، زعم أن الله فقير، وهم أغنياء، فجَحَد ما قال، فنزلت الآية تكذيبا له.

стр. 439

والمعنى: أن الله سمع مقالتهم الشنيعة، وأنه سيعاقبهم عليها، ولذلك قال: سَنَكْتُبُ ما قالُوا أي: سنسطرها عليهم في صحائف أعمالهم، أو سنحفظها في علمنا ولا نهملها، لأنها كلمة عظيمة، فيها الكفر بالله والاستهزاء بكتاب الله وتكذيب لرسول الله ﷺ ، ولذلك نظمت مع قتلهم الأنبياء، حيث عطفه عليه، وفيه تنبيه على أن قولهم الشنيع ليس هو أول جريمة ارتكبوها، وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد أمثال هذا القول منه. ثم ذكر عقابهم، فقال: وَنَقُولُ لهم يوم القيامة: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي: المُحْرِق، والذوق: يطلق على إدراك المحسوسات كالمطعومات، والمعنويات كما هنا، وذكره هنا لأن عذابهم مرتب على قولهم الناشئ عن البخل، والتهالك على المال، وغالب حاجة الإنسان إليه، لتحصيل المطاعم، ومعظم بخله للخوف من فقده. ذلِكَ العذاب بسبب ما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ من قتل الأنبياء، وقولكم هذا، وسائر معاصيكم، وعبّر بالأيدي لأن غالب الأعمال بهن، وبأن اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ بل يجازي كلَّ عبد بما كسب من خير أو شر، فأنتم ظلمتم أنفسكم. ثم إن قوماً منهم، وهو كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحُيَيْ بن أخطب وفنْحَاص ووهب بن يهوذا، أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا محمد تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة، ألاَّ نؤمن لرسول يزعم أنه نبيّ حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك، فأنزل الله فيهم تكذيباً لهم: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا في التوراة وأوصانا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ كصدقة أو نسيكة، تَأْكُلُهُ النَّارُ كما كانت لأنبياء بني إسرائيل. وذلك أن القرابين والغنائم كانت حراماً على بني إسرائيل، وكانوا إذا قرَّبوا قُرباناً، أو غنموا غنيمة، فتقبل منهم، ولم يُغل من الغنيمة، نزلت نار بيضاء من السماء، فتأكل ذلك القربان أو الغنيمة، فيكون ذلك علامة على القبول، وإذا لم يتقبل بقي على حاله، وهذا من تعنتهم وأباطيلهم، لأن أكل القربان لم يُوجبْ الإيمانَ إلا لكونه معجزة، وسائر المعجزات في ذلك سواء، فلذلك ردَّ عليهم بقوله: قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ أي: المعجزات الواضحات، وَبِالَّذِي قُلْتُمْ من أكل النار القربان، فكذبتموهم وقتلتموهم كزكريا ويحيى وغيرهما، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم أنه ما منعكم من الإيمان إلا عدم ظهور هذه المعجزة، فما لكم لم تؤمنوا بمن جاء بها حتى قتلتموه؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: ما زالت خواص العامة مولعةً بالإنكار على خواص الخاصة، يسترقون السمع منهم، إذا سمعوا كلمة لم يبلغها علمُهم، وفيها ما يوجب النقص من مرتبتهم، حفظوها، وحرفوها، وأذاعوها، يريدون بذلك إطفاء نورهم،

стр. 440

وإظهار عُوَراهم، والله حفيظ عليهم، سيكتب ما قالوا وما قصدوا من الإنكار على أوليائه، ويقول لهم: ذوقوا عذاب البعد والحجاب. ومما يتشبثون به في الإنكار عليهم: اقتراحهم الكرامات التي كانت للأولياء قبلهم، ويقولون: لانصدق بهم حتى يأتوا بما أتى به فلان وفلان، فقد كان من قبلهم يطعنون فيهم مع ظهور ذلك عليهم، كما هو سنة الله فيهم. (والله يهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم) . ثم سلّى الحقّ نبيه- ﵊ بقوله: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٤] فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) قلت: (الزبر) : جمع زبور، بمعنى مزبور، أي: مكتوب، من زبرت، أي: كتبت، وكل كتاب فهو زبور، وقال امرؤ القيس: لِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي ... كَخَطِّ زَبَورٍ في عَسِيبٍ يَمَانِ يقول الحق ﷻ ، فى تسلية رسوله- ﵊ من تكذيب اليهود وغيرهم له: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فليس ذلك ببدع فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مثلك مِنْ قَبْلِكَ جاءوا قومهم بالمعجزات البينات، وبالكتب المنزلات، فيها مواعظ زاجرات، وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ المشتمل على الأحكام الشرعيات. الإشارة: كما كُذبت الأنبياء كُذبت الأولياء، بعد أن ظهر عليهم من العلوم الباهرة والحكم الظاهرة والكرامات الواضحة، وأعظمها المعرفة، وهذه سُنَّة ماضية، ولن تجد لسنة الله تبديلا. وعند الله تجتمع الخصوم فيظهر المحق من المبطل، وتوفى كلُّ نفس ما أسلفتْ، وتعلم علم يقين ما أظهرت وأضمرت، كما أشار إلى ذلك بقوله: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٥] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) قلت: (زحزح) : بُوعِدَ، والزحزحة: الجذب والإخراج بعجلة. يقول الحق ﷻ : كل نفس منفوسة لا بد أن تذوق حرارة الموت، وتسقى كأس المنون، وإنما توفون جزاء أعمالكم يوم القيامة، يوم قيامكم من القبور، خيراً كان أو شرًّا.

стр. 441

قال البيضاوي: ولفظ التوفية يشعر بأنه قد يكون قبلها بعض الأجور، أي: توفية بعض الأجور، ويؤيده قوله ﷺ : «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّة، أو حُفْرة مِنْ حُفَرِ النارِ» ، فَمَنْ زُحْزِحَ أي: بُوعد عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ بالنجاة ونيل المراد، وعنه ﷺ : «من أحبَ أن يُزحزَحَ عن النارِ ويُدْخَل الجَنَةَ فَلتُدرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، ويَأتِي إلى النَاسِ ما يُحِبُّ أن يُؤْتى إِليْه» . وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا وزخارفها ولذاتها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ فإن الغار- وهو المُدلِّس- يظهر ما هو حسن من متاعه، ويخفي ما هو معيب، كذلك الدنيا تبتهج لطالبها، وتُظهر له حلاوتها وشهواتها، حتى تشغله عن ذكر الله وعن طاعته، فيؤثرها على آخرته، ثم يتركها أحوج ما يكون إليها، فينقلبُ نادماً متحسراً، وفي ذلك يقول الشاعر: ومَنْ يحمد الدنيا لشيء يسره ... فسوف للعُسْرِ عن قَرِيبٍ يَلُومُها إذا أدبرت كانتْ على المرء حسرةً ... وإن أقبلتْ كانت كثيراً هُمُومُها الإشارة: النفس، من حيث هي، كلها تقبل الموت لمن قتلها وجاهدها، وإنما وقع التفريط من أربابها، فمن زحزها عن نار الشهوات، وقتلها بسيوف المخالفات، حتى أدخلها جنات الحضرات، فقد فاز فوزاً عظيماً، وربح ربحاً كريما. وبالله التوفيق. ثم أمر بالصبر على فقد الأموال والإخوان، وعلى أذى اليهود والمشركين، فقال تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٦] لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) قلت: أصل (تبلونَّ) : تُبلوون كتُنصرون، ثم قلبت الواو ألفاً، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فصار تبلْونن، ثم أكد بالنون، فاجتمع ثلاث نونات، حذفت نون الرفع فالتقى ساكنان الواو ونون التوكيد، فحركت الواو بالضمة المجانسة، وهى النائبة عن الفاعل. يقول الحق ﷻ : والله لَتُبْلَوُنَّ أي: لتختبرن فِي أَمْوالِكُمْ بما يصيبها من الآفات، وما كُلفتم به من النفقات، وَأَنْفُسِكُمْ بالقتل والجراحات، والأسر والأمراض وسائر العاهات. وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا

стр. 442

الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ اليهود وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا كفار مكة، أَذىً كَثِيراً كقولهم: إن الله فقير، وهجاء الرسول- ﵊، والطعن في الدين، وإغراء الكفرة على المسلمين، أو غير ذلك من الأذى. أعْلَمهم بذلك قبل وقوعه، ليتأهبوا للصبر والاحتمال، حتى لا يروعَهم نزولها حين الإنزال. وَإِنْ تَصْبِرُوا على ذلك، وَتَتَّقُوا اللهَ فيما أمركم به، فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي: من معزومات الأمور التي يجب العزم عليها، أو مما عزم الله على فعلها، وأوْجَبه على عباده. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل مَنْ دخل في طريق الخصوص بالصدق والعزم على الوصول، لا بد أن يُبتلى ويختبر في ماله ونفسه، ليظهر صدقه في طلبه، ولا بد أن يسمع من الناس أذى كثيراً، فإن صبر ظفر، وإن رجع خسر، وهذه سنة الله في عباده: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ، قال الورتجبي: (لتبلون في أموالكم) بجمعها ومنعها والتقصير في حقوق الله فيها، (وأنفسكم) باتباع شهواتها، وترك رياضتها، وملازمتها أسباب الدنيا، وخلوها من النظر في أمر الميعاد، وقيل: (لتبلون في أموالكم) بالاشتغال بها أخذاً وإعطاء. هـ. ثم عاتب الحقّ تعالى اليهود، ووبّخهم على كتمان الحق وإظهار الباطل، فقال: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٧] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧) قلت: الضمير في (نبذوه) : يعود على الكتاب، أو الميثاق. يقول الحق ﷻ : وَاذكر إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وهم اليهود، أخذ عليهم العهد ليبينن للناس ما في كتابهم من صفة النبي ﷺ ولا يكتمونه، فنبذوا ذلك العهد أو الكتاب وَراءَ ظُهُورِهِمْ فكتموا صفته- ﵊ خوفاً من زوال رئاستهم، وَاشْتَرَوْا بذلك العهد، أي: استبدلوا به ثَمَناً قَلِيلًا من حطام الدنيا، وما كانوا يأخذونه من سفلتهم، فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ، وهي تَجُر ذيلها على مَن كتم علماً سئل عنه، قال ﵊: «مَنْ كَتَمَ عِلْماً عَنْ أَهْله ألجِمَ بلِجَامٍ مِنْ نار» . وعن على ﵁: (ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعلِّموا) . وقال محمد بن كعب: (لا يحل للعالم أن يسكت على علمه، ولا الجاهل أن يسكت على جهله) .

стр. 443

الإشارة: أهل العلم إذا تحققوا بوجود الخصوصية عند ولي، وكتموا ذلك حسداً وخوفاً على زوال رئاستهم، دخلوا في وعيد الآية لأنَّ العوام تابعون لهم، فإذا كتموا أو أنكروا تبعُوهم على ذلك، فيحملون أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ، والله تعالى أعلم. ولما سأل- ﵊ اليهود عن شىء فى التوراة، وكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أنهم أخبروه عما سألهم، واستحمدوا إليه ففرحوا، أنزل الله فيهم: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨٨ الى ١٨٩] لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) قلت: من قرأ بالخطاب، فالذين: مفعول أول، والثاني: محذوف، أي: بمفازة من العذاب، أو هو المذكور، و (تحسبنهم) : تأكيد للفعل الأول، ومن قرأ بالغيب فالذين: فاعل، والمفعولان: محذوفان، دلَّ عليهما ذكرُهما مع الثاني، أي: لا يحسبوا أنفسهم فائزة. (فلا تحسبنهم) : من قرأ بفتح التاء فالخطاب للرسول- ﵊، والفعل مبني، ومن قرأ بالياء فالخطاب للذين يفرحون، والفعل معرب، أي: لا يحسبوا أنفسهم بمفازة من العذاب. يقول الحق ﷻ : لا تَحْسَبَنَّ يا محمد الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي: بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا من الوفاء بالعهد، وإظهار الحق، والإخبار بالصدق، أنهم فائزون من العذاب، فلا تظنهم بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ، بل لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ موجع، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إن شاء عذب وإن شاء رحم، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فلا يعجزه من ذلك شيء، أو: لا يظن الذين يفرحون بما أتَوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب. وعن أبي سعيد الخدري ﵁: (أنها نزلت في المنافقين، كانوا إذا خرج النبي ﷺ «١» تخلَّفوا، وإذا قدم اعتذروا، فإذا قَبِل عذرهم فرحوا، وأحبُّوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا) . وما تقدم في التوطئة هو عن ابن عباس. وقال

стр. 444

ابن حجر: ولا مانع من أن تتناول الآية كلَّ من أتى بحسنة وفَرِحَ بها فَرَحَ إعجاب، وأحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يظن أهل الفرق الذين يسندون الأفعال إلى أنفسهم، غائبين عن فعل ربهم، ويحبون أن يحمدهم الناس ويمدحهم بفعل غيرهم، أنهم فائزون عن عذاب الفرق، وحجاب العجب، إذ لا فاعل سوى الحق، فمن تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك، فإن فرح العبد بالطاعة من حيث ظهورها عليه، وهي عنوان العناية- ورأى نفسه فيها كالآلة، معزولاً عن فعلها، محمولاً بالقدرة الأزلية فيها، فلا بأس عليه، ويزيد بذلك تواضعاً وشكراً، وإن فرح بها من حيث صدورها منه، ويتبجح بها على عباد الله، فهو عين العجب، وفي الحكم: «لا تُفرحكَ الطاعة من حيث إنها صَدَرَتْ منك، وافرح بها من حيث إنها هدية من الله عليك قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا» . ثم استدل على قدرته المفهومة من (القدير) ، فقال: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٩٠] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) يقول الحق ﷻ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وأظهارهما للعيان، لَدلائل واضحة على وجود الصانع، وكمال قدرته، وعلمه، لذوي العقول الكاملة الصافية، الخالصة من شوائب الحس والوهم. قال البيضاوي: ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية لأن مناط الاستدلال هو التغير، وهذه متعرضة لجملة أنواعه، فإنه- أي التغير- إما أن يكون في ذات الشيء، كتغير الليل والنهار، أو جزئه، كتغير الناميات بتبدل صورها، أو لخارج عنها، كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها، وعن النبي ﷺ : «وَيْلٌ لمن قَرَأَهَا ولَمْ يَتَفَكَرْ فِيْهَا» . الإشارة: الخلق هو الاختراع والإظهار، فإظهار هذه التجليات الأربعة يدل على أن الحق- تعالى- تجلى لعباده بين الضدين، بين النور والظلمة، بين القدرة والحكمة، بين الحس والمعنى، وهكذا خلق من كل زوجين اثنين، ليقع الفرار من إثنينية حسهما إلى فردية معناهما، ففرّوا إلى الله، فالسموات والنهار نورانيان، والأرض والليل ظلمانيان، ففي ذلك دلالة على وحدة المعاني، فلا تقف مع الأواني، وخُض بحر المعاني، لعلك تراني. وبالله التوفيق. ثم وصف أولى الألباب الذين يدركون صفاء هذه المعاني، فقال:

стр. 445

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩١ الى ١٩٤] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) يقول الحق ﷻ ، في وصف أولي الألباب: هم الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ، أي: يذكرونه على الدوام، قائمين وقاعدين ومضطجعين، وعنه- ﷺ : «منْ أرادَ أن يَرْتَع في رِيَاضِ الجَنة فليُكثْر ذِكرَ الله» . وقيل: يُصلّون على الهيئات الثلاث، حسب الطاقة لقوله ﵊ لعمران بن حصين، وكان مريضاً: «صَلِّ قائِماً، فإِنْ لم تستطع فقاعدا، فإن لَمْ تَستطِعْ فعلى جَنْبِكَ وتومىء إيماء» . وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ استدلالاً واعتباراً، وهو أفضل العبادات قال ﷺ : «لا عبادة كالتفكر» لأنه المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق، وعنه ﷺ : «بينَمَا رجلٌ مُسْتَلقٍ على فِرَاشهِ فَنَظَر إلى السماءِ والنُجومِ، فَقَال: أشْهدُ أن لك خالقا، اللُهمَّ اغفرْ لي، فَنَظَر اللهُ إِليه فَغَفر لَهْ» . وهذا دليل واضح على شرف علم الأصول وفضل أهله. قاله البيضاوي. وسيأتي مزيد من كلام على التفكر في الإشارة إن شاء الله. فلما تفكروا في عجائب المصنوعات، قالوا: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي: عبثاً من غير حكمة، بل خلقته لحكمة بديعة، من جملتها: أن يكون مبدأ لوجود الإنسان، وسبباً لمعاشه، ودليلاً يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك، لينال الحياة الأبدية، والسعادة السرمدية في جوارك، سُبْحانَكَ تنزيهاً لك من العبث وخلق الباطل، فَقِنا عَذابَ النَّارِ التي استحقها من أعرض عن النظر والاعتبار، وأخلّ بما يقتضيه من أحكام الواحد القهار، وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يمنعونهم من دخول النار. ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن ظلمهم سبب لإدخالهم النار، وانقطاع النصرة عنهم في دار البوار. رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ، وهو الرسول العظيم الشأن، أو القرآن قائلا: أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ ووحدوه، فأجبنا نداءه وآمنا، رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا الكبائر، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا الصغائر، وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ المصطفين الأخيار، مخصوصين بصحبتهم، معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم يُحبون لقاء الله فأحب الله لقاءهم. رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى تصديق رُسُلِكَ من الثواب، أو على ألسنة

стр. 446

رسلك من الفضل والرحمة وحسن المآب، سألوا ما وُعدوا على الامتثال، لا خوفا من إخلاف الوعد، بل مخافة ألاَّ يكونوا موعودين لسوء عاقبة، أو قصور في الامتثال، أو تعبداً، أو استكانة. قاله البيضاوي. وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: لا تُهِنَّا بسبب تقصيرنا، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ بإثابة المؤمن وإجابة الداعي، أو ميعاد البعث والحساب، وتكرير رَبَّنا للمبالغة في الابتهال، والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها، ففي بعض الآثار: (من حزبه أمر فقال خمس مرات: «ربنا» ، أنجاه الله مما يخاف) . «١» قاله البيضاوي. الإشارة: قدَّم الحق الذكر على الفكر على ترتيب السير، فإن المريد يُؤمَر أول أَمرِهِ بذكر اللسان، حتى يفضي إلى الجنان، فينتقل الذكر إلى القلب، ثم إلى الروح، وهو الفكر، ثم إلى السر، وهو الشهود والعيان، وهنا يخرس اللسان، ويغيب الإنسان في أنوار العيان، وفي ذلك يقول القائل: مَا إِنْ ذَكَرْتُكِ إلاّ هَمَّ يَلْعَنُنِي ... سِرِّي ورُوحِي وقَلْبي عِنْدَ ذِكرَاكَ حَتَّى كَأَنَّ رَقيباً مِنْكَ يَهْتِفُ بِي: ... إِيَّاكَ: وَيْحَك والتَّذْكَارَ! إِيَّاكَ! أَمَا تَرَى الْحقَّ قَدْ لاَحَتْ شَوَاهِدُهُ ... وَوَاصَلَ الْكُلَّ من معناه معناك فإذا بلغ العبد هذا المقام- الذي هو مقام الإفراد- اتحدت عنده الأوراد، وصار ورداً واحداً، وهو عكوف القلب في الحضرة بين فكرة ونظرة، أو إفراد القلب بالله، وتغيبه عما سواه. قال في الإحياء في كتاب الأوراد: الموحد المستغرق الهم بالواحد الصمد، الذي أصبح وهمومه هم واحد، فلا يحب إلا الله، ولا يخاف إلا منه، ولا يتوقع الرزق من غيره، ولا ينظر في شيء إلا يرى الله فيه، فمن ارتفعت رتبته إلى هذه الدرجة، لم يفتقر إلى ترتيب الأوراد واختلافها، بل ورده بعد المكتوبات ورد واحد، وهو حضور القلب مع الله في كل حال، فلا يخطر بقلبه أمر، ولا يقرع سمعه قارع، ولا يلوح لنظره لائح، إلاَّ كان له فيه عبرة وفكرة ومزيد، فلا محرك ولا مسكن إلا الله. فهؤلاء جميع أحوالهم تصلح أن تكون سبباً لازديادهم، فلا تتميز عندهم عبادة عن عبادة، وهم الذين فرّوا إلى الله كما قال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ، وتحقق فيهم قوله: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي، وهذه الدرجة منتهى درجة الصديقين، ولا ينبغي أن يغتر المريد بما يسمعه من ذلك، فيدعيه لنفسه، ويفتر عن وظائف عباداته، فذلك علامته ألا يحس في قلبه وسواساً، ولا يخطر بقلبه معصية، لا يزعجه هواجم الأحوال، ولا يستفزه عظائم الأشغال، وأنى تكون هذه المرتبة!. هـ.

стр. 447

قلت: قوله: [لا يخطر بقلبه معصية] غير لازم لأن قلب العارف مرسى للتجليات النورانية والظلمانية، لكنها تقل ولا تسكن. وقال في موضع آخر: وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه حُبّاً لجلاله وجماله، وسائر الأعمال تكون مؤكدات. قال: والعامل لأجر الجنة درجته درجة البُلْه، وإنه لينالها بعمله إذ أكثر أهل الجنة البُلْه. هـ. وقال في كتاب كيمياء السعادة: وقد غلط من ظن أن وظائف الضعفاء كوظائف الأقوياء، حتى قال بعض مشايخ الصوفية: من رأني في الابتداء، قال: صار صديقاً، ومن رآني في الانتهاء، قال: صار زنديقاً، يعني أن الابتداء يقتضي المجاهدة الظاهرة للأعين بكثرة العبادات، وفي الانتهاء يرجع العمل إلى الباطن، فيبقى القلب على الدوام في عين الشهود والحضور، وتفتر ظواهر الأعضاء، فيظن أن ذلك تهاون بالعبادة «١» ، وهيهات هيهات!!، فذلك استغراق لمخ العبادات ولبابها وغايتها، ولكن أعين الخفافيش تكل عن درك نور الشمس. هـ. قال شيخ شيوخنا- سيدي عبد الرحمن العارف- بعد نقل كلام القشيري في هذا المعنى: وما أشار إليه ظاهر في أن أهل القلوب لا يتعاطون كل طاعة. وإنما يتعاطون من الطاعات ما يجمعهم ولا يفرقهم. ولذلك قال الجنيد: أحب للصوفي ألا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه، قال: وأحب للمريد ألا يشتغل بالتكسب وطلب الحديث لئلا يتغير حاله. هـ. قلت: ومن رزقه الله شيخ التربية فما عيَّنه له فهو عين ذكره، يسير به كيفما كان. هذا ما يتعلق بحال الذكر الذي قدَّمه الله تعالى، وأما التفكر فهو أعظم العبادات وأفضل القربات، هو عبادة العارفين ومنتهى المقربين. وفي الخبر: «تفكرُ سَاعةٍ أفضل من عبادة سبعين سنة» . وقال الجنيد ﵁: أشرف المجالس وأعلاها: الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد، والتنسم بنسيم المعرفة، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد، والنظر لحسن الظن بالله تعالى. ثم قال: يا لها من مجالس، ما أجلها، ومن شرابٍ ما ألذه، طوبى لمن رزقه. وقال القشيري ﵁: التفكر نعت كل طالب، وثمرته: الوصول بشرط العلم، فإذا سلم الفكر عن الشوائب ورد صاحبهُ على مناهل التحقيق. هـ. وسئلت زوجة أبي ذر عن عبادة زوجها، فقالت: كان نهاره أجمع في ناحية يتفكر. وكذلك زوجة أبي بكر قالت: كان ليله أجمع في ناحية يتفكر. وكذا زوجة أبي الدرداء، وكان سيدنا عيسى ﵇ يقول: طوبى لمن كان قيله ذكراً وصمته تفكراً، ونظره عبرة. وقال الحسن ﵁: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكراً فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتباراً فهو لهو. هـ. وقال في الحكم: (ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة) . وقال أيضاً: (الفكرة سِراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له) . وقال أيضاً: (الفكرة فكرتان فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان، فالأولى لأرباب الاعتبار، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار) .

стр. 448

وفكرة الشهود والعيان هي عبادة العارفين، ولا يُحصر ثوابها في ستين ولا في سبعين، بل وقت منها يعدل أَلْفِ سنة، كما قال الشاعر: كَلُّ وَقتٍ مِنْ حَبيبيِ ... قَدْرُهُ كَأَلفِ حَجّه فأوقات هؤلاء كلها ليلة القدر، ومَن لم يبلغ هذا المقام فليبك على نفسه على الدوام، ومن ظفر بها ونالها حق له الهناء، وفي أمثاله قال القائل: هُم الرِّجَالُ وغَبْنٌ أنْ يُقَالَ لِمَنْ ... لَمْ يَتَّصِفُ بمَعَاني وَصْفِهِمْ رَجُلُ حققنا الله بمقامهم، وسقانا من منالهم، آمين. وقوله: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا بل هو ثابت بإثباتك، مَمْحُوٍّ بأحدية ذاتك، فالباطل محال، وكل ما سواه باطل، كما قرره الرسول- ﵊ «١» . وقوله: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا أي: كنا في الرعيل الأول من أهل الإيمان، فجعل لنا سبيلاً إلى مقام الإحسان، رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا وهو الوصول إلى العيان. وبالله التوفيق. ثم ذكر ما أجابهم به، فقال: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٩٥] فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥) قلت: (استجاب) : أخص من أجاب، لأن استجاب مُستلزم لفعل ما طلب منه، وأجاب يصدق بالوعد، ويتعدى بنفسه وباللام، و (بعضكم من بعض) : جملة معترضة. قاله البيضاوي فانظره. يقول الحق ﷻ : فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فيما طلبوه لأنه لا يرد السؤال، ولا تخيب لديه الآمال، ولذلك قال: أَنِّي أي: بسبب أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى لأنكم بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ لأن الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر، ولأنهما من أصل واحد، ولفرط الاتصال والاتحاد والاتفاق في الدين.

стр. 449

رُوِيَ «أَنَّ أمَّ سَلَمَة قالت: يا رسول الله، إني أَسْمَعُ الله يَذكُر الرجَالَ في الهِجْرَةِ ولم يَذكُر النساء، فنزلت. مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى» الخ. ثم فصل أعمال العمال، وما أعد لهم من الثواب فقال: فَالَّذِينَ هاجَرُوا دار الشرك، وفارقوا الأوطان والأصحاب والعشائر، وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي بسبب إيمانهم بالله، وَقاتَلُوا الكفار، وَقُتِلُوا أي: ماتوا في الجهاد. وقرىء بالعكس لأن الواو لا ترتب، أو قتل بعضهم، وقاتل الباقون ولم يضعفوا، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي: لأمحونها، وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي: أثيبهم ثواباً من عند الله تفضلاً وإحساناً، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ لا يعجزه شيء. الإشارة: لما توجهوا إليه بهممهم العلية، وعزائمهم القوية، فقرعوا بابه بدوام ذكره، والتفكر في عظمة ذاته، وجميل إحسانه وبره، وتضرعوا إليه بلسان الذل والانكسار، وحال الخضوع والاضطرار، أجابهم ففتح في وجوههم الباب، وأدخلهم في حضرته مع الأحباب، لأنه يجيب السؤال، ولا يخيب الآمال، بعد أن هاجروا الأوطان، وفارقوا العشائر والإخوان، إلا من يزيد بهم إلى الرحمن، فقاتلوا نفوسهم حتى ماتت فحييت بالوصال، إلى جوار الكبير المتعال، قال الشاعر: إنْ تُردْ وَصْلنَا فَمَوْتكَ شَرْطٌ ... لا يَنَالُ الوِصَالَ من فيه فضله فمحا عن عين بصائرهم سيئات الأغيار، وطهَّر قلوبهم من درن الأكدار، حتى دخلوا جنة المعارف، التي لا يحيط بوصفها وصف واصف، تجري من تحتها أنهار العلوم، وتنفتح منها مخازن الفهوم، ثواباً من عند الحيّ القيوم والله تعالى أعلم. ولما بسط الله الدنيا على اليهود والمشركين، استدراجا، قال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد، فأنزل الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩٦ الى ١٩٨] لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨) قلت: النُزل- ويسكن-: ما يُقَدم للنازل من طعام وشراب وصلة، وانتصابه: على الحال من (جنات) ، والعامل فيه: الظرف، أو على المصدر المؤكد، أي: أُنزلوها نزلاً.

стр. 450

يقول الحق ﷻ : لا يَغُرَّنَّكَ أيها السامع أو أيها الرسول، والمراد: تثبيته على ما كان عليه، كقوله: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، أي: دُمْ على ما أنت عليه من عدم اغترارك بظاهر ما ترى عليه الكفار من البسط في الدنيا، والتقلب فيها بالتجارات والزراعات، وما هم عليه من الخصب ولين عيش، فإن ذلك مَتاعٌ قَلِيلٌ بلغة فانية، ومتعة زائلة، وظلال آفلة، وسحابة حائلة. قال ﷺ : «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلاَّ مِثْلُ ما يَجْعَلُ أَحَدُكُم إصْبَعَهِ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُر بِمَ يَرْجِعَ» . فلا بد أن يرحلوا عنها قهراً، ثُمَّ مَأْواهُمْ أي: مصيرهم جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ما مهدوا لأنفسهم. والمعتبر عند الأكياس هو ما أعد الله للمتقين من الناس، قال تعالى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ وخافوا عقابه، لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، هيأ ذلك لهم وأعده نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هذا النزول الذي يقدم للضيف، وأما ما أعد لهم بعد النزول فلا يعبر عنه لسان، ولذلك قال: وَما عِنْدَ اللَّهِ من النعيم الذي لا يفنى، جسماني وروحاني، خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ مما ينقلب إليه الفجار. قيل: حقيقة البر: هو الذي لا يؤذي الذرّ. الإشارة: لا يغرنك أيها الفقير ما ترى عليه أهل الدنيا من اتخاذ المنازل المشيدة، والفرش الممهدة، فإن الدنيا متاعها قليل، وعزيزها قليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، واعتبر بحال نبيك- ﵊. قال أنس ﵁: دخلت على النبي ﷺ وهُو على سَرِير مرفل بالشريط- أي: مضفور به- وتحت رَأسِهِ وسَادَةٌ من أدم، حشوها ليف، فدخل عليه عمر، وانحرف النبي ﷺ انحرافة، فرأى عمر أثر الشريط في جَنْبِهِ، فَبكَى، فقال له النبي ﷺ : «ما يُبْكِيكَ يا عمر» ؟ فقال: مَالِيَ لا أبْكِي وكِسْرى وقَيْصَرُ يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال الذي أرى، فقال له النبي ﷺ : «يا عمر أمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لهُم الدُّنيا وَلَنا الآخرَةُ» . رواه البخاري. وانظر ما أعدّ الله للمتقين الأبرار، الذين صبروا قدر ساعة من نهار، فأفضوا إلى جوار الكريم الغفار فى دار القرار، وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ، ولا سيما العارفين الكبار. قال الورتجبي: بيِّن الحق- تعالى- رفعة منزل المتقين في الجنان، ثم أبْهم لطائف العناية بقوله: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ أي: ما عنده من نعيم المشاهدة، ولطائف القربة، وحلاوة الوصلة، خير مما هم فيه من نعيم الجنة، وأيضاً: صرح في هذه الآية ببيان مراتب الولاية، لأنه ذكر المتقين، والتقوى: تقديس الباطن عن لوث الطبيعة، وتنزيه الأخلاق عن دنس

стр. 451

المخالفة، وذلك درجة الأول من الولاية، والأبرار أهل الاستقامة في المعرفة، وبين أن أهل التقوى في الجنة، والأبرار في الحضرة. هـ. ولمّا عاتب الحق تعالى، فيما تقدم، أهل الكتاب، وكان فيهم من لا يستحق العتاب لاتباعه الحق والصواب، أخرجه الحق تعالى بقوله: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٩٩] وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) يقول الحق ﷻ : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلم من اليهود، لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ إيماناً حقيقياً، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من القرآن، وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من التوراة، حال كونهم خاشِعِينَ لِلَّهِ خاضعين مخبتين وافين بالعهد، لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا، كما فعل المحرفون من أحبار اليهود، أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: ما وعدوا به من تضعيف أجرهم مرتين، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ فيُسرع إلى توفية أجورهم وإكرام منقلبهم لأن الله عالم بالأعمال وما تستوجبه من النوال، فلا يحتاج إلى تأمل ولا احتياط لأنه غني عن التأمل والاحتياط. وقيل: نزلت في النصارى: أربعين من نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، قدموا على النبي ﷺ وأسلموا. وقيل: نزلت في النجاشي، لما نَعَاه جبريل إلى رسول الله ﷺ ، فخرج- ﵊، وصلّى عليه، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا، يصلّي على عِلْجٍ «١» نصراني، فنزلت الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد رأينا بعض الفقهاء حصل لهم الإيمان بخصوص أهل زمانهم، فتحققوا بولايتهم، ونالوا شيئاً من محبتهم، لكن لم تساعفهم الأقدار في صحبتهم، فظهرت عليهم آثار أنوارهم، واقتبسوا شيئاً من أسرارهم، فتنوّرت سريرتهم، وكملت شريعتهم، وأظهر عليهم آثار الخشوع، وأخذوا حظّاً من التواضع والخضوع، متخلقين بالقناعة والورع، قد ذهب عن قلبهم ما ابتلى به غيرهم من الجزع والهلع، فلا جرم أن هؤلاء لهم أجرهم مرتين: أجر ما تحملوا من الشريعة لنفع العوام، وأجر ما اكتسبوا من محبة القوم «المرءُ مَع مَنْ أَحب» . وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

стр. 452

ولمّا كان الصبر من الدّين كالرأس من الجسد، فلو حصل للناس دائما لم يتوجه العتاب لأحد، ختم به السورة، التي عاتب فيها جل العباد، فقال: [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٠٠] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) قلت: المرابطة: أن يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم، إرصاداً لمن حاربهم، ثم أُطلق على كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه، وإن لم يكن له مركب، إذا كان بنية الدفع عن المسلمين كان بأهله أو وحده. المدار على خلوص النية، خلاف ما قاله ابن عطية «١» ، وسيأتي صوابه «٢» في تفسير المعنى، إن شاء الله. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على مشاق الطاعات، وما يصيبكم من الشدائد والأزْمَات، وعلى مجانبة المعاصي والمخالفات، وعلى شكر ما أوليتكم من مواهب العطيات وَصابِرُوا أي: غالبوا الأعداء في مواطن الصبر، والثبوت في مداحض الحرب، وَرابِطُوا أبدانكم وخيولكم في الثغور لتحفظوا المسلمين من العدو الكفور، كي تفوزوا بعظائم الأجور قال ﷺ : «من رَابَط يَوْماً ولَيلَة في سبيل اللهِ كان كعدل صيام شهر وقيامه، لا يفطر ولا ينفتل «٣» عن صلاته إلا لحاجة، ومن توفي في سبيل الله- أي: مرابطاً في سبيل الله- أجْرَى الله عليه أجره حتى يقضي بين أهلِ الجنَةِ وأهل النَّارِ» . ومما يلحق بالرباط: «أنتظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ» ، كما في الحديث. وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما يأمركم به وينهاكم عنه، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فلاحاً لا خسران بعده أبداً. الإشارة: (يا أيها الذين آمنوا) إيمان أهل الخصوص، (اصبروا) على حفظ مراسم الشريعة، (وصابروا) على تحصيل أنوار الطريقة، (ورابطوا) قلوبكم على شهود أسرار الحقيقة، أو: اصبروا على أداء العبادة، وصابروا على تحقيق العبودية، ورابطوا في تحصيل العبودة- أي: الحرية- أو: اصبروا على تحقيق مقام الإسلام، وصابروا على دوام الإيمان، ورابطوا على العكوف في مقام الإحسان، أو: اصبروا على تخليص الطاعات، وصابروا على رفض الحظوظ والشهوات، ورابطوا أسراركم على أنوار المشاهدات، (واتقوا الله) فلا تشهدوا معه سواه، (لعلكم تفلحون) ، بتحقيق معرفة الله. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

стр. 453

سورة النّساء مدنية، وهى ستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفا. وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأربعون كلمة. ومائة وستون آية. قاله الثعلبي. وقال البيضاوي: مائة وخمس وسبعون آية. ومضمنها: الأمر بحفظ ستة أمور: حفظ الأموال، وحفظ الأنساب، وحفظ الأبدان، وحفظ الأديان، وحفظ اللسان، وحفظ الأيمان. بعد أن قدّم الأمر بالتقوى، التي هى ملاك ذلك كله، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) قلت: من قرأ: (والأرحامَ) بالنصب، فعطف على لفظ الجلالة، أي: اتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ حمزه بالخفض على الضمير من (به) كقول الشاعر: فَالْيَوْمَ قَدْ بتّ تَهْجُونَا وَتَشْتُمُنَا ... فَاذْهَبَ فَمَا بِكَ والأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ «١» وجمهور البصريين يمنعون العطف على الضمير إلا بإعادة الجار، فيقولون: مررت به وبزيد. وقال ابن مالك: ولَيْس عِنْدي لاَزمَا إذْ قَدْ أَتَى ... في النَّظْم والنَّثْر الصَّحِيح مُثْبَتَا. والنثر الصحيح هو ما قرأ به حمزة، وهذا هو التوجيه الصحيح، وأما من جعل الواو للقسم فبعيد. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا النَّاسُ أي: جميع الخلق، اتقوا ربكم فيما كلفكم به، ثم بيَّن موجب التقوى فقال: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني آدم، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها يعني حواء، من ضلع من أضلاعه، وَبَثَّ أي: نشر مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً أي: نشر من تلك النفس الواحدة بنين وبنات. قال البيضاوي: واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء، إذْ الحكمة تقتضي أن يكنَّ أكثر، وذكر: كَثِيراً

стр. 454

حملاً على الجمع، وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تُخشى والنعمة الباهرة التي توجب طاعة مولاها. هـ. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ أي: يسأل بعضكم بعضَا فيقول: أسألك بالله العظيم، وَالْأَرْحامَ أي: واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، فمن قطعها قطعه الله، ومن وصلها وصله الله، كما في الحديث. أو تساءلون به وبالأرحام، فيقول بعضكم لبعض: أسألك بالرحم التي بيني وبينك، أو بالقرابة التي بيني وبينك. ثم هددهم على ترك ما أمروا به فقال: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً حافظًا مطلعًا شهيدًا عليكم في كل حال. الإشارة: درجهم في آخر السورة في مدارج السلوك حتى زجَّهم في حضرة ملك الملوك، وأمرهم أن يتقوا ما يُخرجهم عن مشاهدة ظلمة أنوار الربوبية، ثم دلاهم في أول السورة إلى التنزل لآداب العبودية بشهود آثار القدرة الإلهية، في النشأة الأولية، ليعلَّمهم الجمع بين آداب المراقبة ودوام المشاهدة، أو بين الفناء والبقاء. وقد تكلم ابن جزي هنا على أحكام المراقبة، فقال: إذا تحقق العبد بهذه الآية وأمثالها، استفاد مقام المراقبة، وهو مقام شريف أصله علم وحال، ثم يثُمر حالين. أما العلم: فهو معرفة العبد بأن الله مطلع عليه، ناظر إليه في جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ويعلم كل ما يخطر على باله. وأما الحال: فهو ملازمة هذا العلم بالقلب، بحيث يغلب عليه ولا يغفل عنه. ولا يكفي العلم دون هذه الحال، فإذا حصل العلم والحال كانت ثمرتهما عند أصحاب اليمين: الحياء من الله، وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي والجد في الطاعات، وكانت ثمرتهما عند المقربين: المشاهدة، التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال. وإلى هاتين الثمرتين أشار الرسول ﷺ بقوله: «أن تعبدَ اللهَ كأنكَ تَراه فإنْ لم تكن تراه، فإنه يراك» ، فقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه» إشاره إلى الثمرة الثانية، وهي الموجبة للتعظيم، كمن يشاهد ملكًا عظيمًا فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة، وقوله: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» إشارة إلى الثمرة الأولى، ومعناه: إن لم تكن من أهل المشاهدة- التي هي مقام المقربين- فاعلم أنه يراك، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام الأعلى، ورأى أن كثيرا من الناس قد يعجزون عنه، تنزل منه إلى المقام الآخر. واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدم قبلها المشارطة والمرابطة، ويتأخر عنها المحاسبة والمعاتبة، فأما المشارطة فهي اشتراط العبد على نفسه التزام الطاعة، وترك المعاصي، وأما المرابطة فهي معاهدة العبد لربه على ذلك، ثم بعد المشارطة والمرابطة في أول الأمر تكون المراقبة ... الخ.

стр. 455

وبعد ذلك يحاسب العبدُ نفسَه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد نفسه قد وفَّى بما عاهد عليه الله يحمد الله، وإن وجد نفسه قد حلَ عَقد المشارطة ونقض عهد المراقبة، عاقب النفس عقابًا شديدًا بزجرها عن العودة إلى مثل ذلك، ثم عاد إلى المشارطة والمرابطة، وحافظ على المراقبة، ثم اختبر بالمحاسبة، وهكذا يكون إلى أن يلقى الله تعالى. انتهى كلامه، وهو مقتبس من الإحياء. والله تعالى أعلم. ثم شرع تعالى فى الكلام على حفظ الأموال، وبدأ بأموال اليتامى، اعتناء بهم لضعفهم، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٢] وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) قلت: اليتيم: مَنْ فقدَ أباه، ولا يقال فيه اليتيم عُرفا إلا قبل البلوغ، وهو هنا مجاز، أي: من كان يتيمًا، والحوبُ: الإثم، ويقال فيه: حوبا، بالضم والفتح، مع الواو والألف، مصدر حاب حوبًا وحوَبا وحابا. يقول الحقْ ﷻ : وَآتُوا أي: أعطوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ إذا بلغوا، وأُنِس منهم الرشد، وسمَّاهم يتامى بعد البلوغ اتساعًا لقرب عهدهم بالصغر، حثًا على أن يُدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم، قبل أن يزول عنهم هذا الاسم إذا أنِسَ فيهم الرشد، ويدل على هذا ما قيل في سبب نزول الآية، وهو أن رجلآ من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له، فلما بلغ طلب مال أبيه، فمنعه، فنزلت الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله ورسوله، ونعوذ بالله من الحُوب الكبير. وقيل: إن العرب كانت لا تورِّث الصغار مع الكبار، فأُمِرُوا أن يورثوهم، وعلى هذا يكون اليتيم على حقيقته، فعلى الأول: الخطاب للأوصياء، وعلى الثاني: للعرب التي كانت لا تورث الصغار. ثم قال: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أي: لا تتبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم، أو: لا تأخذوا الرفيع من أموالهم وتُعطوا الخبيث مكانها من أموالكم. كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالمهزولة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف. وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ مضمومًا إِلى أَمْوالِكُمْ فتنفقونها معًا، مع أن اليتيم لا يأكل كالكبير، إلا إذا كان المنفَق قدَّر أكله، أو لمصلحة. إِنَّهُ أي: الأكل، كانَ حُوباً كَبِيراً أي: إثمًا عظيمًا. الإشارة: أمر الحق ﷻ أغنياء القلوب، وهم أكابر الأولياء الراسخون في علم الغيوب، أن يَمنحوا من تعلق بهم من الفقراء والضعفاء، من الغني بالله الذي منحهم الله، حتى لا يلتفتوا إلى سواه، وأن يَقبلوا كل من أتى إليهم من العباد، سواء كان من أهل المحبة والوداد، أو من أهل المخالفة والعناد، ولا يتبدلوا الخبيث بالطيب، بحيث

стр. 456

يَقبلون من وجدوه طيب الأخلاق، ويردون من وجدوه خبيث الأخلاق، فإن هذا ليس من شأن أهل التربية النبوية، بل من شأنهم أن يقبلوا الناس على السوية، ويقلبوا فيهم الأعيان، فيقلبون العاصي طائعًا، والكافر مؤمنًا، والغافل ذاكرًا، والشحيح سخيًّا، والخبيث طيبًا، والمسيء محسنًا، والجاهل عارفًا، وهكذا لما عندهم من الإكسير، وهي الخمرة الأزلية، أي: التي من شأنها أن تقلب الأعيان، كما قال ابن الفارض ﵁ في وصفها: تُهذبُ أخلاقَ النَّدامى فيَهْتَدي ... بها لطريقِ العزمِ مَن لا له عَزْم ويكرُمُ مَنْ لم يَعْرِف الجودَ كَفُّه ... ويحلُمُ عند الغيْظِ مَنْ لا لهُ حِلم وقوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ يعني: حتى تتحققوا بوصول الغني إلى قلوبهم، فإن تحققتم فخذوا ما بذلوا لكم من أموالهم. والله تعالى أعلم. ولما كان الأولياء، إذا كانت تحتهم يتيمة لها مال، وخافوا أن يدخل معهم أجنبى، تزوجها أو زوجوها من أبنائهم، حرصا على أكل مالها، ولا يقسطون لها فى صداقها، وربما أساءوا عشرتها انتظارا لموتها، فنهاهم الله عن ذلك بقوله: [سورة النساء (٤) : آية ٣] وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣) قلت: «ما» من شأنها أن تقع على ما لا يعقل، وهنا وقعت على النساء لقلة عقلهن حتى التحَقْنَ بمن لا يعقل «١» و (مثْنَى وثُلاثَ ورُباع) أحوال من (ما) ممنوعة من الصرف للوصف والعدل، أي: اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعًا أربعا. يقول الحق ﷻ : وَإِنْ خِفْتُمْ يا معشر الأولياء إلاَّ تعدلوا فِي الْيَتامى التي تحت حجركم إذا تزوجتم بهن طلبًا لمالهن، مع قلة جمالهن، فتهجروهن أو تسيئوا عشرتهن، فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ من غيرهن، أو: وإن خفتم ألا تقسطوا في صداقهن إذا أعجبنكم لِمَالِهنّ- الذي بيدكم- وجمالهن، فانكحوا غيرهن، ولا تنكحوهن إلا إذا أعطيتموهن صداق أمثالهن.

стр. 457

قالت عائشة- رضى الله عنها-: (هي اليتيمة تكون في حِجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بأدنى صداقها، فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمِروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء.) . رواه البخاري. وقال ابن عباس ﵁: - (إن الرجل منهم كان يتزوج العشرة وأكثر- يعني قبل التحريم- فإذا ضاق ماله أخذ من مال يتيمه) ، فقال لهم: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى- أي: في أموالهن- فانكحوا ما طاب لكم من غيرهن (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أي: اثنتين اثنتين لكل واحدٍ، أو ثلاثاً ثلاثاً، أو أربعًا أربعًا، ولا تزيدوا، فمنع ما كان في الجاهلية من الزيادة على الأربع، وهو مُجمع عليه بنص الآية، ولا عبرة بمن جوَّز تسعًا لظاهر الآية لأن المراد التخيير بين تلك الأعداد، لا الجمع، ولو أراد الجمع لقال تسعًا، ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطول منه وأقل بيانًا. فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا بين الاثنتين أو الثلاث أو الأربع، فاقتصروا على واحدة، أو على مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن قليل أو كثير إذ لا يجب العدل بينهن، ذلِكَ الاقتصار على الواحدة أَدْنى أي: أقرب أَلَّا تَعُولُوا أي: تجوروا أو تميلوا، أو ألا تجاوزوا ما فرض عليكم من العدل، أو أدنى ألا يكثر عيالكم فتفتقروا، وهي لغة حِمْيَر. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى جعل أولياءه أصنافاً عديدة فمنهم من غلب عليه فيض العلوم، ومنهم من غلب عليه هجوم الأحوال، ومنهم من غلب عليه تحقيق المقامات. قال الشيخ أبو العباس المرسى ﵁: كان الجنيد ﵁ قطبًا في العلوم، وكان أبو يزيد ﵁ قطباً في الأحوال، وكان سهل بن عبد الله قطبًا في المقامات. هـ. أي: كل واحد غلب عليه واحد من ذلك، مع مشاركته للآخر في الباقي، فينبغي لكل واحد أن يخوض في فنِّه الذي خصَّه الله به ولا يتصدى لغيره. فقال لهم الحق- ﷻ من طريق الإشاره: فإن خفتم يا مَنْ غلبت عليهم الأحوال أو المقامات، أَلاَّ تُقسطوا في يتامى العلوم التي اختص بها غيركم، فانكحوا ما طاب لكم من ثيبات الأحوال وأبكار الحقائق، كثيرة أو قليلة، فإن خفتم أن تغلبكم الأحوال، أو التنزل في المقامات، ولا تعدلوا فيها، فالزموا حالة واحدة ومقامًا واحدًا، وهو المقام الذي ملكه وتحقق به، فإنه أقرب ألا ينحرف عن الاعتدال لأن كثرة الأحوال تضر بالمريد كما هو مقرر في فنه. والله تعالى أعلم. ولما أمر بالنكاح أمر ببذل الصداق، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٤] وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤)

стр. 458

قلت: نِحْلَةً: مصدر من آتوهن، لأنها في معنى الإيتاء، يقال: نحله كذا نحلة ونحلا إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض ولا حكم حاكم، والضمير في «منه» يعود على الصداق أو على «الإيتاء» ، و (نفسًا) تمييز، و (هنيئاً مريئًا) : صفتان لمصدر محذوف، أي: أكلاً هنيئًا، وهو من هَنُؤ الطعام ومَرُؤ، إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه، وقيل الهنيء: ما يلذه الإنسان، والمريء: ما تُحمد عاقبته. يقول الحق ﷻ للأزواج: وَآتُوا النِّساءَ التي تزوجتموهن صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أي: عطية مُبتلة «١» ، لا مطل فيها ولا ظلم، فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ من الصداق، وأعطينه لكم عن طيب أنفسهن فَكُلُوهُ هَنِيئاً لاتبعة عليكم فيه، مَرِيئاً: سائغًا حلالاً لا شبهة فيه، رُوي أن ناسًا كانوا يتحرّجون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئًا، فنزلت. وقيل: الخطاب للأولياء، لأن بعضهم كان يأكل صداق محجورته، فأمروا أن يعطوهن صداقهن، إلا إن أعطينَهم شيئًا عن طيب أنفسهن، والله تعالى أعلم. الإشارة: وآتوا النفوس حقوقها من الراحة وقوت البشرية، نحلة، ولا تكلفوها فوق طاقتها، فإن طبن لكم عن شيء من الأعمال أو الأحوال، بانشراح صدر ونشاط، فكلوه هنيئًا مريئاً، فإنَّ العبادة مع النشاط والفرح بالله أعظم وأقرب للدوام، وهذا في حق النفوس المطمئنة، وأما النفوس الأمارة فلا يناسبها إلا قهرية المجاهدة مع السياسة لئلا تمل، أو تقول: من أقامه الحق تعالى في حال من الأحوال أو مقام من المقامات فليلزمه، وليقم حيث أقامه الحق، ويعطيه حقه، فإن طاب وقته لحال من الأحوال فليأكله هنيئًا مريئًا. فالفقير ابن وقته، ينظر ما يبرز له فيه من رزقه، فكل ما وجد فيه قلبه فهو رزقه، فليبادر إلى أكله لئلا يفوته رزقه منه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ثم نهى الأوصياء عن تمكين اليتامى من أموالهم قبل الرشد، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٥] وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) قلت: «قيمًا» : «٢» مصدر قام قيامًا وقيما، وأصله: قوامًا، قلبت الواو ياء.

стр. 459

يقول الحق ﷻ للأوصياء: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ التي تحت حضانتكم أَمْوالَكُمُ أي: أموالهم التي في أيديكم، وإنما أضاف أموال اليتامى لهم حثًا على حفظها وتنميتها كأنها مال من أموالهم، أي: ولا تمكنوا السفهاء من أموالهم التي جعلها الله في أيديكم قِياماً لمعاشهم، تقومون بها عليهم، ولكن احفظوها، واتجروا فيها، واجعلوا رزقهم وكسوتهم فيها باعتبار العادة، فإن طلبوها منكم فعدوهم وعدًا جميلاً، وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً أي: كلامًا لينًا بأن يقول له: حتى تكبر وترشد لتصلح للتصرف فيها. وشبه ذلك. وإنما قال: (وارزقوهم فيها) دون «منها» لأن «فيها» يقتضي بقاءها بالتنمية والتجارة حتى تكون محلاً للرزق والكسوة دون «منها» ، وقيل: الخطاب للأزواج، نهاهم أن يعمدوا إلى ما خوّلهم الله من المال فيعطوه إلى نسائهم وأولادهم، ثم ينظرون إلى أيديهم. وإنما سمَّاهن سفهاء استخفافًا بعقلهن، كما عبر عنهن ب- «ما» التي لغير العاقل «١» . وروى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما خُلقتْ النارُ للسفهاء- قالها ثلاثًا- ألا وإن السفهاءَ النساء إلا امرأة أطاعت قيِّمَها «٢» » . وقالت أمرأة: يا رسول الله: سميتنا السفهاء! فقال: «الله تعالى سماكن في كتابه» «٣» ، يشير إلى هذه الآية. وقال أبو موسى الأشعري ﵁: (ثلاثة يَدْعُون الله فلا يُستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها «٤» ، ورجل كان له على رجل دين فلم يُشْهِد عليه، ورجل أعطى سفيهًا ماله، وقد قال الله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ.) قلت: إنما منعوا من إجابة الدعاء لتفريطهم في مراسم الشريعة. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينبغي للشيخ أن يُطلع المريد على أسرار التوحيد، وهي أسرار المعاني التي جعلها الله تعالى قائمة بالأشياء، حتى يكمل عقله، ويتحقق أدبه، ويظهر صدقه، فإذا استعجلها قبل وقتها فليعده وعدًا قريبًا، وليقل له قولاً معروفًا، فكم من مريد استعجل الفتح قبل إبانه فعوقب بحرمانه، وكم من مريد اطلع على أسرار الحقيقة قبل كمال خدمته فطُرد أو قتل، ووقتها هو حين تبرز معه فتأخذه الحيرة، اللهم إلا أن يراه الشيخ أهلاً لحملها لرجحان عقله وكمال صدقه، فيمكنه منها قبل أن تبرز معه، ثم يربيه فيها، وهذا الذي شهدناه من أشياخنا لشدة كرمهم- رضى الله عنهم وأرضاهم- ورزقنا حسن الأدب معهم، فأطلق الحق تعالى الأموال بطريق الإشارة على أسرار المعاني، وأمر الشيوخ أن يرزقوهم منها شيئًا فشيئًا بالتدريب والتدريج، وأن يكسوهم بالشرائع، ويحتمل أن تبقى الأموال

стр. 460

على ظاهرها، ويكون أمر الشيوخ أن يمنعوا المريدين من أخذ الأموال قبل التمكين. أشار إلى هذا الورتجبي، فانظره. ثم ذكر الحق تعالى وقت دفع أموال اليتامى لهم، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٦] وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) قلت: الابتلاء: الاختبار، و «آنس:» أبصر. والرشد هو كمال العقل بحيث يعرف مصالح نفسه وتدبير ماله من غير تبذير ولا إفساد. وإِسْرافاً وَبِداراً: حالان من «الواو» ، أو مفعولان لأجله، و (أن يكبروا) مفعول ببدارا. يقول الحق ﷻ للأوصياء: واختبروا الْيَتامى قبل البلوغ بتتبع أحوالهم في تصرفاتهم، بأن يُدفع لهم الدرهم والدرهمان، فإن ظهر عليهم حسن التصرف زادهم قليلاً قليلا، وإن ظهر عليهم التبذير كفَّ عنهم المال، حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، وهو البلوغ بعلامته، فَإِنْ آنَسْتُمْ أي: أبصرتم مِنْهُمْ رُشْداً، وهو المعرفة بمصالحه وتدبير ماله، وإن لم يكن من أهل الدين- واشترطه قوم، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ حينئِذ أَمْوالَهُمْ من غير تأخير. وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا أي: لا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم فتزول من يدكم، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ عن أكلها في أجرة قيامه بها، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ بقدر حاجته وأجر سعيه، وعنه ﷺ : أنَّ رجُلاً قال لهُ: إنَّ في حجْرِي يتَيمًا أفآكُلُ مِنْ مَالِهِ؟ قال: «بالمعْرُوفِ، غَيْرَ مُتأثِّلٍ «١» مَالاً ولا وَاقٍ مَالَكَ بمَالِه» . فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا في قبضها منكم عَلَيْهِمْ، فإنه أنفى للتهمة وأبعدُ من الخصومة، وهو ندب، وقيل: فرض، فلا يصدق في الدفع إلا ببينة، وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً أي: محاسبًا، فلا تخالفوا ما أمرتم به، ولا تجاوزوا ما حدّ لكم. وإنما قال: «حسيبًا» ولم يقل: «شهيدًا» ، مع مناسبته، تهديدًا للأوصياء لئلا يكتموا شيئًا من مال اليتامى، فإذا علموا أن الله يحاسبهم على النقير والقطمير، ويعاقبهم عليه، انزجروا عن الكتمان. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →