← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

سورة التّوبة «١» (مدنية) . ولها أسماء أخر: سورة براءة لتبرئها من المنافقين، والمقشقشة، أي: المبرئة من النفاق، والبحوث لبحثها عن أحوال المنافقين، والمبعثرة والمنقرة والمثيرة، والحافرة لأنها بعثرت ونقرت وأثارت وحفرت عن أحوال المنافقين، والمخزية والفاضحة، والمنكلة، والمشردة، والمدمدمة، وسورة العذاب لأنها أخزت المنافقين، وفضحتهم، ونكلتهم، وشردتهم، ودمدمت عليهم، وذكرت ما أعد الله لهم من العذاب. وآياتها: مائة وثلاثون، وقيل: وتسع وعشرون. ومناسبتها: قوله: إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ «٢» ، فذكر فى هذه السورة نقض ذلك الميثاق. واتفقت المصاحف والقراء على ترك البسملة فى أولها، فقال عثمان رضى الله عنه: أشبهت معانيها معانى الأنفال، أي: لأن فى الأنفال ذكر العهود وفى براءة نبذها. وكانتا تدعى القرينتين فى زمن رسول الله ﷺ ، فلذلك قرنت بينهما ووضعتهما فى السبع الطوال «٣» ، وكان الصحابة قد اختلفوا: هل هما سورة واحدة أو سورتان؟ فتركت البسملة بينهما لذلك. وقال عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه: البسملة أمان، وبراءة نزلت بالسيف، فلذلك لم تبدأ بالأمان. وقال البيضاوي: لما اختلف الصحابة فى أنهما سورة واحدة، وهى سابعة السبع الطوال، أو سورتان، تركت بينهما فرجة، ولم تكتب بسم الله. هـ. ثم ابتدأ بنقض عهود المشركين، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١ الى ٢] بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) قلت: (براءة) : خبر عن مضمر، أي: هذه براءة، و (مِنَ) : ابتدائية، متعلقة بمحذوف، أي: واصلة من الله، و (إلى الذين) : متعلقة به أيضا، أو مبتدأ لتخصيصها بالصفة، و (إلى الذين) : خبر.

стр. 947

يقول الحق ﷻ : هذه بَراءَةٌ أي: تبرئة مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ واصلة إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فقد تبرأ الله ورسوله من كل عهد كان بين المشركين والمسلمين، لأنهم نكثوا أولاً، إلا أناساً منهم لم ينكثوا، وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، وسيأتي استثناؤهم. قال البيضاوي: وإنما علقت البراءة بالله وبرسوله، والمعاهدة بالمسلمين للدلالة على أنه يجب عليهم نبذ عهود المشركين إليهم، وإن كانت صادرة بإذن الله واتفاق الرسول فإنهما برئا منها. هـ. وقال ابن جزي: وإنما أسند العهد إلى المسلمين لأن فعل الرسول ﷺ لازم للمسلمين، وكأنهم هم الذين عاهدوا المشركين، وكان النبي ﷺ قد عقد العهد مع المشركين إلى آجال محدودة، فمنهم من وفّى، فأمر الله أن يتم عهده إلى مدته، ومنهم من نقض أو قارب النقض، فجعل له أجل أربعة أشهر، وبعدها لا يكون له عهد. هـ. وإلى ذلك أشار بقوله: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ آمنين لا يتعرض لكم أحد، وبعدها لا عهد بيني وبينكم. وذكر الطبري: أنهم أسلموا كلهم في هذه المدة ولم يسح أحد. هـ. وهذه الأربعة الأشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، لأنها نزلت في شوال، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من الآخر، لأن التبليغ كان يوم النحر لما رُوي (أنها لمّا نزلت أرسل رسولُ الله ﷺ عليا رضى الله عنه راكبِاً العَضْبَاءَ ليَقْرأَهَا عَلى أهل المَوْسِم، وكان قد بعث أبا بكر رضى الله عنه أميراً على الموسم، فقيل: لو بَعَثْتَ بها إِلى أَبَي بكرٍ؟ فقال: «لا يؤدي عني إلا رجل مِنِّي» فَلَمَّا دَنَا عَليٌّ رضى الله عنه سَمِعَ أَبُو بَكرٍ الرُّغاءَ، فوقف، وَقَال: هذا رُغاء ناقة رسول الله ﷺ ، فوقف، فلمَّا لَحِقَهُ قال: أَمير أو مَأمُورٌ؟ قال: مَأمُورٌ، فلما كان قبل الترْويَة خَطَبَ أبو بكر رضى الله عنه، وحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكَهِم، وقَامَ علي- كرم الله وجهه- يومَ النَّحر، عند جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فقال: يا أَيُّها الناس، إني رَسُولُ رَسولِ الله ﷺ إليكم، فقالوا: بماذا؟ فَقَرأَ عليهمْ ثلاثين أوْ أرْبعين آيةً من أول السورة، ثم قال: أمرْتُ بأربَعٍ: أَلا يَقْرب البَيْتَ بعد هذا مُشركٌ، ولا يَطُوف بالبيت عُريَانٌ، ولا يَدخُلُ الجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٍ، وأن يتمّ إلى كُلّ ذِي عَهْدٍ عَهْدُهُ.) «١» . ولعل قوله ﷺ : «ولا يؤدي عني إلا رجل مني» خاص بنقض العهود لأنه قد بعث كثيراً من الصحابة ليؤدوا عنه، وكانت عادة العرب ألاّ يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل منها. قاله البيضاوي مختصراً. ثم قال تعالى لأهل الشرك: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي: لا تفوتونه، وإن أمهلكم، وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ في القتل والأسر في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة.

стр. 948

الإشارة: قد وقع التبرؤ من أهل الشرك مطلقاً، أما الشرك الجلي فقد تبرأ منه الإسلام والإيمان، وأما الشرك الخفي فقد تبرأ منه مقام الإحسان، ولا يدخل أحدٌ مقام الإحسان حتى لا يعتمد على شيء، ولا يستند إلى شيء، إلا على من بيده ملكوت كل شيء، فيطرح الأسباب وينبذ الأرباب، ويرفض النظر إلى العشائر والأصحاب، حتى لا يبقى في نظره إلا الكريم الوهاب، فمن أصرّ على شركه الجلي أو الخفي فإن الله يمهل ولا يهمل، فلا بد أن يلحقه وباله: إما خزي في الدنيا، أو عذاب في الآخرة، كلٌّ على ما يليق به. وقال القشيري: إنْ قَطَعَ عنهم الوصلة فقد ضَرَبَ لهم مدةً على وجه المُهْلَةِ، فأَمَّنهُم في الحَالِ ليتأهبوا لتَحمُّل مقاساةِ البراءةِ فيما يستقبلونه في المآلِ. والإشارةُ فيه: أنهم إنْ أقلعوا في هذه المهلة عن الغَيِّ والضلال، وجدوا في المآل ما فقدوا من الوصال، وإنْ أبَوْا إلا التمادي في تَرْكِ الخدمة والحرمة، انقطع ما بينه وبينهم من الوصلة. هـ. والله تعالى أعلم. ثم أمر بإظهار تلك البراءة للناس، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣ الى ٤] وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) قلت: (وأذان) : مبتدأ، أو خبر، على ما تقدم في براءة، وهو فَعال بمعنى إفعال كالعطاء بمعنى الإعطاء، أي: وإعلام من الله ورسوله واصل إلى الناس، ورفع «رسوله» إما عطف على ضمير برىء، أو على محلّ «إِنّ» واسمها، أو مبتدأ حُذف خبره، أي: ورسوله كذلك. يقول الحق ﷻ : وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ واصل إلى الناس، يكون يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وهو يوم النحر لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، ولأن الإعلام كان فيه. ولما روى أنه- ﵊ وقف يوم النحر، عند الجمرات، في حجة الوداع، فقال: «هذا يوم الحج الأكبر» «١» ، وقيل: يوم عرفة لقوله- ﵊: «الحج عرفة» «٢» . ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.

стр. 949

وذلك الإعلام بأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ- ﵊ كذلك. قال البيضاوي: ولا تكرار فإن قوله: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ: إخبار بثبوت البراءة، وهذا إخبار بوجوب الإعلام بذلك، ولذلك علقه بالناس ولم يخص بالمعاهدين. هـ. فَإِنْ تُبْتُمْ يا معشر الكفار ورجعتم عن الشرك، فَهُوَ أي: الرجوع خَيْرٌ لَكُمْ، وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي: أعرضتم عن التوبة وأصررتم على الكفر فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ لا تفوتونه طلباً، ولا تعجزونه هرباً في الدنيا، وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ في الآخرة. ولما أمر بنقض عهود الناكثين استثنى من لم ينقض فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ أي: لكن الذين عاهدتم مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وهم بنو ضمره وبنو كنانة، ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً من شروط العهد، ولم ينكثوا، ولم يقتلوا منكم، ولم يضروكم قط، وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً أي: لم يعاونوا عليكم أحداً من أعدائكم، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى تمام مُدَّتِهِمْ، وكانت بقيت لهم من عهدهم تسعة أشهر. ولا تجروهم مجرى الناكثين إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، وهو تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من باب التقوى. قاله البيضاوي. الإشارة: من أعظم شؤم الشرك: إن الله ورسوله تبرآ من أهله مرتين: خاصة وعامة، فيجب على العبد التخلص منه خفياً أو جلياً، ويستعين على ذلك بصحبة أهل التوحيد الخاص، حتى يُخلصوه من أنواع الشرك كلها، فإن صدر منه شيء من ذلك فليبادر بالتوبة، فإن تولى وأصر على شركه، كان ذلك سبب هوانه وخزيه، وبالله التوفيق. ثم أمر بجهاد المشركين، بعد الأربعة الأشهر التي أمهلهم فيها، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ٥] فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يقول الحق ﷻ : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ أي: انقضى الأشهر الْحُرُمُ وهي الأربعة التي امهلهم فيها، فمن قال: إنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فهي الحرم المعروفة، زاد فيها شوال، ونقص رجب، وسميت حرماً تغليباً للأكثر، ومن قال: إنها ذو الحجة إلى ربيع الثاني، فسميت حرماً لحرمتها ومنع القتال فيها حينئذٍ. وغلط من قال: إنها الأشهر الحرم المعلومة لإخلاله بنظم الكلام ومخالفته للإجماع لأنه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم. انظر البيضاوي.

стр. 950

فإذا انقضت الأربعة التي أمهلتهم فيها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الناكثين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ من حل أو حرم، وَخُذُوهُمْ أسارى، ويقال للأسير: أخيذ، وَاحْصُرُوهُمْ واحبسوهم، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ كل ممر وطريق لئلا ينبسطوا في البلاد، فَإِنْ تابُوا عن الشرك وآمنوا، وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ تصديقاً لتوبتهم وإيمانهم فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ أي: فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشيء من ذلك. وفيه دليل على أنَّ تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله، بل يقاتل كما فعل الصديق رضى الله عنه بأهل الردة. والآية: في معنى قوله ﷺ : «أمرت أن أُقَاتِل النَّاس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويُقيموا الصَّلاة، ويُؤتوا الزَّكَاةَ ... » الحديث «١» . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، هو تعليل لعدم التعرض لمن تاب، أي: فخلوهم لأن الله قد غفر لهم، ورحمهم بسبب توبتهم. الإشارة: فإذا انقضت ايام الغفلة والبطالة التي احترقت النفس فيها، فاقتلوا النفوس والقواطع والعلائق حيث وجدتموهم، وخذوا أعداءكم من النفس والشيطان والهوى، واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد يتعرضون فيه لكم، فإن أذعنوا، وانقادوا، وألقوا السلاح، فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم. ولما أمر بقتال المشركين وأخذهم أينما ثقفوا، استثنى من أتى يطلب الأمان، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ٦] وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) قلت: «أحد» : فاعل بفعل يفسره: «استجارك» . يقول الحق ﷻ : وَإِنْ أتاك أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ المأمورين بالتعرض لهم، حيثما وجدوا، اسْتَجارَكَ يطلب جوارك، ويستأمنك، فَأَجِرْهُ أي: فأمنهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ويتدبره، ويطلع على حقيقة الأمر، لعله يُسلم، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أي: موضع أمنه إن لم يسلم، ولا تترك أحداً يتعرض له حتى يبلغ محل أمنه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ أي: ذلك الأمر الذي أمرتك به بسبب أنهم قوم لا علم لهم بحقيقة الإيمان، ولا ما تدعوهم إليه، فلا بد من إيجارهم، لعلهم يسمعون ويتدبرون فيكون ذلك سبب إيمانهم.

стр. 951

الإشارة: وإن استجارك- أيها العارف- أحد من عوام المسلمين ممن لم يدخل معكم بلاد الحقائق، وأراد أن يسمع شيئاً من علوم القوم، فأجره حتى يسمع شيئاً من علومهم وأسرارهم، فلعل ذلك يكون سبباً في دخوله في طريق القوم. ولا ينبغي للفقراء أن يطردوا من يأتيهم من العوام، بل يتلطفوا معهم، ويسمعوهم ما يليق بحالهم لأنَّ العوام لا علم لهم بما للخواص، فإن اطلعوا على ما خصهم الله به من العلوم دخلوا معهم، إن سبق لهم شيء من الخصوصية. وقال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضى الله عنه: لا ينبغي لأهل الخصوصية أن يدخلوا بلد العموم إلا في جوار أحد منهم، وإلا أنكرته البلد لأن البلد أم تغير على غير أبنائها، ولا ينبغي أيضاً للعموم أن يدخلوا بلد الخصوص إلا في جوار رجل منهم، وإلا أنكرته البلد. هـ. بالمعنى. ثم استبعد الحق أن يكون للمشركين عهد مع المسلمين، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٧ الى ١١] كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) قلت: (إلا الذين) : محله النصب على الاستثناء، أو جر على البدل من «المشركين» ، أو رفع على الانقطاع، أي: لكن الذين عاهدتم فما استقاموا لكم، و (الإل) : القرابة والحِلف، وحذف الفعل في قوله: (كيف وإن يظهروا عليكم) للعلم به بما تقدم، أي: كيف يكون لهم عهد والحال إِنهم إِن يَظْهَرُوا عليكم.. الخ يقول الحق ﷻ ، في استبعاد العهد من المشركين والوفاء به: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ؟ مع شدة حقدهم وعداوتهم للرسول وللمسلمين، مع ما تقدم لهم من النقض والخيانة فيه، إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قيل: هم المستثنون قبلُ. وقال ابن اسحاق: هي قبائل بني بكر، كانوا

стр. 952

دخلوا وقت الحديبية، في المدة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين قريش، فلم يكن نقض إلا قريش وبنو الديل من بني بكر، فأُمر المسلمون بإتمام العهد لمن لم يكن نقض. وقال ابن عباس: هم قريش، وقال مجاهد: خزاعة، وفى هذين القولين نظر لأن قريشاً وخزاعة كانوا أسلموا وقت الأذان لأنهم أسلموا في الفتح، والأذان بعده بسنة. قال تعالى في شأن من استثنى: فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ على العهد ولم يغدروا، فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ على الوفاء، أي: تربصوا بهم وانتظروا أمرهم، فإن استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين إذا عاهدوا وفوا، وإذا قالوا صدقوا. ثم كرر استبعاد وفائهم فقال: كَيْفَ يصح منهم الوفاء بعهدكم وَهم إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ويظفروا بكم في وقعة لا يَرْقُبُوا أي: لا يراعوا فِيكُمْ إِلًّا قرابة أو حلفاً، وقيل: ربوبية، أي: لا يراعون فيكم عظمة الربوبية ولا يخافون عقابه، وَلا ذِمَّةً أي: عهداً، أو حقاً يعاب على إغفاله، يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ بأن يعدوكم بالإيمان، والطاعة، والوفاء بالعهد، في الحال، مع استبطان الكفر والغدْر، وَتَأْبى أي: تمنع قُلُوبُهُمْ ما تفوه به أفواههم، وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ متمردون، لا عقيدة تزجرهم، ولا مروءة تردعهم، وتخصيص الأكثر لما في بعض الكفرة من التمادي على العهد، والتعفف عما يجر إلى احدوثة السوء. قاله البيضاوي. اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ أي: استبدلوا بها ثَمَناً قَلِيلًا أي: عرضاً يسيراً، وهو اتباع الأهواء والشهوات، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ دينه المُوصل إليه، أو بيته بصد الحجاج عنه. إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي: قبح عملهم هذا، أو ساء ما كانوا يعملون من كونهم لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً فيكون تفسيراً لعملهم السوء، لا تكريراً. وقيل: الأول في الناقضين العهد، وهذا خاص بالذين اشتروا، وهم اليهود، أو الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطمعهم. وقوله تعالى: فِي مُؤْمِنٍ: فيه إشارة إلى أن عداوتهم إنما هي لأجل الإيمان فقط، وقوله أولاً: فِيكُمْ، كان يحتمل أن يظن ظان أن ذلك للإحن التي وقعت بينهم، فزال هذا الاحتمال بقوله: فِي مُؤْمِنٍ. قاله ابن عطية. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ في الشرارة والقبح. فَإِنْ تابُوا عن الكفر، وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، حث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين وخصال التائبين. قاله البيضاوي. الإشارة: لا ينبغي للخواص أن يثقوا بمحبة العوام، ولا يغتروا بما يسمعون من عهودهم، فإن محبتهم على الحروف، مهما رأوا خلاف ما أملوا من حروفهم، وأطماعهم، نكثوا وأدبروا، فللعارف غِنّى بالله عنهم. وفي ذلك

стр. 953

يقول سيدنا علي- كرّم الله وجهه-: مَا الفَخْرُ إِلاَّ لأَهْلِ العِلْمِ، إِنَّهُمُ ... عَلَى الهُدَى لمن اسْتَهْدَى أدلاَّءُ وَقَدْرُ كل امرئ مَا كَانَ يُحسنهُ ... والجَاهِلُون لأهلِ العِلْمِ أعداءُ ثم ذكر حكم مَن نقض العهد، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢ الى ١٥] وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) يقول الحق ﷻ : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ أي: نقضوها مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ أي: من بعد ما أعطوكم من العهود على الوفاء بها، وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ بصريح التكذيب وتقبيح الأحكام، فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أي: فقاتلوهم لأنهم أئمة الكفر، فوضع أئمة الكفر موضع الضمير للدلالة على أنهم صاروا بذلك ذوي الرئاسة والتقدم في الكفر، فهم أحِقاء بالقتل، وقيل: المراد رؤساء المشركين، والتخصيص: إما لأن قتلهم أهم، وهم أحق به، أو للمنع من مراقبتهم، إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ على الحقيقة، وإلاًَّ لم يقدروا أن ينكثوها، واستشهد به الحنفية على أن يمين الكافر لا تلزم، وهو ضعيف لأن المراد نفي الوثوق عليها، لا أنها ليست بأيمان. قاله البيضاوي. قلت: وما قالته الحَنَفِيِّةُ هو مذهب المالكية، إذا حنث في حال الكفر، ثم أسلم، فلا يلزمه شيء. وقرأ ابن عامر بكسر الهمزة، أي: لا أيمان لهم صحيحاً يعصم دماءهم. لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم أن ينتهوا عما هم عليه، كما هي طريقة أهل الإخلاص، لا إيصال الإذاية لهم، أو مقابلة عداوة. ثم حضَّ على قتالهم فقال: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ التي حلفوها للرسول ﷺ وللمؤمنين على ألا يعاونوا عليهم، فعاونوا بني بكر على خزاعة، وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ حين تشاوروا في أمره بدار الندوة

стр. 954

على ما مرّ، وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بالمعاداة والمقاتلة لأنه- ﵊ بدأهم بالدعوة، وإلزام الحجة بالكتاب والتحدي به، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة والمقاتلة، فما يمنعكم أن تعارضوهم وتصادموهم، أَتَخْشَوْنَهُمْ أي: أتهابون قتالهم حتى تتركوا أمري، فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإن قضية الإيمان ألا يُخاف إلا منه. ثم وعدهم بالنصر فقال: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ يُهنهم بالقتل والأسر، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ، فيمكنكم من رقابهم، ويملككم أموالهم ونساءهم، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، يعني: بني خزاعة شفوا صدورهم من بني بكر لأنهم كانوا أغاروا عليهم وقتلوا فيهم. وقيل: بطوناً من اليمن قدموا مكة وأسلموا، فلقوا من أهلها أذى شديداً، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أبشروا، فإن الفرج قريب. وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ بما لقوا منهم حين أغاروا عليهم، وقد أوفى الله بما وعدهم بفتح مكة وهوازن. والآية من المعجزات. قاله البيضاوي. وهذا يقتضي أن هذا التخصيص كان قبل الفتح، فيلتئم مع ما بعده، ويبعد اتسامه مع ما قبله من البراءة، ونبذ العهد والإعلام بذلك لكونه بعد الفتح، والله أعلم. قاله المحشي. ويمكن الجواب بأن يكون صدر السورة نزل بعد الفتح، وبعضها من قوله: (وإن أحد من المشركين..) إلخ نزل قبل الفتح، فإن الآيات كانت تنزل متفرقة فيقول ﷺ : «اجعلوا هذه الآية في محل كذا» . والله تعالى أعلم. ثم أخبر تعالى بأن بعض المشركين يتوب من كفره بقوله: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ هدايته، فيهديه للإيمان، ثم يتوب عليه، وقد كان ذلك في كثير منهم. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما كان ويكون، حَكِيمٌ لا يفعل ولا يحكم إلا على وفق حكمته. الإشارة: من رجع عن طريق القوم، ونقض عهد الأشياخ، ثم طعن في طريقهم، لا يرجى فلاحه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، أعني في طريق الخصوص لأنه جمع بين نقض العهد والطعن على الأولياء، وقد قال تعالى: «من آذى لي وليا فقد آذنني بالحرب» . ومن رجع عنها لضعف ووهن، مع بقاء الاعتقاد والتسليم، فربما تقع الشفاعة منهم فيلحق بهم، بخلاف الأول، فقد تقدم عن القشيري، في سورة آل عمران، أنهم يريدون الشفاعة فيه، فيخلق الله صورة على مثله، فإذا رأوها تركوا الشفاعة فيه، فيبقى مع عوام أهل اليمين. فانظره «١» . وبالله التوفيق.

стр. 955

ثم عاتبهم على تأخر بعضهم عن الجهاد، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ١٦] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) قلت: «أم» : منقطعة، بمعنى الهمزة للإنكار والتوبيخ على الحسبان، والخطاب للمؤمنين أو المنافقين، والوليجة: البطانة والصحبة. يقول الحق ﷻ : أَمْ حَسِبْتُمْ أي: أظننتم أَنْ تُتْرَكُوا من غير اختبار، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ أي: ولم يتبين الخلَّص منكم، وهم الذين جاهدوا، من غيرهم، والمراد: علمَ ظهور، أي: أظننتم أن تتركوا ولم يظهر منكم المجاهد من غيره. قال البيضاوي: نفى العلم، وأراد نفي المعلوم للمبالغة، فإنه كالبرهان عليه من حيث إن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه. هـ. بل يختبركم حتى يظهر الذين جاهدوا منكم. وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً بطانة، أي: جاهدوا، وأفردوا محبتهم لله ولرسوله وللمؤمنين، ولم يتخذوا من دونهم بطانة، أي: أصحاب سرٍ يوالونهم ويبثون إليهم أسرارهم، بل اكتفوا بمحبة الله ومودة رسول الله والمؤمنين، دون موالاة من عاداهم، والتعبير ب (لما) : يقتضي أن ظهورَ ذلك متوقع، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ: تهديد لمن يفعل ذلك. الإشارة: إفراد المحبة لله ولأولياء الله من أعظم القربات إلى الله، وأقرب الأمور الموصلة إلى حضرة الله، والالتفات إلى أهل الغفلة بالصحبة والمودة، من أعظم الآفات والأسباب المبعدة عن اللهِ، والعياذ بالله. وفي الحديث: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيله» . و «المَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ» ، و «مَنْ أحب قوما حشر معهم.» إلى غير ذلك من الآثار في هذا المعنى. ثم نهى عن دخول المشركين المساجد، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٧ الى ١٨] ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)

стр. 956

يقول الحق ﷻ : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أي: ما صح لهم أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ أي: شيئاً من المساجد، فضلاً عن المسجد الحرام، وقيل: هو المراد، وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وإمامها، فأمره كأمرها، ويدلّ عليه قراءة مَن قرأ بالتوحيد، أي: ليس لهم ذلك، وإن كانوا قد عمروه تغلباً وظلماً، حال كونهم شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ بإظهار الشرك وتكذيب الرسول، أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متباينين: عمارة بيت الله، وعبادة غير الله، أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ في الدنيا والآخرة لما قارنها من الشرك والافتخار بها، وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ لأجل كفرهم. إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ، أي: إنما تستقيم عمارتها بهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، ومن عمارتها: تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج، وإدامة العبادة والذكر ودروس العلم فيها، وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا. وعن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: «إِنَّ بُيُوتِي في أَرْضِي المَسَاجدُ، وإنَّ زُوَّاري فيهَا عُمَّارُهَا، فَطُوبى لعَبْدٍ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ زَارَني في بَيْتِي، فَحَقٌ عَلَى المَزُوِر أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَه» . ووقف عبد الله بن مسعود على جماعة في المسجد يتذاكرون العلم فقال: بأبي وأمي العلماء، بروح الله ائتلفتم، وكتاب الله تلوتم، ومسجد الله عمرتم، ورحمة الله انتظرتم، أحبكم الله وأحب من أحبكم. هـ. وإنما لم يذكر الإيمان بالرسول ﷺ لما علم أن الإيمان بالله قرينُه وتمامه الإيمانُ به، ولدلالة قوله: وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ عليه. قاله البيضاوي. وَلَمْ يَخْشَ في أموره كلها إِلَّا اللَّهَ، فهذا الذي يصلح لعمارة بيت الله، فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، وعبَّر بعسى، قطعاً لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم، وتوبيخاً لهم على القطع بأنهم مهتدون فإن كان اهتداء هؤلاء، مع كمالهم، دائرا بين عسى ولعل، فما ظنك بأضدادهم؟، ومنعاً للمؤمنين أن يغتروا بأحوالهم فيتكلوا عليها. وفي الحديث عنه ﷺ : «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَتَعَاهَدُ المسجِد فاشهدوا لَهُ بالإيمان» ، ثم تلا الآية «١» . الإشارة: مساجد الحضرة محرمة على أهل الشرك الخفي والجلي، لا يدخل الحضرة إلا قلب مُفرد، فيه توحيد مجرد، لا يعمر مساجد الحضرة ألا قلب مطمئن بالله، غائب عما سواه، قد رفض الركون إلى الأسباب، وأفرد

стр. 957

الوجهة لمسبب الأسباب، قطع الشواغل والعلائق حتى أشرقت أنوار الحقائق. إنما يعمر مساجد حضرة القدوس من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام صلاة القلوب، وآتى زكاة النفوس، ولم يراقب أحداً من المخلوقين، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين إلى حضرة رب العالمين. ولما افتخر قوم من قريش بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، بيّن الله تعالى أن الجهاد أفضل من ذلك، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٩ الى ٢٢] أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) قلت: السقاية والعمارة: مصدران، فلا يشبهان بالجثة، فلا بد من حذف، أي: أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن. يقول الحق ﷻ : أَجَعَلْتُمْ أهل سِقايَةَ الْحاجِّ، وَأهل عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ من أهل الشرك المحبطة أعمالُهم، كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ من أهل الإيمان، وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء كلمة الله، المثبتة أعمالهم، بل لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ أبداً لأن أهل الشرك الذين حبطت أعمالهم في أسفل سافلين، إن لم يتوبوا، وأهل الإيمان والجهاد في أعلى عليين. ونزلت الآية في علي- كرم الله وجهه- والعباس وطلحة بن شيبة، افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، وعندي مفاتحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال على رضى الله عنه: لقد أسلمت وجاهدت مع رسول الله ﷺ ، فبيَّن الله تعالى أن الإيمان والجهاد أفضل، ووبخ من افتخر بغير ذلك فقال: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي: الكفرة الذين ظلموا أنفسهم بالشرك ومعاداة الرسول ﷺ ، وداموا على ذلك، وقيل: المراد بالظالمين: الذين يسوون بينهم وبين المؤمنين. ثم أكّد ذلك بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً، وأعلى رتبة، وأكثر كرامة، عِنْدَ اللَّهِ، ممن لم يستجمع هذه الصفات، أو من أهل السقاية والعمارة عندكم،

стр. 958

وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ بكل خير، الظافرون بنيل الحسنى والزلفى عند الله، دون من عداهم ممن لم يفعل ذلك. ثم زاد في كرامتهم فقال: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ أي: تقريب وعطف منه وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها أي: في الجنان نَعِيمٌ مُقِيمٌ دائم، لانفاد له ولا انقطاع. وتنكير المبشر به إشعار بأنه وراء التعيين والتعريف، حال كونهم خالِدِينَ فِيها أَبَداً، أكد الخلود بالتأبيد لأنه قد يطلق على طُول المكث، إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ يُستحقر دونه مشاق الأعمال المستوجبة له، أو نعيم الدنيا إذ لا قدر له في جانب نعم الآخرة. الإشارة: لا يستوي من قعد في وطنه مع عوائده وأسبابه، راكناً إلى عشائره وأحبابه، واقفاً مع هواه، غافلاً عن السير إلى مولاه، مع من هاجر وطنَه وأحبابَه، وخرق عوائده وأسبابه، وجاهد نفسه وهواه، سائراً إلى حضرة مولاه، لا يستوون أبداً عند الله لأن هؤلاء مقربون عند لله، والآخرون في محل البعد عن الله، ولو كثر علمهم وعملهم عند الله، شتان بين من همته القصور والحور، وبين من همته الحضور ورفع الستور، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان، وجنات المعارف لهم فيها نعيم لأرواحهم، وهو الشهود والعيان، لا يحجب عنهم طرفة عين، إن الله عنده أجر عظيم، لا يخطر على قلب بشر. لا حرمنا الله من ذلك. ثم نهى عن موالاة أهل الغفلة وإن قربوا نسبا، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٣ الى ٢٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤) يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ الذين بقوا على كفرهم أَوْلِياءَ توالونهم بالمحبة والطاعة، إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ واختاروه على الإيمان. نزلت في شأن المهاجرين فإنهم لما أُمروا بالهجرة قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وبقينا ضائعين. وقيل: نزلت فيمن ارتد ولحق بمكة، فنهى الله عن موالاتهم. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ بوضعهم الموالاة في غير موضعها.

стр. 959

قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ أي: أصحابكم، أو أقرباؤكم، وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها اكتسبتموها، وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها أي: فوات وقت إنفاقها، وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها لحسنها وسعتها، فإن كان ذلك أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: من الإيمان بالله وصحبة رسوله، وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ، فآثرتم ذلك، وتخلفتم عن الإيمان والهجرة، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أي: بعقوبة عاجلة أو آجلة، أو بنصر وفتح على المؤمنين، كفتح مكة وغيرها، والمراد بالمحبة: الاختيارية دون الطبيعة فإنها لا تدخل تحت التكليف، والتحفظ عنها لأن حب الأوطان والعشائر طبيعي، والحب المكلف به اختياري، بحيث يجاهد نفسه في إبدال الطبيعي بالاختياري. ثم هدد من وقف مع حب الأوطان بقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ لا يرشدهم ولا يوفقهم. وفي الآية تهديد عظيم، وقلَّ من تحفظ عنه. قاله البيضاوي. الإشارة: الهجرة من أوطان الغفلة واجبة، ومفارقة الأصحاب والعشائر الذين لا يوافقون العبد على النهوض إلى الله فريضة، فيجب على المريد أن يهاجر من البلد التي لا يجد فيها قلبه، ولا يجد فيها من يتعاون به على ربه، كائنة ما كانت، وما رأينا ولياً قط أنتج في بلده، إلا القليل، فلما هاجر ﷺ من وطنه إلى المدينة. وحينئذ نصر الدين، بقيت سنة في الأولياء، لا تجد ولياً يعمر سوقُه إلا في غير بلده، ويجب عليه أيضاً أن يعتزل مَن يشغله عن الله من الآباء والأبناء والأزواج والعشائر، وكذلك الأموال والتجارات التي تشغل قلبه عن الله، بعد أن يقيم في أولاده حقوق الشريعة، فاللبيب هو الذي يجمع بين الحقيقة والشريعة، فلا يضيع من يعول، ولا يترك حق من يتعلق به من الزوجة أو غيرها، ويذكر الله مع ذلك، فيخالطهم بحسه، ويفارقهم بقلبه، فإن لم يستطع وأراد دواء قلبه فليخير الزوجة، ويُوكل من ينوب عنه في القيام بحقوق العيال، حتى يقوى قلبه ويتمكن مع ربه، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ «١» . ولإبراهيم بن أدهم رضى الله عنه: هَجَرْتُ الخَلْقَ طُرّاً في رِضاكَا ... وأَيْتَمْتُ البَنينَ لِكَيْ أَرَاكَا فَلَوْ قَطَّعْتَني إِرْباً فَإرْباً ... لِمَا حنَّ الفُؤَادُ إِلَى سِوَاكَا وبالله التوفيق

стр. 960

ثم ذكّرهم بالنعم، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٥ الى ٢٧] لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) قلت: (ويوم حنين) : عطف على (مواطن) ، أو منصوب بفعل مضمر، وهذا أحسن لأن قوله: (إذ أعجبتكم كثرتكم) خاص بيوم حنين. انظر: ابن جزي. يقول الحق ﷻ ، في تذكيرهم بالنعم: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ أي: في مواقف الحرب ومداحضها في مواضع كثيرة، وَنصركم أيضاً يَوْمَ حُنَيْنٍ، وهي غزوة كانت بعد فتح مكة، متصلة بها، في موضع يقال له: حنين، سمي باسم رجل كان يسكنه، وهو وادٍ بين مكة والطائف، حارب فيه رسول الله ﷺ والمسلمون، وكانوا اثني عشر ألفاً: عشرة آلاف من الذين حضروا فتح مكة، وألفان انضموا إليهم من الطلقاء، قاتلوا هوازن وثقيف ومن انضم إليهم من قبائل العرب. وكانوا ثلاثين ألفاً، فلما التقوا مع بعض المشركين قال بعض المسلمين: لن نُغلَبَ اليوم من قلة، إعجاباً بكثرتهم، واقتتلوا قتالاً شديداً، فأدرك المسلمين إعجابهم، واعتمادهم على كثرتهم، فانهزموا حتى وصل جُلهم إلى مكة، وبقي رسول الله ﷺ في مركزه، ليس معه إلا عمه العباس، آخذاً بلجامه، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث، وناهيك شهادة على تناهي شجاعته ﷺ ، فقال للعباس- وكان صيِّتاً-: صِحْ بالناس، فنادى: يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فكروا عنقاً واحداً، يقولون: لبيك لبيك، ونزلت الملائكة، فالتقوا مع المشركين، فقال- ﵊: هذا حين حَمِي الوَطيس «١» ، ثم أخذ كفاً من تراب فرماهم، وقال: شاهت الوجوه، ثم قال: انهزموا وربّ الكعبة، فانهزموا «٢» .

стр. 961

فأشار تعالى إلى مقالتهم معاتباً لهم عليها بقوله: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً أي: فلم تُغن تلك الكثرة عنكم شيئاً من الإغناء، أو من أمر العدو. وهذه المقالة صدرت من غير النبي ﷺ كما تقدم لأنه معصوم من الإعجاب، وإن ثبت أنه قال ذلك فليس على وجه الإعجاب، بل على وجه الإخبار، وعلى ذلك جرى الحكم في المذهب: من حرمة الفرار عند بلوغ اثني عشر ألفاً، وكان المسلمون يومئذ اثني عشر ألفاً بالطلقاء وهم مسلمة الفتح: وكانوا ألفين، وسُموا بالطلقاء لمنّ النبي ﷺ عليهم، يقال لمن أطلق من أسر: طليق، وجمعه على طلقاء نادر لأنه يشترط في فعيل، الذي يجمع على فعلاء، أن يكون بمعنى فاعل، كظريف وشريف، لا بمعنى مفعول، كدفين ودفنى، وسخين وسخنى، ومنه. طليق. ثم قال تعالى: وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ برحبها، أي: ضاقت على كثرة اتساعها، فلم تجدوا فيها مكاناً تطمئن إليه نفوسكم من الدهش، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ هاربين عن رسول الله ﷺ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ أي: طمأنينته عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ بعد انهزامهم، فرجعوا وقاتلوا، أو على من بقي مع الرسول ﷺ ، ولم يفروا. وإعادة الجار للتنبيه على اختلاف حالهما. وَأَنْزَلَ جُنُوداً من الملائكة لَمْ تَرَوْها بأعينكم، وكانوا خمسة آلاف، أو ثمانية، أو ستة عشر، على اختلاف الأقوال. وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالقتل والأسر والسبيٍ، وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ أي: ما فعل بهم هو جزاء كفرهم في الدنيا، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ منهم، بالتوفيق للإسلام، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يتجاوز عنهم ويتفضل عليهم بالتوفيق والهداية. رُوي أن أناساً منهم جاؤوا إلى رسول الله ﷺ وأسْلَمُوا، وقالوا: يا رسولَ الله، أنْتَ خيرُ الناس وأبرهم، وقد سُبي أهلُونا وأولادُنا، وأُخِذَتْ أموالُنَا- وقد سُبي يومئذ ستة آلاف نفس، وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى، فقال: «اختاروا، إما سَبْيكُمْ، وإما أمْوالَكُم» . فقالوا: ما كنّا نعدل بالأحساب شيئاً. فقال رسول الله ﷺ : «إنّ هؤلاء جاءونا تائبين، وأنا خيّرتهم بين الذّرارى والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئأً، فمنْ كان بيَدِهِ سبي فطابتْ نفسُهُ أنْ يرُدَّهُ فشأنُهُ، ومن لا، فليعطنا، وليكن قرضا علينا حتَّى نُصيب شيئاً فنُعطِيِه مثله» ، فقالوا: رضينا وسَلَّمنا، فقال: «إنِّي لا أدري، لَعَلَّ فِيكُمْ مَنْ لا يَرضَى، فارجعوا حتى يرفع إلىّ عرفاؤكم أمرَكم» فرفعوا إليه أمْرَهمْ، وقالوا: قد رضُوا، فردَّ السبي إليهم، وقسم الأموال في المؤلفة قلوبهم «١» ، ترغيباً في تسكين قلوبهم للإسلام. والغزوة مطولة في كتب السيرة، والله تعالى أعلم.

стр. 962

الإشارة: لقد نصركم الله، يا معشر المريدين، على جهاد نفوسكم وتيسير أموركم، في مواطن كثيرة، إذا رجعتم إلى ربكم، واعتزلتم من حولكم وقوتكم في جميع أموركم، فمن علامة النجاح في النهاية الرجوع إلى الله في البداية، ما تعذر مطلب أنت طالبه بربك، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك. فمن رجع إلى نفسه، أو استند إلى عقله وحدسه، لم تغن عنه شيئاً، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ورجع من حيث جاء، فإن انتبه، ورجع إلى ربه، أنزل سكينة عليه، وأيده باليقين، ورجا أن يدرك أمله من رب العالمين. قال الورتجبي: قوله تعالى: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله) ، سكينته- ﵊ زيادة أنوار كشف مشاهدة الله، له، حين خاف من مكر الأزل، فأراه الله اصطفائيته الأزلية، وأمنة من مكره، لا أنه ينظر من الحق إلى نفسه طرفة عين، لكن إذا غاب في بحر القدم لم ير للحدث اثراً، ورأى الحدثان متلاشية في فيض العظمة، ففزع منه به، فآواه الله منه إليه، حتى سكن به عنه. هـ. ثم أمر بمنع المشركين من دخول البيت الحرام، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ٢٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ أي: عين الخبث، مبالغة في خبثهم، إما لخبث باطنهم بالكفر، أو لأنهم لا يتطهرون من النجاسات، ولا يتوقون منها، فهم ملابسون لها غالباً. وعن ابن عباس رضى الله عنه: أن أعيانهم نجسة كالكلاب. قاله البيضاوي. فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ، وهو نص على منع المشركين- وهم عبدة الأوثان- من المسجد الحرام، وهو مجمع عليه، وقاس مالك على المشركين جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، وقاس على المسجد الحرام سائر المساجد، ومنع جميع الكفار من جميع المساجد. وجعلها الشافعي عامة في الكفار، خاصةً بالمسجد الحرام، فمنع جميع الكفار من دخول المسجد الحرام خاصة، وأباح دخول غيره، وقصرها أبو حنيفة على موضع النهي، فمنع المشركين خاصة من دخول المسجد الحرام وأباح لهم دخول سائر المساجد، وأباح دخول أهل الكتاب في المسجد الحرام وغيره. قاله ابن جزي. قوله تعالى: بَعْدَ عامِهِمْ هذا يعني: سنة تسع من الهجرة، حين حج أبو بكر بالناس، وقرأ علىّ رضى الله عنه عليهم سورة براءة.

стр. 963

وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً أي: فقرأ بسبب منع المشركين من الحرم، وكانوا يجلبون لها الطعام، فخاف الناس قلة القوت منها، إذا انقطع المشركون عنهم، فوعدهم الله بالغنى بقوله: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من عطائه وتفضله بوجه آخر، وقد أنجز وعده بأن أرسل السماء عليهم مدراراً، وأسلمت العرب كلها، وتمادى جلب الطعام إلى مكّة، ثم فتح عليهم البلاد، وجلبت لهم الغنائم، وتوجه الناس إليهم من أقطار الأرض، وما زال كذلك إلى الآن. وقيده بالمشيئة لتنقطع الآمال إلى الله، ولينبه على أنه متفضل في ذلك، وإن الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض، وفي عام دون عام، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بأحوالكم، حَكِيمٌ فيما يعطي ويمنع. الإشارة: بيوت الحضرة- وهي القلوب المقدسة- لا ينبغي أن يدخلها شيء من شرك الأسباب، أو الوقوف مع رفق الأصحاب، أو الركون إلى معلوم حتى يفرد التعلق بالحي القيوم، ولا ينبغي أيضاَ أن يدخلها شيء من نجاسة حس الدنيا وأكدارها وأغيارها، فيجب على أربابها الفرار من مواطن الكدر، والعزلة عن أربابها لئلا يدخل فيها شيء من نجاستها، فتموت بعد حياتها، وكان عيسى- ﵊ يقول لأصحابه: (لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم، قالوا: من الموتى يا روح الله؟ قال: المحبون للدنيا الراغبون فيها) . فإن خفتم عيلة بالفرار منهم واعتزال نجاستهم، فسوف يغنيكم الله من فضْلِ غَيْبه إن شاء، في الوقت الذي يشاء، إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. والله تعالى أعلم. قال القشيري: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ أي: لأنهم فقدوا طهارة الأسرار، فبقوا في مزابل الظنون والأوهام، فَمُنِعُوا قُربانَ المساجد التي هي مساجدُ القرب، وأما المؤمنون فطهَّرهم عن التدنُّس بشهود الأغيار، فطالعوا الحقَّ فردا فيما ينشيه من الأمر ويُمضيه من الحُكم. هـ. ثم أمر بجهاد أهل الكتاب، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ٢٩] قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) يقول الحق ﷻ للمؤمنين: قاتِلُوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ على ما يجب له، لإشراكهم عُزير وعيسى، ولتجسيمهم، وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ لأنهم ينكرون المعاد الجسماني،

стр. 964

فإيمانهم في الجانبين كلا إيمان، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ محمّد ﷺ لأنهم يحلون الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير، وغير ذلك مما حرمته الشريعة المحمدية، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ أي: لا يدخلون في الإسلام، الذي هو الدين الحق، الناسخ لسائر الأديان ومبطلها. ثم بيَّن الذين أّمر اللَّهُ بقتالهم بقوله: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وهم اليهود والنصارى. وحين نزلت خرج رسول الله ﷺ لغزوة تبوك لقتال النصارى، ووصل إلى أوائل بلد العدو، فصالح أهل أدرج وأيلة، وغيرهما، على الجزية وانصرف، وذلك امتثال للآية. قال تعالى: فقاتلوهم حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ أي: ما تقرر عليهم أن يعطوه، وقدْرها عند مالك: أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهماً على أهل الورق، يؤخذ ذلك من كل رأس، واتفق العلماء على قبول الجزية من اليهود والنصارى، ويلحق بهم المجوس لقوله ﷺ : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» «١» لأن لهم شبهة كتاب، فألحقوا بهم. واختلفوا في قبولها من عَبدة الأوثان قال مالك: تؤخذ من كل كافر إلا المرتد، ولا تؤخذ من النساء والصبيان والمجانين. وقوله تعالى: عَنْ يَدٍ أي: يباشر إعطاءها بيده، لا يبعثها مع أحد، أو لا يمطل بها، كقولك: يداً بيد، أو عن استسلام وانقياد، كقولك: ألقى فلان بيده. وَهُمْ صاغِرُونَ أذلاء محقورون. وعن ابن عباس رضى الله عنه: تؤخذ الجزية من الذمي، وتوجأ عنقه، أي: تصفع. الإشارة: يؤمر المريد بقتل نفسه وحظوظه وهواه، وأعظمها: حب الدنيا والرئاسة والجاه، ولا يزال يخالف هواها، ويعكس مراداتها، ويحملها ما يثقل عليها، حتى تنقاد إليه بالكلية، بحيث لا يثقل عليه شيء، ويستوي عندها العز والذل، والفقر والغنى، والمدح والذم، والمنع والعطاء، والفقد والوجد، فإن استوت عندها هذه الأحوال فقد أسلمت وأعطت ما يجب عليها، فيجب حفظها ورعايتها، وتصديقها فيما يرد عليها. وبالله التوفيق. ثم ذكر الباعث على جهاد أهل الكتاب، وهو فساد اعتقادهم، فقال:

стр. 965

[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٠ الى ٣٣] وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) قلت: (عزيز) : (مبتدأ) ، و (ابن الله) : خبر، فمن نونه جعله مصروفاً لأنه عنده عربي، ومن حذف تنوينه: إما لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة عنده، وإما لالتقاء الساكنين تشبيهاً للنون بحروف اللين، وهو ضعيف، والأول أحسن. يقول الحق ﷻ : وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، قال ابن عباس: هذه المقالة قالها أربعة منهم، وهم: سَلامُ بن مُشْكم، ونُعْمَانُ أو لُقْمَانُ بْنُ أَوفَى، وشَاسُ بنُ قَيس، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ «١» . وقيل: لم يقلها إلا فنحاص، ونسب ذلك لجميعهم لسكوتهم عنه. قال البيضاوي: إنما قال ذلك بعضهم من متقدميهم، أو ممن كانوا بالمدينة، وإنما قالوا ذلك لأنه لم يبق فيهم بعد وقعة بختنصر من يحفظ التوراة، وهو- أي عزير- لما أحياه الله بعد مائة عام، أملى عليهم التوراة حفظاً، فتعجبوا من ذلك، وقالوا: ما هذا إلا أنه ابن الله، والدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية قُرئت عليهم فلم يكذبوا مع تهالكهم على التكذيب. هـ. وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، هو أيضاً قول بعضهم، وإنما قالوه استحالة أن يكون الولد بلا أب، أو لما كان يفعل من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وتقدم الرد عليهم، وسبب إدخال هذه الشبهة عليهم، في سورة المائدة. «٢» قال تعالى: ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ من غير دليل ولا برهان، بل قالوا به من عندهم يُضاهِؤُنَ أي: يشابهون في هذه المقالة قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ، يعني: قدماءهم، على معنى أن الكفر قديم فيهم. قال ابن جزي: فإن كان الضمير لليهود والنصارى، أي: المتقدمين، فالإشارة بقوله: (الذين كفروا من قبلُ) للمشركين من العرب، إذ قالوا: الملائكة بنات الله، وهم أول كافر، أو للصابئين، أو لأمم تقدمت، وإن كان الضمير للمعاصرين للنبى ﷺ من اليهود والنصارى، فالذين كفروا من قبل هم أسلافهم المتقدمون. هـ.

стр. 966

قاتَلَهُمُ اللَّهُ أي: أهلكهم ودمرهم لأن من قاتله الله هلك، فيكون دعاء، أو تعجباً من شناعة قولهم، أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل. اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ أي: علماءَهم وَرُهْبانَهُمْ عُبَّادَهم أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، وفي السجود لهم، وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ بأن جعلوه ابن الله، وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً وهو الله الواحد الحق، وأما طاعة الرسول- ﵊ وسائر من أمر بطاعته، فهو في الحقيقة طاعة لله، لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ تقرير للتوحيد، سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ تنزيهاً له عن أن يكون معه شريك. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا أي: يُخمدوا نُورَ اللَّهِ القرآن أو الإسلام بجملته، بِأَفْواهِهِمْ كقولهم فيه: سحر، وشعر، وغير ذلك، وفيه إشارة إلى ضعف حيلتهم فيما أرادوا، وَيَأْبَى اللَّهُ لا يرضى إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ بإعلاء التوحيد، وإظهار الإسلام، وإعزاز القرآن وأهله، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ذلك، فإن الله لا محالة يُتم نوره، ويظهر دينه. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ محمدا ﷺ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، الضمير في «يُظهره» : للدين الحق، أو للرسول ﷺ ، واللام في «الدين» : للجنس، أي: على سائر الأديان فينسخها، أو على أهلها فيخذلهم، وقد أنجز وعده، وأظهر دينه ورسوله على الأديان كلها، حتى عم المشارق والمغارب، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ذلك الإظهار، فيظهره الله رغما عن أنفهم. وقيل: يتحقق ذلك عند نزول عيسى ﵇، حتى لا يبقى دين إلا دين الإسلام، والله تعالى أعلم. الإشارة: من انطمس نور بصيرته نسب لله ما لا يليق بكمالاته، ومن لم تنهضه سوابق العناية وقف مع الوسائط، ولم ينفذ إلى شهود الموسوط، وقد عيَّر الله قوماً وقفوا مع الوسائط فقال: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، وقال، في شأن الواسطة العظمى غيرةً على القلوب أن تقف مع غيره: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ «١» ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ «٢» ، ودخل بعض العارفين على إنسان وهو يبكي، فقال: وما يبكيك؟ فقال له: مات أستاذي، فقال له ذلك العارف: ولم جعلت أستاذك من يموت؟. فالوسائط كالأنبياء والأولياء، إنما هم مُوَصِّلونَ إلى الله، دالون عليه، فمن وقف معهم ولم ينفذ إلى الله فقد اتخذه رباً عند الخواص.

стр. 967

وقال الورتجبي على هذه الآية: عيَّر الحق تعالى من بقي في رؤية المقتدَى به دون رؤية الحق، وإن كان وسيلة منه، فإن في إفراد القدم من الحدوث، النظر إلى الوسائط، وهو شرك، وتصديق ذلك تمام الآية وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً. غَيرهُ الوحدانية ما أبقت في البَيْن غيراً من الشواهد والآيات وجميع الخلق. قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ «١» . ولما رأى ﷺ غيره القدم على شأن استهلاك الغير زجر من مدحه وتجاوز في المدح فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح» . ثم قال الورتجبي: قال بعضهم في هذه الآية: سكنوا إلى أمثالهم، فطلبوا الحق من غير مظانه، وطُرق الحق واضحة لمن كحل بنور التوفيق، وبصر سبل التحقيق، ومن أعمي عن ذلك كان مردوداً عن طريق الحق إلى طرق الضالين من الخلق، وقد وقع أنهم معيرون وموبخون بقلة عرفانهم أهل الحقائق، وركونهم إلى أهل التقليد، وسقطوا عن منازل أهل التوحيد في التفريد، وهكذا شأن من اقتدى بالزّواقين من أهل السالوس المتزينين بزي المشايخ والعارفين المتحققين، وتخلفَ خلفَ الجامعين للدنيا، الذين يقولون: نحن أبناء المشايخ ونحن رؤساء الطريقة، يُضْحك اللهُ الدهرَ من جهلهم حيث علموا أن الولاية بالنسب، حاشا أن من لم يُذق طعمِ وِصال الله، وقلبُه معلق بغير الله، هو مَنْ أولياء الله. قال الجنيد: إذا أراد الله بالمريد خيراً هداه إلى صحبة الصوفية، ووقاه من صحبة القراء. ولو اشتغلوا بشأنهم وجمع دنياهم، ولم يتعرضوا لأولياء الله، ولم يقصدوا إسقاط جاههم، لكفيهم شقاوتهم، لا سيما ويطعنون على الصديقين العارفين. قال الله في شأنهم: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ، كيف تطفأ بتراب حسبانهم أنوارُ شموس الصفات، التي تبرز من جباه وجوههم، ولئالىء خدودهم، وأصلها ثابت في أفلاك الوحدانية وسموات القيومية، ويزيد نورهم على نور لأنه تعالى بلا نهاية ولا منتهى لصفاته. قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ) : إن الله سبحانه سن سنة أزلية: ألا يجد أحدٌ سبيله إلا من يقُيض له أستاذاً عارفاً بالله، وبسِّر دينه وربوبيته، فيدله إلى منهاج عبوديته، ومعارج روحه وقلبه، إلى مشاهدة ربوبيته، ويكون هو واسطة بينه وبين الله، وإن كان الفضل بيد الله، يُؤتيه من يشاء بغير علة ولا سبب، جعله واسطة للتأديب لا للتقريب، وصيره شفيعاً للجنايات، لا شريكاً في الهدايات، هداه نور القرآن، وبيّنه حقيقة البيان، مع إظهار البرهان. قيل: جعل الله الوسائط طريقاً لعباده إليه، وبعثهم أعلاماً على الطرق ونوراً يهتدى بهم، وعرفهم سبل الحق وحقيقة الدين، قال الله تعالى: (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ) . انتهى كلامه.

стр. 968

ثم ذكر مساوئ الأحبار والرهبان، تنفيرا من طاعتهم، وذما لمن اتخذهم أربابا، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٤ الى ٣٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) قلت: (يحمى عليها) : الجار والمجرور: نائب الفاعل، وأصله: يوم تحمى النار الشديدة الحمى عليها، فجعل الإحماء للنار مبالغةً، ثم حذفت النار، وأسند الفعل إلى الجار والمجرور تنبيهاً على المقصود، فانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ يأخذونها بالرشا في الأحكام، وسَمى أخذ المال أكلاً لأنه الغرض الأعظم منه، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: يعوقون الناس عن الدخول في دينه، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ أي: يدخرونها وَلا يُنْفِقُونَها أي: الأموال المفهومة من الذهب والفضة، أو الكنوز، أو الفضة، واكتفى بذكرها عن الذهب إذ الحُكم واحد، فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهو الكي بها، وهذا الحكم يحتمل أن يرجع لكثير من الأحبار والرهبان، فيكون مبالغة في وصفهم، بالحرص على المال وجمعه، وأن يراد به المسلمون الذين يجمعون الأموال، ويقتنونها ولا يؤدون حقها، ويكون اقترانه بأكلة الرشا من أهل الكتب للتغليظ. ويدل عليه: أنه لما نزلت على رسول الله ﷺ ، ذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ ، فقال: «إِنَّ الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيِّبَ بها ما بقي من أموالكم.» «١» وقوله- ﵊: «ما أدى زَكَاته فَلَيْسَ بِكَنْز» «٢» . وقال أبو ذر وجماعة من الزهاد: كل ما فضل عن حاجة الإنسان فهو كنز، وحمل الآية عليه.

стр. 969

ثم ذكر وعيدهم فقال: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها أي: على الأموال المكنوزة فِي نارِ جَهَنَّمَ أي: يوم توقد النار ذات الحمى الشديد عليها، حتى تكون صفيحة واحدة، فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، خصهم بالعذَاب، لأنهم كانوا يعرضون عن السائل، ويُولون ظهره، فيعرضون عنه بجباههم وجنوبهم. أو لأنها أشرف الأعضاء، لاشتمالها على الدِّماغ والقلب والكبد. أو لأنها أصول الجهات الأربع، التي هي مقادم الإنسان مؤخره وجنبتاه. يقال لهم: هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أي: لمنفعتها، وكان عينَ مضرتها وسببَ تعذيبها، فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ أي: وبال كنزكم، أو ما كنتم تكنزونه. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ صَاحِب ذهبٍ ولا فضْةٍ لا يُؤدِّي منها حقّها إلاّ إذا كان يومُ القيامة صُفحت له صفائح من نَار، فأحمى عليها فى نار جهنم، فيُكوى بها جبينُه وجنبه وظهرُه، كلما بردت أُعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد، فيرى سبيله: إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار» . رواه مسلم بطوله «١» . قال ابن عطية: رُوي أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: قد ذم الله تعالى كسب الذهب والفضة، فلو علمنا أي المال خير حتى نَكْسبه؟ فقال عمر: أنا أَسأل لكم رسول الله ﷺ ، فسأله، فقال: «لِسان ذاكر، وقلب شَاكر، وزَوْجَة تُعينُ المرء على دينهِ» «٢» . ورُوي أن النبي ﷺ قال، لما نزلت الآية: «تَبّاً للذَّهَبِ والفِضَّةِ» «٣» . فحينئذٍ أشفق أصحابه، وقالوا ما تقدم. هـ. ولابن حجر: من خير ما يتخذ الإنسانُ ... في دنياه كيما يستقيمَ دينُه. قلبٌ شكور، ولسانٌ ذاكر، ... وزوجةٌ صالحة تُعينُه. وهو نظم لهذا الحديث، وقد تكلم عليه فى الجامع وشرحِه. قاله المحشي. الإشارة: هذه الآية تغبُر في وجوه علماء السوء، الذين يتساهلون في أكل الدنيا بالعلم، كقبض الرشا، وقبض ما فوق أجرته في الأحكام، فترى بعض قضاة الجور يقبضون المثاقيل على إنزال يده على الحكم، مع أنه واجب عليه، حيث تعين عليه بنصب الإمام له، وتجر ذيلها على أغنياء الدنيا، الذين يجمعون الأموال ويكنزونها، فترى

стр. 970

أحدهم ينفق في نزهته وشهوة نفسه الأموال العريضة، وإذا أتاه فقير يسأله درهماً أو درهمين، تَمَعَّر «١» وجهه، وتغير لونه، فبشرهم بعذاب أليم. وبالله التوفيق. ولمّا ذكر وعيد من لم يزك كنزه، ذكر الحول التي تجب به الزكاة، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ٣٦] إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) قلت: (عند الله) : معمول لعدة لأنها مصدر، و (في كتاب الله) : صفة لاثني عشر، و (يوم) : متعلق بالثبوت المقدر في الخبر، أي: ثابتة في كتاب الله يوم خلق الأكوان والزمان، وقوله: (منها) : أي: الأشهر، ثم قال: (فيهن) . وضابط الضمير إن عاد على الجماعة المؤنثة، حقيقة أو مجازاً، إن كانت أكثر من عشرة، قلتَ: منها وفيها، وإن كانت أقل من عشرة، قلت: منهن وفيهن، قال تعالى: يَأْكُلُهُنَّ «٢» وقال هنا: (فيهن) . انظر الإتقان. و (كافة) : حال من الفاعل أو المفعول. يقول الحق ﷻ : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ في كل سنة عِنْدَ اللَّهِ في علم تقديره، اثْنا عَشَرَ شَهْراً: أولها المحرم، وآخرها ذو الحجة. وأول من جعل أولها المحرم: عمر بن الخطاب رضى الله عنه. وهذه العدة ثابتة فِي كِتابِ اللَّهِ اللوح المحفوظ، أو في حكمه، أو القرآن، يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، أي: هذا أمر ثابت في نفس الأمر منذ خلق الله الأجرام والأزمنة، مِنْها أي: الأشهر أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ واحد فرد، وهو رجب، وثلاثة سَرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي: تحريم الأشهر الحرم هو الدين القويم، دين إبراهيم وإسماعيل- ﵉ وتمسكت به العرب حتى غيَّره بعضهم بالنسيء، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بهتك حرمتها والقتال فيها، ثم نسخ بقوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً أي: في الأزمنة كلها كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً لأنهم، إن قاتلتموهم فيها قاتلوكم فهذا نسخ لتحريم القتال في الأشهر الحرم.

стр. 971

وقال عطاء: لا يحل للناس أن يغزوا في الأشهر الحرم، ولا في الحرم، إلا أن يبدأوا بالقتال، ويرده غزوه ﷺ حُنيناً والطائف في شوال وذي القعدة. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالنصر والمعونة، وفيه بشارة وضمان لهم بالنصر بسبب تقواهم. الإشارة: أهل الفهم عن الله: الأزمنةُ كلها عندهم حُرُم، والأمكنة كلها عندهم حَرامٌ، فهم يحترمون أوقاتهم، ويغتنمون ساعاتهم لئلا تضيع. قال الحسن البصري: أدركت أقواماً كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهيمكم، يقول: كما لا يخرج أحدكم ديناراً ولا درهماً إلا فيما يعود عليه نفعه، كذلك لا يحبون أن يخرجوا ساعة من أعمارهم إلا فيما يعود عليهم نفعة وقال الجنيد رضى الله عنه: الوقت إذا فات لا يُستدرك، وليس شيء أعز من الوقت. هـ. وكل جزء يحصل له من العمر غير خال من عمل صالح، يتوصل به إلى مُلْك كبير لا يفنى، ولا قيمة لما يوصل إلى ذلك لأنه في غاية الشرف والنفاسة، ولأجل هذا عظمت مراعاة السلف الصالح لأنفاسهم ولحظاتهم، وبادروا إلى اغتنام ساعاتهم وأوقاتهم، ولم يضيعوا أعمارهم في البطالة والتقصير، ولم يقنعوا من أنفسهم لمولاهم إلا بالجد والتشمير، وإلى هذا الإشارة بقوله: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) بتضييعها في غير ما يُقرب إلى الله. ثم أمر بجهاد القواطع، التي تترك العبد في مقام الشرك الخفي، وبَشَّرهُم بكونه معهم بالنصر والتأييد، والمعونة والتسديد. ثم عاب على المشركين ما أحدثوا من النسيء، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ٣٧] إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧) قلت: (النسيء) : التأخير، يقال بالهمزة وبقلبها ياء. يقول الحق ﷻ : إِنَّمَا النَّسِيءُ، وهو تأخير حرمة الشهر الحرام إلى شهر آخر، وذلك أن العرب كانوا أصحاب حروب وإغارات، وكانت محرمة عليهم في الأشهر الحرم، فيشق عليهم تركها، فيجعلونها في شهر حرام، ويحرمون شهراً آخر بدلاً منه، وربما أحلوا المحرم وحرموا صفر، حتى يُكملوا في العام أربعة أشهر محرمة، وإنما ذلك زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ لأنه تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، وهو كفر آخر ضموه إلى كفرهم، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا عن الحق، ضلالا زائدا على ضلالاً زائداً على ضلالهم، أو يضلهم الله بذلك، يُحِلُّونَهُ عاماً أي: يحلون الشهر الحرام عاما، ويحعلون مكانه آخر، وَيُحَرِّمُونَهُ عاما، فيتركونه على حرمته، فكانوا تارة ينسئون وتارة يتركون.

стр. 972

قيل: أول من أحدث ذلك: جُنادَهُ بن عوف الكناني كان يقوم على جمل في الموسم فينادي: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه، ثم ينادي من قابل: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه، فتتبعه العرب. ثم حرّموا شهراً آخر مكان المحرم لِيُواطِؤُا ليوافقوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، وهي الأربعة الحرم، فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ عليهم من القتال في الأشهر الحرم، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ أي: خذلهم وأضلهم، والمُزين حقيقة: الله، أو الشيطان حكمةً وأدباً. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إلى طريق الرشد، ما داموا على غيهم، حتى يسلكوا سبيل نبيه ﷺ . الإشارة: إنما تأخير التوبة واليقظة وترك السير إلى مقام التصفية والترقية، زيادة في البعد والقسوة، يضل به الذين هجروا طريق التربية والتصفية، عن مقام أهل الإحسان والمعرفة، فتارةً يُحلون المقام مع النفس الأمارة، ويقولون: قد انقطعت التربية، وعُدِمَ الطبيبُ الذي يداويها ويخرجها عن وصفها، وتارة يُحرمون المقام معها والاشتغال بحظوظها وهواها، ويقولون: البركة لا تنقطع، والمدد لا ينعدم، ليوافقوا بين الأمر بمجاهدتها في قوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا، وبين من قال: قد انقطعت التربية، زُيِّنَ لهم سوء أعمالهم، والله لا يهدي القوم الكافرين إلى السير والوصول إلى ربهم. ثم عاتبهم على التأخر عن الجهاد فى غزوة تبوك، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٨ الى ٣٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) قلت: (اثاقلتم) : أصله: تثاقلتم، أدغمت التاء في الثاء، وجلبت الهمزة للساكن، وقرىء على الأصل، وضمن معنى الإخلاد، فَعُدِّيَ بإلى. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ للجهاد مع رسول الله ﷺ ، اثَّاقَلْتُمْ أي: تباطأتم وأخلدتم إِلَى الْأَرْضِ كسلاً وفشلاً، وكان ذلك في غزوة تبوك، أُمروا بها بعد رجوعهم من الطائف، في وقت عسر، وحَر، وبُعد الشقة، وكثرة العدو، فشق عليهم ذلك،

стр. 973

أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا وكدرها، مِنَ الْآخِرَةِ، بدل الآخرة ونعيمها، فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: التمتع بها في جانب الآخرة، إِلَّا قَلِيلٌ مستحقر، لسرعة فنائه ومزجه بالكدر. إِلَّا تَنْفِرُوا مع رسوله إلى ما استنفرتم إليه، يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً في الدنيا والآخرة في الدنيا: بالإهلاك بأمر فظيع، كقحط وظهور عدو، وغير ذلك من المهلكات، وفي الآخرة: بعذاب النار. وَيَسْتَبْدِلْ مكانكم قَوْماً غَيْرَكُمْ في الدنيا، يكونون مطيعين لله ورسوله، كأهل اليمن وأمثالهم، وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً إذ لا يقدح تثاقلكم في نصر دينه شيئاً، فإنه الغني عن كل شيء، في كل وقت. وقيل: الضمير للرسول ﷺ فإن الله وعده بالعصمة والنصرة، ووعده حق، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يعجزه شيء، فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا مدد، كما فعل معه في الغار والهجرة، على ما ياتي. الإشارة: ما لكم إذا قيل لكم: انفروا إلى من يُعرفكم بالله، ويعلمكم كيف تجاهدون نفوسكم في طلب مرضاة الله، اثاقلتم وأخلدتم إلى أرض الحظوظ والشهوات، أرضيتم بالحياة الدنيا الدنية، بدل الحياة الأبدية، في الحضرة القدسية؟ أرضيتم بحياة الأشباح بدل حياة الأرواح؟ فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا الفانية في جانب الحياة الأبدية في الحضرة العلية، إلا نزر قليل حقير ذليل، إلا تنفروا لجهاد نفوسكم، يُعذِّبكم عذاباً أليماً، بغم الحجاب، وشدة التعب والنصب، وتوارد الخواطر والهموم، وترادُف الأكدار والغموم، ويستبدل قوماً غيركم يكونون عارفين بالله، مَرْضيين عند الله، راضين عن الله، واللهُ على كل شيءٍ قدير. ثم ذكر نصرته لرسوله بلا سبب، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ٤٠] إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) قلت: «إن» : شرط، وجوابه محذوف، دلّ عليه قوله: فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ أي: إن لم تنصروه فسينصره الله، الذي نصره حين أخرجه الذين كفروا، حال كونه ثاني اثنين، فدل بنصره في الماضي على نصره في المستقبل، وإسناد الإخراج إلى الكفرة لأن همهم بإخراجه أو قتله كان سبباً لإذن الله له في الخروج، و (إذ هُما) : بدل من (أخرجه) بدل البعض، و (إذ يقول) : بدل ثان، و (كلمة الله) : مبتدأ، و (العليا) : خبر. وقرأ يعقوب: بالنصب عطفاً على كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا، والأول: أحسن للإشعار بأن كلمة الله عالية في نفسها، فاقت غيرها أم لا.

стр. 974

يقول الحق ﷻ : إِلَّا تَنْصُرُوهُ تنصروا محمداً، وتثاقلتم عن الجهاد معه، فسينصره الله، كما نصره حين أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا من مكة، حال كونه ثانِيَ اثْنَيْنِ أي: لم يكن معه إلا رجل واحد، وهو الصدِّيق، إِذْ هُما فِي الْغارِ نقب في أعلى غار ثور، وثور جبل عن يمين مكة، على مسيرة ساعة. إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: أبي بكر رضى الله عنه: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا بالعصمة والنصرة. رُوي أن المشركين طلعوا فوق الغار يطلبون رسول الله ﷺ ، حين فقدوه من مكة، فأشفق أبو بكر على رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: «ما ظَنُّكَ باثنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهِما» «١» فأعماهم الله عن الغار، فجعلوا يترددون حوله فلم يروه. وقيل: لما دخل الغار بعث الله حمامتين، فباضتا في أسفله، والعنكبوت نسجت عليه. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ أي: أًمْنَه الذي تسكن إليه القلوب، عَلَيْهِ أي: على رسوله ﷺ ، أو على صاحبه، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، يعني الملائكة، أنزلهم ليحرسوه في الغار، أو يوم بدر وأحد وغيرهما، فتكون على هذا: الجملة معطوفة على: (فقد نصره الله) . وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهي الشرك، أو دعوى الكفر، السُّفْلى. وَكَلِمَةُ اللَّهِ التي هي التوحيد، أو دعوة الإسلام، هِيَ الْعُلْيا حيث خلص رسوله ﷺ من بين الكفار، ونقله إلى المدينة، ولم يزل ينصره حتى ظهر التوحيد وبطل الكفر، وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره، حَكِيمٌ في أمره وتدبيره. الإشارة: ما قيل في حق الرسول ﷺ يقال في حق ورثته، الداعين إلى الله بعده من العارفين بالله، فيقال لمن تخلف عن صُحبَة ولي عصره وشيخ تربية زمانه: إلا تنصروه فقد نصره الله وأعزه، وأغناه عن غيره، فمن صحبه فإنما ينفع نفسه، فقد نصره الله حين أنكره أهله وأبناء جنسه، كما هي سُنَّة الله في أوليائه، لأن الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، فمن دخل مع الخصوص قطعاً أنكرته العموم، فنخرجه ثاني اثنين هو وقلبه، فيأوي إلى كهف الأنس بالله، والوحشة مما سواه، فيقول لقلبه: لا تحزن إن الله معنا، فينزل الله عليه سكينة الطمأنينة والتأييد، وينصره باجناد أنوار التوحيد والتفريد، فيجعل كلمة أهل الإنكار السفلى، وكلمة الداعين إلى الله هي العليا، والله عزيز حكيم.

стр. 975

ثم نهضهم إلى الجهاد، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٤١ الى ٤٢] انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) قلت: (يُهلكون) : حال من فاعل (يحلفون) ، أو بدل منه. قال في القاموس: (الشقة) - بالضم والكسر: البُعد والناحية يقصدها المسافر، والسفر البعيد والمشقة. هـ. يقول الحق ﷻ : انْفِرُوا للجهاد مع الرسول ﷺ ، حال كونكم خِفافاً نشاطاً، وَثِقالًا كسالى لمشقته، أو (خفافا) لمن قَلَّ عياله، (وثقالاً) لمن كثر عياله، أو خفافاً لمن كان فقيراً، وثقالاً لمن كان غنياً، أو خفافاً ركباناً، وثقالاً مشاة، أو خفافاً بلا سلاح، وثقالاً بالسلاح، أو خفافاً شباباً، وثقالاً شيوخاً، أو خفافاً أصحاء، وثقالاً مرضى. ولذللك قال ابنُ أمِّ مكتوم لرسول الله ﷺ : أَعَليَّ الغزو يا رسول الله؟ قال: «نعم» ، حتى نزل: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ «١» . وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: بما أمكن إمّا بهما أو بأحدهما، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ تركه، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما في ذلك من الأجر العظيم والخير الجسيم، أي: لو علمتم ذلك ما قعدتم خلف سرية. ثم عاتب من أراد التخلف، فقال: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً من الدنيا، وَسَفَراً قاصِداً متوسطاً أو قريباً، لَاتَّبَعُوكَ أي: لو كان ما دعوا إليه أمراً دنيوياً، كغنيمة كبيرة، أو سفراً متوسطاً، لا تبعوك ولوافقوك على الخروج، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ أي: المسافة التي تقطع بمشقة، وذلك أن الغزوة- أي: تبوك- كانت إلى أرض بعيدة، وكانت في شدة الحر، وطيب الثمار، فشقت عليهم. وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ أي: المتخلفون إذا رجعت من تبوك، معتذرين، يقولون: لَوِ اسْتَطَعْنا الخروج لَخَرَجْنا مَعَكُمْ، لكن لم تكن لنا استطاعة من جهة العُدة والبدن وهذا إخبار بالغيب قبل وقوعه. يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بوقوعها في العذاب، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في ذلك لأنهم كانوا مستطيعين الخروج، وإنما قعدوا كسلاً وجُبْناً، والله تعالى أعلم.

стр. 976

الإشارة: انفروا إلى جهاد أنفسكم وقطع علائقكم وعوائقكم، لكي تستأهلوا لدخول حضرة ربكم، وسافروا إلى من يعينكم ويقوي مدد أجناد أنواركم، وهم المشايخ العارفون، فسيروا إليهم خفافاً وثقالاً، نشّاطا وكُسَّالاً، والغالب أن النفس يشق عليها ما يكون سبباً في قتلها، فلا ينفر إليها خفافاً أول مرة إلا النادر. ثم أمر ببذل الأموال والمُهج في طريق الوصول إلى حضرة الله، وعاتب من تخلف عن ذلك وطلب الراحة والبقاء في وطن نفسه. قال القشيري: أمرهم بالقيام بحقه، والبدار إلى أداء أمره على جميع أحوالهم، خِفافاً أي: في حال حضور قلوبكم، فلا يمسُّكم نَصَبُ المجاهدات، وَثِقالًا أي: إذا رُدِدتُم إليكم في مقاساة نصب المكابدات. فإن البيعةَ أُخِذَتْ عليكم في المنشط والمكره. هـ. ومثله عند الورتجبي عن أبي عثمان قال: خفافاً وثقالاً في وقت النشاط والكراهية، فإن البيعة على هذا وقعت، كما روى عن جرير بن عبد الله أنه قال: بايعنا رسول الله على المنشط والمكره. هـ. ثم عاتب رسوله ﷺ لشدة قربه، وعظيم منزلته، وتلطّف له على إذنه للمنافقين فى التخلف، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٤٣ الى ٤٥] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) يقول الحق ﷻ ، لنبيه- ﵊ ملاطفاً له في الكلام: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ، لِمَ بادرت إلى الإذن إلى المنافقين في التخلف، واستكفيت بالإذن العام في قولنا: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ «١» ، فإن الخواص من المقربين لا يكتفون بالإذن العام، بل يتوقفون إلى الإذن الخاص. ولذلك عُوتِبَ يونس ﵇. والمعنى: لأي شيء أذنت لهم في القعود حين استأذنوك واعتذروا لك بأكاذيب؟ وهلا توقفت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في الاعتذار، وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ فيه. قال ابن عطية: قوله: الَّذِينَ صَدَقُوا يريد: في استئذانك، وأَنك لو لم تأذن لهم لخرجوا معك، وقوله: وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ يريد: أنهم استأذنوك يظهرون لك أنهم يقفون عند حدِّك، وهم كَذَبة، قد عزموا على

стр. 977

العصيان، أذِنتَ أو لم تأذن. هـ. قال ابن جزي: كانوا قد قالوا: استأذنوه في القعود، فإن إذن لنا قعدنا، وإن لم يأذن قعدنا، وإنما كان يظهر الصادق من الكاذب لو لم يأذن لهم، فحيئنذ كان يقعد العاصي والمنافق، ويسافر المطيع الصادق. هـ. لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي: ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، بل الخُلَّص منهم يُبادرون إليه، ولا يوقفُونه على الإذن فيه، فضلاً عن أن يستأذنوا في التخلف عنه، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ فيثيبهم ويقربهم، وهي شهادة لهم بالتقوى وَعِدَةً لهم بثوابه. إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ في التخلف الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وخصص ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر إشعاراً بأن الباعث على الجهاد والوازع عنه: الإيمان وعدم الإيمان بهما، وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ أي: شكَّت في الإيمان والبعث، فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ: يتحيرون. ونزلت الآية في عبد الله بن أبي والجَدُّ بن قيْس، وأمثالهما من المنافقين. الإشارة: لا ينبغي للعارفين بالله الداعين إلى الله، إن يأذنوا لمن استأذنهم في التخلف عن الجهاد الأكبر، ويرخصون له في البقاء مع النفس والهوى، وجمع حطام الدنيا، شفقةُ ورحمةً لأن الشفقة في هذا المعنى لا تليق بأهل التربية، فقد قالوا: الشفقة والرطوبة لا تليق بشيوخ التربية، بل لا يليق بهم إلا الأمر بما تموت به النفوس، وتحيا به الأرواح، وإن كان فيه حتفُهم. وقد قالوا أيضاً: إذا كان الشيخ يحرش على المريد «١» ، ويقدمه للمهالك في نفسه أو ماله أو جاهه، فهو دليل على أنه يحبه وينصحه، وإذا كان يرخص له فى أمور نفسه، ويأمره بالمقام معها، فهو غير ناصح له. وأما الإذن في التجريد وعدمه: فإن رآه أهلاً له لنفوذ عزمه، فيجب عليه أن يأمره به، وإن رآه لا يليق به لعوارض قامت به، منعه منه، حتى ينظر ما يفعل الله به، وسأل رجلٌ القطبَ ابنَ مشيش، فقال له: يا سيدي استأذنك في مجاهدة نفسي؟ فقال له: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ. إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.

стр. 978

ثم ذكر سبب تخلفهم، وهو عدم الإرادة، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٤٦ الى ٤٨] وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) قلت: (ما زادوكم إلا خبالاً) قال بعضهم: هو استثناء منقطع، أي: مازادوكم شيئاً، لكن خبالاً يُحدِثُونه في عسكركم بخروجهم. قال ذلك لئلا يلزم أن الخبال واقع في عسكر المسلمين، لكن خروجهم يزيد فيه. وفيه نظر لأن الاستثناء المفرغ لا يكون منقطعاً، ويمكن هنا أن يكون متصلاً لأن غزوة تبوك خرج فيها كثير من المنافقين، قحصل الخبال، فلو خرج هؤلاء المستأذنون في التخلف، القاعدون، لزاد الخبالُ بهم. وقوله: (ولأوضعوا) أي: أسرعوا، والإيضاع: الإسراع، و (خلالكم) : ظرف، أي: لأسرعوا بينكم بالمشي بالنميمة، وجملة: (يبغونكم) : حال من فاعل «أوضعوا» . يقول الحق ﷻ : وَلَوْ أَرادُوا أراد المنافقون الْخُرُوجَ إلى الغزو معكم، وكانت لهم نية في ذلك لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً أي: لاستعدوا له أهبتَهُ قبل أوانه. فما فعلوا، وَلكِنْ تثبطوا لأنه تعالى كره انْبِعاثَهُمْ، أي: نهوضهم للخروج، فَثَبَّطَهُمْ أي: حبسهم وكسر عزمهم، كسلاً وجبناً، وَقِيلَ لهم: اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ من النساء والصبيان وذوي الأعذار، وهو ذم لهم وتوبيخ. والقائل في الحقيقة هو الله تعالى، وهو عبارة عن قضائه عليهم بالقعود، وبناه للمجهول تعليماً للأدب. قال البيضاوي: هو تمثيل لإلقاء الله كراهة الخروج في قلوبهم، أو وسوسة الشيطان بالأمر بالقعود، أو حكاية قول بعضهم لبعض، أو إذن الرسول لهم. هـ. لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مازادكم خروجهم شيئاً إِلَّا خَبالًا فساداً وشراً. والاستثناء من أعم الأحوال، فلا يلزم أن يكون الخبال موجوداً، وزاد بخروجهم، أو إذا وقع خبال بحضور بعضهم معكم مازادكم هؤلاء القاعدون بخروجهم إلا خبالاً زائداً على ما وقع. وَلَأَوْضَعُوا أي: لأسرعوا خِلالَكُمْ أي: فيما بينكم، فيسرعون في المشي بالنميمة والتخليط والهزيمة والتخذيل، يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ أي: حال كونهم طالبين لكم الفتنة، بإيقاع

стр. 979

الخلل بينكم، حتى تختلف قلوبكم ورأيُكم، فيذهب ريح نصركم، وَفِيكُمْ قوم سَمَّاعُونَ لَهُمْ فيقبلون قولهم، إما بحسن الظن بهم، أو لنفاق بهم، فيقع الخلل بسبب قبول قولهم، أو فيكم سماعون لأخباركم فينقلونه إلى غيركم، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ فيعلم ضمائرهم، وما ينشأ عنهم، وسيجازيهم على فعلهم. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ أي: تشتيت أمرك وتفْريق أصحابك مِنْ قَبْلُ أي: من قبل هذا الوقت، كرجوعهم عنك يوم أُحد، ليوقعوا الفشل في الناس، وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أي: دبروها من كل وجه، فدبروا الحيل، ودوروا الآراء في إبطال امرك، فأبطل الله سعيهم، حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ أي: علا دينه، وَهُمْ كارِهُونَ أي: على رغم أنفهم، والآيتان تسلية للرسول ﷺ والمؤمنين على تخلفهم، وبيان ما ثبطهم الله لأجله وكره انبعاثهم له، وهتك أستارهم، وكشف أسرارهم، وإزاحة اعتذارهم. انظر البيضاوي. الإشارة: الناس على ثلاثة أقسام: قسم أقامهم الحق تعالى لخدمة أنفسهم وحظوظهم عدلاً. وقسم أقامهم الحق تعالى لخدمة معبودهم فضلاً. وقسم اختصهم بالتوجه إلى محبوبهم رحمة وفضلاً. فالأوّلون: أثقلهم بكثرة الشواغل والعلائق، ولو أرادوا الخروج منها لأعدوا له عدة بالتخفيف والزهد، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم، وقيل: اقعدوا مع القاعدين، أقامهم لإصلاح عالم الحكمة، وأما أهل الخدمة: فرآهم لم يصلحوا لصريح معرفته، فشغلهم بخدمته، ولو أرادوا الخروج من سجن الخدمة إلى فضاء المعرفة لأعدوا له عدة بصحبة أهل المعرفة الكاملة. وأما أهل التوجه إلى محبته وصريح معرفته فلم يشغلهم بشيء، ولم يتركهم مع شيء، بل اختصهم بمحبته، وقام لهم بوجود قسمته، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ «١» . وكل قسم لو دخل مع من فوقه على ما هو عليه، لأفسده، وما زاده إلا خبالاً وشراً. والله تعالى أعلم. ولما دعا النبي ﷺ الناس إلى غزوة تبوك، قال له الجدّ بن قيس- من كبار المنافقين-: ائذن لي في القعود، ولا تفتنى برؤية بنات بنى الأصفر، فإنى لا أصبر على النساء، فأنزل الله فى شأنه «٢» : [سورة التوبة (٩) : الآيات ٤٩ الى ٥٠] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)

стр. 980

يقول الحق ﷻ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي في القعود، وَلا تَفْتِنِّي ولا توقعني في الفتنة، أي: في العصيان والمخالفة، بأن تأذن لي، وفيه إشعار بأنه لا محالة متخلف، أََذِنَ أو لم يأذن، أو في الفتنة بسبب ضياع المال والعيال إذ لا كافل لهم بعدي، أو في الفتنة بنساء الروم، كما قال الجَدُّ بنُ قَيْس: قد علمت الأنصار أني مُولع بالنساء، فلا تفتني ببنات بني الأصفر، ولكني أُعينك بمال، واتركني. قال تعالى: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي: إن الفتنة هى التي سقطوا فيها، وهي فتنة الكفر والنفاق، لا ما احترزوا عنه، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ، أي: دائرة بهم يوم القيامة، أو الآن لأن إحاطة أسبابها بهم كوجودها، ومن أعظم أسبابها: بغضك وانتظارهم الدوائر بك. إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ كنصر أو غنيمة فى بعض غزواتك، تَسُؤْهُمْ لفرط حسدهم وبغضهم، وَإِنْ تُصِبْكَ في بعضها مُصِيبَةٌ ككسر أو شدةٍ كيوم أحد، يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ أي: يتبجحوا بتخلفهم أو انصرافهم، واستحمدوا رأيهم في ذلك، وَيَتَوَلَّوْا عن متحدِّثِهم ومجْمعهم، أو عن رسول الله ﷺ ، وَهُمْ فَرِحُونَ مسرورون بما صنعوا من التخلف عن الجهاد. الإشارة: ومن ضعفاء اليقين من يستأذن المشايخ في البقاء مع الأسباب وفتنة الأموال، ويقول: لا تفتني بالأمر بالتجريد، فإني لا أقدر عليه، ويرضى بالسقوط في فتنة الأسباب والشواغل، فإن ضم إلى ذلك الإنكار على أهل التجريد، بحيث إذا رأى منهم نكبة أو كسرة من أجل التجريد، والخروج عن عوائد الناس وما هم عليه، فرح، وإذا رأى منهم نصراً وعزاً انقبض، ففيه خصلة من النفاق، والعياذ بالله. ثم رد عليهم، بقوله: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٥١ الى ٥٣] قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣)

стр. 981

يقول الحق ﷻ : قُلْ لهم يا محمد: لَنْ يُصِيبَنا من حسنة أو مصيبة، إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا في اللوح المحفوظ، لا يتغير بموافقتكم ولا بمخالفتكم، هُوَ مَوْلانا متولي أمرنا وناصرنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي: وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم رضاَ بتدبيره لأن مقتضى الإيمان ألا يتوكل إلا على الله إذ لا فاعل سواه، قُلْ لهم: هَلْ تَرَبَّصُونَ أي: تنتظرون بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ أي: إلا إحدى العاقبتين اللتين كل منهما حسنى: إما النصر وإما الشهادة، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أيضاً إحدى العاقبتين السُوأتين: إما أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ بقارعة من السماء، أَوْ بِأَيْدِينا أي: أو بعذاب بأيدينا، وهو القتل على الكفر، فَتَرَبَّصُوا ما هو عاقبتنا، إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقبتكم. الإشارة: ثلاثة أمور توجب للعبد الراحة من التعب، والسكون إلى رب الأرباب، وتذهب عنه حرارة التدبير والاختيار، وظلمة الأكدار والأغيار: أحدها: تحقيق العلم بسبقية القضاء والقدر، حتى يتحقق بأن ما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه. قال تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ «١» ، وليتأمل قول الشاعر: ما لا يقدر لا يكون بحيلة ... أبدا، وما هو كائن سيكون سيكون ما هو كائن في وقته ... وأخو الجهالة متعب محزون وقد ورد عن سيدنا علي- كرّم الله وجهه- أنه قال: سبع آيات: من قرأها أو حملها معه لو انطبقت السماء على الأرض لجعل الله له فرجا ومخرجا من أمره، فذكر هذه الآية: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا، وآية في سورة يونس: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ... الآية «٢» ، وآيتان في سورة هود: وَما مِنْ دَابَّةٍ..، الآية «٣» ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ... الآية «٤» ، وقوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «٥» ، مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٦» ووَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ... في الزمر إلى قوله: عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ «٧» ، ونظمها بعضهم فقال:

стр. 982

عليك بقل، وإن، وما، إني، في هود ... وكأين، مَا يفتحْ، ولئن مكملا وإنما أشار رضى الله عنه إلى معنى الآيات لا إلى لفظها لأنها كلها تدل على النظر لسابق القدر، والتوكل على الواحد القهار. الأمر الثاني: تحقق العبد برأفته- تعالى- ورحمته، وأنه لا يفعل به إلا ما هو في غاية الكمال في حقه، إن كان جمالاً فيقتضي منه الشكر، وإن كان جلالاً فيقتضي منه الصبر، وفيه غاية التقريب والتطهير وطي المسافة بينك وبين الحبيب. وفي الحكم: «خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجودَ فاقتك، وتُرَدُ فيه إلى وجود ذلتك، إن أردت بسط المواهب عليك فصحح الفقر والفاقة لديك، الفاقة أعياد المريدين» . إلى غير ذلك من كلامه في هذا المعنى. الأمر الثالث: تحققه بخالص التوحيد فإذا علم أن الفاعل هو الله ولا فاعل سواه رضي بفعل حبيبه، كيفما كان، كما قال ابن الفارض رضى الله عنه: أحباي أَنتُم، أَحْسَنَ الدَّهرُ أم أَسا ... فَكُونُوا كما شِئتُمُ أنا ذلك الخل وكما قال صاحب العينية: تلدّ لِيَ الآلامُ إذْ كُنْتَ مُسقِمي ... وَإن تَخْتَبِرني فَهْي عِنْدي صَنَائِعُ تَحَكَّم بِمَا تَهْواهُ فِيّّ فإنَّني ... فَقيرٌ لسُلطان المَحَبَّةِ طَائِعُ فهذه الأمور الثلاثة، إذا تفكر فيها العبد دام حبوره وسروره، وسهلت عليه شئونه وأموره. وقوله تعالى: (قل هل تربصون بنا ... ) الآية، مثله يقول أهل النسبة لأهل الإنكار: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنين، إما حسن الخدام بالموت على غاية الإسلام، يموت المرء على ما عاش عليه، وإما الظفر بمعرفة الملك العلام على غاية الكمال والتمام، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعقوبة من عنده بسبب إذايتكم، أو بدعوة من عندنا إذا أَذِنَ لنا. وبالله التوفيق. ثم «١» ذكر سبب إبطال عملهم وصدقاتهم، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ٥٤] وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤)

стр. 983

قلت: (أن تُقبل) : بدل من ضمير (منعهم) ، أو على حذف الجار، و (إلا أنهم كفروا) : فاعل، أي: وما منع قبول نفقاتهم، أو من قبول نفقاتهم، إلا كفرهم بالله وبرسوله، ويحتمل أن يكون الفاعل ضميراً يعود على الله تعالى و (إنهم) مفعول من أجله. يقول الحق ﷻ : وَما مَنَعَهُمْ وما منع المنافقين من قبول نفقاتهم وأعمالهم إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ إلا كُفرهم بالله وبرسوله، أو: ما منعهم الله من قبول نفقاتهم إلا لأجل كفرهم بالله وبرسوله، وكونهم لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى متثاقلين، وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ أي: لا يُعطون المال إلا في حال كراهيتهم للإعطاء لأنهم لا يرجون ثواباً ولا يخافون بتركها عقاباً، فهم يعطون ذلك رياء ونفاقاً. الإشارة: لا يتقبل الله إلا عمل المخلصين، إما إخلاص العوام لقصد الثواب وخوف العقاب، أو إخلاص الخواص لإظهار العبودية وإجلال الربوبية، وعلامة الإخلاص: وجود النشاط والخفة حال المباشرة للعمل، أو قبلها، والغيبة عنه بعد الوقوع، والله تعالى أعلم. ثم نهى عن الاغترار بحال المنافقين، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ٥٥] فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) يقول الحق ﷻ : فَلا تُعْجِبْكَ، أيها الناظر إلى المنافقين، كثرةُ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ فإن ذلك استدراج ووبال لهم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بسبب ما يكابدون في جمعها وحفظها من المتاعب، وما يرون فيها من الأمراض والمصائب، أو ما ألزموا به من أداء زكاتها، مع كونهم لا يرجون خَلَفها وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ فلا يستوفون التمتع بها في الدنيا لقصر مدتها، ولا يجدون ثواب ما أعطوا منها لعدم إيمانهم. وأصل الزهوق: الخروج بصعوبة، لصعوبة خروج أرواحهم، والعياذ بالله. الإشارة: ينبغي لمريد الآخرة ألا يستحسن شيئاً من الدنيا، التي هي مدْرجة الاغترار، بل ينبغي له أن ينظر إليها وإلى أهلها بعين الغض والاحتقار، حتى ترتفع همته إلى دار القرار، وينبغي لمريد الحق- تعالى- ألا يحقر

стр. 984

شيئاً من مصنوعاته، ولا يصغر شيئاً من تجلياته، إذ ما في الوجود إلاّ تجليات العلي الكبير، إما من مظاهر اسمه الحكيم، أو اسمه القدير، فيعطي الحكمة حقها والقدرة حقها، ويتلون مع كل واحدة بلونها، وبالله التوفيق. ثم ذكر وصف نفاق المنافقين، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٦ الى ٥٧] وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) قلت: الفَرَقُ: الخوف، و (مُدَّخلاً) : أصله: متدخلاً، مفتعل من الدخول، قلبت التاء دالاً وأدغمت. يقول الحق ﷻ : وَيَحْلِفُونَ لكم بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ أي: من جملة المسلمين، وَما هُمْ مِنْكُمْ لكفر قلوبهم، وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ: يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين، فيظهرون الإسلام تقية وخوفاً لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أي: حصناً يلتجئون إليه، أَوْ مَغاراتٍ غيراناً، أَوْ مُدَّخَلًا ثقباً أو جحراً يَنجَحِرُون فيه. وقرأ يعقوب: «مُدخِلاً» بضم الميم وسكون الدال، أي: دخولاً، أو مكاناً يدخلون فيه، لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ أي: يُسرعون إسراعاً لا يردهم شيء كالفرس الجموح. الإشارة: قد يتطفل على القوم من ليس منهم، فيظهر الوفاق ويبطن النفاق، كحال أهل النفاق، فينبغي أن يستر ويُحلُم عليه، كما فعل ﵊ بالمنافقين، تلطف معهم في حياتهم، والله يتولى سرائرهم، وبالله التوفيق. ثم شرع يتكلم فى مساوئ المنافقين، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٨ الى ٥٩] وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩) قلت: (لو) : شرطية، و (أنهم) : قال سيبويه: مبتدأ، والخبر محذوف: ولو رضاهم ثابت أو موجود.. الخ. وقال غيره: فاعل بفعل محذوف ولو ثبت رضاهم، وجواب (لو) : محذوف، أي: ولو أنهم رضوا لكان خيراً لهم.

стр. 985

يقول الحق ﷻ : وَمِنْهُمْ ومن المنافقين مَنْ يَلْمِزُكَ أي: يعيبك، ويعترض عليك فِي قسم الصَّدَقاتِ، فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وفرحوا، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها شيئاً إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ. والآية نزلت في ابن أُبيّ رأس المنافقين، قال: ألا تَرونَ إلى صاحِبِكُم إِنَّما يقْسِمُ صَدقَاتكُمْ في رُعَاةِ الغَنَم، ويَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْدل. وقيل: في ذي الخُوَيْصِرةِ رأس الخَوَارِجِ، كان رسول الله ﷺ يقسم غنائم حنين، فاستعطف قلوب أهل مكة، فآثرهم بالعطاء، فقال: اعْدِلَ يا رَسُول الله، فقال: «ويلَكَ، إنْ لَمْ أَعْدِلْ فمنْ يَعْدِل؟» «١» . قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أي: بما أعطاهم الرسول من الغنيمة، وذَكَرَ الله للتعظيم وللتنبيه على أن ما فعله الرسول- ﵊ كان بأمر الله ووحيه، فكأنه فعله هو. وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي: كفانا فضلُه، سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ صدقة أو غنيمة أخرى، فيؤتينا أكثر مما أتانا، إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ في أن يُغنينا من فضله وجوده. فلو فعلوا هذا لكان خيراً لهم من اعتراضهم عليك، الموجب لهم المقت والعذاب. الإشارة: لا يكون المؤمن كاملاً حتى يستوي عنده المنع والعطا، والفقد والوجد، والفقر والغنى، والعز والذل. وأمَّا إن كان في حالة العطاء والوجد يفرح، وفي حالة المنع والفقد يسخط، فلا فرق بينه وبين أهل النفاق، إلا من حيث التوسم بالإيمان، ولو أنه رضي بما قسم الله له، واكتفى بعلمه، ورغب الله في زيادته من فضله، لكان خيراً له وأسلم. والله تعالى أعلم وأحكم. ثم بيّن مصرف الصدقات الواجبة قطعا لأطماع من لا يستحقها، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ٦٠] إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) يقول الحق ﷻ : إِنَّمَا تدفع الصَّدَقاتُ الواجبة- أي: الزكاة- لهؤلاء الثمانية، وهذا يُرَجَّحُ أن لَمْزهم كان في قسم الزكاة لا في الغنائم، واختصاص دفع الزكاة بهؤلاء الثمانية مجمع عليه، واختلف: هل يجب تعميمهم؟ فقال مالك: ذلك إلى الإمام، إن شاء عمم وإن شاء خصص، وإن لم يلها الإمام فصاحب المال
следующие страницы →