ثم وصاهم على الإيمان بالرسل، عند ظهورهم، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٥ الى ٣٦]
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)
قلت: (إما) : شرط مؤكد بما ذكره بحرف الشك للتنبيه على أن إتيان الرسل جائز، غير واجب، كما ظنه المعتزلة، وجوابه: (فمن اتقى..) الخ، وإدخال الفاء في الجواب الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد. قاله البيضاوي.
يقول الحق ﷻ : يا بَنِي آدَمَ مهما يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي الدالة على توحيدي ومعرفتي، فَمَنِ اتَّقى الشرك والتكذيب، وَأَصْلَحَ فيما بيني وبينه، منكم، بالعمل الصالح، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، فمِن كمال الإيمان: أن يقدر الإنسان نفسه أن لو كان في زمان كل رسول، لكان أول من تبعه، ولكان من خواص أصحابه، هكذا يسير بعقله مع كل رسول من زمان آدم ﵇ إلى مبعث رسولنا محمد ﷺ .
والله تعالى أعلم.
الإشارة: قد جعل الله لكل نبي خلفاء يخلفونه في تبليغ أحكامه الظاهرة والباطنة، وهم العلماء الأتقياء، والأولياء العارفون الأصفياء، فمن أراد أن يكون ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فليتبع علماء أهل زمانه في الشريعة، وأولياء أهل عصره في تربية الحقيقة. وبالله التوفيق.
ثم ذكر وعيد من استكبر، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣٧]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧)
يقول الحق ﷻ : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن نسب إليه الولد والشريك، أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ التي جاءت بها الرسل من عنده، أي: لا أحد أظلم منه، أو: تَقوَّل على الله ما لم يقله، وكذب بما
стр. 807
قاله، أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ أي: يلحقهم نصيبهم مما كتب في اللوح المحفوظ من الأرزاق والآجال، حَتَّى إِذا انقضت أعمارهم وجاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ أي: يتوفون أرواحهم، قالُوا لهم توبيخًا: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله لتدفع عنكم العذاب؟ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا غابوا عنا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ، اعترفوا بأنهم كانوا ضالين فيما كانوا عليه، وندموا حيث لم ينفع الندم، وقد زلَّت بهم القدم.
الإشارة: كل مَن أعرض عن خصوص أهل زمانه، واشتغل بمتابعة حظوظه وهواه، ينال نصيبه من الدنيا الفانية وما قُسِم له فيها فإذا جاءت منيته ندم وتحسر، وقيل له: أين ما تمتعت به وشغلك عن مولاك؟ فيقول: قد غاب ذلك وفنى وانقضى، وكأنما كان برقًا سَرَى، أو طَيفَ كَرَى، والدهر كله هكذا لمن سدد نظرًا، وعند الصباح يحمد القوم السُّرَى، وستعلم، إذا انجلى الغبار، أفرس تحتك أم حمار.
وقد قال ﷺ في بعض خطبه: «لا تخدعنكم زخارف دنيا دنية، عن مراتب جنات عالية فكأنْ قد كشف القناع، وارتفع الارتياب، ولا قى كل امرئ مستقره، وعرف مثواه ومُنَقَلَبه» . وفي حديث آخر: «مَن بدأ بَنَصِيبه من الدنيا فَاتَه نصيبُه من الآخرة، ولم يُدرك منها ما يريد، ومَن بدأ بنصيبه من الآخرة، وصل إليه نصيبه من الدنيا، وأدرك من الآخرة ما يريد» .
ثم ذكر عذاب أهل التكذيب، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٨ الى ٣٩]
قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)
يقول الحق ﷻ : قالَ الله تعالى أي: يوم القيامة للكفارٍ، بواسطة ملك، أو بغيرها: ادْخُلُوا فِي جملة أُمَمٍ كانوا من قبلكم مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ متفقين معكم في الكفر والضلال، فادخلوا مصاحبين معهم فِي النَّارِ. قال تعالى، مخبرًا عن حالهم: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ منهم في النار لَعَنَتْ أُخْتَها التي ضلت
стр. 808
بالاقتداء بها، حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا أي: تداركوا وتلاحقوا، فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ دخولاً أو منزلة، وهم الأتباع السفلة، لِأُولاهُمْ وهم المتبوعون الرؤساء- أي: قالت لأجلهم لأن الخطاب مع الله لا معهم، قالوا:
رَبَّنا هؤُلاءِ الرؤساء أَضَلُّونا حيث سنُّوا لنا الضلال فاقتدينا بهم، فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً أي: مضاعفاً مِنَ النَّارِ لأنهم ضلوا وأضلوا. قالَ تعالى: لِكُلٍّ واحد منكم ضِعْفٌ أي: عذابًا مضعفًا، أما القادة فلكفرهم وتضليلهم، وأما الأتباع فلكفرهم وتقليدهم، وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ما لكم، أو ما لكل فريق منكم.
وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ أي: المتبوعون للأتباع: فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ في الإيمان والتقوى تُوجب أن يكون عذابنا أشد من عذابكم، حتى يتضاعف علينا العذاب دونكم فإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب، فَذُوقُوا أي: باشروا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ هو من قول القادة، أو من قول الله- تعالى- لجميعهم.
الإشارة: إذا قامت القيامة تحققت الحقائق، وتميزت الطرائق، للخاص والعام، فيرتفع المقربون في أعلى عليين، ويبقى أهل اليمين في أسفل منازل أهل الجنة مع عوام المسلمين، فيتعلق عوامهم بخواصهم، فيقولون لهم:
أنتم رددتمونا عن صحبة هؤلاء، وأنتم خذلتمونا عنهم، ثم يقولون: ربنا هؤلاء أضلونا عن صحبة هؤلاء المقربين، فآتهم حجابًا ضعفًا مما لنا، قال: لكل ضِعف من الحجاب، هم بتضليلهم لكم عن صحبتهم، وأنتم بتقليدكم لهم، ولكن لا تعلمون ما أعددت للمقربين حين صبروا على جفاكم، وتحملوا مشاق طاعتي ومعرفتي لأن كل آية في الكفار تجر ذيلها على أهل الغفلة من المؤمنين. والله تعالى أعلم.
ثم حرّم على الكفار دخول الجنة، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٠ الى ٤١]
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)
قلت: (سَمّ الخياط) : عين الإبره، وفي السين: الفتح والكسر والضم، والخياط: ما يخاط به، على وزن حِزام، والتنوين في (غواشٍ) : للعوض عن الياء، عند سيبويه، وللصرف عند غيره.
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عن: الإيمان بها، لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ لأدعيتهم وأعمالهم فلا تقبل، أو: لا تفتح لأرواحهم إذا ماتوا، بل تغلق دونها إذا وصلت بها
стр. 809
الملائكة إليها، فيطرحونها فتسقط من السماء، بخلاف أرواح المؤمنين تُفتح لهم أبواب السماء حتى يفضوا إلى سدرَة المنتهى. وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ أي: يدخل، الْجَمَلُ وهو البعير فِي سَمِّ الْخِياطِ أي:
في ثقب الإبرة، والمعنى: لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبداً، فلا يدخلون الجنة أبدًا، وقرأ ابن عباس (الجُمل) بضم الجيم وسكون الميم، وهو حبل السفينة، الذي جُمِعَ بعضُه إلى بعض حتى صار أغلظ ما يكون.
ثم قال تعالى: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي المجرمين، لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ أي: فراش، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ أي: أغطية من النار. وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ عبَّر عنهم بالمجرمين تارة، وبالظالمين أخرى إشعارًا بأنهم بتكذيبهم الآيات، اتصفوا بالجرم والظلم، وذكر مع الحرمان من الجنة: الجرم، ومع التعذيب بالنار: الظلم تنبيهًا على أن الظلم أعظم الإجرام.
الإشارة: أهل التربية النبوية من الشيوخ العارفين: آية من آيات الله، من كَذَّب بهم، واستكبر عن الخضوع لهم، لا تفتح لفكرته أبواب السماء، بل يبقى مسجونًا بمحيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، ولا يدخل جنة المعارف أبدًا، بل يحيط به الحجاب من فوقه ومن أسفله، فتنحصر روحه في الأكوان، ولم تفض إلى فضاء الشهود والعيان.
وفي الحِكَم: «الكائن في الكون، ولم تفتح له ميادين الغيوب، مسجون بمحيطاته، محصور في هيكل ذاته» .
وقال أيضًا: «وسعك الكون من حيث جثمانيتك، ولم يَسعَك من حيث ثبوتُ روحانيِتك» ، فكل من لم تثبت له الروحانية: فهو محصور في الكون، وكل من ثبتت له الروحانية بأن استولى معناه على حسه، لم يسعه الكون، ولم يحصره عرش ولا فرش، وكذلك الصوفي لا تظله السماء ولا تقله الأرض، أي: لا يحصره الكون من حيث فكرتُهُ. والله تعالى أعلم.
ثم شفع بضدهم، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٢ الى ٤٣]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)
стр. 810
قلت: جملة (لا نُكلف) : معترضة بين المبتدأ والخبر للترغيب في اكتساب النعيم المقيم، بما تسعه طاقتهم، ويسهل عليهم، و (ما كنا لنهتدي) : اللام لتأكيد النفي، وجواب «لولا» : محذوف، أي: لولا هدايته إيانا ما اهتدينا.
يقول الحق ﷻ : وَالَّذِينَ آمَنُوا بالرسل، وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ على قدر طاقتهم، لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي: ما تسعه طاقتها، فمن فعل ذلك ف أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أي: نُخرج مِن قلوبهم كل غل وعدواة، ونطهرها منه، حتى لا يكون بينهم إلا التودد، فيصيرون أحبابا وإخوانا، وإنما عبَّر بالماضي لتحقق وقوعه، كأنه وقع ومضى، وكذلك ما يجيء بعدها، ثم وصف الجنة فقال: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ أي: من تحت قصورهم، الْأَنْهارُ من عسل وخمر وماء ولبن زيادة في لذتهم وسرورهم، فالقصور مرتفعة في الهواء، والأنهار تجري تحتها.
وَقالُوا حينئذٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي: لما جزاؤه هذا النعيم من الإيمان في الدنيا والعمل الصالح، وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ بأنفسنا لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ بتوفيقه وإرادته، لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فاهتدينا بإرشادهم، يقولون ذلك اغتباطًا وتبجحًا بأن ما عملوه في الدنيا يقينًا، صار لهم عين اليقين في الآخرة، وَنُودُوا أي: نادتهم الملائكة، أو الحق تعالى: أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أي: هذه الجنة أُورِثْتُمُوها أي:
أُعطِيتموها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: بسبب أعمالكم، وهذا باعتبار الشريعة، وأما باعتبار الحقيقة فكل شيء منه وإليه. ولذلك قال ﷺ : «لَن يُدخِلَ الجنَّةَ أحدَكم عَمُلهُ، قالوا: ولا أَنْتَ، قَالَ: ولا أَنَا، إِلاَّ أنْ يتغمدني الله برحمته» «١» .
فالشريعة تنسب العمل للعبد، والحقيقة تعزله عنه، وقد آذنت بها الآية قبله بقوله: وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ، فقد نطقوا بما تحققوا به يوم القيامة.
وقال القشيري: إنما قال: أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تسكينًا لقلوبهم، وتطييبًا لهم، وَإلاَّ، فإذا رأوا تلك الدرجات، علموا أن أعمالهم المشوبة لم تبلغ تلك الدرجات. هـ. وعن ابن مسعود أنه قال: (يجوزون الصراط بعفو الله، ويدخلون الجنة برحمة الله، ويقتسمون المنازل بأعمالهم) . هـ.
الإشارة: والذين آمنوا بطريق الخصوص، وعملوا الأعمال التي تناسبها، من خرق العوائد واكتساب الفوائد، والتخلية من الرذائل والتحلية بأنواع الفضائل على حسب الطاقة أولئك أصحاب جنة المعارف، هم فيها خالدون في الدنيا والآخرة، قد نزع الله من قلوبهم المساوىء والأكدار، وطَهَّرها من جملة الأغيار، حتى صاروا إخوانًا متحابين لا لَغوَ بينهم ولا تأثيم، تجري من تحت أفكارهم أنهار العلوم، وتفتح لهم مخازن الفهوم، فإذا تمكنوا من
стр. 811
هذه الحضرة (قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) ، تحققوا أنهم محمولون بسابق العناية، محفوفون بعين الرعاية، فتحققوا بما جاءت به الرسل من عند الله، وما نالوه على يد أولياء الله من الذوق والوجدان، وكشف الغطاء عن عين العيان، منحنا الله من ذلك حظا وافرا، بمنِّه وكرمه.
ثم ذكر تبجح أهل الجنة على أهل النار، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٤ الى ٤٧]
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)
قلت: (أن) : في هذه المواضع: مخففة من الثقيلة، أو: تفسيرية، وحذف مفعول: (وعد) الثاني استغناء بمفعول وعد الأول، أو لإطلاق الوعد، فيتناول الثواب والعقاب.
يقول الحق ﷻ : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا من النعيم حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ أنتم ما وَعَدَ رَبُّكُمْ من البعث والحساب حَقًّا، إنما قال أهل الجنة ذلك تبجحًا بحالهم، وشماتة بأصحاب النار، وتحسيرًا لهم، فأجابهم أهل النار بقولهم: نَعَمْ، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ بين الفريقين: أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الكافرين، الَّذِينَ يَصُدُّونَ الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهي الإسلام، وَيَبْغُونَها أي: يطلبون لها عِوَجاً زيغًا وميلاً عما هو عليه من الاستقامة، أو يطلبونها أن تكون ذات عوج، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ أي: جاحدون.
وَبَيْنَهُما أي: بين الفريقين حِجابٌ، أو بين الجنة والنار حجاب، يمنع دخول أثر أحدهما للأخرى، وَعَلَى الْأَعْرافِ وهو السور المضروب بين الجنة والنار، رِجالٌ طائفة من الموحدين استوت حسناتهم وسيئاتهم، كما في الحديث. وقال في الإحياء: يشبه أن يكونوا مَن لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، فلم تكن لهم معرفة ولا جحود ولا طاعة ولا معصية، فلا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، ولهم السلامة فقط، لا تقريب ولا تبعيد. هـ. قلت: لكن سيأتي أنهم يدخلون الجنة.
стр. 812
ثم وصفهم بقوله: يَعْرِفُونَ كُلًّا من أهل الجنة والنار، بِسِيماهُمْ: بعلامتهم التي أعلمهم الله بها كبياض الوجوه فى أهل الجنة، وسوادها في أهل النار، أو غير ذلك من العلامات. وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ، إذا نظروا إليهم، فقالوا لهم: أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، أي: نادوهم بالسلام عليهم، لَمْ يَدْخُلُوها أي: الجنة، وَهُمْ يَطْمَعُونَ في دخولها.
وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ أي: التفتوا إليهم على وجه القلة، تعوذوا من حالهم، قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ في النار.
الإشارة: إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العلي الكبير نادوا أهلَ البطالة والتقصير، فقالوا لهم: قد وجدنا ما وعدنا ربنا من كشف الحجاب والدخول مع الأحباب، حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا كما وجدنا نحن؟ قالوا على وجه الدعوى والغلط: نعم، فأذن مؤذن بينهم، بلسان الحال: أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظالمين الذين بقوا مع حظوظ أنفسهم، ولم يخرقوا شيئًا من عوائدهم، مع تراميهم على مراتب الرجال، وادعائهم بلوغ غاية الكمال، الذين يصدون عن طريق الخصوص ويبغونها عوجًا، وهم بالخصلة الآخرة- وهي إشراق نور الحقيقة على أهل التربية- هم كافرون، وبينهما حجاب كبير، وهو حجاب الغفلة، فلا يعرفون أهل اليقظة، وهم أهل مقام الإحسان، بل بينهما مفاوز ومهَامِه «١» ، كما قال الشاعر:
تَرَكنَا البُحور الزَّخراتِ ورَاءنا ... فَمِنْ أَينَ يَدْرِِي الناس أينَ توجَّهنَا
وعلى الأعراف وهو البرزخ الذي بين الحقيقة والشريعة، رجال من أهل الاستشراف، يعرفون كلاًّ من العوام والخواص بسيماهم، ونادوا أصحاب الجنة أي: الواصلين إلى جنة المعارف: أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون، لأنهم في حالة السير، وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار، أي: نار الحجاب والتعب، وهم العوام، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين.
ثم ذكر شماتة أهل الأعراف بأهل النار، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٨ الى ٤٩]
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)
стр. 813
قلت: (ما أغنى) : استفهامية أو نافية، و (ما كنتم) : مصدرية، و (ادخلوا) : محكي بقول محذوف، أي: قيل لهم ادخلوا ... الخ.
يقول الحق ﷻ : وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا من رؤساء الكفرة، يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ بعلامة فيهم من سوء حالهم، قالُوا لهم: ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ أي: كثرتكم، أو جمعكم للمال، شيئًا أو أيّ شيء أغنى عنكم جمعكم، وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ؟ أي: واستكباركم؟ أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ وهم ضعفاء المسلمين الذين كانت الكفرة تستحقرهم في الدنيا، ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة، قد قيل لهم: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. أو تقول الملائكة لأهل الأعراف: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، بعد أن حُبسوا على الأعراف حتى أبصروا الفريقين وعرفوهم، وقالوا لهم ما قالوا، تفضل الله عليهم، فقيل لهم: ادخلوا الجنة.
وقيل: لما عيَّر أصحابُ الأعراف أهل النار، أقسموا- أي: أهل النار- أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة، فقال لهم الله تعالى: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، ادْخُلُوا يا أهل الأعراف الْجَنَّةَ. والله تعالى أعلم.
الإشارة: أصحاب الأعراف: قوم من الصالحين حصل لهم محبة القوم، ليسوا من عوام أهل اليمين ولا من خواص المقربين، فإذا نظروا إلى أهل الطعن على الفقراء المتوجهين، والترفع عليهم، قالوا لهم: ما أغنى عنكم جمعكم واستكباركم، أهؤلاء الذين كنتم تطعنون عليهم، وأقسمتم أنهم ليسوا على شيء؟ قد قيل لهم: ادخلوا جنة المعارف لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، وأنتم حصل لكم الخيبة، والحرمان، والأسر في أيدي النفوس، والحصر في سجن الأكوان. عائذاً بالله من ذلك.
ثم ذكر استغاثة أهل النار بأهل الجنة، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٠ الى ٥٣]
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)
стр. 814
قلت: (هدى ورحمة) : حال من مفعول (فصَّلناه) ، (فيشفعوا) : جواب الاستفهام، (أو نُرد) بالنصب: عطف عليه، وبالرفع: استئناف، فعلى الأول: المسئول أحد الأمرين إما الشفاعة أو الرد، وعلى الثاني: المسئول الشفاعة فقط.
يقول الحق ﷻ : وَنادى، يوم القيامة، أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا أي:
صبوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ، وفيه دليل على أنَّ الجنة فوق النار، أو: صبوا علينا مما رزقكم الله من سائر الأشربة، ليلائم قوله أَفِيضُوا، أو: من الطعام على حذف الفعل، أي: أو أعطونا مما رزقكم الله، قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ، أي: منعهما عنهم، الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً كتحريم البحائر والسوائب، والتصدية حول البيت، والطواف به عريانًا، وغير ذلك مما أحدثوه، واللهو: صرف القلب إلى ما لا يحصل به نفع أخروي. واللعب: طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به لخلوه عن منفعة دينية، وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا بأن أنستهم القيامةَ، فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا، والكاف: للتعليل، أي: ننساهم لأجل نسيانهم لقاء يومهم هذا، فلم يخطروه ببالهم، ولم يستعدوا له، وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ أي: نُهملهم لأجل إهمالهم الاستعداد للقاء، وإهمالهم آياتنا حتى جحدوا أنها من عند الله.
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ أي: بيَّنا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ، مفصلةً عَلى عِلْمٍ، أي: عالِمين بوجه تفصيله حتى جاء في غاية الإتقان، هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فإنهم المنتفعون بهدايته ورحمته دون غيرهم.
هَلْ يَنْظُرُونَ أي: ما ينتظر الكفار به إِلَّا تَأْوِيلَهُ، أي: ما يئول إليه أمره من تبين صدقه، بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد، بقيام الساعة وما بعدها، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ بظهور ما نطق به، يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ، ولم يؤمنوا به: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ أي: قد تبين أنهم جاءوا بالحق، وحصل لهم اليقين حيث لم ينفع، ثم طلبوا من يشفع فيهم فقالوا: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا اليوم، أَوْ نُرَدُّ أي:
وهل نرد إلى الدنيا فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فنستبدل الكفر بالإيمان، والعصيان بالطاعة والإذعان، أو:
فيشفعوا لنا في أحد الأمرين: إما السلامة من العذاب، أو الرد إلى الدنيا فنستبدل الكفر بالإيمان. قال تعالى:
قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي: بخسوها بسوء أعمالهم وكفرهم، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي: غاب عنهم افتراؤهم فلم ينفعهم.
стр. 815
الإشارة: إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العلي الكبير، وأفاض عليهم من ماء غيبه، حتى امتلأت قلوبهم وأسرارهم، فأثمر لهم العلوم اللدنية والأسرار الربانية ناداهم أهل البطالة والتقصير: أفيضوا علينا من الماء الذي سقاكم الله منه، أو مما رزقكم من العلوم والمعارف. قالوا: إن الله حرمهما على البطالين الذين اتخذوا طريق القوم لهوًا ولعبًا، وغرتهم الحياة الدنيا فقبضتهم في شبكتها، فيقول تعالى: فاليوم ننساهم من لذيذ مشاهدتي، وحلاوة معرفتي، كما نسوا لقائي بشهود ذاتي، وأنكروا على أوليائي وأهل معرفتي، وجحدوا وجود التربية وحجروا على قدرتي، ولقد جئناهم بكتاب فصّلنا فيه كل شيء فقلنا فيه: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها «١» إلى يوم القيامة، هل ينظرون إلا تأويله؟ يوم يأتي تأويله بظهور درجات المقربين، في أعلى عليين، حينئذٍ يحصل لهم اليقين بوجود المقربين، أو بالتربية النبوية في كل زمان وحين، فيطلب الشفاعة في اللحوق بهم، أو يرد إلى العمل بعملهم.. هيهات! قد بُعثر ما في القبور، وحُصّل ما في الصدور، فخسر المبطلون، وفاز المجتهدون السابقون. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه.
ثم عرّف الحق- ﷻ بنفسه ليعرفه من أراد معرفته فى الدنيا، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٤ الى ٥٦]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)
قلت: (حثيثًا) أي: سريعًا صفة لمصدر محذوف، أي: طلبّا حثيثا، أو حال من الفاعل، أي: حاثًا، و (مسخراتٍ) حال فيمن نصب، وخبر فيمن رفع، و (تضرعًا وخفية) : مصدران، حالان من الواو، وكذلك (خوفًا وطمعًا) .
يقول الحق ﷻ : إِنَّ رَبَّكُمُ الذي يستحق أن تعبدوه، هو اللَّهُ وحده الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي: أظهرهما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي: مقدار ستة أيام من أيام الدنيا إذ لم يكن ثَمَّ شمس، ولو شاء خلقهن في لمحة، والعدول إليه لتعليم خلقه التأنى والتثبت.
стр. 816
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء يليق به، والعرش: جسم عظيم محيط بالأكوان. سمي به لارتفاعه، وللتشبيه بسرير الملك، فالأكوان في جوفه ممحوقة فقد استولى عليها ومحقها، كذلك أسرار معاني الربوبية الأزلية قد استولت عليه ومحقته، فيمكن أن يكون الحق تعالى عبَّر بالاستواء عن هذا الاستيلاء، وسيأتي في الإشارة تمامه إن شاء الله.
وقال القشيري: ثم استوى على العرش، أي: تَوَحَّدَ بجلال الكبرياء بوصف الملكوت، وملوكنا إذا أرادوا التجلِّي والظهور للحَشَم والرعية برزوا لهم على سرير مُلكِهم في إيوان مشاهدتهم. فأخبر الحقُّ- بما يَقرُب من فَهم الخلقِ، بما ألقى إليهم من هذه الكلمات، بأنه استوى على العرش، ومعناه: اتصافه بعز الصمدية وجلال الأحدية، وانفراده بنعت الجبروت وجلاء الربوبية، وتقدَّس الجبَّارُ عن الأقطار، والمعبودُ عن الحدود. هـ.
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي: يُغطي نور النهار بظلمةِ الليل، يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أي: يعقبه سريعًا كالطالب له، لا يفصل بينهما شىء، وَخلق الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أي: بقضائه وتصريفه، ومن عجائب تسخيرها أن جعلها مقرونة بأمور غيبية، دالة على ظهور شيء منها.
والنهي عن النظر في النجوم أو تصديق المنجمين إنما هو لمن اعتقد التأثير لها مستقلة بنفسها، أو تصديقهم في تفصيل ما يخبرون به لأنهم إنما يقولون ذلك عن ظن وتخمين وجهل، فإنَّ عِلم النجوم كان معجزة لبعض الأنبياء، ثم اندرس ذلك العلم، فلم يبق إلا ما هو مختلط، لا يتميز فيه الصواب من الخطأ، فاعتقاد كون الكواكب أسبابًا لآثار يخلق الله- تعالى- بها في الأرض، وفي النبات والحيوان شيئًا، يعني في الجملة ليس قادحًا في الدين، بل هو الحق، ولكن دعوى العلم بتلك الآثار على التفصيل مع الجهل: قادح في الدين، فالكواكب ما خلقت عبثًا، ولهذا نظر ﵊ إلى السماء، وقرأ قوله تعالى: رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هذا باطِلًا ... الآية «١» .
انظر: الإحياء للغزالي.
ثم قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ أي: الإيجاد والتصرف بالأمر والنهي، تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي: تعاظم في ألوهيته، وتعالى في ربوبيته، وتفرد في وحدانيته.
قال البيضاوي: (وتحقيق الآية- والله أعلم- أن الكفرة كانوا متخذين أربابًا، فبيَّن لهم أن المستحق للربوبية واحد- وهو الله تعالى لأنه الذي له الخلق والأمر، فإنه تعالى خلق العالَم على ترتيب قويم، وتدبير حكيم فأبدع الأفلاك العلوية، والأجرام السفلية، ثم بعد تمام خلق عالَم الملك أخذ في تدبيره كالملِكِ الجالس على عرشه
стр. 817
وسريره لتدبير مملكته، فدبر الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض، بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب، وتكوير الليالي والأيام، فله الخلق والأمر. وكذلك قال في آية السجدة بعد ذكر الخلق: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ «١» ، فربُّ الخلائق: مَن هذا صفته، لا غيره. انتهى بالمعنى.
ثم أمرهم بأن يدعوه، متذللين مخلصين، فقال: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً أي: ذوي تضرع وخفاء فإن الإخفاء دليل الإخلاص، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ المتجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره، ونبه على أن الداعي ينبغي ألاَّ يطلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء، وقيل: الاعتداء في الدعاء، هو الصياح به، والتشدق، أو اختراع دعوة لا أصل لها في الشرع، وعن النبي ﷺ : «سَيَكُونُ قَومٌ يَعتَدُونَ في الدّعَاءِ، وحَسبُ المَرء أن يَقُولَ:
اللَّهُمَّ إنَّي أسألُكَ الجَنَّةَ ومَا يُقرِّبُ إليهَا من قَولٍ وعَمَلٍ. ثم قرأ: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» «٢» .
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والمعاصي، بَعْدَ إِصْلاحِها ببعث الأنبياء، وشرع الأحكام، أو:
ولا تُفسدوا في الأرض بالمعاصي الموجبة لفساد العالم بالقحط والفتن، بعد إصلاحها بالخصب والأمان، وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً أي: خوفاً من الرد لقصور الأعمال، وطمعًا في القبول بالفضل والكرم إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ المخلصين.
قال البيضاوي: هو ترجيح للطمع، وتنبيه على ما يتوصل به إلى الإجابة، وتذكير قريب لأن الرحمة بمعنى الترحم، أو لأنه صفة محذوف أي: أمر قريب، أو على تشبيه فعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو للفرق بين القريب من النسب، والقريب من غيره. هـ. قلت: والأحسن أنه إنما ذكره لأن المراد بالرحمة هنا: سر الخصوصية، وهو مذكر، فراعى معنى اللفظ، كأنه قال: إن سر الولاية- وهي الخصوصية- قريب من المحسنين.
والله تعالى أعلم.
الإشارة: قوله تعالى: (في ستة أيام) : قال الورتجبي: في كل يوم من هذه الأيام: ظهور صفة من صفاته الست: أولها: العلم، والثاني: القدرة، والثالث: السمع، والرابع: البصر، والخامس: الكلام، والسادس: الإرادة، كملت الأشياء بظهور أنوار الصفات الستة، ولما أتمها صارت الحدثان كجسد آدم بلا روح، فتجلى من صفته السابعة-
стр. 818
وهي حياته القديمة الأزلية الباقية، المنزهة عن همهمة الأنفاس والمشابهة والقياس- فقامت الأشياء بصفاته القائمة بذاته، ويكون إلى الأبد لحياتها بروح حياته، المقدسة عن الاتصال والانفصال. قلت: وهي المعبَّر عنها بالمعاني القائمة بالأواني. ثم قال: وفي أدق الإشارة: السموات: الأرواح، والأرض: الأشباح، والعرش: القلوب، بدأ بكشف الصفات للأرواح، وبدأ بكشف الأفعال للأشباح، ثم بدأ بكشف الذات للقلوب لأن مناظر القلوب للغيوب، والغيوب من القلوب محل تجلّي استواء القدم، استوى قهر القدم، بنعت الظهور للعدم، أي: فتلاشى العدم، ثم استوى تجلّي الصفات على الأفعال، واستوى تجلّي الذات على الصفات، فاستوى بنفسه لنفسه، المنزه عن المباشرة بالحدثان والاتصال والانفصال عن الأكوان. قلت: أي: إذ لا حدثان ولا أكوان لأنها لما قرنت بالقدم تلاشت، وما بقي إلا نعت القدم.
ثم قال: خصَّ السموات والأرض بتجلي الصفات، وخص العرش بتجلي الذات. قلت: لأن المعاني المستولية على العرش باقية على أصلها، وهي أسرار الذات لم تتَرَدَّ برداء الكبرياء، وهو حجاب الحس الظاهر، بخلاف المعاني القائمة بالأواني، وهي أنوار الصفات، تجلت مرتدية بحجاب القهرية، فقيل لها: تجلي الصفات.
ثم قال: السموات والأرض جسد العالم، والعرش قلب العالم، والكرسي دماغ العالم، خص الجميع بالأفعال والصفات، وخص العرش بظهور الذات لأنه قلب الكل، وهو غيب الرحمن وعلمه وحكمته، رأيته في المكاشفة أنوارًا شعشعانيًا، بلا جسم ولا مكان ولا صورة، يتلألأ، فسألت عن ذلك، فقيل لي: هذا عالم يسمى عرشًا. انتهى.
قلت: وأقرب من هذا كله: أن العرش قد استولى على ما في جوفه من العوالم، حتى صارت في وسطه كلا شيء، ومعاني أسرار الربوبية، وهي العظمة الأصلية- قد استولت عليه، وأحاطت به، ومحت وجوده، فعبَّر الحق- ﷻ عن استيلاء هذه العظمة- التي هي أسرار الربوبية- على العرش بالاستواء. وإلى هذا أشار في الحكم العطائية بقوله: «يا مَن استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيباً في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبًا في عرشه، محققت الآثار بالآثار، ومحوت الآثار- وهي العرش وما احتوى عليه- بمحيطات أفلاك الأنوار» وهي أسرار الذات المحيطات بالآثار، من العرش إلى الفرش، فعبّر عن المعاني المستولية على العرش بالرحمانية لأن الرحمانية صفة الذات، والصفة لا تُفارق الموصوف، فافهم.
قلت: ومن كحل عينه بإثمد توحيد الذات لا يستبعد أن يكون الحق- ﷻ يتجلى بتجل خاص من أسرار ذاته وأنوار صفاته، يستوي بتلك العظمة على العرش، كما يتجلّى يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، إذ تجلياته لا تنحصر، بل كل ما ظهر في عالم الشهادة فإنما هو نور من تجلّي ذاته وصفاته. وهذا القدر كاف لمن شم شيئًا
стр. 819
من أسرار التوحيد، وقد تكلم ابن جزي هنا على الخوف والرجاء، وأطال فيهما، ولكنه يجنح لتصوف أهل الظاهر، وقد تقرر في محله.
وقوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ: هو تقييد لقوله: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ فالمختص بالرحمة هم المحسنون. انظر لفظ الحُكم. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر الحق- ﷻ تصاريف قدرته المفهوم من قوله: (إلا له الخلقُ والأمرُ) ، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٧ الى ٥٨]
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)
قلت: (نُشُرًا) : حال من الرياح، وهو جمع نشور، بمعنى ناشر، ومن قرأ بسكون الشين، فهو تخفيف منه، ومن قرأ بفتح النون، فمصدر في موضع الحال، بمعنى: ناشرات، أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان، ومن قرأه بالباء وسكون الشين فهو جمع بشير، مخفف، و (أقَلَّت) : مشتق من القلة لأن الحامل للشيء يستقله، و (ثقالاً) :
جمع لأن السحاب جمع بمعنى السحائب.
يقول الحق ﷻ : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ أو الرياح نَشْراً أي: تنشر السحاب، وتفرقه إلى الأرض التي أراد الله إن تمطر، أو بشارة بالمطر «١» ، بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي: قبل نزول المطر، فهي قدامَه فإن الصبا تثير السحاب، والشمال تجمعه، والجنوب تذره، والدبور تُفرقه. قاله البيضاوي.
حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ أي: حملت سَحاباً ثِقالًا بالماء لأنها تحمل الماء فتثقل به، سُقْناهُ أي: السحاب بما اشتمل عليه من الماء، لِبَلَدٍ مَيِّتٍ أي: لإحيائه أو لسَقيه بعد يبسه، كأنه ميت، فَأَنْزَلْنا بِهِ أي: بالبلد، أو بالسحاب، أو بالسوق، أو بالريح، الْماءَ الذي في السحاب، فَأَخْرَجْنا بِهِ أي: بالماء، مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ من كل أنواعها وأصنافها، كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى من القبور، أي: كما نُحيي البلد بإحداث القوة
стр. 820
النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى من الأجداث ونحييها برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقُوى الحسية. قاله البيضاوي.
وقال ابن جزي: هو تمثيل لإخراج الموتى من القبور بإخراج الزرع من الأرض، وقد وقع ذلك في القرآن في مواضع منها: كَذلِكَ النُّشُورُ «١» وكَذلِكَ الْخُرُوجُ «٢» . هـ. لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فتعلمون أنَّ مَن قَدَر على ذلك قدر على إحياء الموتى، إذ لا فرق.
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ أي: الأرض الكريمة والتراب الجيد يَخْرُجُ نَباتُهُ بسهولة، حسنًا قويًا نضرًا، بِإِذْنِ رَبِّهِ أي: بمشيئته وقدرته، وَالَّذِي خَبُثَ من الأرض كالحرة والسبخة، لاَ يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً قليلاً عديم النفع، أو عسيرًا بمشقة، كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ نُكررها ونُرددها لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ نعمة الله، فيتفكرون فيها، ويعتبرون بها.
قال البيضاوي: والآية مثل لمن تدبر الآيات وانتفع بها، ولمن لم يرفع إليها رأسًا ولم يتأثر بها، ومثلُه في البخاري في حديث طويل «٣» . وقال ابن عباس وغيره: هو ضرب مثل للمؤمن والكافر. وقال ابن جزي:
يحتمل أن يكون المراد ما يقتضيه ظاهر اللفظ، فتكون متممة للمعنى الذي قبلها في المطر، وأن تكون تمثيلاً للقلوب فالطيب: قلب المؤمن، والخبيث: قلب الكافر، وقيل: هما للفِهم والبليد. هـ.
الإشارة: وهو الذي يرسل رياح الهداية، تنشر سحاب الواردات الإلهية والنفحات الربانية، بين يدي معرفته، أو تُبشر بها قبل وصولها، حتى إذا أقلت سحابًا ثقالاً بالعلوم اللدنية، سقناه لقلبٍ ميت بالجهل والهوى، فأنزلنا مما فيه من ماء ذلك الأمطار، فأخرجنا به من ثمرات العلوم وأزهار الحِكَم ونوار اليقين. وفي الحِكَم: «لا تزكين وارداً لم تعلم ثمرته، فليس المقصود من السحابة الأمطار، وإنما المقصود وجود الأثمار» . (كذلك نخرج الموتى) أي:
نحى القلوب الموتى بالجهل، (لعلكم تذكرون) . والبلد الطيب، وهو القلب الطيب، إذا هبت عليه هذه الواردات، ونزلت فيه أمطار النفحات، يُخرج نباته من العلوم والمعارف بِإِذْنِ رَبِّهِ، والذي خَبُثَ من القلوب لا يخرج ما فيه إلا نكدًا- أي: ضعيفًا لعدم تأثره بالواردات والمواعظ.
وقال الورتجبي: ذكر- سبحانه- القلب الذي هو بلد الله الذي مُطر عليه من بحر امتنانه، ويخرج نبات ألوان الحالات والمقامات. ثم قال: وكل قلب بذره الهوى فنباته الشهوات. هـ.
стр. 821
ثم شرع فى ذكر قصص الأنبياء مع أممهم، تفصيلا لقوله: (وكم من قرية أهلكناها..) ... الآية، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٤]
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤)
قلت: (أوَ عَجبتم) : الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، أي: أكذبتم وعجبتم، و (في الفلك) : يتعلق بأنجينا، أو بمن معه، أو حال من الموصول.
يقول الحق ﷻ : لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أدريس، نبىء بعده «١» ، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين، وعاش ألفًا وثلاثمائة سنة، فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يستحق أن يُعبد، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ، إن لم تُؤمنوا وتُوحدوا الله عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو يوم القيامة، أو يوم نزول الطوفان.
قالَ الْمَلَأُ أي: الأشراف مِنْ قَوْمِهِ لأنهم يملأون العيون عند رؤيتهم، قالوا له: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: في خطأ بيِّن عن الحق، قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ أي: ليس بي شيء من الضلال، بالغ لهم في النفي كما بالغوا له في الإثبات، وعرض لهم به، وتلطف لهم في القول، وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أي: لست في ضلال كما اعتقدتم، ولكني في غاية من الهدى لأني رسول من رب العالمين، أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي كما أمرني، وَأَنْصَحُ لَكُمْ جُهدي، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من صفاته الجلالية والجمالية ومن رحمته وعذابه، أو من قدرته وشدة بطشه، أو أعلم من جهة وحيه أشياء لا علم لكم بها، وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، كعلم العقائد والمواعظ والأحكام.
стр. 822
ثم قال لهم: أَوَعَجِبْتُمْ أي: أكذبتم وعجبتم من أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ أي: تذكير ووعظ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى لسان رَجُلٍ مِنْكُمْ أي: من جملتكم، أو من جنسكم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون:
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ «١» ، قال القشيري: عجبوا مِن كونِ شخص رسولاً، ولم يَعجبوا من كون الصنم شريكًا لله، هذا فَرطُ الجهالة وغاية الغواية. هـ. وحكمة إرساله كونه جاءكم لِيُنْذِرَكُمْ عاقبة الكفر والمعاصي، وَلِتَتَّقُوا الله بسبب ذلك الإنذار، وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بتلك التقوى، وفائدة حرف الترجي التنبهُ على أن التقوى غير مُوجب للترحم بذاته، وإنما هو- أي: الترحم- فضل من الله، وأن المتقي ينبغي ألا يعتمد على تقواه، ولا يأمَن من عذاب الله.
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ هو ومن آمن به، وكانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة، وقيل: عشرة، وقيل:
ثمانية، حَملناهم فِي الْفُلْكِ أي: السفينة، وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بالطوفان إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ أي: عُمي القلوب، غير مستبصرين، وأصله: عَميين، مخفف. قاله البيضاوي.
الإشارة: الشريعة المحمدية: سفينة نوح ﵇، فمن ركب بحر الحقائق وحاد عنها حال بينه وبينها الموج فكان من المغرقين في بحر الزندقة والكفر، ومن تمسك بها في ذلك كان من الناجحين الفائزين.
ثم ذكر قصة هود ﵇ فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٦٥ الى ٧٢]
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)
قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)
стр. 823
قلت: (أخاهم) : عطف على نوح، و (هودًا) : عطف بيان أو بدل، وكذلك (أخاهم صالحًا) وما بعده حيث وقع.
يقول الحق ﷻ : وَأرسلنا إِلى قبيلة عادٍ أَخاهُمْ أي: واحد من قبيلتهم، كقولهم:
يا أخا العرب، فإنه هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عادٌ بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: هو هود بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فهو ابن عم أبي عاد، وإنما أرسل إليهم منهم لأنهم أفهم لقوله، وأعرف بحاله، وأرغب في أتباعه، ثم وعظهم فقال: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ عذاب الله، قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ، كان قومه أحسن من قوم نوح، إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد، ولذلك قيد الملأ بمن كفر، بخلاف قوم نوح لم يكن أحد منهم آمن به، فأطلق الملأ، قالوا لهود ﵇: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ أي: متمكنًا في خفة العقل، راسخًا فيها، حيث فَارَقتَ دين قومك، وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ في ادعاء الرسالة.
قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ، وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي، وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ، يحتمل أن يريد أمانته على الوحي، أو أنهم كانوا قد عرفوه بالأمانة والصدق قبل الرسالة. ثم قال:
أَوَعَجِبْتُمْ من أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ، تقدم تفسيرها.
قال البيضاوي: وفي ذكر إجابة الأنبياء الكفرةَ عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا به والإعراض عن مقالتهم:
كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة، وهكذا ينبغي لكل ناصح، وفي قوله: وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ: تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. هـ.
ثم قال لهم: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ في مساكنهم، أو خلفاء في الأرض من بعدهم بأن جعلكم ملوكًا، فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض، من رمل عالج إلى بحر عمان، خوفهم أولاً من
стр. 824
عقاب الله، ثم ذكرهم بإنعامه وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً أي: قامة وقوة، فكانوا عظام الأجساد، فكان أصغرهم: ستين ذراعًا، وأطولهم: مائة ذراع. فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي: نعمه، تعميم بعد تخصيص، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي: لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح، ومن شكرها: الإيمان برسولهم.
قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا من الأصنام، استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عما وجدوا عليه آباءهم انهماكًا في التقليد، وحبًا لما ألفوه مع اعترافهم بالربوبية، ولذلك قال لهم هود ﵇: قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ، بعد أن قالوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فيه.
قالَ قَدْ وَقَعَ أي: وجب عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ عذاب وَغَضَبٌ إرادة الانتقام، أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أي: أتجادلونني في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف. وأراد بقوله: سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أي: جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل، وهو معنى قوله: ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ أي: حجة تدل على استحقاقها للعبادة، فالمجادلة يحتمل أن تكون في عبادتها، أو في تسميتها آلهة، والمراد بالاسم- على الأول- المسمى، وعلى الثاني: التسمية.. قاله ابن جزي. فَانْتَظِرُوا نزول العذاب، الذي طلبتم حين أصررتم على العناد، إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ نزوله.
قال تعالى: فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا عليهم. قال القشيري: لا رتبةَ فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة، وقد أخبر سبحانه: أنه نجَّى هودًا برحمته، وكذا نجَّى الذين آمنوا معه برحمته، ليُعلَم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضلٍ من الله ورحمة، فما نَجَا مَن نَجَا إلا بفضل الله . هـ.
وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي: استأصلناهم، وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ، تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أن الفارق بين من نَجَا وبين من هلك: هو الإيمان.
رُوِي أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودًا فكذبوه، وزادوا عتوا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان الناس حينئذٍ، مسلمهم ومشركهم، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه «قيل بن عنز» ، ومرثد بن سعد، في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاود بن سام، وسيدهم: معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه، وهو بظاهر مكة، أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرًا يشربون الخمر، وتغنى عليهم الجرادتان- قَينَتَانِ له- فلما رأى ذهولهم عما
стр. 825
بعثوا له أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فعلم المغنيتين بيتين من الشعر، وأمرهما أن تغنيا به وهما:
ألا يا قَيلُ ويَحكَ، قُم، فَهَينِم ... لَعلَّ الله يسقِينَا الغَمَامَا
فيسقيِ أرضَ عَادٍ، إنَّ عَادًا ... قَدَ امسَوا لاَ يُبِينُونَ الكَلامَا
فلما غنيتا به أزعجهم ذلك، فقال مرثد: والله لا يُسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله، سقيتم، فقالوا لمعاوية: أحبسه عنا، لا يقدمنّ معنا مكة فإنه فد أتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل: اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابات ثلاثًا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه منادٍ من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك. فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماءً، فخرجت إلى عاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض مُمطرنا، فجاءتهم، فيها ريح عقيم، فأهلكتهم، رُوِي أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء، كأنها جراد، فاستمرت عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام، شدخَت رؤوسهم إلى الحجارة حتى هلكوا جميعًا، ونجا هود والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله حتى هلكوا. قاله البيضاوي وغيره.
وهاهنا بحث وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم ﵇ حسبما في الصحيح، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها، وهود كان قبل إبراهيم، والبيت حينئذٍ خرب، كان خربه الطوفان، فكيف يتوجهون إليه وهو لم يكن؟.
ويمكن الجواب: بأنهم كانوا يلتجئون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد الطوفان لأن أول من بناه آدم ﵇ فلما خربه الطوفان بقي أثره، فكانوا يتبركون به، وفي بعض التواريخ: أن العماليق بنوه قبل إبراهيم، فكانوا يطوفون به ويتبركون، ثم هُدم، وبناه بعدهم خليل الله إبراهيم. وبهذا- إن صح- يزول الإشكال. والله تعالى أعلم.
وأما من قال: إن هودًا تعدد، فغير سديد.
الإشارة: قد تضمنت موعظة هود ﵇ لقومه خصلتين، بهما النجاة من كل هول وشر، والفوز بكل خير، وهما: التوحيد والتقوى، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي، والتقوى: حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر قصة صالح ﵇، فقال:
стр. 826
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٧٣ الى ٧٩]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)
قلت: آيَةً: حال، والعامل فيها: الإشارة، وبُيُوتاً: حال من الجبال.
يقول الحق ﷻ : وَأرسلنا إِلى ثَمُودَ قبيلة أخرى من العرب، سُموا باسم أبيهم الأكبر:
ثمود بن غابر بن إرم بن سام، وقيل: سُموا به لقلة ما بهم من التثميد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجرَ، بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وقد دخلها رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال لهم ﷺ : «لاَ تدخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ المُعَذَّبِينَ إلاَّ أن تَكُونُوا بَاكِينَ مخافة أن يُصيبَكم مِثلُ مَا أصَابَهُم» «١» .
أرسلنا إليهم أَخاهُمْ صالِحاً، وهو صالح بن عُبَيد بن أسف بن ماسَح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وقال وهب بن منبه: بعث الله صالحًا حين راهق الحلم. وقال الكواشي: أنه مات ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه ينذرهم عشرين. هـ.
стр. 827
قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي، وهي: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً لأنها جاءت من عند الله بلا وسائط وأسباب، على ما سيأتي، فَذَرُوها أي: اتركوها، تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ العشب، وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، نهى عن المس، الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغةً في الأمر وإزاحة للعذر. قاله البيضاوي. فَيَأْخُذَكُمْ إن مستموها بسوء عَذابٌ أَلِيمٌ، وهو الهلاك بالصيحة.
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ أي: هيأ لكم القرار فِي الْأَرْضِ أي: أرض الحجاز، تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً أي: تبنون مما انبسط منها قصورًا، فالسهل ضد الجبل، وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً أي: تنجُرون بيوتًا من الجبال، وكانوا يسكنون القصور في الصيف والجبال في الشتاء. فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بالمعاصي والكفر.
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ عن الإيمان، لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي: للذين استضعفوهم واستذلوهم- أعني لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ-: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ؟، قالوه على وجه الاستهزاء، قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، لم يقولوا في الجواب: نعم تنبيهًا على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي رأي، وإنما الكلام فيمن آمن ومن كفر فلذلك قال: قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ على المقابلة، ووضعوا آمَنْتُمْ بِهِ موضع أُرْسِلَ بِهِ ردًا لما جعلوه معلومًا مسلمًا.
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ نحروها، أسند إلى جميعهم فعل بعضهم كما يأتي لأنه كان برضاهم، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي: استكبروا عن امتثال أمره، وهو ما بلغهم صالح بقوله: فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي: صيحة جبريل، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ باركين على ركبهم، ميتين.
رُوِي: أنهم بعد عادٍ عمروا بلادهم وخلفوهم، وكثروا، وعُمروا أعمارًا طِوالاً لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في خِصب وسعة، فعتوا وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحًا من أشرافهم، فأنذرهم، فسألوه آية، فقال لهم: أيّ آية تريدون؟ فقالوا: اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فمن استجيب له اتبع، فخرج معهم، فدعوا أصنامهم فلم تجبهم، ثم أشار سيدهم «جندع بن عمرو» إلى صخرة منفردة يقال لها: «الكاثبة» ، قال له: أخرج من هذه الصخرة ناقةً مخترجة جوفاء وبراء، فإن فعلت صدقناك، فأخذ
стр. 828
عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلتُ ذلك لتؤمنن؟ قالوا: نعم، فصلى، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تَمَخَّضَ النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عُشَرَاءَ، جوفاء وبراء كما وَصَفُوا، وهم ينظرون، ثم أنتجت ولدًا مثلها في العظم، فآمن به جندع في جماعة، ومنع الناس من الإيمان: ذُؤاب بن عمرو، والحباب صاحب أصنامهم، ورباب كاهنهم.
فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غِبًّا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها، ثم تنفحج «١» ، فيحلبون ما شاءوا حتى تمتلىء أوانيهم، فيشربون ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق ذلك عليهم، فزينت عقرها لهم «عنيزة أم غنم» وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، وعاقرها: الأحمر، واسمه قدار، استعان برجل آخر، فلما شربت أختبأ لها في جانب تل، فضربها صاحبه بالسهم، وعقرها قدار بسيفه، واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلاً اسمه: قارة، فرغى ثلاثًا، ودخل صخرة أمه، فقال لهم صالح ﵇: أدركوا الفصيل، عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه حيث دخل الصخرة بعد رغائه، فقال لهم صالح ﵇: تُصبح وجوهكم غداً مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ويصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولمّا كان ضحوة اليوم الرابع: تحنّطوا وتكفّنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا.
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ، ظاهره:
أن توليته عنهم بعد أن أبصرهم جاثمين ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله ﷺ أهل قليب بدر، وقال لهم: «قد وجدنا ما وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًا، فَهَل وجدتم ما وعد ربكم حَقًا؟» «٢» أو ذَكَرَ ذلك على سبيل التحسّر عليهم. قاله البيضاوي.
الإشارة: كل ما قصّ علينا الحق- ﷻ من قصص الأمم الماضية، فالمراد به: تخويف هذه الأمة المحمدية وزيادة في يقينهم، فالواجب على من أراد السلامة في الدارين أن يتمسك بما جاء به الرسول ﷺ من غير زيادة ولا نقصان، ويتحرى في ذلك جهده يقصد بذلك رضا الله ورسوله. وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «٣» ، ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى النعيم المقيم. والله تعالى أعلم.
стр. 829
ثم ذكر قصة لوط ﵇، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٠ الى ٨٤]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)
قلت: (شهوة) : مفعول له، أو مصدر في موضع الحال.
يقول الحق ﷻ : وَأرسلنا لُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ واعظًا لهم: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي:
اللواط توبيخًا وتقريعًا على تلك الفعلة المتناهية في القبح، ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أي: ما فعلها أحد قبلكم، وبخهم على أمرين: إتيان الفاحشة، واختراعها أولاً، ثم قال لهم: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ، وصفهم بالشهوة البهيمية، وفيه تنبيه على أنَّ العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة:
طلب الولد وإبقاء النوع لا قضاء الوطر، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ أي: عادتكم السرف في كل شيء، حتى تجاوزتم ما أحل الله لكم من النساء إلى ما حرم عليكم من إتيان الذكور، وهو إضراب عن الإنكار إلى الإخبار بحالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها وهي اعتياد الإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم لهم على جميع معايبهم، أو عن محذوف، مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف. قاله البيضاوي.
وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ له حين وعظهم، إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ أي: لوط ومن آمن به، مِنْ قَرْيَتِكُمْ أي: ما أجابوه بشيء يصلح للجواب، لكن قابلوا نصحه بالأمر بإخراجه من قريتهم، والاستهزاء بهم، حيث قالوا: إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ من الفواحش.
قال تعالى: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ أي: من آمن معه، إِلَّا امْرَأَتَهُ فإنها كانت تسر الكفر كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أي: الباقين في ديارهم فهلكوا وهلكت معهم.
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً أي: نوعًا عجيبًا من المطر، بيَّنه بقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ «١» ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ.
стр. 830
رُوِي أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر عمه إبراهيم إلى الشام، ونزل بالأردن، وكان هاجر هو معه، أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم، ليدعوهم إلى الله، وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة، فلم ينتهوا عنها، فقلع جبريل مدينتهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر الحجارة على ما قربهم من القرى، وسيأتي في سورة هود بقية قصتهم، إن شاء الله. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إنما أهلك اللهُ قوم لوط حيث آثروا شهوة نفوسهم على عبودية ربهم، وغلبهم الطبع البهيمي على مقتضى العقل الصافي، وقد تقدم قول الغزالي: إن الشَّره إلى الوِقاع من جملة المهلكات. فعلى المريد أن يصفي قصده، ولا ينزل إلى أرض الحظوظ إلا بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين، ولا ينزل بالشهوة والمتعة. وقد قال ﵇:
«المؤمن يأكل بشهوة أهله» «١» فلا يأتي ما أحلَّ اللهُ لَهُ مِن متعة النِّساء إلا قيامًا بحقِّ الغَير وطلبًا للنسلِ. وبالله التوفيق.
ثم ذكر قصة شعيب ﵇ فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٥ الى ٩٣]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)
стр. 831
يقول الحق ﷻ : وَأرسلنا إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً، ومدين: قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم، شعيب بن ميكائل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، على ما قيل. وقد تقدّم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم ﵇، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه.
قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يريد المعجزة التي كانت له، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي البينة على الموعظة. وقال في الكشاف: ومن معجزات شعيب: ما رُوِي من محاربة عصا موسى التنين، حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصة، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات. هـ. وفيه نظر لأن هذ وقعت بعد مقالته لقومه، وإنما كانت إرهاصات لموسى ﵇، وفي حديث البخاري: «مَا بَعَثَ الله نَبِيًّا إلاَّ وآتاهُ مَا مِثلُه آمَنِ عَليه البشرُ، وإَنَّما كَان الذِي أُوتِيتُه وحيًا، وأرجوُ أن أكُون أكَثَرهُم تَابِعاً يومَ القيامَةِ» «١» . وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها لظاهر الحديث.
ثم قال لهم: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ، وكانوا مطففين، أي: فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل، أي: كبروها بدليل قوله: وَالْمِيزانَ الذي هو الآلة، ويحتمل أن يريد بهما المصدر، أي: الكيل والوزن.
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي: لا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال: أَشْياءَهُمْ، للتعميم تنبيهًا على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكَّاسين لا يدعون شيئًا إلا مكسوه.
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والظلم، بَعْدَ إِصْلاحِها بإقامة الشرائع وظهور العدل، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه، ومعنى الخيرية: الزيادة مطلقًا إذ لا خير فيما هم فيه، أو: في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. قاله البيضاوي.
стр. 832
وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ أي: طريق تُوعِدُونَ من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبًا: إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون من آمن، وقيل: كانوا يقطعون الطريق.
وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: تصدون الناسَ عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله: مَنْ آمَنَ بِهِ من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة كانوا يصدونه عن العمل، وَتَبْغُونَها عِوَجاً أي: وتطلبون لطريق الله عوجًا بإلقاء الشُّبَه فيها، أو بوصفها للناس بأنها مُعوَجَّة.
وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا عددكم وعُددكم فَكَثَّرَكُمْ بالبركة في النسل والمال، وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم.
وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا أي: تربصوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ إذ لا معقب لحكمه، ولا حيف فيه.
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ في جوابه عن وعظه: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أي: ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب ﵇ لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء- ﵈ لا يجوز عليهم الكفر مطلقًا، لكنهم غلّبوا الجماعة على الواحد فخُوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: وعاد: قد يكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال، قلت: ويؤيده ما في حديث الجَهنميين: «قد عادوا حممًا» «١» أي: صاروا.
ثم قال شعيب ﵇: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها أي: إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإرادة المغيبة، والعلم المحيط، فإنّ القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت: هو معصوم فلا يصح فيه العود؟. قلت: قاله أدبًا مع الربوبية، واستسلاما لقهر
стр. 833
الألوهية، كقول نبينا ﷺ : «يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قَلبي عَلَى دِينِكَ» «١» . وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي: أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا أي: احكم بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ أي: الفاصلين.
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً وتركتم دينكم إِنَّكُمْ إِذاً أي: إذا اتبعتموه لَخاسِرُونَ لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي: الزلزلة. وفي سورة الحجر. الصَّيْحَةُ، ولعلها كانت من مبادئها، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ أي: في مدينتهم جاثِمِينَ: باركين ميتين.
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي: استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة. الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ دينًا ودُنيا، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا فإنهم الرابحون، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين.
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ، قاله بعد هلاكهم، تأسفًا عليهم، ثم أنكر على نفسه فقال: فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ليسوا أهلاً للحزن عليهم، لاستحقاقهم ما نزل بهم.
الإشارة: يُؤخذ من قوله: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها أن إقامة الشرائع، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها، وخصبها وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها.
ويؤخذ من قوله: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ... الآية، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على الله من أفضل القربات عند الله، وأعظم الوسائل إلى الله.
ويؤخذ من قوله: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علَّق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية: «يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمَّنتك، فعلمي لا يحيط به محيط» . والله تعالى أعلم.
стр. 834
ولما سرد قصص الأمم السالفة ذكر حاله معهم، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٤ الى ٩٩]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩)
يقول الحق ﷻ : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ أي: رسول إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ أي: بالبؤس والضر، كالقحط والأمراض، لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أي: يتضرعون ويتذللون، ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ الحالة السَّيِّئَةِ الحالة الْحَسَنَةَ أي: أعطيناهم، بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة، السلامة والسعة، حَتَّى عَفَوْا: كثروا عَددًا وعُددًا، يقال: عفا النبات: إذا كثر، ومنه: «اعفوا اللِّحى» «١» . وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ كُفرًا لنعمة الله عليهم، ونسيانًا لذكره، واعتقادًا بأنه من عادة الدهر يتعاقب في الناس بين السراء والضراء، فقد مس آباءنا منه شيء مثل ما مسنا، فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً: فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بنزول العذاب.
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى المتقدمة في قوله: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ وقيل: مكة وما حولها. وقيل:
مطلقًا، آمَنُوا وَاتَّقَوْا مكان كفرهم وعصيانهم، لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لوَسعنا عليهم الخير، ويسرناه لهم من كل جانب. وقيل: المراد: المطر والنبات. وَلكِنْ كَذَّبُوا بالرسل، وكفروا النعم، فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الكفر والمعاصي.
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أي: أبعد ذلك أمن أهل القرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ؟ أي: ليلاً، في حال نومهم. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا أيضًا ضُحًى ضحوة النهار وَهُمْ يَلْعَبُونَ من
стр. 835
فرط الغفلة، أو يشتغلون بما لا ينفعهم، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ وهو أن يستدرجهم بالنعم حتى يأخذهم بغتة؟ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ الذين خسروا أنفسهم، بترك النظر والاعتبار، حتى هلكوا، فلم ينفعهم حينئذٍ الندم.
الإشارة: إظهار المِحَن والمِنَن وتعاقبهما على الإنسان، حكمتها: الرجوع إلى الله، وتضرع العبد إلى مولاه، فمن فعل ذلك كان معتمدًا عليه في الحالتين، مغترفًا من بحر المنة بكلتا اليدين، ومن نزلت به المحن ثم أعقبته لطائف المنن، فلم يرجع إلى مولاه، ولا شكره على ما خوله من نعماه، بل قال: هذه عادة الزمان يتعاقب بالسراء والضراء على الإنسان، فهذا عبد منهمك في غفلته، قد اتسعت دائرة حسه، وانطمست بصيرة قدسه، يصدق عليه قوله تعالى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ «١» .
وقال القشيري في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا ... الآية: أي: لو آمنوا بالله واتَّقُوا الشرك (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السماء والأرض) بأسباب العطاء، فإن سَبَقَ بخلافه القضاء فأبواب الرضا، والرضا أتم من العطاء. ويقال: ليس العبرة بالنعمة العِبرة بالبركة في النعمة. هـ.
قوله تعالى: وَلكِنْ كَذَّبُوا أي: شكُّوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان والتقوى حتى يتركوا الأسباب، والشاك في الصادق المصدوق مكذب. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضى الله عنه: للناس أسباب، وسببنا الإيمان والتقوى، ثُم تَلا هذه الآية: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا ... الآية، وقد تقدم عند قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ «٢» . ما يتعلق بالأمن من مكر الله.
ولما ذكر هلاك الأمم الماضية، خوّف من خلفهم بعدهم إلى يوم القيامة، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٢]
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)
стр. 836
قلت: (أن لو نشاء) : «أن» مخففة، وهي وما بعدها: فاعل (يَهدِ) أي: أو لم يتبين لهم قدرتنا على إهلاكهم لو نشاء ذلك؟ وإنما عدى «يهدي» باللام لأنه بمعنى يتبين، و (نطبع) : استئناف، أي: ونحن نطبع على قلوبهم.
يقول الحق ﷻ : أَوَلَمْ يَهْدِ أي: يتبين لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أي: يخلفون من قبلهم ويرثون ديارهم وأموالهم، أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ أي: أهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ بسبب ذنوبهم، كما أهلكنا من قبلهم، لكن أمهلناهم ولم نهملهم، وَنحن نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ بالغفلة والانهماك في العصيان، فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ سماع تدبر واعتبار.
تِلْكَ الْقُرى، التي قصصنا عليك آنفًا، نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها من أخبارها، أي: بعض أخبارها، ولها أبناء غيرها لا نقصها عليك وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ: بالمعجزات، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيئهم، بها بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ مجيئها، يعني: أن ظهور المعجزات لم ينفعهم، بل الشيء الذي كذبوا به قبل مجيئها، وهو التوحيد وتصديق الرسل استمروا عليه بعد مجيئها.
أو: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا مدة عمرهم بما كذبوا به أولا، حين جاءتهم الرسل، فلم تؤثر فيم دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة. كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر.
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ أي: لأكثر أهل القرى مِنْ عَهْدٍ، بل جلّهم نقضوا ما عَهدناهم عليه من الإيمان والتقوى بإنزال الآيات ونصب الحجج، وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ أي: علمناهم لَفاسِقِينَ، و «إن» مخففة، واللام: فارقة.
الإشارة: ينبغي لمن فتح الله بصيرته أن ينظر بعين الاعتبار فيمن سلف قبله، كيف تركوا الدنيا ورحلوا عنها، ولم يأخذوا منها إلا ما قدموا أمامهم؟ قَدِموا على ما قدَّموا، وندموا على ما خلفوا، ولم ينفعهم الندم وقد زلَّت بهم القدم، فالدهر خطيب يُسمع القاصي والقريب، وهو ينادي بلسان فصيح، عادلاً عن الكناية إلى التصريح، قائلاً: أمَا حَصلَ لكم الإنذار؟ أما كفاكم ما تشاهدون في الاعتبار؟ أين من سلف قبلكم؟. أوَ ما كانوا أشد منكم أو مثلكم؟ قد نما ذكرهم وعلا قدرهم، وخسف بعد الكمال بدرهم، فكأنهم ما كانوا، وعن قريب مضوا وبانوا، أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا إلى القضاء وسلموا، فيا أيها الغافلون، أنتم بمن مضى لاحقون، ويا أيها الباقون أنتم إليهم تساقون، قَضاءٌ مبرم، وحُكمٌ ملزم، ليس عنه محيد لأحد من العبيد.
стр. 837
ثم شرع فى قصص موسى ﵇، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٠٣]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)
يقول الحق ﷻ : ثُمَّ بَعَثْنا من بعد الرسل المتقدمين مُوسى بن عمران بِآياتِنا:
بمعجزاتنا الدالة على صدقه، إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها أي: طغوا بسببها، وزادوا عتوًا على عتوهم، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ كيف غرقوا عن آخرهم، وأكلهم البحر.
الإشارة: إذا أراد الله- تعالى- أن يُهلك قومًا بعث إليهم من يُذكرهم، فإذا زادوا في العتو والطغيان عاجلهم بالعقوبة. ذكر الشعراني: أن مدينة بالمشرق صنعوا وليمة يتنزهون فيها، فخرجوا إلى بستان، فلما صنعوا الطعام دخل عليهم فقير، فقال: أعطوني، فأعطوه، ثم قال: أعطوني فزادوه، ثم قال: أعطوني، فجروه حتى أخرجوه، فأرسل عليهم مَن أخرجهم من تلك المدينة وخربها، فهي خربة إلى اليوم. سبحان المدبر الحكيم الواحد القهار!.
ثم ذكر دعوة موسى إلى فرعون، وما كان من أمره معه، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٥]
وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥)
قلت: من قرأ: «عليّ» بشد الياء، فحقيق: مبتدأ، و «عليّ» : متعلق به، و (ألاَّ أقول) : خبره، أي: حقيق عَلَيَّ قولُ الحق. ومن قرأ: (عَلَى) بالتخفيف، فحقيق: صفة لرسول، و «على» : حرف جر، و (ألاَّ أقول) : مجرور، أي: إني رسول حقيق على قول الحق، وعدَّاه بعلى لتضمنه معنى حريص، أو تكون (على) بمعنى الباء أي: حقيق بقول الحق، وقد يبقى على أصله لأمن الالتباس والمعنى: حقيق علي قول الحق أن أكون أنا قائله، لا يرضى إلا مثله ناطقًا به. انظر البيضاوي.
يقول الحق ﷻ : وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ، حَقِيقٌ واجب عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ لأنني معصوم من النطق بغيره، فإن كذَّبتني فقد جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي:
بمعجزة واضحة، تدل على صدقي، وهي العصا. فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي: فخل سبيلهم، حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة: التي هي وطنُ آبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة وذلك أنه لما تُوفِّي يوسف ﵇ غلب عليهم فرعونُ واستعبدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى رسولاً إلى فرعون: أربعمائة عام.
стр. 838
ثم طلب منه إظهار المعجزة، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٦ الى ١١٢]
قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠)
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)
قلت: يقال: أرجأ، بالهمز، يرجىء بمعنى آخر فمن قرأ بالهمزة فعلى الأصل، ومن قرأه بغير الهمزة فيحتمل أن يكون بمعنى المهموز، وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى الرجاء، أي: أطمعه، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلغة أجرى فيها الوصل مجرى الوقف. وقد تتبع البيضاوي توجيه القراءات، فانظره إن شئت.
يقول الحق ﷻ : قالَ فرعون لموسى ﵇: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ مَن عند مَن أرسلك، كما ذكرتَ، فَأْتِ بِها وأحضرها ليَثبت بها صدقك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك، فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ أي: ظاهر أمره، لا يشك في أنه ثعبان، وهي الحية العظيمة.
رُوِي أنه لما ألقاها صار ثعباناً أشعر، فاغراً فاه، بين لَحْيَيْهِ ثمانون ذراعًا، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب منه وأحدَثَ، وانهزم الناسُ مُزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، وصاح فرعون: يا موسى، أُنشدك الذي أرسلك خذه، وأنا أُومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه فعاد عصًا. قاله البيضاوي.
ثم أظهر له معجزة أخرى: وَنَزَعَ يَدَهُ من جيبه، أو من تحت إبطه، فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ أي:
بيضاء بياضاً خارجاً عن العادة، يجتمع عليها النظارة، أو بيضاء للنظار، لا أنها كانت بيضاء في خلقتها، بل كانت شديدة الأدمة كلون صاحبها. رُوِي أنه كان شديد الأدمة فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانية، غلب شعاعُها شعاعَ الشمس.
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ، قيل: قاله هو وأشرافُ قومه، على سبيل المشاورة في أمره، فحكى عنه في سورة الشعراء، وعنهم هنا، أو قاله هو ووافقوه عليه، كعادة جلساء الملوك مع أتباعهم.
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بالحيل، أو بالقتال، أو بإخراج بني إسرائيل، وكانوا خدامًا لهم، فتخرب البلد
стр. 839
من بعدهم، لأنهم خدامها وعمارها. قال فرعون: فَماذا تَأْمُرُونَ أي: تُشيرون عليَّ أن أفعل؟
قالُوا أَرْجِهْ أي: أخّره وَأَخاهُ أي: أخرّهما حتى تنظر في أمرهما، وقيل: أمروه بسجنهما، وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ أي: مدائن عمالتك حاشِرِينَ يحشرون لك السحرة، يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ.
ثم ذكر مجيئهم، وما كان من أمرهم مع موسى ﵇، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٣ الى ١١٩]
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧)
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩)
قلت: من قرأ: (أئن) بهمزتين، فهو اسم استفهام، ومَن قرأ بهمزة واحدة، فيحتمل أن يكون خبرًا، كأنهم قالوا:
لا بد لنا من أجر، أو استفهامًا حُذفت منه الهمزة، والتنكير للتعظيم، واستأنف الجملة، كأنها جواب عن سائل قال:
فماذا قالوا إذ جاءوا؟ قالوا: إن لنا لأجرًا ... الخ، و (إنكم) : عطف على ما سدّ مسده نعم، من تمام الجواب، كأنه قال:
نعم نعطيكم الأجر ونقربكم.
يقول الحق ﷻ : وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم، قالُوا لما وصلوا إليه: إِنَّ أئن لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ لموسى؟ قالَ نَعَمْ إن لكم أجرًا وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ إليّ. فأنعم لهم بالأجر، وزادهم التقريب منه والجاه عنده تحريضًا لهم. واختُلف في عدد السحرة اختلافًا متباينًا، من سبعين رجلاً إلى سبعين ألفًا، وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل.
ولمَّا خرجوا إلى الصحراء لمقابلته قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ خيّروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارًا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، ولذلك عبَّروا عن إلقاء موسى بالفعل وعن إلقائهم بالجملة الاسمية، وفيه إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه. ولذلك أسعفهم، قالَ أَلْقُوا أسعفهم كرمًا ومسامحة وازدراءً بهم، فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ، بأن خيلوا إليها خلاف ما في حقيقة الأمر، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أي: خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر، وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ في فَنّه.
رُوِي أنهم ألقوا حبالاً غلاظًا، وخشبًا طوالاً، كأنها حيات، ملأت الوادي، وركب بعضها بعضًا.
стр. 840
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ، فألقاها، فصارت ثعبانًا عظيمًا، على قدر الجبل، وقيل: إنه طال حتى جاوز النيل، فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ أي: تبتلع ما يَأْفِكُونَ ما يُزَوِّرُونَهُ من إفكهم وكذبهم. رُوِي أنها لما ابتلعت حبالهم وعصيهم، وكانت ملأت الوادي، فابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين، فهربوا وازدحموا حتى هلك منهم جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصًا كما كانت، فقال السحرة: لو كان هذا سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا.
فَوَقَعَ الْحَقُّ أي: ثبت بظهور أمره، وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ أي:
صاروا أذلاء مبهوتين، أو انقلبوا إلى المدينة مقهورين.
ولما رأى السحرة ذلك علموا أنه ليس من طوق البشر، وليس هو من السحر، فتحققوا أنه من عند الله، فآمنوا، كما أشار إليه بقوله:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٠ الى ١٢٦]
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)
قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)
يقول الحق ﷻ : وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ على وجوههم ساجِدِينَ لما عرفوا الحق وتحققوا به، فآمنوا لأن الحق بهرهم، واضطرهم إلى السجود بحيث لم يتمالكوا، أو ألهمهم الله ذلك وحملهم عليه، حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى، وينقلب الأمر عليه.
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَهارُونَ أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون.
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ أي: بالله أو بموسى، قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ، إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ أي: إن هذه لَحيلة صنعتموها أنتم وموسى فِي الْمَدِينَةِ في مصر، ودبرتموها قبل أن تخرجوا للميعاد لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها أي: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة ما صنعتم.
стр. 841
ثم فصّل ما هددهم به، فقال: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ من كل شق عضو، كَيَدٍ ورِجل من كل واحد، ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ تفضيحًا لكم وتنكيلاً لأمثالكم، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، ولكن رُوِي عن ابن عباس وغيره أنه فعله. قيل: إنه أول من سنَّ ذلك- أي: القطع من خلاف- فشرعه الله للقطاع تعظيمًا لجرمهم، فلذلك سماه الله محاربة لله ورسوله.
قالُوا أي: السحرة لما خوفهم: إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بالموت، فيكرم مثوانا، فلا نُبالي بوعيدك، كأنهم اشتاقوا إلى اللقاء، فهان عليهم وعيده، أو إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فيحكم بيننا وبينك، وَما تَنْقِمُ مِنَّا أي: وما تعيب علينا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا، وهو لا يعاب عند العقلاء، لأنه خير الأعمال، وأصل المناقب ومحاسن الخلال، ثم فزعوا إلى الله فقالوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي: اصبب علينا صبرًا يغمرنا، كما يُفرغ الماء على الشيء فيغمره، وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ثابتين على الإسلام. قال البيضاوي: قيل: إنه فعل بهم ذلك، وقيل: إنه لم يقدر عليه، لقوله: أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ «١» . هـ. وقد تقدم قول ابن عباس وغيره. والله تعالى أعلم.
الإشارة: انظر مَن سبقت له العناية، هؤلاء السحرة جاءوا يُحادون الله فأمسوا أولياء الله، فكم من خصوص تخرج من اللصوص، وانظر أيضًا صبرهم وثباتهم على دينهم، وعدم مبالاتهم بعدوهم، هكذا ينبغي أن يكون مَن مراده مولاه، لا يلتفت إلى شيء سواه، وعند هذه التصرفات يفتضح المُدّعُون ويثبت الصادقون، عند الامتحان يعز المرء أو يهان.
ثم قال تعالى في تتمة قصة موسى ﵇:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٩]
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)
стр. 842
يقول الحق ﷻ : وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ أي: تتركهم يخالفون دينك لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي: يخربوا ملكك بتغيير دينك ودعوتهم إلى مخالفتك، وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ أي:
يترك موسى دينك ومعبوداتك التي تعبد، قيل: كان يعبد الكواكب، وقيل: صنع لقومه أصنامًا وأمرهم أن يعبدوها تقربًا إليه. ولذلك قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «١» . قال فرعون في جوابهم: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ أي: ذكورهم وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي: بناتهم، كما كنا نفعل من قبل، ليُعلم أَنَّا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يديه. وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ غالبون، وهم مقهورون تحت أيدينا.
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا، قاله تسكينًا لهم حين سمعوا قول فرعون وما هددهم به، ثم قال لهم: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وسيورثها لكم إن صبرتم وآمنتم. وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، فتكون العاقبة لكم إن اتقيتم، وهو وعدٌ لهم بالنصر والعز، وتذكير بما وعدهم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وملكهم.
قالُوا أي: بنو إسرائيل: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بقتل الأبناء، وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا بإعادته، فلم يرتفع عنا الذل بمجيئك، قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ، تصريحًا بما كِنّى عنه أولاً، لما رأى أنهم لم يتسلوا بذلك، ولعله أتى بحرف الطمع، أي: الترجي لعدم جزمه بأنهم المستخلَفون بأعيانهم، أو أولادهم، وقد رُوِي أن مصر إنما فتح لهم في زمن داود ﵇. قاله البيضاوي. فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ أي: فإذا استخلفكم يرى ما تعملون من شكر أو كفران، أو طاعة أو عصيان، فيجازيكم على حسب ما يُوجد منكم من كفر أو إحسان.
الإشارة: ما وقع للأنبياء مع قومهم وقع مثله لأشياخ هذه الأمة وفقرائها مع أهل زمانهم، ولما كثرت الأحوال من الفقر أو خرق العوائد، وظهروا بتخريب ظواهرهم، وقعت بهم الشكاية إلى السلطان، وقالوا له: هؤلاء يخربون ملكك، فآل على نفسه إنَّ مكنه الله منهم لا يترك منهم أحدًا، فكفى الله بأسه، فاستعانوا بالله وصبروا، واشتغلوا بذكر الله، وغابوا عمن سواه، فكانت العاقبة للمتقين.
ثم ذكر ابتلاءه لقوم فرعون، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٠ الى ١٣١]
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١)
стр. 843
قلت: عبَّر في جانب الحسنة بإذا، المفيدة للتحقيق، وعرَّف الحسنة لكثرة وقوعها، وعبَّر في جانب السيئة بإن المفيدة للشك، ونكّر السيئة لنُدورها.
يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أي: بالجدب والقحط لقلة الأمطار والمياه، وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ بكثرة العاهات، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي: لكي ينتبهوا أن ذلك من شؤم كفرهم ومعاصيهم، ويتعظوا، وترق قلوبهم بالشدائد، فيفزعوا إلى الله، ويرغبوا فيما عنده.
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ من الخصب والسعة والرخاء، قالُوا لَنا هذِهِ أي: قالوا: هذه لنا ولسعودنا، ونحن مستحقون له. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ: جدب وبلاء يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أي: يتشاءموا بهم، ويقولون: ما أصابتنا إلا بشؤمهم، وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة فإن الشدائد تُرقق القلوب، وتُذلل العرائك أي: الطبائع، وتُزيل التماسك، سيما بعد مشاهدة الآيات، وهي لم تؤثر فيهم، بل زادوا عندها عتوًا وانهماكًا في الغي.
قال تعالى: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي: سبب طائرهم وشرهم عنده، وهو حكمه ومشيئه، أو سبب شؤمهم عند الله، وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها التي ساقت إليهم ما يسوؤهم. قال ابن جزي: أي: حظهم ونصيبهم الذي قدر لهم من الخير والشر عند الله، وهو مأخوذ من زجر الطير، ثم سمى به مَا يُصيب الإنسان، ومقصود الآية: الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم. هـ. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن ما يصيبهم من الله تعالى بلا واسطة، أو من شؤم أعمالهم.
الإشارة: هذه الخصلة جارية أيضًا في هذه الأمة، أعني التطاير، ترى العوام إذا نزل بهم بلاء أو شدة قالوا:
بظهور هؤلاء وقع بنا ما وقع، ولقد سمعتُ ممن حكى لي هذه المقالة عن العامة وقت ابتداء ظهور الفقراء، وذلك أنهم آذوهم أذى شديدًا، فأرسل الله عليهم كثرة الأمطار كادت أن تكون طوفانًا، فقالوا: ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذه المرقعات التي ظهرت، ولم يدروا أن ذلك منهم لإذايتهم أهل الله. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر عتو آل فرعون، وعقوبته لهم، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٢ الى ١٣٧]
وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦)
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)
стр. 844
قلت: (مهما) : اسم شرط جازم، و (تأتنا) : شرطها، وجملة (فما نحن) : جوابها، قيل: مركبة، وأصلها: «ما» الشرطية، ضُمت إليها «ما» الزائدة، نحو: أينما، ثم قُلبت الألف هاء، والمشهور: أنها بسيطة، ومحلها: رفع بالابتداء، أو نصب بفعل يفسره: «تأتنا» ، والضمير في: «به» عائد على «مهما» .
يقول الحق ﷻ : وَقالُوا أي: فرعون وقومه: مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ، وإنما سموها آية على زعم موسى، لا لاعتقادهم، ولذلك قالوا: لِتَسْحَرَنا بِها أي: لتسحر بها أعيننا وتشبه علينا، فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. وهذا من عظيم عتوهم وانهماكهم في الكفر.
قال تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وهو مطر شديد نزل بهم مع فيض النيل، حتى هدم بيوتهم وكادوا يهلكون، وامتنعوا من الزراعة، وقيل: الطاعون، وقيل: الجدري، وقيل الموتان، وَالْجَرادَ وهو المعروف، أكل زروعهم وثمارهم، حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم، وَالْقُمَّلَ قيل: أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، وقيل: البراغيث، وقيل السوس، والتحقيق: أنه صغار القراد، دخل ثيابهم وشعورهم ولحاهم، وقرىء: «القَملَ» بفتح القاف وهو القمل المعروف، دخل ثيابهم وامتلأت منها، وَالضَّفادِعَ، وهي المعروفة، كثرت عندهم حتى امتلأت بها فروشهم وأوانيهم، وإذا تكلم أحدهم وثب الضفدع إلى فيه. وَالدَّمَ صارت مياههم دمًا، فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد، فيخرج ما يلي القبطي دمًا، وما يلي الإسرائيلي ماء.
قال البيضاوي: رُوِي أنهم مُطِروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل متصلة ببيوتهم، فلم يدخل فيها قطرة، وركب على أرضهم فمنعتهم من الحرث والتصرف فيها، ودام ذلك عليهم أسبوعًا، فقالوا لموسى ﵇: أدع لنا ربك بما عهد
стр. 845
عندك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا الله فكشف عنهم، ونبت لهم من الكلأ والزرع والثمار ما لم يعهد مثله، ولم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت زرعهم وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب، ففزعوا إليه ثانيًا، فدعا، وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها، فلم يؤمنوا، فسلط عليهم القمل وأكل ما أبقاه الجراد، فكان يقع في أطعمتهم ويدخل في ثيابهم وجلودهم فيمصها، ففزعوا إليه فرفع عنهم، فقالوا: قدتحققنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا ينكشف ثوب ولا طعام إلا وُجدت فيه، وكانت تملأ مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم وهي تغلي وأفواههم عند التكلم، ففزعوا وتضرعوا، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دمًا، حتى يجتمع القبطي مع الإسرائيلي على الماء، فيكون ما يلي القبطي دمًا، وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإسرائيلي فيصير دمًا في فيه، وقيل: سلط عليهم الرعاف. هـ.
آياتٍ أي: حال كون ما تقدم آيات مُفَصَّلاتٍ، مبينات، لا تشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته.
قيل: كان بين كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة أسبوعًا، وقيل: إن موسى ثبت فيهم، بعد ما غلب السحرة، عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل، فَاسْتَكْبَرُوا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ أي:
عادتهم الإجرام.
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ يعني: العذاب المفصل، أو الطاعون الذي أرسله عليهم بعد ذلك، قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي: بعهده عندك، وهو النبوة، أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. والمعنى: ادع الله متوسلاً إليه بما عهد عندك من النبوة والجاه، أو بدعائك إليه ووسائلك، لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ: العذاب لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ أي: أقسمنا بعهد الله لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لنؤمن لك وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ كما طلبت، قال تعالى: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إلى حد من الزمان هم بالغوه ثم يُهلكون، وهو وقت الغرق أو الموت، وقيل: إلى أجل عينوه لإيمانهم، إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ جواب «لَمَّا» ، أي: فلما كشفنا عنهم جاءوا بالنكث من غير تأمل ولا توقف، فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي: فأردنا الانتقام منهم، فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ أي: البحر الذي لا يدرك قعره أو لجته، بِأَنَّهُمْ أي: بسبب أنهم كَذَّبُوا بِآياتِنا التي أرسلناها عليهم. وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي: أغرقناهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها.
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ بالاستبعاد وذبح الأبناء مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا يعني:
أرض الشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتمكنوا من نواحيها الَّتِي بارَكْنا فِيها بالخصب وسعة العيش، وهي أرض الشام. وزاد ابن جزي: ومصر.