ثم حكى مقالتهم الدالة على نفاقهم، فقال:
وَإِنْ تُصِبْهُمْ ...
يقول الحق ﷻ في وصف أهل النفاق: وإنهم إن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ كخصب ورخاء ونعمة ظاهرة، قالوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ونسبوها إلى الله بلا واسطة، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ كقحط وجوع وموت وقتل، قالوا للرسول- ﵊: هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ بشؤم قدومك أنت وأصحابك، كما قالت اليهود- لعنهم الله-: منذ دخل محمدٌ المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها.
قلت: بل زكت ثمارها، ورخصت أسعارها، وأشرقت أنوارها، ولاحت أسرارها، وقد دعا ﷺ للمدنية بمثل ما دعا إبراهيمُ لمكة، وأضعاف ذلك، فما زالت الخيرات تترادف إليها حسًا ومعنى إلى يوم القيامة، وهذه المقالة قد صدرت ممن كان قبلهم فقد قالوا لسيدنا صالح ﵇: قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ، وقال تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ، مَّا يُقالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ. قال تعالى مكذبًا لهم: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الحسنة بفضله، والسيئة بعدله. ثم عيرهم بالجهل فقال: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً فهُم كالبهائم أو أضل سبيلاً، أو لا يفقهون القرآن ويتدبرون حديثه، ولو تدبروا لعلموا أن الكل من عند الله، وأنه خالق كل شيء، المقدَّر لكل شيء.
ثم علَّمنا الأدب بنسبة الكمالات إليه سبحانه بلا واسطة، ونسبة النقائص إلى شؤم ذنوبنا، فقال: مَّآ أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ أي: نعمة فَمِنَ اللَّهِ فضلاً وإحسانًا، وأما طاعة العبد فلا تفي بشكر نعمة واحدة، ولذلك قال- ﵊: «لَن يَدخلَ أحدُكُمُ الجنةَ بعملهِ» ، قيل: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: «ولا أَنَا، إِلاَّ أنْ يتغمدنى الله برحمته» .
[سورة النساء (٤) : الآيات ٧٩ الى ٨٠]
مَّآ أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠)
وَما أَصابَكَ أيها الإنسان مِنْ سَيِّئَةٍ أي: بلية فَمِنْ نَفْسِكَ أي: شؤم ذنبك، وعنه- ﵊ أنه قال: «ما من خَدشٍ بعُود ولا اختلاج عرق ولا غيره إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثرُ» . فلا ينافي قوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فإن الكل منه إيجاداً واختراعًا، غير أن الحسنة إحسانٌ، والسيئة مُجَازاة وانتقام. كما قالت عائشة- رضى الله عنها-: «مَا مِن مُسلمٍ يُصيبه وَصَبٌ ولا نَصَبٌ، حتى الشوكة يُشَاكها، وحتى انقطاع شِسع نَعلهِ، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» .
стр. 527
وفي مصحف ابن مسعود: (قالوا مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فمن الله) الآية، فتكون حينئٍذ من مقالة المنافقين، والآيتان كما ترى لا حجة فيها للمعتزلة. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ثلاث خصال لا ينجو منها إلا القليل كما في الحديث: الطيرة، والحسد، والظن. فقال- عليه الصلاة السلام: «إذا تَطَيَّرتَ فامضِ، وإذا حسدتَ فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تٌحَقّق» . فيتأكد على المريد أن يتطهر من هذه الخصال، ويصفي مشربه من التوحيد، فلا يرى في الوجود إلا مولاه، ولا ينسب التأثير إلى شيء سواه، إذا رأى نعمة به أو بغيره، قال: من الله، وإذا رأى مصيبة كذلك تأدب مع الله، فيعتقد في قلبه أنها من قَدَرِ الله، يقول:
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وينسب النقص إلى نفسه وهواه، فالنفس والشيطان مناديل الحضرة، تمسح فيهما أوساخ الأقدار، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ. والله تعالى أعلم.
ثم شَهِدَ ﷻ لرسوله بالرسالة، تحريضًا على تعظيمه وحثًا على طاعته، وترهيبًا من سوء الأدب معه، كما صدر من المنافقين، فقال:
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ ...
قلت: إن تعلق الجار بالفعل كان (رسولاً) حال مؤكدة، وإن تعلق بالاسم كان حالاً مؤسسة تفيد العموم أي أرسلناك رسولاً للناس جميعًا، و (حفيظًا) حال من الكاف.
يقول الحق ﷻ : وَأَرْسَلْناكَ يا محمد لِلنَّاسِ رَسُولًا تعلمهم التوحيد وتدلهم على الأدب، فالتوحيد محله البواطن، فلا يرى الفعل إلا من الله، والأدب محله الظواهر فينسب بلسانه النقص إلى نفسه وهواه. وإذا شهد الحق- ﷻ لرسوله بالرسالة أغْنَى عن غيره، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً. وشهادة الحق له بالمعجزات الواضحات، والبراهين القطعيات، والدلائل السمعيات، فإذا ثبتت رسالته وجب على الناس طاعته، ولذلك قال: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ لأنه مُبلغ عن الله لا ينطق عن الهوى. رُوِي أنه ﷺ قال:
«مَن أطَاعَنِي فَقَد أطَاعَ الله، ومَن أحبَني فقَد أحبَ الله» فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربًّا، كما اتخذت النصارى عيسى. فنزل: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى وأعرض فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً تَحفَظُ عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
стр. 528
الإشارة: كما شهد الحق- ﷻ لرسله بالرسالة، بما أظهر لهم من المعجزات، شهد لأوليائه بالولاية بما منحهم من الكرامات. والمراد بالكرامة: هي تحقيق العرفان، ومعرفة الذوق والوجدان، واستقامة الظواهر والبواطن، وتهذيب الأخلاق وهداية الناس على يديه إلى العليم الخلاق، فهذه الكرامة المعتبرة عند المحققين، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عن معرفة الله، ومن أحبهم فقد أحب الله، ومن أبغضهم فقد أبغض الله لأنهم نور من أنوار الله، وعين من عيون الله، إذ لم يبق فيهم بقية مما سوى الله، أقدامهم على قدم رسول الله، «إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إنما يبايعون الله» . فافهم، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر أحوال أهل النفاق، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ٨١]
وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١)
قلت: (طاعة) : خبر، أي: أمرنا طاعة، وأصله النصب على المصدر، ورُفِعَ للدلاله على الثبوت، وبيِّتَ الشيء: دبَّره ليلاً وأضمره في نفسه.
يقول الحق ﷻ في شأن المنافقين: وَيَقُولُونَ لك إذا حضروا معك: أمرنا وشأننا طاعَةٌ لك فيما تأمرنا به، فَإِذا بَرَزُوا أي: خرجوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي: دبرَّت ليلاً وأخفت من النفاق غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لك من قبول الإيمان وإظهار الطاعة، أو زوَّرت خلاف ما قلتَ لها من الأمر بالطاعة، وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ أي: يُثبِتُه في صحائفهم فيجازيهم عليه، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ولا تبال بهم، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يكفك شرهم، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا عليهم، فسينتقم لك منهم.
الإشارة: هذه الخصلة موجودة في بعض العوام إذا حضروا مع أهل الخصوصية أظهروا الطاعة والإقرار، وإذا خرجوا عنهم بيَّتوا الانتقاد والإنكار، فلا يليق إلا الإعراض عنهم، والغيبة في الله عنهم، فإن الله يكفي شرهم بكفالته وحفظه. والله تعالى أعلم.
ثم دلّهم على ما فيه دواء مرض قلوبهم، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ٨٢]
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢)
стр. 529
يقول الحق ﷻ : أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون الْقُرْآنَ، وينظرون ما فيه من البلاغة والبيان، ويتبصّرون في معاني علومه وأسراره، ويطلعون على عجائب قصصه وأخباره، وتَوافُق آياتهِ وأحكامه، حتى يتحققوا أنه ليس من طوق البشر، وإنما هو من عند الله الواحد القهار، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً بَين أحكامه وآياته، من تَفَاوتِ اللفظ وتناقض المعنى، وكَون بعضه فصيحًا، وبعضه ركيكًا، وبعضه تصعب معارضته وبعضه تسهل، وبعضه توافق أخباره المستقبلة للواقع، وبعضه لا يوافق، وبعضه يوافق العقل، وبعضه لا يوافقه، على ما دلّ عليه الاستقراء من أن كلام البشر، إذا طال، قطعًا يوجد فيه شيء من الخلل والتناقض.
قال البيضاوي: ولعل ذكره للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس للتناقض في الحكم، بل لاختلاف الأحوال من الحكم والمصالح. هـ. قال ابن جزي: وإن عَرَضَت لأحدٍ شبهةٌ وظن اختلافًا في شيء من القرآن، فالواجب أن يَتَّهِمَ نظره، ويسأل أهل العلم ويطالع تآليفهم، حتى يعلم أن ذلك ليس باختلاف. هـ.
الإشاره: تدبر القرآن على حسب صفاء الجنان، فبقدر ما يتطهر القلب من حب الدنيا والهوى تتجلى فيه أسرار كلام المولى، وبقدر ما يتراكم في مرآة قلبه من صور الأكوان، ينحجب عن أسرار معاني القرآن ولو كان من أكابر علماء اللسان. فلما كان القرآن هو دواء لمرض القلوب، أمر الله المنافقين بالتدبر فى معانيه لعل ذلك المرض ينقلع عن قلوبهم، لكن الأقفال التي على القلوب مَنَعَت القلوبَ من فهم كلام علام الغيوب، فحلاوة كلام الله لا يذوقها إلا أهل التجريد، الخائضون في تيار بحار التوحيد، الذين صَفَت قلوبُهم من الأغيار، وتطهرت من الأكدار، يتمتعون أولاً بحلاوة الكلام، ثم يتمتعون ثانيا بحلاوة شهود المتكلم. والله تعالى أعلم.
ومن مساوئ المنافقين إفشاء أسرار المؤمنين، كما قال تعالى:
[سورة النساء (٤) : آية ٨٣]
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣)
قلت: استنبط الشيء: استخرجه من غيره، وأصل الاستنباط: إخراج النبط، وهو الماء، يخرج من البئر أول ما يحفر، والجار في (منهم) : إما بيان للموصول، أي: لعلم المستنبطون الذين هم أولوا الأمر، أو يتعلق ب (علم) ، أي:
لعلمه الذين يستخرجونه إلى الناس من أولي الأمر.
стр. 530
يقول الحق ﷻ : في ذمّ المنافقين أو ضعفة المسلمين: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ أي: خبر عن السرايا الذين توجهوا للغزو، من نصر وغنيمة وأمن أو خوف، وقتل وهزيمة، أَذاعُوا بِهِ أي: تحدثوا به، وأشهروه، وأرجفوا به قبل أن يصل إلى الرسول- ﵊ وأكابر الصحابة، الذين هم أولو الأمر وأهل البصائر، فيعرفون كيف يتحدثون به.
ولو ردوا ذلك إِلَى الرَّسُولِ وأخبروه به سرًا، أو سكتوا حتى يصل إليه، أو يردوه إِلى أُولِي الْأَمْرِ من أكابر الصحابة، لعلمه الذين يسخرجونه إلى الناس مِنْهُمْ، فينقلونه على وجهه، ويعرفون كيف يتحدثون به من غير إرجاف ولا تخويف، أو لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ وهم أولو الأمر أولاً، ثم يعلم الناس، فلا يكون فيه إرجاف ولا سوء أدب. أو: وإذا جاءهم أمر من وحي السماء: من تخويف أو تأمين، أذاعوا به قبل أن يظهره الرسول- ﵊، ولو سكتوا وردوا ذلك إلى الرسول حتى يتحدث به للناس، ويظهره أولو الأمر من أكابر أصحابه، لعلمه الذين يستخرجون ذلك الوحي من أصله، وهو الرسول- عليه الصلاة السلام- وأكابر أصحابه، كما فعل عمر ﵁: إذ سمع أن رسول الله ﷺ طلق نساءه، فدخل عليه فقال: أطلقت نساءك؟ قال:
«لا» ، فقام على باب المسجد، فقال: إن رسول الله ﷺ لم يطلق نساءه، فأنزل الله هذه القصة، قال: وأنا الذي استنبطته. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قالت الحكماء: قلوب الأحرار قبور الأسرار، وهذه الخصلة التي ذمَّها الله تعالى تُوجد في كثير من العوام مهما سمعوا خبرًا: خيرًا أو شرًا، بادروا إلى إفشائه، ولا سيما إذا سمعوه على أهل النسبة أو أهل الخصوصية، وقد تُوجد في بعض الفقراء، وهي غفلة ونوع من الفضول، فالفقير الصادق غائب عن أخبار الزمان وأهله، وقد ترك الناسَ وما هم فيه، وقد تغلب عليه الغيبة في الله حتى تغيب عنه الأيام، وأما الفقير الذي يتسمع الأخبار ويبحث عنها فلا نسبة له في الفقر، إلا اسم بلا مسمى، وقد ترى بعض الفقراء، يبلّغ مساوئ إخوانه إلى المشايخ، وهو سبب الطرد، والعياذ بالله. وقد كان ﷺ يقول: «لا تبلغونى مساوئ أصحابي» «١» لأن ذلك يسؤوهم، والخير كله في إدخال السرور على قلوب المشايخ.
وتنسحب الآية على مَن يُفشِيِ أسرار الربوبية، ويُطلع الفقراء علَى الحقيقة، ولو ردوا ذلك إلى شيخهم حتى يكون هو الذي يطلعهم لكان أحسن، لأن الحقيقة إذا أُخِذَت من الشيخ كان فيها سر كبير، بخلاف ما إذا أُخِذّت من غيره، إلاَّ إذا كان مأذونا له في ذلك فكأنه هو. والله تعالى أعلم.
стр. 531
وقال الورتجبي: قال أبو سعيد الخراز: إن له عبادًا يدخل عليهم الخلل، ولولا ذلك لفسدوا وتعطلوا، وذلك أنهم بَلَغُوا من العلم غاية، صاروا إلى علم المجهول، الذي لم ينصُّه كتاب، ولا جاء به خبر، لكن العقلاء العارفون، يحتجون له من الكتاب والسنة، بحسن استنباطهم ومعرفتهم، قال الله تعالى: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ. هـ.
قلت: ومعنى كلامه: أن الله- تعالى- أشغل علماء الظاهر بتقرير علم الفرق، ولولا اشتغالهم بذلك لتعطلوا وتبطلوا، إذ لا قدرة لهم على عمل القلوب من الفكرة والنظرة، لكن العارفون يقرون لهم ذلك، ويحتجون لهم بما في نشر العلم من الأجور، من الكتاب والسنة، لأنهم قاموا بنظام علم الحكمة ورفعوا علم الشريعة، ولولا قيامهم بذلك لتعين على أهل الباطن، فتتشوش عليهم قلوبهم، وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني ﵁ يقول:
جزاهم الله عنا خيرًا رفعوا لنا علم الشريعة، نحن نغرق في البحر، ثم نرفع رأسنا فنرى العلم قائمًا، ثم نرجع إلى البحر. هـ. بالمعنى، والله تعالى أعلم.
ثم أن الهداية بيد الله، قوم أقامهم في الفرق، وقوم هداهم إلى الجمع، كما قال تعالى:
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ ...
يقول الحق ﷻ : لولا أن الله تفضل عليكم ورحمكم بنبي الرحمة، وأنقذكم من متابعة الشيطان وعبادة الأوثان، لبقيتم على كفركم وضلالكم، ولا تبعتم الشيطان فيما يأمركم به من الكفر والعصيان، إلا قليلاً ممن اهتدى قبل بعثته، كقس بن ساعدة، وزيد بن نفيل، وورقة بن نوفل، رزقهم الله كمال العقل فنظروا وتكفروا بعقولهم فوجدوا الله واعتزلوا ما كان يعبد آباؤهم وإخوانهم. أما قس فاعتزل قومه، وعبد الله وحده، وكان يخطب على الناس ويأمرهم بالتوحيد، ويعيب عليهم عبادة الأصنام. وعاش سبعمائة عام. وأما زيدٌ فتعلق بالحنيفية، دين إبراهيم، حتى مات قبل البعثة. وأما ورقة- فأخذ بدين النصرانية التي لم تُغَيَّر، وأدرك أول البعثة، وآمن بالرسول قبل أن يُؤمر بالإنذار. قال- ﵊: «رأيتُه في الجنة عليه ثيابُ خُضر» .
والله تعالى أعلم.
الإشارة: لولا فضل الله عليكم بأن بعث لكم مَن يدلكم على الله ويعرفكم بالله، ورحمته بأن أخرجكم من ضيق الفرق، إلى فضاء الجمع، لا تبعتم الفرق علمًا وعملاً، لكن الله تعالى بفضله ورحمته غيبكم عن شهود الفرق بشهود الملك الحق. إلاّ فرقًا قليلاً تقيمون به رسم العبودية، وتظهرون به الآداب مع الربوبية.
стр. 532
قال الورتجبي: الفضل والرحمة منه للعموم، ومحبته للخصوص، الذين هم مستثنون بقوله: «إلا قليلاً» . هـ. قال القشيري: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ مع أوليائه لهاموا في كل وادٍ من التفرقة كأشكالهم في الوقت. هـ. فَخَصَّ الإشارة بالأولياء، وعليه فقوله: إِلَّا قَلِيلًا أي: إلا تفرقة قليلة تعرض لهم، تربيةً لهم، وإبقاء لرسمهم ومناطِ تكليفهم.
والله تعالى أعلم. قاله في الحاشية.
ولا يظهر هذا كله إلا بالجهاد الأكبر والأصغر، كما قال تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٤ الى ٨٦]
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦)
قلت: (نفسك) : مفعول ثانٍ، والأول نائب، أي: لا يكلفك الله إلا نفسك.
يقول الحق ﷻ : فَقاتِلْ يا محمد فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولو وَحدَكَ إن تثبطوا عن الجهاد، لا نكلفك إلا أمر نفسك، وَلكن حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ على الجهاد، إذ ما عليك إلا التحريض. فجاهدوا حتى تكون كلمة الله هي العليا. عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بجهادكم بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ويبطل دينهم الفاسد. وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً منهم وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أي: تعذيبًا لهم. وقد حقَّق الله ذلك ففتح الله على نبيه قبائل العرب، فلم يبق فيهم مشرك، ثم فتح على الصحابة سائر البلاد، وهدى الله بهم جميع العباد، إلا من فرّ من الكفار إلى شواهق الجبال.
وإنما أمرتك بالتحريض على الجهاد لأن الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِه، وذلك كالشفاعة بين الناس ودلالتهم على إصلاح ذات البين، فمن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً بأن ينفع المشفوع له، بدفع ضرر أو جلب نفع، ابتغاء وجه الله، يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها، أي: حظ كبير من الثواب لأنه دل المشفوع عنده على الخير، وأوصل النفع إلى المشفوع له، فله من الأجر مثل ما لهما، ومنها: الدعاء بظهر الغيب، فقد قال ﵊: «مَن دعا لمسلمٍ بظَهرِ الغَيبِ استُجيب له، وقال له الملك: لك مِثلُ ذَلِكَ» .
وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً، يريد بها فسادًا بين الناس كنميمة وزور وإحداث بدعة، يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ أي:
نصيب مِنْها أي: من وِزرها، وفي الحديث: «مَن سنَّ سُنةَ حَسَنةٌ، فله أجرُهَا وأجرُ مَن عمل بها إلى يَومِ
стр. 533
القيامَةِ، ومن سنَّ سُنَّة سَيِّئةً فعليه وزرُهَا وَوِزرُ من عمل بها إلى يَوم القيامَةِ» . وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً أي: مقتدرًا من أقات على الشيء: إذَا قدر عليه، أو شهيدًا حافظَا فيجازي على قدر الأعمال.
ومن هذا أيضًا: السلام، فإنه سبب في ثواب الرد، لذلك ذكره الحق في سلك الدلالة على الخير فقال: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها بأن تقولوا: وعليكم السلام والرحمة والبركة، أَوْ رُدُّوها بأن تقولوا:
وعليكم السلام.
وفي الخبر: «مَن قَالَ لأخيه المسلم: السَّلامُ علَيكُم، كتب الله له عَشرُ حَسنات، فإن قال: السَّلامُ عليكُم ورحمَةُ الله، كتب الله له عِشرين حَسنة، فإن قال: وَبَرَكَاتُه، كتب الله ثَلاثين» ، وكذلك لمن ردّ، فإن اقتصر على السلام، فعشر، وهكذا.. فإن ذكرَ المسلم الرحمةَ والبركةَ، قال الرادُّ: وعليكم، فقط، إذ لم يبق ما يزاد، ورد السلام واجب على الكفاية، حيث يكون مشروعًا، فلا يرد في الخطبة، وقراءة القرآن، والذكر والتفكر، والاعتبار، ونظرة الشهود والاستبصار، لأنه يفتر ويشوش، وفي الحمام إذا كانوا عراة، وفي حال الجماع والأكل والشرب وغيرها من المسائل المستثناة. وقد نظمه بعضهم، فقال:
رَدُّ السَّلآم واجبٌ إلا على ... مَن في الصَّلاةِ أو بأكل شُغلا
أو شُربٍ أو قراءةٍ أو أدعِيه ... أو ذكرٍ أو خُطبةٍ أو تَلبِيه
والسلام من تحية أهل الإسلام، خاصٌّ بهم. لذلك استغرب الخضر- ﵇ سلام سَيدنا موسى ﵇ فقال له: «وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ» ، وكذلك خليل الله إبراهيم ﵇، إنما أنكر الملائكة حيث سلموا عليه بتحية أهل الإسلام لأنه كان بين أظهر قوم كفار، أما سلام أبي ذر على النبي ﷺ بتحية أهل الإسلام، قبل أن يسلم، فلعله سمعه من بعض الصحابة قبل أن يسلم، أو إلهام من الله. والله تعالى أعلم.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً يحاسبكم على التحية وغيرها. وبالله التوفيق.
الإشارة: فجاهد أيها الإنسان نفسك في سبيل الله، لا تكلف إلا إصلاحها وتزكيتها، وحرض من يسمع قولك من المؤمنين على جهاد أنفسهم، عسى الله أن يكف عنهم القواطع والعلائق، فيتأهلون لإشراق قلوبهم بأنوار الحقائق، فإن الله لا يغلبه شيء، فمن ذكّر عبادَ الله، ودسهم إلى حضرة الله كان حظه كبيرًا عند الله. ومن دلهم على غير الله فقد غشهم وكان مُهانًا عند الله، وإذا وقع السلام على الفقراء فإن كانوا سالكين غير مشتغلين بالذكر
стр. 534
وجب عليهم الرد بأحسن، وإذا كانوا ذاكرين أو متفكرين أو سكارى في شهود الحبيب سقط عنهم السلام، وكذلك إذا سلم عليهم اختبارًا وتعنيتًا لم يجب الرد. والله تعالى أعلم.
ولما ذكر أمر الحساب ذكر وقته، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ٨٧]
اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧)
قلت: (الله) : مبتدأ، و (لا إله) : خبر، أو اعتراض، و (ليجمعنكم) : خبر، وهو أوفق بالسياق، و (لا ريب فيه) حال، أو صفة لمصدر، أي: جمعًا لا ريب فيه.
يقول الحق ﷻ : اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ أي: لا مستحق للعبادة إلا هو، والله لَيَجْمَعَنَّكُمْ أي:
ليحشرنكم من قبوركم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ للحساب الذي وعدكم به، لا شك فيه، فهو وعد صادق، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً، أي: لا أحدَ أصدقُ من الله حديثًا، لأن الكذب نقص، وهو على الله محال.
الإشارة: الحق تعالى واحد في ملكه، فلا يذوق وحدانيته إلا من كان واحدًا في قصده وهمه، فكل من وحَّدّ قلبه وقصده وهمته في طلبه، وانجمع بكليته إليه، جمعه الله لحضرته، ونعَّمه بشهود ذاته، وعداً حقاً وقولاً صدقاً، لا ريب فيه ولا اشتباه، إذ لا أحدَ أصدق من الله.
ثم رجع إلى الكلام مع المنافقين، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ٨٨]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨)
قلت: (فئتين) : حال، والعامل فيه: الاستقرار في الجر، وأركس الشيء: نكَّسه.
يقول الحق ﷻ معاتبًا الصحابة حين اختلفوا في إسلام بعض المنافقين، فقال: فَما لَكُمْ افترقتم فِي شأن الْمُنافِقِينَ فرقتين، ولم تتفقوا على كفرهم، والحالة أن الله- تعالى- أَرْكَسَهُمْ، أي: نكَّسهم وردهم إلى الكفر بعد أن أظهروا الإسلام بسبب ما كسبوا من الآثام. أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ، وسبق لهم الشقاء في علم الله؟ ومَن يُضللِ اللهُ فلن تجد له طريقاً إلى الهدى. قال ابن عباس- رضى الله عنهما-: (نزلت في قوم كانوا بمكة من المشركين، فزعموا أنهم آمنوا ولم يهاجروا، ثم سافر قوم منهم بتجارات إلى الشام، فاختلف
стр. 535
المسلمون، هل يقتلونهم ليغنموا تجارتهم، لأنهم لم يهاجروا، أو يتركونهم لأنهم مؤمنون؟) . وقيل: في قوم أسلموا ثم اجتَوَوا المدينة «١» ، واستأذنوا رسول ﷺ في الخروج إلى البدو، فلما خَرَجُوا لم يزالُوا راحلين مَرحلةٌ حتى لحقُوا بالمُشركين، فاختلف المسلمون فى إسلامهم.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٩ الى ٩٠]
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)
ثم حكم بكفرهم فقال وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ أي: يتمنون كفركم كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ معهم سَواءً في الضلال والكفر.
الإشارة: مَنْ دخل في طريق المخصوصين الأبرار، ثم لم تساعده رياح الأقدار، فلا ينبغي الكلام فيه، ولا الخوض في شأنه، لأن أمره بيد ربه، (من يهده الله فلا مضل له) ، ومن يضلل فلا ناصر له. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم نهى عن مُوَالاَتهم، فقال:
فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ ...
قلت: (حَصِرت) : أي: ضاقت، والجملة حال من الواو، بدليل قراءة يعقوب (حَصِرَةً) .
يقول الحق ﷻ : فَلا تَتَّخِذُوا من هؤلاء الكفرة أَوْلِياءَ وأصدقاء حتى يتحقق إيمانهم، بأن يهاجروا من دار الكفر إلى دار الإسلام فِي سَبِيلِ اللَّهِ وابتغاء مرضات الله، لا لحرف دنيوي، فَإِنْ تَوَلَّوْا عن إظهار الإيمان بالهجرة فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَخُذُوهُمْ أسارى وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ كسائر الكفرة، وجانبوهم وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً أي: لا تستعينوا بهم في جهادكم، إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عهد، ومِيثاقٌ أي: مهاندة، فلهم حكم المُعَاهَدِين الذين وصلوا إليهم، ودخلوا معهم في الصلح، فلا تقتلوهم ولا تأسروهم.
стр. 536
وكانت خزاعة وادعت النبي ﷺ وعقدت معه الصلح، فجاء بنو مدلج فدخلوا معهم في الصلح، فنهى الله عن قتالهم ماداموا معهم، فالقوم الذين بين المسلمين وبينهم ميثاق هم خزاعة، والذين وصلوا إليهم هم بنو مدلج.
فالاستثناء على هذا منقطع، لأن بني مدلج حينئٍذ كانت مظهرة للكفر لا منافقة، ويحتمل أن يكون متصلاً، أي: إلا الذين يصلون منهم ... الخ، فتأمل. وكان هذا في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الآية.
ثم ذكر قومًا آخرين نهى عن قتالهم، فقال: أَوْ جاؤُكُمْ أي: إلّا قوما جاءوكم، قد حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي: ضاقت عن أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ يعني أنهم كرهوا قتالهم، وكرهوا قتال قومهم الكفار، فلا تقتلوهم أيضًا، لأن الله كفَّ شرهم عنكم، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ بأن قوَّى قلوبهم وأزال رعبهم فَلَقاتَلُوكُمْ ولم يكفّوا عنكم، فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ولم يتعرّضوا لكم وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي: الاستسلام والانقياد فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي: طريقًا إلى قتالهم.
الإشارة: نهى الله تعالى عن مساكنة النفوس وموالاتها، حتى تهاجر عن مواطن شهواتها إلى حضرة ربها، فإن تولت عن الهجرة وألِفَت البطالةَ والغفلة فليأخذها ليقتلها حيثما ظهرت صورتها، ولا يسكن إليها أبدًا أو يواليها، إلاَّ إن وصلت إلى حضرة الشيخ، وأمره بالرفق بها، أو كفت عن طغيانها، أو كفى الله أمرها بجذبٍ أخرجها عن عوائدها، أو واردٍ قوَّى دفع شهواتها، فإنه يأتي من حضرة قهّار، لا يصادم شيئاً إلا دمغه، وهذه عناية من الرحمن، ولو شاء الله تعالى لسلطها على الإنسان يرخى لها العنان، فتجمح به في ضَحضَاح النيران، فإن كفت النفس عن شهواتها، وانقادت إلى حضرة ربها، فما لأحدٍ عليها من سبيل، وقد دخلت في حمى الملك الجليل.
والله تعالى أعلم.
ثم ذكر صنفا آخر من المنافقين، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ٩١]
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)
стр. 537
يقول الحق ﷻ : سَتَجِدُونَ قوماً آخَرِينَ منافقين، وهم أسد وغطفان، قَدِمُوا المدينة، وأظهروا الإسلام نفاقًا ورياء إذا لقوا النبي ﷺ قالوا: إنا على دينك، يريدون الأمن، إذا لقوا قومهم، وقالوا لأحدهم: لماذا أسلمت، ومن تعبد؟ فيقول: لهذا القرد ولهذا العقرب والخنفساء، يُرِيدُونَ بإظهار الإسلام أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ، كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها، أي: كلما دُعُوا إلى الكفر رَجَعُوا إليه أقبحَ رد، فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي: ولم يلقوا إليكم المسالمة والصلح، ولم يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ بأن تعرضوا لكم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي: وجدتموهم، وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً، أي: تسلطاً مُبِيناً ظاهرًا، لظهور كفرهم وثبوت عداوتهم.
الإشارة: النفوس على ثلاثة أقسام: قسم مطلقة العنان في الجرائم والعصيان، وهي النفوس الأمارة، وإليها الإشارة بالآية قبلها، والله أعلم. وقسم مذبذبة تارة تظهر الطاعة والإذعان، تريد أن يأمنها صاحبها، وتارة ترجع إلى الغي والعصيان، مهما دعيت إلى فتنة وقعت فيها، فإن لم تنته عن ذلك، وتكف عن غيها، فالواجب جهادها وقتلها حتى تنقاد بالكلية إلى ربها، وأما النفس المطمئنة فلا كلام معها لتحقق إسلامها، فالواجب الكف عنها وحبها. والله تعالى أعلم.
ولما فرغ من حفظ الأديان تكلم على بقية حفظ الأبدان، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ٩٢]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢)
قلت: (وما كان لمؤمن) النفي هنا بمعنى النهي، كقوله: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ، و (إلا خطًأ) : استثناء منقطع، و (خطأ) : حال، أو مفعول من أجله، أو صفة لمصدر محذوف، أي: لا يحل له أن يقتل مؤمنًا في حال من الأحوال، لكن إن وقع خطّأ فحكمه ما يأتي. وقيل: متصل. انظر ابن جزي. أو: إلا قتلا خطّأ، و (إلا أن يصدقوا) : حال، أي: إلا حال تصدقهم، و (توبة) : مفعول من أجله، أي: شرع ذلك لأجل التوبة. أو، مصدر، أي: تاب عليكم توبة.
стр. 538
يقول الحق ﷻ : وَما كانَ ينبغي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً مثله، أي: هو حرام عليه، إِلَّا أن يقتله خَطَأً بأن ظنه كافرًا، أو رمى غيرَه فصادفه. والآية نزلت بسبب قتل عياش بن ربيعة للحارث بن زيد، وكان الحارث يعذبه على الإسلام، ثم أسلم الحارث، وهاجر، ولم يعلم عياشُ بإسلامه، فقتله.
ثم ذكر حُكمه فقال: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي: فعليه تحرير رقبة مُؤْمِنَةٍ سالمة من العيوب، ليس فيها شوب حرية، تكون من مال القاتل، وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ أي: مدفوعة إِلى أَهْلِهِ وهي على العاقلة كما بيّن الرسول- ﵊، وهي عند مالك: مائة من الإبل على أهل الإبل، وألف دينار شرعية على أهل الذهب، وأثنا عشر ألف درهم، على أهل الوَرِق، مقسطة على ثلاث سنين، فإن لم تكن العاقلة فعلى بيت المال، وتقسم على أهله، على حسب المواريث، إلا أن يتصدقوا بالدية على القاتل فتسقط، أي: تسمح فيها الورثة أو القتيل قبل موته.
فَإِنْ كانَ المقتول مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ أي: محاربين لكم، وَهُوَ أي: المقتول مُؤْمِنٌ فعلى القاتل تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ولا دية لأنهم محاربون فيتقووا بها على المسلمين، ورأى مالك أن الدية في هذا واجبة لبيت المال، وَإِنْ كانَ المقتول مؤمنًا وهو مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي: عقد الصلح أو الذمة، فعلى القاتل دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ، وعليه أيضًا تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ كفارة لخطئه. فإن كان غير مؤمن فلا كفارة فيه. وفيه نصف دية المسلم، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الرقبة، أو لم يقدر عليها فعليه فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ عوضًا من العتق، جعل الله ذلك تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ على القاتل لتفريطه. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما فرض، حَكِيماً فيما قدَّر ودبَّر. والله تعالى أعلم.
الإشارة: اعلم أن الحق- ﷻ قد رغَّب في إحياء النفوس، حسًا ومعنًى، ونهى عن قتلها حسًا ومعنًى، وما ذلك إلا لخصوص محبة له فيها، ومزيد اعتناء له بشأنها فليس في الوجود أعز عند الله من مظهر هذا الآدمي إن استقام في العبودية لربه، فهو قلب الوجود، ومن أجله ظهر كل موجود، وهو المنظور إليه من هذا العالم السفلي، والمقصود بالخطاب التكليفي: جزئي وكلي، فهو المقصود من بيت القصيد، وهو المحبوب إليه، دون سائر العبيد، قال تعالى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي.
стр. 539
ومعنى إحيائها حسًّا: إنقاذها من الهلاك الحسّي، ومعنى إحيائها معنّى: إنقاذها من الهلاك المعنوي كالجهل والغفلة، حتى تحيا بالعلم والإيمان واليقظة، ومعنى قتلها حسًا: إهلاكها، ومعنى قتلها معنًى: إيقاعها في المعاصي والكفر وحملها على ذلك، وكذلك إهانتها وذلها، ولذلك قال ﵊: «لَعنُ المُؤمن كَقَتَلهِ» . فأمر من قتله خطًأ أن يحيى نفسا أخرى فى مقابلتها بإخراجها من موت إهانة الرق، فإن لم يقدر، فليحى نفسه بقتل صولتها بالجوع حتى تنكسر، فتحيا بالتوبة واليقظة، ويُجبر كسر أهل المقتول بالدية المسلّمة.
هذا كله فى تفريطه وقلة حزمه حتى قتل خطأ، وأما إن قتله عمدا، فأشار إليه الحقّ ﷻ بقوله:
[سورة النساء (٤) : آية ٩٣]
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)
يقول الحق ﷻ : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً مستحلاً لقتله فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ أي: طرده وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً، وقولُنا: مستحلاً لقتله، هو أحد الأجوبة عن شبهة المعتزلة القائلين بتخليد عصاة المؤمنين في النار. ومن جُملتهم: قاتل النفس.
ومذهب أهل السنة: أنه لا يخلد إلا الكافر، ويؤيد هذا الجواب سبب نزول الآية، لأنها نزلت في كافر، وهو (مَقِيس بن ضُبَابة الكناني) وَجَدَ أخَاه هشامًا قَتَيلاً في بني النجار- وكان مُسلمًا- فذكر ذلك للنبى ﷺ فأرسَل مَعهُ رجلاً من بني فهرِ، وقال له: «ائت بني النّجار، وقُل لهم: إن عَلمتُم قاتِل هِشَامٍ فادفَعُوهُ لمقيس يَقتَصُّ مِنه، وإن لِمَ تَعلمُوا فادفَعُوا إليه الدَّيةَ» . فقالوا: سمعًا وطاعة، لم نَعلَم قاتِله، فجمعوا مائة من الإبل، فأخذها، ثم انصرفا راجعَين إلى المدينة، فوسوس إليه الشيطان، وقال: أيَّ شيء صَنَعتَ؟ تَقبلُ ديةَ أخيكَ فتكونُ عليك سُبَّة، اقتل الرجلَ الذِي مَعكَ فتكُونَ نفسٌ مكانَ نَفسٍ وفَضلُ الدِّيَة، فَقَتَلَه وأخذ الدِّية، فنزلت فيه الآية.
أو يكون الخلود عبارة عن طول المكث، والجمهور على قبول توبته، خلافًا لابن عباس، ونُقِل عنه أيضًا قبولها، ولعله تعالى استغنى عن ذكر التوبة هنا اكتفاء بذكرها في الفرقان، حيث قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ثم قال: إِلَّا مَنْ تابَ. وأما من قال: إن تلك منسوخة بهذه فليس بصحيح لأن النسخ لا يكون في الأخبار. أو فجزاؤه إن جُوزِي، ولا بِدع في خلف الوعيد لقوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ لأن الوعيد
стр. 540
مشروط بعدم العفو، لدلائل منفصلة اقتضت ذلك كما هو مشروط بعدم التوبة أيضًا، والحاصل: أن الوعد لا يخلف لأنه من باب الامتنان، والوعيد يصح إخلافه بالعفو والغفران، كما في بعض الأخبار عن رسول الله ﷺ قال:
«مَن وَعَدَه الله- على عملٍ ثوابًا فهو منجزه له لا محالة، ومَن أوعَدَه على عمل عقابًا فهو بالخيار، إن شاءَ عَفَا عنه، وإن شاء عَاقَبه» . هـ. ذكره في القوت.
فَتَحَصَّل أن القاتل لا يُخلَّد على المشهور إلاَّ إذا كان مستحلاً، وهذا أيضًا ما لم يقتص منه، وأما إذا اقتُص منه فالصحيح أنه يسقط عنه العقاب لقول النبي ﷺ : «مَن أصَابَ ذَنبًا فعُوقِبَ به في الدنيا فهو له كَفَّارَةٌ» . وبه قال الجمهور، وكذلك إذا سَامَحَهُ ورثةُ الدم لأنه حق ورثوه. والله تعالى أعلم.
الإشارة: الإيمان محلة القلوب، فالقلب هو المتصف بالإيمان حقيقة. فالمؤمن الحقيقي هو القلب، فمن قتله بتتبع الشهوات، وتراكم الغفلات، فجزاؤه نار القطيعة في سجن الأكوان، والبعد عن عرفان الشهود والعيان، وفي الحِكَم: «سبب العذاب وجود الحجاب، وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهة الكريم» . والله تعالى أعلم.
ثم إن اللسان ترجمان القلب، فمن أظهر الإيمان حرم التعرض له، كما أشار إلى ذلك الحقّ ﷻ بقوله:
[سورة النساء (٤) : آية ٩٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤)
قلت: (السَّلم) بالقصر: الانقياد والاستسلام، وبالمد: التحية. وجملة (تبتغون) : حال من الواو، مشعرة بما هو الحامل على العجلة.
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ أي: سافرتم وسرتم تجاهدون فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَبَيَّنُوا الأمور وتثبتوا فيها ولا تعجلوا، فإن العجلة من الشيطان، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ أي: الانقياد والاستسلام، أو سلَّم عليكم تحية الإسلام، لَسْتَ مُؤْمِناً إنما فعلت ذلك متعوذًا خائفًا، فتقتلونه طمعًا في ماله، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وحطامها الفاني، فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ وَعَدَكُم بها، لم تقدروا الآن عليها، فاصبروا وازهدوا فيما تَشُكُّون فيه حتى يأتيكم ما لا شبهة فيه، كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ
стр. 541
هذه الحال، كنتم تخفون إسلامكم خوفًا من قومكم، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالعز والنصر والاشتهار، فَتَبَيَّنُوا وتثبتوا ولا تعَجلَوا، وافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل اللهُ بكم، حيث حفظكم وعصمكم، ولا تبادروا إلى قتلهم ظنًا بأنهم إنما دخلوا فيه اتقاء وخوفًا، فإن إبقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل مؤمن، وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر. ثم هدَّدهم بقوله إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً مطلعًا على قصدكم، فلا تتهافتوا في القتل، واحتاطوا فيه.
رُوِي أن سريةً لرسول الله ﷺ غزت أهل فَدَك فهربوا، وبقي مرداسُ ثقًة بإسلامه، لأنه كان مسلمًا وحده، فلما رأى الخيلَ ألجأ غَنَمه إلى عاقول من الجبل «١» ، وصعد عليه، فلما تلاحقوا وكَبَّروا، كَبَّر ونزل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامةُ، واستاق غنمه، فنزلت الآية. فلما أخبر- ﵊ وَجِدَ وجدًا شديدًا، وقال لأسامة: «كيف بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!» قالها ثلاثًا، حتى قال أسامة: ليتني لم أكن أسلمتُ إلا يومئٍذ، ثم استغفرَ له بعدُ، وقال له: «اعتق رقبة» ، وقيل: نزلت في المقداد، مرَّ برجل في غنمه فأراد قتله، فقال: لا إله إلا الله، فقتله وظفر بأهله وماله، وقيل: القاتل: مُحلِّم بن جَثَامة، والمقتول: عامرُ بن الأضبط. والله تعالى أعلم.
الإشارة: يستفاد من الآية: الترغيب في خَصلتين ممدوحتين وخصوصًا عند الصوفية:
الأولى: التأني في الأمور والرزانة والطمأنينة، وعدم العجلة والخفة والطيش. وفي الحديث: «من تَأنَّى أصابَ أو كادَ، ومَن استعجَّلَ أخطَأ أو كَادَ» . ولا يُقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، ويفهم عن الله أنه مراد الله في ذلك الوقت.
والثانية: حُسْن الظن بعباد الله كافة، واعتقاد الخير فيهم، وعدم البحث عما اشتمل عليه بواطنهم، فقد قال ﵊: «أُمِرتُ أن أحكم بالظواهر والله يتولى السرائر» «٢» وقال لأسامة: «هلاّ شققت عن قلبه» ، حين قَتَلَ مَن قال: لا إله إلا الله، أو لغيره. وفي الحديث: «خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حُسْن الظنِّ بالله، وحُسْن الظن بعباد الله، وخصلتان ليس فوقهما من الشر شيء: سوء الظن بالله، وسوء الظن بعباد الله» . والله تعالى أعلم.
стр. 542
ولما نهى عن العجلة نهّضهم إلى الجهاد لئلا يتوهم أنها مذمومة حتى فى الجهاد، فقال:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٩٥ الى ٩٦]
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦)
قلت: (من المؤمنين) : حال من (القاعدين) ، و (غير) بالرفع: صفة للقاعدين، وبالنصب: حال، وبالجر: بدل من المؤمنين، و (درجة) : نصب على إسقاط الخافض، أو على المصدر، لأنه متضمن معنى التفضيل، أو على الحال، أي: ذوي درجة. و (أجرًا عظيمًا) : مصدر لفضَّل، لأنه بمعنى أجرًا، أو مفعول ثان لفضَّل، لأنه بمعنى أعطى، أي: أعطاهم زيادة على القاعدين أجرًا عظيمًا، و (درجات) وما بعده، كل واحد بدل من (أجرًا) ، و (درجات) : نصب على المصدر، كقولك: ضربته أسواطًا، و (أجرًا) : حال، تقدمت عليها لأنها نكرة، و (مغفرة ورحمة) : على المصدر بإضمار فعلهما.
يقول الحق ﷻ ترغيبًا في الجهاد: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ عن الجهاد مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مع المجاهدين في سبيل الله في الدرجة والأجر العظيم. ولما نزلت أتى ابنُ أم مكتوم وعبد الله بن جحش، وهما أعميان فقالا: يا رسول الله ذكرَ الله فضيلةَ المجاهدين على القاعدين، وحالُنا على ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فهل من رخصة؟ فأنزل الله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، فجعل لهم من الأجر ما جعل للمجاهدين لزمانتهم وحسن نياتهم.
ثم ذكر فضل مَن خرج على من قعد لعذٍر فقال: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ، مواساة للمجاهدين، وَأَنْفُسِهِمْ ببذلها في سبيل رب العالمين، عَلَى الْقاعِدِينَ لعذر، دَرَجَةً واحدة، لمزيد مشقة السفر والغزو والخطر بالنفس للموت، وَكُلًّا من القاعدين لعلة والمجاهدين في سبيل الله، وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي:
المثوبة الحسنى، وهي الجنة. وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ من غير عذر أَجْراً عَظِيماً وخيرًا جسيمًا. وفي البخاري: «إنَّ لله مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيلِ الله، ما بينَ الدَرجتين كَمَا بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ» . الحديث. ثم بيَّنها بقوله دَرَجاتٍ مِنْهُ أي: من فضله وإحسانه، وَمَغْفِرَةً لذنوبة، وَرَحْمَةً تُقرِّبه إلى ربه، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً
لِما عسى أن يفرط منه، رَحِيماً بما وعدَ له.
стр. 543
الإشارة: لا يستوي القاعد مع حظوظه وهواه، مشتغلاً بتربية جاهه وماله وتحصيل مُناه، غافلاً عن السير إلى حضرة مولاه، مع الذي سلَّ سيفَ العزم في جهاد نفسه وهواه، وبذل مهجته وجاهد نفسه في طلب رضاه، حتى وصل إلى شهود أنوار جماله وسناه، هيهات هيهات، لا يستوي الأحياء مع الأموات، فإن قعد مع نفسه لعذر يُظهره، مع محبته لطريق القوم وإقراره لأهل الخصوصية، فقد فضَّل الله عليه المجاهدين لنفوسهم بدرجة الشهود ومعرفة العيان للملك الودود، وإن قعد لغير عذر مع الإنكار لأهل الخصوصية، فقد فضَّل الله عليه المجاهدين أجرًا عظيمًا، درجات منه بالترقي أبدًا، ومغفرة ورحمة، وفي البيضاوي: التفضيل بدرجة في جهاد الكفار، وبدرجات في جهاد النفس لأنه الأكبر للحديث. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر حكم من تخلف عن الهجرة والجهاد حتى مات، فقال:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٩٧ الى ٩٩]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩)
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ تتوفاهم الْمَلائِكَةُ أي: ملك الموت وأعوانه، يعني: تَقبِضُ أرواحهم، ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بترك الهجرة ومرافقة الكفرة، قالُوا أي: الملائكة في توبيخهم: فِيمَ كُنْتُمْ أي:
في أي شيء كنتم من أمر دينكم: أعلى الشك أو اليقين؟ أو: في أي بلد كنتم: في دار الكفر أو الإسلام؟ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ فعجزنا عن الهجرة وإظهار الدين خوفًا من المشركين، قالُوا أي: الملائكة تكذيبًا لهم وتبكيتًا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها إلى قطر آخر، كما فعل المهاجرون إلى الحبشة والمدينة، لكن حبستكم أموالُكم، وعزَّت عليكم أنفسكم، فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ لتركهم الهجرة الواجبة في ذلك الوقت، ومساعدتهم الكفار على غزو المسلمين، وَساءَتْ مَصِيراً أي: قبحت مصيرا جهنم التي يصيرون إليها.
نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يُهاجروا، فخرجوا يوم بدر مع المشركين فرأوا قلةَ المسلمين، فقالوا: غرَّ هؤلاء دينُهم، فقُتِلوا، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، كما يأتي، فلا تجوز الإقامة تحت حكم الكفر مع الاستطاعة، بل تجب الهجرة، ولا عذر في المقام، وإن منعه مانعٌ فلا يكون راضيًا بحاله مطمئنَ النفس بذلك، وإلا عمَّهُ البلاءُ، كما وقع لأهل الأندلس، حتى صار أولادُهم كفارًا والعياذ بالله، وكذلك لا تجوز الإقامة في موضعٍ تغلبُ فيه المعاصي وترك الدين.
стр. 544
قال البيضاوي: في الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن فيه الرجل من إقامة دينه، وعن النبي ﷺ : «من فرَّ بدينه من أرض، ولو كان شبرًا من الأرض، استَوجَبَ الجنة، وكان رفيقَ إبراهيم ومحمد- عليهما الصلاة والسلام» . «١» قلت: ويدخل فيه- على طريق الخصوص- من فرّ من موضع تكثر فيه الشهوات والعوائد، أو تكثر فيه العلائق والشواغل، إلى موضع يقلُّ فيه ذلك، طلبًا لصفاء قلبه ومعرفة ربه، بل هو أولى، ويكون رفيقاً لهما في حضرة القدس عند مليك مقتدر. والله تعالى أعلم.
ثم استثنى مَن تَحَقَّق إسلامُه وحبسه العذر، فقال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ أي:
المماليك والصبيان، وفيه إشعار بأنهم على صدد وجوب الهجرة، فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة، فلا محيص عنها، وأن قومهم يجب أن يهاجروا بهم متى أمكنت الهجرة. قال ابن عباس- رضى الله عنهما-: «كنت أنا وأبى وأُمي ممن استثنى الله بهذه الآية» .
ثم وصفهم بقوله: لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً أي: قوة على ما يتوقف عليه السفر، من ركوب أو غيره، وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا أي: لا يعرفون طريقًا، ولا يجدون دليلاً، فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ. وعبَّر بحرف الرجاء إيذانًا بأنّ تركَ الهجرة أمرٌ خطير، حتى إن المضطر من حقه أن لا يأمن، ويترصد الفرصة، ويُعلِّقُ بها قلبه، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً فيعفو ويغفر لمن غلبه العذر. وبالله التوفيق.
الإشارة: كل مَن لم يتغلغل في علم الباطن، مات ظالمًا لنفسه، أي: باخسًا لها لما فوَّتها من لذيذ الشهود، ومعرفة الملك المعبود، ولا يخلو باطنه من الإصرار على أمراض القلوب، التي هي من أكبر الذنوب، فإذا توفته الملائكة على هذه الحالة، قالت له: فيم كنتَ حتَّى لم تهاجر إلى من يُطهرك من العيوب، ويوصلك إلى حضرة علام الغيوب؟ فيقول: كنتُ من المستضعفين في علم اليقين، ولم أقدر على صحبة أهل عين اليقين وحق اليقين حَبَسَنَي عنهم حُبُّ الأوطان، ومرافقة النساء والولدان. فيقال لهُ: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجر فيها إلى من يخلصك من الحجاب، وينفي عنك الشك والارتياب؟ فلا جرم أن مأواه سجن الأكوان، وحرمان الشهود والعيان، إلاَّ من أقر بوجود ضعفه، واضطر إلى مولاه في تخليصه من نفسه، فعسى ربه أن يعطف عليه، فيوصله إلى عارف من أوليائه، حتى يلتحق بأحبابه وأصفيائه. وما ذلك على الله بعزيز.
ثم رغّب فى الهجرة، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ١٠٠]
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)
стр. 545
قلت: المراغَم: المهرب والمذهب. قاله في القاموس. وقال البيضاوي: يجد متحولاً، من الرغام وهو التراب.
وقيل: طريقًا يراغم قومه بسلوكه فيها، أي: يفارقهم على رغم أنوفهم، وهو أيضًا من الرغام.
يقول الحق ﷻ : وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء كلمة الله وإقامة دينه، يَجِدْ فِي الْأَرْضِ فضاءً كثيرًا، ومتحولاً كبيرًا يتحول إليه، وسعة بدلاً من ضيق ما كان فيه، من قهر العدو ومنعه من إظهار دينه، أو سعةٌ في الرزق، وبسطًا في المعيشة، فلا عذر له في المقام في مكان مُضَيَّقٍ عليه فيه في أمر دينه، وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وجهادٍ في سبيله، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ قبل وصوله فقد ثبت أجرُه، ووجب على الله- وجوب امتنان- أن يبلغه قصده بعد موته، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لِما سلف له من عدم المبادرة، رَحِيماً به، حيث بلَّغه مأمولَه.
نزلت في جُندع بن ضَمرة، وكان شيخًا كبيرًا مريضًا، فلما سمع ما نزل في شأن الهجرة قال: والله ما أنا ممن استثنى الله، ولي مال يُبِلغني المدينة، والله لا أبيتُ الليلة بمكة، اخرجُوا بي، فخرجوا به على سريره حتى أتوا به التنعيم، فأدركه الموت بها، فَصفَّق بيمينه على شماله، وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك، أُبايعك على مَا بَايَعَك عليه رسولك، فمات حَمِيدًا. فقال الصحابة: لو وافَى المدينةَ، كان أتم أجرًا، وضحك المشركون، وقالوا: ما أدرك ما طلب. فنزلت: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ.. الخ.
وقيل: نزلت في خالد بن حزام، فإنه هاجر إلى أرض الحبشة، فنهشته حيَّةٌ في الطريق، فمات قبل أن يصل. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ومن يهاجر من وطن حظوظه وهواه، طلبًا للوصول إلى حضرة مولاه، يجد في أرض نفسه متسعًا للعلوم، ومفتاحًا لمخازن الفهوم، وسعة الفضاء والشهود، حتى ينطوي في عين بصيرته كلُّ موجود، ويتحقق بشهود واجب الوجود. ومن يخرج من بيت نفسه وسجن هيكله إلى طلب الوصول إلى الله ورسوله، ثم يُدركه الموت قبل التمكين، فقد وقع أجره على الله، وبلَّغه الله ما كان قَصَدَه وتمنُّاه، فيُحشر مع الصديقين أهلِ الرسوخ والتمكين، التي تلي درجتُهم درجةَ النبيين، وكذلك من مات في طلب العلم الظاهر ولم يدركه في حياته، حشِر مع العلماء، قال ﵊: «من جاءَه أجله وهو يطلبُ العلمَ لم يكن بينه وبين النبيين إلا درجةٌ واحدة» . قلت:
وهذه الدرجة التي بينه وبين النبوة هي درجة الصديقين المتقدمة قبله.
وكل من مات في طلب شيء من الخير، أدركه بعد موته بحسن نيته، كما في الأحاديث النبوية، قال القشيري: المهاجر في الحقيقة، من هاجر نفسه وهواه، ولا يصح ذلك إلا بانسلاخه عن جميع مراداته وقصوده،
стр. 546
فمن قصَده- أي قصد الحق تعالى- ثم أدركه الأجلُ قبل وصوله، فلا ينزل إلا بساحات وصله، ولا يكون محط رفقته إلا مكان قربه. هـ. وفي بعض الآثار: الهجرة هجرتان: هجرة صُغرى، وهجرة كبرى، فالصغرى: انتقال الأجسام مِن وطنٍ غير مرضي إلى وطن مرضي، والكبرى: انتقال النفوس من مألوفاتها وحظوظها إلى معرفة ربها وحقوقها. هـ.
ثم ذكر ما يتعلق بالسفر من قصر وغيره، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ١٠١]
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١)
يقول الحق ﷻ : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، أي: سافرتم للجهاد أو غيره من السفر المباح، أو المطلوب، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ الرباعية إلى ركعتين، ونفيُ الجُناح يقتضي أنها رُخصة، وبه قال الشافعي، ويؤيده أنه- ﵊ أتمّ في السفر، وأن عائشة- رضى الله عنها- قالت:
يا رسول الله قَصَرْتَ وأتممْتُ، وصُمْتُ وأفطرتِ؟ فقال: «أحسنت «١» يا عائشة» . وأوجبه أبو حنيفة لقول عمر ﵁: (السفر ركعتان تمام غير قصر، على لسان نبيكم) . ولقول عائشة: (أول ما فرضت الصلاة ركعتان، فأقرت صلاة السفر، وزيدت في الحضر) .
وقال مالك ﵁: القصر سنة لكونه- ﵊ دام عليه في كل سفر، ولم يتُم إلا مرةً لبيان الجواز.
وقوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ظاهره أن الخوف شرط في القصر، وبه قالت عائشة وعثمان- رضى الله عنهما-، والجمهور على عدم شرطه، وإنما ذكره الحق- تعالى- لكونه غالبًا في ذلك الوقت، فلا يعتبر مفهومه، أو يؤخذ القصر في الأمن من السُّنة. ويؤيد هذا حديثُ يَعلى بن أمِية، قلت لعمر بن الخطاب: إن الله يقول: إِنْ خِفْتُمْ، وقد أمن الناس؟. فقال: عجبتُ مما تعجبتَ منه. فسألت رسول الله ﷺ فقال: «صدقة تصدّق بها الله علَيكم، فاقبلوا صدَقته» . وقد ثبت أن النبي ﷺ قصر الصلاة وهو آمن.
وليس في الآية ما يدل على تحديد المسافة التي تُقصَرُ فيها الصلاةُ، بل ذَكَرَ مطلقَ السفر، ولذلك أجاز الظاهرية القصر في كل سفر، طال أو قصر. ومذهب مالك والشافعي: أن المسافة أربعة بُردُ، واحتجوا بآثار عن ابن عمر وابن عباس. وقال أبو حنيفة: ستة بُرُد، وكذلك لم يقيد الحقُّ السفرَ بمباح ولا غيره، ولذلك أجاز أبو حنيفة القصر
стр. 547
في كل سفر. ومنعه مالك في سفر المعصية. ومنعه ابن حنبل في المعصية والمباح. والمراد بالفتنة في قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ: الجهاد والتعرض لما يُكره، وعداوة الكفار معلومة.
الإشارة: وإذا ضربتم في ميادين النفوس، وتحقق سيرُكم إلى حضرة القدوس، فلا جناح عليكم أن تقتصروا على المهم من الصلاة الحسية، وتدوموا على الصلاة القلبية، التي هي العكوف في الحضرة القدسية، إن خفتم أن تشغلكم عن الشهود حلاوةُ المعاملة الحسية. قال بعض العارفين: اتقوا حلاوة المعاملة، فإنها سموم قاتلة. وكذلك قال القطب ابن مشيش في المقامات كالرضا، والتسليم: أخاف أن تشغلني حلاوتها عن الله. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر صلاة الخوف، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ١٠٢]
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢)
يقول الحق ﷻ : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ أيها الرسول فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ، أي: صلاة الخوف، وكذلك الأمراء النائبون عنه، فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ، وطائفة تقف وجَاهَ العدو للحراسه، وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ أي: المصلون معك، فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا أي: الطائفة الحارسة مِنْ وَرائِكُمْ، فإذا صلَّت نصفَ الصلاة مع الإمام، قضت في صلبه ما بقي لها وذهبت تحرس.
وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ النصف الباقي، فإذا سلمتَ، قضوا ما بقي لهم، فإذا كانت ثنائية: صلَّى بالأولى ركعةَ، وَثَبَتَ قائمًا ساكتًا أو قارئًا، ثم تصلي من صلت معه ركعة وتسلم، وتأتي الثانية فتكبر، فيُصلِي بها ركعةً ويسلم وتقضي ركعة. واذا كانت رباعية، أو ثلاثية صلى بالأولى ركعتين، ثم تقوم الأولى فتصلي ما بقي لها وتسلم وتأتي الثانية فتكبر وتصلي معه ما بقي له، ثم تقضي ما بقي لها. هكذا قاله مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يصلي بالأولى ركعّة، ثم تتأخر وهي في الصلاة، وتأتي الثانية فيصلي بها ركعة، فإذا سلَّم ذهبت مكان الأولى قبل سَلاَمها، فتأتي الأولى فتصلي ركعة ثم تُسلَّم، وتأتي الثانية فتصلي ركعة ثم تُسلَّم. وفي
стр. 548
صلاة الخوف عشرة أقوال على حسب الأحاديث النبوية، لأنها تعدّدت منه ﷺ ، فكل واحد أخذ بحديث، وما قاله مالك والشافعي هو الذي فعله- ﵊ في غزوة ذات الرقاع.
ثم أمر الطائفة الحارسة بأخذ السلاح، والحذر من العدو فقال: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، ثم ذكر عِلَّةَ الحذر فقال: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً أي:
تمنوا أن ينالوا منكم غرة، فيشدون عليكم شدة واحدة فيستأصلونكم.
رُوِي أن المشركين لما رأوا المسلمين صلوا صلاة الظهر ندموا أن لو كانوا أغاروا عليهم في الصلاة، ثم قالوا:
دعوهم فإن لهم صلاة هي إليهم أحب من آبائهم وأبنائهم- يعنون صلاة العصر-، فلما قام النبي- ﵊ لصلاة العصر نزل جبريلُ بصلاة الخوف.
ثم رخَّص لهم في وضع السلاح، لعذرٍ فقال: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أي: لا إثم إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ منهم بالحراسة. رُوي أنها نزلت في عبد الرحمن بن عوف، مَرِضَ فوضع سلاحه، فعنَّفه أصحابُه، فنزلت الآية.
ثم هوَّن شأن الكفار بعد أن أمر بالحذر منهم فقال: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً في الدنيا والآخرة.
قال البيضاوي: وعد المؤمنين بالنصرة على الكفار، بعد الأمر بالحذر، ليقوي قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل إن الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقظ والتدبير. هـ.
الإشارة: إذا كنت في جند الأنوار، وأحدَقَت بك حضرة الأسرار، ثم نزلتَ إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ فلتقم طائفة من تلك الأنوار معك، لتحرسك من جيش الأغيار وجند الأكدار، حتى يكون رجوعُك إلى الآثار مصحوبًا بكسوة الأنوار وحلية الاستبصار، فيكون رجوعك إليها بالله لا بنفسك، فإذا سجد القلبُ في الحضرة كانت تلك الأنوار من ورائه والأسرار من أمامه، وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ، ولتأت طائفة أخرى لم تصل هذه الصلاة لأنها لم تبلغ هذا المقام، فلتصل معك اقتباسًا لأنوارك، لكن تأخذ حذرها وتستعد من خواطر الأشغال، كي لا تميل عليهم فتفتنهم عن الحضور مع الكبير المتعال، فإن كان مريض القلب بالهوى وسائر العلل، فلا يكلف من الحضور إلا ما يطيقه، لأن القط لا يكلف بحمل الجمل. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر ما يعين على الحضور، ويتحصن به من العدو الكفور وهو ذكر الله، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ١٠٣]
فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣)
стр. 549
يقول الحق ﷻ : فإذا فرغتم من الصلاة فَاذْكُرُوا اللَّهَ في جميع أحوالكم قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ إن أردتم حراسة قلوبكم، والنصر على عدوكم، أو إذا أردتم قضاءَ الصلوات وأداء فرضها، وأنتم في المعركة، فصلوا كما أمكنكم، قِياماً راجلين أو على خيولكم إيماءً، وحلَّ للضرورة حينئٍذ مشى وركض وطعن وعدم توجه، وإمساك ملطخ، وتنبيهٌ وتحذيرٌ، هذا للصحيح، وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ، للمريض أو الجريح، هكذا قال جمهور الفقهاء في صلاة المسايفة «١» . وقال أبو حنيفة: لا يصلي المحارب حتى يطمئن.
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ وذهب الخوفُ عنكم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ على هيأتها المعلومة، واحفظوا أركانها وشروطها، وأُتوا بها تامة، إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً أي: فرضًا محدود الأوقات، لا يجوز إخراجها عن وقتها في شيء من الأحوال. قال البيضاوي: وهذا دليل على أن المراد بالذكر الصلاة، وأنها واجبة الأداء، حال المسايفة، والاضطراب في المعركة، وتعليلٌ للأمر بالإتيان بها، كيف أمكن.
الإشارة: إذا فرغتم من الصلاة الحسية، فاستغرقوا أحواكم في الصلاة القلبية، حتى تطمئن قلوبكم في الحضرة القدسية، فإذا اطمأننتم في الحضرة، فأقيموا صلاة الشهود والنظرة، وهي الصلاة الدائمة، قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ. وقال الورتجبي: إذا كنتم في حالةِ التمكين وامتلأتم من أنوار ذكره، فينبغي أن تخرجوا من أبواب الرخص، والاستراحة في سعة الروح، وترجعوا إلى مقام الصلاة، فإن آخر سيركم في ربوبيتي: أول بدايتكم فى عبوديتى. هـ.
ثم حذرهم من الوهن فى أمر الجهاد، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ١٠٤]
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)
قلت: الوهن: الفشل والضعف.
يقول الحق ﷻ : ولا تضعفوا في طلب الْقَوْمِ، أي: الكفار، فتجاهدوهم في سبيل الله، فإن الحرب دائرة بينهم وبينكم، قد أصابهم مثل ما أصابكم، فإن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ، أي: تتوجعون من الجراح، فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وأنتم ترجون من الله النصر والعز في الدنيا، والدرجات العلا في الآخرة، وهم لا يرجون
стр. 550
ذلك، فحقكم أن تكونوا أصبر وأرغب في الجهاد منهم، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بأعمالكم وضمائركم، حَكِيماً فيما يأمركم به وينهاكم.
الإشارة: لا تهنوا عن طلب الظفر بنفوسكم، ولا تفشلوا عن السير إلى حضرة ربكم، فإن كنتم تألمون حال محاربتها ومخالفة شهواتها، فإنها تألم مثلكم، ما دامت لم ترتض في حضرة ربكم، فإذا ارتاضَت وتحلت صار المُر عندها حلوًا، وذلك إنما يكون بعد موتها وحياتها، فدوموا على سياستها ورياضتها، فإنكم ترجون من الله الوصول، وبلوغ المأمول، وهي ترجو الرجوع إلى المألوفات وركوب العادات، فاعكسوا مُراداتها، حتى تطمئن في حضرة ربها، فتأمن غوائلها، فليس بعد الوصول رجوع، ولا إلى العوائد نزوع، والله غالب على أمره.
ثم ذكر ما يتعلق بحفظ اللسان، وهو الأمر الخامس من مضمون السورة، فقال:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٩]
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩)
قلت: أرى، هنا عرفانية، لا علمية، فلذلك لم تتعد إلى ثلاثة.
يقول الحق ﷻ لنبيه- ﵊ حين همَّ أن يخاصم عن طُعمَة بن أبَيرِق، وذلك أنه سرق درعًا من جاره قتادة بن النعمان، في جراب دقيق، فجعل الدقيق يسقط من خرق فيه، وخبَّأها عند يهودي، فالتمس الدرع عند طعمة، فلم توجد، وحلف ما أخذها، وما له بها علم، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال اليهودي: دَفَعَهَا إليَّ طُعمَة، وشهد له ناس من اليهود، فقال رهط طعمة من بني ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله ﷺ فنسأله أن يجادل عن صاحبنا، وقالوا: إن لم يفعل هلك وافتضح، وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله ﷺ اعتماداً على ظاهر الأمر، ولم يكن له علم بالواقعة، فنزلت الآية:
стр. 551
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي: ملتبسًا بالحق لِتَحْكُمَ بما فيه من الحق بَيْنَ النَّاسِ بسبب ما أَراكَ أي: عَرَّفك اللَّهُ بالوحي، أو بالاجتهاد، ففيه دليل على إثبات القياس، وبه قال الجمهور. وفي اجتهاد الأنبياء خلاف. وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً أي: عنهم للبرآء، أو لأجلِهم والذَّبَّ عنهم.
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما هممت به، إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً، وفيه دليل على منع الوكالة عن الذمي، وبه قال ابن شعبان. وقال ابن عات: لعله أراد الندب. وقال مالك بن دينار: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينًا للخونة.
والوكالة من الأمانة، والمصطفى- ﵊ لم يقصد شيئًا من ذلك، ولا علم له بالواقعة، لولا أطلعَه تعالى، فلا نقص في اهتمامه، ولا درك «١» يلحقه. وبالجملة، فالآية خرجت مخرج التعريف بحقيقة الأمر في النازلة.
ثم نهاه عن الذبّ عنهم، فقال: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
وهم رهط ابن أبيرق السارق، قال السهيلي: هم بِشر وبشير ومُبشر وأُسَير، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً
أي: كثير الخيانة، أَثِيماً
أي:
مصرًا عليها، رُوِي أن طعمة هرب إلى مكة، وارتدَّ، ونَقَبَ حائطًا بها ليسرق أهله، فسقط الحائط عليه فقتله.
ويستفاد من الآية امتناع الجدال عمن عُلِمَت خيانتُه بالأحرى، أو كان مظنة الخيانة، كالكافر ونحوه. وكذا قال ابن العربي في أحكام القرآن في هذه الآية: إن النيابة عن المبطل المتهم في الخصومة لا تجوز، بدليل الآية. هـ.
ثم فَضحَ سرهم، فقال: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
أي: يستترون منهم، وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
وهو أحق أن يستحيا منه ويُخاف وَهُوَ مَعَهُمْ
لا يخفى عليه شيء، فلا طريق للنجاة إلا تَركُ ما يستُقبح، ويؤاخذ عليه سرًا وجهرًا. إِذْ يُبَيِّتُونَ
أي: يدبرون ويُزَوِّرُون ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ
من رمي البريء، والحلف الكاذب، وشهادة الزور، وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً
لا يفوته شيء، ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
ودفعتم عنهم المعرة، فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ
أي: مَن يُدافُع عنهم عذابه يَوْمَ الْقِيامَةِ، أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
يحميهم من عقاب الله، حين تُفضَح السرائر، ولا تنفع الأصحاب ولا العشائر.
الإشارة: في الآية عتاب للقضاة والولاة إذا ظهرت صورة الحق بأمارات وقرائن، ثم تجمدوا على ظاهر الشريعة، حمية أو رشوة، فإن القضاء جُلّة فِراسة، وفيها عتاب لشيوخ التربية، إذا ظهر لهم عيب في المريد ستروه عليه حيَاء أو شفقة، ولذلك قالوا: شيخ التربية لا تليق به الشفقة، غير أنه لا يُعيَّن، بل يذكر في الجملة، وصاحب العيب يفهم نفسه، وفيها عتاب للفقراء إذا راقبوا الناس، وأظهروا لهم ما يُحبون، وأخفوا عنهم ما لا يرضون، لقوله-
стр. 552
سبحانه-: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ...
الآية، بل ينبغي أن يكونوا بالعكس من هذا، قال بعضهم: إن الذين تكرهون مني، هو الذي يشتهيه قلبي. والله تعالى أعلم.
ثم حضّهم على التوبة، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ١١٠]
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠)
يقول الحق ﷻ : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً
أي: ذنبًا قبيحًا يسوءُ به غيره، أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
بذنب يختص به، أو من يعمل سوءًا بذنبٍ غيرِ الشرك، أو يظلم نفسه بالشرك، أو من يعمل سوءًا بالكبيرة، أو يظلم نفسه بالصغيرة، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
بالتوبة يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً
لذنوبه رَحِيماً
بقبول توبته، وفيه حث لطُعمَة وقومِه على التوبة والاستغفار.
الإشارة: ومن يعمل سوءًا بالميل إلى الهوى، أو يظلم نفسه بالالتفات إلى السوى، أو من يعمل سوءًا بالهفوات والخطرات، أو يظلم نفسه بالغفلات والفترات، أو من يعمل سوءًا بالوقوف مع الكرامات وحلاوة الطاعات، أو يظلم نفسه بالقناعة من الترقي في الدرجات والمقامات، ثم يستغفر الله من حينه يجد الله غفورًا رحيمًا، حيث لم يُخرِجهُ من حضرته، ولم يتركه مع غفلته.
ثم عاتب رهط السارق على رميهم الغير بالسرقة، فقال:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١١١ الى ١١٢]
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢)
يقول الحق ﷻ : وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً
كسرقة أو يمين فاجرة، أو رمى غيره بجريمة، فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ
لا يتعدى ضررها إلى غيره، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بسرائر عباده حَكِيماً
في إمهالهم وسترهم، وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً
أي: جريمة تتعدى إلى ضرر غيره، أَوْ إِثْماً
يختص بنفسه، ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً
منه، كما رمى طُعمَةُ زيدًا اليهوديِّ، فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً
وهو أن يبهت الرجل بما لم يفعل، وَإِثْماً مُبِيناً
أي: ذنبًا ظاهرًا، لا يخفى قبحه وبشاعته.
الإشارة: الإثم: ما حاك في الصدر وتلجلج فيه، ولم ينشرح إليه الصدر، وضده البر وهو ما ينشرح إليه الصدر ويطمئن إليه القلب، فكل من فعل شيئًا قد تلجلج قلبه منه ولم يقبله نقص من نوره، وأظلم قلبه منه، وإليه
стр. 553
الإشارة بقوله: (ومن يكسب إثمًا..) الآية، أي: فإنما يُسَوِّدُ به نور نفسه وروحه، ومن تلبَّس بذنب أو عيب، ثم يرم به غيرَه من باب سُوءِ الظن (فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا) لأن الواجب على المريد السائر أن يشهد الصفاء من غيره، ويُقصر النقصَ على نفسه، والواصل يرى الكمال في كل شيء لمعرفته في كل شيء. والله تعالى أعلم.
ثم شهد لرسوله بالهداية والعناية، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ١١٣]
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣)
قلت: الجارّ في قوله: (من شيء) ، في موضع نصب على المصدر، أي: لا يضرونك شيئًا من الضرر.
يقول الحق ﷻ : وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ
بالعصمة ورحمته بالعناية، لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ
وهم رهط السارق أَنْ يُضِلُّوكَ
عن القضاء بالحق، مع علمهم بالقصة، لكن سبقت العناية، وحفت الرعاية، فلم تخرج من عين الهداية. وليس المراد نفي همهم لأنه وقع، إنما المراد نفي تأثيره فيه، وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
لعوده عليهم، وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
لأن الله عصمك، وما خطر ببالك من المجادلة عنهم، كان اعتمادًا منك على ظاهر الأمر، وإنما أُمرتَ أن تحكم بالظواهر، والله يتولى السرائر.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ
أي: القرآن، وَالْحِكْمَةَ
ما نطقتَ به من الحِكَم، وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
من خفيات الأمور، التي لم تطلع عليها، أو من أمور الدين والأحكام، وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
ولا فضل أعظم من النبوة، لا سيما وقد فضَّله على كافة الخلق وأرسله إلى كافة الناس، وهدى الله على يديه ما لم يَهدِ على يدِ أحد من الأنبياء قبله، إلى غير ذلك من الفضائل التي تفوت الحصر.
الإشارة: لولا أن الله تفضل على أوليائه بسابق العناية، وحفَّت بهم منه الكلاءة والرعاية، لأضلتهم العموم عن عين التحقيق، ولأتلفتهم القواطع عن سلوك الطريق، لكن مَن سبقت له العناية لا يصيبه سهمُ الجناية، فثَّبتَ أقدامهم على سير الطريق، حتى أظهر لهم معالم التحقيق، فكشف عن قلوبهم رين الحجاب، حتى فهموا أسرار الكتاب، ونبع من قلوبهم ينابيع الحَكَم والأسرار، واطلعوا على علوم لم يُحِط بها كتاب ولا دفتر، فحازوا في الدارين خيرًا جسيمًا، وكان فضل الله عليهم عظيمًا.
стр. 554
ولما ظهرت السرقة على طعمة، كثر فى شأنه التناجي والخوض فيما لا يعني، فنهاهم الحقّ عن ذلك فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ١١٤]
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤)
قلت: إن كان المراد بالنجوى الكلام الخفي فالاستثناء منقطع، وقد يكون متصلاً على حذف مضاف أي: إلا نجوى مَن أمر ... الخ. وإن كان المراد بالنجوى الجماعة المتناجين، فالاستثناء متصل. قاله ابن جزي.
يقول الحق ﷻ محرّضًا على الصمت: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مما يتناجون به في شأن السارق أو غيره، بل لا خير في الكلام بأسره إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ واجبة أو تطوعية، فله مثل أجره، أَوْ مَعْرُوفٍ وهو: ما يستحسنه الشرع، ويوافقه العقل، كالقرض، وإغاثة الملهوف، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، وغير ذلك من أنواع المعروف. أو أمر بإصلاح بَيْنَ النَّاسِ، أي: إصلاح ذات البين، كإصلاح بين طعمة واليهودي وغيرهما.
قال مجاهد: (هي عامة للناس) ، يريد أنه لا خير فيما يتناجى فيه الناس، ويخوضون فيه من الحديث، إلا ما كان من أعمال الخير.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي: الصدقة، والمعروف والإصلاح، ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي: مُخلصًا لله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً وخيرًا جسيمًا. قال البيضاوي: بَنَى الكلامَ على الأمر، ورتَّب الجزاء على الفعل، ليدل على أنه لما دخل الآمر في زمرة الخَيّرين كان الفاعل أدخل فيهم، وأن العمدة والغرض هو الفعل، واعتبار الأمر من حيث إنه وصلة إليه. وقيد الفعل بأن يكون لطلب مرضاة الله لأن الأعمال بالنيات، وإن من فعل خيرًا رياء وسمعة، لم يستحق بها من الله أجرًا، ووصف الأجر بالعظم تنبيهًا على حقارة مافات في جنبه من أغراض الدنيا. هـ.
الإشارة: في الآية حثٌّ على الصمت، وهو ركن قوي في طريق التصوف، وهو أحد الأركان الأربعة التي هي: العزلة والجوع والسهر، فهذه طريق أهل البداية، ومن لا بداية له لا نهاية له، وقالوا: بقدر ما يصمت اللسان يعمر الجنان، وبقدر ما كان يتكلم اللسان يخرب الجنان. وقالوا أيضًا: إذا كثر العلمُ قلَّ الكلام، وإذا قل العلم كثر الكلام. وقالوا أيضًا: من عرف الله كَلَّ لسانهُ. وقيل لبعض العلماء: هل العلم فيما سلف أكثر، أو اليوم أكثر؟ قال:
العلم فيما سلف أكثر، والكلامُ اليومَ أكثر.
وفي قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ.. إشارة إلى أن العمل أشرف من العلم بلا عمل. والله تعالى أعلم.
стр. 555
ثم نزل فى شأن طعمة، لما هرب وارتد مشركا:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١١٥ الى ١١٦]
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦)
قلت: المشاقة: المخالفة والمباعدة، كأنَّ كل واحد من المتخالفين في شق غير شقَّ الآخر.
يقول الحق ﷻ : وَمَنْ يخالف الرَّسُولَ ويتباعد عنه مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى أي:
بعد ما تحقق أنه على الهدى بالوقوف على المعجزات، فيترك طريق الحق وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أي: يسلك غير ما هم عليه، من اعتقاد أو عمل. نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى أي: نتركه مع ما تولى، ونجعله وليًّا له، ونُخَلِّي بينه وبين ما اختاره من الضلالة، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ أي: ندخله فيها، ونشويه بها، وَساءَتْ مَصِيراً أي: قبحت مصيرا جهنم التي يصير إليها. والآية تَدُل على حرمة مخالفة الإجماع، لأن الله رتَّب الوعيد الشديد على مشاقة الرسول، واتباع غير سبيل المؤمنين، وكل منهما محرم، وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرمًا كان اتباع سبيلهم واجبًا، انظر البيضاوي.
ثم نزل في طُعمة لما ارتد مشركًا: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وقيل: كرر للتأكيد تقبيحًا لشأن الشرك، وقيل: أتى شيخ إلى رسول الله ﷺ فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله شيئًا منذ عرفتُه وآمنتُ به، ولم أتخذ من دونه وليًا، ولم أوقع المعاصي جرأة، وما توهمت طرفة عين أني أُعجز الله هربًا، وإني لنادم تائب، فما ترى حالي عند الله؟ فنزلت. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ، فَقَدْ ضَلَّ عن الحق ضَلالًا بَعِيداً لإن الشّرك أقبح أنواع الضلالة، وأبعدها عن الثواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى. فَقَدِ افْتَرى لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم نوع افتراء، وهو دعوى الشيء على الله.
قاله البيضاوي.
الإشارة: كل من خالف شيخه، وسلك طريقًا غير طريقة ولاه الله ما تولى، واستدرجه من حيث لا يشعر، وقد تؤخر العقوبة عنه فيقول: لو كان هذا فيه سوء أدب مع الله، لقطع الإمداد وأوجب البعاد، وقد يقطع عنه من حيث لا يشعر، ولو لم يكن إلا وتخليته وما يريد. وبالجملة: فالخروج عن مشايخ التربية والانتقال عنهم، ولو إلى من هو أكمل في زعمه، بعد ما ظهر له الفتح والهداية على يديه طردٌ وبعدٌ، وإفساد لبذرة الإرادة، فلا نتيجة له أصلاً. والله تعالى أعلم. وبالله التوفيق.
стр. 556
ثم قبّح شأن الشرك، وشنّع قبحه، فقال:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١١٧ الى ١٢١]
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١)
قلت: المَرِيد والمارد هو الذي لا يعلق بخير، وأصل التركيب للملابسة، ومنه: صرح ممرَّد، وغلام أمرد، وشجرة مردى، أي: سقط ورقها. قاله البيضاوي. هـ. وقيل: المريد: الشديد العاتي، الخارج عن الطاعة.
يقول الحق ﷻ : إِنْ يَدْعُونَ: ما يعبدون مِنْ دُونِهِ تعالى إِلَّا إِناثاً، كاللات والعزى ومناة، فإن ألفاظها مؤنثة عندهم، أو لأنها جوامد لا تعقل، فهي منفعلة لا فاعلة، ومن حق المعبود أن يكون فاعلاً غير منفعل، أو يريد الملائكة لأنهم كانوا يعبدونها، ويزعمون أنها بنات الله، وما يعبدون في الحقيقة إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً عاصيًا، لأنه هو الذي أمرهم بها، وأغراهم عليها، وكان يكلمهم من أجوافها.
ثم وصفه بأوصاف تُوجب التنفير عنه فقال: لَعَنَهُ اللَّهُ أي: أبعده من رحمته، وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي: مقطوعًا فرضته لنفسي، من قولهم: فرض له في العطاء، أي: قطع، وَلَأُضِلَّنَّهُمْ عن الحق وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ الأماني الباطلة، كطول الحياة، وألاَّ بعث ولا عقاب، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ أي: يشقونها لتحريم ما أحل الله، وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب، وإشارة إلى تحريم كل ما أحل الله، ونقص كل ما خلق الله كاملاً بالفعل أو بالقوة، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ، صورة، أو صفة، فيندرج فيه خصاء العبيد والوشم، والتنمص- وهو نتف الحاجب-.
زاد البيضاوي: واللواط، والمساحقة، وعبادة الشمس والقمر، وتغيير فطرة الله التي هي الإسلام، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالاً ولا يوجب لها من الله زلفى. وعموم اللفظ يقتضي منع الخِصاء مطلقًا، لكن الفقهاء رخصوا في خصاء البهائم للحاجة، والجُمل الأربع حكاية عما ذكره الشيطان نطقًا، أو أتاه فعلاً. هـ.
стр. 557
ثم حذّر منه فقال: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ باتباعه فيما أمره به دون ما أمر الله به، فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً واضحًا حيث ضيع رأس ماله، وأبدل بمكانة من الجنة مكانه من النار. يَعِدُهُمْ أي: الشيطان، أمورًا لا تُنجز لهم، وَيُمَنِّيهِمْ أماني لا تعطى لهم، وَما يَعِدُهُمُ أي: الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً، وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر، فكان يوسوس لهم أنهم على الحق وأنهم أولى بالجنة، إلى غير ذلك من أنواع الغرور، أُولئِكَ المغرورون مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي: هي منزلهم ومقامهم، وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً أي: مهربًا ولا معدلاً. من حاص يحيص: إذا عدل.
الإشارة: ما أحببتَ شيئاً إلا كنت له عبدًا، فاحذر أن تكون ممن يعبد من دون الله إناثًا، إن كنت تحب نفسك، وتؤثر هواها على حق مولاها، أو تكون عبد المرأة أو الخميصة «١» أو البهيمة، أو غير ذلك من الشهوات التي أنت تحبها، واحذر أيضًا أن تكون من نصيب الشيطان بإيحاشك إلى الكريم المنان، وفي الحِكَم:
«إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده» . فاشتغل بمحبة الحبيب، يكفيك عداوة العدو، فاتخذ الله وليًا وصاحبًا، ودع الشيطان جانبًا، غِب عن الشيطان باستغراقك في حضرة العِيان.
وبالله التوفيق.
ثم ذكر ضد أهل الشرك، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ١٢٢]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢)
قلت: (وعدّ اللهِ) مصدر، مؤكد لنفسه، أي: وعدهم وعدًا، و (حقًا) مؤكد لغيره، أي: لمضمون الجملة قبله.
انظر البيضاوي.
يقول الحق ﷻ : وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله ووحدوه، وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ التي كلفوا بها سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وعدهم بذلك وعدًا حقًا، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا أي: لا أحدَ أصدقُ من الله في قوله. والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه، بوعد الله الصادق لأوليائه، ترغيبًا في تحصيل أسبابه. والله تعالى أعلم.
стр. 558
الإشارة: والذين جمعوا بين توحيد عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية سندخلهم جنةَ المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، خالدين فيها أبدًا، وعداً حقاً وقولاً صدقاً. ومن أصدق من الله قيلا؟
وهذا الوعد لا ينال بالأمانى مع البطالة والتواني وإنما ينال بالأعمال الصالحة والمقاصد الخالصة، كما قال تعالى:
[سورة النساء (٤) : آية ١٢٣]
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣)
قلت: اسم ليس ضمير الأمر، أي: ليس الأمر بأمانيكم.
يقول الحق ﷻ : لَيْسَ هذا الوعد الذي ذكرت لأهل الإيمان يُنَال بِأَمانِيِّكُمْ أي: تمنيكم أيها المسلمون، ولا بأماني أَهْلِ الْكِتابِ، أي: لا يكون ما تتمنون ولا ما يتمنى أهل الكتاب، بل يحكم الله بين عباده ويجازيهم بأعمالهم. رُوِي أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى منكم، نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب المتقدمة، فنزلت. وقيل: الخطاب مع المشركين، وهو قولهم: لا جنة ولا نار، أو قولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيرًا منهم وأحسن حالاً.
وأماني أهل الكتاب: قولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ولَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ثم قرر ذلك فقال: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ عاجلاً أو آجلاً لِما رُوِي أنه لمّا نزلت قال أبو بكر:
من ينجو مع هذا يا رسول الله، إن كنا مجزيين بكل سوء عملناه؟ فقال له- ﵊: «أما تحزن؟
أما تمرض؟ أما يصيبك اللأواء؟ «١» قال: بلى يا رسول الله، قال: هو ذلك» . فكل من عمل سوءًا جوزي به، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يليه ويدفع عنه، وَلا نَصِيراً ينصره ويمنعه من عذاب الله.
الإشارة: لا تُنال المراتب بالأماني الكاذبة والدعاوي الفارغة، وإنما تنال بالهمم العالية، والمجاهدات القوية، إنما تنال المقامات العالية بالأعمال الصالحة، والأحوال الصافية، وأنشدوا:
стр. 559
بقدر الكدّ تُكتَسَبُ المَعَالِي ... من أراد العز سهر الليالي
تُرِيدُ العزَّ ثُم تَنَامُ ليلاً ... يَغُوصُ البحر مَن طَلَبَ اللآلي
ولمّا نزل قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ... الآية. قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء، فأنزل الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٦]
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦)
قلت: (من ذَكَرٍ أو أنثى) : حال من الضمير في (يعمل) ، وكذا قوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ و (حنيفًا) ، حال من (إبراهيم) لأنه جزء ما أضيف إليه.
يقول الحق ﷻ : وَمَنْ يَعْمَلْ شيئاً مَنْ الأعمال الصَّالِحاتِ وهو المهم من المكلف به، إذ لا طاقة للبشر على الإتيان بكلها. حال كون العامل مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى إذ النساء شقائق الرجال في طلب الأعمال، والحالة أن العامل مُؤْمِنٌ لأن الإيمان شرط في قبول الأعمال، فلا ثواب على عمل ليس معه إيمان.
ثم ذكر الجواب فقال: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أي: يتصفون بالدخول، أو يُدخلهم الله الجنة، وَلا يُظْلَمُونَ أي: لا ينقصون من ثواب أعمالهم نَقِيراً أي: مقداره، وهو النقرة في ظهر النواة. قال البيضاوي: وإذا لم ينقص ثواب المطيع فبالأحرى ألا يزيد في عقاب العاصي، لأن المجازي أرحَمُ الراحمين. هـ.
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أي: لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بكليته إلى مولاه وَهُوَ مُحْسِنٌ أي: مُوَحَّدٌ أحسَنَ فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين عباد الله، وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً بأن دخل في الدين المحمدي الذي هو موافق لملة إبراهيم بل هو عينه، فمن ادعى أنه على ملة إبراهيم ولم يدخل فيه فقد كذب.
ثم ذكر ما يحث على اتباع ملته، فقال: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا أي: اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، وإنما أعاد ذكره ولم يضمر تفخيمًا له وتنصيصًا على أنه الممدوح، وسمي خليلاً لأنه قد تخللت محبة الله في جميع أجزائه.
стр. 560
رُوِي أن إبراهيم ﵇ كان يضيف الناس، حتى كان يسمى أبا الضيفان، وكان منزله على ظهر الطريق، فأصاب الناسَ سَنَةٌ، جهدوا فيها، فحشد الناسُ إلى باب إبراهيم، يطلبون الطعامَ، وكانت الميرة كل سنة تصله من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي له بمصر يسأله الميرة، فقال لغلمانه: لو كان إبراهيم يريد لنفسه احتملت له ذلك، ولكنه يريد للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناس، فرجع الرسل إليه، ومرّوا ببطحاء لينة، فملأوا منها الغرائر حياء من الناس، وأتوا إبراهيم فأخبروه، فاهتم إبراهيم لمكان الناس ببابه، فنام، وكانت سارة نائمة فاستيقظت، وقالت: سبحان الله! أما جاء الغلمان؟ فقالوا: بلى، فقامت إلى الغرائر فإذا فيها أجود الحوّارى- أي: الخالص من الدقيق- فخبزوا وأطعموا؟ فاستيقظ إبراهيم، وشم رائحة الخبز، فقال: يا سارة، من أين هذا؟
فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: هذا من عند خليلي الله- ، فحينئذ سماه الله خليلاً «١» .
قال الزجاج: ومعنى الخليل: الذي ليس في محبته خلل، أو لأنه ردَّ خلَته، أي: فقره إلى الله مخلصًا. هـ.
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مُلكاً وخلقا وعبيدا، فالملك له، والعبيد عبيده، يختار ما يشاء كما يشاء من خلة ومحبة وخدمة، وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً علمًا وقدرة، فيجازي كلا على قدر سعيه وقصده. والله تعالى أعلم.
الإشارة: على قدر المجاهدة والمكابدة تكون المعاينة والمشاهدة، على قدر البدايات تكون النهايات، من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، والجزاء على العمل يكون على قدر الهمم، فمن عمل لجنة الزخارف مُتع بها، ومن عمل لجنة المعارف تنعم بها، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً، فمن انقاد بكليته إلى مولاه فلا أحد أحسن منه عند الله، ومن تمسك بالملة الحنيفية، وهي الانقطاع إلى الله بالكلية- فقد استمسك بالعروة الوثقى، وكان في أعلى ذروة أهل التقى، من تخلق بخلق الحبيب كان أقربُ إلى الله من كل قريب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ومما يتعلق بحفظ اللسان الفتوى بما يطابق الحق، ولذلك ذكره بعد الأمر بالحكم بالعدل، وما بينهما اعتراض انجرّ الكلام إليه، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ١٢٧]
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧)
стр. 561
قلت: و (ما يتلى) : عطف على (الله) ، أي: يفتيكم الله، والمتلو عليكم في الكتاب، أي: في القرآن. وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ حذف الجار، وهو في أو عن، ليصدق النهي بالراغب فيها إذا كانت جميلة، والراغب عنها إذا كانت دميمة، والْمُسْتَضْعَفِينَ عطف على (يتامى النساء) أي: والذي يتلى في المستضعفين من الولدان، وهو قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ ... الخ، أو على الضمير في (فيهن) أي: يفتيكم فيهن وفي المستضعفين، و (أن تقوموا) عطف على (المستضعفين) ، أو منصوب بمحذوف، أي: ويأمركم أن تقوموا ... الخ.
يقول الحق ﷻ : وَيَسْتَفْتُونَكَ يا محمد فِي شأن النِّساءِ من الميراث وغيره، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، فيأمركم أن تعطوهن حقهن من الميراث، وَيفتيكم أيضًا فيهن ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ في أول السورة إذ قال: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ثم بيَّنه في تقسيم الميراث في يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ، وقال في اليتامى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ... الآية، فقد أفتاكم في اليتامى اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ من الصداق وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ بدون صداق مثلهن، فأمركم أن تنكحوا غيرهن، ولا تنكحوهن إلا أن تقسطوا لهن في الصداق، إذا كانت جميلة، أو لها مال، أو ترغبون عن نكاحهن إذا كانت دميمة، فتعضلوهن لترثوهن، فلا تفعلوا ذلك، بل تزوجوها أو زوجوها، وكانوا في الجاهلية، إذا كانت اليتيمة ذات مال وجمال، رغبوا فيها وتزوجوها بدون صداقها، وإن كانت دميمة ولا مال لها رغبوا عنها وعضلوها، أو زوجوها غيرهم. فنهى الله تعالى الفريقين معا.
وَيفتيكم أيضًا في الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وهم الصغار، أن تعطوهم حقهم من الميراث مع الكبار، وكانوا لا يورثونهم، رُوِي أن عُيينة بن حصن أتى النبي ﷺ فقال: أُخبرنا أنك تورث النساء والصبيان، وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة؟ فقال له ﷺ : «كذا أُمِرتُ» ، فنزلت الآية.
وَيفتيكم أيضًا ويأمركم أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ أي: العدل. وهو خطاب للأئمة أن ينظروا لهم بالمصلحة ويستوثقوا حقوقهم، ويحتاطوا لهم في أمورهم كلها. ثم وعدهم بالثواب على ذلك فقال: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً، فيجازيكم على قدر إحسانكم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: يستفتونك عن نساء العلوم الرسمية، وعن يتامى العلوم القلبية، وهن نتائج الأفكار، وهي العلوم اللدنية، والأسرار الربانية التي هي من علوم الحقيقة، ولا تليق إلا بالمستضعفين عند الخليقة، وفى الخبر: «ألا أُخبِركُم بأهل الجَنَّة؟ هو كل ضَعيفٍ مَتَضعّفَ، لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّهُ في قَسمه» . أو كما قال ﷺ . قل الله يفتيكم فيهن فيأمركم أن تأخذوا من العلوم الرسمية ما تتقنون به عبادة ربكم، وترغبوا في علم الطريقة، التي هي علم
стр. 562
القلوب، ما تحققون به عبوديتكم، ومن نتائج الأفكار ما تُشاهدون به عظمة ربكم، ويأمركم أن تقوموا بالعدل فى جميع شئونكم، فتعطوا الشريعة حقها والطريقة حقها، وتحفظوا أسرار الحقيقة عن غير مستحقها، والله لا يضيع أجر المحسنين.
ثم أمر بالصلح بين الزوجين عند خوف النشوز، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ١٢٨]
وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨)
قلت: امرأة: فاعل بفعل يُفسره ما بعده، وأصل (يَصَّالِحَا) : يتصالحا، فأدغمت، و (صُلحًا) مصدر. وقرأ الكوفيون: يُصلحا من الرباعي، فتنصب صُلحًا على المفعول به، أو المصدر، و (بينهما) ظرف، أو حال منه، وجملة (الصلح خير) : معترضة، وكذا: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، ولذلك اغتفر عدم تجانسهما.
يقول الحق ﷻ : وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ وتوقعت من زوجها نُشُوزاً أي: ترفعًا عن صحبتها، وتجافيًا عنها، كراهية لها، ومنعًا لحقوقها، أَوْ إِعْراضاً عنها، بأن يترك مجالستها، ومحادثتها، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أن يتصالحا بَيْنَهُما صُلْحاً بإن تحط له من مهرها، أو من قسمها مع ضرتها، أو تهب له شيئًا تستميله به.
نزلت في سعد بن الربيع، تزوج على امرأته شابةً، وآثرها عليها. وقيل: في رجل كبرت امرأته، وله معها أولاد، فأراد طلاقها ليتزوج، فقالت له: دعني على أولادي، وأقسم لي في كل شهرين أو أكثر، أو لا تقسم. فذكر ذلك للنبى ﷺ فقال له: «قد سمع الله ما تقول، فإن شاء أجابك» ، فنزلت. وقيل: نزلت في سودة زوج النبي ﷺ ، لما كبرت، أراد- ﵊ أن يُفارقها، فقالت: أمسكني في نسائك ولا تقسم لي، فقد وهبتُ نوبتي لعائشة، فإني أريد أن أُبعث في نسائك.
ثم رغَّب في الصلح فقال: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من المفارقة، أو من سوء العشرة والخصومة، أو خير في نفسه، ولا يكون إلا مع ترك بعض حق النفس من أحد الخصمين، فلذلك ثقل على النفس فشحت به، وإليه أشار بقوله:
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ أي: جعلته حاضرًا لديها لا يفارقها، لأنها مطبوعة عليه، فالمرأة لا تكاد تسمح للزوج من حقها، ولا تسخو بشيء تعطيه لزوجها، والزوج لا يكاد يصبر على إمساكها وإحسان عشرتها إذا كَرِهها،
стр. 563
وَإِنْ تُحْسِنُوا العشرة وَتَتَّقُوا النشوز والإعراض ونقص حق المرأة مع كراهة الطبع لها، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً لا يخفى عليه إحسانكم ولا نشوزكم، فيجازي كُلاًّ بعمله، وفي بعض الأثر: «من صبر على أذى زوجته أعطاه الله ثواب أيوب ﵇» . وكذلك المرأة. والله تعالى أعلم.
الإشارة: اعلم أن النفس كالمرأة حين يتزوجها الرجل، فإنها أذا رأت من زوجها الجد في أموره والانقباض عنها، هابته وانقادت لأمره، وإذا رأت منه الليونة والسيولة استخفت بأمره وركبته، وسقطت هيبته من قلبها، فإذا أمرها ونهاها لم تحتفل بأمره، وكذلك النفس إذا رأت من المريد الجد في بدايته والصولة عليها، هابته وانقادت لأمره وكانت له سميعة مطيعة، وإذا رأت منه الرخو والسهولة معها، ركبته وصعب عليه انقيادها وجهادها، فإذا صال عليها وقهرها فأرادت الصلح معه على أن يسامحها في بعض الأمور، وتساعفه فيما يُريد منها، فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحًا، والصلح خير، فإن دوام التشديد قد يفضي إلى الملل، وإن تحسنوا معها بعد معرفتها، وتتقوا الله في سياستها ورياضتها حتى ترد بكم إلى حضرة ربها، فإن الله كان بما تعملون خبيرا.
ثم أمر بالعدل بين النساء، فقال:
[سورة النساء (٤) : آية ١٢٩]
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩)
يقول الحق ﷻ : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا، يا معشر الأزواج، أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ العدل الكامل التام في الأقوال والأفعال والنفقة والكسوة والمحبة، وَلَوْ حَرَصْتُمْ على ذلك لضعف حالكم، وقد خففت عنكم، وأسقطت الحرج عنكم، فلا يجب العدل في البيت فقط، وكان ﷺ يَقسِمُ بين نِسَائِه فيعِدلُ ويقُولُ: «اللهمَّ هذه قسمتي فِيمَا أملِك، فلا تُؤاخِذني فيمَا لا أملِكُ» ، يعني: ميل القلب، وكان عمر ﵁ يقول: (اللهم قلبي فلا أملكُه، وأما سوى ذلك فإني أرجو أن أعدل) ، وأما الوطء فلا يجب العدل فيه، إلا أن تتحرك شهوته، فيكف لتتوفر لذته للأخرى.
فَلا تَمِيلُوا إلى المرغوب فيها لجمالها أو شبابها، كُلَّ الْمَيْلِ بالنفقة والكسوة والإقبال عليها، وتَدَعُوا الأخرى كَالْمُعَلَّقَةِ التي ليست ذات بعل ولا مطلقة، كأنها محبوسة مسجونة، وعن النبي ﷺ : «مَن كانت له أمَرأتانِ يَميلُ معَ إحدَاهما، جَاء يومَ القِيَامَةِ، وأحَدُ شِقّيه مَائِلٌ» ، وَإِنْ تُصْلِحُوا ما كنتم تفسدون في أمورهن بالعدل بينهن، وَتَتَّقُوا الجور فيما يستقبل، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً، يغفر لكم ما مضى من ميلكم.
стр. 564
الإشارة: من شأن العبودية: الضعف والعجز، فلا يستطيع العبد أن يقوم بالأمور التي كلف بها على العدل والتمام، ولو حرص كل الحرص، وجدَّ كل الجد، فلا يليق به إلا التحقق بوصفه والرجوع إلى ربه، فيأتي بما يستطيع ولا يحرص على مالا يستطيع، فلا يميل إلى الدعة والكسل كل الميل، ولا يحرص على مالا طاقة له به كل الحرص، فإن التعقيد ليس من شأن أهل التوحيد، بل من شأنهم مساعفة الأقدار، والسكون تحت أحكام الواحد القهار، فلا تميلوا إلى التعمق والتشديد كل الميل، فتتركوا أنفسكم كالمُعلَّقة، أي: المسجونة، وهذا من شأن أهل الحجاب، يُحبسون في المقامات والأحوال، تشغلهم حلاوة ذلك عن الله تعالى. فإذا فقدوا ذلك الحال أو المقام سلبوا وأفلسوا. وأهل الغنى بالله لا يقفون مع حال ولا مقام، هم مع مولاهم، وكل ما يبرز من عنصر القدرة قبلوه، وتلونوا بلونه، وهذا مقام التلوين بعد التمكين.
وفي إشارة أخرى: اعلم أن القدرة والحكمة كالزوجين للقلب، يقيم عند هذه مدة، وعند هذه أخرى، فإذا أقام عند الحكمة كان في مقام العبودية من جهل وغفلة وضعف وذلة، وإذا أقام عند القدرة كان في مقام شهود الربوبية فيكون في علم ويقظة وقوة وعزة. ولا قدرة له على العدل بينهما، فلا يميل إلى إحداهما كل الميل بل يسير بينهما، ويعطي كل ذي حق حقه، بأن يعرف فضلهما، ويسير بكل واحد منهما. وإن تصلحوا قلوبكم وتتقوا ما يشغلكم عن ربكم، فإن الله كان غفورًا رحيمًا يغفر لكم ميلكم إلى إحدى الجهتين والله تعالى أعلم.
فإذا تعذر الإصلاح بين الزوجين، وأراد الفراق ففى الله الغني عن كل شيء، كما أشار إلى ذلك بقوله:
[سورة النساء (٤) : آية ١٣٠]
وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠)
يقول الحق ﷻ : وَإِنْ يَتَفَرَّقا أي: يفارق كل واحد منهما صاحبه، يُغْنِ اللَّهُ كل واحد منهما عن صاحبه، ببدل أو سُلُو يقوم بأمره من رزق أو غيره، من سعة غناه وكمال قدرته، وَكانَ اللَّهُ واسِعاً بقدرته حَكِيماً أي: متقنًا في أحكامه وأفعاله. ثم بيَّن معنى سعته فقال: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي: كل ما استقر فيهما فهو تحت حكمه ومشيئته، قائمًا بحفظه وتدبيره، يعطي كل واحد ما يقوم بأمره ويغنيه عن غيره. والله تعالى أعلم.
الإشارة: اعلم أن الروح ما دامت مسجونة تحت قهر البشرية، محجوبةً عن شهود معاني الربوبية، كانت فقيرة جائعة متعطشة، تتعشق إلى الأكوان وتفتقر إليها، وتقف معها، فإذا فارقت البشرية وانطلقت من سجن هيكلها،
стр. 565
وخرجت فكرتها من سجن الأكوان، أغناها الله بشهود ذاته، وأفضت إلى سعة فضاء الشهود والعيان، وملكت جميع الأكوان، «أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك» ، وكذلك البشرية يغنيها الله عن تعب الخدمة وتستريح في ظل المعرفة، فلما تفرقا أغنى الله كلاًّ من سعة فضله وجوده، لأنه واسع العطاء والجود، حكيم في تدبير إمداد كل موجود.
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٣١ الى ١٣٣]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣)
وفي قوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إشارة إلى أنَّ مَن كان بالله، ووصل إلى شهود ذاته، ملَّكه الله ما في السموات وما في الأرض، فيكون خليفة الله في ملكه، (وما ذلك على الله بعزيز) .
ولمّا جرى الكلام على شأن النساء، وهن حبائل الشيطان، تشغل فتنتهن عن ذكر الرحمن، حذَّر الحق تعالى من فتنتهن، كما هو عادته تعالى في كتابه عند ذكرهن، وأمر بالتقوى التي هي حصن من كل فتنة، فقال:
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ...
قلت: (من قبلكم) : يتعلق بأوتوا أو بوصينا، و (إياكم) : عطف على الذين، و (أن اتقوا) : على حذف الجار، أي:
بأن اتقوا، أو مفسرة لأن التوصية في معنى القول، و (إن تكفروا) على حذف القول، أي: وقلنا لهم ولكم: وإن تكفروا ... الخ.
يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الأمم المتقدمة الذين أنزلنا عليهم الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ كأهل التوراة والإنجيل والزبور، وغيرهم من الأمم، ووصيناكم أنتم أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ بإن تمتثلوا أوامره، وتجتنبوا نواهيَه، ظاهرًا وباطنًا، وقلنا لهم ولكم: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ كفركم وشكركم فقد استقر له ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مُلكاً وعبيدًا، فله فيهما من الملائكة من هو أطوع منكم، فلا يتضرر بكفركم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما أوصاكم رحمًة بكم، لا لحاجة إليكم، ثم قرر ذلك بقوله: وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً أي: غنيًا عن الخلق وعبادتهم، محمودًا في ذاته، حُمِد أو لم يُحمد.