الشيخ تائبين. وكذلك قضية معروف الكرخي مع أصحاب السفينة، الذين كانوا مشتغلين باللهو واللعب، فقال له أصحابه: ادع عليهم، فقال: اللهم كما فرَّحتَهم في الدنيا ففرِّحْهُم في الآخرة، فتابوا على يده جميعاً. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم أعاد النهى عن الفرقة، تأكيدا لذمها، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٩]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)
قلت: (يوم) : متعلق بالاستقرار في خبر (أولئك) ، أو بالذكر محذوفة، وقوله: (أكفرتم) : محكي بقول محذوف جواب (أما) ، أي: فيقال لهم: أكفرتم.
يقول الحق ﷻ : وَلا تَكُونُوا كاليهود والنصارى الذين (تفرقوا) في التوحيد والتنزيه، وَاخْتَلَفُوا في أحوال الآخرة. قال ﵊: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: ومَنْ تلك الواحدة؟ قال: ما أَنَا وأَصْحابِي عَلَيْه» . وهذا الحديث أصح مما تقدم، والصحابة يروْوُن الحديث بالمعنى، فلعلَّ الأول نسي بعض الحديث. والله أعلم.
ثم إن النهي مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع، لقوله ﵊: «اخْتلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» ، ولقوله: «من اجْتَهَدَ وأصَابَ فله أجْرَانِ، ومن اجْتَهدَ وأخطَأَ فَلَهُ أجْرٌ وَاحد» .
ثم إن أهل الكتاب تفرقوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي: الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه، وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، يستقر لهم هذا العذاب يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ المؤمنين المتقين على التوحيد، وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ الكافرين المتفرقين فيه، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين، أو تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وبياض الوجوه وسوادها كِنَايتَان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف
стр. 387
فيه، وقيل: يُوسَم أهل الحق ببياض الوجه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فيقال لهم يومئذ: أَكَفَرْتُمْ بمحمد- ﵊ بعد ظهوره، بَعْدَ إِيمانِكُمْ به قبل ظهوره، وهم اليهود أو أهل الردة، آمنوا فى حياته ﷺ وكفروا بعد موته.
أو جميع الكفار، آمنوا في عالم الذر وأقروا على أنفسهم، ثم كفروا في عالم الشهادة. ويقال لهم أيضا: فَذُوقُوا الْعَذابَ بسبب ما كنتم (تكفرون) .
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أي: جَنته، هُمْ فِيها خالِدُونَ. وعبَّر بالرحمة عن الجنة تنبيهاً على أن المؤمن، وإنْ استغرق عمره في طاعة الله- تعالى-، لا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم حِلية المؤمنين لتقدُّم ذكرهم، لكن قصد أن يكون مطلعُ الكلام ومقطعُه حليةَ المؤمنين وثوابهم.
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ الواردة في وَعْده وَوَعِيدِه، نَتْلُوها عَلَيْكَ متلبسة بِالْحَقِّ لا شبهة فيها، فقد أعذر وأنذر، وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ إذ لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يُمنع من شيء فيظلم بفعله، كما بيَّنه بقوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مُلكاً وخلقاً وعبيداً، فيجازي كلا بما وَعَدَه وأوْعَدَه، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ كلها فيتصرف على وفْقِ مراده وسَابق مشيئته، لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ.
الإشارة: قد نهى الله- تعالى- أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق، في اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم، مِن بعد ما جاءتهم الدلائل الواضحات على طلب جمع القلب على الله، والتودد في الله، وصرف النظرة في شهود الله، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم، وأيّ عذاب أعظم من الحجاب؟ يوم تبيض وجوه العارفين، فتكون كالشمس الضاحية، يسرحون في الجنان حيث شاءوا، وتسود وجوه الجاهلين لما يعتريها من الندم، وسوادها باعتبار وجوه العارفين في النقص عنها، وإن كانت مُبْيَضَّةً بنور الإيمان، لكن فاتهم نور الإحسان، فيقال: أكفرتم بالخصوصية في زمانكم، بعد إيمانكم بها فيمن سلف قبلكم؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين، وأما الذين ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء، ففي رحمة الله، أي: جنة المعارف فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، فقد اتضحت الطريق، وظهرت أعلام التحقيق، لكن الهداية بيد الله، كما أنَّ الأمور كلها بيده، يهدي مَن يشاء ويضل من يشاء، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. وبالله التوفيق.
ثم مدح الأمة المحمدية بامتثال ما أمرها به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال:
стр. 388
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٠ الى ١١٢]
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)
قلت: (كان) : على بابها من الدلالة على المُضِيِّ، أي: كنتم في اللوح المحفوظ، أو في علم الله، أو فيما بين الأمم المتقدمة، أو: صلة، أي: أنتم خير أمة، و (للناس) : يتعلق بأخرجت، أو بكنتم، أي: كنتم خير الناس للناس.
يقول الحق ﷻ لأمة نبينا محمد ﷺ : كُنْتُمْ في سابق علمي خَيْرَ أُمَّةٍ ظهرت لِلنَّاسِ تجيئون بهم إلى الجنة بالسلاسل. ثم بيَّن وجه فضلهم فقال: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبجميع ما يجب الإيمان به.
وقد ورد في مدح هذه الأمة المحمدية أحاديث، منها: قوله ﷺ : «حُرِّمتْ الجنةُ على الأنبياء حتى أدخلها أنا، وحُرّمتْ الجنة على الأُمَمِ حتى تدخلها أمتي» . ومنها قوله ﷺ : «أمتي أمةٌ مَرْحُومَةٌ، إذَا كَانَ يَوْمُ القِيامةِ أَعطى الله كُلَّ رَجُلٍ مِن هذه الأمة رجُلاً فيقال: هذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ» .
وعن أنس قال: «خرجت مع النبي ﷺ ، فإذا صوت يجيىء من شِعْبِ، فقال: يا أنس: قُمْ فانظرْ ما هذا الصوت، فانطلقت فإذا برجلٍ يُصلّي إلى شجرة، ويقول: اللهم اجعلني من أمة محمد ﷺ ، الأمة المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، المتاب عليها، فأتيت النبي ﷺ ، فأخبرته، فقال: انطلق، فقل له: إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام، ويقول لك: من أنت؟ فأتيته، فأعلمته ما قال النبي ﷺ ، فقال: اقرأ مني السلام على رسول الله ﷺ ، وقل له: أخوك الخضر يقول لك: ادع الله أن يجعلني من أمتك المرحومة المغفور لها» «١» . وقيل لعيسى بن مريم: هل بعد هذه الأمة أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد. قيل: وما أمة أحمد؟ قال: علماء، حكماء، أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون باليسير من الرزق، ويرضى الله عنهم باليسير من العمل، يدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله. هـ.
وليس أولها أولى بالمدح من آخرها، لقوله ﷺ : «أمتي كالمطر، لا يدرى أولهُ خيرٌ أو آخرُه» ؟ وفي خبر آخر عنه ﷺ قال: «اشتقْتُ إلى إخواني، فقال أصحابه: نحن إخوانُك يا رسول الله، فقال: أنتم أصْحَابي، إخْواني: ناس يأتُون بعدي، يُؤمنون بي ولم يَرَوْنِي، يَوَدُّ أحدُهم لو يَرَاني بجميع ما يَمْلِكُ. يَعْدِلُ عملُ أحدهم سبعين منكم. قالوا:
مِنْهم يا رسول الله؟ قال: منكم. قالوا: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنكم وَجَدْتُم على الخير أعواناً، وهم لم يَجِدُوا عليه أعواناً» . أو كما قال- ﵊.
قلت: التفضيل باعتبار أجور الأعمال، وأما باعتبار اليقين والمعرفة، فالصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء- ﵈ ويدل على هذا قوله- ﵊: «يعدل عمل أحدهم» ، ولم يقل إيمان أحدهم «٢» .
والله تعالى أعلم.
стр. 389
الإشارة: كنتم يا معشر الصوفية خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالجمع على الله والغيبة عما سواه، وتنهونَ عن كلِّ ما يُبعد عن الله ويفرق العبدَ عن مولاه، وتؤمنون بالله وبما وعد به الله، إيمان الشهود والعيان، الذي هو مقام الإحسان. قال القشيري في رسالته: (قد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضَّلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه) .
وقال الجنيد ﵁: لو نعلم أن تحت أديمِ السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه ولو حبواً. هـ. وكان كثيراً ما ينشد:
عِلْمُ التصوفِ عِلمٌ ليس يَعْرِفُهُ ... إلاَّ أَخْو فِطْنَةِ بِالحقِّ معروفُ
وليسَ يُبْصِرهُ مَنْ ليس يَشْهدهُ ... وكيفَ يَشْهَدُ ضوءَ الشمس مكفوفُ
وقال الشيخ الصقلي: (كلُّ من صدَّقَ بهذا العلم فهو من الخاصة، وكل من فهمه فهو من خاصة الخاصة، وكل من عبّر به وتكلم فيه فهو من النجم الذي لا يُدرك والبحر الذي لا ينزف) . وقال في الإحياء- لمَّا تكلم على معرفة الله والعلم بالله، قال: (والرتبةُ العليا في ذلك للأنبياء، ثم للأولياء العارفين، ثم للعلماء الراسخين، ثم للصالحين) . فقد قدَّم الأولياء على العلماء. قال ابن رشد: وما قاله القشيري والغزالي متفق عليه. قال: ولا يشكُّ عاقلٌ أنَّ العارفين بالله وما يجب له من الكمال، أفضل من العارفين بأحكام الله. انظر تمامه في المعيار. وقال في المباحث:
حجّة من يرجّح الصُوفية ... على سواهم حُجَّةٌ قويَّة
هُمْ أَتْبَعُ النَّاسِ لخيرِ النَّاس ... مِنْ سَائِرِ الأَنَامِ والأُنَاس
ثم قال:
ثُمَّ بِشَيْئَيْنِ تقومُ الحُجَّه ... أنَّهمْ قَطْعاً على المَحَجَّه «١»
وَمَأ أَتَوْا فيه بخَرْقِ الْعَادَه ... إذْ لمْ تَكُنْ لِمَنْ سِوَاهُم عَادَه
قَدْ رَفَضُوا الآثَامَ والعُيوب ... وطَهَّرُوا الأبدَانَ والقُلُوب
وَبَلَغُوا حقيقَةَ الإيمَان ... وانْتَهَجُوا منَاهِجَ الإحْسَان
стр. 390
ثم دعا أهل الكتاب إلى الإيمان، وهوَّن أمرهم، فقال:
وَلَوْ آمَنَ ...
قلت: الاستثناء في قوله (إلا بحبل) : من أعم الأحوال، أي: ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال، إلا متلبسين بذمة من الله وذمة من الناس.
يقول الحق ﷻ : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ إيمانا كائنا كإيمانكم، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مما هم عليه. وليس أهل الكتاب سواء، بل مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كعبد الله بن سلام وأصحابه، وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ المتمردون في الكفر والفسوق، فلا يهولكم أمرهم، فإنهم لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلا ضرراً يسيراً كأذى باللسان من عيب وسب وتحريش بينكم، ولا قدرة لهم على القتال، وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ ينهزموا، ويُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ أبداً عليكم.
وهذه الآية من المُغيبات التي وافقها الواقع، إذ كان كذلك في بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر، فلم تُرْفع لهم راية أبداً، بل ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والخزي والهوان، أي: أحاطت بهم إحاطة البيت المضروب على أهله، أو لزمتهم لزوم الدرهم المضروب لضربه، فلا تنفك عنهم أَيْنَ ما ثُقِفُوا ووُجدوا، فلا يأمنون إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ أي: بسبب عهد من الله، وهو عقد الذمة التي أمر الله بها، إذا أدوا الجزية للمسلمين، فلهم حرمة بسبب هذا العقد، فلا يجوز التعرض لهم في مال ولا دم ولا أهل، وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ، وهو عقد الذمة التي يعقدها مع الكفار إذا كانوا تحت ذمتهم. والحاصل أن الذلة لازمة لهم «١» فلا يأمنون إلا تحت الذمة، إما من المسلمين وإما من الكفار. وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي: انقلبوا به مستحقين له، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ أي: أحاطت بهم، فاليهود في الغالب فقراء مساكين، لأن قلوبهم خاوية من اليقين، فالفقر والجزع لازم لهم، ولو ملكوا الدنيا بأجمعها.
стр. 391
ذلِكَ الذل والمسكنة والبواء بالغضب بسبب أنهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على رسوله، أو الدالة على توحيده، وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ بل ظلماً وعدواناً، ذلك الكفر بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله، فإن الإصرار على الصغائر يُفضي إلى الكبائر، والإصرار على الكبائر يؤدي إلى الكفر لأن المعاصي بريد الكفر، والعياذ بالله.
الإشارة: ولو آمن أهل العلم الظاهر بطريق الخصوص، وحطوا رؤوسهم لأهل الخصوصية لكان خيرا لهم، لتتسع عليهم دائرة العلوم، وتفتح لهم مخازن الفهوم، منهم من يقر بوجود الخصوصية، ويعجز عن حمل شروطها، وأكثرهم ينكرونها ويحتجون لأنفسهم بقول من قال: انقطعت التربية في القرن الثامن، فيموتون مصرين على الإنكار والعصيان، فلن يضركم إنكارهم أيها الفقراء، فإنهم لا قدرة لهم عليكم، للرعاية التي أحاطت بكم، إلا أذى بلسانهم، وعلى تقدير لحوق ضررهم في الظاهر، فإن الله يُغيِّبْ ألمّ ذلك عنكم في الباطن، كما شاهدناه من بعض الفقراء، وإن يُهددوكم بالقتل والجلاء، فإن الله لا يَنْصُرُهم في الغالب.
قلت: وقد هددونا بالضرب والرفع إلى السلطان والجلاء إلى برِّ النصارى، فلم يقدروا على شيء من ذلك، وقد وقع ذلك لبعض الصوفية زيادةً في شرفهم وعزّهم، فالمنكر على الصوفية «١» لا يزال في هَمٍّ وغمٍّ وذُلٍّ ومسكنة، لخراب باطنه من نور اليقين. فإنَّ الانتقاد على الأولياء جناية واعتقادهم عناية، فإن استمر على أذاهم كان عاقبته سوء الخاتمة، فيبوء بغضب من الله بسبب اعتدائه على أولياء الله، «ومن آذى لي وليا فقد أذن بالحرب» ، رزقنا الله الأدب معهم، وأماتنا على محبتهم، آمين.
ولمّا كان من اليهود من أسلم وحسن إسلامه استثناه الله تعالى، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٣ الى ١١٥]
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)
قلت: (قائمة) أي: مستقيمة، من أقمت العود فقام، أو قائمة بأمر الله. و (آناء الليل) : ظرف، واحده: (إنّي) ، بكسر الهمزة وسكون النون، كنحى وأنحاء، أو (إني) ، كمِعىً وأمعاء، و (لن تكفروه) أي: لن تحرموه، وعدي (كفر) إلى مفعولين لتضمنه معنى حرم أو منع.
стр. 392
يقول الحق ﷻ : ليس أهل الكتاب سَواءً في الكفر والعدوان، بل منهم أُمَّةٌ أي: طائفة قائِمَةٌ بالعدل مستقيمة في الدين، أو قائمة بأمر الله، أو قائمة في الصلاة يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ في تهجدهم آناءَ اللَّيْلِ أي: في ساعاته، وَهُمْ يَسْجُدُونَ في صلاتهم، أو في صلاة العشاء، لأن أهل الكتاب لا يصلونها، لما روى أنه ﷺ أخَّرها، ثم خَرَج، فإذا الناسُ يَنْتَظُرونَها، فقال: «أبشروا فَإِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْل الأَرض أحدٌ يُصَلِّي في هَذِهِ السّاعَةِ غَيْرُكُم» .
ثم وصفهم بالإيمان فقال: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، وهو عبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلم من اليهود، فقد وصفهم الله تعالى بخصائص لم توجد في اليهود، فإنهم منحرفون عن الحق غير متعبدين، مشركون بالله ملحدون في صفاته، يصفون اليوم الآخر بغير صفاته، مداهنون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، متباطئون عن الخيرات، بخلاف ما وصف به من أسلم منهم، وَأُولئِكَ الموصوفون بتلك الصفات مِنَ الصَّالِحِينَ أي: ممن صلحت أحوالهم عند الله، واستوجبوا رضاءه وثناءه، وهذه عادة الله مع خلقه، من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً. ولذلك قال: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ أي: فلن تحرموا ثوابه. ولن تجحدوا جزاءه، بل يشكره لكم ويجزيكم عليه، سَمى الحرمان كفراناً كما سمى العطاء شكرا. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ فلا يخفى عليه مقاماتهم في التقوى. وفيه إشعار بأن التقوى مبدأ الخير وأحسن الأعمال، وأن الفائزين عند الله هم أهل التقوى. رزقنا الله منها الحظ الأوفر بمنِّه. آمين.
الإشارة: ليس أهل العلم سواء، بل منهم من جعله شبكةً يصطاد به الدنيا، يبيع دينه بعرض قليل، وهم علماء السوء وقضاة الجور، ومنهم من قرأه لله وعلَّمه لله، فأفنى عُمره في تعليمه وتقييده، ومنهم من صرف همته إلى جمعه وتأليفه، ومنهم من صرف همته إلى العمل به فالتحق بالعباد والزُّهاد، يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ومنهم من حرره وحققه، ثم توجه إلى علم الباطن وصحب العارفين، فكان من المقربين، فهؤلاء كلهم يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ، فيقال لهم: وما تفعلوا من خير فلن تكفروه والله عليم بالمتقين.
ثم ذكر الحق تعالى أضدادهم، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٦]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦)
стр. 393
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وجحدوا ما جاء به الرسول ﷺ ، (لن تُغني عنهم أموالُهم ولا أولادهم من) عذاب اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي: مُلاَزِمُوها، كَمُلاَزَمَةِ الرجل لصاحبة، هُمْ فِيها خالِدُونَ.
الإشارة: إِنَّ الذين كفروا بالخصوصية عند أهل زمانهم، وفاتهم اقتباس أنوارهم، لن تُغني عنهم أموالُهم ولا أولادهم ولا علومهم مما فاتهم من معرفة الله شيئًا، ماذا وَجَدَ مَنْ فَقَدَ الله؟ وماذا فقد من وجد الله؟! قال الشاعر:
لكل شيء إذا فارقْتَهُ عِوَضٌ ... وَلَيْسَ لله إنْ فَارقَْتَ مِنْ عِوَضِ
ولا طريق لمعرفة الحق المعرفة الخاصة- أعني معرفة العيان- إلا صحبة أهل الشهود والعيان، فكلُّ من أنكرهم كان غايته الحرمان، ولزمته البطالة والخذلان، وجَرَّب، ففي التجريب علم الحقائق، ومن حُرم صحبتهم لا ينفك عن نار القطيعة وعذاب الحجاب، وعنت الحرص والتعب، عائذاً بالله من ذلك.
ثم ضرب مثلا لأعمال الكفار، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٧]
مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)
قلت: في الكلام حذف، أي: مثل تلف ما ينفقون كمثل إتلاف ريح ... الخ، و (الصر) : البرد الشديد، أو ريح فيها صوت وبرد، أو السموم الحارة.
يقول الحق ﷻ : مثل ما يُنفق الكفار، قربة أو مفاخرة وسمعة، أو ما ينفق سفلة اليهود على أحبارهم، أو المنافقون رياء وخوفاً، مَثَلِ رِيحٍ
فيها برد شديدصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ
أي: زرعهم، فأتلفته وأهلكته، والمراد: تشبيه نفقتهم وأعمالهم في تلفه وضياعه وعدم الانتفاع به، بحرث كفار، ضربته ريح فيها برد فاجتاحته، فأصبح صعيداً زلقاً، ولم تبق فيه منفعة في الدنيا والآخرة، ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
بأن ضيع أعمالهم من غير سبب، ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكاب الكفر الذي أحبط أعمالهم.
الإشارة: كل مَن لم يحقق مقام الإخلاص، ولم يصحب أهل التخليص والاختصاص، لا تنفك أعماله من علل، ولا أحواله من دخل، فأعماله فارغة خفيفة، أقل ريح تقلعها وتسقطها عن درجة الاعتبار، وما زالت العامة تقول: الصحيح يصح، والخاوي يدريه الريح. وبالله التوفيق.
стр. 394
ثم حذَّر الحق تعالى من مخالطة أهل التخليط، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٨ الى ١٢٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)
قلت: بطانة الرجل: خواصه الذين يطلعهم على باطنه وسره، وسميت بطانة تشبيهاً لها بالثوب الذي يلي بطنه كالشعار. قال ﵊: «الأَنْصَارَ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ» . وهي اسم تطلق على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. والألو: التقصير، وأصله: أن يتعدى بالحرف، تقول: لا آلو في نصحك أي: لا أقصر فيه. ثم عدي إلى مفعولين، كقولهم: لا آلوك نصحاً، على تضمن معنى المنع أو النقص. والخبال: الفساد.
و (ما عنتم) : مصدرية، والعنت: التعب والمشقة، والأنامل: جمع أنملة- بضم الميم وفتحها-، والضير والضر واحد. ومضارع الأول: يضير، والثاني: يضر، وهو هنا مجزوم، وأصله: يضرُركم، نقلت حركة الراء إلى الضاد، وضمت الراء، إتباعاً لحركة الضاد طلباً للمشاكلة.
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً أي: أصدقاء وأصفياء، تطلعونهم على سركم، وهم مِنْ دُونِكُمْ ليسوا على دينكم، فإنهم لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أي: لا يقصرون جهدَهم في إدخال الفساد بينكم بالتخليط والنميمة وإطلاع الكفار على عورتكم. نزلت في رجال من المسلمين، كانوا يصلون رجالاً من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة، أو في المنافقين كان يصلهم بعض المسلمين.
ثم وصفهم بأوصاف توجب التنفير منهم فقال: وَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي: تمنوا عنتكم وهلاككم وضلالكم، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ أي: ظهرت أمارة العداوة من أفواههم بالوقيعة في المسلمين، أو بإطلاع المشركين على عوراتهم، أو في كلامهم مع المسلمين بالغيظ، لأنهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم، وَما تُخْفِي
стр. 395
صُدُورُهُمْ
من العداوة والبغضاء، أَكْبَرُ مما أظهروه، لأن ظهوره منهم ليس عن روية واختيار، بل عن غلبة غيظ واضطرار. قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ أيها المؤمنون الْآياتِ الدالة على مجانبة الكافرين وموالاة المؤمنين، إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ما يبين لكم.
ها أَنْتُمْ يا هؤلاء المخاطبين تُحِبُّونَهُمْ لما بينكم من المصاهرة والصداقة، وَلا يُحِبُّونَكُمْ لما بينكم من مخالفة الدين، أو تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر، وأنتم تُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ أي: بجنس الكتب، (كله) أي: بالكتب كلها، وهم لا يؤمنون بكتابكم، فكيف تحبونهم وهم يكذبون كتابكم ورسولكم؟ وهم أيضاً ينافقونكم إِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا مع أنفسهم عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ لما يرون من ائتلاف المؤمنين، ولم يجدوا سبيلاً إلى التشفي فيكم، وهذه كناية عن شدة حقدهم، وإن لم يكن ثَمَّ عض في الخارج.
قال لهم الحق ﷻ : قُلْ لهم يا محمد: مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ فإنما ضرر غيظكم عليكم، أو دوموا على غيظكم حتى تموتوا عليه، فإن مادة الإسلام لا تزال تنمو حتى تهلكوا، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي:
بحقيقة ما في قلوبكم من البغضاء والحَنَقَ «١» ، أو بما في القلوب من خير أو شر. هو من مقول الرسول لهم، أو من كلام الله تعالى، استئناف، أي: لا تعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم، فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم.
ومن فرط عداوتهم أنهم إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ كنصر وغنيمة تَسُؤْهُمْ أي: تحزنهم، وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ كهزيمة أو قتل أو إصابة عدو منكم او اختلاف بينكم، يَفْرَحُوا بِها، وَإِنْ تَصْبِرُوا على عداوتهم وأذاهم، وتخافوا ربكم، وَتَتَّقُوا ما نهاكم عنه، لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً، بفضل الله وحفظه، الموعود للصابرين والمتقين، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا. ومن كان الحق معه لا يضره شيء، إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ لا يخفى عليه ما يعمل أهل الكفر من العداوة والحقد، فيجازيهم عليه.
الإشارة: لا ينبغي لأهل الخصوصية أن يتخذوا بطانة من دونهم من العامة حتى يطلعوهم على سرهم، فإن الإطلاع على السر، ولو كان غير الخصوصية، كله ضعف في العقل ووهن في الرأي، وفي ذلك يقول القائل:
(من أطْلَعَ الناسَ على سره ... استحقَّ الكيَّ على جَبْهَتِه)
وأما سر الربوبية فإفشاؤه لغير أهله حرام، والعامة مضادون لأهل الخصوصية، لا يألونهم خبالاً في قلوبهم وتشتيتاً لفكرتهم، إذا صحبوهم يودون أن لو كانوا مثلهم في العنت وتعب الأسباب، فإذا ظهر بالفقراء نقص أو خلل
стр. 396
ظهرت البغضاء من أفواههم، وما تحفى صدورهم أكبر، فإن كنتم أيها الفقراء تحبون لهم الخير فإنهم بعكس ذلك، وإن كنتم تقرون شريعتهم فإنهم لا يؤمنون بحقيقتكم، بل ينكرونها عليكم، ومنهم من يتصف بالنفاق، إذا لقي أهل الخصوصية أظهر التصديق والمحبة، وإذا خلا مع العامة أظهر العداوة والحَنَق، وإن تمسسكم أيها الفقراء حسنة، كعز وفتح وشهود ومعرفة تَسؤْهم، وإن تصبكم سيئة كمحنة أو بلية، يفرحوا بها، وإن تصبروا على أذاهم وجفوتهم، وتتقوا شهود السوى فيهم، لا يضركم كيدهم شيئاً (إن الله بما يعملون محيط) .
ولما فرغ الحق تعالى من معاتبة أهل الكتابين، شرع فى معاتبة بعض المسلمين لما وقع لهم في غزوة أحد من الفشل، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢١ الى ١٢٢]
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)
يقول الحق ﷻ : واذكر يا محمد حين غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ من منزل عائشة، الذي نَزَلْتَ فيه بأحد، حين خرجت بها، حال كونك تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ أي: تهيئ لهم، مَقاعِدَ لِلْقِتالِ أي: مواقف وأماكن يقفون فيها للحرب وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوالكم، عَلِيمٌ بإخلاصكم.
قال الواقدي: خرج النبي ﷺ من منزل عائشة- ﵂ ماشياً على رجليه إلى أُحد، فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح «١» . أن رأى صدراً خارجاً، قال: تأخر. وذلك أن المشركين نزلوا بأحد، يوم الأربعاء، فلما سمع النبي ﷺ بنزولهم استشار أصحابه، ودعا عبد الله بن أبي بن سلول- ولم يدْعُه قط قبلها- فاستشاره، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله أَقِمْ بالمدينة ولا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا! فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خاسئين. فأعجب النبي ﷺ هذا الرأي، وقال بعض أصحابه: يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكْلُب «٢» لا يرون أنا جَبُنَّا عنهم وضعفنا. فقال النبي ﷺ : «إِنِّي رأيتُ في منامِي بَقَراً تذبح، فأولتها ناساً من أصحابي يُقتلون، ورأيت في ذُبابِ سَيْفي ثلماً «٣» ، فأولتها هزيمةً، ورأيت أني أدخل يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة، فإن رأيتُمْ أن تُقيموا بالمدينة وتدعوهم فافعلوا» . فقال رجال ممن فاتهم بدر، وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا
стр. 397
إلى أعدائنا، وبالغوا، حتى دخل النبي ﷺ ولبس لأمته «١» . فلما رأوه قد لبس سلاحه ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على النبي ﷺ والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه. وقالوا: اصنع ما رأيت، فقال النبي ﷺ : «لا يَنْبَغِي لنَبِي أَنْ يلبَس لأمَتَهُ فيَضَعَهَا حتَى يُقاتِلَ» .
فخرج بعد صلاة الجمعة، وأصبح بشعب من أُحُد، يوم السبت للنصف من شوال، سنة ثلاث من الهجرة، ونزل في عدوة من الوادي، وجعله ظهره وعسكره إلى أحد، وسوى صفهم كما تقدم، وأمر عبد الله بن جبير على الرماة، وقال: انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، فكان من أمر الله ما كان، على ما يأتي «٢» .
وخرج مع النبي ﷺ في غزوة أحد زهاء ألف، ووعدهم النصر إن صبروا، فلما بلغوا الشواط- موضع- انخزل ابنُ أُبيّ في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا! فتبعهم أبو جابر السلمي، فقال: أُنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم. فقال ابن أُبيّ: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، وهمت بنو حارثة وبنو سلمة بالانصراف معه، فثبتوا مع النبي ﷺ ، فذكرهم نعمته بقوله: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وناصرهما، حيث عصمهما من اتباع المنافقين، قال جابر: (ما يسرنا أنها لم تنزل، لقوله: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما) فبنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ لا على غيره، إذ لا ناصر غيره.
الإشارة: من شأن شيوخ التربية أن يَدُلُّوا المريدين على محاربة النفوس ومقاتلتها، ويطلعوهم على دسائسها ومخادعتها، ليهيئوا لهم بذلك مقاعد لقتالها، والله مطلع على إخلاصهم ونياتهم، فمنهم من يمل ويكل، فيرجع إلى وطن عوائده، ومنهم من يصبر حتى يفوز بالغنيمة العظمى والسعادة القصوى، وفي ذلك يقول القائل:
وبَالَغَوا في الجدِّ حتى مَلَّ أكثرهُم ... وعَانَقَ المجْدَ مَنْ وَافَى ومَنْ صَبَرَا
قال بعضهم: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. هـ. ومنهم من يلحقه الملل والفشل فيهم بالانصراف والرجوع، ثم يثبته الله تعالى وينصره، فيلحق بالصابرين السابقين، وعمدة المريد في مجاهدة نفسه: التوكل على الله والاعتماد عليه دون شيء سواه «من علامة النجح في النهايات: الرجوع إلى الله في البدايات» . وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
ثم ذكّر أهل أحد بما وقع لهم يوم بدر من النصر والظفر مع قلتهم ليثبتوا، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٢٣]
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)
стр. 398
قلت: (بدر) : بئر بين مكة والمدينة، كانت لرجل اسمه بدر، فسميت باسم صاحبها، وقعت فيها الغزوة التي نصر الله فيها رسوله ﷺ ، فسميت الغزوة باسم المكان، وجملة: (وأنتم أذلة) : حال من الكاف، و (أذلة) : جمع ذليل، كأعزة، جمع عزيزٌ.
يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في وقعة بدر وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ليس معكم مراكب ولا كثرة سلاح، مع قوة عدوكم بالعُدة والعدد، فَاتَّقُوا اللَّهَ واثبتوا مع رسوله، وانتظروا النصر من الله كما عودكم، لَعَلَّكُمْ تكونون شاكرين، لما أنعم به عليكم من العز والنصر، فيزيدكم منه كما وعدكم.
الإشارة: جعل الله الأشياء كامنة في أضدادها، فمن أراد العز والنصر فليتحقق بالذل والمسكنة، ومن أراد الغنى فليتحقق بالفقر، ومن أراد الرفعة فليتحقق بالضعة وإسقاط المنزلة، ومن أراد القوة فليتحقق بالضعف، وهكذا: [تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه] . فاتقوا الله يا معشر المريدين، واطلبوا الأشياء في أضدادها لتظفروا بها، واشكروا الله على ما أولاكم يزدكم من فضله ونواله.
ثم ذكر كيفية نصره لهم ببدر فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٥]
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)
قلت: (إذ) : ظرف لنصركم، إذا قلنا: إن الإمداد يوم بدر فقط، أو بدل من (إذ غدوت) ، إذا قلنا: كان الإمداد يوم أحد بشرط الصبر، فلما لم يصبروا لم يقع. والتسويم: التعليم.
يقول الحق ﷻ : ولقد نصركم الله ببدر حين كنت تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ حين رأوا كثرة عدوهم وقلة عدتهم وعددهم: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ في القوة والكثرة، أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ في السحاب؟ بَلى يكفيكم كما وعدكم، إِنْ تَصْبِرُوا وتثبتوا وَتَتَّقُوا الله وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ أي: من سرعتهم هذا الوقت، يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ بلا تراخ ولا تأخير، مُسَوِّمِينَ أي: مُعَلَّمين بعمائم بيض إلا جبريل، فإنه كانت عمامته صفراء. أو معلمين أنفسَهم أو خيلَهم. قيل:
كانت مجزوزة الأذناب، وقيل: كانت بُلْقاً.
стр. 399
فإن قلت: ما ذكر في الأنفال إلا ألفاً، وهنا خمسة آلاف. فالجواب: أن الله تعالى أمدهم أولاً بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف. قال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال معنا، ولا يقاتلون. هـ.
الإشارة: كل مَن توجَّه لجهاد نفسه في الله، واشتغل بذكر مولاه، أمده الله في الباطن بالأنوار والأسرار، وفي الظاهر بالملائكة الأبرار، وقد شوهد ذلك في الفقراء أصحابنا، إذا كانوا ثلاثة رآهم العامة ثلاثين، وإذا كانوا ثلاثين رأوهم ثلاثمائة، وقد كنا في سَفْره سبعين، فرأونا سبعمائة على ما أخبرونا به، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ.
ثم ذكر الحق تعالى حكمة إمداده لهم، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢٦ الى ١٢٩]
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)
قلت: (ليس لك من الأمر شيء) : جملة معترضة بين قوله: (أو يكبتهم) وقوله: (أو يتوب عليهم) ، أو تكون (أو) بمعنى (إلا) ، أي: ليس لك من الأمر شيء، إلا أن يتوب عليهم فتبشرهم، أو يعذبهم فتتشفى فيهم. قاله البيضاوي.
يقول الحق ﷻ : وما جعل الله ذلك الإمداد إلا بشارة لكم بالنصر، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ فتثبتوا للقتال، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فهو قادر على أن ينصركم بلا واسطة، لكن أراد أن يثيبكم وينسب المزية إليكم، حيث قتلهم على أيديكم، فإن الله عزيز لا يغلب، حكيم فيما دبر وأبرم، وإنما نصركم يوم بدر لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بقتل بعض وأسر آخرين، فإنه قتل يومئذ سبعون، وأسر سبعون، أَوْ يَكْبِتَهُمْ أي: يحزنهم ويغيظهم، والكبت: شدة الغيظ، فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ مما أملوا.
ولما جرح- ﵊ في وجهه، وشُجَّ على قرن حاجبه، وكُسِرَت رباعيته، هَمَّ بالدعاء على الكفار، بل دعا عليهم، فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ إنما أنت رسول إليهم، مأمور بإنذارهم وجهادهم، وأمرهم بيد مالكهم، إن شاء هداهم وإن شاء عذّبهم. وإنما نهاه عن الدعاء عليهم لعلمه بأن منهم من يُسلم ويجاهد في سبيل الله، وقد كان كذلك فجُلَّهم أسلموا وجاهدوا، منهم خالد بن الوليد- سيف الله فى أرضه.
стр. 400
ثم عطف على قوله: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إن أسلموا أَوْ يُعَذِّبَهُمْ إن لم يسلموا، فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ قد استحقوا العذاب بظلمهم، والأمور كلها بيد الله، وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكاً وعبيداً، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ غفرانه، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه، ولا يجب عليه شيء، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لعباده، فلا تبادر بالدعاء عليهم.
الإشارة: وما جعل الله التأييد الذي ينزله على أهل التجريد، حين يقابلهم بالابتلاء والتشديد، إذا أراد أن يوصلهم لصفاء التوحيد، إلا بشارة لفتحهم، ولتطمئن بمعرفته قلوبهم، فإن الامتكان على قدر الامتحان، وكل محنة تزيد مكنة، وهذه سُنة الله في أوليائه يسلط عليهم الخلق في بدايتهم، ويشدد عليهم البلاء، حتى إذا طهروا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، كف عنهم الأذى، وانقلب الجلال جمالاً، وذلك اعتناء بهم، ونصراً لهم على أنفسهم، فإن النصر كله مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. وذلك ليقطع عنهم طرفاً من الشواغل والعلائق، التي تقبضهم عن العروج إلى سماء الحقائق، فإن الروح إذا رقدت في ظل العز والجاه صعب خروجها من هذا العالم، فإذا ضيق عليها، وعكس مرادها، رحلت إلى عالم الملكوت، والأمر كله بيد الله. ليس لك أيها الفقير من الأمر شيء، إنما أنت مأمور بتحريك الأسباب «١» والله يفتح الباب. وليس لك أيها الشيخ من الأمر شيء، إنما أنت مذكر، وعلى الله البلاغ، فلا تأس على ما فاتك، ولا تفرح بما آتاك، فملكوت السموات والأرض بيد الله، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
قال القشيري: جرَّده- أي: نبيه ﷺ لما به عرفه عن كُلِّ غيْرٍ وسبب، حيث أخبره أنه ليس له من الأمر شيء، ثم قال: ويقال: أقامه في وقتٍ مقاماً رمى بقبضة من التراب، فأصابت جميع الوجوه، وقال: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وقال في وقت آخر: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. هـ.
يشير إلى أنهما مقامان: نيابة عن الله بالله، ونيابة الله عن عبده، والأول بقاء، والثاني فناء، قاله المحشى.
قلت: الأول في مقام البسط، والثاني في مقام القبض، فقد قالوا: إذا بسط فلا فاقة، وإذا قبض فلا طاقة. والله تعالى أعلم.
ولما كان النصر فى الجهاد لا يكون إلا بأكل الحلال وطاعة الكبير المتعال، قدّم ذكر ذلك قبل الأمر بالقتال فى قضية أحد، فقال:
стр. 401
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)
قلت: الكظم هو: الكف والحبس، تقول: كظمت القربة: إذا ملأتها وسددت رأسها.
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا وتزيدوا فيها إذا حلَّ الأجل أَضْعافاً مُضاعَفَةً، ولعل التخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل يَحُلُّ أجلُ دَيْنِهِ، فيقول للمدين: إما أن تقضي وإما أن تزيد، فلا يزال يؤخره ويزيد في دينه حتى يستغرق مال المدين، فنُهوا عن ذلك. ورغبهم في التقوى التي هي غنى الدارين. فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما نهيتكم عنه، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ في الدارين. ثم خوفهم بالنار إن لم ينتهوا، فقال: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، وفيه إشعار بأن النار موجودة إذ لا يُعدُّ المعدوم، وأنها بالذات معدة للكافرين، وبالعرض للعاصين.
قال الورتجبي: في الآية إشارة إلى أن النار لم تعد للمؤمنين، ولم تخلق لهم، ولكن خوفهم بها زجراً وعظة، كالأب البار المشفق على ولده يخوفه بالأسد والسيف، وهو لا يضربه بالسيف، ولا يلقيه إلى الأسد، فهذه الآية تلطف وشفقة على عباده. هـ.
وَأَطِيعُوا اللَّهَ فيما أمر ونهى، وَالرَّسُولَ فيما شرع وسَنَّ، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. والتعبير بلعل وعسى في أمثال هذه: دليل على عون التوصل إلى ما جعل طريقاً له.
وَسارِعُوا أي: بادروا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ كالإسلام والتوبة والإخلاص، وسائر الطاعات التي توجب المغفرة، وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على الاستئناف. وسارعوا أيضاً إلى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ لو وصل بعضها ببعض، وذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة لأنه دون الطول. قال بعضهم: لم يُرد العَرض الذي هو ضد الطول، وإنما أراد عظمها، ومعناه: كعرض السموات السبع والأرضين السبع في ظنكم، أي: لا تدرك ببيان. أُعِدَّتْ أي: هُيِّئَتْ لِلْمُتَّقِينَ. وفيه دليل على أنَّ الجنة مخلوقة، وأنها خارجة عن هذا العالم.
стр. 402
ثم وصف أهلها من المتقين بأوصاف الكمال، فقال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ أي: في حالتي الرخاء والشدة، وفي الأحوال كلها، كما هي حالة الأسخياء، قال ﷺ : «الجنَّةُ دَارُ الأسخياءِ» . وقال أيضا:
«السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللهِ، قريبٌ مِنَ الجَنَّةِ، قَرِيبٌ من النَّاس، بَعِيدٌ من النَّارِ، والبَخيلُ بَعيدٌ من اللهِ، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ، بَعِيدٌ من الناس، قَرِيبٌ من النَّارِ. ولجَاهلٌ سَخِيٌ أَحَبُ إلى اللهِ مِنَ العالمِ البخيل» . وقال أيضا ﷺ : «السّخَاء شَجَرةٌ في الجنة، أغصانها في الدنيا، من تعلق بَغُصنٍ من أغْصَانِها قادَته إلى الجنَّةِ، والبخْلُ شَجرةٌ في النَّارِ، أغصَانُها في الدُّنيا، من تعلق ببعض من أغصانها قَادَته إلى النَّارِ» .
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أي: الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه، قال ﵊: «من كظم غيظا وهو يَقْدِرُ على إمْضَائِهِ مَلأَ اللهُ قَلْبَهُ أمْناً وإِيمَاناً» .
وقال بعض الشعراء:
وَإذَا غَضِبْتَ فَكُنْ وَقُوراً كَاظِماً ... لِلْغَيْظِ، تُبْصر مَا تَقُولُ وتَسْمَعُ
فَكَفَى بِهِ شَرَفاً، تَصَبُّرُ سَاعَةٍ ... يَرْضَى بِهَا عَنْكَ الإلَهُ ويَرْفَعُ «١»
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ أي: عمن ظلمهم، وعن النبي ﷺ أنه قال عند ذلك: «إنَّ هؤلاءِ في أُمتي قليل، إلا مَنْ عَصَمَ الله، وقد كَانُوا كثيراً في الأمم التي مَضَت» . وعَنْ أبي هريرة: أن أبا بكر كان مع النبي ﷺ في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر، وهو ساكت، والنبي ﷺ يبتسم، ثم ردّ عليه أبو بكر بعضَ الرد، فغضب ﵊ وقام، فلحقه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، شتمني وأنت تبتسم، ثم رَدَدْتُ عليه بعضَ ما قال، فغضبتَ وقُمتَ. قال: «حين كنتَ ساكتاً كان معك مَلَكٌ يردُّ عليه، فلما تكلمتَ وقع الشيطان، فلم أكُنْ لأقعدَ في مقعدْ فيه الشيطان، يا أبا بكر، ثلاثٌ حق: تعلم أنه ليس عبد يظلم مظلمة فيعفو عنها إلا أعز الله بها نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله قلة، وليس عبد يفتح عطية أو صلة إلا زاده الله بها كثرة» .
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الذي أحسنوا فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين عباد الله، و «أل» : يحتمل أن تكون للجنس، فيعم كل محسن، أو للعهد، فتكون الإشارة إلى من تقدم ذكرهم.
الإشارة: كل ما يُقوي مادة الحس فهو ربا لأنه يربى الحس ويقوي مادة الغفلة، فلا ينبغي لمريد أن يضاعفه ويتعاطى أسباب تكثيره، بل ينبغي أن يفر من موارده، وهي ثلاثة: مباشرة الحس، أو الفكر فيه، أو الكلام مع أهله
стр. 403
فيه. والذي يقوي مادة المعنى ثلاثة: صحبة أهل المعنى، والفكرة في المعاني، وذكر الله بالقلب. واتقوا الله فى مباشرة الحس (لعلكم تفلحون) بالوصول إلى صفاء المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، (وأطيعوا الله والرسول) فيما ندبكم إليه، (لعلكم ترحمون) بإحياء قلوبكم وأرواحكم بأسرار المعاني، وسارعوا إلى ما يوجب تغطية مساوئكم، حتى يغطي وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته، فيُوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، فتدخلوا جنة المعارف، التي لا نهاية لفضاء شهودها، التي أعدت للمتقين السّوى، الذين يبذلون مهجهم وأموالهم في حال الجلال والجمال، (والكاظمين الغيظ) حيث ملكوا أنفسهم وأحوالهم، (والعافين عن الناس) لأن الصوفي ماله مباح ودمه هدر. وكان بعض الصوفية يقول: إذا أردتَ أن تعرفَ حال الفقير فأغضبه، وانظر إلى ما يخرج منه. وقال شيخ شيوخنا ﵁: قطب التصوف: لا تغضب ولا تُغضب. هـ.
ولعروة بن الزبير- ﵁:
لن يبلغَ المجدَ أقوامٌ وإنْ كَرُمُوا ... حتى يُذَلّوا وإن عَزّوا لأقوام
ويُشتَموا فتَرى الألوانَ مُشرِقةٌ، ... لا عَفْوَ ذُلَّ، ولكن عَفْوَ أحلام
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الذين حازوا مقام الإحسان، فعبدوا الله بالشهود والعيان، فعم إحسانهم ذا الإساءة والإحسان والإنس والجان. قال الحسن البصري: (الإحسان: أن يعم إحسانه، ولا يكون كالشمس والريح والمطر) .
أي: يخص بلداً دون بلد. وقال سفيان الثوري: (ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك، وإنما الإحسان أن تحسن إلى مَن أساء إليك. فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة كنقد السوق، خذ مني وهَات) . وقال السري السقطي:
(الإحسان: أن تُحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان) ، وأنشدوا:
ليس في كلَّ ساعةٍ وأوان ... تَتَهَيَّأ صنائعُ الإحسان
فإذا أمْكَنَتْ فبادرْ إليها ... حذَراً من تعذّر الإمكان «١»
وقال الورتجبي: قوله: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ... الخ، علم الحق- سبحانه- عِلَلَ الخلق وميلهم إلى مُنى النفوس، فدعاهم بطاعته إلى العلتين: المغفرة والجنة، ودعا الخاصة إلى نفسه، فقال: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ، ثم أعْلَم أن الكل في درك امتحان الجرم، وأثبت بالآية ذنب الكل، لأنهم وإن كانوا معصومين من الزلل،
стр. 404
فذنبهم قلة معرفتهم لأقدار الحق، كما قال ﵊: «لو أن الله عذب الملائكة لحق منه، فقيل: إنهم معصومون، فقال ﵊: من قلة معرفتهم بربهم» «١» . ولذلك دعاهم إلى المغفرة. هـ. قال في الحاشية: وقوله: (أثبت بالآية ذنب الكل) ، يعني: شمول قوله: (يغفر لمن يشاء) مَنْ فى السموات الصادق بالملائكة، وإنما تكون المغفرة بعد ذنب، ولكنه في كل أحد على حسبه، وأما قوله: دعاهم إلى المغفرة، فكأنه من قوله: سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وأن الخطاب يعم من فى السموات أيضاً، وقد يتصور في حق الملائكة الاستنادُ لظواهر الأمور والاختلاف بينهم والاختصام، مما هو معرض للخطأ، وذلك من دواعي المغفرة، وكذلك القصور عن معرفة كنه جلال الله: نقصٌ لا يخلو منه مخلوق، لاستحالة الإحاطة به علماً، ولذلك كان الترقي في المعرفة لا حد له أبداً سرمداً. هـ.
ثم ذكر حال أهل اليمين، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)
يقول الحق ﷻ : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أي: فعلة بالغة في الفحش والقبح، كالزنى، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بأي ذنب كان، أو فعلوا كبيرة أو صغيرة، أو الفاحشة: ما يتعدى للغير، وظلم النفس ما يخص، أو الفاحشة بالفعل، وظلم النفس بالقول، ذَكَرُوا اللَّهَ أي: عقابه وغضبه وعرضه الأكبر، أو ذَكَرُوا اللَّهَ في أنفسهم أن الله سائلهم عنه، أو كونه رقيباً عليهم، أو ذَكَرُوا اللَّهَ باللسان فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ بالندم والتوبة، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ أي: لا أحد يغفره إلا الله، والمراد: وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة، والحث على الاستغفار.
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا أي: لم يدوموا عليها غير مستغفرين، لقوله ﷺ : «ما أصَرَّ مَن اسْتَغفَر، ولو عَادَ في اليَوم سَبْعِينَ مَرَةً» ، وذلك إذا صحبه الندم، وقال أيضاً: «لا كَبِيرةَ مَعَ الاستغفَار، ولا صغيرة مع
стр. 405
الإصْرارِ» . قال قتادة: إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قِدْماً في معاصي الله تعالى، لم يتوبوا حتى أتاهم الموت. هـ. وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن الإصرار يضر بهم، أو: وهم يعلمون أن لهم رباً يغفر الذنب لقوله- ﵊: «مَنْ أَذْنَبَ ذنْباً، وعَلِمَ أَنَّ له ربّاً يَغْفُرِ الذنوب، غَفَرَ له وإِنْ لمْ يسْتَغفر» . وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «مِنْ علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرتُ له ولا أبالي» . وفي بعض الكتب المنزلة:
«يا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ ما دَعَوْتني ورَجَوْتني لأغفرن لَكَ على مَا كَانَ منكَ ولا أُبَالِي» . أو: (وهم يعلمون) أن التوبة تمحق الذنوب.
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ تغطية لذنوبهم، وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، ولا يلزم من إعدادها للتائبين اختصاصهم بها، كما لا يلزم من إعداد النار للكفار اختصاصهم بها، ثم مدح أجر التائبين فقال: وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ، وانظر هذا الفرق العظيم الذي بين المحسنين وأهل اليمين، قال في الآية الأولى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وقال في هذه الآية: وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ، أهل الآية الأولى من خواص الأحباب، وأهل هذه يأخذون أجرهم من وراء الباب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى عين التحقيق.
الإشارة: أهل مقام الإحسان عملهم قلبي، كالسخاء والعفو وكظم الغيظ، وأهل اليمين عملهم بدني، بين طاعة ومعصية وغفلة ويقظة، إذا فعلوا فاحشة تابوا واستغفروا، وإذا فعلوا طاعة فرحوا واستبشروا، أهل مقام الإحسان غائبون عن رؤية أعمالهم ووجودهم، وأهل اليمين معتمدون على أعمالهم، إذا فعلوا طاعة قوى رجاؤهم، وإذا زلَّوا نقص رجاؤهم، أهل مقام الإحسان فانون عن أنفسهم باقون بربهم، وأهل اليمين أنفسهم موجودة وأعمالهم لديهم مشهودة، أهل مقام الإحسان محبوبون، وأهل اليمين مُحِبُّون، أهل مقام الإحسان فنيت عندهم الرسوم والأشكال، وبقي في نظرهم وجود الكبير المتعال، وأهل اليمين: الأكوان عندهم موجودة، وشموس المعارف عن قلوبهم مفقودة، أهل مقام الإحسان يعبدون الله على نعت الشهود والعيان، وأهل اليمين يعبدون الله من وراء حجاب الدليل والبرهان، أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان.
واعلم أن لمعرفة الشهود والعيان ثمرات ونتائج، حصرها بعضهم في إحدى عشرة خصلة:
الأولى: الحرية، ومعناها أن يكون العارف فرداً لِفَرْدٍ، من غير أن يكون تحت رق شيء من الموجودات، لا من إغراض الدنيا ولا من أغراض الآخرة، فالحرية عبارة عن غاية التصفية والطهارة. قال بعضهم: ليس بحُرٍّ من بقي عليه من تصفية نفسه مقدار فص نواة، المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
الثانية: الوجود، وهو الفوز بحقيقة الأشياء في الأصل، وهو عبارة عن إدراك مقام تضمحل فيه الرسوم، بالاستغراق في الحقيقة الأزلية.
стр. 406
الثالثة: الجمع الأتم، وهو الحال الذي يقضي بقطع الإشارات، والشخوص عن الأمارات والعلامات، بعد صحة التمكين والبراءة من التلوين.
الرابعة: الصحو، وهو عبارة عن تمكين حال المشاهدة، واتصالها، مع برء الروح من لدغات الدَّهَشِ، ولا يكمل الصحو إلا بحياة الروح بوارد الجمع الدائم.
الخامسة: التحقيق، وهو الوصول إلى المعرفة بالله، التي لا تدْركُ بالحواس، لتخليص المشرب من الحق بالحق في الحق، حتى تسقط المشاهدات، وتبطل العبارات، وتفنى الإشارات.
السادسة: البسط، ونعني به: بسط الروح باسترسال شهود المعاني عند سقوط الأواني، وفي ذلك يقول ابن الفارض:
فما سكَنتْ والهمَ يوماً بموضِعٍ ... كذلك لم يسكُنْ مع النغَم الغَمُّ
السابعة: التلبيس، وهو تغطية الأسرار بأستار الأسباب، إبقاء للحكمة وستراً عن العامة.
الثامنة: البقاء، والمراد به الخروج عن فناء المشاهدة إلى بقاء المعرفة، من غير أفول يخل بشمس المشاهدة، ولا رجوع إلى شواهد الحس، إنما هو استصحاب الجمع مع استئناس الروح بحلاوة المعاني، فهو كبائِن دانٍ. انظر بقيتها فى [بغية السالك] . وبالله التوفيق.
ثم قوّى قلوب أهل أحد لمّا انكسرت بالهزيمة، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٧ الى ١٣٩]
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)
قلت: السّنن: الطرق المسلوكة، وقيل: الأمم.
يقول الحق ﷻ : قد مضت مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ جرت على الأمم المكذبة لأنبيائها قبلكم، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وهو إمهالي واستدراجي إياهم، حتى يبلغ الكتاب الذي أجل لهم، فإذا بلغهم أهلكتهم، وأدلتُ الأنبياء وأتباعَهم عليهم، فإذا هلكوا بقيت آثارهم دارسة، اعتباراً لمن يأتي بعدهم، فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ وتعرفوا أخبارهم، وانظروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لأنبيائهم قبلكم، فكذلك يكون شأنكم مع مَنْ كذَّبكم.
هذا الذي أمرتكم به من الاعتبار، بَيانٌ لِلنَّاسِ لمن أراد أن يعتبر من الكفار، وزيادة هداية واستبصار لِلْمُتَّقِينَ.
стр. 407
ثم سلاَّهم وبشرهم فقال: وَلا تَهِنُوا أي: لا تضعفوا عن قتال عدوكم بما أصابكم، وَلا تَحْزَنُوا على من قُتل منكم، وهم سبعون من الأنصار وخمسة من المهاجرين، منهم: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير- صاحب راية النبي ﷺ وعبد الله بن جحش، وعثمان بن شماس، وسعد مولى عتبة- رضى الله عنهم-.
أو: (لا تحزنوا) لفوات الغنيمة وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ بأن تكون لكم العاقبة والنصر، أو: وحالكم أنكم أعلى منهم شأناً، فإنكم على الحق وقتالكم لله، وقتلاكم في الجنة، وهم على الباطل، وقتالهم للشيطان، وقتلاهم في النار، فلا تفشلوا عن الجهاد إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإن الإيمان يقتضي قوة القلب بالوثوق بالله والاعتماد عليه، أو: (إن كنتم مؤمنين) بما وعدتكم من العلو والنصر. والله أعلم.
الإشارة: قد خلت من قبلكم، أيها المريدون، سنن الله في أوليائه مع المنكرين عليهم من عوام عباده، فإنه أبعدهم عن ساحة حضرته، وحرمهم من سابق عنايته، حتى ماتوا على البُعد، فاندرست آثارهم وخربت ديارهم، فسيروا في الأرض وانظروا كيف كان عاقبةُ المكذِّبين لأوليائه، هذا بيان للمعتبرين، وزيادة هدى وموعظة للمتقين، فلا تهنوا أيها الفقراء وتضعفوا عن طلب الحق بالرجوع عن طريق الجد والاجتهاد، لما يصيبكم من أذى أهل العناد، وأنتم الأعلون بالنصر والتأييد، ورفع درجاتكم مع خواص أهل التوحيد، إن كنتم مؤمنين بوعد الملك المجيد، فمن طلب الله وجده، وأنجز بالوفاء موعده، لكن بعد تجرع كؤوس مرارة الصبر، ودوام الحمد والشكر، وأنشدوا:
لا تَحْسَب المجْد تَمْراً أَنْتَ آكِلُهُ ... لَنْ تَبْلُغَ المَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصّبر «١»
ثم سلاهم بمشاركة المكذبين فيما أصابهم، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٠ الى ١٤٣]
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)
قلت: القرح- بالفتح والضم-: الجرح، وقيل: بالفتح: الجرح، وبالضم: ألمه ووجعه. والمداولة: المفاعلة من الدولة، وهي الغلبة، و (الأيام) : نعت أو خبر، و (نداولها) : خبر أو حال، و (ليعلم) : متعلق بمحذوف، أي: وفعل
стр. 408
ما فعل من الادالة ليعلم، أو عطف على عِلة محذوفة، أي: نداولها ليكون كيت وكيت، وليعلم ... الخ، إيذاناً بأن العلة فيه غير واحدة، وأن ما يصيب المؤمن: فيه من المصالح ما لا يُعلم، و (يعلم الصابرين) : منصوب بأن، على أنَّ الواو للجمع.
يقول الحق ﷻ : إِنْ يَمْسَسْكُمْ في غزوة أحد قَرْحٌ كقتل أو جرح، فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ من أعدائكم يوم بدر قَرْحٌ مِثْلُهُ، فإن كان قُتل منكم خمسة وسبعون يوم أحد، فقد قتل منهم يوم بدر سبعون وأسُرَ سبعون. أو: فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ يوم أحد قَرْحٌ مثل ما أصابكم، فإنكم نلتم منهم وهزمتموهم، قبل أن تخالفوا أمر الرسول- ﵊، كما نالوا منكم يومئذ. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ أي: نُصرف دولتها بينهم، فنديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى، كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا، ويَوْمٌ لنَا، ... ويَوْمٌ نُسَاءُ، ويَوْمٌ نُسَرْ «١»
فقد أديل المسلمون على المشركين يوم بدر، فكانت الدولة لهم، وأديل المشركون يوم أحد. والمراد بالأيام: أيام الدنيا، أو أيام النصر والغلبة. وإنما أديل للمشركين يوم أحد ليتميز المؤمنون من المنافقين، ويظهر علمهم للناس، وليتخذ الله مِنْكُمْ شُهَداءَ حين ماتوا في الجهاد، أكرمهم الله بالشهادة، ولا تدل إدالة المشركين على أن الله يحبهم، فإن الله لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وإنما أدالهم لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي: ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب، وأنما أدال المسلمين على المشركين ليمحق الكافرين ويقطع دابرهم. والمحق: نقص الشيء قليلاً قليلاً.
ثم عاتب المسلمين فقال: أَمْ حَسِبْتُمْ أي: ظننتم أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ علم ظهوره، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ أي: لا تظنوا أن تدخلوا الجنة كما دخلها مَنْ قُتل منكم، ولم يقع منكم مثل ما وقع لهم من الجهاد والصبر على القتل والجرح حتى يقع العلم ظاهراً بجهادكم وصبركم.
وَلَقَدْ كُنْتُمْ قبل خروجكم إلى الجهاد تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أي: الحرب لأنه سبب الموت، وتقولون: ليت لنا يوماً مثل يوم بدر، فلقد لقيتموه وعاينتموه يوم أحد وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ من مات من إخوانكم، فما لكم حين رأيتموه جبنتم وانهزمتم؟ وهو عتاب لمن طلب الخروج يوم أحد، ثم انهزم عن الحرب، ثم تداركهم بالتوبة والعفو، على ما يأتي إن شاء الله. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إن يمسسكم يا معشر الفقراء قرح كحبس أو ضرب أو سجن أو حَرج أو جلاء، فقد مس العموم مثل ذلك، غير أنكم تسيرون به إلى الله تعالى لمعرفتكم فيه، وهم لا سير لهم لعدم معرفتهم، أو إن يمسسكم قرح فقد مسَّ القوم المتقدمين من أهل الخصوصية مثل ما أصابكم، ففيهم أسوة لكم، وهذه عادة الله في أوليائه، يديل عليهم حتى يتطهروا ويتخلصوا، ثم يُديل لهم، وإنما أديل عليهم أولاً ليتطهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا، وليعلم
стр. 409
الصادق في الطلب من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء، وليتخذ منهم شهداء إن ماتوا على ذلك، كالحلاج وغيره، أو يتخذ منهم شهداء الملكوت إن صبروا حتى ظفروا بالشهود. (والله لا يحب الظالمين) أي: المؤذين لأوليائه، بل يمقتهم ويبعدهم.
(وليمحص الله الذين آمنوا) بطريق الخصوص، أي: يخلصهم من بقايا الحس، سلط عليهم الناس، وليَمحق المنكرين عليهم بما يصيبهم من إيذايتهم، فإن المنكر على أهل النسبة كمن يدخل يده في الغيران «١» ، فإذا سلم من الأول والثاني، قال: لا يلحقني منهم شيء، فإذا أدخل يده في غار آخر لدغته حية فأهلكته.
أم حسبتم يا معشر المريدين أن تدخلوا جنة المعارف، ولما يعلم الله الذين جاهدوا نفوسهم، ويعلم الصابرين على إيذاية من آذاهم، ولقد كنتم تمنون موت نفوسكم وتطلبون ما يعينكم على موتها من قبل أن تلقوا الجلال، فقد رأيتموه وعاينتموه وأنتم تنظرون ما أصاب الأولياء غيركم، فما لكم تجزعون منه وتفرون من مواطنه؟. وكان شيخ شيوخنا ﵁ يقول: العجب كل العجب، ممن يطلب معرفة الله، فإذا تعرف إليه أنكره.
وفي الحِكَم: «إذا فتح الله لك وجهة من التعرف فلا تبال معها، وإن قلَّ عملك، فإنه ما فتحها إلاَّ وهو يريد أن يتعرف إليك فيها، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟» . وبالله التوفيق.
ثم وبَّخهم على ما وقع لهم من الفشل، حين سمعوا بموت النبي ﷺ ، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٤ الى ١٤٥]
وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)
قلت: (كتاباً) : مصدر، أي: كتب الموت كتاباً مؤجلاً.
يقول الحق ﷻ : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ يصيبه ما أصابهم، قَدْ مضت مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، فسيمضي كما مضوا بالموت أو القتل، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ بعد تقرر شريعته
стр. 410
وظهور براهينه، عاتبهم على تقدير أن لو صار منهم انقلاب لو مات ﷺ أو قتل، أو على ما صدر من بعض المنافقين وهم ساكتون.
قال أصحاب المغازي: خرج النبي ﷺ حتى نزل بالشعب من أحُد، في سبعمائة رجل، وأمر عبد الله بن جبيرٍ على الرماة، وهم خمسون رجلاً، وقال: انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، لا تبرحوا مكانكم كانت لنا أو علينا، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتُّم مكانكم، فجاءت قريش، وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة، ومعهم النساء. ثم انتشب القتال فقال ﵊: «مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه» ؟ فجاء رجال فمنعهم، حتى جاء أبو دُجانة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: «تضرب به العدو حتى ينحني» ، وكان رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، فأخذه واعتم بعمامة حمراء، وجعل يتبختر بين الصفين، فقال ﵊: «إنها لمشيةٌ يبغضها الله إلاّ في هذا الموضع» .
ثم حمل النبي ﷺ وأصحابه على المشركين فهزموهم، قال الزبير: (فرأيت هنداً وصواحبها هارباتٍ مصعدات في الجبل) ، فلما نظر الرماة إلى القوم قد انكشفوا، قالوا: الغنيمة الغنيمة فقال لهم بعضهم: لا تتركوا أمر النبي ﷺ فلم يلتفتوا، وانطلق عامتهم، فلما رأى خالد قلة الرماة، صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي ﷺ من خلفهم، وقتل عبد الله بن جبير، واختلط الناس، فقتل بعضُهم بعضاً، ورمى عبدُ الله بن قمئة الحارثي رسولَ الله ﷺ بحجر، فكسر أنفه ورباعيته، وشجَّه في وجهه، وكسر البيضة «١» على رأسه، فذبَّ عنه مصعبُ بن عمير، وكان صاحب الراية، فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبي ﷺ ، فرجع إلى قومه، وقال: قد قتلت محمداً، وصرخ صارخ: ألا إنَّ محمداً قد مات. وقيل: إنه الشيطان، فانكفأ الناس، وجعل الرسول- ﵊ يدعو: «إليَّ عباد الله» ، فانحاز إليه ثلاثون من الصحابة، وضموه حتى كشفوا عنه المشركين، وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست، حين وقى بها النبي ﷺ ، وأصيبت عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنتيه، فردها النبي ﷺ مكانها، فعادت أحسن مما كانت.
وفشا في الناس إن رسول الله ﷺ مات- فقال بعض المسلمين: ليت ابنُ أُبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان.
وقال بعض المنافقين: لو كان نبيّاً ما قتل، ارجعوا إلى دينكم الأول. فقال أنس بن النضر- عمُّ أنس بن مالك: (إن كان قد قتل محمدٌ فَإِنَّ رب محمد لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعده؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، حتى تموتوا على ما مات عليه) . ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء- يعني الكفار-، ثم شدّ سيفه وقاتل حتى قُتل، رحمة الله عليه.
стр. 411
فأنزل فيما قال المنافقون: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ بارتداده فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وإنما يضر نفسه، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ على نعمة الإسلام بالثبات عليه، كأنس وأضرابه، وَما كانَ ينبغي لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي: بإرادته ومشيئته، أو بإذنه لملكٍ في قبض روحه، والمعنى: أنَّ لكل نفس أجلاً مسمى في علمه تعالى وقضائه، لا تستأخر عنه ساعة ولا تستقدم، بالتأخر عن القتال ولا بالإقدام عليه، وفيه تشجيعهم على القتال ووعد للرسول بحفظه وتأخر أجله فإن الله تعالى كتب أجل الموت كِتاباً مُؤَجَّلًا مؤقتاً لا يتقدم ولا يتأخر.
ونزل في الرماة الذين خالفوا المركز للغنيمة: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها الجزاء الجليل، وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ الذين شكروا نعم الله، فلم يشغلهم شيء عن الجهاد في سبيل الله، بل كان همهم رضي الله ورسوله دون شيء سواه.
الإشارة: ينبغي للمريد أن يستغني بالله، فلا يركن إلى شيء سواه، وتكون بصيرته نافذة حتى يغيب عن الواسطة بشهود الموسوط، فإن مات شيخه لم ينقلب على عقبيه، فإن تمكن من الشهود فقد استغنى عن كل موجود، وإن لم يتمكن نظر من يكمله، فالوقوف مع الوسائط وقوف مع النعم دون شهود المنعم، فلا يكون شاكراً للمْنعم حتى لا يحجبه عنه شيء، ولما مات- ﵊ دهشت الناس، وتحيّرت لوقوفهم مع شهود النعمة، إلاَّ الصدِّيق كان نفذ من شهود النعمة إلى شهود المُنعم، فخطب حينئذٍ على الناس، وقال: (مَنْ كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّداً فإن مُحَمَّداً قَدْ ماتَ، ومَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فإنَّ اللهَ حَيٌ لاَ يَمُوتِ) . ثم قرأ: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ... إلى قوله:
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ، وهم الذين نفذوا إلى شهود المنعم، ولم يقفوا مع النعمة.
ودخل بعض العارفين على بعض الفقراء فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ قال: مات أستاذي، فقال له العارف: ولم جعلت أستاذك يموت؟ وهلا جعلته حيّاً لا يموت. فنبهه على نفاذ بصيرته إلى شهود المنعم دون الوقوف مع النعمة، فالشيخ الحقيقي هو الذي يغني صاحبه عنه وعن غيره، بالدلالة على ربه.
ثم صبّرهم بما وقع لغيرهم قبلهم فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٦ الى ١٤٨]
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)
стр. 412
قلت: (كأَيِّن) : أصله: أيْ، دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى (كم) ، وأثبت التنوين نوناً على غير قياس، وقرأ ابن كثير: (وكائن) ، على وزن فاعل، ووجهه: أنه قلب الياء قبل الهمزة فصار: كيَاءٍ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فصار كائن، وهما لغتان، وقد جمع الشاعر بينهما في بيت، فقال:
كَأيّنْ أبَدْنَا مِنْ عَدوٍّ بعِزِّنا ... وكَائِنْ أجَرْنا مِنْ ضَعيفٍ وخائِفِ
و (الرِبِّيون) : جمع رُبَّة، أي: الفرقة. أي: معه جموع كثيرة، وقيل: العلماء الأتقياء، وقيل: الولاة، وهو: إما مبتدأ فيوقف على (قُتل) ، أو نائب فاعل (قُتل) ، أو فاعل على من قرأ بالبناء له، و (كثير) : نعت له، كقوله:
وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ لأن فعيلاً يخبر به عن المفرد والجمع.
يقول الحق ﷻ : وَكَأَيِّنْ وكم مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ في المعركة ومعه جموع كثيرة، أو ربانيون علماء أتقياء، فلم يفشلوا ولم يضعفوا، بل ثبتوا على دينهم وجهاد عدوهم، أو يقول: كثير من الأنبياء قتل معهم ربانيون كثير، أي: ماتوا في الحرب فثبت الباقون، ولم يفتروا ولم يضعفوا عن عدوهم، ويترجح الأول بما صرَخَ به الصارخ يوم أحد: إن محمدا قد مات، فضرب لهم المثل بقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ، ويترجح الثاني بأنه لم يقتل نبيّ قط في المحاربة.
أو: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ أي: جاهد معه رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، وبعد ما قتل نبيهم أو جموعهم فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: فما فتروا، ولم ينكسر جندهم لأجل ما أصابهم من قتل نبيهم أو بعضهم، وَما ضَعُفُوا عن جهاد عدوهم ولا عن دينهم، وَمَا اسْتَكانُوا أي: خضعوا لعدوهم، من السكون لأن الخاضع يسكن لعدوه يفعل به ما يريد، فالألف إشباع زائد، أي: فما سكنوا لعدوهم بل صبروا له، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ فينصرهم ويعزهم ويُعظم قدرهم.
وَما كانَ قَوْلَهُمْ عند قتل نبيهم مع ثباتهم على دينه، إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا الصغائر، وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا أي: ما تجاوزنا به الحد في أمر ذنوبنا، كالكبائر، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا في مداحض الحرب لئلا ننهزم، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ من أعدائنا، فَهلاَّ فعلتم مثلهم، وقلتم ذلك يا أصحاب محمد ﷺ .
فَآتاهُمُ اللَّهُ في ثواب الاستغفار واللجوء إلى الله ثَوابَ الدُّنْيا وهو النصر والغنيمة والعز وحسن الذكر، وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وهو النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد، وخص ثواب الآخرة بالحسن إشعاراً بفضله، وأنه المعتد به عنده، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الثابتين على دينهم، لأنهم أحسنوا فيما بينهم وبين ربهم بحفظ دينه، فأحبهم الله وقربهم إلى حضرته.
стр. 413
الإشارة: وكم من المريدين والأتباع مات شيخهم أو قتل، فثبتوا على طريقهم، فما فَشِلوا ولا ضعفوا، ولا خضعوا لمن يقطعهم عن ربهم، بل صبروا على السير إلى ربهم، أو الترقي في المقامات، ومن لم يرشد منهم طلب من يكمل له، (والله يحب الصابرين) ، فإذا أحبهم كان سمعهم وبصرهم، كما في الحديث. وما كان حالهم عند موت شيخهم إلا الالتجاء إلى ربهم، والاستغفار مما بقي من مساوئهم، وطلب الثبات في مواطن حرب أنفسهم، فأعطاهم الله عزّ الدنيا والآخرة، عزّ الدنيا بالإيمان والمعرفة، وعزّ الآخرة بدوام المشاهدة، فكانوا أحباب الله (والله يحب المحسنين) .
ثم حذّرهم الله تعالى من الركون إلى عدوهم، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٩ الى ١٥٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا وهم المنافقون، لما قالوا للمسلمين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دينكم الأول، ولو كان نبيّاً ما قتل، يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ راجعين عن إيمانكم، فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ مفتونين عن دينكم، فتحبط أعمالكم فتخسروا الدنيا والآخرة، بل أثبتوا على إيمانكم، فإن الله مَوْلاكُمْ سينصركم ويعزكم، وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ، وقيل: إن تسكنوا إلى أبي سفيان وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقيل: عام في مطاوعة الكفرة والنزول على حكمهم فإنه يجر إلى موافقتهم على دينهم، لا سيما إن طالت مدة الاستئمان.
قلت: وهذا هو السبب في ارتداد من بقي من المسلمين بالأندلس حتى رجعوا نصارى، هم وأولادهم، والعياذ بالله من سوء القضاء.
الإشارة: يا أيها المريدون- وخصوصاً المتجردين- إن تطيعوا العامة، وتركنوا إليهم، يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بطلب الدنيا وتعاطي أسبابها، فتزلَّ قدمٌ بعد ثُبْوتها، وتنحط من الهمة العالية إلى الهمة السفلى، فإن الطباع تُسرق، والمرء على دين خليله، بل أثبتوا على التجريد وتحقيق التوحيد، فإن الله مولاكم (وهو خير الناصرين) فينصركم ويعزكم ويغنيكم بلا سبب، كما وعدكم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
ولّما انصرف أبو سفيان من أحد، قال: بئس ما صنعنا! قتلنا القوم ولم يبق إلا اليسير، ارجعوا حتى نستأصلهم، فألقى الله في قلبه الرعب، كما قال:
стр. 414
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥١]
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)
قلت: (الرعب) : الخوف، وفيه الضم والسكون، وهكذا كل ثلاثي ساكن الوسط، كالقدس والعسر واليسر، وشبه ذلك، و (بما أشركوا) : مصدرية.
يقول الحق ﷻ : سنقذف فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا كأبي سفيان وأصحابه، الرُّعْبَ والخوف، حتى يرجعوا عنكم بلا سبب، بسبب شركهم بالله ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ولا حجة على استحقاق العبادة، وَمَأْواهُمُ النَّارُ أي: هي مقامهم، وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ أي: قبح مقامهم. ووضع الظاهر موضع المضمر للتغليظ في العلة.
الإشارة: فيها تسلية للفقراء، فإنَّ كل من هم بإذايتهم ألقى الله في قلبه الرعب، حتى لا يقدر أن يتوصل إليهم بشيء مما أمَّل فيهم، وقد رأيتهم هموا بقتلهم وضربهم وحبسهم، وسعوا في ذلك جهدهم، وعملوا في ذلك بينات على زعمهم، تُوجب قتلهم، فكفاهم الله أمرهم، وألقى الرعب في قلوبهم، فانقلبوا خائبين وماتوا ظالمين، والله ولى المتقين.
ثم ذكّرهم الله تعالى ما وعدهم من النصر، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٢]
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)
قلت: حسَّه: إذا قتله وأبطل حسه، وجواب (إذا) : محذوف، أي: حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم امتحناكم بالهزيمة، والواو لا ترتب، والتقدير: حتى إذا تنازعتم وعصيتم وفشلتم سلبنا النصر عنكم.
يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ ما وعدكم من النصر لو صبرتم واتقيتم، وذلك حين كنتم تَحُسُّونَهُمْ بالسيف، وتقتلونهم حتى انهزموا هاربين، بإذنه تعالى وإرادته، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ أي: جبنتم
стр. 415
وضعف رأيكم وملتم إلى الغنيمة، وَتَنازَعْتُمْ في الثبات مع الرماة حين انهزم المشركون، فقلتم: الغنيمةَ الغنيمةَ، فما وقوفكم هنا! وقال آخرون: لا تخالفوا أمر الرسول، ثم تركتم المركز، وَعَصَيْتُمْ الرسول مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ من النصر والغنيمة، امتحناكم حينئذ بالهزيمة.
فمنكم مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ليصرفها في الآخرة، وهم الذين خالفوا المركز وذهبوا للغنيمة، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ صِرفاً، وهم الثابتون مع عبد الله بن جبير، محافظةً على أمر رسول الله ﷺ ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ حين خالفتم أمر الرسول، لِيَبْتَلِيَكُمْ أي: ليختبركم، فيتبين الصابر من الجازع، والمخلص من المنافق، وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، لاستحقاقكم ذلك، أو تجاوز عن ذنبكم وتفضل بالتوبة والمغفرة، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عظيم عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يتفضل عليهم بالمغفرة في الأحوال كلها، سواء أديل عليهم أو لهم، فإن الابتلاء أيضاً رحمة وتطهير. والله تعالى أعلم.
الإشارة: يقول للفقراء الذين استشرفوا على بلاد الخصوصية، ثم فشلوا ورجعوا إلى بلاد العمومية: ولقد صدقكم الله وعده في إدراك الخصوصية لو صبرتم، فإنكم حين كنتم تجاهدون نفوسكم وتحسونها بسيوف المخالفة، لمعت لكم أنوار المشاهدة، حتى إذا فشلتم وتفرقت قلوبكم، وعصيتم شيوخكم قلَّت أمدادكم، وأظلمت قلوبكم، من بعد ما رأيتم ما تحبون من مبادئ المشاهدة، فملتم إلى الدنيا الفانية، فمنكم يا معشر المنتسبين من يريد الدنيا، فصحب العارفين على حرف، وهو الذي رجع وفشل، ومنكم من يريد الآخرة وقطع يأسه من الرجوع إلى الدنيا، وهو الذي ثبت حتى ظفر، ثم صرفكم عن صحبة العارفين، يا من أراد الدنيا من المنتسبين، ليبتليكم، هل صحبتموهم لله أو لغيره، ولقد عفا عنكم وجعلكم من عوام المسلمين، ولم يسلب عنكم الإيمان عقوبة لترك صحبة العارفين. أو لقد عفا عنكم إن رجعتم إلى صحبتهم والأدب معهم، فإن الله (ذو فضل على المؤمنين) حيث لم يعاجلهم بالعقوبة. وبالله التوفيق.
وقال الورتجبي: قوله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا، أي: منكم من وقع في بحر غني القدم، واتصف به بنعت التمكين ورؤية النعم في شكر المنعم، كسليمان ﵇. ومنكم من وقع في بحر التنزيه وتقديس الأزلية، فغلب عليه القدس والطهارة، فخرج بنعت الفقر تجريداً لتوحيده وإفرادِ قدمه من الحدث، كمحمد ﷺ حيث قال: «الفقر فخري» «١» .
стр. 416
ثم بيّن وقت الذلة التي افتقرت إلى العفو، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٣]
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣)
قلت: (إذْ) : ظرف لعفا، أو اذكر. وأصعد: أبعد في الأرض، وصعد: في الجبل، فالإصعاد: الذهاب في الأرض المستوية، والصعود: الارتقاء في العلو. وقرئ بهما معاً لأنهما وقعا معاً، فمنهم من فرّ ذاهباً في الأرض، ومنهم من صعد إلى الجبل. و (لكيلا) : متعلق بأثابكم.
يقول الحق ﷻ : ولقد عفا عنكم حين كنتم تُصْعِدُونَ عن نبيه- ﵊، منهزمين عنه، تبعدون عنه، وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ أي: لا يلتفت بعضكم إلى بعض، ولا ينتظر بعضكم بعضاً، وَالرَّسُولُ محمد ﷺ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي: في ساقتكم، يقول: «إليَّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرُّ فله الجنة» ، وفيه مدح للرسول ﷺ بالشجاعة والثبات، حيث وقف في آخر المنهزمين، فإن الآخر هو موقف الأبطال، والفرار فى حقه ﷺ محال.
فَأَثابَكُمْ أي: فجازاكم على ذلك الفرار، غَمًّا وهو ظهور المشركين عليكم وقتل إخوانكم، بسبب غم أوصلتموه للنبى ﷺ بعصيانه والفرار عنه، وقدَّر ذلك لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الغنيمة، وَلا على ما أَصابَكُمْ من الجرح والهزيمة، لأن من استحق العقوبة والأدب لا يحزن على ما فاته ولا على ما أصابه إذ جريمته تستحق أكثر من ذلك، يرى ما نزل به بعض ما يستحقه، فيهون عليه أمر ما نزل به أو ما فاته من الخير.
أو يقول: فَأَثابَكُمْ غَمًّا متصلاً بِغَمٍّ فالغم الأول: ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني: ما نالهم من القتل والهزيمة، أو الأول: ما أصابهم من القتل والجراح، والثاني: ما سمعوا من الإرجاف بقتل النبي ﷺ ، وذلك ليتمرنوا على المحن والشدائد حتى لا يجزعوا من شيء. وبذلك وصفهم كعب بن زهير في لاميته، حيث قال:
لاَ يَفْرَحُونَ إِذا نَالَتْ رِماحُهُمْ ... وَلَيْسُوا مجازيعاً إذا نِيلُوا
فإن المتمرّن على المصائب المتعود عليها يهون عليه أمرها، فلا يحزن على ما أصابه ولا ما فاته، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ وبما قصدتم، فيجازيكم على ذلك.
стр. 417
الإشارة: ما زال الدعاة إلى الله من أهل التربية النبوية يدعون الناس إلى الله، ويعرفونهم بالطريق إلى الله، يبينون لهم الطريق إلى عين التحقيق، والناس يبعدون عنهم ويفرّون منهم، وهم في أخراهم يقولون بلسان الحال أو المقال: يا عباد الله، هلم إلينا نعرفُكم بالله، وندلكم على الله، فلا يلوي إليهم أحد ولا يلتفت إليهم بشر، إلا مَن سبقت له العناية، وأراد الحق تعالى أن يوصله إلى درجة الولاية، «سبحان مَن لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا مَن أراد أن يوصله إليه» ، فأثابهم على الفرار غم الحجاب، متصلاً بغم الأسباب، فلا يحزنوا على ما فاتهم من المعرفة إذ لم يعرفوا قدرها، ولا على ما أصابهم من الغفلة والبطالة، إذ لم يتفطنوا لها، (والله خبير بما تعملون) يا معشر العباد، من التودد أو العناد. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم أنزل على أهل أحد الأمن والطمأنينة بعد الشدة والمحنة، كما أشار إلى ذلك الحق، بقوله:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٤]
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)
قلت: (نعاسا) : بدل من (أمنة) ، أو هو المفعول، و (أمنة) : حال منه، مقدمة، أو مفعول له، أي: أنزل عليكم نعاساً لأجل الأمنة، أو حال من كاف (عليكم) ، أي: أنزل عليكم حال كونكم آمنين. والأمنة: مصدر أمِن، كالعظَمة والغَلَبة.
يقول الحق ﷻ : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ أيها المؤمنون مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ الذي أصابكم بموت إخوانكم، والإرجاف بقتل نبيكم، الأمن والطمأنينة، حتى أخذكم النعاس وأنتم في الحرب. قال أبو طلحة: (غَشينَا النعاسُ ونحن في المصافّ، حتى كان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه) . وقال الزبير ﵁: لقد رأيتني حين اشتدّ الخوف، ونحن مع النبي ﷺ ، أرسل الله- تعالى- علينا النوم، والله إني لأسمع قول معتب، والنعاس يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلُم: (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا) .
ثم إن هذا النعاس إنما يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وهم المؤمنون، أو: هذه الأمنة إنما تغشى طائفة منكم، وأما المنافقون فقد أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، أي: أوقعتهم في الهموم والغموم، أو ما يهمهم إلا أنفسهم، يُدبرون خلاصها
стр. 418
ونجاتها، فقد طارت قلوبهم من الخوف، فلا يتصور في حقهم النوم، يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أي: غير الظن الحق، لأنهم ظنّوا أنه لا ينصر- ﵊، وأن أمره مضمحل، أو ظنوا أنه قتل، ظنّاً كظن الجاهلية، أهل الشرك، يَقُولُونَ أي: بعضهم لبعض: هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ أي: عُزلنا عن تدبر أنفسنا، فلم يبق لنا من الأمر من شيء. قاله ابنُ أُبي، لَما بلغة قتل الخزرج.
قُلْ لهم يا محمد: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ليس بيد غيره شيء من التدبير والاختيار، حال كون المنافقين يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ من الكفر والنفاق ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا أي: لو كان تدبيراً أو اختياراً ما خرجنا مع محمد حتى نقتل هاهنا ويقتل رؤساؤنا. قُلْ لهم يا محمد:
أخرجتكم القدرة فى سلسلة المقادير، رغماً على أنفكم، فلو كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ آمنين لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ، ووصل أجلهم إِلى مَضاجِعِهِمْ ومصارعهم، رغماً على أنفهم، فإن الله قدَّر الأمور ودبرها في سابق أزله، لا معقب لحكمه، وإنما فعل ذلك، وأخرجكم إلى المعركة لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ أي: يختبر ما فيها من الخير أو الشر، وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي: يكشف ما فيها من النفاق أو الإخلاص، فقد ظهر خبث سريرتكم ومرض قلوبكم بالنفاق الذي تمكن فيه، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: بخفاياها قبل إظهارها. وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء، وإنما فعل ذلك ليُميِّز المؤمنين ويُظهَر حال المنافقين. قاله البيضاوي.
الإشارة: ثم أنزل عليكم أيها الواصلون المتمكنون، أو من تعلق بكم من السائرين، من بعد غم المجاهدة وتعب المراقبة أمنة في قلوبكم بالطمأنينة بشهود الله، وراحة في جوارحكم من تعب الخدمة في السير إلى الله، حتى وصلتم فنمتم في ظل الأمن والأمان، وسكنتم في جوار الكريم المنان.
قال بعض العارفين: (إذا انتقلت المعاملة إلى القلوب استراحت الجوارح) «١» ، وهذه الراحة إنما تحصل للعارفين، أو من تعلق بهم من المريدين، وطائفة من غيرهم وهم المتفقرة الجاهلون، الذين لا شيخ لهم، قد أهمتهم أنفسهم، تارة تصرعهم وتارة يصرعونها، تارة تُشرق عليهم أنوارُ التوجه، فيقوى رجاؤهم في الفتح، وتارة تنقبض عنهم فيظنون بالله غير الحق، ظن الجاهلية، يقولون: هل لنا من الفتح من شيء؟.
قل لهم: (أنَّ الأمر كله لله) يوصل من يشاء ويبعد من يشاء، يخفون في أنفسهم من العيوب والخواطر الرديئة ما لا يبدون لك، فإذا طال عليهم الفتح، وغلب عليهم الفقر، ندموا على ما فاتهم من التمتع بالدنيا، يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا بالذل والفقر والجوع، قل لهم: ذلك الذي سبق في علم الله، لا محيد لأحد عنه، ليظهر الصادق في الطلب من الكاذب، [كن صادقاً تجد مرشداً] ، فلو صدقتم في الطلب لأرشدكم إلى من يُوصلكم ويريحكم من التعب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
стр. 419
ثم ذكر الحق تعالى علة انهزام من انهزم، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٥]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ وانهزموا يوم أحد يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع المسلمين وجمع الكفار إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان اسْتَزَلَّهُمُ، أي: طلب زللهم فأطاعوه، أي: زين لهم الفرار فأطاعوه، بسبب بعض ما كَسَبُوا من الإثم، كمخالفة أمر النبي ﷺ ، والحرص على الغنيمة، وذنوب اقترفوها قبل الجهاد، فإن المعاصي تجر بعضها بعضاً، كالطاعة، وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ فيما فعلوا من الفرار لتوبتهم واعتذارهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للذنوب، حَلِيمٌ لا يعاجل بعقوبة المذنب كي يتوب.
الإشارة: إن الذين تولوا منكم يا معشر الفقراء، ورجعوا عن صحبة الشيوخ، حين التقى في قلبهم الخصمان:
خصم يرغبهم في الثبوت، وخصم يدلهم على الرجوع، ثم غلب خصم الرجوع فرجعوا، إنما استزلهم الشيطان بسوء أدبهم، فإن تابوا ورجعوا، أقبلوا عليهم، وقَبل الله توبتهم، وعفا عنهم، فإنه سبحانه غفور حليم.
ثم حذّر من التشبه بالمنافقين فى ضعف اليقين، وما ينشأ عنه من مقالة الجاهلين، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)
قلت: (غُزّي) : جمع غازٍ، كعافٍ وعفى، وإنما وضع (إذا) موضع (إذ) لحكاية الحال.
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ونافقوا، كعبد الله بن أُبي، وأصحابه، وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ في النسب، أو في المذهب، أي: قالوا لأجلهم أو في شأنهم، إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أي: سافروا للتجارة أو غيرها فماتوا، أَوْ كانُوا غُزًّى أي: غازين فقتلوا في الغزو: لَوْ كانُوا عِنْدَنا مُقيمين ما ماتُوا وَما قُتِلُوا، وإنما نطقوا بذلك لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ القول الناشئ عن الاعتقاد الفاسد حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ بالاغتمام على ما فات، والتحسر على ما لم يأت، وَاللَّهُ هو يُحْيِي وَيُمِيتُ بلا سبب في الإقامة والسفر، فليس يمنع حذر من قدر، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ، أيها المؤمنون بَصِيرٌ، ففيه تهديد لهم على أن يُماثلوا المنافقين في هذا الاعتقاد الفاسد، ومن قرأ بالياء فهو تهديد لهم. والله تعالى أعلم.
стр. 420
الإشارة: لا ينبغي للأقوياء من أهل اليقين أن يتشبهوا بضعفاء اليقين، كانوا علماء أو صالحين أو طالحين، حيث يقولون لإخوانهم إذا سافروا لأرض مخوفة أو بلد الوباء: لو جلسوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، وما دَرَوْا أن الله قدَّر الآجال كما قدَّر الأرزاق وجميع الشئون والأحوال، وعيَّن لها أوقاتاً محدودة في أزله، فكل مقدور يبرز في وقته، «ما من نَفَسٍ تُبديه، إلاَّ وله قَدَر فيك يمضيه» ، فما قدَّره في سابق علمه لا بد أن يكون، وما لم يقدره لا يكون، ولا تجلبه حركة ولا سكون. ولله در القائل:
مَا لا يقدر لا يكون بحيلة ... أبدا وما هو كائن سيكون
سيكون ما هو كائن في وقته ... وَأخُو الجَهَالَةِ مُتْعَبٌ مَحْزُونُ
يَجْرِي الحَريصُ ولا يَنَالُ بِحرْصِهِ ... شَيْئاً ويَحْظَى عَاجِزٌ وَمَهِينٌ
فَدعَ الهُمُومَ، تَعَرَّ مِنْ أثْوابِهَا، ... إنْ كانَ عِنْدَكَ بالْقَضَاءِ يَقِينُ
هَوِّنْ عَلَيْكَ وَكُنْ بِرَبِّكَ وَاثِقاً ... فأخو الحَقِيقَةِ شَأنُه التَّهْوِينُ
وكان سيدنا عمر ﵁ يتمثل بهذه الأبيات:
فَهَوَّنْ عَلَيْكَ فَإنَّ الأُمُورَ ... بكفِّ الإلَهِ مَقَادِيرُهَا
فَلَيْسَ يَأتِيكَ مَصْرُوفُهَا ... ولا عَازِبٌ عَنْكَ مَقْدُورُها
وكل من لم يحقق الإيمان بالقدر لا ينفك عن الحسرة والكدر، ومن أراد النعيم المقيم فليثلج صدره ببرد الرضا والتسليم، ومن أراد الروح والريحان فعليه بجنات العرفان، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم رغّب الحق تعالى فى الموت فى الجهاد، ورجّح الموت مطلقا على الحياة، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥٧ الى ١٥٨]
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)
قلت: إذا اجتمع القسم والشرط ذكر جواب الأول وأغنى عن الثاني، فقوله: (لمغفرة) : جواب القسم، أغنى عن جواب (إن) ، والتقدير: إن قتلتم في سبيل الله غفر الله لكم، ثم سد عنه (لمغفرة..) الخ، ومن قرأ: (مِتم) بكسر الميم، فهو من: مات يمات، كهاب يهاب هِبتُ، وخاف يخاف خِفتُ، ومن قرأ بالضم: فمن مات يموت، كقال يقول قُلت.
стр. 421
يقول الحق ﷻ : إن السفر والغزو ليس هما مما يجلب الموت أو يقدم الأجل، وعلى تقدير: لو وقع ذلك وحضر أجلكم فيه وقتلتم فِي سَبِيلِ اللَّهِ بالسيف، أَوْ مُتُّمْ حتف أنفكم، لما تنالون من المغفرة والرحمة والروح والريحان خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من حطام الدنيا الفانية لو لم تموتوا، وعلى أي وجه متم أو قتلتم فلا تحشرون إلا إلى الله، لا إلى أحد غيره، فيوفى جزاءكم ويعظم ثوابكم، وأما البقاء في الدنيا فلا مطمع لأحد فيه، سافر أو قعد في بيته، وقدَّم أولاً القتل على الموت وأخره ثانياً لأن الأول رتب عليه المغفرة والرحمة، وهما في حق من قتل في الجهاد أعظم ممن مات بغيره، فقدمه اعتناء به، وفي الثاني رتب عليه الحشر، وهو مستوٍ في القتل والموت، فلا مزية فيه للقتل على الموت. والله أعلم.
الإشارة: ولئن قتلتم نفوسكم وبذلتم مهجكم في طلب محبوبكم، فظفرتم بالوصول إليه قبل موتكم، أو متم في السير قبل الوصول إلى محبوبكم، لما تنالون من كمال اليقين وشهود رب العالمين، أو من المغفرة والرحمة التي تضمكم إلى جواره، خير مما كنتم تجمعون من الدنيا قبل توجهكم إليه، فإن الموت والحشر مكتوب على كل مخلوق، فيظهر فوز المجاهدين والمتوجهين، وغبن القاعدين المتسوفين. وبالله التوفيق.
ولمّا وقع ما وقع يوم أحد من مخالفة الرسول والفرار عنه- ﵊ لم يعاتب ﷺ أحدا، ولكن ألان لهم الكلام وعفا عنهم، كما أخبر عن ذلك الحق تعالى بقوله:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٩]
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)
قلت: (فبما) : صلة. والفظ: الجافي، يقال: فظ فظاظةً وفظوظاً، ورجل فظ، وامرأة فظة، والفض- بغير المشالة: التفرق، ويطلق على الكسر، ومنه: لا يفضض الله فاك.
يقول الحق ﷻ : فبرحمة من الله ونعمة كنت سهلاً ليناً رفيقاً، فحين عصوا أمرك، وفروا عنك، ألنت لهم جانبك، ورفقت بهم، بل اغتممت من أجلهم مما أصابهم، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا جافيا سيئ الخلق غَلِيظَ الْقَلْبِ قاسيَهُ فأغلظت لهم القول، لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أي: لتفرقوا عنك، ولم يسكنوا إليك، فَاعْفُ عَنْهُمْ فيما يختص بك، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ في حق ربك حتى يشفعك فيهم، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ الذي يصح أن يشاور فيه تطييباً لخاطرهم، ورفعاً لأقدارهم، واستخراجاً وتمهيداً لسنة المشاورة لغيرهم، وخصوصاً الأمراء.
стр. 422
قال ﵊: «ما شقى عبد بمشورة، وما سعد باستغناء برأى» . وقال أيضاً: «مَا خَابَ مَن اسْتَخَارَ، وَلاَ نَدِمَ من اسْتَشَار» . وقال أيضا- ﵊ «إذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ أَسخيَاءَكُمْ، وأَمرُكُم شُورَى بَيْنَكُم، فَظَهْرُ الأرْض خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا. وإذا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، ولم تكن أموركم شُورَى بَيْنَكُم، فبَطْنُ الأرْضِ خَيرٌ من ظَهْرِهَا» .
فَإِذا عَزَمْتَ على شيء بعد الشورى، (فتوكل على الله) أي: ثق به وكيلاً، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ فينصرهم ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم.
الإشارة: ما اتصف به نبينا- ﵊ من السهولة والليونة والرفق بالأمة، اتصفت به ورثته من الأولياء العارفين، والعلماء الراسخين، ليتهيأ لهم الدعوة إلى الله، أو إلى أحكام الله، ولو كانوا فظاظاً غلاظاً لانفض الناس من حولهم، ولم يتهيأ لهم تعريف ولا تعليم، فينبغي لهم أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوة الناس، ويستغفروا لهم، ويشاوروهم في أمورهم، اقتداء برسولهم، فإذا عزموا على إمضاء شيء فليتوكلوا على الله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
قال الجنيد- ﵁: (التوكل أن تقبل بالكلية على ربك وتعرض عمن دونه) . وقال الثوري: أن تفني تدبيرك في تدبيره، وترضى بالله وكيلاً ومدبراً، قال الله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا. وقال ذو النون: (خُلع الأرباب، وقطع الأسباب.) وقال الخواص: قطع الخوف والرجاء مما سوى الله تعالى. وقال العرجي: رد العيش إلى يوم واحد، وإسقاط هم غد. هـ. وقال سهل: معرفة معطي أرزاق المخلوقين، ولا يصح لأحد التوكل حتى تكون عنده السماء كالصفر «١» والأرض كالحديد، لا ينزل من السماء قطر، ولا يخرج من الأرض نبات، ويعلم أن الله لا ينسى له ما ضمن من رزقه بين هذين. هـ. وقيل: هو اكتفاء العبد الذليل بالرب الجليل، كاكتفاء الخليل بالخليل، حين لم ينظر إلى عناية جبريل. وقيل لبهلول المجنون: متى يكون العبد متوكلاً؟ قال: إذا كان بالنفس غريباً بين الخلق، وبالقلب قريباً إلى الحق.
وقال النبي ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أكْرَم النَّاسِ فَلْيَتقِ الله، ومَنْ سَرَّه أن يكُون أغنى النّاس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يَده» .
قال ابن جزي: التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع وحفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات، لوجهين: أحدهما: قوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ، والآخر:
стр. 423
الضمان الذي في قوله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، وقد يكون واجباً لقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فجعله شرطاً في الإيمان، ولظاهر قوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فإن الأمر محمول على الوجوب.
واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب:
الأولى: أن يعتمد العبد على ربه، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده، الذي لا يشك فى نصيحته له وقيامه بمصالحه. الثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه لا يعرف سواها ولا يلجأ إِلاَّ إليها. الثالثة: أن يكون العبد مع ربه كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم إليه نفسه بالكلية.
فصاحب الدرجة الأولى عنده حظ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية. وصاحب الثانية له حظ من الاختيار، بخلاف صاحب الثالثة. وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخاص، الذي تكلمتُ عليه في قوله:
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فهي تقوى بقوته وتضعف بضعفه.
فإن قيل: هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا؟ فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام:
أحدها: سبب معلوم قطعاً قد أجراه الله، فهذا لا يجوز تركه كالأكل لرفع الجوع واللباس لرفع البرد.
الثاني: سبب مظنون: كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدح فعله في التوكل، فإن التوكل من أعمال القلوب لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه.
والثالث: سبب موهوم بعيد، فهذا يقدح فعله في التوكل، قلت: ولعل هذا مثل طلب الكيمياء والكنوز وعلم النار والسحر، وشبه ذلك.
ثم فوق التوكل التفويض، وهو: الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده في الاعتماد على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند الاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدباً مع الله. هـ وأصله للغزالي، وسيأتي بقية الكلام عند قوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ. وبالله التوفيق.
ولما أمر نبيّه- ﵊ بالتوكل، رغب فيه جميع عباده، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٦٠]
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)
стр. 424
يقول الحق ﷻ : (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ) كما نصركم يوم بدر، (فلا غالب لكم) من أحد من الناس، (وإن يخذلكم) كما خذلكم يوم أحد، (فمن) هذا (الذي ينصركم من بعده) تعالى، أي: فلا ناصر سواه. وهذا تنبيه على الحث على التوكل، وتحريض على ما يستوجب به النصر، وهو الاعتماد على الله، وتحذير مما يستوجب الخذلان، وهو مخالفة أمره وعصيان رسوله، أو الاعتماد على غيره، ولذلك قال: (وعلى الله فليتوكَّل المؤمنون) لِمَا علموا ألا ناصر سواه.
الإشارة: إن ينصركم الله على مجاهدة النفوس، ودوام السير إلى حضرة القدوس، فلا غالب لكم من النفس، ولا من الناس ولا من الهوى ولا من الشيطان، وإن يخذلكم- والعياذ بالله- فمن ذا الذي ينصركم من بعد خذلانه لكم؟ فليعتمد المريد في سيره على مولاه، وليستنصر به في قطع حظوظه وهواه، فإنه لا ناصر له سواه. وأنشدوا:
إِذَا كَانَ عُوْنُ اللهِ لِلمَرْءِ نَاصِراً ... تَهَيَّأ لَهُ مِنْ كُلِّ صَعْبِ مُرَادُهُ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِن اللهِ للْفَتَى ... فَأَكْثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ولما تبادرت الرماة إلى الغنيمة كما تقدم، وقع فى وهمهم أنه- ﵊ يحرمهم من الغنيمة، وذلك غلول لا يليق بحاله- ﵊، فنزه الله نبيه عن ذلك، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٦١]
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١)
قلت: الغلول: السرقة من الغنائم، فمن قرأ بفتح الياء وضم الغين، فمعناه: لا ينبغي له أن يأخذ شيئاً من الغنيمة خفية، والمراد: تبرئة رسوله- ﵊ من ذلك. ومَن قرأ بضم الياء ففيه وجهان: أحدهما:
أن يكون المعنى، ما كان لنبي أن يُخان، أي: أن تخونه أُمّتُه في المغانم، وكذلك الأمراء، وإنما خص النبيَّ ﷺ بذلك لبشاعة ذلك مع النبيّ لأن المعاصي تعظم بحضرته، والثاني: أن يكون المعنى: ما كان لنبي أن يُنسب إلى الخيانة كقوله: فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ أي: لا ينسبونك إلى الكذب.
يقول الحق ﷻ : ما كانَ ينبغي لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ويأخذ شيئاً من الغنيمة خفية لأن ذلك خيانة والنبوة تنافي ذلك، والمراد: نزاهة الرسول- ﵊ عن ذلك، كقوله: مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ
стр. 425
مِنْ وَلَدٍ
، ودفعُ ما توهمه الرماة، فقد روى أنه- ﵊ قال لهم لما تركوا المركز: «ألمْ أعْهَد إليكُمْ ألا تَتْركُوا المركَزَ حتَّى يأتيكُمْ أمْري؟» قالوا: تَرَكْنا بقية إخْوانِنَا وُقوفاً، فقال النبي ﷺ : «بل ظَننْتُم أنّا نَغُلّ ولا نقْسِمُ لكُمْ» . فنزلت الآية. وقيل إنه- ﵊: بعث طلائع، فغنم رسول الله ﷺ ، وقسم على من معه فقط، فنزلت، فاسترجع ذلك منهم. وقيل: في قطيفة حمراء فُقدت يوم بدر، فقال المنافقون: لَعَلَّ رَسُولَ الله ﷺ أَخَذَهَا، فنزلت.
ثم ذكر وعيد الغلول، فقال: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: يأتي بالذي غله يحمله على رقبته، قال ﵊: «لا ألقى أحَدكُمْ يَوْمَ القيامة يجئ على رَقَبته بَعِيرٌ لَهُ رغاء، أو بقرة لها خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ «١» .» ثم قال: «اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ ثلاثاً» . كما في البخاري.
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما كَسَبَتْ تاماً، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بنقص ثواب مُطيعهم، ولا يزاد على عقاب عاصيهم وكان اللائق بما قبله أن يقول: ثم يوفى ما كسب. لكنه عمم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه، وأنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى. قاله البيضاوي.
الإشارة: ما قيل في النبي- ﵊ يقال في ورثته الكرام، كالأولياء والعلماء الأتقياء، فإنهم ورثة الأنبياء، فيُظن بهم أحسن المذاهب، ويلتمس لهم أحسن المخارج، لأن الأولياء دلّوا على معرفة الله، والعلماء دلّوا على أحكام الله، وبذلك جاءت الرسل من عند الله، فلا يظن بهم نقص ولا خلل، ولا غلول ولا دخل، فلهم قسط ونصيب من حرمة الأنبياء، ولا سيما خواص الأولياء، ومن يظن بهم نقصاً أو خللاً، ويغل قلبه على شيء من ذلك، فسيرى وباله يوم تفضح السرائر، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، فلحوم الأولياء والعلماء سموم قاتلة، وظن السوء بهم خيانة حاصلة. والله تعالى أعلم.
فاعتقاد الكمال فى الأنبياء والأولياء مستوجب لرضى الله، والانتقاد عليهم موجب لمقت الله، كما أشار إلى ذلك الحق- جلت قدرته- فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٢ الى ١٦٣]
أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)