ثم فصّل ما هددهم به، فقال: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ من كل شق عضو، كَيَدٍ ورِجل من كل واحد، ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ تفضيحًا لكم وتنكيلاً لأمثالكم، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، ولكن رُوِي عن ابن عباس وغيره أنه فعله. قيل: إنه أول من سنَّ ذلك- أي: القطع من خلاف- فشرعه الله للقطاع تعظيمًا لجرمهم، فلذلك سماه الله محاربة لله ورسوله.
قالُوا أي: السحرة لما خوفهم: إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بالموت، فيكرم مثوانا، فلا نُبالي بوعيدك، كأنهم اشتاقوا إلى اللقاء، فهان عليهم وعيده، أو إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فيحكم بيننا وبينك، وَما تَنْقِمُ مِنَّا أي: وما تعيب علينا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا، وهو لا يعاب عند العقلاء، لأنه خير الأعمال، وأصل المناقب ومحاسن الخلال، ثم فزعوا إلى الله فقالوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي: اصبب علينا صبرًا يغمرنا، كما يُفرغ الماء على الشيء فيغمره، وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ثابتين على الإسلام. قال البيضاوي: قيل: إنه فعل بهم ذلك، وقيل: إنه لم يقدر عليه، لقوله: أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ «١» . هـ. وقد تقدم قول ابن عباس وغيره. والله تعالى أعلم.
الإشارة: انظر مَن سبقت له العناية، هؤلاء السحرة جاءوا يُحادون الله فأمسوا أولياء الله، فكم من خصوص تخرج من اللصوص، وانظر أيضًا صبرهم وثباتهم على دينهم، وعدم مبالاتهم بعدوهم، هكذا ينبغي أن يكون مَن مراده مولاه، لا يلتفت إلى شيء سواه، وعند هذه التصرفات يفتضح المُدّعُون ويثبت الصادقون، عند الامتحان يعز المرء أو يهان.
ثم قال تعالى في تتمة قصة موسى ﵇:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٩]
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)
стр. 842
يقول الحق ﷻ : وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ أي: تتركهم يخالفون دينك لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي: يخربوا ملكك بتغيير دينك ودعوتهم إلى مخالفتك، وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ أي:
يترك موسى دينك ومعبوداتك التي تعبد، قيل: كان يعبد الكواكب، وقيل: صنع لقومه أصنامًا وأمرهم أن يعبدوها تقربًا إليه. ولذلك قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «١» . قال فرعون في جوابهم: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ أي: ذكورهم وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي: بناتهم، كما كنا نفعل من قبل، ليُعلم أَنَّا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يديه. وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ غالبون، وهم مقهورون تحت أيدينا.
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا، قاله تسكينًا لهم حين سمعوا قول فرعون وما هددهم به، ثم قال لهم: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وسيورثها لكم إن صبرتم وآمنتم. وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، فتكون العاقبة لكم إن اتقيتم، وهو وعدٌ لهم بالنصر والعز، وتذكير بما وعدهم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وملكهم.
قالُوا أي: بنو إسرائيل: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بقتل الأبناء، وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا بإعادته، فلم يرتفع عنا الذل بمجيئك، قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ، تصريحًا بما كِنّى عنه أولاً، لما رأى أنهم لم يتسلوا بذلك، ولعله أتى بحرف الطمع، أي: الترجي لعدم جزمه بأنهم المستخلَفون بأعيانهم، أو أولادهم، وقد رُوِي أن مصر إنما فتح لهم في زمن داود ﵇. قاله البيضاوي. فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ أي: فإذا استخلفكم يرى ما تعملون من شكر أو كفران، أو طاعة أو عصيان، فيجازيكم على حسب ما يُوجد منكم من كفر أو إحسان.
الإشارة: ما وقع للأنبياء مع قومهم وقع مثله لأشياخ هذه الأمة وفقرائها مع أهل زمانهم، ولما كثرت الأحوال من الفقر أو خرق العوائد، وظهروا بتخريب ظواهرهم، وقعت بهم الشكاية إلى السلطان، وقالوا له: هؤلاء يخربون ملكك، فآل على نفسه إنَّ مكنه الله منهم لا يترك منهم أحدًا، فكفى الله بأسه، فاستعانوا بالله وصبروا، واشتغلوا بذكر الله، وغابوا عمن سواه، فكانت العاقبة للمتقين.
ثم ذكر ابتلاءه لقوم فرعون، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٠ الى ١٣١]
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١)
стр. 843
قلت: عبَّر في جانب الحسنة بإذا، المفيدة للتحقيق، وعرَّف الحسنة لكثرة وقوعها، وعبَّر في جانب السيئة بإن المفيدة للشك، ونكّر السيئة لنُدورها.
يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أي: بالجدب والقحط لقلة الأمطار والمياه، وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ بكثرة العاهات، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي: لكي ينتبهوا أن ذلك من شؤم كفرهم ومعاصيهم، ويتعظوا، وترق قلوبهم بالشدائد، فيفزعوا إلى الله، ويرغبوا فيما عنده.
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ من الخصب والسعة والرخاء، قالُوا لَنا هذِهِ أي: قالوا: هذه لنا ولسعودنا، ونحن مستحقون له. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ: جدب وبلاء يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أي: يتشاءموا بهم، ويقولون: ما أصابتنا إلا بشؤمهم، وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة فإن الشدائد تُرقق القلوب، وتُذلل العرائك أي: الطبائع، وتُزيل التماسك، سيما بعد مشاهدة الآيات، وهي لم تؤثر فيهم، بل زادوا عندها عتوًا وانهماكًا في الغي.
قال تعالى: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي: سبب طائرهم وشرهم عنده، وهو حكمه ومشيئه، أو سبب شؤمهم عند الله، وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها التي ساقت إليهم ما يسوؤهم. قال ابن جزي: أي: حظهم ونصيبهم الذي قدر لهم من الخير والشر عند الله، وهو مأخوذ من زجر الطير، ثم سمى به مَا يُصيب الإنسان، ومقصود الآية: الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم. هـ. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن ما يصيبهم من الله تعالى بلا واسطة، أو من شؤم أعمالهم.
الإشارة: هذه الخصلة جارية أيضًا في هذه الأمة، أعني التطاير، ترى العوام إذا نزل بهم بلاء أو شدة قالوا:
بظهور هؤلاء وقع بنا ما وقع، ولقد سمعتُ ممن حكى لي هذه المقالة عن العامة وقت ابتداء ظهور الفقراء، وذلك أنهم آذوهم أذى شديدًا، فأرسل الله عليهم كثرة الأمطار كادت أن تكون طوفانًا، فقالوا: ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذه المرقعات التي ظهرت، ولم يدروا أن ذلك منهم لإذايتهم أهل الله. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر عتو آل فرعون، وعقوبته لهم، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٢ الى ١٣٧]
وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦)
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)
стр. 844
قلت: (مهما) : اسم شرط جازم، و (تأتنا) : شرطها، وجملة (فما نحن) : جوابها، قيل: مركبة، وأصلها: «ما» الشرطية، ضُمت إليها «ما» الزائدة، نحو: أينما، ثم قُلبت الألف هاء، والمشهور: أنها بسيطة، ومحلها: رفع بالابتداء، أو نصب بفعل يفسره: «تأتنا» ، والضمير في: «به» عائد على «مهما» .
يقول الحق ﷻ : وَقالُوا أي: فرعون وقومه: مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ، وإنما سموها آية على زعم موسى، لا لاعتقادهم، ولذلك قالوا: لِتَسْحَرَنا بِها أي: لتسحر بها أعيننا وتشبه علينا، فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. وهذا من عظيم عتوهم وانهماكهم في الكفر.
قال تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وهو مطر شديد نزل بهم مع فيض النيل، حتى هدم بيوتهم وكادوا يهلكون، وامتنعوا من الزراعة، وقيل: الطاعون، وقيل: الجدري، وقيل الموتان، وَالْجَرادَ وهو المعروف، أكل زروعهم وثمارهم، حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم، وَالْقُمَّلَ قيل: أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، وقيل: البراغيث، وقيل السوس، والتحقيق: أنه صغار القراد، دخل ثيابهم وشعورهم ولحاهم، وقرىء: «القَملَ» بفتح القاف وهو القمل المعروف، دخل ثيابهم وامتلأت منها، وَالضَّفادِعَ، وهي المعروفة، كثرت عندهم حتى امتلأت بها فروشهم وأوانيهم، وإذا تكلم أحدهم وثب الضفدع إلى فيه. وَالدَّمَ صارت مياههم دمًا، فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد، فيخرج ما يلي القبطي دمًا، وما يلي الإسرائيلي ماء.
قال البيضاوي: رُوِي أنهم مُطِروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل متصلة ببيوتهم، فلم يدخل فيها قطرة، وركب على أرضهم فمنعتهم من الحرث والتصرف فيها، ودام ذلك عليهم أسبوعًا، فقالوا لموسى ﵇: أدع لنا ربك بما عهد
стр. 845
عندك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا الله فكشف عنهم، ونبت لهم من الكلأ والزرع والثمار ما لم يعهد مثله، ولم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت زرعهم وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب، ففزعوا إليه ثانيًا، فدعا، وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها، فلم يؤمنوا، فسلط عليهم القمل وأكل ما أبقاه الجراد، فكان يقع في أطعمتهم ويدخل في ثيابهم وجلودهم فيمصها، ففزعوا إليه فرفع عنهم، فقالوا: قدتحققنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا ينكشف ثوب ولا طعام إلا وُجدت فيه، وكانت تملأ مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم وهي تغلي وأفواههم عند التكلم، ففزعوا وتضرعوا، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دمًا، حتى يجتمع القبطي مع الإسرائيلي على الماء، فيكون ما يلي القبطي دمًا، وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإسرائيلي فيصير دمًا في فيه، وقيل: سلط عليهم الرعاف. هـ.
آياتٍ أي: حال كون ما تقدم آيات مُفَصَّلاتٍ، مبينات، لا تشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته.
قيل: كان بين كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة أسبوعًا، وقيل: إن موسى ثبت فيهم، بعد ما غلب السحرة، عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل، فَاسْتَكْبَرُوا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ أي:
عادتهم الإجرام.
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ يعني: العذاب المفصل، أو الطاعون الذي أرسله عليهم بعد ذلك، قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي: بعهده عندك، وهو النبوة، أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. والمعنى: ادع الله متوسلاً إليه بما عهد عندك من النبوة والجاه، أو بدعائك إليه ووسائلك، لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ: العذاب لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ أي: أقسمنا بعهد الله لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لنؤمن لك وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ كما طلبت، قال تعالى: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إلى حد من الزمان هم بالغوه ثم يُهلكون، وهو وقت الغرق أو الموت، وقيل: إلى أجل عينوه لإيمانهم، إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ جواب «لَمَّا» ، أي: فلما كشفنا عنهم جاءوا بالنكث من غير تأمل ولا توقف، فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي: فأردنا الانتقام منهم، فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ أي: البحر الذي لا يدرك قعره أو لجته، بِأَنَّهُمْ أي: بسبب أنهم كَذَّبُوا بِآياتِنا التي أرسلناها عليهم. وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي: أغرقناهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها.
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ بالاستبعاد وذبح الأبناء مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا يعني:
أرض الشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتمكنوا من نواحيها الَّتِي بارَكْنا فِيها بالخصب وسعة العيش، وهي أرض الشام. وزاد ابن جزي: ومصر.
стр. 846
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي: نفذت ومضت واستقرت، والكلمة هنا: ما قضى في الأزل من إنقاذهم من عدوهم، وقيل: قوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ «١» وكانت حسنى لما فيها من النصر والعز، بِما صَبَرُوا أي: بسبب صبرهم على الشدائد وَدَمَّرْنا أي: خربنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ من القصور والعمارات، وَما كانُوا يَعْرِشُونَ من البنيان المرتفع كصرح هامان، أو ما كانوا يرفعون من الكروم في البساتين على العرشان، فالأول من العرش، والثاني من العَريش.
الإشارة: قد جرت عادة الله في خلقه أن يظهر الخواص من عباده، فَيُنكَرُوا أو يستضعفوا، حتى إذا طهروا من البقايا وتمكنوا من شهود الحق، مَنَّ الله عليهم بالعز والنصر والتمكين، فمنهم من يمكن من التصرف في الحس والمعنى، ويقره الوجود بأسره، ومنهم من يمكن من التصرف في الكون بهمته، ولكنه تحت أستار الخمول، لا يعرفه إلا من اصطفاه لحضرته، وهذا من شهداء الملكوت، ضنَّ به الحق تعالى فلم يظهره لخلقه. والله تعالى أعلم وأحكم.
ثم ذكر نجاة موسى ﵇ وقومه من فرعون، وخروجهم إلى الشام، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٨ الى ١٤١]
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)
يقول الحق ﷻ : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ أي: قطعنا بهم الْبَحْرَ، رُوِي أنهم عبروه يوم عاشوراء، بعد مهلك فرعون، فصاموه شكرًا، فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ أي: مروا على قوم من العمالقة، وقيل: من لخم، يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ أي: يقيمون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل البقر، وذلك أول شأن عبادة العجل،
стр. 847
وهؤلاء القوم، قيل: هم الجبارُون الذين أمر موسى بقتالهم بعد وصوله إلى الشام، ولما رأهم بنو إسرائيل قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً أي: مثالاً نعبده كَما لَهُمْ آلِهَةٌ يعبدونها، قالَ لهم موسى ﵇:
إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، وَصَفَهُم بالجهل المطلق، وأكده بإن لبُعد ما صدر منهم، بعد ما رأوا من الآيات الكبرى.
قال البيضاوي: ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن مَنَّ الله تعالى عليهم بالنعم الجسام، وآراهم من الآيات العظام، تسليةً لرسول الله ﷺ عما كان يرى منهم ويلقى من التشغيب، وإيقاظًا للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم. هـ. وذكر في «القوت» أن يهوديًّا قال لعلى رضى الله عنه: كيف اختلفتم وضربتم وجوه بعضكم بالسيف، ونبيكم قريب عهد بكم؟ فقال: أنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم:
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ. هـ.
ثم قال لهم موسى ﵇: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ: مدمر هالك ما هُمْ فِيهِ يعني: أن الله تعالى يهدم دينهم الذي هم فيه، ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضًا. وَباطِلٌ: مضمحل ما كانُوا يَعْمَلُونَ من عبادتها، وإن قصدوا بها التقرُّب إلى الله تعالى، وإنما بالغ في هذا الكلام تنفيرًا وتحذيرًا عما طلبوا. قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ أطلب لكم إِلهاً أي: معبودًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أي: والحال أنه قد خصكم بنعم لم يُعطها غيركم، وفيه تنبيه على سوء مقابلتهم حيث قابلوا تخصيص الله لهم بما استحقوه تفضلاً، بأن قصدوا أن يشركوا به أخس شيء من مخلوقاته وأبلدَه، وهو البقر.
وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أي:، واذكروا صُنعه معكم في هذا الوقت حيث نجاكم من فرعون ورهطه يَسُومُونَكُمْ أي: يذيقونكم سُوءَ الْعَذابِ، ثم بينَّه بقوله: يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ ذكوركم وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أي: بناتكم، وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أي: وفي ذلك القتل امتحان عظيم، أو في ذلك الإنجاء نعمة عظيمة وامتنان عظيم.
الإشارة: من جاوز بحر التوحيد وحاد عنه، ولم يغرق فيه، لا يخلو من طلب شرك جلي أو خفي لأن النفس ما دامت لم تغرق في بحر الوحدة، ولم تسبها جمال المعاني، قطعًا تميل إلى شيء من جمال الحس، لأن الروح في أصلها عشاقة، إن لم تعشق جمال الحضرة تعشق جمال الحس، ومن ركن إلى شيء مما سوى الله فهو شرك عند الموحدين من المحققين، ويؤخذ من الآية أن شكر النعم هو تلخيص التوحيد، وانفراد الوجهة إلى الله تعالى لأن بني إسرائيل لمَّا أنعم الله عليهم بالإنجاء وفلق البحر قابلوا ذلك بطلب الشرك، فسقطو من عين الله واستمر ذلهم إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم.
стр. 848
ولما استقر بنو إسرائيل بالشام طلبوا من نبيهم نزول الكتاب وتقرير الشرائع، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٢]
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)
يقول الحق ﷻ : وَواعَدْنا مُوسى لإنزال الكتاب ثَلاثِينَ لَيْلَةً من ذي القعدة، وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ من ذي الحجة، فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ بالغًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، رُوِي أنه ﵇ وعد بني إسرائيل، بمصر، أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله تعالى، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خلوف فيه فتسوك، فقالت الملائكة: كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدتَه بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرًا، ثم أنزل عليه التوراة.
وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ، عند ذهابه إلى الطور للمناجاة: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي أي: كن خليفتي فيهم وَأَصْلِحْ ما يجب أن يصلح من أمورهم، أو كن مصلحًا، وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ أي: لا تتبع سبيل من يسلك الإفساد، ولا تطع من دعاك إليه.
الإشارة: كل من انقطع إلى الله تعالى بكليته واعتزل عن الخلق، وأخلى قلبه عما سوى الحق، حصلت له المناجاة والمكالمة، كما وقعت للكليم ﵇، وكل ما منحه الله للأنبياء يكون منه نصيب للأولياء من هذه الأمة، والله تعالى أعلم. وفي الحديث: «من أخلص لله أربَعِينَ صبَاحًا ظَهَرَت يَنابِيعُ الحِكمَةِ مِن قَلبِهِ عَلَى لِسَانِه» «١» .
قال بعض الحكماء: والسر في ذلك أن الله تعالى أمر بطينة آدم فخمرت في الماء أربعين يومًا، فتربى فيها أربعون حجابًا، فلولا تلك الحجب ما استطاع المقام في الأرض، فمن أيده الله على زوالها تشبه بالملأ الأعلى، وخرقت له العوائد، وأشرق النور من قلبه. ولهذا المعنى بقي داود ﵇ ساجدًا أربعين يومًا، فقبلت توبته، ومكث إبراهيم ﵇ في نار النمرود أربعين يومًا، فاتخذه الله خليلاً، وكان بعد ذلك يقول: ما رأيت أحلى من تلك الأيام، فمن أخلص في عبادته وأزال تلك الحجب عن قلبه كان ربانيًا. قال تعالى: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ «٢» . انظر الشطيبى.
ويوخذ من الآية أن الشيخ إذا أراد أن يسافر من زاويته ينبغي له أن يخلف خليفة عنه ليقوم له بنظام الزاوية، إذ لا خير في قوم ليس فيهم من يعظهم في الله. وبالله التوفيق.
стр. 849
ولما سمع سيدنا موسى ﵇ كلام الحق بلا واسطة، طمع فى الرؤية بلا واسطة، كما قال تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٣]
وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)
يقول الحق ﷻ : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا الذي وقتنا له وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ من غير واسطة كما يكلم الملائكة. وفيما رُوِي: أنه كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة، وفيه تنبيه على أن سماع كلامه القديم ليس من جنس كلام المحدثين. قاله البيضاوي. وقال الورتجبي: أي: أسمع عجائب كلامه كليمه ليعرفه بكلامه لأن كلامه مفاتيح كنوز الصفات والذات. هـ. وقال ابن جزي: لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته، فسألها، كما قال الشاعر:
وأبرحُ ما يَكُونُ الشَّوقُ يَومًا ... إذا دَنَت الديارُ من الدَّيَارِ.
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ أي: أرني نفسك أنظر إليك، بأن تكشف الحجب عني، حتى أنظر إلى ذاتك المقدسة من غير واسطة، كما أسمعتني كلامك من غير واسطة. قال البيضاوي: وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، وخصوصًا ما يقتضي الجهل بالله، ولذلك رده بقوله تعالى: لَنْ تَرانِي دون لن أُرِى ولن أريك، ولن تنظر إليّ، تنبيهًا على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على حال في الرائي، لم توجد فيه بعدُ، وجعلُ السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً «١» خطأ، إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلهم ويزيح شبههم، كما فعل بهم حين قالوا: اجْعَلْ لَنا إِلهاً «٢» ، والاستدلال بالجواب على استحالتها أشد خطأ إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته أياه على أنه لا يراه أبدًا، وألا يراه غيره أصلاً، فضلاً عن أن يدل على استحالتها. ودعوى الضرورة فيه مكابرة وجهالة بحقيقة الرؤية. هـ.
وهو تعريض بالزمخشري وردُّ عليه، فإنه هنا أطلق لسانه في أهل السنة- عفا الله عنه-. والتحقيق: أن رؤيته تعالى برداء الكبرياء- وهي أنوار الصفات- جائزة واقعة-، وأما رؤية أسرار الذات- وهي المعاني الأزلية، التي هي كنه الربوبية- فغير جائزة إذ لو ظهرت تلك الأسرار لتلاشت الأكوان واضمحلت، ولعل هذا المعنى هو الذي طلب سيدنا موسى ﵇، فلذلك قال له: لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ عند تجلى هذه
стр. 850
الأسرار له، فَسَوْفَ تَرانِي، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي: أظهر له شيئًا من أنوار الربوبية التي هي أسرار المعاني الأزلية، جَعَلَهُ دَكًّا أي: مدكوكًا مفتتًا، والدك والدق واحد. وقرأ حمزة: «دكاء» بالمد، أي: أرضًا مستوية، ومنه: ناقة دكاء لاسنم لها. وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً مغشيًا عليه من هول ما رأى، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ تعظيمًا لما رأى: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من الجرأة والإقدام على السؤال بغير إذن، وقال بعضهم: تُبتُ إليك من عدم الاكتفاء بقوله: لَنْ تَرانِي حتى نظر إلى الجبل، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أنك لا تُرى بلا واسطة نور الصفات، أو أول أهل زماني إيمانًا.
الإشارة: رؤية الحق جائزة واقعة عند الصوفية في الدارين، ولكن لا ينالها في هذه الدار إلا خواص الخواص، ويُعبّرون عنها بالشهود والعيان، ولا يكون ذلك إلا بعد الفناء، وفناء الفناء بعد موت النفس وقتلها، ثم الغيبة عن حسها ورسمها، تكون بعد التهذيب والتدريب والتربية على يد شيخ كامل، لا يزال يسير به ويقطع به في المقامات، ويغيبه عن نفسه ورؤية وجوده، حتى يقول له: ها أنت وربك، وذلك أن الحق ﷻ تجلى لعباده بأسرار المعاني خلف رداء الأواني، وهو حس الأكوان، فأسرار المعاني لا يمكن ظهورها إلا بواسطة الأواني، أو تقول:
أسرار الذات لا تظهر إلا في أنوار الصفات، فلو ظهرت أسرار الذات بلا واسطة لاضمحلت الأشياء واحترقت، كما في الحديث: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَو كشَفَهُ لأحرقَت سُبُحَاتُ وَجههِ ما أنتَهَى إلَيه بَصَرُهُ مِنْ خلَقِهِ» «١» .
فالمراد بالنور نور الصفات، وهو الأواني الحاملة للمعاني، لو كشف ذلك النور حتى تظهر أسرار الذات لأحرقت كلَّ شيء ادركه بصره. والواسطة عند المحققين هى عين الموسوط، فلا يزال المريد يفنى عن عين الواسطة في شهود الموسوط حتى يغيب عن الواسطة بالكلية، أو تقول: لا يزال يغيب عن الأواني بشهود المعاني حتى تشرق شمس العرفان، فتغيب الأواني في ظهور المعاني، فيقع العيان على فقد الأعيان، «كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان» ، «ما حجبك عن الحق وجود موجود معه، إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهُّم موجود معه» .
والحاصل: أن الحق تعالى تكون رؤيته أولاً بالبصيرة دون البصر، لأن البصيرة تدرك المعاني، والبصر يدرك الحسيات، فإذا انفتحت البصيرة استولى نورها على نور البصر، فلا يرى البصر حينئذٍ إلا ما تراه البصيرة. قال بعض العارفين: هذه المزية العظمى- وهي رؤية الحق تعالى- في الدنيا على هذا الوجه: خاص بخواص الأمة
стр. 851
المحمدية- دون سائر الأمم- وراثة عن نبيهم ﷺ ، فإنه خص بالرؤية دون غيره من الأنبياء. وإلى ذلك أشار ابن الفارض في تائيته، مترجمًا بلسان الحقيقة المحمدية، حيث قال:
ودونَكَ بحرًا خُضتُهُ، وقَف الألي ... بساحِلِه، صَونًا لمَوضِع حُرمتي
ولا تقرَبُوا مالَ اليتيمِ إشارةٌ ... لكَفَّ يدٍ صُدَّت له، إذ تَصَّدِت
وما نالَ شيئًا منُه غيري سوى فتىً ... على قَدَمي في القبض والبسطِ ما فتى
قال شارحه القاشاني: أراد بهذا البحر: الرؤية التي مُنع منها موسى ﵇، وخص بها محمد- عليه الصلاة السلام- وأفراد من أتباعه. ثم قال: ورد في الخبر: أنه لما أفاق موسى ﵇ من صعقته قيل له: ليس ذلك لك، ذلك ليتيم يأتي من بعدك، ثم قال: سبحانك تبتُ إليك عما تعديتُ لما ليس لي، وأنا أول المؤمنين بتخصيص محمد ﷺ بهذا المقام. هـ.
وقيل في قوله: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي: جبل العقل، بحيث طمس نوره بنور شمس العرفان، وخر موسى صعقًا، أي: ذهب وجوده في وجود محبوبه، وحصل له الزوال في مكان الفناء والسكر، فلما أفاق ورجع إلى البقاء تمسك بمقام العبودية والأدب مع الربوبية فقال: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من رؤية جبل الحس قبل شهود نور المعنى، وأنا أول المؤمنين بأن نور المعاني خلف رداء الأواني، لا يدرك إلا بعد الصعقة، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر نزول التوراة، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٤ الى ١٤٧]
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)
стр. 852
قلت: الرُّشد والرَّشَد: لغتان، قُرىء بهما.
يقول الحق ﷻ : قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ اخترتك عَلَى النَّاسِ الموجودين في زمانك، وهارون، وإن كان نبيًا، كان مأمورًا باتباعه، ولم يكن كليما ولا صاحب شرع. فقد اصطفيتك على أهل زمانك بِرِسالاتِي لك إليهم، ومن قرأ بالجمع فالمراد: أوقات التبليغ بأنواع الأحكام أو أسفار التوراة، وَخصصتك بِكَلامِي، وقد شاركه نبينا محمد ﷺ مع زيادة الرؤية، فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أي: أعطيتك من الرسالة والتكليم، وأقنع بهما ولا تطلب غير ذلك، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على هذه النعمة، وفيه نوع تأديب له.
رُوِي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وأعطاه التوراة يوم النحر.
قال تعالى: وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاجون إليه مَوْعِظَةً أي: تذكيرًا وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ يتوقفون عليه في الأحكام والوعظ. واختلف في الألواح: هل كانت سبعة أو عشرة أو اثنين، وهل كانت من زمرد أو زبرجد أو ياقوت أحمر، أو خشب، أو صخرة صماء، شقها الله تعالى لموسى ﵇ فقطعها بيده، وكان فيها التوراة.
قال تعالى لموسى ﵇: فَخُذْها أي: الألواح أو الرسالة بِقُوَّةٍ أي: بجد واجتهاد، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها بأحسن ما فيها، فإن فيها ما هو حسن وأحسن منه كالقصاص مع العفو، أو بواجباتها، فإن الواجب أفضل من المندوب، وهذا كقوله في كتابنا: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ «١» ، ويجوز أن يراد بالأحسن: البالغ في الحسن مطلقًا، لا بالإضافة إلى غيره، كقولهم: الصيف أحر من الشتاء، فيكون الأمر بأخذ كل ما فيها لأنه بالغ الحسن، ثم بشرهم بخراب ملك عدوهم، فقال: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ أي: دار فرعون وقومه خاوية على عروشها، أي: أريكم كيف أقفَرَت منهم لمّا هلكوا، وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم، لتعتبروا بها، وقيل: جهنم.
وقرأ ابن عباس: «سأورثكم» بالثاء المثلثة، كقوله: وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ «٢» .
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ المنصوبة في الآفاق والأنفس الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا من عجائب المصنوعات فلا يتفكرون فيها، أو القرآن وغيره من الكتب، أصرفُ عنها الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون، ولا يؤمنون بها، عقوبة لهم على تكبرهم، وقيل: الصرف: منعهم من إبطالها
стр. 853
وإطفاء نورها، وإن اجتهدوا، كما فعل فرعون وغيره، فعاد عليهم بإعلائها وإظهار نورها، وذلك التكبر صدر منهم بِغَيْرِ الْحَقِّ أي: تكبروا بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل.
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ مُنزلةٍ أو معجزة لا يُؤْمِنُوا بِها لعنادهم، واختلال نظرهم، بسبب انهماكهم في الهوى وحب الجاه، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ أي: طريق الصواب والحق يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا لاستيلاء الشيطان عليهم، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ أي: الضلال يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أي: يسلكونه ويتبعونه، لأن سجيتهم الضلال، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم الآيات.
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ أي: وبلقائهم الدار الآخرة، أو: ما وعد الله في الآخرة، حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ لا ينتفعون بها، هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي: لا يجزون إلا مقدار أعمالهم.
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً «١» .
الإشارة: كل من أقامه الله في مقام من المقامات، أو حال من الأحوال، كيفما كان، يقال له: خذ ما آتيتك، واقنع بما أوليتك، وكن من الشاكرين عليه، وإلا سلبناك ما أعطيناك، فالرضا بالقسمة واجب، وطلب باب الفضل والكرم لازب، والأمر مُبهم، والعواقب مُغيبة، ومنتهى المقام على التعيين لا يعلم إلا بعد الموت. وقوله تعالى:
فَخُذْها بِقُوَّةٍ أي: بجد واجتهاد. قال في الإحياء: الأخذ بالجد أن يكون القارئ متجردًا لله عند قراءته، منصرف الهمة إليه عن غيره، وهو يشير للحضور.
وقوله تعالى: يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها قال الورتجبي: يأخذون بأبينها لهم، وهي المحكمات التي توجب العبودية، ويأخذون بمتشابهها التي هي وصف الصفات بحسن الاعتقاد والتسليم فيها، لأن علومها وحقائقها لا تكشف إلا للربانيين. قال تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ... «٢» الآية. هـ. وقوله تعالى:
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ. قال القشيري: سأحرِمُ المتكبرين بركة الاتباع، حتى لا يتلقوا الآيات التي يُكاشَفَون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يُخَاطَبُون به بسمع الإيمان. هـ.
стр. 854
ثم شرع فى ذكر مساوئ بنى إسرائيل فبدأ بعبادتهم العجل، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٨ الى ١٤٩]
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)
قلت: «عِجلاً» : مفعول أول لاتخذ، و «جسدًا» : بدل منه، وحذف الثاني- أي: «إلهًا» - لدلالة أوله، و (له خوار) :
نعت له.
يقول الحق ﷻ : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد ذهابه للميقات، مِنْ حُلِيِّهِمْ التي كانوا استعاروها من القبط، حين هموا بالخروج من مصر، وإضافتها إليهم لأنها كانت تحت أيديهم، فصنع لهم منها السامري عِجْلًا جَسَداً بلا روح، فألقى في جوفه من تراب أثر فرس جبريل، فصار لَهُ خُوارٌ، فقال لهم: هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى، فعكفوا على عبادته، واتخذوه إلهًا.
قال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أي: ألم يروا، حين اتخذوه إلهًا، أنه لا يقدر على كلام، ولا على إرشاد سبيل، كآحاد البشر، حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقوى والقدر، وهذا تقريع على فرط ضلالتهم وإخلالهم بالنظر. قال تعالى: اتَّخَذُوهُ إلهًا وَكانُوا ظالِمِينَ في اتخاذه، وضعوا الأشياء في غير محلها، أي: كانت عادتهم الظلم، فلم يكن اتخاذ العجل بدعًا منهم.
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ كناية عن اشتداد ندمهم، فإن النادم المتحسر يعض يده غمًا، فتصير يده مسقوطًا فيها. أو يسقط رأسه، أي: يطأطئها لبعض يده. وقال الدمياميني: العرب تضرب الأمثال بالأعضاء، ولا تريد أعيانها، تقول للنادم: يُسقط في يده، وفي الذليل: رغم أنفه. هـ. أي: ولَمَّا ندموا على ما فعلوا، وَرَأَوْا أي:
علموا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا باتخاذ العجل، قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا بالتجاوز عن خطيئتنا، لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ دنيًا وأخرى.
الإشارة: كل مَن ركن إلى شيء وعكف على محبته من دون الله فهو في حقه عجل يعبده من دون الله، «ما أحببتَ شيئاً إلا وكنت عبدًا له، وهو لا يُحب أن تكون عبدًا لغيره» . عافانا الله من ذلك.
стр. 855
ثم ذكر رجوع موسى ﵇ من الطور، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٠ الى ١٥٣]
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)
قلت: (بئسما) : «ما» نكرة موصوفة: تمييز، تفسير للضمير المستكن في (بئس) ، والمخصوص: محذوف، أي:
بئس شيئًا خلفتموني خلافتكم هذه، و «ابن أم» : منادى مضاف، منصوب بفتحة مقدرة قبل ياء المتكلم، وأصله: ابن أمي، فحذفت الياء، وفتحت الميم تخفيفًا.
يقول الحق ﷻ : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى من ميقاته إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ على قومه، أَسِفاً أي: حزينًا عليهم حيث ضلوا، قالَ لهم، أو لأخيه ومَن معه من المؤمنين: بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أي: من بعد انطلاقي إلى المناجاة، أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ أي: أسابقتم قضاء ربكم ووعده، واستعجلتم إتياني قبل الوقت الذي قدَّر فيه، أو أعجلتم عقوبة ربكم وإهلاكه لكم حيث عبدتم غيره.
وَأَلْقَى الْأَلْواحَ طرحها من شدة الغضب حمية للدين، رُوِي أن التوراة كانت سبعة أسفار في سبعة ألواح، فلما ألقاها انكسرت، فرفع ستةَ أسبَاعِها، وكان فيها تفصيل كل شيء، وبقي سُبعٌ كان فيه المواعظ والأحكام، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ: بشعر رأسه يَجُرُّهُ إِلَيْهِ توهمًا في أنه قصَّر في زجرهم، وهارونُ كان أكبر منه بثلاث سنين، وكان حمولاً لَيِّنًا، ولذلك كان أحبَّ إلى بني إسرائيل، ولما رأى هارونُ ما يفعل به أخوه قالَ ابْنَ أُمَّ، ذكر الأم ليرقّقه، وكان شقيقًا له، إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي حين أنكرتُ عليهم، فقد بذلتُ جهدي في كفهم، وقهروني حتى قاربوا قتلي، فلم أُقَصِّر، فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ فلا تفعل بي ما يشمتون بي، أي:
يستشفون بي لأجله، وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ معدودًا في عدادهم بالمؤاخذة، أو نسبة التقصير.
قالَ موسى: رَبِّ اغْفِرْ لِي ما صنعتُ بأخي، وَلِأَخِي إن فرَّط في كفَّهم، وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ بمزيد الإنعام علينا، وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فأنت أرحم منا على أنفسنا.
стр. 856
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وهو ما أمرهم من قتل أنفسهم، أو الطاعون الذي سلط عليهم، وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهي ضرب الجزية والهوان إلى يوم القيامة، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ على الله، ولا فرية أعظم من فريتهم، حيث فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى، ولعله لم يفترِ أحدٌ مثلها قبلهم ولا بعدهم، حيث جعلوا البقر إلههم وإله الرسول، نسأل الله الحفظ.
ثم ذكر توبتهم، فقال: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ من الكفر والمعاصي، ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها من بعد السيئات وَآمَنُوا واشتغلوا بما يقتضيه الإيمان من الأعمال الصالحات، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد التوبة لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وإن عَظُم الذنب كجريمة عَبَدَة العجل- وكَثُر كجرائم بني إسرائيل.
الإشارة: الغضب لله وبالله، والأسف على دين الله، من أمارة الغَيرة على دين الله، لكنَّ صاحب هذا المقام مالك نفسه، يظهر الغلظة ويبطن الرحمة، قيامًا بشهود الحكمة والقدرة، وأما ما صدر من سيدنا موسى- ﵇ فتشريع لأهل التشريع، لئلا يقع التساهل في تغيير المناكر. وساق الإمام الهروي هذه الآية في منازل السائرين في باب المراد، وهو المخصوص من ربه بما لم يُرِده هو ولا خطر بباله، والإشارة بذلك إلى الضَّنَائِن الذين وَرَدَ فيهم الخبر: «إنَّ للهِ ضَنَائِن من خَلقِه، ألبَسَهُم النُور السَّاطِع، وغذاهُم فِي رَحَمِتِه، وفَعَلَ بِهم وفَعَلَ ... » أورده الإمام أبو نعيم في الحلية «١» .
وحاصله: أن المُرادين هم قوم مخصوصون، ملطوف بهم، محمول عنهم، ومنه: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ «٢» فقد خص- ﵊ بما لم يخطر على باله قبل النبوة.
قال الهروي: والمراد: ثلاث درجات: الدرجة الأولى: أن يُعصمَ العبد وهو مستشرف للجفا اضطرارًا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ، وسد مسالك المعاطب عليه، إكرامًا، والدرجة الثانية: أن توضع عن العبد عوراض النقص، ويعافيه من سمة اللائمة، ويملكه عواقب الهفوات، كما فعل لسليمان ﵇ في قتل الخيل حمله على الريح الرُخاء، فأغناه عن الخيل، وكما فعل لموسى ﵇ حين ألقي الألواح وأخذ برأس أخيه لم يعتب عليه كما عتب على آدم ونوح وداود ويونس- ﵈. هـ.
قال شارحه الإمام عبد المعطي السكندري: وهذه الدرجة أتم في الحمل على الأعمال وركوب الأهوال، والتلطف في تعليم الإقبال مما قبلها، فإن ما قبلها منعٌ من الشهوات، وصيانة عن الآفات جبرًا وقهرًا وحفظًا، وهذا حفظ عنها بإظهار صفح برفق وإكرام ولطف، فتقوى المحبة في القلب، فيحمل ذلك على سرعة الموافقة، ومتى
стр. 857
عرف العبد تقصيره في حق مولاه، ورأى مع ذلك تجاوزه عنه، وإحسانه إليه، فضلاً عن ترك مؤاخذته بما جناه، انغرس في قلبه محبته، وقوى بذلك نشاطه، وخفت عليه الأعمال، وقويت منه الأحوال، فكلاهما محفوظ مُعَان، إلا أن الأول قهر مع تعلقه، وهذا إكرام ولطف بعد جريان هفوته، ثم ذكر الدرجة الثالثة، فانظره. هـ. بنقل المحشى.
ثم كمّل القصة، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٤]
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)
يقول الحق ﷻ : وَلَمَّا سَكَتَ أي: سكن عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ لَمَّا كان الغضب هو الحامل له على ما فعل صار كأنه كان يأمره به ويغريه عليه، حتى عبَّر عن سكونه بالسكوت، أي: لما سكن غضبه أَخَذَ الْأَلْواحَ التي ألقاها، وَفِي نُسْخَتِها أي: وفيما نسخ فيها، أي: كُتب هُدىً وَرَحْمَةً أي: بيان للحق وإرشاد إلى الصلاح والخير، لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ أي: للذين يخافون ربهم ويهابونه لأنهم هم المنتفعون بها، ودخلت اللام في المفعول لضعف العامل بتأخره.
الإشارة: الغضب لأجل النفس يُفسد الإيمان، كالحنظل مع العسل، ولذلك قال- ﵊ للذي قال له: أوصني، قال: «لا تَغضَب» ، ثم كرر عليه: أوصني، قال: «لا تَغضَب» ، ثلاثًا، لأن الغضب المفرط يغطي نور العقل، فيصدر من صاحبه أمور منكرة، قد يخرج بها عن الإيمان بالكلية، وقد يؤدي إلى قتل نفسه والعياذ بالله، والغضب معيار الصوفية قال بعضهم: إذا أردتَ أن تعرفَ الرجل فغضبه وانظر ما يخرج منه، إلى غير ذلك مما ورد فيه، فإن كان غضبه لله أو بالله فلا كلام عليه، وهو حال الأنبياء وأكابر الأولياء- رضى الله عنهم-.
ولما انقضت قضية العجل أراد سيدنا موسى ﵇ أن يذهب بقوم، يعتذرون عن عبادة العجل، كما قال تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٥]
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)
стр. 858
يقول الحق ﷻ : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ من قومه سَبْعِينَ رَجُلًا يعتذرون عن قومهم في عبادة العجل، لِمِيقاتِنا الذي وقتنا لهم يأتون إليه، وقيل: إن الله تعالى أمره به بأن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فاختار من كل سبط ستةً، فزاد على السبعين اثنان، فقال: يتخلف منكم رجلان، فتشاجروا، فقال: إن لِمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع، وذهب معه الباقون، فلما دنوا من الجبل غشية غمام، فدخل موسى بهم الغمام وخروا سُجدًا، فسمعوه يكلم موسى، يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه، وَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً «١» ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي: الصعقة، أو رجفة الجبل، عقابًا لهم على قولهم، فصعقوا منها، يحتمل أن تكون رجفة موت أو إغماء. والأول أظهر لقوله: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ «٢» .
فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ موسى: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ، تمنى هلاكهم وهلاكه قبل ذلك الوقت، لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه، إن رجع إليهم دون هؤلاء السبعين، ربما قالوا: عرّضهم للهلاك، أو يكون قال ذلك على وجه الاستسلام والانقياد للقضاء، أي: لو شئت أن تُهلكنا من قبل ذلك لفعلت، فإنا عبيدك وتحت قهرك تفعل بنا ما تشاء، أو يكون قاله على وجه التضرع والرغبة، أي: لو شئت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت، لكنك عافيتنا وأنقذتنا وأغرقت عدونا، فافعل بنا الآن كما عودتنا، وأحى هؤلاء الذين أمتهم، إذ ليس ببعيد من عميم إحسانك، أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا من العناد والتجاسر على طلب الرؤية، أو بما فعل السفهاء من عبادة العجل.
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أي: ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك، حتى طمعوا في الرؤية، أو فتنتك لهم بأن أجريت الصوت من العجل حتى افتتنوا به، وهذا اعتراف بالقدر، ورجوع إلى قوله: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ ... «٣» الآية، ولذلك قيل: إنه قال له تعالى: نعم هي فتنتي يا حكيم الحكماء. هـ. أي: ما هذه الأمور كلها التي صدرت من بني إسرائيل إلا فتنتك تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ ضلالته، باتباع المخايل، وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ هدايته، فيقوي بها إيمانه، وهو اعتذار عن فعل السفهاء فإنه كان بقضاء الله ومشيئته.
أَنْتَ وَلِيُّنا القائم بأمرنا، أو ناصرنا من الوقوع في أسباب المهالك، فَاغْفِرْ لَنا ما قارفنا من الذنوب، وَارْحَمْنا أي: اعصمنا من الوقوع في مثله، وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة،
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٦ الى ١٥٧]
وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)
وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً أي: حالة حسنة من حسن معيشة وتوفيق طاعة، وَفِي الْآخِرَةِ حسنة نعيم الجنة، إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أي: تبنا إليك، من هادَ يهود: إذا رجع، أي: رجعنا إليك بالتوبة مما سلف منا.
стр. 859
الإشارة: السلامة من العطب هو في مقام الهيبة والأدب، ولذلك قيل: قف بالبساط، وإياك والانبساط. وأما مقام الإدلال فلا يصح إلا من أكابر الأنبياء، والأولياء المحققين بمقام المحبوبية، المتحَفين بغاية الخصوصية، ومنه قول سيدنا موسى ﵇: أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا، كما قال في الإحياء. والإدلال: هو انبساط يثور من مقام الأنس والتحقق بالمحبة الخاصة، ولا يتفق إلا من محبوب مأخوذ عنه، ليس عليه بغية من نفسه، ولا شعور بوجوده وأنانيته، وإلا ردّ في وجهه وكان سبب عطبه. ومن الإدلال: ما وقع لأبي الحسن الشاذلي رضى الله عنه في حزبه الكبير، من قوله: وليس من الكرم إلا تحسن إلا لمن أحسن إليك ... الخ. وقد وقع لغيره من المحبوبين.
والله تعالى أعلم.
ثم أجاب الحق- سؤال موسى ﵇ في قوله: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة) فقال:
قالَ عَذابِي أُصِيبُ ...
يقول الحق ﷻ : في جواب سيدنا موسى ﵇: قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ ممن أخذّته الرجفة وغيرهم، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في الدنيا للمؤمنين والكافرين، وفي الآخرة مخصوصة بالمؤمنين، فَسَأَكْتُبُها كتابة خاصة لا تليق بكم يا بني إسرائيل، إنما تليق بالأمة المحمدية الموسومة بالآداب المرضية، الذين يَتَّقُونَ الكفر والمعاصي، وإن وقعت هفوة بادروا إلى التوبة، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، خصصها بالذكر لأنها كانت أشق عليهم. وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ فلا يكفرون بشيء منها، بل يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء، وليس ذلك لغيرهم. ولذلك خصهم الله بهذه الرحمة فَنَصرَهم على جميع الأمم، وأعلى دينهم على جميع الأديان، ومكّن لهم مالم يمكن لغيرهم.
стр. 860
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ﷺ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ وهو نبينا ومولانا محمد ﷺ ، وكونه أُميًّا شرفٌ له، إذ الكتابة وسيلة للعلوم، وقد أُعطي منها ما لم يُعطَ أحَدٌ من العالمين، من غير تعب تعلمها، ولارتفاع الارتياب في نبوته ﷺ ، فهي من جملة معجزاته قال تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ ... الآية «١» . قال بعضهم: لما قال الله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ طمع فيها كل أحد، حتى إبليس، فلما قال: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ يئس إبليس، وبقيت اليهود والنصارى، فلما قال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ يئس اليهود والنصارى. هـ.
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ اسمًا وصفة، ونص ما في التوراة على ما في صحيح البخاري، عن عبد الله بن سلام: «يا أيُّهَا النَبِيُّ إنَّا أرسلَنَاكَ شَاهِدًا ومُبَشَّرًا ونَذِيرًا، وحِرزًا للأمِّيينَ، أنتَ عَبدِي ورَسُولِي، سَمَّيتُكَ المُتَوكلَ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يُجَازِي بالسَّيِّئةَ السَّيِّئة، ولكِن يَعَفُو ويَصفَحُ، ولَن يَقبِضَهُ الله حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوجاءَ بِأن يقولوا: لا إله إلا الله، فَيفَتَح بِها أعيُنًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلفًا» «٢» .
ومما في التوراة أيضًا، وهو مما أجمع عليه أهل الكتاب، وهو باق في أيديهم إلى الآن أن الملك قد نزل على إبراهيم، فقال له: في هذا العام يولد لك غلام اسمه إسحاق، فقال إبراهيم: يا رب ليت إسماعيل يعيش يخدمك، فقال الله لإبراهيم: ذلك لك، قد استجيب لك في إسماعيل، وأنا أباركه، وأنميه، وأكثره، وأعظمه بماذماذ، وتفسيره:
محمد ﷺ .
ومن ذلك مما في التوراة أيضًا: أن الرب- تعالى- جاء من طور سيناء، وطلع على «ساغين» ، وظهر من جبل فاران، ويعنى بطور سيناء: موضع مناجاة موسى، وساغين موضع عيسى، وفاران هي مكة، موضع مولد نبينا محمد ﷺ ، وفي التوراة أيضًا: أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت عليها سارة، تراءى لها ملكٌ، فقال لها: يا هاجر، أين تريدين، ومن أين أقبلتِ؟ فقالت: أهرب من سيدتي سارة، فقال لها: يا هاجر، ارجعي إلى سارة، وستحملين وتلدين ولدًا اسمه إسماعيل، وهو يكون عَين الناس، وتكون يده فوق الجميع، وتكون يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع. هـ.
وهذا الذي وعدها الملك إنما ظهر بمبعث النبي ﷺ وظهور دينه وعلو مكانه، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره من أولاده، لكن الأصل يشرف بشرف فرعه، وفي التوراة أيضًا: أن الله أوحى إلى إبراهيم ﵇: قد أجبت دعاءك في إسماعيل، وباركت عليه، وسيلد اثني عشر عظيمًا، وأجعله لأمة عظيمة. وفي بعض كتبهم: لقد
стр. 861
تقطعت السماء من بهاء مُحمدٍ المحمود، وامتلأت الأرض من حمده، لأنه ظهر بخلاص أمته. هـ. ونص ما في الإنجيل: أن المسيح قال للحواريين: إني ذاهب عنكم، وسيأتيكم الفارقَليط، الذي لا يتكلم من قِبل نفسه، إنما يقول كما يقال له. هـ. والفارقليط بالعبرانية: اسم محمد ﷺ ، وقيل معناه: الشافع المشفع.
وعن شَهر بن حَوشبٍ- في قصة إسلام كعب الأحبار، وهو من اليمن من حمير-: أن كعبًا أخبره بأمره، وكيف كان ذلك، وكان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله ﷺ ، قبل ظهوره، قال كعب: وكان أبي من أعلم الناس بالتوراة وكُتب الأنبياء، ولم يكن يدخر عني شيئًا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعاني فقال: يا بني، قد علمتَ أني لم أكن أدخر عنك شيئًا مما كنتُ أعلم، إلا أني حَبَستُ عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يُبعث، وقد أطل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتتبعه، وقد قطعتهما من كتابي، وجعلتهما في هذه الكوة التي ترى، وطينت عليهما، فلا تتعرض لهما حتى يخرج هذا النبي، فإذا خرج فاتبعه وانظر فيهما، فإن الله تعالى يزيدك بهذا خيرًا، فلما مات والدي لم يكن شيء أحب إلي من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين، فإذا فيهما: «محمد رسول الله ﷺ ، خاتم النبيين لا نبي بعده، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمَّادون، الذين يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال، وتُذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء، ويتأزرون على أوساطهم، وأنَاجِيلُهُم في صدورهم، ويأكلون قربانهم في بطونهم، ويؤجرون عليها، وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، وهم السابقون المقربون، والشافعون المشفع فيهم» . «١» . ثم أسلم على يد عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
قال الحق ﷻ في بقية أوصاف نبينا- عليه الصلاة السلام-: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ مما حرم على اليهود كالشحوم وغيرها، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ كالدم ولحم الخنزير وسائر الخبائث، أو كالربا والرشوة وغيرهما من المحرمات. قال ابن جزي: مذهب مالك أن الطيبات هي الحلال، وأن الخبائث هي الحرام. ومذهب الشافعي: أن الطيبات هي المستلذات، إلا ما حرمه الشرع منها، كالخمر والخنزير، وأن الخبائث هي المستقذرات كالخنافس والعقارب. هـ.
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ أي: الثقل الذي عليهم، وهو مثال لما كُلفوا به- أي: بنو إسرائيل- في شرعهم من المشقات كقتل الأنفس في التوبة، وقطع موضع النجاسة من الثوب، وتعيين القصاص فى العمد والخطأ. «٢»
стр. 862
وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ عبارة عما منعت منه شريعتهم، كتحريم الشحوم، وتحريم العمل يوم السبت، وشبه ذلك. فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ أي: منعوه وحفظوه من عدوه، حتى لا يقوى عليه، أو عظموه بالتقوية حتى انتصر، وأصله: المنع، ومنه التعزير، وَنَصَرُوهُ حتى أظهروا دينه في حياته وبعد مماته، وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ وهو القرآن، وإنما سماه نورًا لأنه بإعجازه ظاهر أمره ومظهر غيره، أو لأنه كاشف للحقائق مظهر لها. أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالرحمة الأبدية، وهذا آخر جواب سيدنا موسى ﵇.
الإشارة: قوله تعالى وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قال القشيري: لم يُعَلَّقها بالمشيئة- يعني: كما قال في العذاب- لأنها نفس المشيئة، ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم، فلمَّا كان العذاب من صفات الفعل علَّقه بالمشيئة، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات. ويقال في قوله تعالى: وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ: مجالٌ لآمال العُصَاة لأنهم، وإن لم يكونوا من جملة المطيعين العابدين والعارفين، فهم «شيء» . هـ.
قلت: وبهذا العموم تشبث إبليس في قضية له مع سهل، وذلك أنه لما تراءى له، ضحك، فقال له: كيف تضحك وقد أبلست من رحمة الله؟ فقال له: قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وأنا شيء، فسكت سهل، ثم تذكر تمام الآية، فقال: قال تعالى: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، فهي مُقيدة لا مطلقة، فقال له: التقوى فعل العبد، والرحمة صفة الرب، ولا يتغير وصف الحق بفعل العبد، فعجز سهل. قلت: والجواب: أن إبليس جاء من جهة الفرق، ولو نظر للجمع لوجد الرحمة وصفه، والتقوى فعله، وفعله يغير وصفه، والكل منه وإليه. والله تعالى أعلم.
وقال الورتجبي: جميع الخلائق مستغرقون في بحر الرحمة، لأن إيجاد الحق إياهم، على أي وصف كانوا، عين رحمته، حيث دخلوا تحت نظره وسلطانه وربوبيته، ومباشرة قدرته فيهم، ثم إن الخلق بالتفاوت في الرحمة فالجمادات مستغرقة في نور فعله، وهي الرحمة الفعلية، والحيوانات مستغرقة في نور صفاته، وهي الرحمة الصفاتية، والعقلاء من الجن والإنس والملائكة مستغرقون في نور ذاته، وهي الرحمة القديمة الذاتية من جهة تعريفهم ربوبيته ووحدانيته، وهم من جهة الأجسام وما يجري عليها، في الرحمة العامة، ومن جهة الأرواح وما يجري عليها، في الرحمة الخاصة، وهم فيها بالتفاوت، فبعضهم في رؤية العظمة ذابوا، وبعضهم في رؤية القدم والبقاء تاهوا، وبعضهم في رؤية الجلال والجمال عشقوا وطاشوا، ومن خرج من مقام الرحمة إلى أصل الصفة، ومن الصفة إلى أصل الذات استغرق في الراحم، وفنى عن الرحمة، فصار رحمة للعالمين، وهذا وصف نبينا- ﵊، لأنه وصل بالكل إلى الكل، فوصفه برحمة الكل بقوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «١» ، ثم خص رحمته الخاصة الصفاتية، بعد أن عم الكل برحمته العامة للمنفردين بالله عن غير الله، القانتين بعظمته في عظمة الذين بذلوا وجوههم لحق ربوبيته عليهم بقوله: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ.... هـ.
стр. 863
قال في الحاشية: واعتبر قوله: فَسَأَكْتُبُها، فإنه يقتضي كون الرحمة السابقة مطلقة، والتغيير طارئ، والطارئ لا ينافي الذات. هـ. قلت: فتكون على هذا الرحمة التي وَسِعْتَ كلَّ شيء رحمةً عامة، إذ لا يخلو مخلوق من رحمته في الدنيا والآخرة، إما في الدنيا فالخلق كلهم مرحومون إيجادًا وإمدادًا، وأما في الآخرة فما من عذاب إلا والله أشد منه في قدرته، والرحمة التي كتبت للمتقين رحمة خاصة، ويدل على هذا ما في القوت «١» على قوله: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، قال: معناه خصوص الرحمة وصفوها لا كلها، إذا لا نهاية للرحمة، لأنها صفة الراحم الذي لا حد له، ولأنه لم يخرج من رحمته شيء، كما لم يخرج من حكمته وقدرته شيء. هـ.
وقال السيوطي: فسأكتبها في الآخرة، ووجه تخصيصها في الآخرة بالمؤمنين: تمحضها هنالك من غير شوب بضد، ولا كذلك في الدنيا، وإن كانت غالبة، والكافر عمته في الدنيا عمومًا ظاهرًا، وسلب منها في الآخرة بحسب الظاهر، وإن لم يخل عنها في الجملة، لأن غضبه تعالى لا حدّ له لولا رحمته.
وحاصله: أنه لم تفي جهنم بغضبه، لأنه لا يفي المتناهي بغير المتناهي ورحمته عمت الكافر في الدنيا لإمهاله وبسط نعمه عليه، وفي الإمهال فسحة في الحال وأمل الإقلاع في المآل، وقد يتفق كثيرًا، أي: الإقلاع، فلا يتعين أن يكون الإمهال استدراجًا، على أنه إنما يتجلى تجليًا أوليًا ذاتيًا برحمة مطلقة من غير تفصيل، إذ لا تعدد في الذات، وإنما يظهر التفصيل بالصفات، وإن كان يسري إليها من الذات، ولكن الرحمة تظهر أولاً من الذات، مع قطع النظر عن الصفات لظهورها، ولا تظهر النقمة إلا من الصفات، وهي خفية في تجلي الذات المطلق، ولذلك قال: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وعلق العذاب على المشيئة، فخص به دونها. هـ. من الحاشية مع زيادة بيان.
ثم أمره بالدعاء إلى الإيمان، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٨]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)
يقول الحق ﷻ : قُلْ يا محمد: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الأحمر والأسود، والعرب والعجم، والإنس والجن، خص بهذه الدعوة العامة، وإنما بعثت الرسل إلى قومها خاصة. فادع الناس أيها الرسول إلى الله تعالى، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يتصرف فيهما كيفما شاء، لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ لأن من ملك العالم كان هو الإله لا غير، يُحيِي وَيُمِيتُ لعموم قدرته ونفوذ أمره،
стр. 864
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ أي: ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل قبله من كتبه ووحيه. وإنما عدل عن التكلم إلى الغيبة، أي: لم يقل: فآمنوا بالله وآمنوا لإجراء هذه الصفات عليه، الداعية إلى الإيمان به وأتباعه، ولذلك قال: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إلى طريق الحق والرشد، جعل رجاء الاهتداء آثر الأمرين تنبيهًا على أن من صدّقه، ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو يعد في خطط الضلالة. قاله البيضاوي.
الإشارة: لا غنى للمريد عن متابعة الرسول ﷺ ، ولو بلغ ما بلغ، لقوله تعالى: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وغاية الاهتداء غير متناهية، لأن آدب العبودية مقرونٌ مع عظمة الربوبية، فكما أن الترقي في مشاهدة الربوبية لا نهاية له، كذلك أدب العبودية لا نهاية له، ولا تُعرف كيفية الأدب إلا بواسطة تعليمه ﵊، فواسطة النبي ﷺ لا تفارق العبد، ولو عرف ما عرف، وبلغ ما بلغ. والله تعالى أعلم.
ثم رجع الحقّ تعالى إلى الكلام مع بنى إسرائيل، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٩]
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)
يقول الحق ﷻ : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى، يعني بني إسرائيل، أُمَّةٌ طائعة يَهْدُونَ الناس بكلمة الحق، أو متلبسين بِالْحَقِّ وهم الذين ثبتوا حين افتتن الناس بعباده العجل، والأحبار الذين تمسكوا بالتوراة من غير تحريف، أو الذين آمنوا بمحمد ﷺ ، وَبِهِ أي: بالحق يَعْدِلُونَ في أحكامهم وقضاياهم.
قال البيضاوي: أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة القرآن تنبيهًا على أن تعارض الخير والشر وتزاحم أهل الحق والباطل أمر مستمر. هـ.
الإشارة: في كل أمة، وفي كل عصر، أمة صالحة، يُبَصِّرُونَ الناس بالحق، ويدعون إلى الله، فمنهم مَن يهدي إلى تزيين الظواهر بالشرائع، وهم العلماء الأتقياء، ومنهم من يَهدي إلى تنوير السرائر بالحقائق، وهم الصوفية الأولياء، المحققون بمعرفة الله. وبالله التوفيق.
ثم ذكر أحوال بنى إسرائيل، فقالوا:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٠]
وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)
стр. 865
قلت: أسباطًا: بدل لا تمييز لأن تمييز العدد يكون مفردًا، والتمييز محذوف، أي: فرقة أسباطًا. وقال الزمخشري: يصح تمييزًا لأن كل قبيلة أسباط لاسبط. هـ. فكأنه قال: وقطعناهم اثنتي عشرة سبطًا سبطا. والسبط في بني إسرائيل كالقبيلة عند العرب، و (أُممًا) : بدل بعد بدل على الأول، وعلى الثاني بدل من أسباط.
يقول الحق ﷻ : وَقَطَّعْناهُمُ أي: بني إسرائيل، أي: فرقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أثني عشر سبطًا، أُمَماً متميزة، كل سبط أمة مستقلة، وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ في التيه، أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ انفجرت، إلا أن الانبجاس أخف من الانفجار، أي: فضرب فانبجست، وحذفه للإيماء إلى أن موسى لم يتوقف في الامتثال، وأن ضربه لم يكن مؤثرًا يتوقف عليه الفعل من ذاته، بل سبب عادي وحكمة جارية، والفعل إنما هو بالقدرة الإلهية، أي: نبعت مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ كل سبط مَشْرَبَهُمْ، وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ لتقيهم من حرّ الشمس، وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى، وقلنا لهم: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ سبق في سورة البقرة، وكذلك الإشارة «١» .
ثم قال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦١ الى ١٦٢]
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)
يقول الحق ﷻ : وَاذكروا إِذْ قِيلَ لبني إسرائيل: اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ بيت المقدس، وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ، وَقُولُوا: أمرنا حِطَّةٌ، وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً سجود أنحناء، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ التي سلفت، سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ وعد بالغفران والزيادة عليه، وإنما أخرج الثاني مخرج الاستئناف، يعني: سنزيد، ولم يقل: وسنزيد للدلالة على أنه تفضل محض، ليس في مقابلة ما أمروا به، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ قالوا: حبة في شعرة، مكان حطة، لأنهم حملوا الحطة على الحنطة. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ قد مر تفسيره، وإشارته، في سورة البقرة «٢» .
стр. 866
تنبيه: وقع اختلاف كثير في اللفظ بين هذا الموضع من هذه السورة وبين سورة البقرة، في فَانْفَجَرَتْ وفَانْبَجَسَتْ، وقوله: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا ووَ إِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا، وقوله هنا: وَكُلُوا، وهناك فَكُلُوا. فقال الزمخشري: لا بأس باختلاف العبارتين، إذا لم يكن هناك تناقض. ووجّه بعضهم الفرق بأن ما في هذه السورة سيق في محل الغضب والعقاب على عبادة العجل، وما في سورة البقرة سيق في محل الامتنان، فلذلك عبّر هنا بانبحست لأنه أقل من انفجرت، وعبَّر هنا بقيل مبنيًا للمجهول تحقيرًا لهم أن يذكر نفسه لهم، وعبَّر هنا بالسكنى لأنه أشق من الدخول ويستلزمه، وعبَّر هنا بالواو لأن السكنى تجامع الأكل، بخلاف الدخول، فإن الأكل مسبب عنه، فعبَّر بالفاء، وزاد في البقرة الواو في: سَنَزِيدُ، كأنه نعمة أخرى، بخلاف هذا، وزاد هنا مِنْهُمْ لتقدم ذكرهم في قوله: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ، وعبّر هنا بالظلم لأنه أعم من الفسق وغيره. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر اعتداءهم فى السبت وما ترتب عليه، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٦]
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)
قلت: (إذ يَعْدُون) : بدل من (القرية) ، بدل اشتمال، أو منصوب بكانت، أو بحاضرة، و (إذ تأتيهم) : منصوب بيعدون، و (سبتهم) : مصدر مضاف للفاعل، يقال: سبت اليهود سبتًا: إذا عظم يوم السبت وقطع شغله فيه، و (شُرَّعًا) : حال، ومعناه: ظاهرة قريبة منهم، يقال: شرع منه فلان إذا دنا منه.
يقول الحق ﷻ : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ أي: اليهود، سؤال تقرير وتوبيخ على تقديم عصيانهم وعما هو من معلومهم، الذي لا يعلم إلا بتعليم أو وحي، وقد تحققوا أنك أُمي، فيكون ذلك معجزة وحجة عليهم، عَنِ الْقَرْيَةِ أي: عن خبرها وما وقع لها، الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ قريبة منه، وهي «إيلة» ، قرية بين مدين والطور، على شاطىء البحر، وقيل: مدين، وقيل: طبرية، إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ: يتجاوزون حدود الله
стр. 867
بالاصطياد في يوم السبت، وكان حرامًا عليهم لاشتغالهم عنه بالعبادة، إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً: ظاهرة على وجه الماء، دانية منهم، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ بل تغوص كلها في البحر، كَذلِكَ أي: مثل هذا البلاء الشديد نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي: بسبب فسقهم. وقيل: «كذلك» : متصل بما قبله، أي: لا تأتيهم مثل ذلك الإتيان الذي تأتيه يوم السبت.
ثم افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة عصت بالصيد يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت القوم، وفرقة سكتت واعتزلت فلم تنه ولم تعص. وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ، وهي التي لم تنه ولم تعص، لَمَّا رأت مهاجرة الناهية وطغيان العاصية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ بالموت بصاعقة، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً في الآخرة؟ قالُوا: نهينا لهم مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ أي: عذرًا إلى الله تعالى، حتى لا تنسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فينزجرون عن العصيان، إذ اليأس منهم لا يحصل إلا بالهلاك.
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي: تركوا ما وُعظوا به ترك الناسي، أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بالاعتياد ومخالفة أمر الله، بِعَذابٍ بَئِيسٍ: شديد، من بؤس يبؤس بؤسًا، وقرىء (بيْئَسٍ) على وزن ضيغم، و «بِئْس» بالكسر والسكون، كحذر، وبيس بتخفيف الهمزة، ومعناها واحد، أي: بما عاقبناهم بالمسخ، بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي: بسبب فسقُهم.
قال ابن عباس: لا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة؟ وقال عكرمة: لم تهلك لأنها كرهت ما فعلوه. ورجع إليه ابن عباس وأعجبه، لأن كراهيتها تغيير المنكر في الجملة، مع قيام الفرقة الناهية به لأنه فرص كفاية. قال تعالى:
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ تكبرًا عن ترك ما نُهوا عنه، قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أذلاء صاغرين.
قال البيضاوي: قُلْنا لَهُمْ كُونُوا، هو كقوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «١» ، والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذَّبهم أولاً بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك، فمسخهم قردة وخنازير، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرًا وتفصيلاً للأولى.
رُوِي أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين، كرهوا مساكنتهم، فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق، فأصبحوا يومًا ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين، فقالوا: إن لهم شأنًا، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة، فلم يعرفوا أنسباءهم، ولكن القردة تعرفهم، فجعلت تأتي أنسباءهم وتشم ثيابهم، وتدور باكية حولهم، ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام. هـ.
الإشارة: المسخ على ثلاثة أقسام: مسخ الأشباح، ومسخ القلوب، ومسخ الأرواح، فمسخ الأشباح هو الذي وقع لبني إسرائيل، قيل: إنه مرفوع عن هذه الآمة، والصحيح: أنه يقع في آخر الزمان، ومسخ القلوب يكون بالانهماك
стр. 868
فى الذنوب، والإصرار على المعاصي، وعلامته: الفرح بتيسير العصيان، وعدم التأسف على ما فاته من الطاعة والإحسان، ومسخ الأرواح: الانهماك في الشهوات، والوقوف مع ظواهر الحسيات، أو تكثيف الحجاب، والوقوف مع العوائد والأسباب، دون مشاهدة رب الأرباب. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر عقوبة بنى إسرائيل فى الدنيا، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٧]
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)
قلت: تأذن: أعلم، وهي تفعل، وهي من الإيذان بمعنى الإعلام، كتوعّد وأوعد، أو: عزم، لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه بفعله، وأجرى مجرى القسم كعَلِم الله وشهد الله، ولذلك أجيب باللام القسمية.
يقول الحق ﷻ : وَاذكروا إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ أي: أعلم وأظهر ذلك في عالم الشهادة، لَيَبْعَثَنَّ على بنى إسرائيل، أي: ليسلطن عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ كالإذلال وضرب الجزية، وقد بعث الله عليهم بعد سليمان ﵇ بُختنصر، فخرب ديارهم، وقتل مقاتلتهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وضرب الجزية على من بقي منهم، وكانوا يؤدونها إلى المجوس، حتى بعث الله نبينا محمدا ﷺ ففعل بهم ما فعل، في بني قريظة والنضير وخبير، ثم ضرب الله عليهم الجزية إلى آخر الدهر، إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ فعاقبهم في الدنيا، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب وآمن، وإنما أكد هنا الخبر باللام دون ما في آخر الأنعام «١» ، لأن ما هنا في اليهود، وما في آخر الأنعام في المؤمنين، فأكد ما هنا باللام، فقال: لَسَرِيعُ الْعِقابِ زيادة في توبيخهم ونكالهم.
الإشارة: مواطن الذل والهوان هو الانهماك في المخالفة والعدوان، وقد ينسحب ذلك في الذرية إلى آخر الزمان، فإن الله تعالى يقول: أنا الملك الودود، أعاقب الأحفاد بمعاصي الجدود، ومواطن العز والحرمة والأمان: هو الطاعة والتعظيم والإحسان، ينسحب ذلك على الأحفاد، إلى منتهى الزمان، فإن الله تعالى يحفظ الأولاد ببركة الأجداد. وقد تذاكر بعض التابعين ما يكون في آخر الزمان من الفتن والفساد، فقال بعضهم: يا ليتني كنت عقيمًا أو لم أتزوج، فقال له من هو أكبر منه: ألا أدلك على ما يحفظ الله به عقبك؟ قال: نعم، دلني، قال: قوله تعالى:
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً ... الآية «٢» . وبالله التوفيق.
стр. 869
ثم قال تعالى في شأن اليهود:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٨ الى ١٧٠]
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)
قلت: (أُمَمًا) : مفعول ثانٍ لقطَّعنا، أو حال، وجملة (منهم الصالحون) : صفة، وجملة (يأخذون) : حال من فاعل (ورثوا) ، و (يقولون) عطف على (يأخذون) ، أو حال، والفعل من (سيغفر) : مسند إلى الجار والمجرور، أو إلى مصدر (يأخذون) ، و (أن لا يقولوا) : عطف بيلن من (ميثاق الكتاب) ، أو تفسير له، أو متعلق به، أي: لأن لا يقولوا، و (درسوا) : عطف على (ألم يُؤخذ) من حيث المعنى، أي: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ولم يدرسوا ما فيه، أو حال، أي: وقد درسوا، و (الذين يُمَسِّكُون) : مبتدأ، وجملة: (إِنا لا نُضِيعُ أجرَ المصلحين) : خبر، والرابط:
ما في المصلحين من العموم، فوضع موضع الضمير تنبيهًا على أن الإصلاح كالمانع من التضييع، أو حذف العائد، أي: منهم، ويحتمل أن يكوت عطفًا على (الذين يتقون) أي: خير للمتقين والذين يتمسكون بالكتاب.
يقول الحق ﷻ : وَقَطَّعْناهُمْ أي: فرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً: فرقًا، ففي كل بلد من البلدان فرقة منهم، فليس لهم إقليم يملكونه، تتمةً لإذلالهم، حتى لا تكون لهم شوكة قط، مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وهو من تمسك بدين التوراة، ولم يحرف، ولم يفرق، أو من آمن منهم بالنبي ﷺ في زمانه وبعده، وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ أي: ومنهم ناس دون ذلك، أي: منحطون عن الصلاح، وهم كفرتهم وفسقتهم، وَبَلَوْناهُمْ أي:
اختبرناهم بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ أي: بالنعم والنقم، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ينتبهون فينزجرون عمًّا هُم عليه.
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أي: فخلف، من بعد الأولين، خلف، أي: بدل سوء، وهو مصدر نعت به، فالخلف، بالسكون، شائع في الشر، يقال: جعل الله منك خلفًا صالحًا. والمراد بالخلف في الآية: اليهود الذين أدركوا النبي ﷺ ، وَرِثُوا الْكِتابَ التوراة، من أسلافهم، يقرؤونها ويقفون على ما فيها، يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى حطام هذا الشيء الحقير، من الدنو، أو من الدناءة، وهو ما كانوا يأخذون من الرشا في الأحكام، وعلى تحريف الكلام. وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه، اغترارًا وحمقًا.
стр. 870
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي: يرجون المغفرة، والحال أنهم مصرون على الذنب، عائدون إلى مثله، غير تائبين منه، أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أي: في الكتاب، وهو التوراة، أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، وهو تكذيب لهم في قولهم: سَيُغْفَرُ لَنا، والمراد: توبيخهم على القطع بالمغفرة مع عدم التوبة، والدلالة على أنه افتراء على الله، وخروج عن ميثاق الكتاب، وَدَرَسُوا ما فِيهِ أي: وقد درسوا ما فيه، وعلموا ما أُخذ عليهم فيه من المواثيق، ثم تجرأوا على الله، وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ مما يأخذ هؤلاء من العرض الفاني. أَفَلا يَعْقِلُونَ «١» فيعلموا ذلك، ولا يستبدلوا الأدنى الحقير المؤدي إلى العقاب بالنعيم الكبير المخلد في دار الثواب، ومَن قرأ بالخطاب فهو لهم، من باب التلوين في الكلام.
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ أي: يتمسكون بالتوراة، وَأَقامُوا الصَّلاةَ المفروضة عليهم، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ منهم. وهذا فيمن مات قبل ظهور الإسلام، أو: والذين يمسكون بالقرآن، وَأَقامُوا الصَّلاةَ مع المسلمين، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ.
الإشارة: تفريق النسب في البلدان، إن كان في الذل والهوان، فهو من شؤم المخالفة والعصيان، وإن كان مع العز وحفظ الحرمة، فقد يكون لقصد الخير والبركة، أراد الله أن يُنمي تلك البلاد، بنقل ذلك إليها، كأولاد الصالحين والعلماء وأهل البيت. ويؤخذ من قوله: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، أن العبد مأمور بالرجوع إلى الله في السراء والضراء، في السراء بالحمد والشكر، وفي الضراء بالتسليم والصبر.
ويؤخذ من مفهوم قوله: وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ، أن من عقد التوبة وحل عقدة الإصرار غفر له ما مضى من الأوزار. وفي قوله: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ ... الآية، تحذير لعلماء السوء. وقوله: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ ... الآية، أي: والذين يمسكون بظاهر الكتاب وأقاموا صلاة الجوارح، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ مع عامة أهل اليمين، والذين يمسكون بباطن الكتاب وأقاموا صلاة القلوب- التي هي العكوف في الحضرة- حضرة الغيوب- إِنا لا نُضِيعُ أجرَ المصلحين لقلوبهم، وهو شهود رب العالمين مع المقربين، في حضرة الأنبياء والمرسلين، جعلنا الله منهم وفي حزبهم، آمين.
ولمّا ذكر من تمسك بالكتاب طوعا، ذكر من تمسك به كرها من أسلاف اليهود، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٧١]
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)
стр. 871
قلت: جملة (خُذوا) : محكية، أي: وقولنا لهم: خذوا.
يقول الحق ﷻ : وَاذكر إِذْ نَتَقْنَا أي: قلعنا ورفعنا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ أي: فوق بني إسرائيل، كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ أي: سقيفة، والظلة: كل ما أظلك، وَظَنُّوا أي: تيقنوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ أي: ساقط عليهم بسبب عصيانهم لأن الجبل لا يثبت في الجو لأنهم كانوا يوعدون به، وإنما عبَّر بالظن لأنه لم يقع بالفعل حين الظن، وسبب نتق الجبل أنهم امتنعوا من أحكام التوراة، فلم يقبلوها لثقلها، فرفع الله الطور فوقهم، وقيل لهم:
إن قبلتم ما فيها وإلاَّ ليقعن عليكم، فقلنا لهم حين الرفع: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ من الأحكام بِقُوَّةٍ، وَاذْكُرُوا ما فِيهِ بالعمل به، ولا تتركوه كالمنسى، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق.
الإشارة: من لم ينقد إلى الله بملاطفة الإحسان، قيد إليه بسلاسل الامتحان، عَجِبَ رَبُّكَ من قَوْمٍ يُساقون إلى الجنة بالسلاسل.
ولما ذكر الميثاق الخاص، ذكر الميثاق العام، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٢ الى ١٧٤]
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)
قلت: (من ظهورهم) : بدل من (بني آدم) ، أي: من ظهور بني آدم، و (ذريتهم) : مفعول به، و (بلى) : حرف جواب، يُجاب بها عن الهمزة إذا دخلت على منفي، فخرجت عن الاستفهام إلى التقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما بعد النفي، نحو: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ «١» ، فيجاب ببلى، أي: شرحت، وكذا نظائرها، ومنه:
(إلست بربكم..) الآية.
وقد يجاب بها الاستفهام المجرد عن النفي، كما في الحديث: «أتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ؟ قالوا:
بلى» «٢» . ولكنه قليل، فلا يُقاس عليه، بل يوقف على ما سمع، والكثير: أنها جواب للنفي، ومعناها: إثبات ما نفي، ورفع النفي، لا إثباته وتقريره، بخلاف «نعم» فإنها تقرر ما قبلها من إثبات أو نفي، ولذا قال ابن عباس: (ولو قالوا: نعم، لكفروا) ، وقد تقدم الفرق بينهما في سورة البقرة، «٣» ثم الكثير: مراعاة صورة النفي، فيجاب ببلى، وقد
стр. 872
ينظر للمعنى وما يفيده الاستفهام الإنكاري من نفيه للنفي، فيصير الكلام إيجابًا، فيصح الجواب بنعم في الجملة، لكن لمَّا كان محتملاً امتنع في الآية. انظر المغني. وقوله: (أن تقولوا) : مفعول من أجله.
يقول الحق ﷻ : وَاذكروا إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ من ظهور بني آدم ذُرِّيَّتَهُمْ وذلك أنّ الله تعالى لَمَّا خلق آدم، وأهبطه إلى الأرض، أخرج من صلبه نسيم بنيه، بعضهم من صلب بعض، على نحو ما يتوالدون، قرنًا بعد قرن كالذر، وكان آدم بنَعمان، وهو جبل يواجه عرفة، وقال لهم حين أخرجهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ فأقروا كلهم، وقالُوا بَلى أنت ربنا، شَهِدْنا بذلك على أنفسنا، لأن الأرواح حينئذٍ كانت كلها على الفطرة، علاّمة دَرَّاكة، فلما ركبت في هذا القالب نسيت الشهادة، فبعث اللهُ الأنبياءَ والرسل يُذكِّرون الناس ذلك العهد، فمن أقرّ به نجا، ومن أنكره هلك، ويحتمل أن يكون ذلك من باب التمثيل، وأن أخذ الذرية من الظهر عبارة عن أيجادهم في الدنيا، وأما إشهادهم فمعناه: أن الله نصب لبني آدم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقال: (ألست بريكم) ؟ وكأنهم قالوا بلسان الحال: أنت ربنا.
والأول هو الصحيح لتواتر الأخبار به، فقوله: (شَهِدنا) : هو من تمام الجواب، فهو تحقيق لربوبيته وأداء لشهادتهم بذلك، فينبغي أن يوقف عليه، وقيل: إنَّ (شهدنا) : من قول الله أو الملائكة، فيوقف على (بلى) ، لكنه ضعيف.
ثم ذكر حكمة هذا الأخذ، فقال: أَوْ تَقُولُوا أي: فعلنا ذلك كراهة أن تقولوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ، أو كراهية أن تقولوا: إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم، أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ، يعني: آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك، ولا بد من حذف كلام هنا لتتم الحجة، والتقدير: أخذنا ذلك العهد في عالم الأرواح، وبعثنا الرسل يجددونه في عالم الأشباح، كراهة أن تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين، ويدل على هذا قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ... الآية «١» . وقوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ «٢» ، ولا يكفي مجرد الإشهاد الروحاني في قيام الحجة لأن ذلك العهد نسيته الأرواح حين دخلت في عالم الأشباح، فلا تهتدي إليه إلا بدليل يُذكرها ذلك.
قال البيضاوي: والمقصود من إيراد هذا الكلام هاهنا: إلزام اليهود مقتضى الميثاق العام، بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية، ومنعهم من التقليد، وحملهم على النظر والاستدلال، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ الدالة على وحدانيتنا سمعاً وعقلاً، وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن التقليد واتباع الباطل.
стр. 873
الإشارة: أَخَذَ الحقّ ﷻ العهد على الأرواح أن تعرفه وتُوحده مرتين، أحدهما: قبل ظهور الكائنات، والثاني: بعد ظهورها. والأول أخذه عليها في معرفة الربوبية، والثاني تجديدًا له مع القيام بآداب العبودية. قال بعضهم: أخذ الأول على الأرواح يوم المقادير، وذلك قبل السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم أخذ الثاني على النفوس بعد ظهورها في عالم الأشباح، كما نبهت عليه الآية والأحاديث.
وقال ابن الفارض في تائيته:
وَسَابِقِ عَهْدٍ لَمْ يَحُل مُذ عَهِدتُهُ ... ولا حِقِ عَقدٍ جَلَّ عَنْ حَلِّ فتْرَهِ
قال القاشاني: أراد بالعهد السابق: ما أخذه الله على الأرواح الإنسانية المستخرجة من صلب الروح الأعظم، الذي هو آدم الكبير، في صور المثل، قبل تعلقها بالأشباح، وهو عقد المحبة بين الرب والمربوب، في قوله سبحانه:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ... الآية. وبالعهد اللاحق: ما أخذه عليهم بواسطة الأنبياء، من عقد الإسلام بعد التعلق بالأبدان، وهو توكيدٌ للعهد الأول، وتوثيقه بالتزام أحكام الربوبية والتزامها. هـ. وقال في الحاشية: كلام ابن الفارض ينظر إلى العهد الأول، الروحاني، وكلام غيره ينظر إلى الثاني النفساني، وهو ظاهر الآية. هـ. قلت: وفيه نظر، فإن كلام ابن الفارض مشتمل على العهدين معًا، الروحاني في الشطر الأولى، والنفساني في الشطر الثاني.
والحاصل مما تقدم: أن العهد أخذ على الأرواح ثلاث مرات، أحدها: حين استخرجت من صلب الروح الأعظم الذي هو آدم الكبير، وهو معنى القبضة النورانية، التي آخذت من عالم الجبروت. والثاني: حين استخرجت من صلب آدم الأصغر، كالذر، والثالث: حيث دخلت في عالم الأشباح، على ألسنة الرسل، ومن ناب عنهم، فالمذكور في الآية هو الثاني، وهو أحسن من حَملِ القاشاني الآية على الأول.
فالحاصل: أن الأخذ الأول كان على الأرواح مجردة عن مادة التطوير والتمثيل، بإقرارها إقرار النفوس، لا إقرار الألسنة، والأخذ الثاني كان على الأرواح بعد خروجها من الوجود العلمي إلى الوجود العيني، فتطورت الأرواح بصفاتها الذاتية، من سمع وبصر ولسان وغيرها، في عالم المثال، بصور مثالية لتُبصر بها ظهور الرب، وتسمع خطابه، وتجيب سؤاله، بإقرارها حينئذٍ إقرار الألسنة، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية. وأما العهد الذي أخذه بواسطة الأنبياء في ظهور عالم الأشباح فإنما هو تذكير للعهدين، وتجديد لهما، وهو الذي تقوم به الحجة عليها، فلا بد من انضمامه إِلى الأوَّلَين في قيام الحجة، كما تقدم.
فالموجودات ثلاث: علمي، ثم خيالي مثالي، ثم نوعي حسي. فَأُخِذَ على كل واحد عهد من الأَوَّلَيْنِ بلا واسطة، والثالث بواسطة الرسل. والله تعالى أعلم.
стр. 874
ثم ذكر وبال مَن نقض هذا العهد، مع تمكنه من العلم به، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٥ الى ١٧٨]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨)
قلت: أتبعه الشيطانُ: أدركه، يقال: أتبع القوم: لحقهم، ومنه: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ «١» أي: لحق بني إسرائيل. قاله في الأساس.
يقول الحق ﷻ : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ على اليهود نَبَأَ أي: خبر الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا علمًا بكتابنا، فَانْسَلَخَ مِنْها بأن كفر بها، وأعرض، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فأدركه فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. قال عبد الله بن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى ﵇ إلى ملك مدين، داعيًا إلى الله، فرشاه الملكُ، وأعطاه المُلك على أن يترك دين موسى، ويُتابع الملكَ على دينه، ففعل وأضل الناس على ذلك.
وقال ابن عباس: هو رجل من الكنعانيين، اسمه: «بلعم» ، كان عنده الاسم الأعظم، فلما أراد موسى قتل الكنعانيين، وهم الجبارون، سألوه أن يدعو على موسى باسم الله الأعظم، فأبى، فألحوا عليه حتى دعا ألا يدخل المدينة، ودعا موسى عليه. فالآيات التي أعطيها، على هذا: اسم الله الأعظم، وعلى قول ابن مسعود: هو ما علمه موسى من الشريعة. قيل: كان عنده من صحف إبراهيم. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي «٢» ، وكان قد أُوتي علمًا وحكمة، وأراد أن يُسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك ومات كافرًا، وكان قد قرأ الكتب، وخالط الرهبان، وسمع منهم أن الله تعالى مرسِلٌ رسولاً في ذلك الزمان، فَرَجَا أن يكون هو، فلما بَعث الله محمدا ﷺ حسده، وقال: ما كنت لأؤمن لرسول ليس من ثقيف.
стр. 875
قال تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ إلى منازل الأبرار بِها أي: بسبب تلك الآيات وملازمتها، وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ أي: مال إلى الدنيا وحطامها، أي: أخلد إلى أرض الشهوات، وَاتَّبَعَ هَواهُ في إيثار الدنيا واسترضاء قومه، أو صيانة رئاسته وجاهه. قال البيضاوي: وكان من حقه أن يقول: ولكنه أعرض عنها، فأوقع موقعه: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ مبالغةً وتنبيهًا على ما حمله عليه، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. هـ.
فَمَثَلُهُ أي: فصفته التي هي مثلٌ في الخسة، كَمَثَلِ الْكَلْبِ أي: كصفته في أخس أحواله، وهو إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ أي: يلهث دائمًا، سواء حمل عليه بالزجر والطرد، أو ترك ولم يتعرض له، بخلاف سائر الحيوانات لضعف فؤاده، واللهث: إدلاع اللسان من التنفس الشديد، والمراد: لازم اللهث، وهو نفي الرفع ووضع المنزلة.
قال ابن جزي: اللهث: هو تنفس بسرعة، وتحريك أعضاء الفم، وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات عند الحر والتعب، وهي حالة دائمة للكلب، ومعنى «إن تحمل عليه» : أن تفعل معه ما يشق عليه، من طرد أو غيره، أو تتركه دون أن تحمل عليه، فهو يلهث على كل حال. ووجه تشبيه ذلك الرجل به أنه إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، فضلالته على كل حال. هـ. وقال الواحدي: وذلك أنه زجر في المنام عن الدعاء على موسى، فلم ينزجر، وترك عن الزجر، فلم يهتد. هـ. وقيل: أن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره، فصار مثل الكلب، وصورته ولهثه حقيقة. هـ. وفعل به ذلك حين دعا على موسى ﵇. وفي ابن عطية: ذكر «المعتمد» أن موسى قتله.
قال تعالى: ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صفتهم كصفة الكلب في لهثه وخسته، أو كصفة الرجل المشبه به، لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا، وإن تركوا لم يهتدوا. أو شبههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما عنده من الآيات. وقال الواحدي: يعني: أهل مكة كانوا متمنين هادياً يهديهم، فلما جاءهم من لا يشكُّون في صدقه كذبوه، فلم يهتدوا لمَّا تُركوا، ولم يهتدوا أيضًا لما دعوا بالرسول، فكانوا ضالين عن الرسول في الحالتين. هـ.
فَاقْصُصِ الْقَصَصَ المذكور على اليهود، فإنها نحو قصصهم، لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ تفكرًا يُؤدي إلى الاتعاظ، فيؤمنوا به، فإنَّ هذه القصص لا توجد عند من لم يقرأ إلا بوحي، فيتيقنوا نبوتك. ساءَ أي: قبح مَثَلًا مثل الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا حيث شُبهوا بالكلاب اللاهثة، وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ بتعريضها للهلاك. قال البيضاوي: إما أن يكون داخلاً في الصلة، معطوفًا على الَّذِينَ كَذَّبُوا، بمعنى: الذين
стр. 876
جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم، أو منقطعًا عنها، بمعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، فإن وباله لا يتخطاها ولذلك قدّم المفعول. هـ.
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، هو تصريح بأن الهدى والضلال بيد الله تعالى، وأنَّ هداية الله يخص بها بعضًا دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء، والإفراد في الأول والجمع في الثاني لاعتبار اللفظ والمعنى، تنبيهًا على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين. والاقتصار في الإخبار عمّن هداه الله بالمهتدي: تعظيمٌ لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنه، في نفسه، كمال جسيم، ونفع عظيم، لو لم يحصلُ له غيره لكفاه، وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها. قاله البيضاوي.
الإشارة: في الحديث: «أشَدُّ الناس عذاباً يومَ القيامةِ عَالِمٌ لَم يَنفَعهُ عِلمُه» «١» . والعلم النافع هو الذي تصحبه الخشية والمراقبة والتعظيم والإجلال، ويوجب لصاحبه الزهد والسخاء والتواضع والأنكسار، وهو علم التوحيد الخاص، الذي هو مشاهدة الحق. وقال الورتجبي في قوله: آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها: ذكر أنه تعالى أعطاه أياته، ولو أعطاه قرب مشاهدته ما انسلخ منه، لأن من رآه أحبه، ومن أحبه استأنس به واستوحش مما سواه، فمن ذلك تبين أنه كان مستدرجًا بوجدان آياته، وتصديق ذلك ما أخبر سبحانه من ارتداده عن دينه، واشتغاله بهواه وعداوة كليمه بقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ، ولو ذاق طعم حبه لم يلتفت إلى غيره، مُكِرَ به في الأزل، فكان مكره مستدامًا إلى الأبد، فالكرامات الظاهرة عارضه للامتحان بين الأزل والأبد، وعند الأصل القديم لا يعتبر العرض الطارئ. هـ.
وقال في الإحياء: إن بلعم أوتي كتاب الله تعالى فأخلد إلى الشهوات، فشُبه بالكلب، أي: سواء أوتي الحكمة أو لم يؤتها فهو يلهث إلى الشهوات. هـ. وفي ذكر قصته تحذير لعلماء هذه الأمة وصلحائها. وقال الشيخ أبو الحسن رضى الله عنه: من أخلدت نفسه إلى أرض الشهوات، وغلبته عن النهوض إلى الطاعات، فدواؤه في حرفين، أحدهما: أن يذكر منّة الله عليه بنعمة الإيمان والإسلام، ويقيد هذه النعمة بالشكر، لئلا تفلت من يده، والثاني: أن يتوجه إلى الله بالتضرع والاضطرار، آناء الليل والنهار، وفي رمضان راجيًا الإجابة، قائلاً: اللهم سَلِّم سَلِّم. فإن أهمل هاتين الخصلتين فالشقاوة لازمة له. هـ. بالمعنى لطول العهد به. وبالله التوفيق.
стр. 877
ثم ذكر علامة أهل الضلالة والخسران، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٩]
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)
يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ ذَرَأْنا خلقنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ كتبنا عليهم الشقاء في سابق الأزل، فهم من قبضة أهل النار، كما قال: «هؤلاء إلى الجنَّةِ ولا أُبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي» «١» .
ثم ذكر علامتهم فقال: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها المواعظ والتذكير للأكنة التي جعلت عليها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها دلائل وحدانيتنا وكمال قدرتنا، فلا ينظرون بها نظر اعتبار، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الآيات والمواعظ، سماع تأمل وتدبر، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في عدم التفقه والاستبصار، أو في أن هممهم ومشاعرهم متوجهة إلى أسباب التعيش، مقصورة عليها، فهممهم في بطونهم وفروجهم، بَلْ هُمْ أَضَلُّ من الأنعام، لأنها تطلب منافعها وتهرب من مضارها، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة، وأيضًا: الأنعام رُفع عنها التكليف فلا تعذب، بخلاف الكافر، وأيضًا: البهائم تقبل الرياضة والتأديب لِمَا يراد بها، والكافر عاص على الدوام، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الكاملون في الغفلة المنهمكون فيها.
الإشارة: النار على قسمين: حسية ومعنوية، كما أن الجنة كذلك، فالنار الحسية لتعذيب الأشباح، والنار المعنوية لتعذيب الأرواح، والجنة الحسية لنعيم الأشباح، والمعنوية لنعيم الأرواح. النار الحسية معلومة. والنار المعنوية هي نار القطيعة وغم الحجاب، وأهلها هم أهل الغفلة، وهم كثير من الجن والإنس، ليس لهم قلوب تجول في معاني التوحيد، وليس لهم أعين تنظر بعين الاعتبار، وليس لهم آذان تسمع المواعظ والتذكار، إن هم إلا كالأنعام، غير أن الله تعالى تفضل عليهم برسم الإسلام. والجنة الحسية هي جنة الزخارف، والجنة المعنوية هي جنة المعارف، وأعدها الله لقلوب تجول في الأنوار والأسرار، ولأعين تنظر بعين الأعتبار والاستبصار، حتى تشاهد أنوار الواحد القهار، ولآذان تسمع المواعظ والتذكار، وتعي ما تسمع من الحكم والأسرار، وبالله التوفيق.
стр. 878
ثم عرّف بذاته بتعريف أسمائه، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٠]
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)
يقول الحق ﷻ : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى تسعة وتسعين، فَادْعُوهُ بِها أي: سموه بها. قال ابن جزي: أي: سموه بأسمائه، وهذا إباحة لإطلاق الأسماء على الله سبحانه، فأما ما ورد منها في القرآن والحديث فيجوز إطلاقه على الله إجماعًا، وأما ما لم يرد، وفيه مدح ولا تتعلق به شُبهة، فأجاز أبو بكر بن الطيب إطلاقه على الله، ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري وغيره، ورأوا أن أسماء الله تعالى موقوفة على ما ورد في القرآن والحديث. وقد ورد في حديث الترمذي عدتها «١» ، أعني: تعيين التسعة والتسعين.
واختلف أهل الحديث: هل هي مرفوعة أو موقوفة على أبي هريرة؟ والذي في الصحيح: «إنَّ للهِ تِسعَةً وتِسعِينَ اسْمًا، مائَةً إلاَ وَاحِدًا، مَن أحصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» «٢» . وهل الإحصاء بالحفظ أو بالعلم أو بالتخلق أو بالتعلق أو بالتحقق؟ أقوال. قلت: كونها موقوفة بعيد جدًا إذ ليس هذا مما يقال بالرأي.
وسبب نزول الآية: أن أبا جهل سمع بعض الصحابة يقرأ، فيذكر الله مرة، والرحمن أخرى، فقال: يزعم محمد أن الإله واحد، وها هو يعبد آلهة كثيرة، فنزلت الآية مُبيِّنة أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمى واحد، و (الحسنى) :
مصدر وُصف به، أو تأنيث أحسن، وحسن أسماء الله هي أنها صفة مدح وتعظيم وتحميد، وقيل: الدعاء بها:
التوسل بكل واحد منها.
قال تعالى: وَذَرُوا أي: اتركوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ أي: يميلون فِي أَسْمائِهِ عن الكمال إما بتعطيلها، أو إنكار شيء منها، وإما بزيادة فيها، مما يوهم نقصًا أو فسادًا.
قال القشيري: الإلحاد: هو الميل عن القصد، وذلك على وجهين: بالزيادة والنقصان فأهل التمثيل زادوا فألحدوا، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا. هـ. قال البيضاوي: أي: اتركوا تسمية الزائغين فيها، الذين يسمونه بما لا توقيف فيه، إذ ربما يوهم معنىً فاسدًا، كقولهم: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، أو لا تبالُوا بإنكارهم ما سمى به نفسه، كقولهم: ما نعرف إلا رحمان اليمامة، أو: وذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام، واشتقاقها منه كاللات من الله، والعزى من العزيز، فلا توافقوهم عليه، أو أعرضوا عنهم ولا تحاوروهم. هـ.
стр. 879
قال ابن جزي: قيل: معنى (ذروا) : اتركوهم فلا تجادلوهم ولا تتعرضوا لهم، فالآية، على هذا، منسوخة بالقتال، وقيل: معنى (ذروا) للوعيد والتهديد، كقوله: ذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ «١» ، وهو الأظهر. هـ. قلت: وهو أليق بقوله بعده: سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الإلحاد وغيره.
الإشارة: قال القشيري بعد كلام: ويقال إن الله سبحانه وقف الخلق بأسمائه، فهم يذكرونها قالةً، وتعزَّزَ بذاته، والعقول- وإن صَفَت- لا تهجم على حقائق الإشراف إذ الإدراك لا يجوز على الحق، فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة بنقاب الحيرة عن التعرض للإدراك، وطلبه في أحوال الرؤية. والحق سبحانه عزيز باستحقاق نعوت التعالي مُتَفَرِّد. هـ.
قلت: وأسماء الله الحسنى كلها تتجلى في مظاهر الإنسان، وتتوارد عليه انفرادًا واجتماعًا، وقد تجتمع في واحد، إذا كان عارفًا، كلها، بحيث يتخلق بها، غير أن تجلياتها تختلف عليه، تارة ملكًا قدوسًا، وتارة رحمانيًا رحيمًا، وهكذا. وقد تقدم بيان كيفية التعلُّق والتخلُّق والتحقُّق بها، في شرحنا: الفاتحة الكبير، والله تعالى أعلم.
ولما ذكر فيما تقدم خواص قوم سيدنا موسى، ذكر هنا خواص هذه الأمة المحمدية، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٨١]
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)
يقول الحق ﷻ : وَمِمَّنْ خَلَقْنا أي: ومن جملة ما خلقنا: أُمَّةٌ: طائفة يَهْدُونَ الناس بِالْحَقِّ ويحملونهم عليه، وَبِهِ يَعْدِلُونَ في حكوماتهم وقضاياهم. رُوِي عن النبي ﷺ أنه قال: «هذه الآية لكم، وقد تقدم مثلها لقوم موسى» «٢» .
قال البيضاوي: ذكر ذلك بعد ما بيَّن أنه خلق للنار طائفة ضالين، ملحدين عن الحق، للدلالة على أنه خلق أيضًا للجنة أمة هادين بالحق، عادلين في الأمر، واستدل به على صحة الإجماع، لأن المراد منه أن في كل قرن طائفة بهذه الصفة لقوله ﷺ : «لاَ تَزالُ مِنْ أمَّتِي طَائِفةٌ عَلى الحَقِّ، إِلى أن يأتيَ أَمرُ اللهِ» «٣» إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن لذكره فائدة، فإنه معلوم. هـ.
الإشارة: هذه الأمة التي خلقها الله لهداية خلقه، وهى الطائفة التي لا تزال على الحق، وهي مؤلفة من العلماء الأنقياء على اختلاف أصنافهم وعلومهم، ومن الأولياء العارفين، فالعلماء يهدون إلى التمسك بالشرائع وإتقانها، والأولياء العارفون يهدون إلى التحقق بالحقائق وأذواقها، فالعلماء داعون إلى أحكام الله، والعارفون داعون إلى
стр. 880
معرفة ذات الله، العلماء لإصلاح الظواهر، والأولياء لإصلاح البواطن، ولا يقوم هذا إلا بهذا، فالظاهر من غير باطن فسق، والباطن من غير ظاهر إلحاد، وسيأتي عند قوله: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ... «١» الآية، تمثيل منزلتهم عند الله. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر ضدهم، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٢ الى ١٨٣]
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)
قلت: أصل الاستدراج: الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة، ومعناه: نسوقهم إلى الهلاك شيئًا فشيئًا.
يقول الحق ﷻ : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، وألحدوا في أسمائنا، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ أي: ندرجهم إلى الهلاك شيئًا فشيئًا، مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما نريد بهم، وذلك أَن تتواتر النعم عليهم، فيظنوا أنها لطفٌ من الله بهم، فيزدادوا بطرًا وانهماكًا في الغي، حتى تحق عليهم كلمة العذاب. وَأُمْلِي لَهُمْ أي: وأمهلهم، أي:
وأمدهم بالأموال والبنين والعُدة والعَدد، حتى نأخذهم بغتة، إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي: أخذي شديد، وإنما سماه كيدًا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان.
الإشارة: قال الشيخ زروق رضى الله عنه: الاستدراج: هو كُمون المحنة في عين المنة، وهو من درج الصبي إذا أخذ في المشي شيئًا بعد شيء، ومنه: الدرج الذي يرتقي عليه إلى العلو، كذلك المستدرج هو الذي تُؤخذ منه النعمة شيئًا بعد شيء وهو لا يشعر. قال تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. هـ. فالاستدراج ليس خاصًا بالكفار، بل يكون في المؤمنين خواصهم وعوامهم.
قال في الحكم: «خف من وجود إحسانه إليك، ودوام إساءتك معه، أن يكون ذلك استدراجًا لك سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ» . وقال سهل بن عبد الله رضى الله عنه: نمدهم بالنعم، وننسيهم الشكر عليها، فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم: أُخذوا.
وقال ابن عطاء رضى الله عنه: كلما أحدثوا خطيئة جدّدنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة. وقال الشيخ ابن عبّاد رضى الله عنه: الخوف من الاستدراج بالنعم من صفة المؤمنين، وعدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفة الكافرين. يقال: من أمارات الاستدراج: ركوب السيئة والاغترار بزمن المُهلة، وحمل تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة، وهذا من المكر الخفي. قال تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أي: لا يشعرون بذلك،