← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

كل إنسان، فيُفَضِّل من شاء بما شاء عن علم وبيان، ومناسبة الآية حينئِذ لما قبلها: أن تجنب الكبائر فضل من الله ونعمة، وهو أفضل ممن يقع فيها، لكن لا ينبغي تمني ذلك من غير عمل، ولكن يسأل الله من فضلِهِ حتى يُلحقه بأهل العصمة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد وقع التفضيل في مقامات الأولياء كالأنبياء، لكن لا ينبغي تعيين الفاضل من المفضول، لِما يؤدي إليه من التنقيص فيؤدي إلى الغيبة، والتفضيل يقع بزيادة اليقين وصحة التمكين، والترقي في أنوار التوحيد وأسرار التفريد. ويكون أيضًا بهداية الخلق على يده، وظهور إحسانه ورفده، فإذا رأى العبدُ أنه لم يبلغ إلى مقام غيره فلا يتمنى ذلك المقام بعينه، فقد يكون مقامه عند الله في علمه أعظم، وقد يكون أدون، فيُسيء الأدب، فالخير كله في العبودية والرضى بأحكام الربوبية، فللأقوياء نصيب مما اكتسبوا بالقوة والمجاهدة التي خلق الله فيهم، حكمةً وفضلاً، وللضعفاء نصيب مما اكتسبوا قسمة وعدلاً، ولكن يسأل الله من فضله العظيم، فإن الله بكل شيء عليم، فقد يُعطى بلا سبب ويُبَلِّغ بلا تعب. وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: «سَلُوا الله مِن فَضلِهِ فَإنَّ اللهَ يُحِبُ أن يُسألَ» . وفي حديث أخر: «مَن لَم يَسألِ اللهَ يَغضَب عَلَيهِ» . وقال الورتجبي: أمر بالسؤال ونهى عن التمني لأن السؤال افتقار، والتمني، اختيار. هـ. والله تعالى أعلم. ثم تكلم على ميراث الحليف على ما كان في أول الإسلام، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٣٣] وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣) قلت: التنوين في «كل» : للعوض، و «مما ترك» بيان للمعوض منه، أي: ولكل مال مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي: ورثة، وهم الذرية والعصبة يرثون من ذلك المال، والوالدان على هذا فاعل، ويحتمل أن يكون مبتدأ والتنوين عوض عن الميت الموروث، أي: ولكل ميت جعلنا ورثة يرثون مما ترك ذلك الميت، وهم الوالدان والأقربون فيوقف على (ترك) ، و (مما) يتعلق بمحذوف، و (الذين) مبتدأ، و (فآتوهم) خبر، دخلت الفاء لما في المبتدأ من العموم. يقول الحق ﷻ : ولكل ميت جعلنا ورثة يرثون مِمَّا تَرَكَ ذلك الميت، وهم الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ، أو لكل تركة جعلنا لها مَوالِيَ أي: ورثة يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ وهم موالي الحِلف، كانوا يتحالفون في الجاهلية على النصرة والمؤازرة، يقول الرجل لآخر: دمي دمك،

стр. 492

وهدمي هدمك، وثأري ثأرك. فيضرب بعضهم على يد الآخر في عقد ذلك الحلف. فلذلك قال: عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فكان في أول الإسلام يرث من حليفه السدس، وإليه أشار بقوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ، ثم نسخ. وقيل: نزلت في المؤاخاة التي آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فكان يرث السدس، ثم نُسخ بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. وعن أبي حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث. وقال ابن عباس: آتوهم نصيبهم من النصرة التي تعاقدوا عليها، فيُوفي لهم بها، فلا نسخ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً، هو تهديد لمن تعدى الحدود، ونقض العهود. والله تعالى أعلم. الإشارة: ولكل زمان جعلنا أولياء كبراء، يرثون مما ترك أشياخهم من خصوصية الولاية وسر العناية، إلى يوم القيامة فالأرض لا تخلو ممن يقوم بالحجة ويظهر المحجة، فيقال لهم: والذين عقدت أيمانكم في الصحبة معكم، فظهر صدقهم، وبانت خدمتهم، فآتوهم نصيبهم مما خصكم الله به من سر الولاية ولطف العناية، (إِن الله كان على كل شيء شهيدًا) ، لا يخفى عليه مَن يستحق الخلافة ويرث سرَ الولاية. والله تعالى أعلم. ثم بيّن حكمة تفضيل الرجال على النساء فى المواريث وغيرها، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٣٤] الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) قلت: (فالصالحات) مبتدأ، وما بعده إخبار عنه، وأتى بالفاء المؤذنة بالسببية والتفريع، وكأنه تعالى يقول: الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء، فمن كانت صالحة قام عليها بما تستحقه من حسن المعاشرة، ومن كانت ناشزة عاملها بما تستحقه من الوعظ وغيره. وكل ما هنا من لفظ (ما) فهي مصدرية. إلا ما قرأ به أبو جعفر: [بما حفظ الله] ، بالنصب، فهي عنده موصولة اسمية، أي: بالأمر الذي حفظ الله وهو طاعتها لله فحفظها بذلك، وقيل إنها مصدرية. انظر الثعلبي. يقول الحق ﷻ : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ أي: قائمون عليهن قيام الولاة على الرعية، في التأديب والإنفاق والتعليم، ذلك لأمرين: أحدهما وهبي، والآخر كسبي فالوهبي: هو تفضيل الله لهم على

стр. 493

النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوة في الأعمال والطاعات، ولذلك خُصوا بالنبوة، والإمامة، والولاية، وإقامة الشعائر، والشهادة، في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد والجمعة ونحوهما، والتعصيب، وزيادة السهم في الميراث، والاستبداد بالطلاق. والكسبي هو: (بما أنفقوا من أموالهم) في مهورهن، ونفقتهن، وكسوتهن. فيجب على الزوج أن يقوم بالعدل في أمر نسائه، فالمرأة الصالحة القانتة، أي: المطيعة لزوجها ولله تعالى، الحافظة للغيب، أي: لما غاب عن زوجها من مال بيته وفرجها وسر زوجها، حفظت ذلك بحفظ الله، أي: بما جعل الله فيها من الأمانة والحفظ، وبما ربط على قلبها من الديانة، أو بحفظها حق الله، فلما حفظت حقوق الله حفظها الله بعصمته، لقوله- ﵊: «احفَظَ اللهَ يَحفَظكَ» . فمن كانت على هذا الوصف من النساء فيجب على الزوج حُسن القيام بها، ومقابلتها في القيام بما قابلته من الإحسان، وعنه ﷺ أنه قال: «خير النساء أمرأةٌ إن نَظَرتَ إلَيهَا سَرَّتكَ، وإن أمرتها أطَاعَتكَ، وإن غبت عنها حفظتك في مَالِها ونَفسِهَا» . وتلا هذه الآية. وأما النساء التي تَخافُونَ أي: تتيقنون نُشُوزَهُنَّ أي: ترفعهن عن طاعة أزواجهن وعصيانهن، فَعِظُوهُنَّ بالقول، فإن لم ينفع فاهجروهن في المضاجع، أي: لا تدخلوا معهن في لحاف، أو لا تجامعوهن، فإن لم ينفع فاضربوهن ضربًا غير مؤلم ولا شائن. قال ﷺ : «عَلِّق السَّوطَ حَيثُ يَرَاهُ أهلُ البيت» . وعن أسماء بنت أبي بكر- رضى الله عنهما- قالت: (كنتُ رابعَ نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا، ضربها بعود المِشجب، حتى ينكسر) . والمشجب: أعواد مركبة يجعل عليها الثياب. فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ يا معشر الأزواج، أو عقدن التوبة مما مضى، فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي: لا تطلبوا عليهن طريقًا تجعلونه سبيلاً لإيذائهن، بل اجعلوا ما كان منها من النشوز كأن لم يكن، (فإنَّ التَّائِبَ مِن الذَّنبِ كَمَن لا ذَنَب لَهُ) . وقال ابن عُيَيْنَة: أي لا تكلفوهن بحبكم. هـ. وقال الورتجبي: إذا حصل منهن صورة طاعة الرجال فلا يطلب منهن موافقة الطباع، فإن ذلك منازعة للقدر. قال تعالى: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، وذكر حديث: «الأروَاح جُنودٌ مُجنَّدةٌ» . ثم هدد الأزواج فقال: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً فاحذروه، فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت ولايتكم، أو: إنه على علو شأنه، يتجاوز عن سيئاتكم، فأنتم أولى بالعفو عن نسائكم، أو: أنه يتعالى ويَكبر أن يظلم أحدًا أو يُنقص حقه.

стр. 494

وسبب نزول الآية: أن سَعدَ بنَ الرَّبِيع، وَكَانَ مِن النُقَبَاءِ، لَطَمَ امرأته حَبيبَةَ بِنتَ زَيدِ بن أبي زُهَيرِ، وكانت نَشَزَتَ عَليهِ، فَانطَلَقَ أبُوُها معَهَا إلى رسول الله ﷺ فقال: أفرَشتُهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَها، فقال- ﵊: لِتقتَصَّ مِنهُ، فَانصرَفَت لتقتصّ منه، فقال ﷺ : ارجعوا، هذا جِبرِيلُ أتَاني وأنزَلَ الله هَذِهِ الآية: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ إلى آخرها، فقال ﵊: «أَرَدنَا أمرًا، وأرَادَ اللهُ أمرًا، والَّذِي أرَاد اللهُ خَير» فرفع القِصَاص. وقيل: نزلت في غيره ممن وقع له مثل هذا من النشوز. والله تعالى أعلم. الإشارة: الرجال الأقوياء قوامون على نفوسهم قهارون لها، بفضل القوة التي مكنهم الله منها، وبما أنفقوا عليها من المجاهدات والرياضات، فهم ينظرون إليها ويتهمونها في كل حين، فإن صلحت وأطاعت وانقادت لما يراد منها من أحكام العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، عاملوها بالإكرام والإجمال، ورفعوا عنها الآداب والنكال، وإن نشزت وترفعت أدبوها وهجروها عن مواطن شهواتها ومضاجع نومها، وضربوها على قدر لجاجها وغفلتها. وكان الشيخ أبو يزيد يأخذ قبضة من القضبان ويذهب إلى خلوته، فكلما غفلت ضربها، حتى يكسرها كلها، وكان بعض أصحابنا يأخذ خشبة ويذهب إلى خلوته، فكلما غفل ضرب رأسه بها، حتى يأتي رأسُه كلَّه مفلول. ويلغنى أن بعض أصحابنا كان يُدخل في لحمة رجله سكيناً كلما غفل قلبه، وهذا إغراق، وخير الأمور أوسطها. وبالله التوفيق. ولمّا تكلم على حكم المرأة الطائعة والناشزة، تكلم على ما إذا أشكل الأمر، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٣٥] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) قلت: الشقاق: المخالفة والمساورة، وأضيف إلى الظرف توسعًا كقوله: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ، والأصل: شقاقًا بينهما، والضمير في (يُريدا) للحكمين، وفي (بينهما) للزوجين، وقيل: للحكمين معًا، وقيل: للزوجين معًا. يقول الحق ﷻ : إِنْ خِفْتُمْ يا معشر الحكام، أي علمتم خلافَا بين الزوجين ومشاورة، ولم تدروا الظالم من المظلوم، فَابْعَثُوا رجلين أمينين يحكمان بينهما، يكون أحدهما من أهله والآخر من أهلها، لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للإصلاح، فإن بعثهما الحاكمُ أجنبيين صح، وكذا إن أقامهما الزوجان. وما اتفق عليه الحكمان لزم الزوجين من خُلع أو طلاق أو وفاق. وقال أبو حنيفة: ليس لهما التطليق إلاَّ أن يجعل لهما، وإذا اختلفا لم يلزم شيء، ويستأنفان الحكم، قال ابن جُزَي: ومشهور مذهب مالك: أن الحاكم هو الذي يبعث

стр. 495

الحكمين، وقيل: الزوجان، وجرت عادة القضاء أن يبعثوا امرأة أمينة ولا يبعثوا الحكمين، قال بعض العلماء: هو تغيير للقرآن والسنة الجارية. هـ. فإن بُعِث الحكمان، فإن أرادا إصلاحًا بين الزوجين، واتفقا عليه، وفق الله بينهما ببركة قصدهما، وفيه تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتحراه أصلح الله مبتغاه. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً بما في الظواهر والبواطن، فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق. الإشارة: وإن خفتم، أيها الشيوخ، على صاحبكم منازعة النفس والروح فكانت النفس تجمح به إلى أسفل سافلين، بمتابعة هواها وعصيان مولاها، والروح تجنح به إلى أعلى عليين، بجهاد هواها ومشاهدة مولاها، فابعثوا له واردين قويين، إما شوق مقلق يرحل الروح إلى مولاها، أو خوف مزعج يزجر النفس عن هواها. فإن أراد الله بذلك العبد إصلاحًا لحاله أرسلهما معًا متفقين على تخليصه وارتفاعه، فيتقدم الخوف المزعج ويستدركه الشوق المقلق، فيلتحق بأهل التحقيق من أهل التوفيق، وما ذلك على الله بعزيز، وفي الحكم: «لا يُخرِج الشهوةَ من القلب إلا خوف مُزعج، أو شوقٍ مقلق» . والله تعالى أعلم. ولما فرغ الحق ﷻ من الكلام على حفظ الأموال، وحفظ الأنساب، وبعض حفظ الأبدان، شرع يتكلم على حفظ الأديان، وما يتعلق بذلك، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٣٦] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦) قلت: الجُنب- بالضم-: البعيد، يقال فيه: جُنُب وأجنب وأجنبي، وسمي الجُنبُ جُنُبًا لأنه يبعد من المسجد وعن الصلاة وعن التلاوة، و (مختال) أسم فاعل، وأصله: مختيل، بالكسر، من الخُيَلاَء وهو التكبر. يقول الحق ﷻ : وَاعْبُدُوا اللَّهَ أي: وَحِّدُوه وأطيعوه وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً جليًا أو خفيًا في اعتقادكم أو في عبادتكم، فمن قصد الحج والتجارة، فقد أشرك مع الله في عبادته، وأحسنوا بالوالدين إحسانًا حسنًا، وهو برهما والقيام بحقهما، وَبِذِي الْقُرْبى، أي: القرابة في النسب، أو الدين وَالْيَتامى لضعف حالهم، وَالْمَساكِينِ لقلة ما بيدهم، وقد شكى بعض الناس قساوة قلبه، فقال له ﵊: «إن أردتَ أن يلين قلبُك، فأطعم والمسكين وامسح رأس اليتيم، وأطعمه» .

стр. 496

وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى الذي قّرُب جواره أو نسبه، وَالْجارِ الْجُنُبِ الذي بَعُد مكانه أو نسبه، وحَدَّد بعضُهم الجوار بأربعين دارًا من كل ناحية. وقال ابن عباس: الجار ذي القربى: الجار الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب: الجار من قوم آخرين. هـ. قيل يا رسول الله: ما حق الجار على الجار قال: «إن دعاك أجبتَه، وإن أصابته فاقةٌ عُدتَ عليه، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عدته، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإن توفي شهدت جنازته، ولا تستعل عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقُتار قدرك- أي: بخارها- إلا أن تغرف له منها، وإن ابتعت فاكهة فأهد له منها، فإن لم تفعل فأدخلها سرًا، ولا يخرج ولدك منها بشيء فيغيظ ولده» ثم قال: «الجيران ثلاثة: فَجَارٌ له ثلاثة حقوق: حق الجوَارِ، وحق القرابة، وحق الإسلام، وجار له حقان: حق الجِوَار، وحق الإسلام، وجَارٌ له حق واحد: وهو المشرك من أهل الكتاب» . وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ، وهو الرفيق في أمر حسن، كتعلم وتصرف وصناعة وسفر، فإنه صحبك بجنبك، وعن عليّ- كرّم الله وجهه- (أنها الزّوجة) ، فيتأكد في حقها الإحسان زيادة على المعاشرة بالمعروف، قال بعضهم: أول قدم في الولاية كف الأذى وحمل الجفا، ومعيار ذلك حسن معاشرة الأهل والولد، وقال- عليه الصلاة السلام-: «خَيرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنسَائِه، وأنَا خَيْرُكُمْ لِنسَائِي» . وَابْنِ السَّبِيلِ، وهو الضيف أو المسافر لغرابته، وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، من الإماء والعبيد، وكَانَ آخر كلام النبي- ﵊: «الصلاةَ الصَلاةَ وَمَا مَلَكتْ أيمانُكُمْ» . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا أي: متكبراً، يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم، فَخُوراً يتفاخر عليهم بماله وجاهه، وما خوله الله من نعمه، فهو جدير أن تسلب منه. الإشارة: واعبدوا الله، أي: بالقيام بوظائف العبودية، ومشاهدة عظمة الربوبية، وقال بعض الحكماء: العبودية: ترك الاختيار، وملازمة الذل والافتقار. وقيل: العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرضا بالموجود، والصبر على المفقود، وعنوان ذلك صفاء التوحيد، ولذلك قال: وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً أي: لا تَرَوْا معه غيره، كما قال القائل: مُذْ عَرفْتُ الإِلَهَ لَمْ أَرَ غَيْراً ... وكَذّا الْغَيْرُ عندنا ممْنُوعُ وقال آخر: (لو كلفت أن أرى غيره، لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى أشهده) . فإذا حصلت العبودية في الظاهر، وتحقق التوحيد في الباطن، ظهرت عليه مكارم الأخلاق فيُحسن إلى الأقارب والأجانب، ويجود عليهم

стр. 497

بالحس والمعنى، لأن الفتوة من شأن أهل التوحيد، ومن شيم أهل التجريد، كما هو معلوم من حالهم، نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. قال الورتجبي: «الوالدين» : مشايخ المعرفة. ثم نقل عن الجنيد، أنه قال: أمرني أبي أمرًا، وأمرني السري أمرًا. فقدمت أمر السري على أمر أبي، وكل ما وجدت فهو من بركاته. هـ. وذوو القربى هم الأخوة في الشيخ، واليتامى: من قصدهم من المتفقرة الجاهلة، والمساكين: ضعفاء اليقين من العامة، أمر الله تعالى أهل الخصوصية بالإحسان إليهم والبرور بهم، وهو أن يقرهم في طريقهم، ويحوشهم إلى ربهم. والجار ذي القربى وهو جارك في السكنى وأخوك في النسبة، فيستحق عليك زيادة الإحسان. والجار الجنب: من جاورك من العوام فتنصحه وترشده، والصاحب بالجنب: من رافقك في أمر من العوام، كَسَفَرٍ وغيره، وابن السبيل: من نزل بأهل الخصوصية من الأضياف، فلهم حق الضيافة عليهم حسًّا ومعنًى، وما ملكت أيمانكم: مالكم تصرف عليهم من الأهل والبنين والإماء والعبيد، فتقربونهم إلى حضرة الملك المجيد. ثم أمرهم بالتواضع والإقبال على الخاص والعام. فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً. والله تعالى أعلم. ثم بيّن حال أضداد هؤلاء، فقال: [سورة النساء (٤) : الآيات ٣٧ الى ٣٩] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩) قلت: (الذين) بدل مِن: «مَن كان» ، أو منصوب على الذم، أو مرفوع عليه، أي: هم. أو مبتدأ حُذف خبره، أي: نعذبهم عذابًا مُهينًا، أو أحقاء بكل ملامة، و (الذين ينفقون) : عطف على الأولى، أو مبتدأ حُذف خبره، أي: الشيطان قرينهم. والبخل فيه لغتان: البُخل والبَخَل بحركتين. يقول الحق ﷻ : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بأموالهم على أقاربهم وجيرانهم، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ من الغنى، فيظهرون القلة والعيلة، أو يكتمون العلم بصفة النبي ﷺ ، هم أحقاء بكل لوم وعتاب. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ منهم عَذاباً مُهِيناً يُهينهم ويُخزيهم، نزلت في اليهود، كانوا يقولون

стр. 498

للأنصار: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، وكتموا صفته- ﵊. ووضع الظاهر موضع المضمر وكأنه يقول: وأعتدنا لهم، إشعارًا بأن مَن هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى، ومن كفر بنعمة الله وأهانها استحق عذابًا مهينًا. وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ طلبا لمدحهم وخوفًا من ذمهم، وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، يتحرّون بإنفاقهم مراضية، فالشيطان قرينهم لا يفارقهم، وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً، فلمّا كان الشيطان قرينهم زين لهم التهالك على الأموال والرياء في الأعمال، وإنما أشرك أهل الرياء مع البخلاء في الوعيد من حيث إنهما طَرَفَا تفريط وإفراط، وهما سواء في القبح واستجلاب الذم. وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أي: لا ملامة عليهم ولا تبعة تحيق بهم لو أخلصوا الإيمان وأنفقوا مما رزقهم الكريم المنان. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يُجيب إليه احتياطاً، فكيف إذا تضمن المنافع. وإنما قدم الإيمان هاهنا وأخره في الآية الأخرى: لأن القصد بذكره هنا التخصيص، وثَم التقليل. هـ. وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً لا يخفى عليه شيء من أمورهم وقصدهم. الإشارة: قال بعض الصوفية: (مِن أقبح كل قبيح صوفي شحيح) ، فالصوفية العارفون- رضى الله عنهم- الذين هم صفوة العباد متخلقون بأضداد ما وسم به الحق- تعالى- أهل العناد، فهم يجودون بأنفسهم وما خصهم الله بهم من العلوم اللدنية والأسرار القدسية، على من يستحقه من أهل التخلية والتحلية، ويأمرون الناس بالسخاء ومكارم الأخلاق، ويتحدثون بما منحهم الملك الخلاق، ويظهرون الغنى بالله والاكتفاء به عن كل ما سواه، وإذا بذلوا أموالهم أعطوها لله وبالله ومن الله وإلى الله وابتغاء مرضاة الله، هجم عليهم اليقين، وتمكنوا من شهود رب العالمين، فلا يقرب ساحتهم الشيطان، ولا يرون في الدارين إلا الملك الديان، تحبهم ملائكة الرحمن، ويحن إليهم الأنس والجان. نفعنا الله بمحبتهم، وخرطنا في مسلكهم، آمين. ثم رغّب الحق- تعالى- فى الإنفاق مع الإخلاص، الذي هو عنوان الدين الخاص، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٤٠] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) قلت: الذرة: النملة الصغيرة الحمراء. وتطلق على جزء من أجزاء الهباء. ومن نَصَب (حسنة) فَخَبَرُ كان. وأُنث الضمير باعتبار الخبر. أو لإضافة مثقال إلى ذرة، فاكتسب التأنيث، ومن رفع فهي تامة، وحذف نونها على غير قياس، تشبيهًا لها بحروف العلة. وضاعف وضّعف بمعنى واحد.

стр. 499

يقول الحق ﷻ : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ أحدًا بحيث ينقص من ثواب عمله، أو يزيد فى عقاب ما يستحقه، ولو مثقال ذرة. بل يجازي كلاً على قدر عمله. فإن كان صالحًا، ولو صغر قدره، عظم أجره. وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، بحسب الإخلاص. قال أبو هريرة ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنَّ اللهَ يُعْطِي المُؤمنَ عَلى الحَسَنة ألفي ألف حَسَنة» ، ثم تلا إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ الآية. وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً، وخيرًا جسيمًا، فضلاً منه وإحسانا. قال ﷺ : «إنَّ الله لا يَظْلِمُ المُؤمنَ حَسنةً، بل يُثاب عَلَيها الرزْقَ فِي الدُنيَا ويجزيه بها في الآخِرَةِ. والكَافِر يعطيه بها في الدُّنيَا، فإذا كان يوم القيامة لم يكُن لَهُ حَسَنةٌ» . الإشارة: كما أنَّ الحق تعالى لا يظلم طالبي الأجور، بل يضاعف لهم في زيادة الحور والقصور، كذلك لا يبخس طالبي القرب والحضور، ورفع الحُجب والستور. بل كلما فعلوا من أنواع المجاهدات ضاعف لهم أنوار المشاهدات. وكلما نقص لهم من الحس- ولو مثقال ذرة- زادهم في المعنى قَدْرَهُ وأكثر شهودًا ونظرة. وكلما يقهر النفس ولو مقدار الفتيل، شربوا مقداره وأكثر من خمرة الجليل، وهذا كله مع صحبة المشايخ أهل التربية، وإلاَّ فلا تزيده مجاهدته إلا حَجبًا وبعدًا عن الخصوصية. والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحق تعالى الموطن الذي تظهر فيه مقادير الأعمال، فقال: [سورة النساء (٤) : الآيات ٤١ الى ٤٢] فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢) قلت: (كيف) إذا كان الكلام بعدها تامًا أُعربت حالاً، كقولك: كيف جاء زيد؟ وإذا كان ناقصًا، كانت خبرًا، كقولك: كيف زيد؟ وهي هنا خبر، أي: كيف الأمر أذا ... الخ. وهي مبنية لتضمنها معنى الاستفهام، والعامل في (إذا) مضمون المبتدأ، أو الخبر، أي: كيف يستقر الأمر أو يكون إذا جئنا؟ ومن قرأ (تَسوّى) بالشد، فأصله تتسوى، أدغمت الأولى في الثانية، ومن قرأ (لو تُسوّى) بالبناء للمفعول فحذف الثانية. يقول الحق ﷻ : فَكَيْفَ يكون حال هؤلاء الكفرة واليهود إِذا قامت القيامة وجِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ يشهد عليها بخيرها وشرها، وهو نبيهم الذي أرسل اليهم، وَجِئْنا بِكَ أنت يا محمد عَلى هؤُلاءِ الأمة التي بعثت إليهم شَهِيداً عليهم، أو على صدق هؤلاء الشهداء شهيدًا، تشهد على صدق رسالتهم وتبليغهم؟ لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك مجامع قواعدهم، وقيل: عَلى هؤُلاءِ الكفرة المستفهم عن حالهم،

стр. 500

وقيل: على المؤمنين لقوله: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً. يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ أي: الذين جمعوا بين الكفر والعصيان يتمنون أن تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ فيكونون ترابًا لما يرون من هول المطلع، فإذا شهدت عليهم الرسل بالكفر قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، فيُنطق ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بشركهم فيفتضحون وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً واحدًا، لأنهم كلما هموا بالكتمان شهدت عليهم جوارحهم بالكفر والعصيان. وقيل: إن القيامة مواطن، في موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسًا، وفي موطن يتكلمون ويقولون: واللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مشركين، إلى غير ذلك من اختلاف أحوالهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا بد أن يحصل الندم لمن فاته صحبة أهل الخصوصية، حتى مات محجوباً عن مشاهدة أسرار الربوبية، لا سيما إذا انضم إليهم كفرهم بخصوصيتهم والإنكار عليهم، وذلك حين يكشف له عن مقامهم البهي وحالهم السني، مصاحبين للمقربين في جوار الأنبياء والمرسلين، وهو في مقام أهل اليمين، ثم يعاتب على ما أسر عليه من الكبائر، وهي معاصي القلوب والضمائر، وهذا إذا مات على الإسلام، وإلا فالإنكار على الأولياء شُؤمُه سوء الخاتمة. والعياذ بالله من ذلك. وقد تقدم أن العارفين بالله يشهدون على العلماء، والعلماء يشهدون على العموم، ونبينا- ﵊ يزكي من يحتاج إلى التزكية. والله تعالى أعلم. ثم تكلم على عماد الدين وهى الصلاة، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٤٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) قلت: جملة (وأنتم سكارى) : حال، وسكارى: جمع سكران، ويجمع على سُكارى بالفتح، وسكْرى بالسكون، و (لا جُنُبًا) عطف على جملة الحال، و (جُنب) يستوي فيه الواحد والاثنان والجماعة والمذكر والمؤنث، لأنه يجري مجرى المصدر، فلا يُثنى ولا يُجمع. و (إلا عابري) مستثنى من عام الأحوال، وأصل الغائط: الموضع المنخفض من الأرض، ثم أطلق على الواقع فيه مما يخرج من الإنسان.

стр. 501

يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى: لا تقوموا إليها وأنتم سكارى من خمر، أو غلبة نوم، أو شدة غفلة، حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ في صلاتكم، وتتدبروا ما تقرءون فيها، فالصلاة من غير حضور خاوية، وعند الخصوص باطلة، رُوِي أن عبد الرحمن بن عَوف صنَع مأدبة، ودَعَا إليها نفرًا من الصحابة، حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا حتى ثَمِلُوا، وجاء وقت صلاة المغرب، فتقدم أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: أعبدُ ما تعبدون- من غير نفي- فنزلت الآية قبل تحريم الخمر، ثم حرمت بآية المائدة. ولا تقربوها حالة جنابتكم في آي حال كان، إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ أي: في وقت سفركم، حيث لم تجدوا ماءً، بدليل ما يأتي، فيتيمم ويقرب الصلاة وهو جنب، وفيه دليل أن التيمم لا يرفع الحدث، قيل المراد بالصلاة مواضعها، وهي المساجد فلا يدخلها الجنب إلا مارًا، وبه قال الشافعي- رضى الله عنه- وقال أبو حنيفة: لا يجوز المرور، إلاَّ إذا كان فيه الماء والطريق. وقال مالك: لا يدخل إلا بالتيمم ولا يمر به أصلاً. فلا تقربوا الصلاة وأنتم جنب حَتَّى تَغْتَسِلُوا. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تخافون ضرر الماء، أو زيادته، أو تأخر برء، أو منع الوصول إلى الماء، أَوْ عَلى سَفَرٍ لم تجدوه فيه، أَوْ كنتم في الحضر مُحدِثِين حيث جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ، أو البول، أو بغيره من الأحداث، أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ أي: مست بشرتكم بشرتهن، بقصد اللذة أو عند وجدانها، وبه قال مالك. وقال الشافعي: ينقض مطلقًا، قصد أم لا، وجد أم لا، ولو بميتة، وقال أبو حنيفة: إن كانت ملامسه فاحشة بحيث يحصل الانتشار نقضت، وإلا فلا. وقال ابن عباس والحسن البصري ومحمد بن الحسن: لا تنقض الملامسة مطلقًا، ويقاس على اللمس سائر نواقض الأسباب، فتحصَّل أن «أو» تبقى على أصلها من التقسيم، فتكون الآية نصًا في تيمم الحاضر الصحيح، وبه قال مالك، ولا يعيد. وقال الشافعي: يُصلي بالتيمم ويُعيد، وقال أبو حنيفة: لا يُصلي حتى يجد الماء، ومن قال: «أو» بمعنى الواو فخروج عن الأصل بلا داع. ثم قيّد التيمم في هذه الأحوال بفقد الماء، فقال: فَلَمْ تَجِدُوا ماء كافيًا، أو لم تقدروا على استعماله، فَتَيَمَّمُوا أي: اقصدوا صَعِيداً طَيِّباً أي: طاهرا، وهو ما صعد على وجه الأرض من جنسها كتراب، وهو الأفضل، وثلج وخضخاض «١» وحجر ومدر، لا شجر وحشيش ومعدن ذهب وفضة، وما التحق بالعقاقير، كشب، وملح، وكبريت، وغاسول «٢» وشبهه، فلا يجوز. وقال أبو حنيفة: بكل شيء من الأرض وما اتصل بها كشجر

стр. 502

وكحل، وزرنيخ، وشب ونورة، وجص، وجوهر، إلا منخالة الذهب والفضة والرصاص. وقال الشافعي: لا يجوز إلا بالتراب المنبت خاصة، وبه فسر الطيب، واشترط علوق التراب بيده، ولم يشترطه غيره. ثم علّم الكيفية فقال: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ. قال مالك: اليد اسم للكف بدليل قطع السارق منه، فجعل المسح إلى المرفق سنة. وقال الشافعي: فرض، قياسًا على الوضوء، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً فلذلك يسَّر عليكم ورخص لكم في التيمم. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا صلاة الحضرة القدسية، وأنتم سكارى بحب الدنيا الدنية، حتى يذهب عنكم سُكر حبها، وتعلموا ما تقولون في مناجاة خالقها، ولا جنبًا من جنابة الغفلة، إلا ما يمر بالخواطر على سبيل الندرة والقلة، حتى تغتسلوا بماء الغيب، الذي يحصل به طهارة الجنان، ويغيب المتطهر به عن رؤية الأكوان. وإليه أشار ابن العربي الحاتمي: كما في طبقات الشعراني، ونسبها غيرُه للجنيد- رضى الله عنهم أجمعين- وهو الأصح، بقوله: تَوَضَّأ بماءِ الغَيبِ إن كُنتَ ذا سِرٍّ ... وإلاَّ تَيَمَّم بالصَّعِيدِ أو الصَّخر وقّدَّم إمَامًا كُنتَ أنتَ إمَامَه ... وصَلِّ صلاة الظُّهرِ فى أول العصر فَهَذِي صَلاةُ العَارِفينَ بربّهِم ... فإن كنت منهم فانضح البرِّ بالبَحر. أي: إن لم تقدر على الطهارة الأصلية وهي الغيبة عن الأحداث الكونية، فاقصد العبادة الحسية، وقَّدم الشريعة أو من قام بها من أهل التربية النبوية أمامك، بعد أن كان يطلبك قبل أن تعرفه، وأجمع ظُهر الشريعة لعصر الحقيقة، فهذه صلاة العارفين، فإن كنت منهم فانضح بَرَّ ظاهرك بحقيقة باطنك، فما كمن في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر. لهذا أشار تعالى بقوله: (وإن كنتم مرضى) بحب الهوى، (أو على سفر) في عجلة شغل الدنيا، أو جاء أحد منكم من غائط الحس، أو لامستم العلوم الرسمية، وانطبع صُورُ خيالها في قلوبكم، ولم تجدوا من يسقيكم ماء الغيب، وهي الخمرة الآزلية، فاقصدوا الأعمال الحسية، فلعلها توصلكم إلى الأعمال الباطنية، (إن الله كان عفوًا غفورًا) ، وفي الحِكَم: «كيف يشرق قلبٌ صورُ الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مُكَبَّل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟» .

стр. 503

ثم نبه الحق تعالى على عداوة اليهود، وأنّ من شأنهم إذا سمعوا عليكم مثل ما وقع من تحريف الآية الذي صدر من المصلى فى حال السكر فرحوا بذلك، فحذّر المؤمنين من العود لمثل ذلك، فقال: [سورة النساء (٤) : الآيات ٤٤ الى ٤٥] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) قلت: دخلت الباء على الفاعل في (كفى بالله) ، لتضمنه معنى أكتف بالله وكيلاً. يقول الحق ﷻ : أَلَمْ تَرَ يا محمد، أو يا مَن يسمع، ببصرك أو بقلبك، إِلَى حال الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً يسيرًا مِنَ علم الْكِتابِ أي: التوراة، وهم أحبار اليهود، يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بالهدى، أي: يستبدلونها بها بعد تمكنهم منها عادة، وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أي: الطريق الموصلة إلى الحق، أي: يتمنون انحرافكم عنها، فإذا سمعوا عنكم ما يحرفكم عنها فرحوا واستبشروا، لأنهم انحرفوا عنها فحرفوا كتابهم وبدلوا، فتمنوا أن تكونوا مثلهم، فاحذروا ما يتوقع منكم أعداؤكم، فإن الله أعلم بهم منكم، فسيكفيكم الله أمرهم، فثقوا به وتوكلوا عليه، فكفى بالله وليًا وكفى بالله نصيرًا، فسيتولى أمركم وينصركم على من عاداكم. وبالله التوفيق. الإشارة: من شأن أهل الإنكار، ولا سيما من سلف له في أسلافه رياسة أو إظهار، إذا سمعوا بأهل النسبة وقع لهم شيء من الأكدار، فرحوا واستبشروا، وودوا لو حادوا كلهم عن سبيل الحق، والله مطلع على أسرارهم، وكاف بأسهم وشرهم، (وكفى بالله وليًا) لأوليائه ونصيرًا لأحبابه. والله تعالى أعلم. ثم بيّنهم، أو ذكر حال فريق منهم، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٤٦] مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦) قلت: (من الذين هادوا) : خبر عن محذوف، أي: منهم قوم يحرفون، أو بيان للذين قبله، أو متعلق بأعدائكم. يقول الحق ﷻ : من اليهود قوم تمردوا في الكفر وهم أحبارهم، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ وهو التوراة عَنْ مَواضِعِهِ أي: يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، بإزالة لفظه أو تأويله. وقال ابن عباس: (لا يقدر أحد أن يُحرّف كلام الله ولكن يفسرونه على غير وجهه) ، وَيَقُولُونَ لمن دعاهم إليه، وهو

стр. 504

الرسول ﷺ : سَمِعْنا قولك، وَعَصَيْنا أمرك، وَاسْمَعْ منا غَيْرَ مُسْمَعٍ قولك، أي: لا نلتفت إليه، أو دعاء بالصمم: أي: لا سمعت، أو غير مسمع منا مكروهًا، نفاقًا، ويقولون له مكان انظرنا: راعِنا قاصدين بذلك الشتم والسخرية، من الرعونة، وقد كان الصحابة يخاطبون به الرسول- ﵊ ومعناه: انظرنا. أو راعنا بقلبك، فوجد اليهود بها سبيلاً إلى الشتم، فنهاهم الله عن ذلك، وبقيت اليهود تقولها شتماً واستهزاءً لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ، أي: فَتلاً لها عن معناها، من الانتظار إلى ما قصدوا من رَميِه بالرُّعُونة، وَطَعْناً فِي الدِّينِ أي: استهزاء به، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا مكان سمعنا وعصينا، وَاسْمَعْ منا فقط، مكان: واسمع غير مسمع، وَانْظُرْنا مكان راعنا، لَكانَ قولهم ذلك خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وأعدل، وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أي: طردهم وأبعدهم بسبب كفرهم، فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا إيمانًا قَلِيلًا لا يعبأ به وهو الإيمان بالبعض والكفر بالبعض من الآيات والرسل. والله تعالى أعلم. الإشارة: والله ما ربح من ربح، إلا بالأدب والتعظيم، وما خسر من خسر إلا من فقدهما. قال بعضهم: «اجعل عَمَلك مِلحًا، وأدبك دقيقا» . وآداب الظاهر عنوان آداب الباطن، ويظهر الأدب في حسن الخطاب، ورد الجواب، وفي حسن الأفعال، وظهور محاسن الخلال. والله تعالى أعلم. ثم دعاهم إلى الإيمان بعد أن وسمهم بالعصيان، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٤٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧) يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِن اليهود آمِنُوا بِما نَزَّلْنا من القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التوراة مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً أي: نغير صُورها ونمحو تخطيط أشكالها، فلا تبقى عين ولا أنف ولا حاجب، فَنَرُدَّها عَلى هيئة أَدْبارِها من الأقفاء، أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا، أَوْ نَلْعَنَهُمْ أي: نخزيهم بالمسخ، كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ، فمسخناهم قردة وخنازير، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا، لا مرد له، ولعله كان مشروطاً بعدم إيمان بعضهم، أو يراد بطمس الوجوه ما يكسوها من الذلة والصغار. ويراد باللعن حقيقته، أي: نلعنهم على لسانك كما لُعنوا على لسان داوود وعيسى بن مريم.

стр. 505

وهذه الآية كانت سبب إسلام كعب الأحبار، سمعها من بعض الصحابة فأسلم في زمن عمر بن الخطاب ﵁. والمسخ جائز على هذه الأمة، كما وقع فى الأمم السابقة، بدليل ما في كتاب الأشربة من البخاري أن النبي ﷺ قال: «ليكوننَّ من أمَّتي أقوام يَستحلُّون الحِر والحَريرَ، والخمر والمعازف، ولينزلنَّ أقوام إلى جَنِب علَمِ، يَروحُ عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غَدًا، فيُبيَّتُهم الله، ويضع عليهم العَلَم، ويَمسَخُ آخرين قِردَة وخنازيرَ إلى يوم القيامة» . الإشارة: حملة الشريعة يخاطبون بالإيمان بأهل الحقيقة، لأنها لبها وصفاؤها، فإن امتنعوا من الإيمان بها ومن الإذعان لأهلها، طمس الله وجوه قلوبهم، وملأها خوفًا وجزعًا وحبًا للدنيا، وردها على أدبارها، فلا تفهم أسرارَ الكتاب ولا تفقه إشارة الخطاب، فإن قصّروا عن حقوق الشريعة، وغيَّروا أحكامها مُسخوا قردة وخنازير. وفي نوادر الأصول بسنده إلى رسول الله ﷺ قال: «تَكُونُ فِي أُمَّتي قزَعةٌ «١» ، فَيَصيرُ النَّاسُ إلى عُلَمَائِهِمْ، فإذا هُم قِردَةٌ وخَنَازِيرُ» . قال الترمذي الحكيم: فالمسخ: تغيير الخلقة عن جهتها، فإنما حل بهم المسخ لأنهم غيَّروا الحق عن جهته، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فمسخوا عن أعين الخلق، وقلوبُهم عن رؤية الحق. فمسخ الله صورهم وبدَّل خِلقتهم، كما بدلوا الحق باطلاً. هـ. وبالله التوفيق. ولمَّا دعاهم إلى الإيمان، أخبرهم أنهم إن داموا على الكفر لا مطمع لهم فى الغفران، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٤٨] إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) يقول الحق ﷻ : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ لأنه بتَّ الحكم على خلود عذابه، لأن الله تعالى غيور لا أحد أغير منه. كما في الحديث، ومن عادة الملوك إذا خرج أحدٌ من رعيته ونصر غيره لا يقبل منه إلا الرجوع أو الموت. ولا شفاعة تنفع فيه غير الرجوع عنه، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ الشرك لِمَنْ يَشاءُ من الكبائر والصغائر. تاب أم لا. فالعصاة أذا لم يتوبوا في مشيئة الله، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ارتكب ما تستحقر دونه الآثام. وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب، والله تعالى أعلم.

стр. 506

الإشارة: ولما رأت الصوفية أن الشرك لا يُغفر، ولا يُسمح في شيء منه، جليًا أو خفيًا، حققوا إخلاصهم، ودققوا معاملتهم مع ربهم، وفتشوا على قلوبهم، هل بقي فيها شيء من محبة غير مولاهم، أو خوفٌ من شيء دونه، وطهروا توحيدهم من نسبة التأثير لشيء من الكائنات، فتوجهوا إلى الله في إزالة ذلك عنهم. قال بعضهم: شربتُ لبنًا فأصابني انتفاخ، فقلت ضرني ذلك اللبن، فلما كنت ذات يوم أتلو، وبلغت هذه الآية قلت: يا رب أنا لا أشرك بك شيئًا، فقال لي هاتفٌ: ولا يوم اللبن، فبادرت إلى التوبة. أ. هـ. بالمعنى. والله تعالى أعلم. ثم عاتبهم على تزكية أنفسهم بالدعوى، فقال: [سورة النساء (٤) : الآيات ٤٩ الى ٥٠] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠) يقول الحق ﷻ : أَلَمْ تَرَ يا محمد إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ، وهم اليهود، قالوا: نَحنُ أبنَاءُ اللهِ وَأحبَّاؤُه، وقيل: طائفة منهم، أتَوا بأطفَالِهِم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: هَل عَلَى هؤُلآءِ ذَنبٌ؟ قال: «لآ» . قَالوُا: واللهِ مَا نَحنُ إلا كَهَيئَتِهِم، مَا عَمِلنَا بالنّهَارِ يُكَفَّر عَنَّا باللَّيلِ، وما عملنا باللَّيلِ يُكَفَّر عَنَّا بالنّهَارِ، فنزلت فيهم الآية. وفي معناهم: من زكى نفسه وأثنى عليها قبل معرفتها. بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ لأنه العالم بخفيات النفوس وكمائنها، وما انطوت عليه من قبيح أو حسن، فيزكي من يستحق التزكية، ويفضح المُدَّعِين، وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، وهو الخيط الذي في شق النواة، يضرب مثلاً لحقارة الشيء، فأن الله لا يظلم مثقال ذرة، انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في زعمهم أنهم أبناء الله، أو أنهم معغفور لهم، وَكَفى بِهِ أي: بالافتراء، إِثْماً مُبِيناً أي: ظاهرًا لا يخفى على أحد. الإشارة: قال بعض الصوفية: للنفس من النقائص ما لله من الكمالات، فلا ينبغي للعبد أن يُزكي نفسه، ولو بلغ فيها من التطهير ما بلغ، ولا يرضى عنها ولو عملت من الأعمال ما عملت. قال أبو سليمان الداراني: لي أربعون سنة وأنا مُتَّهٍمٌ لنفسي. وفي الحِكَم: «أصل كل معصيةٍ وغفلةٍ وشهوةٍ: الرضا عن النفس، وأصلُ كل طاعةٍ ويقظةٍ وعفةٍ: عدمُ الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خير من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه فأيُّ علمٍ لعالمٍ يرضى عن نفسه؟! وأيّ جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟!» .

стр. 507

ثم وبخهم على سجودهم للأصنام. وشهادتهم لأهل الكفر بأنهم أهدى من أهل الإسلام، فقال: [سورة النساء (٤) : الآيات ٥١ الى ٥٢] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) قلت: الجبت في الأصل: اسم صنم، فاستعمل في كل ما عُبد من دون الله، والطاغوت: كل باطل من معبود أو غيره، أو الجبت: السحر، والطاغوت: الساحر، وبالجملة: هو كل ما عُبد أو أطيع من دون الله، وقال الجوهري: الجبت: اسم لكل صنم ولكل عاصٍ ولكل ساحر وكل مُضِلّ، والطاغوت: الشيطان، وأصله: طغيوت، فعلوت، من الطغيان، ثم قلب فصار طيَغوت، ثم قلبت الياء ألفًا. يقول الحق ﷻ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ علم الْكِتابِ، وهم أحبار اليهود يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ يقرون بصحة عبادتهما، وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ الكفرة أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا طريقًا، نزلت في اليهود- لعنهم الله-: كانوا يقولون: إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعو إليه محمد ﷺ ، وقيل: في حُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، خرجا في سبعين راكبًا إلى مكة يُحالفون قريشًا على محاربة رسول الله ﷺ بعد وقعة أُحد، وينقضون العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فنزل كَعبُ على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش. فقال أهل مكة: أنتم أهل كتاب، ومحمدٌ صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكيدة منكم، فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين، وآمنوا بهما، ففعلوا، فذلك قوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ. ثم قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأيُّنا أهدى سبيلاً وأقرب إلى الحق، نحن أو محمد؟ قال كعب: اعرضوا عليَّ دينَكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكومَاءَ- أي: العظيمة- من النوق- ونسقي الماء، ونَقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمدٌ فارقَ دينَ أبائه، وقطع الرحم وفارق الحرم، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً. هـ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وأبعدهم وأسحقهم، وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ينصره من عذاب الله. فقد قُتل هؤلاء كلهم شر قتلة، وذهبوا إلى الهاوية. عائذاً بالله. الإشارة: قال الورتجبي: وبَّخ الله تعالى أهل ظاهر العلم الذين اختاروا الرياسة، وأنكروا على أهل الولاية، وآثروا صحبة المخالفين، يقبلون هواجس نفَوسهم التي هي الجبت، ويخطون على آثار الطاغوت، التي هي إبليس. هـ.

стр. 508

قلت: وينسحب التوبيخ على من فضّل أهل الظاهر على أهل الباطن، وفضَّل العلماء على الأولياء، ويقولون: هم أهدى منهم سبيلاً. هيهات! بينهم من البَون ما بين السماء والأرض. والكلام إنما هو في التفضيل بين العارفين بالله، الذين جمعوا بين الفناء والبقاء، وبين العلماء والأتقياء. وأما العُبَّاد والزهاد والصالحون فلا شك أن العلماء الأتقياء أفضل منهم، وإليهم أشار ﷺ بقوله: «فَضلُ العَالِمِ على العابِد كَفَضِلِي عَلَى أدناكُم» . وكذلك الأحاديث التي وردت في تفضيل العلماء. وأما العارفون بالله فهم أعظم العلماء، لأن علمهم متعلق بذات الله كشفًا وذوقًا، وعلماء الظاهر علمهم متعلق بأحكام الله. مفرقُون عن الله، بل هم أشد حجابًا من غيرهم عن الله. قال بعض الأولياء: أشد الناس حجابًا عن الله: العلماء ثم العباد ثم الزهاد. هـ. لأن حلاوة ما هم فيه تمنعهم عن الانتقال عنه، وقد تقدم الكلام عند قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «١» بأبلغ من هذا. والله تعالى أعلم. ثم ردّ الحق تعالى على اليهود، حيث ادعوا أن الملك سيصير إليهم، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٥٣] أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) قلت: «أم» : منقطعة، بمعنى بل، والهمزة للإنكار، وهو إنكار وجحدٌ لما زعمت اليهود من أنَّ المُلكَ سيصيرُ لهم، و (إذًا) إن فُصل بينها وبين المضارع ب- «لا» ففيها الإهمال والإعمال، وقد قرئ: (وإذًا لا يلبثوا) ، والنقير: النقرة التي في ظهر النواة، وهو هنا كناية عن نهاية بخلهم. يقول الحق ﷻ منكرا على اليهود: أيحصل لهم نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ والرياسة؟ هيهات، لا يكون هذا أبدًا، فكيف يكون لهم الملك وهم أبخل الناس؟. فإذا أُوتوا شيئًا من الملك لا يُعطون الناس نقيرًا، فما بالك بأكثر، والملك والنصر لا يكونان إلا لأجل الكرم والجود والشجاعة، وإصابة الرأي وحسن التدبير، وهم بعداء من هذه المكارم. الإشارة: لا يُمكن اللهُ من العز والنصر والتصرف الظاهر أو الباطن إلا أهل السخاء والجود، فمن جاد بمالِهِ حتى لا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى، مكّنه الله من العز والتصرف الحسي، ومن جاد بنفسه وجاهه، وبذلهما في مرضاة ربه، مكّنه الله من العز والنصر والتصرف المعنوي يتصرف بهمته في الوجود بأسره، من عرشه إلى فرشه، ويدوم عزه ونصره إلى أبد الأبد. والله تعالى أعلم.

стр. 509

ولمّا كان الحسد والبخل رذيلتين متناهيتين فى الذم وصفهم الحق- تعالى- أيضا به «١» ، فقال: [سورة النساء (٤) : الآيات ٥٤ الى ٥٧] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧) قلت: (أم) بمعنى بل، و (سعيرًا) تمييز. يقول الحق ﷻ توبيخًا لليهود على الحسد: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ، أي: العرب حيث انتقلت النبوة إليهم، وقد كانت في أسلافهم، عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وهو ظهور النبوة فيهم، أو رسول الله ﷺ لأنه اجتمع فيه ما افترق في سائر الناس، حسدوه على ما آتاه الله من فضله، من النبوة وغيرها، وقالوا- لعنهم الله-: ماله همٌّ إلا النساء، ولو كان نبيًا لشغله أمر النبوة عن النساء. فكَّذبهم الله- تعالى- وردَّ عليهم بقوله: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ وهم: يوسف وداود وسليمان، الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أي: النبوّة، وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً، فقد اجتمع لداود ﵇ مائة امرأة. ولسليمان- ﵇ ألف امرأة: ثلاثمائة مهيرة، - أي بالمهر- وسبعمائة سرية، فقال لهم- ﵊ حين نزلت الآية: ألف امرأة عند رجل، ومائة امرأة عند آخر، أكثر من تسع نسوة، فسكتوا «٢» . فَمِنْهُمْ أي: اليهود، مَنْ آمَنَ بِهِ أي: بمحمد- ﵊ كعبد الله بن سلام وأصحابة، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ أي: أعرض عنه، أو: من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من صدّ عنه، ولم يكن في ذلك توهين لقدر إبراهيم، فكذلك لا يُوهن كفرُ هؤلاء أمرَك، أو: من أسلافهم من آمن بما أُوتي آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والمُلك، ومنهم مَن صدّ عنه، كما فعلوا مع سليمان وغيره. وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً لمن كفر بما جاء به أحد من الرسل، أي: فإن لم يُعاجَلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم.

стр. 510

ثم بيَّن مآل مَن كفر، فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا المنزلة على رسلنا، أو الدالة على وحدانيتنا، سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا أي: نحرقهم بها ونشويهم، كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ أي: لانت واحترقت بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها، قال ﷺ : «تُبدَّلُ في ساعةٍ مائةَ مَرَّة» . وقال الحسن: (تأكلهم النارُ في كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم: عودوا فيعودوان كما كانوا) . وقال مجاهد: (ما بين جلده ولحمه دود، لها جلبة- أي حركة- وهرير كجلبة حمر الوحش) . رَوى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «غلظٌ جِلدِ الكَافِرِ اثنَانٍ وأربعَونَ ذرَاعًا، وضِرسه مِثلُ أحُد» . وإنما بدلت جلودهم لِيَذُوقُوا ألم الْعَذابَ، أي: يدوم لهم ذلك بخلق جلد آخر مكانه، والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية لا لآلة إدراكها، فلا محذور، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً لا يمتنع عليه ما يريد، حَكِيماً يعاقب على قدر حكمته. ثم ذكر مقابل هؤلاء فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ مما يستفذر وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا أي: دائمًا لا تنسخه شمس، ولا يصحبه برد. قدَّم وعيد الكفار على وعد المؤمنين، لأن الكلام فيهم، وذكر المؤمنين بالعرض. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحسد خلق مذموم، لا يتطهر منه إلا الصديقون، وكل من بقي فيه بقية من الحسد لا يشم رائحة المعرفة، إذ لو عرف الله لم يجد من يحسد، وقد قيل: الحسود لا يسود. وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: «الحَسدُ يأكُلُ الحسنَاتِ كما تأكلُ النَّارُ الحَطَبَ» . وقال سفيان: (بلغني إنَّ الله ﵎ يقول: الحاسدُ عدو نعمتي، غيرُ راضٍ بقسمتي التي قسمت بين عبادي) . وأنشدوا: ألاَ قُل لمَن كانَ لي حَاسِدًا ... أتدري على مَن أسَأتَ الأدَب أسَأتَ على اللهِ في فِعلِه ... إذا أنتَ لم تَرضَ لي مَا وَهَب جَزَاؤُكَ منه الزيادةُ لي ... وألاَّ تَنَالَ الذِي تَطَّلِب وقال آخر: إن تحسُدُوني فإني غيرُ لائمكم ... قَبَلى من الناسِ أهل الفضلِ قّد حُسِدُوا فَدَامَ لي وَلَهُم ما كَانَ بي وبهم ... وماتَ أكثَرُنا غيظًا بما يَجِدُ

стр. 511

ثم إن الحسود لا تزول عداواته، ولا تنفع مداواته، وهو ظالم يشتكي كأنه مظلوم. ولقد صدق القائل: كلُ العَدَاوةِ قد تُرجىَ إزالتُها ... إلا عداوة مَن عَادَاكَ مِن حَسَدٍ وقال حكيم الشعراء: وأظلمُ خَلقِ اللهِ مَن بَاتَ حَاسِدًا ... لِمَن بَاتَ في نَعمَائِه يَتَقَلَّبُ وقال آخر: أني لأرحمُ حاسِدِيَّ لفرطِ ما ... ضَمَّت صُدُوُرُهُم مِن الأوغَارِ نَظَرُوا صنيعَ اللهِ في فَعُيُونهُم ... في جَنَّةٍ وقَلوبُهُم في نارِ قال بعض الحكماء: (الحاسدُ يضرُّ نفسه ثلاث مضرات: إحداها: اكتساب الذنوب لأن الحسد حرام. الثانية: سوء الأدب مع الله- تعالى- فإنَّ حقيقة الحسد: كراهية إنعام الله على غيره، واعتراض على الله في فعله. الثالثة: تألم قلبه وكثرة همه وغمه) . عافانا الله من ذلك كله، فالحاسد لا ينفك عن نار الحجاب وغم الحساب، والمتطهر منه يدخل جنة الرضى والتسليم في جوار الحبيب، وهو محل الراحة والأمن في الدارين، وهو الظل الظليل. والله تعالى أعلم. ولما كان حفظ نظام الدين لا يقوم إلا بالجهاد، ولا ينتظم الجهاد إلا بنصب الإمام، تكلم الحق- ﷻ على ما يتعلق بالأمراء، ثم بعد ذلك يتكلم على الجهاد، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٥٨] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) قلت: «ما» في (نِعِمَّا) تمييز أو فاعل، والمخصوص محذوف، أي نعم شيئًا شيء يعظكم به، أو نعم الذي يعظكم به ذلك الأمر، وهو رد الأمانات والعدل في الحكومات. قال زيد بن أسلم وشهر بن حوشب: نزلت الآية في شأن الأمراء. هـ قلت: وأن نزلت في شأن عثمان بن طلحة- سَادِن الكَعبَةِ فهي عامة. والمخاطب بذلك أولاً الرسول ﷺ وهو سيد الأمراء، أمره الحق- تعالى- أن يرد المفاتح إلى عثمان، وذلك أن عثمان أغلق باب الكعبة يوم فتح مكة، وأبى أن يدفعها إلى رسول الله ﷺ ليدخل

стр. 512

الكعبة، وقال: لو عَلمِتُ أنه رَسُول الله «١» ما منعتُهُ، فَلَوى عَلِيَّ يده، وأخذّها مِنهُ، فدخل رسول الله ﷺ وصَلّى رَكعَتينِ، فلما خَرَجَ سألُه العباس أن يُعطيه المفتَاح، وَيَجمَعَ له السِّدَانَةَ والسِّقَايةَ، فأمره اللهُ- تعالى- أن يرده إليه، فأمر عَلِيًّا بأن يَرُدَّه وَيَعتَذِر إليه، وكان ذلك سببًا لإسلام عثمان، ونزل الأمر بأن السِّدَانَة في أولاده أبدًا. يقول الحق ﷻ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ، يا معشر الأمراء، أن تردوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها من أنفسكم، أو من رعيتكم فتُنصفوا المظلوم من الظالم، حتى يؤدي ما ائتُمن عليه من دَينٍ، أو وديعة، أو غصب، أو سرقة، أو غير ذلك من حقوق العباد، بعضهم من بعض، وأن تؤدوا الزكاة إلى من يستحقها، وتصرفوا بيت المال فيمن يستحقه، لا تظلموا أهلها، ولا تضيعوا منها شيئاً في غير مستحقها. وَيأمركم إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ في من يَنفُذُ عليه حكمُكُم، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي: إن الله يعظكم بأمر نعم ما هو، إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً لا يخفى عليه أحكامكم، ولا ما أخفيتم من أمانات غيركم. الإشارة: أمر الحق- ﷻ شيوخ التربية أن يؤدوا السر إلى من يستحقه من الفقراء، إذا تحققوا أهليتهم له، بحيث تخلوا عن الرذائل، كالحسد والكبر وغيرهما، وتحلوا بالفضائل، كسلامة الصدر وسخاوة النفوس وحسن الخلق، وغير ذلك من أوصاف الكمال، فإن تحققوا بالتخلية والتحلية، استحقوا الاطلاع على أسرار الربوبية، التي هي أمانات عند أهل الخصوصية، وأمرهم أن يحكموا بين الفقراء بالعدل، فيمدوا كلاً على قدر صِدقِه وخِدمَتِه، والله تعالى أعلم. ثم أمر الحق تعالى بطاعة الأمراء الذين أمرهم بالعدل وأداء الأمانة، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٥٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩) أعاد العامل في قوله: (وأطيعوا الرسول) ، إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، ولم يُعده في أُولِي الْأَمْرِ إشارة إلى أنه يوجد منهم من لا تجب طاعته، ثم بيّنه بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ كأنه قيل: فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم، وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله. قاله الطيبي، وسيأتي تحريرُ ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 513

يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ فيما أمركم به ونهاكم عنه، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ كذلك. وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ أي: مَن ولي أمرَكم. من وُلاَةِ العدل كالخلفاء والأمراء بعدهم، تجب طاعتهم فيما أمَروُا به من الطاعة دون المعصية إلا لخوف هرج. قال ﵊: «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعرُوف» ، فأن لم يعدل: وجبت طاعته خوفًا من الفتنة. وهذا هو الأصح. لقوله- ﵊: «سَيَليكم ولاة، فيليكم البَرُّ ببره، والفاجر بفجوره، فاستمعوا لهم، وأطيعوا في كل ما وافق الحق، فصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم» . رواه أبو هريرة. وفي حديث آخر: «لا أن تَروا كُفرًا بَوَاحًا، لكم عليه من اللهِ بُرهَانٌ» . أي: فيجب عزلهم. وقال أيضا ﷺ لما سأله أبو وائل فقال: يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقنا ويسألون حقهم؟. فقال ﷺ : «اسمَعُوا وأطِيعُوا، فَإنَّ عليهم ما حُمِّلُوا وَعَليكُم ما حُملتم» . وقال جابر بن عبد الله والحسن والضحاك ومجاهد: أولو الأمر هم الفقهاء والعلماء، أهل الدين والفضل، يُعلَّمون الناس معالم دينهم، ويأمرون بالمعروف وينْهون عن المنكر، دليله. قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ... الآية. قال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حُكَّام على الناس، والعلماء حُكَّام على الملوك. هـ. فَإِنْ تَنازَعْتُمْ أنتم وأولو الأمر، أو بعضكم مع بعض- أي: اختلفتم في حكم شيء من أمر الدين فلم تعلموا حكمه، فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ أي: إلى كتاب الله، وَإلى الرَّسُولَ في زمانه، أو سنته بعد موته، فإن لم يوجد بالنص فبالقياس. فالأحكام ثلاثة: مثبت بالكتاب، ومثبت بالسنة، ومثبت بالرد إليهما على وجه القياس. وعن إبراهيم بن يسار قال: قال النبي ﷺ : «اعملُوا بالقرآن: أحلُّوا حَلاَلهُ، وحرَّمُوا حرامَهُ، وآمنوا بِه ولا تكفُروا بشيءٍ منهُ، وما اشتبه عليكُم فردُّوه إلي الله تعالى وإلى أولى العِلم من بَعدي، كيما يُخبرُونكم به» ، ثم قال: «وليَسعُكُم القرآن وما فيهِ من البَيَانِ فإنه شافعٌ مشفَّعٌ، وما حِلٌ مُصدَّقَّ «١» وأن له بكل حَرفٍ نُورًا يومَ القِيَاَمَة» . فردوا الأحكام إليه وإلى الرسول، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فإن الإيمان يُوجِبُ ذلك. ذلِكَ الرد خَيْرٌ لكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا من تأويلكم بالرأي من غير رد، وأحسن عاقبة ومآلاً، والله تعالى أعلم.

стр. 514

الإشارة: أولو الأمر عند الصوفية، هم شيوخ التربية العارفون بالله، فيجب على المريدين طاعتهم في المنشط والمكره، وفي كل ما أمروا به، فمن خالف أو قال: «لِمَ» لَم يفلح أبدًا، ويكفي الإشارة عن التصريح عند الحذاق أهل الاعتناء، فإن تعارض أمر الأمراء وأمر الشيوخ، قدَّم أمر الشيخ إلا لفتنة فادحة، فإن الشيخ يأمر بطاعتهم أيضًا لما يؤدي من الهرج بالفقراء، فإن تنازعتم يا معشر الفقراء، في شيء من علم الشريعة أو الطريقة، فردوه إلى الكتاب والسنُّة. قال الجنيد ﵁: طريقتنا هذه مؤيدة بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويتعلم الحديث لا يُقتدى به في هذا الشأن. هـ. ويكفي المهم من ذلك، وهو ما يتوقف عليه أمر عبادته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحق تعالى من أعرض عن حكم الله ورسوله، ورضى بحكم غيرهما، فقال: [سورة النساء (٤) : الآيات ٦٠ الى ٦٣] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣) قلت: (رأيت المنافقين) ، وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالنفاق وذمًا لهم به. وكان القياس: رأيتهم، و (صدودًا) : مصدر، أو اسم مصدر الذي هو الصد، والفرق بينه وبين المصدر: أن المصدر اسم للمعنى الذي هو الحدث، واسم المصدر اسم للفظ المحسوس، و (يحلفون) حال. و (في أنفسهم) يتعلق بقُل، وقيل ببليغًا. وهو ضعيف لأن الصفات لا يتقدم عليها معمولها، اللهم إلا أن يتوسع في الظروف. يقول الحق ﷻ : أَلَمْ تَرَ يا محمد إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وهم المنافقون، يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ، كعب بن الأشرف لفرط طغيانه. وفي معناه كل من يحكم بالباطل، وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، ويؤمنوا بالله ويرضوا بحكمه. وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً، بأن يصرفهم عن حكم الله ورسوله.

стр. 515

قال ابن عباس: إنَّ منافقًا خَاصَمَ يَهُودِيًّا فَدَعَاهُ اليهوديّ إلى النبي ﷺ ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشْرَف، ثم اختصما إلى رسول الله ﷺ ، فحكم لليهودي بالحق فلم يرض المنافق، وقال: نتحاكم إلى عُمَر، فقال اليهودي: نعم فذهبا إلى عمر ﵁ فقال اليهودي: قضى لي رسول الله ﷺ فلم يرض بقضائه وخاصم إليك. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟. قال: نعم، فقال: على رسلكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه فخرج، فضرب به عنق المنافق حتى برد «١» ، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء الله وسوله، فنزلت الآية.. وقال جبريل ﵇: أن عمر فرّق بين الحق والباطل. فسُمي الفاروق. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ أي: بعضَهم، يَصُدُّونَ عَنْكَ غير راضين بحكمك صُدُوداً عظيمًا. فَكَيْفَ يكون حالهم إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ كقتل عمر المنافقَ، بسبب ما قدمت أَيْدِيهِمْ من عدم الرضى بحكم الله، ثُمَّ جاؤُكَ يطلبون ديّة صاحبهم، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا بالإنصراف إلى عمر إِلَّا إِحْساناً منه بالخصمين، وَتَوْفِيقاً بينهما، قطعًا للنزاع بينهما، قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق، فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من الله شيئًا، أو يعلم الله ما في قلوبهم من الطمع في الدية، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، أي: عن قبول معذرتهم ولا تمكنهم من طمعهم، وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، أي: خاليًا بهم قَوْلًا بَلِيغاً يبلغ إلى قلوبهم، ويؤثر فيهم، لينزجروا عن طلب دم صاحبهم، وإنما أمر أن يعظهم خاليا بهم لأن النصح في ذلك أنجح، وأقرب للقبول، ولذلك قيل: من نصحك وَحدَكَ فقد نصحك، ومن نصحك مع الناس فقد فضحك. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من دخل تحت ولاية شيخ التربية، وجب أن يرد حكوماته كلها إليه، ويرضى بما قضى عليه، وترى بعض الفقراء يزعمون أنهم في تربية الشيخ وتحت أحكامه، ثم يتحاكمون إلى حُكام الجور وقضاة الزمان في أمر الدنيا وما يرجع إليها، فهؤلاء قد ضلوا ضلالاً بعيدًا. إلا أن يتوبوا ويُصلحوا ما أفسدوا، بإصلاح قلب الشيخ حتى يجبر كسرهم، فالمريد الصادق لا يصل إلى الحاكم، ولو ذهب ماله كله. فإن كان ولا بد. فليوكل عنه فى ذلك. فكيف إذا أصابت هؤلاء مصيبة وهي ظلمة القلب، وفتنة الدنيا بسبب ما قدمت أيديهم من تخطى حكم شيخهم إلى حُكم غيره، ثم جاؤوك يحلفون بالله ما أردنا إلا أحسانًا وهو حفظ مالنا، وتوفيقًا بيننا وبين خصمنا، فيجب على الشيخ أن يُعرض عن عتابهم ويذكرهم حتى يتوبوا،. فإن تابوا فإن الله غفور رحيم.

стр. 516

ثم أعاد الأمر بطاعة الرسول وتحكيمه فى جميع الأمور ترهيبا وترغيبا، فقال: [سورة النساء (٤) : الآيات ٦٤ الى ٦٨] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) قلت: (توابًا رحيمًا) مفعولاً (وَجَدَ) أن كانت علمية، أو (توابًا) حال، و (رحيمًا) بدل منه، أو حال من ضميره إن فسرت بصادف. يقول الحق ﷻ : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ من لدن آدم إلى زمانك، إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وأمره بطاعته، فمن لم يطعه ولم يرض بأحكامه فهو كافر به. وَلَوْ أَنَّهُمْ أي: المنافقون حين ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالترافع إلى غيرك، والتحاكم إلى الطاغوت جاؤُكَ تائبين فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ بالتوبة، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ حين اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعًا، لَوَجَدُوا اللَّهَ أي: تحققوا كونه تَوَّاباً رَحِيماً، قابلاً لتوبتهم متفضلاً عليهم بالرحمة والغفران. وإنما عدل عن الخطاب في قوله: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ولم يقل: واستغفرت لهم، تفخيمًا لشأنه، وتنبيهًا على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائبين، وإن عَظُم جُرمُهم، ويشفع لهم، ومن جلالة منصبه أن يشفع في عظائم الذنوب وكبائرها. ثم أقسم بربوبيته على نفي إيمان من لم يرض بحكم رسوله، فقال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ إيمانًا حقيقيًا حَتَّى يُحَكِّمُوكَ أي: يترافعوا إليك، راضين بحكمك، فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي: اختلط بينهم واختلفوا فيه ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً أي: ضيقًا وشكًا مِمَّا قَضَيْتَ، بل تنشرح صدورهم لحكمك لأنه حق من عند الله. وَيُسَلِّمُوا لأمرك تَسْلِيماً. أي: ينقادوا لأمرك ظاهرًا وباطنًا. وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، توبة من ذنوبكم، كما كتبناه على بني إسرائيل، أو في الجهاد في سبيل الله، أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ كما خرج بنو إسرائيل حين أمرناهم بالهجرة من مصر، ما فَعَلُوهُ

стр. 517

إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وهم المخلصون. قال أبو بكر الصديق ﵁: (لو كتب ذلك علينا لكنت أنا أول خارج) . قال ثابت بن قيس بن شماس: (لو أمرني رسول الله ﷺ أن أقتل نفسي لفعلت) . وكذلك قال عُمر وعمارُ بن ياسر وابنُ مسعود وناس من أصحاب رسول الله ﷺ : لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «إنَّ مِن أُمَّتِي رِجَالاً: الإيمَانُ في قُلُوبِهِم أثبَتُ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي» . فهؤلاء من القليل. وسبب نزول قوله: فَلا وَرَبِّكَ.. الخ: قضية الزُّبَيرِ مع حَاطِب في شرَاج الحَرَّة «١» ، كَانَا يسقيانِ به النّخل، فتخاصما إلى رسول الله ﷺ فقال ﵇: «اسقِ يا زُبيرُ وأرسِل إلى جارِكَ» ، فقال حَاطبُ: لأن كَان ابن عمتك. فقال- ﵊: «اسقِ يا زُبيرُ، واحِبِس الماءَ حتَّى يبلغ الجدر «٢» واستوف حقك» . وقيل: نزلت في اليهودي مع المنافق المتقدم، وهو أليق بالسياق. وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ من طاعة الرسول، والرضى بحكمه، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ في آجلهم وعاجلهم، وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً في دينهم وقوة في إيمانهم، أو تثبيتًا لثواب أعمالهم، وَإِذاً لو فعلوا ذلك لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً يصلون بسلوكه إلى حضرة القدس، ودوام الأنس، ويفتح لهم أسرار العلوم، ومخازن الفهوم، قال ﷺ : «من عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللهُ علمَ مَا لم يعلم» . والله تعالى أعلم. الإشارة: كما أمر الله بطاعة رسوله ﷺ في حياته، أمر بطاعة ورثته بعد مماته، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام، فالعلماء حُكَّام على العموم، والأولياء حكام على الخصوص، أعني من تعلق بهم من أهل الإرادة، فمن لم يرض بحكم العلماء، ووجد في نفسه حرجًا مما قضوا به عليه، ففيه شعبة من النفاق، وخصلة من المنافقين. ومن لم يرض بحكم الأولياء فقد خرج من دائرتهم، ومن عُش تربيتهم، لأن حكم الرسول- ﵊ وحكم ورثته هو حكم الله، ومن لم يرض بحكم الله خرج عن دائرة الإيمان. فلا يَكمُلُ إيمَانُ العَبدِ حتَّى لا يجد في نفسه حرجًا من أحكام الله، القهرية والتكليفية، ويسلم لما يبرز من عنصر القدرة الأزلية، كيفما كان، فقرًا أو غنى، ذلاً أو عزًا، منعًا أو عطاء، قبضًا أو بسطًا، مرضًا أو صحة، إلى غير ذلك من اختلاف المقادير. ويرضى بذلك ظاهرَا وباطنًا، وينسلخ من تدبيره واختياره إلى اختيار مولاه فهو أعلم بمصالحه، وأرحم به من أمه وأبيه: وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.

стр. 518

ثم وعد المطيعين وعدا جميلا، وخيرا جزيلا، ترغيبا فى امتثال ما أُمر به من طاعة الرسول، فقال: [سورة النساء (٤) : الآيات ٦٩ الى ٧٠] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠) قلت: «رفيقاً» : تمييز لما في (حَسُن) من معنى التعجب أو المدح، ولم يجمع لأن فعيلا يُحمل على الواحد والجمع، أو لأنه أريد حسن كل واحد منهم. يقول الحق ﷻ : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ويرضى بأحكامهما ويمتثل أمرهما ويجتنب نهيهما، فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وهم أكرم الخلق عند الله وأعظمهم قدرًا مِنَ النَّبِيِّينَ والمرسلين وَالصِّدِّيقِينَ وهم من كثر صدقهم وتصديقهم وعظم يقينهم وهم الأولياء العارفون بالله، وَالشُّهَداءِ الذين ماتوا جهادًا في سبيل الله، وَالصَّالِحِينَ وهم العلماء الأتقياء، ومن صلح حاله من عامة المسلمين. قال البيضاوي: قسمهم أربعة أقسام، بحسب منازلهم في العلم والعمل، وحث كافة الناس على ألاَّ يتأخروا عنهم. وهم: الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل، المتجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل. ثم الصديقون الذين صعِدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات، وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان، حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليها. ثم الشهداء الذين أدى بهم الحرص على الطاعة والجد في إظهار الحق، حتى بذلوا مُهَجَهُم في إعلاء كلمة الله، ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته، وأحوالهم في مرضاته. ولك أن تقول: المُنعَمُ عليهم هم العارفون بالله، وهؤلاء إما أن يكونوا بالغين درجة العيان، أو واقفين في مقام الاستدلال والبرهان، والأولون إما أن ينالوا مع العيان القرب، بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريبًا، وهم الأنبياء، أو لا، فيكونون كمن يرى الشيء بعيدًا، وهم الصديقون، والآخرون إما أن يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة، وهم العلماء الراسخون الذين هم شهداء الله في أرضه. وإما أن يكون بأمارات وإقناعات تطمئن إليها نفوسهم، وهم الصالحون. انتهى كلامه. وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه أطلق على أهل الاستدلال أنهم عارفون، ولا يقال عند الصوفية فيه عارف، حتى يترقى عن مقام الاستدلال، وإلا فهو عالم فقط، والثاني: أنه جعل الصديقين بمنزلة من يرى الشيء بعيدًا،

стр. 519

وأهل الفناء لم يبق لهم بُعدٌ، بل غابوا في القرب حتى امتحى اسمهم ورسمهم. فأيُّ بينونة وأيُّ بُعد يبقى للعارف؟ لولا فقدان الذوق، ولكن لكلِّ فنِ أربابُه، وسيأتي في الإشارة تحقيق ذلك إن شاء الله. ثم قال ﷻ : وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً أي: ما أحسنهم رفقًا في الفراديس العُلى، فهم يتمتعون فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كانوا أعلى منهم، فلا يلزم من كونه معهم أن تستوي درجته معهم، قال في الحاشية: وتعقل مرافقة من دون النبي في المدانات من حاله وكشفه، بحيث لا يحجب عنه، وإن كان لا مطمع له في منزلته، واعتبر برؤية البصائر له وعدم غيبته عنهم وأنسهم به والاستفادة منه، وروى عنه- ﵊ أنه قال: «يزور الأعلَون من أهل الجنة الأسفلين، ولا يزور الأسفلون الأعلين، إلا من كان يزور في الله في الدنيا، فذلك يزور فى الجنة حيث شاء» . رُوِيَ أن ثَوبَانَ مَولى رَسُول الله ﷺ أتاه يومًا وَقَد تَغَيَّر وَجهُهُ وَنَحَلَ جِسمُهُ، فسأله ﵊ عن حاله، فقال: ما بي وَجَعٌ، غَيرَ أنِّي إذَا لَمْ أرَكَ اشتقْتُ إليك، واستَوحَشتُ وَحشةً شَدِيدَةً حَتَى ألقَاكَ، ثمَّ ذَكَرتُ الآخِرَةَ فخفت ألا أرَاكَ هُنَاكَ لأني عرفت أنكَ تُرفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ. وإن دخلتُ الجَنَّة، كُنتُ في مَنزلٍ أدون مِن مَنزِلكَ، وأن لَم أدخُلِ الجَنَّةَ فّذَلكَ حَرِيّ ألا أرَاكَ أبَدًا. فنزلت الآية وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ... الخ. ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ إشارة إلى ما للمطيعين من الأجور، ومزيد القرب والحضور، وأنه فضل تفضل على عباده، وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً بمقادير الأعمال والمقامات، فيُجازى كُلاًّ على حسب مقامه. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الطاعة التي توجب المعية الحسية في النعيم الحسي الجسماني هي الطاعة الظاهرة الحسية. والطاعة التي توجب المعية المعنوية في النعيم الروحاني هي الطاعة الباطنية القلبية. فالمعية الحسية صاحبها مفروق، والمعية المعنوية صاحبها مجموع، لا يغيب عن حبيبه لحظة. هؤلاء هم الصديقون المقربون. وفوقهم الأنبياء، وتحتهم الشهداء والصالحون. وبيان ذلك أن العلم بالله تعالى: إما أن يكون عن كشف الحجاب وانقشاع السحاب، أعني سحاب الأثر، وهم أهل الشهود والعيان. وإما أن يكون من وراء الحجاب، يأخذون أجرهم من وراء الباب، يستدلون بالآثار على المؤثر. وهم أهل الدليل والبرهان. والأولون إما أن يرتقوا إلى مكافحة الوحي ورؤية الملائكة الكرام. وهم الأنبياء والرسل- عليهم الصلاة والسلام-، وإما أن يقصروا عن درجة الوحي ويكون لهم وحي إلهام، وهم الصديقون أهل الحال والمقام، فقد اشتركوا في مقام العيانِ. لكن مقام الحضرة فضاؤه واسع، والترقي في معارج أسرار التوحيد غير

стр. 520

متناهٍ، فحيث انتهى قدم الولي ابتدأ ترقي النبي، وأما أهل الحجاب فإما أن يكون علمهم بالله بالبراهين القطعية والدلائل السمعية، وهم العلماء الراسخون، وهو مقام الشهداء، وإما أن يكون علمهم بالرياضات والمجاهدات وتواتر الكرامات، وهم العباد والزهاد. وهو مقام الصالحين، ويلتحق بهم عوام المسلمين، لأن كل مقام من هذه المقامات فيه درجات ومقامات لا يحصرها إلا العالم بها. والله تعالى أعلم. ثم رغّب في الجهاد الذي هو المقصود، فقال: [سورة النساء (٤) : الآيات ٧١ الى ٧٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) قلت: الحِذر والحَذَر واحد، كالشِّبه والشِّبَه، وبَطًأ يستعمل لازمًا بمعنى ثقل، ومتعديًا- بالتضعيف- أي: بطَّأ غيره، و (لَمَن ليبطئن) اللام الأولى للابتداء، والثانية للقسم، أي: وإنَّ منكم- أُقسم بالله- لمن ليبطئن. وجملة: (كأن لم يكن) : اعتراضية بين القول والمقول، تنبيهًا على ضعف عقيدتهم، وأن قولهم هذا قولُ من لا مواصلة بينكم وبينه. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تأهبوا واستعدوا لجهاد الأعداء، وخُذُوا حِذْرَكُمْ منهم بالعُدَّةِ والعَدَد، وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة، ولا حجة فيه للقدرية لأن هذا من الأسباب التي ستر الله بها أسرار القدرة. وقد قال لنبيّه- ﵊: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا وقال- عليه الصلاة السلام-: «اعقلها وتوكل» . وفي ذلك طمأنينة للقلوب التي لم تطمئن وتشريعًا للضعفاء، فإذا تأهبتم واستعددتم فَانْفِرُوا أي: اخرجوا إلى الجهاد ثُباتٍ أي: جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً أي: مجتمعين مع نبيكم، أو مع أميركم. وَإِنَّ مِنْكُمْ يا معشر المسلمين لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ الناس عن الجهاد، أو ليتثاقلن ويتخلفن عنه، وهو عبد الله بن أبي المنافق، وأشباهه من المنافقين، فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ كقتل أو هزيمة قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ

стр. 521

حين تخلفت إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً فيصيبني ما أصابهم. وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، كنصر وغنيمة، لَيَقُولَنَّ لفرط عداوته: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً، بالمال والعز. كأن ذلك المنافق، لم يكن بينكم وبينه مودة ولا مواصلة أصلاً، حيث يتربص الدوائر، يفرح بمصيبتكم ويتحسر بعزكم ونصركم. فإن تثاقل هذا عن القتال أو بطَّأ غيره، فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أهلُ الإخلاص والإيمان الَّذِينَ يَشْرُونَ، أي: يبيعون الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ، فيؤثرون الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء كلمة الله فَيُقْتَلْ شهيدًا أَوْ يَغْلِبْ عدوه وينصره الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً، وإنما قال تعالى: فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ تنبيهًا على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة، حتى يعز نفسه بالشهادة، أو الدين بالظفر والنصر. وألا يكون قصده بالذات القتل، بل إعلاء الحق وإعزاز الدين. قاله البيضاوي. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص خذوا حذركم من خدع النفوس، لئلا تعوقكم عن حضرة القدوس، فانفروا إلى جهادها ثُباتٍ أو جماعة «فإن يد الله مع الجماعة» ، فالصحبة عند الصوفية شرط مؤكد وأمر محتم. والله ما أفلح مَن أفلح إلا بصحبة مَن أفلح، فالنفس الحية لا تموت مع الأحياء، وإنما تموت مع الأموات، فهي كالحوت ما دامت في البحر مع الحيتان لا تموت أبدًا، فإذا أخرجتها وعزلتها عن أبناء جنسها ماتت سريعًا. كما قال شيخنا ﵁. وإن من نفوسكم لمن ليبطئنكم عن السير إلى حضرة قدسكم، تفر من مواطن الشدة والمحن، وفى ذلك حياتها لو تعقل وتفطن، فإن أصابتكم- أهل النسبة- نكبة، أو تعرف من التعرفات، ولم يصادفها فى ذلك الوقت شىء من تلك النكبات، قال: قد أنعم الله علىّ إذ لم أكن معهم شهيدًا، ولئن أصابكم بعد ذلك فضل من الله كنفحات ربانية وخمرات أزلية، قالت: يا ليتني كنتُ معهم فأفوز كما فازوا، فليجاهد نفسه في سبيل الله من أراد الظفر بحضرة الله، يقدمها إلى المكاره، وهو كل ما يثقل عليها، ويجنبها الشهوات، وهو كل ما يخف عليها، هكذا يسير معها ويقاتلها، حتى يموت أو يغلبها ويظفر بها. قال بعض المشايخ: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم. فإن ظفروا بها وصلوا. هـ. وحينئذ تذهب عنه المتاعب والأنكاد، وتصير الأزمنة كلها عنده مواسم وأعياد، ويقال له حينئذ: لك الدهر طوع والأنام عبيد ... فعش كل يوم من أيامك عيد

стр. 522

ويقال له أيضا: بَدَا لَكَ سِرٌّ طَالَ عَنْكَ اكْتتَامُهُ ... وَلاَحَ صَبَاحُ كُنْتَ أنْتَ ظَلاَمُهُ فَأنْتَ حِجَابُ القَلْبِ عَنْ سِرِّ غَيبهِ ... وَلَوْلاَكَ لَمْ يُطْبَعْ عليه ختامه إذا غِبْتَ عَنْهُ حَلَّ فِيهِ وَطَنَّبَتْ «١» ... عَلَى مَوْكبِ الكَشْفِ المصُونِ خِيَامُهُ وَجَاء حَدِيثٌ لا يُمَلُّ سَمَاعُهُ ... شَهِيٌّ إليْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ إذَا سَمِعَتْهُ النَّفْسُ طَابَ نَعِيمُهَا ... وَزَالَ عَنِ القَلْبِ المُعَنَّى غرامه «٢» ثم عاتب العباد على عدم النهوض إلى الجهاد، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٧٥] وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) قلت: (ما) مبتدأ. و (لكم) خبر. و (لا تقاتلون) حال، و (المستضعفين) عطف على اسم الجلالة، أي: أي شيء حصل لكم حال كونكم غير مجاهدين في سبيل الله وفي تخليص المستضعفين؟ و (الظالم) نعت للقرية، وإنما ذُكَّر ولم يؤنث، لأنه أسند إلى المذكر، واسم الفاعل إذا جرى على غير مَن هُوَ لَهُ أجرى مجرى الفعل، فيذكر ويؤنث باعتبار الفاعل. يقول الحق ﷻ : وَما لَكُمْ يا معشر المسلمين لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وفي تخليص إخوانكم الْمُسْتَضْعَفِينَ بمكة، الذين حبسهم العدو أو أسرهم ومنعهم من الهجرة مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ، فهم في أيديهم مغللون ممتحنون. قال البيضاوي: وإنما ذكر الولدان مبالغة في الحث وتنبيهًا على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبيان، وأن دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدعاء، حتى تشاركوا في استنزال الرحمة واستدفاع البلية. هـ. ثم ذكر دعاءهم فقال: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ أي: مكة الظَّالِمِ أَهْلُها بالشرك والطغيان حتى تعدى إلى النساء والصبيان. وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يصوننا عن أذاهم، وَنَصِيراً يمنعنا

стр. 523

من التخلف عن الهجرة إلى رسولك ﷺ ، فاستجاب الله دعاءهم بأن يسَّر لبعضهم الخروج إلى المدينة، وجعل لمن بقي منهم أعظم ولي وناصر، بفتح مكة على نبيه ﷺ ، فتولاهم ونصرهم، واستعمل عليهم عتَّاب بن أسيد، فحماهم وأعزهم حتى صاروا أعزاء أهلها، كما هي عادته سبحانه في إجابة دعاء المضطرين. الإشارة: ما لكم يا معشر العِباد، وخصوصًا المريدين من أهل الجد والاجتهاد، لا تجاهدون نفوسكم في طريق الوصول إلى الله، كي تنالوا بذلك مشاهدة جماله وسناه، وتخلصوا ما كمن في نفوسكم من الأسرار، وما احتوت عليه من العلوم والأنوار. فإن قرية البشرية قد احتوت عليها وأسرتها بظلمات شهواتها، واستضعفتها بتراكم غفلتها وتكثيف حجاب حسها. فمن جاهدها استخلص جواهر تلك العلوم والأسرار مِن صَدَفِها. وفي ذلك يقول ابن البنا في مباحثه: وَلَمْ تزل كُلُّ النُّفُوسِ الأحيا ... عَلاَّمة درَّاكة للأشيَا وَإِنَّمَا تَعُوقُها الأبدَان ... وَالأَنْفُسُ النُّزَّعُ والشَّيطَان فكلُّ مَن أذاقهم جهادَه ... أظهرَ لِلْقَاعِدِ خَرقَ الْعَادَهْ وقال أيضًا: وَهِيَ مِن النفوس في كُمُون ... كما يكون الحَبُّ في الغُصُون. فالرجال: الأسرار والأنوار، والنساء: العلوم والأذكار، والولدان: الحكم بنات الأفكار. فكل هؤلاء مستضعفون تحت قهر البشرية الظالم أهلها. من الأنفس النزع والشياطين المغوية، فكل من جاهد هؤلاء القواطع أظهر تلك العلوم والأنوار السواطع، واستخلص رُوحه من أسر حجاب الأكوان، وأفضى إلى فضاء الشهود والعيان. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم حثّ أولياءه من أهل الإيمان إن يقاتلوا أولياء الشيطان، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٧٦] الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦) يقول الحق ﷻ في مدح المخلصين: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وابتغاء مرضات الله، وإعلاء لكلمة الله، وَالَّذِينَ كَفَرُوا، من أهل مكة وغيرهم، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ وهو

стр. 524

الشيطان، فَقاتِلُوا يا أولياء الله أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ ولا يهولكم كيده إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً، وكيد الله للكافرين كان قويًا متينًا، فلا تخافوا أولياءه، فأنهم اعتمدوا على أضعف شيء وأوهنه، وأنتم اعتمدتم على أقوى شيء وأمتَنِه. الإشارة: كل ما سوى الله طاغوت، فمن قصد بجهاده أو عمله رضى الله والوصول إلى حضرته دون شيء سواه، كان من أولياء الله، ومن قصد بجهاده أو أعماله حظًا دنيويًا أو أخرويًا خرج من دائرة الولاية، فإما أن يكون مع عامة أهل الإيمان، أو من أولياء الشيطان. قال ﷺ : «إنَّما الأعمَالُ بالنيات، وإنما لكلّ امرئ مَا نَوَى، فمن كانَت هجرَتُه إلى الله ورسولِه فهجرتُه إلى اللهْ ورسولِه، ومن كانت هجرتُه إلى دُنيا يُصيبهُا أو امرأةٍ ينكِحُها، فهجرتُه إلى ما هَاجَرَ إليه» . وقال في الحِكَم: «لا ترحل من كَونٍ إلى كَونٍ، فتكون كحمار الرحى، يسير والذي ارتحل منه هو الذي ارتحل إليه، ولكن أرحل من الأكوانِ إلى المُكَوِّنِ، وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» . ثم عاتب الحقّ ﷻ قوما طلبوا فرض الجهاد، فلما فرض عليهم خطر ببالهم شىء من طبع البشر، الذي هو الخوف من الموت، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٧٧] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) قلت: (أو أشد) عطف على الكاف النائبة عن المصدر، أي: خشيةً مثل خشية الله أو أشد، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: مثل خشيتهم الله. يقول الحق ﷻ : أَلَمْ تَرَ يا محمد إِلَى الَّذِينَ طلبوا منك فرضَ الجهاد حرصًا على أن يجاهدوا، فقيل لهم على لسان الرسول: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عنه إلى أوَانِ فَرضِه، واشتغلوا بما أُمِرتم به من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ دخلهم الخوف إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ أي:

стр. 525

الكفار، أن يقتلوهم مثل خشية عقاب اللَّهِ أو أشد خشية منه. وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ في هذا الوقت لَوْلا: هلاّ أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نتمتع فيه بحياتنا أو إلى أن نموت بآجالنا. قلت: والظاهر أنهم قالوا ذلك في نفوسهم، خواطر خطرت لهم، ولم يفوهوا به، إن نزلت فى الصحابة- ﵃، وإن كانت في المنافقين فيمكن أن ينطقوا بها. قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وعيشها ذليل، وأجلها قريب، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى، وحياتها خير وأبقى، وسَتَقدُمون على مولاكم، فيكرم مثواكم، ويوفيكم جزاء أعمالكم، وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا من ثواب أعمالكم، ولا تنقصون من أيام أعماركم، جاهدتم أو قعدتم. [سورة النساء (٤) : آية ٧٨] أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ عند انقضاء آجالكم، وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ عالية محصنة. فإن كان الموت لا بد منه ففي الجهاد أفضل، لأنه حياة لا موتَ بعده. قال الكلبي: نزلت في قوم من الصحابة، منهم: عبد الرحمن بن عوف، والمِقدادُ وقٌدامة بن مَظعون وغيرهم، كانوا يُؤذَونَ بمكة، ويستأذنون النبي ﷺ في القتال، فيقول لهم: كفوا أيديكم حتى يُؤذن فيه لكم، فلما هاجروا إلى المدينة وأُمروا به، كرهه بعضهم كراهية الطبع البشري، فخطر ببالهم شيءٌ مما حكى الله عنهم. فلما كانوا في عين العناية ومحل القرب والهداية عوقبوا على تلك الخواطر، ولو كان غيرهم من أهل البُعد لسُومح له في ذلك، وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين أُمروا بالجهاد فنافقوا من الجُبن، وتخلفوا عن الجهاد، وهذا أليق بما بعده من قوله: إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ. والله تعالى أعلم. الإشارة: نرى بعض الفقراء يبطشون إلى مقام التجريد ومجاهدة نفوسهم قبل كمال يقينهم، فإذا أُمِروا بذلك، ورأوا ميادين الحروب واشتعال نيران قتل النفوس، وأمروا بالصبر على المكاره، من مواجهة الإنكار ولحوق الذل والافتقار، جبنوا وكلَّوا ورجعوا القهقرى، فيقال لهم: متاعُ الدنيا قليل وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، وما تنالون من الله في جزاء مجاهدتكم خيرٌ وأبقى، ولا تُظلمون فتيلاً من مجاهدتكم لنفوسكم، فلو صبرتم لفزتم بالوصول إلى حضرة ربكم، فلما جبُنتُم ورجعتم، كان جزاؤكم الحرمان، عما ظفر به أهل العرفان. وفي مثل هؤلاء يقول ابن الفارض ﵁: تعرّضَ قومٌ للغرامِ وأعرَضوا ... بجانبهم عن صحّتي فيه واعتلّوا رضوا بالأماني، وابُتُلوا بحظُوظهم ... وخاضوا بحارَ الحبّ، دعوى، فما ابتلّوا فهُم في السُّرى لم يَبرَحوا من مكانهم ... وما ظَعَنوا في السير عنه، وقد كلَّوا

стр. 526

ثم حكى مقالتهم الدالة على نفاقهم، فقال: وَإِنْ تُصِبْهُمْ ... يقول الحق ﷻ في وصف أهل النفاق: وإنهم إن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ كخصب ورخاء ونعمة ظاهرة، قالوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ونسبوها إلى الله بلا واسطة، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ كقحط وجوع وموت وقتل، قالوا للرسول- ﵊: هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ بشؤم قدومك أنت وأصحابك، كما قالت اليهود- لعنهم الله-: منذ دخل محمدٌ المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها. قلت: بل زكت ثمارها، ورخصت أسعارها، وأشرقت أنوارها، ولاحت أسرارها، وقد دعا ﷺ للمدنية بمثل ما دعا إبراهيمُ لمكة، وأضعاف ذلك، فما زالت الخيرات تترادف إليها حسًا ومعنى إلى يوم القيامة، وهذه المقالة قد صدرت ممن كان قبلهم فقد قالوا لسيدنا صالح ﵇: قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ، وقال تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ، مَّا يُقالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ. قال تعالى مكذبًا لهم: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الحسنة بفضله، والسيئة بعدله. ثم عيرهم بالجهل فقال: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً فهُم كالبهائم أو أضل سبيلاً، أو لا يفقهون القرآن ويتدبرون حديثه، ولو تدبروا لعلموا أن الكل من عند الله، وأنه خالق كل شيء، المقدَّر لكل شيء. ثم علَّمنا الأدب بنسبة الكمالات إليه سبحانه بلا واسطة، ونسبة النقائص إلى شؤم ذنوبنا، فقال: مَّآ أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ أي: نعمة فَمِنَ اللَّهِ فضلاً وإحسانًا، وأما طاعة العبد فلا تفي بشكر نعمة واحدة، ولذلك قال- ﵊: «لَن يَدخلَ أحدُكُمُ الجنةَ بعملهِ» ، قيل: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: «ولا أَنَا، إِلاَّ أنْ يتغمدنى الله برحمته» . [سورة النساء (٤) : الآيات ٧٩ الى ٨٠] مَّآ أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَما أَصابَكَ أيها الإنسان مِنْ سَيِّئَةٍ أي: بلية فَمِنْ نَفْسِكَ أي: شؤم ذنبك، وعنه- ﵊ أنه قال: «ما من خَدشٍ بعُود ولا اختلاج عرق ولا غيره إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثرُ» . فلا ينافي قوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فإن الكل منه إيجاداً واختراعًا، غير أن الحسنة إحسانٌ، والسيئة مُجَازاة وانتقام. كما قالت عائشة- رضى الله عنها-: «مَا مِن مُسلمٍ يُصيبه وَصَبٌ ولا نَصَبٌ، حتى الشوكة يُشَاكها، وحتى انقطاع شِسع نَعلهِ، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» .

стр. 527

وفي مصحف ابن مسعود: (قالوا مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فمن الله) الآية، فتكون حينئٍذ من مقالة المنافقين، والآيتان كما ترى لا حجة فيها للمعتزلة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ثلاث خصال لا ينجو منها إلا القليل كما في الحديث: الطيرة، والحسد، والظن. فقال- عليه الصلاة السلام: «إذا تَطَيَّرتَ فامضِ، وإذا حسدتَ فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تٌحَقّق» . فيتأكد على المريد أن يتطهر من هذه الخصال، ويصفي مشربه من التوحيد، فلا يرى في الوجود إلا مولاه، ولا ينسب التأثير إلى شيء سواه، إذا رأى نعمة به أو بغيره، قال: من الله، وإذا رأى مصيبة كذلك تأدب مع الله، فيعتقد في قلبه أنها من قَدَرِ الله، يقول: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وينسب النقص إلى نفسه وهواه، فالنفس والشيطان مناديل الحضرة، تمسح فيهما أوساخ الأقدار، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ. والله تعالى أعلم. ثم شَهِدَ ﷻ لرسوله بالرسالة، تحريضًا على تعظيمه وحثًا على طاعته، وترهيبًا من سوء الأدب معه، كما صدر من المنافقين، فقال: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ ... قلت: إن تعلق الجار بالفعل كان (رسولاً) حال مؤكدة، وإن تعلق بالاسم كان حالاً مؤسسة تفيد العموم أي أرسلناك رسولاً للناس جميعًا، و (حفيظًا) حال من الكاف. يقول الحق ﷻ : وَأَرْسَلْناكَ يا محمد لِلنَّاسِ رَسُولًا تعلمهم التوحيد وتدلهم على الأدب، فالتوحيد محله البواطن، فلا يرى الفعل إلا من الله، والأدب محله الظواهر فينسب بلسانه النقص إلى نفسه وهواه. وإذا شهد الحق- ﷻ لرسوله بالرسالة أغْنَى عن غيره، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً. وشهادة الحق له بالمعجزات الواضحات، والبراهين القطعيات، والدلائل السمعيات، فإذا ثبتت رسالته وجب على الناس طاعته، ولذلك قال: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ لأنه مُبلغ عن الله لا ينطق عن الهوى. رُوِي أنه ﷺ قال: «مَن أطَاعَنِي فَقَد أطَاعَ الله، ومَن أحبَني فقَد أحبَ الله» فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربًّا، كما اتخذت النصارى عيسى. فنزل: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى وأعرض فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً تَحفَظُ عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.

стр. 528

الإشارة: كما شهد الحق- ﷻ لرسله بالرسالة، بما أظهر لهم من المعجزات، شهد لأوليائه بالولاية بما منحهم من الكرامات. والمراد بالكرامة: هي تحقيق العرفان، ومعرفة الذوق والوجدان، واستقامة الظواهر والبواطن، وتهذيب الأخلاق وهداية الناس على يديه إلى العليم الخلاق، فهذه الكرامة المعتبرة عند المحققين، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عن معرفة الله، ومن أحبهم فقد أحب الله، ومن أبغضهم فقد أبغض الله لأنهم نور من أنوار الله، وعين من عيون الله، إذ لم يبق فيهم بقية مما سوى الله، أقدامهم على قدم رسول الله، «إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إنما يبايعون الله» . فافهم، والله تعالى أعلم. ثم ذكر أحوال أهل النفاق، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٨١] وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١) قلت: (طاعة) : خبر، أي: أمرنا طاعة، وأصله النصب على المصدر، ورُفِعَ للدلاله على الثبوت، وبيِّتَ الشيء: دبَّره ليلاً وأضمره في نفسه. يقول الحق ﷻ في شأن المنافقين: وَيَقُولُونَ لك إذا حضروا معك: أمرنا وشأننا طاعَةٌ لك فيما تأمرنا به، فَإِذا بَرَزُوا أي: خرجوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي: دبرَّت ليلاً وأخفت من النفاق غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لك من قبول الإيمان وإظهار الطاعة، أو زوَّرت خلاف ما قلتَ لها من الأمر بالطاعة، وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ أي: يُثبِتُه في صحائفهم فيجازيهم عليه، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ولا تبال بهم، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يكفك شرهم، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا عليهم، فسينتقم لك منهم. الإشارة: هذه الخصلة موجودة في بعض العوام إذا حضروا مع أهل الخصوصية أظهروا الطاعة والإقرار، وإذا خرجوا عنهم بيَّتوا الانتقاد والإنكار، فلا يليق إلا الإعراض عنهم، والغيبة في الله عنهم، فإن الله يكفي شرهم بكفالته وحفظه. والله تعالى أعلم. ثم دلّهم على ما فيه دواء مرض قلوبهم، فقال: [سورة النساء (٤) : آية ٨٢] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢)

стр. 529

يقول الحق ﷻ : أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون الْقُرْآنَ، وينظرون ما فيه من البلاغة والبيان، ويتبصّرون في معاني علومه وأسراره، ويطلعون على عجائب قصصه وأخباره، وتَوافُق آياتهِ وأحكامه، حتى يتحققوا أنه ليس من طوق البشر، وإنما هو من عند الله الواحد القهار، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً بَين أحكامه وآياته، من تَفَاوتِ اللفظ وتناقض المعنى، وكَون بعضه فصيحًا، وبعضه ركيكًا، وبعضه تصعب معارضته وبعضه تسهل، وبعضه توافق أخباره المستقبلة للواقع، وبعضه لا يوافق، وبعضه يوافق العقل، وبعضه لا يوافقه، على ما دلّ عليه الاستقراء من أن كلام البشر، إذا طال، قطعًا يوجد فيه شيء من الخلل والتناقض. قال البيضاوي: ولعل ذكره للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس للتناقض في الحكم، بل لاختلاف الأحوال من الحكم والمصالح. هـ. قال ابن جزي: وإن عَرَضَت لأحدٍ شبهةٌ وظن اختلافًا في شيء من القرآن، فالواجب أن يَتَّهِمَ نظره، ويسأل أهل العلم ويطالع تآليفهم، حتى يعلم أن ذلك ليس باختلاف. هـ. الإشاره: تدبر القرآن على حسب صفاء الجنان، فبقدر ما يتطهر القلب من حب الدنيا والهوى تتجلى فيه أسرار كلام المولى، وبقدر ما يتراكم في مرآة قلبه من صور الأكوان، ينحجب عن أسرار معاني القرآن ولو كان من أكابر علماء اللسان. فلما كان القرآن هو دواء لمرض القلوب، أمر الله المنافقين بالتدبر فى معانيه لعل ذلك المرض ينقلع عن قلوبهم، لكن الأقفال التي على القلوب مَنَعَت القلوبَ من فهم كلام علام الغيوب، فحلاوة كلام الله لا يذوقها إلا أهل التجريد، الخائضون في تيار بحار التوحيد، الذين صَفَت قلوبُهم من الأغيار، وتطهرت من الأكدار، يتمتعون أولاً بحلاوة الكلام، ثم يتمتعون ثانيا بحلاوة شهود المتكلم. والله تعالى أعلم. ومن مساوئ المنافقين إفشاء أسرار المؤمنين، كما قال تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ٨٣] وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣) قلت: استنبط الشيء: استخرجه من غيره، وأصل الاستنباط: إخراج النبط، وهو الماء، يخرج من البئر أول ما يحفر، والجار في (منهم) : إما بيان للموصول، أي: لعلم المستنبطون الذين هم أولوا الأمر، أو يتعلق ب (علم) ، أي: لعلمه الذين يستخرجونه إلى الناس من أولي الأمر.

стр. 530

يقول الحق ﷻ : في ذمّ المنافقين أو ضعفة المسلمين: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ أي: خبر عن السرايا الذين توجهوا للغزو، من نصر وغنيمة وأمن أو خوف، وقتل وهزيمة، أَذاعُوا بِهِ أي: تحدثوا به، وأشهروه، وأرجفوا به قبل أن يصل إلى الرسول- ﵊ وأكابر الصحابة، الذين هم أولو الأمر وأهل البصائر، فيعرفون كيف يتحدثون به. ولو ردوا ذلك إِلَى الرَّسُولِ وأخبروه به سرًا، أو سكتوا حتى يصل إليه، أو يردوه إِلى أُولِي الْأَمْرِ من أكابر الصحابة، لعلمه الذين يسخرجونه إلى الناس مِنْهُمْ، فينقلونه على وجهه، ويعرفون كيف يتحدثون به من غير إرجاف ولا تخويف، أو لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ وهم أولو الأمر أولاً، ثم يعلم الناس، فلا يكون فيه إرجاف ولا سوء أدب. أو: وإذا جاءهم أمر من وحي السماء: من تخويف أو تأمين، أذاعوا به قبل أن يظهره الرسول- ﵊، ولو سكتوا وردوا ذلك إلى الرسول حتى يتحدث به للناس، ويظهره أولو الأمر من أكابر أصحابه، لعلمه الذين يستخرجون ذلك الوحي من أصله، وهو الرسول- عليه الصلاة السلام- وأكابر أصحابه، كما فعل عمر ﵁: إذ سمع أن رسول الله ﷺ طلق نساءه، فدخل عليه فقال: أطلقت نساءك؟ قال: «لا» ، فقام على باب المسجد، فقال: إن رسول الله ﷺ لم يطلق نساءه، فأنزل الله هذه القصة، قال: وأنا الذي استنبطته. والله تعالى أعلم. الإشارة: قالت الحكماء: قلوب الأحرار قبور الأسرار، وهذه الخصلة التي ذمَّها الله تعالى تُوجد في كثير من العوام مهما سمعوا خبرًا: خيرًا أو شرًا، بادروا إلى إفشائه، ولا سيما إذا سمعوه على أهل النسبة أو أهل الخصوصية، وقد تُوجد في بعض الفقراء، وهي غفلة ونوع من الفضول، فالفقير الصادق غائب عن أخبار الزمان وأهله، وقد ترك الناسَ وما هم فيه، وقد تغلب عليه الغيبة في الله حتى تغيب عنه الأيام، وأما الفقير الذي يتسمع الأخبار ويبحث عنها فلا نسبة له في الفقر، إلا اسم بلا مسمى، وقد ترى بعض الفقراء، يبلّغ مساوئ إخوانه إلى المشايخ، وهو سبب الطرد، والعياذ بالله. وقد كان ﷺ يقول: «لا تبلغونى مساوئ أصحابي» «١» لأن ذلك يسؤوهم، والخير كله في إدخال السرور على قلوب المشايخ. وتنسحب الآية على مَن يُفشِيِ أسرار الربوبية، ويُطلع الفقراء علَى الحقيقة، ولو ردوا ذلك إلى شيخهم حتى يكون هو الذي يطلعهم لكان أحسن، لأن الحقيقة إذا أُخِذَت من الشيخ كان فيها سر كبير، بخلاف ما إذا أُخِذّت من غيره، إلاَّ إذا كان مأذونا له في ذلك فكأنه هو. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →