← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ حيلولة الحق تعالى بين المرء وقلبه هو تغطيته وحجبه عن شهود أسرار ذاته وأنوار صفاته، بالوقوف مع الحس، وشهود الفرق بلا جمع، ويعبر عنه أهل الفن بفَقْد القلب، فإذا قال أحدهم: فقدتُ قلبي، فمعناه: أنه رجع لشهود حسه ووجود نفسه، ووجدان القلب هو احتضاره بشهود معاني أسرار الذات وأنوار الصفات، فيغيب عن نفسه وحسه، وعن سائر الأكوان الحسية، وفقدان القلب يكون بسبب سوء الأدب، وقد يكون بلا سبب اختباراً من الحق تعالى، هل يفزع إليه فى فقده أو يبقى مع حاله. وقد تكلم الغزالي على القلب فقال، في أول شرح عجائب القلب من الإحياء: إن المطيع بالحقيقة لله هو القلب، وهو العالم بالله، والعامل لله، وهو الساعي إلى الله، والمتقرب إليه، المكاشف بما عند الله ولديه، وإنما الجوارح أتباع، والقلب هو المقبول عند الله، إذا سَلِمَ من غير الله، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقاً في غير الله، وهو المطالب والمخاطب، وهو المعاتب والمعاقب، وهو الذي يسعد بالقرب من الله، فيفلح إذا زكاه، ويخيب ويشقى إذا دنسه ودساه. ثم قال: وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه، وإذا جهله فقد جهل نفسه، وإذا جهل نفسه، جهل ربه، ومن جهل قلبه فهو لغيره أجهل، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وقد حيل بينهم وبين أنفسهم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته بأن يمنعه عن مشاهدته ومراقبته، ومعرفة صفاته، وكيفية تقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، إلى أعلى عليين، ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين، ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه، ويترصد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه، فهو ممن قال الله تعالى فيهم: نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ «١» الآية. هـ. وقد أنشد من وجد قلبه، وعرف ربه، وغنى بما وجد، فقال: أَنَا القُرآنُ والسَّبْعُ المَثَانِي ... وروحُ الرُّوح لا روح الأَوَاني فؤادي عند معلوم مقيم ... تناجيه وعندكم لسانى فلا تنظر بِطَرْفِكَ نَحْوَ جِسْمِي ... وعُدْ عن التنعم بالأوانى فأَسْرارِي تراءت مبهمات ... مُسَتَّرَةً بأَنْوار المَعَاني فَمَنْ فَهِمَ الإشَارَةَ فليَصُنْها ... وإلاّ سوف يقتل بالسنان كحلاج المحبة إذ تبدت ... له شمس الحقيقة بالتدانى

стр. 912

ومن أسباب تشتت القلب وفقده دخول الفتنة عليه، الذي أشار إليه بقوله: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٥] وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) قلت: دخلت النون في (لا تصيبن) لأنه في معنى النهي، على حد قوله: لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ «١» . انظر البيضاوي. يقول الحق ﷻ : وَاتَّقُوا فِتْنَةً، إن نزلت، لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، بل تعم الظالم وغيره، ثم يبعث الناس على نيتهم، وذلك كإقرار المنكَر بين أظهركم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، واقتراف الكبائر، وظهور البدع، والتكاسل في الجهاد، وعن الفرائض، وغير ذلك من أنواع الذنوب، وفي الحديث: «لَتأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ ولتنهون عن المنكر، أو لَيَعُمَّنَّكُمْ اللَّهُ بِعَذَابِهِ» «٢» . أو كما قال ﷺ . قالت عائشة رضى الله عنه: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثُر الخبث» «٣» . قال القشيري، في معنى الآية: احذروا أن ترتكبوا زلَّةً توجب لكم عقوبة لا تخص مرتكبها، بل يعمُّ شؤمُها مَنْ تعاطاها ومن لم يتعاطاها. وغير المجرم لا يُؤخْذَ بجُرْم من أذنب، ولكن قد ينفرد واحدٌ بجُرم فيحمل أقوامٌ من المختصين بفاعل هذا الجُرْم، كأن يتعصبوا له إذا أُخِذَ بحكم ذلك الجرّم، فبعد ألا يكونوا ظالمين يصيرون ظالمين بمعاونتهم وتعصبهم لهذا الظالم فتكون فتنة لا تختص بمن كان ظالماً في الحال، بل تصيب أيضاً ظالماً في المستقبل بسبب تعصبه لهذا الظالم، ورضاه به. هـ. وسيأتي تمامه في الإشارة. وحكى الطبري أنها نزلت في عليّ بن أبي طالب وعمار بن ياسر وطلحة والزبير، وأن الفتنة ما جرى لهم يوم الجمل. هـ. قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن ارتكب معاصيه وتسبب في فتنة غيره. الإشارة: في القشيري، لما تكلم على تفسير الظاهر، قال: وأما من جهة الإشارة فإن العبدّ إذا باشر زّلّةٍ بنفسه عادت إلى القلب منها الفتنة، وهي العقوبة المعجلة، ونصيب النفس من الفتنة العقوبة، والقلبُ إذا حصلت

стр. 913

منه فتنة، وهو همه بما لا يجوز، تَعدَّتْ فتنته إلى السر وهي الحُجْبَةُ. وكذلك المُقَدًّمُ في شأنه، إذا فعل ما لا يجوز، انقطعت البركات التي كانت تتعدى منه إلى مُتَّبعِيهِ وتلامذتِهِ، فكان انقطاع تلك البركات عنهم نصيبهم من الفتنة، وهم لم يعملوا ذنباً، ويقال: إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر أصابتهم فتنة بتَرْكِهِم الإنكار عليهم فيما فعلوا من الإجرام. ثم قال: ويقال: إن الزاهد إذا انحط إلى رخصة الشرع في اخذ الزيادة من الدنيا بما فوق الكفاية- وإن كانت من وجه حلال- تعدت فتنتهُ إلى من يتخرج على يديه من المبتدئين، فيحمله على ما رأى منه على الرغبة في الدنيا، وتَرْكِ التقلل، فيؤديه إلى الانهماك في أودية الغفلة في الأشغال الدنيوية. والعابد إذا جَنَحَ إلى سوء ترك الأوراد تعدَّى ذلك إلى ما كان ينشط في المجاهدة به، ويتوطَّن الكسل، ثم يحمله الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات، فيصير كما قيل: إن الشبابَ والفراغ والجدَةْ ... مفسدةٌ للمرء أي مفسده» فهذا يكون نصيبهم من الفتنة، والعارف إذا رجع إلى ما فيه حَظَّ له، نَظَرَ إليه المريدُ فتتداخله فتنة فَتْرَةٌ فيما هو به من صدق المنازلة، فيكون ذلك نصيبه من فتنة العارف. وبالجملة: إذا غفل المَلِكُ، وتَشَاغَلَ عن سياسة رعيته، تَعَطَّلَ الجندُ والرعية، وعَظُمَ فيهم الخَلَلُ والبَليَّة، وفي معناه أنشدوا: رُعَاتُك ضيَّعوا- بالجهل منهم ... غُنَيْمَاتٍ فَساسَتْها ذِئابُ. انتهى كلامه رضى الله عنه. ثم ذكّرهم بالنعم، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٦] وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يقول الحق ﷻ : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ أي: اذكروا هذه النعمة، حيث كنتم بمكة وأنتم قليل عَددكم مع كثرة عدوكم، مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ أي: أرض مكة، يستضعفكم قريش ويعذبونكم ويضيقون عليكم، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ أي: قريش، أو من عداهم، فَآواكُمْ إلى المدينة، وجعلها لكم مأوى

стр. 914

تتحصنون بها من أعدائكم، وَأَيَّدَكُمْ أي: قواكم بِنَصْرِهِ على الكفار، أو بمظاهرة الأنصار، أو بإمداد الملائكة يوم بدر، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من الغنائم، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ هذه النعم. والخطاب للمهاجرين، وقيل: للعرب كافة فإنهم كانوا أذلاء في أيدي فارس والروم، يخافون أن يتخطفهم الناس من كثرة الفتن، فكان القوي يأكل الضعيف منهم، فآواهم الله إلى الإسلام، فحصل بينهم الأمن والأمان، وأيدهم بنصره، حيث نصرهم على جميع الأديان، وأعزهم بمحمد ﷺ ، ورزقهم من الطيبات، حيث فتح عليهم البلاد، وملكوا ملك فارس والروم، فملكوا ديارهم وأموالهم، ونكحوا نساءهم وبناتِهم، لعلهم يشكرون. الإشارة: التذكير بهذه النعمة يتوجه إلى خصوص هذه الأمة، وهم الفقراء المتوجهون إلى الله، فهم قليل في كل زمان، مستضعفون في كل أوان، حتى إذا تمكنوا وتهذبوا، وطهروا من البقايا، منَّ عليهم بالنصر والعز والتأييد، كما وعدهم بقوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ... الآية «١» ، والغالب عليهم شكر هذه النعم، لَمَا خصَّهم به من كمال المعرفة. والله تعالى أعلم. ثم نهاهم عن الخيانة، فقال: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ بتضييع أوامره وارتكاب نواهيه، وَالرَّسُولَ بمخالفة أمره وترك سنته، أو بالغلول في الغنائم، أو بأن تُبطنوا خلاف ما تظهرون. قيل: نزلت في أبي لبابة في قصة بَني قُرَيْظَةَ. روى أنه ﷺ حاصرهم إِحْدَى وعشرين ليلةً، فَسَأَلوا الصُّلْحَ كما صَالَحَ إِخْوانَهُمْ بَني النَّضِير، عَلَى أَنْ يَصيروا إلى إخوانهم بأذْرِعَاتٍ وأريحا من الشَّام، فأبَى إلا أن يَنْزِلوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأبَوْا وقَالوا: أرْسِلَ لنا أبا لُبَابَةَ، وكان مُنَاصِحاُ لهُمْ لأنَّ عيَالهُ ومَالَهُ في أَيْدِيِهِمْ، فَبَعَثَه إليْهِمْ، فقالوا: ما تَرَى؟ هَلْ نَنْزِلُ على حُكْم سَعْدٍ؟ فأَشارَ إلى حَلْقِهِ، أنه الذَّبْحُ، فقال أبو لُبَابَة: فما زَالت قَدَمَاي حَتَّى عَلِمْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ الله ورسُولَهُ، فنزل وشدَّ نَفْسَهُ إلى ساريةٍ في المسجد، وقال: والله لا أَذُوقُ طعاماُ ولا شَرَاباً حتى أمُوتَ، أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيام حتى خَرَّ مَغْشِيّاً عَلَيهِ، ثم تَابَ الله عليه، فقيل له: قد تِيب عَلَيْكَ فحُلّ نفسك، فقال:

стр. 915

لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني، فجاء رسول الله ﷺ فحلَّه، فقال: إِنَّ من تَمام تَوْبَتِي أن أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الّتِي أصَبْتُ فيها الذَّنْب، وأن أنخَلِعَ من مالى، فقال ﷺ : «يَجْزِيكَ الثُّلثُ أنْ تَتَصَّدَّقَ بِه» «١» . ثم قال تعالى: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ فيما بينكم، أو فيما أسر الرسول إليكم من السر فتفشوه، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن الخيانة ليست من شأن الكرام، بل هي من شأن اللئام، كما قال الشاعر: لا يَكتُمُ السرَّ إلا كُلُّ ذِي ثِقَةٍ ... فالسرُّ عِنْدَ خِيَارِ النَّاسِ مَكْتُومُ أو: وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح. وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ لأنه سبب الوقوع في الإثم والعقاب، أو محنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم، فلا يحملنكم حبهم على الخيانة، كما فعل أبو لبابة. وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ لمَن آثر رضا الله ومحبته عليهم، وراعى حُدود الله فيهم، فعلّقوا هممكم بما يؤديكم إلى أجره العظيم، ورضاه العميم، حتى تفوزوا بالخير الجسيم. الإشارة: خيانة الله ورسوله تكون بإظهار الموافقة وإبطان المخالفة، بحيث يكون ظاهره حسن وباطنه قبيح، وهذا من أقبح الخيانة، وينخرط فيه إبطان الاعتراض على المشايخ وإظهار الوفاق، وهو من أقبح العقوق لهم، وأما خيانة الأمانة فهى إفشاء أسرار الربوبية لغير أهلها، فمن فعل ذلك فسيف الشريعة فوق رأسه، إذا كان سالكاً غير مجذوب، لأن من أفشى سر الملك استحق القتل، وكان خائناً، ومن كان خائناً لا يُؤمن على السر، فهو حقيق أن ينزع منه، إن لم يقتل أو يتب، ولله در القائل: سَأَكْتُم عِلْمِي عَنْ ذَوِي الجَهْلِ طَاقَتِي «٢» ... وَلاَ أَنْثُرُ الدُّر النَّفيس على الْبَهَمْ فإنْ قَدَّرَ اللَّهُ الكَريمُ بلطفه ... ولا قيت أَهلاً للعُلُوم وللحِكَمْ بَذَلْتُ عُلُومِي واستَفَدْتُ عُلُومَهُم ... وإِلاّ فمخزونٌ لديَّ ومكتتم

стр. 916

ثم دلهم على ما فيه دواء القلوب ومحو العيوب، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، كما أمركم، يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً نوراً في قلوبكم، تُفرقون به بين الحق والباطل، والحسن والقبيح. قال ابن جزي: وذلك دليل على أن التقوى تُنور القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة. هـ. أو: نصراً يُفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين، أو مخرجاً من الشبهات، أو نجاة مما تحذرون في الدارين من المكروهات، أو ظهوراً يشهر أمركم ويثبت صِيتَكم، من قولهم: سطع فرقان الصبح، أي: نوره، وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي: يسترها، فلا يفضحكم يوم القيامة، وَيَغْفِرْ لَكُمْ يتجاوز عن مساوئكم، أو يكفر صغائركم ويغفر كبائركم، أو يكفر ما تقدم ويغفر ما تأخر، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، ففضله أعظم من كل ذنب، وفيه تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه وإحسان، لا أن تقواهم أوجبت ذلك عليه، كالسيد إذا وعد عبده أن يعطيه شيئاً في مقابلة عمل امره به، مع أنه واجب عليه لا محيد له عنه. والله تعالى أعلم. الإشارة: الفرقان الذي يلقيه الله في قلوب المتقين من المتوجهين هو نور الواردات الإلهية، التي ترد على القلوب من حضرة الغيوب، وهي ثلاثة أقسام: وارد الانتباه: وهو نور يفرق به بين الغفلة واليقظة، وبين البطالة والنهوض إلى الطاعة، فيترك غفلته وهواه، وينهض إلى مولاه، ووارد الإقبال: وهو نور يفرق به بين الوقوف مع ظلمة الحجاب وبين السير إلى شهود الأحباب، ووارد الوصال: وهو نور يفرق به بين ظلمة الأكوان، ونور الشهود، أو بين ظلمة سحاب الأثر وشهود شمس العرفان. وإلى هذه الواردات الثلاثة أشار في الحِكَم بقوله: «إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه وارداً، أورد عليك الوارد ليسلمك من يد الأغيار، ويحررك من رق الآثار، أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك» . ثم ذكّر نبيه ﷺ بما فعل معه من الحفظ والرعاية من أعدائه اللئام، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٠] وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)

стр. 917

يقول الحق ﷻ : وَاذكر، يا محمد، نعمة الله عليك بحفظه ورعايته لك إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا من قريش، حين اجتمعوا في دار الندوة لِيُثْبِتُوكَ أي: يحبسوك في الوثاق والسجن، أَوْ يَقْتُلُوكَ بسيوفهم، أَوْ يُخْرِجُوكَ من مكة. وذلك أنهم لمَّا سمعوا بإسلام الأنصار ومبايعتهم للنبى ﷺ ، خافوا على أنفسهم، واجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ، وقال: أنا من نجد، سمعت اجتماعكم فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً، فقال أبو البحتري: أرى أن تحبسوه في بيت، وتسدوا منافذه، غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه فيها، حتى يموت، فقال الشيخ: بئس الرأي، يأتيكم من يقاتلكم من قومه، ويخلصه من أيديكم. فقال هشام بن عمرو: أرى أن تحملوه على جمل، فتخرجوه من أرضكم، فلا يضركم ما صنع، فقال الشيخ: بئس الرأي، يُفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم. فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً، وتعطوه سيفاً، فتضربوه ضربة واحدة، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإن طلبوا العَقَلَ عقلناه. فقال الشيخ: صدق هذا الفتى، فتفرقوا على رأيه، فأتى جبريلُ النبي ﷺ وأخبره الخبر، وأمره بالهجرة، فبيت علّيا رضى الله عنه على مضجعه، وخرج مع أبي بكر إلى الغار، ثم سافر مهاجراً إلى المدينة «١» . قال تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ برد مكرهم عليهم، أو مجازاتهم عليه، أو بمعاملة الماكرين معهم، بأن أخرجهم إلى بدر، وقلل المسلمين في أعينهم، حتى تجرءوا على قتالهم، فقُتِلوا وأُسِروا، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره، وإسناد أمثال هذا مما يحسن، للمزاوجة، ولا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم. قاله البيضاوي. الإشارة: وإذ يمكر بك أيها القلب الذين كفروا، وهم القواطع من العلائق والحظوظ والشهوات، ليحبسوك في سجن الأكوان، مسجوناً بمحيطاتك، محصوراً في هيكل ذاتك، أو يقتلوك بالغفلة والجهل وتوارد الخواطر والأوهام، أو يُخرجوك من حضرة ربك إلى شهود نفسك، أو من صحبة العارفين إلى مخالطة الغافلين، أو من حصن طاعته إلى محل الهلاك من موطن معصيته، أو من دائرة الإسلام إلى الزيغ والإلحاد، عائذاً بالله من المحن، والله خير الماكرين، فيرد كيد الماكرين، وينصر أولياءه المتوجهين والواصلين. وبالله التوفيق.

стр. 918

ثم ذكر مساوئ أهل المكر، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣١] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) قلت: «إذا» : ظرفية شرطية، خافضة لشرطها، معمولة لجوابها، أي: قالوا وقت تلاوة الآيات: لو نشاء ... الخ. يقول الحق ﷻ : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا القرآنية قالُوا قَدْ سَمِعْنا ما تتلوه علينا، لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي: اخبارهم المسطورة أو أكاذيبهم المختلقة. قال البيضاوي: وهذا قول النَّضْر بن الحارث، وإسناده إلى الجمع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنه كان قاصهم، أي: يقص عليهم أخبار فارس والروم، فإذا سمع القرآن يقص أخبار الأنبياء قال: لو شئت لقلتُ مثل هذا، أو قول الذين ائتمروا في شأنه: وهذا غاية مكائدهم، وفرط عنادهم، إذ لو استطاعوا ذلك لسارعوا إليه، فما منعهم أن يشاوءا وقد تحداهم وقرعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف، فلم يعارضوا، مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلَبوا، خصوصاً في باب البيان؟ هـ. بالمعنى. الإشارة: هذه المقالة بقيت سُنَّةً في أهل الإنكار على أهل الخصوصية، إذا سمعوا منهم علوماً لدنية، أو أسراراً ربانية، أو حِكماً قدسية، قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا، وهم لا يقدرون على كلمة واحدة من تلك الأسرار، وهذا الغالب على المعاصرين لأهل الخصوصية، دون من تأخر عنهم، فإنهم مغرورون عنده، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا «١» . ثم ذكر استعجالهم للعذاب عنادا وعتوا، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٢] وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هّذاَ هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) قلت: «الحق» : خبر كان.

стр. 919

يقول الحق ﷻ : وَاذكر إِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا الذي أتى به محمد هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ كأصحاب لوط، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ، قيل: القائل هذا هو النضر بن الحارث، وهو أبلغ في الجحود. رُوِيَ أنه لما قال: «إنْ هذا إلا أساطيرُ الأولين» ، قال له النبي ﷺ : «ويلك إنه كلام الله» فقال هذه المقالة. والذي في صحيحي البخاري ومسلم: أن القائل هو أبو جهل «١» ، وقيل: سائر قريش لمّا كذبوا النبي ﷺ دعوا على أنفسهم، زيادة في تكذيبهم وعتوهم. وقال الزمخشري: ليس بدعاء، وإنما هو جحود، أي: إِن كَانَ هّذاَ هُوَ الحق فأمطر علينا، لكنه ليس بحق فلا نستوجب عقاباً. بالمعنى. الإشارة: قد وقعت هذه المقالة لبعض المنكرين على الأولياء، فعجلت عقوبته، ولعل ذلك الولي لم تتسع دائرة حلمه ومعرفته، وإلا لكان على قدم نبيه ﷺ حيث قال الله تعالى فِى شأنه: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤) يقول الحق ﷻ : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ موجود فِيهِمْ، ونازل بين أظهرهم، وقد جعلتك رحمة للعالمين، خصوصاً عشيرتك الأقربين، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قيل: كانوا يقولون: غفرانك اللهم، فلما تركوه عُذبوا يوم بدر، وقيل: وفيهم من يستغفر، وهو من بقي فيهم من المؤمنين، فلما هاجروا كلهم عُذبوا، وقيل: على الفَرض والتقدير، أي: ما كان الله ليعذبهم لو آمنوا واستغفروا. قال بعض السلف: كان لنا أمانان من العذاب: النبي ﷺ والاستغفار، فلما مات النبي ﷺ ذهب الأمان الواحد وبقي الآخر «٢» ، والمقصود من الآية: بيان ما كان الموجب لإمهاله لهم والتوقف على إجابة دعائهم، وهو وجوده ﷺ أو من يستغفر فيهم. ثم قال تعالى: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ أيْ: وأيُّ شيء يمنع من عذابهم؟ وكيف لا يعذبون وَهُمْ يَصُدُّونَ الناس عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ؟ أي: يمنعُون المتقين من المسجد الحرام، ويصدون رسوله عن

стр. 920

الوصول إليه. وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ المستحقين لولايته مع شركهم وكفرهم، وهو ردٌّ لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت الحرام فنصد من نشاء ونُدخل من نشاء. قال تعالى: إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ أي: ما المستحقون لولايته إلا المتقون، الذين يتقون الشرك والمعاصي، ولا يعبدون فيه إلا الله، ويعظمونه، حق تعظيمه. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن لا ولاية لهم عليه، وإنما الولاية لأهل الإيمان، وكأنه نبه بالأكثر على أن منهم من يعلم ذلك ويعاند، أو أراد به الكل، كما يراد بالقلة العدم. قاله البيضاوي. الإشارة: قد جعل الله رسوله ﷺ أماناً لأمته ما دام حيّا، فلما مات ﷺ بقيت سنته أماناً لأمته، فإذا أُميتت سنته أتاهم ما يوعدون من البلاء والفتن، وكذلك خواص خلفائه، وهم العارفون الكبار، فوجودهم أمان للناس، فقد قالوا: إن الإقليم الذي يكون فيه القطب لا يصيبه قحط ولا بلاء، ولا هرج ولا فتن لأنه أمان لذلك الإقليم، خلافة عن رسول الله ﷺ . والله تعالى أعلم. ثم ذكر تلاعبهم بالدين، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٥] وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) يقول الحق ﷻ : وَما كانَ صَلاتُهُمْ التي يصلونها في بيت الله الحرام، ويسمونها صلاة، أو ما يضعون موضعها، إِلَّا مُكاءً أي: تصفيراً بالفم، كما يفعله الرعاة، وَتَصْدِيَةً أي: تصفيقاً باليد، الذي هو من شأن النساء، مأخوذ من الصدى، وهو صوت الجبال والجدران. قال ابن جزي: كانوا يفعلون ذلك إذا صلى المسلمون، ليخلطوا عليهم صلاتهم. وقال البيضاوي: رُوي أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء، مشبكين بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، وقيل: كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبي ﷺ أن يُصلي، يخلطون عليه، ويرون أنهم يصلون أيضاً، ومساق الآية: تقرير استحقاقهم العذاب المتقدم في قوله: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، أو عدم ولايتهم للمسجد، فإنها لا تليق بمن هذه صلاته. هـ. قال تعالى: فَذُوقُوا الْعَذابَ الذي طلبتم، وهو القتل والأسر يوم بدر، فاللام للعهد، والمعهود: (أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، أو عذاب الآخرة، بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي: بسبب كفركم اعتقاداً وعملاً. الإشارة: وما كان صلاة أهل الغفلة عند بيت قلوبهم إلا ملعبة للخواطر والهواجس، وتصفيقاً للوسواس والشيطان، وذلك لخراب بواطنهم من النور، حتى سكنتها الشياطين واستحوذت عليها، والعياذ بالله، فيقال لهم: ذوقوا عذاب الحجاب والقطيعة، بما كنتم تكفرون بطريق الخصوص وتبعدون عنهم. والله تعالى أعلم.

стр. 921

ولما سلمت عير قريش من النبي ﷺ ، ووقعت غزوة بدر، وكان مات فيها صناديدهم، حبس أبو سفيان ذلك المال، وأنفقه فى حرب رسول الله ﷺ ، فأنزل الله فى ذلك وفى غيره، ممن أنفق فى إعانة الكفار على حرب المسلمين قوله: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا بذلك عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ويُحاربون الله ورسوله. قيل: نزلت في أصحاب العير فإنه لما أصيب قريش ببدر قيل لهم: أعينوا بهذا المال على حرب محمد، لعلنا ندرك منه ثأرنا، ففعلوا، وقيل: في المطْعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلاً من قريش، يطعم كل واحد منهم، كل يوم، عشر جزر، وقيل: في أبي سفيان، استأجر ليوم أُحد ألفين من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية. قال تعالى: فَسَيُنْفِقُونَها بتمامها، ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يتأسفون على إنفاقها من غير فائدة، فيصير إنفاقها ندماً وغمَّاَ، لفواتها من غير حصول المقصود، وجعل ذاتها تصير حسرة، وهي عاقبة إنفاقها مبالغةً. قال البيضاوي: ولعل الأول إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال، وهو إنفاق بدر، والثاني عن إنفاقهم فيما يُستقبل، وهو إنفاق غزوة أحد، ويحتمل أن يراد بهما واحد، على أن مساق الأول لبيان غرض الإنفاق، ومساق الثاني لبيان عاقبته، وهو لم يقع بعد. هـ. قلت: وهذا الأخير هو الأحسن. ثم ذكر وعيدهم فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي: الذين ثبتوا على الكفر منهم إذ أسلم بعضهم، إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ يُضمون ويُساقون، لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ الكافرين من المؤمنين، أو الفساد من الصلاح، أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول الله ﷺ ، وما أنفقه المسلمون في نصرته، أي: حشرهم إليه ليفرق بين الخبيث والطيب، وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ أي: يجمعه، أو يضم بعضه إلى بعض، حتى يتراكموا من فرط ازدحامهم، فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ كله، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ الكاملون في الخسران، لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم، والإشارة تعود على الخبيث لأنه بمعنى الفريق الخبيث، أو على المنفقين ليصدوا عن سبيل الله. والله تعالى أعلم.

стр. 922

الإشارة: كل من أنفق ماله في لهو الدنيا وفرجتها، من غير قصدٍ حسن، بل لمجرد الحظ والهوى، تكون عليه حسرة وندامة، تنقضي لذاته وتبقى تبعاته، وهو من كفران نعمة المال، فهو معرض للزوال، وإن بقي فهو استدراج، وعلامة إنفاقه في الهوى: أنه إن أتاه فقير يسأله درهماً منعه، وينفق في النزهة والفرجة الثلاثين والأربعين، فهذا يكون إنفاقه حسرة عليه، والعياذ بالله. ثم ندب إلى التوبة، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣٨] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) يقول الحق ﷻ : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا كقريش وغيرهم: إِنْ يَنْتَهُوا عن الكفر ومعاداة الرسول بالدخول في الإسلام، يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ من ذنوبهم، ولو عظمت، وَإِنْ يَعُودُوا إلى الكفر وقتاله فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أي: مضت عادتي مع الذين تحزبُوا على الأنبياء بالتدمير والهلاك، كعاد وثمود وأضرابهم، وكما فعل بهم يوم بدر، فليتوقعوا مثل ذلك، وهو تهديد وتخويف. الإشارة: قل للمنهمكين في الذنوب والمعاصي: لا تقنطوا من رحمتي، فإني لا يتعاظمني ذنب أغفره، فإن تنتهوا أغفر لكم ما قد سلف. وأنشدوا: يستوجب العَفْوَ الفتى، إذا اعترف ... بما جَنى، وما أتى، وما اقْتَرفْ لقوله: (قُل للذين كفروا ... إنْ ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وللشافعى رضى الله عنه: فَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي ... جَعَلتُ الرَجَا منِّي لِعَفْوكَ سُلَّمَا تَعَاظَمَني ذَنبِي، فَلَمَّا قَرَنتُهُ ... بِعفوكَ رَبِّي، كانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا فَمَا زِلْتَ ذَا جُودِ وَفَضْلٍ وَمِنَّةٍ ... تَجُودُ وتَعْفُو مِنَّهً وتَكَرُّمَا فإن لم ينته المنهمك في الهوى فقد مضت سُنة الله فيه بالطرد والإبعاد، ويخاف عليه سوء الختام، والعياذ بالله.

стр. 923

ثم أمر بجهاد من لم ينته عن كفره، فقال: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣٩ الى ٤٠] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) يقول الحق ﷻ : وقاتلوا من لم ينته عن كفره حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، أي: حتى لا يوجد منهم شرك، فهو كقوله عليه الصلاة السلام: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حتَّى يَقُولوا: لا إله إلاَّ الله» «١» . وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ بحيث تضمحل الأديان الباطلة ويظهر الدين الحق، فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر وأسلموا، فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيهم على انتهائهم، وقرأ يعقوب بتاء الخطاب على معنى: فإن الله بما تعملون يا معشر المسلمين من الجهاد، والدعوة إلى الإسلام، والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، بَصِيرٌ فيجازيكم، ويضاعف أجوركم بمن أسلم على أيديكم. وَإِنْ تَوَلَّوْا، ولم ينتهوا عن كفرهم، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ناصركم، فثقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم، نِعْمَ الْمَوْلى فلا يضيع من تولاه، وَنِعْمَ النَّصِيرُ فلا يغلب من نصره. الإشارة: يُؤمر المريد بجهاد القواطع والعلائق والخواطر، حتى لا يبقى في قلبه فتنة بشيء من الحس، ويكون القلب كله لله، فإن انتهت القواطع فإن الله بصير به، يجازيه على جهاده، ومجازاته: إدخاله الحضرة المقدسة، مع المقربين، وإن لم ينته فليستمر على مجاهداته وانقطاعه إلى ربه، وليستنصر به في مجاهدته، فإن الله مولاه وناصره، وهو نعم المولى ونعم النصير. ثم ذكر قسم الغنائم التي تنشأ عن القتال، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤١] وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)

стр. 924

قلت: (فأن لله) : مبتدأ حُذف خبره، أي: فكون خمسة لله ثابت، أو خبر، أي: فالواجب كون خمسه لله. يقول الحق ﷻ : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ مما أخذتموه من الكفار قهراً بالقتال، لا الذي هربوا عنه بلا قتال، فكله للإمام فَيء، يأخذ حاجته ويصرف باقيه في مصالح المسلمين، ولا الذي طرحه العدو خوف الغرق، فلواجده، بلا تخميس، وكذا ما أخذه من كان ببلاد العرب على وجه التلصيص، فأما ما أخذه بالقتال: فللَّه خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ الجمهور على أن ذكر الله للتعظيم كقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «١» ، وإنما المراد: قسم الخمس على الخمسة الباقية. واختلف العلماء في الخمسة، فقال مالك: الرأي للإمام، يلحقه ببيت الفَيء، ويعطي من ذلك البيت لقرابة رسول الله ﷺ ما رءاه، كما يعطي منه اليتامى والمساكين وغيرهم، وإنما ذكر مَن ذكر على جهة التنبيه عليهم، لأنهم من أهم ما يدفع إليهم. وقال الشافعي: يعطي للخمسة المعطوفة على (الله) ، ولا يجعل لله سهماً مختصاً، وإنما ذكر ابتداء تعظيماً، لأن الكل ملكه، وسهم الرسول يأخذه الإمام، يصرفه في المصالح، فيعطي للأربعة المعطوفة على الرسول، ويفضل أهل الحاجة. وقال مالك: لا يجب التعميم، فله أن يعطي الأحوج، وإن حرم غيره، ومبني الخلاف: هل اللام لبيان المصرف أو للاستحقاق، كما في آية الزكاة. وقال أبو حنيفة: على ثلاثة أسهم، لليتامى والمساكين وابن السبيل، قال: وسقط الرسول وذوو القربى بوفاته ﵊. وقال أبو العالية: يقسم على ستةٍ، أخذاً بظاهر الآية، ويُصرف سهم الله إلى الكعبة، وسهم الرسول في مصالح المسلمين، وسهم ذوي القربى لأهل البيت الذين لا تحل لهم الزكاة، ثم يعطى سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل. قال البيضاوي: وذوو القربى: بنو هاشم، وبنو المطلب، لما روى: أنه ﷺ قسم سهم ذوي القربى عليهما، فقال عثمان وجبير بن مطعم: هؤُلاء إِخْوانك بَنُو هِاشِمٍ لا ننكر فَضْلَهُمْ لمَكَانِك الذي جَعَلَك اللَّهُ مِنْهُمْ، أرأيت إخواننا من بَني المُطَّلِب، أعْطَيْتَهُمْ وحَرَمْتَنَا، وإنَّما نَحنُ وَهُمْ بمنزلة واحدة؟ فقال ﵊: «إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا في جَاهِلِيَّةٍ ولا إٍسْلاَم» وشَبَّكّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ «٢» . وقيل: بنو هاشم وحدهم. قلت: وهو مشهور مذهب مالك- وقيل: جميع قريش. هـ.

стр. 925

ثم قال تعالى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ، أي: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء، فسلموه إليه، واقنعوا بالأخماس الأربعة، وَما وكذا إن كنتم آمنتم بما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا محمد ﷺ من القرآن، في شأن الأنفال، ومن النصر والملائكة، يَوْمَ الْفُرْقانِ يوم بدر، فإنه فرّق فيه بين الحق والباطل، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ المسلمون والكفار، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على نصر القليل على الكثير، بالإمداد بالملائكة، وبلا إمداد، ولكن حكمته اقتضت وجود الأسباب والوسائط، والله حكيم عليم. الإشارة: واعلموا أنما غنمتم من شيء من العلوم اللدنية، والمواهب القدسية، والأسرار الربانية، بعد مجاهدة العلائق والعوائق، حتى صار دين القلب كله لله، فللَّه خمسه فناء، وللرسول بقاءً، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل تعظيماً وآداباً. يعني: أن العلم بالله يقتضي القيام بهذه الوظائف: الفناء في الله، بالغيبة عما سواه، وشهود الداعي الأعظم، وهو رسول الله، والأدب مع عباد الله، ليتحقق الأدب مع الله. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ثم بيّن يوم الفرقان، فقال: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) قلت: (إذ) : بدل من (يوم الفرقان) ، أو ظرف لالْتقى، أو لاذكر، محذوفة، والعدوة مثلث العين: شاطىء الوادي، و (الدنيا) أي: القربى، نعت له، و (القصوى) : تأنيث الأقصى، وكان قياسه: قلب الواو ياء، كالدنيا والعليا تفرقة بين الاسم والصفة، فجاء على الأصل، كالقَود، وسُمع فيه: «القصيا» على الأصل، وهو شاذ. و (الركب) : مبتدأ، و (أسفل) : ظرف خبره.

стр. 926

يقول الحق ﷻ : واذكروا إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا أي: بعدوة الوادي القريبة من المدينة، وَهُمْ أي: كفار قريش، بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى أي: البعيدة منها، وَالرَّكْبُ أي: العير التي قصدتكم، أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي: في مكان أسفل منكم، يعني الساحل، ثم جمع الله بينكم على غير ميعاد، وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لهذا الجمع، أنتم وهم للقتال، ثم علمتم حالكم وحالهم لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ هيبة منهم لكثرتهم وقلتكم، لتتحققوا أن ما اتفق لكم من الفتح والظفر ليس إلا صنيعاً من الله تعالى خارقاً للعادة، فتزدادوا إيماناً وشكراً، وَلكِنْ الله جمع بينكم من غير ميعاد لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا سابقاً في الأزل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه في ذلك اليوم، لا يتخلف عنه ساعة. لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، أي: قدَّر ذلك الأمر العجيب ليموت من يموت عن بينة عاينها، ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها، لئلا يكون له حجة ومعذرة، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة، فكل من عاينها ولم يؤمن قامت الحجة عليه. أو ليهلك بالكفر مَن هلك عن بينة وحجة قائمة عليه، ويحيى بالإيمان من حي به عن بينة من ربه، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ بكفر من كفر وإيمان من أمن، فيجازي كلاًّ على فعله. ولعل الجمع بين وصف السمع والعلم لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد. واذكر أيضاً إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا، كان ﷺ قد رأى الكفار في نومه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه، فقويت نفوسهم وتجرءوا على قتالهم، وكانوا قليلاً في المعنى، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً في الحس لَفَشِلْتُمْ لجبنتم، وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ في أمر القتال، وتفرقت آراؤكم، وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أي: أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: يعلم ما يكون فيها من الخواطر وما يغير أحوالها. وَاذكر أيضاً إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ أي: يريكم الله الكفار، إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا، حتى قال ابن مسعود لمن إلى جنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة، تثبتاً وتصديقاً لرؤيا الرسول ﷺ ، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ، حتى قال أبو جهل: إن محمداً وأصحابه أَكَلَهُ جزور- بفتح الهمزة والكاف- جمع آكل-، أي: قدر ما يكفيهم جذور في أكلهم. قال البيضاوي: قللهم في أعينهم قبل التحام القتال ليجترءوا عليهم ولا يستعدوا لهم، ثم كثّرهم حين رأوهم مثليهم لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم، وهذا من عظائم آيات الله في تلك الوقعة، فإن البصر، وإن كان قد يرى الكثير قليلاً والقليل كثيراً، لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد، وإنما يتصور ذلك بصد الله الأبصارَ عن إبصار بعض دون بعضٍ، مع التساوي في المرئي. هـ.

стр. 927

وإنما فعل ذلك في الجهتين لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي: ليظهر الله أمراً كان سبق به القضاء والقدر، فكان مفعولاً في سابق العلم، لا محيد عنه، ومن شأن الحكمة إظهار الأسباب والعلل، كما أن من شأن القدرة إبراز ما سبق في الأزل، وإنما كرره لاختلاف الفعل المعلل به لأن الأول علة لالتقائهم من غير ميعاد، وهنا لتقليلهم في أعين الكفرة، أو للتنبيه على أن المطلوب من العبد هو النظر إلى سابق القدر، ليخف عليه ما يبرز منه من الشدائد والأهوال، ولذلك قال أثره: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، وإذا كانت الأمور كلها راجعة إلى الله تعالى فلا يسع العبد إلا الرضا والتسليم لكل ما يبرز منها، فكل ما يبرز من عند الحبيب حبيب. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأرواح والأسرار بالعُدوة القريبة من بحر الحقائق، ليس بينها وبينه إلا إظهار أدب العبودية، وهو الذي بين بحر الحقيقة والشريعة، والأنفس وسائر القواطع بالعدوة القصوى منه، والقلب، الذي هو الركب المتنازع فيه، بينهما، أسفل من الروح، وفوق مقام النفس، الروح تريد أن تجذبه إليها ليسكن الحضرة، والنفس وجنودها تريد أن تميله إليها ليسكن وطن الغفلة معها، والحرب بينهما سجال، تارة ترد عليه الواردات الإلهية، التي هي جند الروح، فتنزل عليه بغتة من غير ميعاد، فتجذبه إلى الحضرة. وتارة ترد عليه الخواطر والهواجم الردية فتحطه إلى أرض الحظوظ بغتة، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً في سابق علمه، فإذا أراد الله عناية عبد قلّل عنه مدد الأغيار، حتى يراها كلا شيء، وقواه بمدد الأنوار حتى يغيب عنه كُل شيء، فتذهب عنه ظلمة الأغيار، وإذا أراد الله خذلان عبد قطع عنه مدد الأنوار، وقوى عليه مدد الأغيار، حتى ينحط إلى الدرك الأسفل من النار، والعياذ بالله من سوء القضاء والقدر، وإليه الإشارة بقوله: (ليهلك مَن هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) الآية. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما يقوى مدد الأنوار، وهو الصبر والذكر، فقال: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٥ الى ٤٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)

стр. 928

قلت: (بطراً ورئاء) : مصدران في موضع الحال، أي: بطرين ومراءين، أو مفعول لأجله، و (يصدّون) : عطف على (بطراً) على الوجهين، أي: صادين، أو للصد. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً جماعة من الكفار عند الحرب، فَاثْبُتُوا للقائهم، ولا تفروا، وَاذْكُرُوا اللَّهَ في تلك الحال سراً داعين له، مستظهرين بذكره، متوجهين لنصره، معتمدين على حوله وقوته، غير ذاهلين عنه بهجوم الأحوال وشدائد الأهوال إذ لا يذكر الله تعالى في ذلك الحال إلا الأبطال من الرجال، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بالظفر وعظيم النوال. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي ألا يشغله شيء عن ذكر الله، وأن يلتجىء إليه عند الشدائد، ويقبل عليه بشراشره «١» ، فارغ البال، واثقاً بأن لطفه لا ينفك عنه في جميع الأحوال. هـ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما يأمركم به وينهاكم عنه فإن الطاعة مفتاح الخيرات، وَلا تَنازَعُوا باختلاف الآراء، كما فعلتم في شأن الأنفال، فَتَفْشَلُوا وتجبنوا، وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ أي: ريح نصركم بانقطاع دولتكم، شبه النصر والدولة بهبوب الريح من حيث إنها تمشي على مرادها، لا يقدر أحد أن يردها، وقيل: المراد بها الريح حقيقة، فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثه الله من ناحية المنصور تذهب إلى ناحية المخذول. وفي الحديث: «نُصِرتُ بالصِّبَا، وأُهْلِكَتْ عَادٌ بالدَّبُورِ» «٢» . وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بالمعونة والكلاءة والنصر. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ، يعني: أهل مكة، خرجوا بَطَراً أي: فخرا وأشرا وَرِئاءَ النَّاسِ ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة، وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة أتاهم رسولُ أبي سفيان، يقول لهم: ارجعوا فقد سلمت عيركم، فقال أبو جهل: لا والله حتى نأتي بدراً، ونشرب بها الخمور، وتغني علينا القيان، ونطعم بها من حضرنا من العرب، فتسمع بنا سائر العرب، فتهابُنا، فوافوها، ولكن سُقوا بها كأس المنايا، وناحت عليهم النوائح مما نزل بهم من البلايا، فنهى الله المؤمنين أن يكونوا أمثالهم بطرين مراءين، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص، لأن النهي عن الشيء امرٌ بضده. وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: خرجوا ليصدوا الناسَ عن طريق الله، باتباع طريقهم، وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ فيجازيهم عليه. الإشارة: خاطب الله المتوجهين إليه، السائرين إلى حضرته، وأمرهم بالثبوت ودوام السير، وبالصبر ولزوم الذكر عند ملاقاة القواطع والشواغب، وكل ما يصدهم عن طريق الحضرة، وذلك بالغيبة عنه والاشتغال بالله عنه،

стр. 929

وعدم الإصغاء إلى خوضه وتكديره، فمن صبر ظفر، ومن دام على السير وصل، وأمرهم ايضاً بطاعة الله ورسوله، ومن يدلهم على الوصول إليه، ممن هو خليفة عنه في أرضه، وأمرهم بعدم المنازعة والملاججة، فإن التنازع يُوجب تفرق القلوب والأبدان، ويوجب الفشل والوهن، ويذهب بريح النصر والإعزاز، كما أن الوفاق يوجب النصر ودوام العز. ونهاهم عن التشبه بأهل الخوض والتكدير، ممن أولع بالطعن والتنكير، بل يكونون على خلافهم مخلصين في أعمالهم وأحوالهم، دالين على الله، داعين إلى طريق الله، يُحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، وهذه صفة أهل الله. نفعنا الله بذكرهم. آمين. ثم ذكر الباعث على خروج الكفار لغزوة بدر، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٨] وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) يقول الحق ﷻ : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ السيئة، ومن جملتها: خروجهم إلى حربك بأن وسوس لهم، وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ، قيل: قال لهم ذلك مقالة نفسانية، بأن ألقي في رُوعهم، وخيَّل إليهم أنهم لا يُغلبون ولا يطاقون، لكثرة عَددهم وعُددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه في ذلك قربة مجيرة لهم من المكاره. فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ أي: تلاقي الفريقان، ورأى بعضهم بعضاً، نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ رجع القهقهرى، أي: بطل كيده، وعاد ما خيل لهم أنه مجير لهم سبب هلاكهم، وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ ، أي: تبرأ منهم وخاف عليهم، وأيس من حالهم، لمّا رأى إمداد المسلمين بالملائكة. وقيل: إن هذه المقالة كانت حقيقة لسانِيَّة. رُوي أن قريشاً، لما اجتمعت على المسير إلى بدر، ذكرت ما بينهم وبين بني كنانة من العداوة، فهموا بالرجوع عن المسير، فمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك الكناني، وقال: لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم وإني جارٌ لكم، وإني مجيركم من بني كنانة، فلما رأى الملائكة تنزل نكص على عقبيه، وكانت يده في يد الحارث بن هشام، فقال له: إلى أين؟ أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، ودفع في صدر الحارث، فانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة، قالوا: هزم النَّاسَ سُراقَةُ، فبلغه ذلك، فقال: والله ما شعرت بسيركم حتى بلغني هزيمتكم! فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.

стр. 930

وعلى هذا، يحتمل أن يكون معنى قوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ أي: أخاف أن يصيبني مكروهاً من الملائكة، أو يهلكني، ويكون هذا الوقت هو الوقت الموعود، إذ رأى فيه ما لم ير قبله. والأول: ما قاله الحسن، واختاره ابن حجر. وقال الورتجبي: أي: إني أخاف عذاب الله، وذلك بعد رؤية البأس، ولا ينفع ذلك، ولو كان متحققاً في خوفه ما عصى الله طرفة عين. هـ. وذكر ابن حجر عن البيهقي، عن علي- كرم الله وجهه-، قال: هبت ريح شديدة، فلم أر مثلها، ثم هبت ريح شديدة، وأظنه ذكر ثالثة، فكانت الأولى جبريل، والثانية ميكائيل، والثالثة إسرافيل، وكان ميكائيل عن يمين النبي ﷺ ، وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره، وأنا فيها. وعن عليّ ايضاً: قيل ليَّ ولأبي بكر يوم بدر: مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال. انتهى. وقوله تعالى: وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ، يجوز أن يكون من كلام إبليس، وأن يكون مستأنفاً. الإشارة: عادة الشيطان مع العوام أن يُغريهم على الطعن والإنكار على أولياء الله، وإيذائهم لهم، فإذا رأى غيرة الله على أوليائه نكص على عقبيه، وقال: إني منكم بريء إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب. ثم ذكر مقالة المنافقين فى شأن المسلمين، حيث خرجوا لغزوة بدر، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤٩] إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) يقول الحق ﷻ : واذكروا إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ من أهل المدينة، أو نفر من قريش كانوا أسلموا وبقوا بمكة، فخرجوا يوم بدر مع الكفار، منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو القيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن ربيعة بن الأسود، وعلي بن أمية بن خلف، وَهم الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: شك لم تطمئن قلوبهم، بل بقي فيها شبهة، قالوا: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ أي: اغتر المسلمون بدينهم، فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به، فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف. فأجابهم الحق تعالى بقوله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي: غالب لا يذل من استجار به، وإن قلَّ، حَكِيمٌ يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل، ويعجز عن دركه الفهم. الإشارة: إذا عظم اليقين في قلوب أهل التقى أقدموا على أمور عظام، تستغرب العادة إدراكها، أو يغلب العطب فيها، فيقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: غرَّ هؤلاء طريقتهم، وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فإن الله عزيز

стр. 931

لا يُغلبْ، ولا يُغلبْ من انتسب إليه، وتوكل في أموره عليه، حكيم فلا يَخرج عن حكمته وقدرته شيء، أو عزيز لا يذل من استجار به، ولا يضيع من لاذ به، والتجأ إلى ذماره «١» ، حكيم لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره، قاله في الإحياء. ثم قال: وكل ما ذكر في القرآن من التوحيد هو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار، والتوكل على الواحد القهار. هـ. وبالله التوفيق. ثم ذكر عاقبة أهل النفاق والريب، فقال: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٠ الى ٥١] وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) قلت: جواب (لو) محذوف، أي: لرأيت أمراً عظيماً، و (الملائكة) : فاعل (يتوفى) فلا يوقف على ما قبله، ويرجحه قراءة ابن عامر بالتاء، ويجوز أن يكون الفاعل ضمير (الله) ، و (الملائكة) : مبتدأ، و (يضربون) : خبر، والجملة: حال من (الذين كفروا) ، والرابط: ضمير الواو، وعلى هذا فيوقف على ما قبله، وعلى الأول (يضربون) : حال من الملائكة، و (ذوقوا) : عطف على (يضربون) على حذف القول، أي: ويقولون ذوقوا. و (ذلك) : مبتدأ، و (بما قدمت) : خبر، و (أن الله) : عطف على «ما» للدلالة على أن مقيدة بانضمامه إليه. انظر البيضاوي. يقول الحق ﷻ : وَلَوْ تَرى يا محمد، أو يا مَن تصح منكم الرؤية، حال الَّذِينَ كَفَرُوا حين تتوفاهم الْمَلائِكَةُ ببدر، أو مطلقاً، وهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ، أو حين يتوفاهم الله ويقبض أرواحهم، حال كونهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، أي: يضربون ما أقبل منهم وما أدبر، فيعمونهم بالضرب، أو يضربون وجوههم وظهورهم، أو أستاهَهُم، لرأيت أمراً فظيعاً. وَيقولون لهم: ذُوقُوا أي: باشروا عَذابَ الْحَرِيقِ يوم القيامة بشارة لهم بما يلقون من العذاب في الآخرة. وقيل: تكون معهم مقامع من حديد، كلما ضربوا التهبت النار منها، ذلِكَ العذاب إنما وقع بكم بِما بسبب قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أي: بما كسبتم من الكفر والمعاصي، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ حتى يعذب بلا سبب، أو يهمل العباد بلا جزاء. الإشارة: قد ذكر الحق ﷻ حال الكاملين في العصيان في هذه الآية، وذكر في سورة النحل الكاملين في الطاعة، بقوله الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ... الآية «٢» وسكت عن المخلطين، ولعلهم يرون طرفاً من هذا أو طرفاً من هذا. والله تعالى أعلم.

стр. 932

ثم ذكر حال المتقدمين من الجبابرة، فقال: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٢ الى ٥٤] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤) قلت: (كدأب) : خبر عن مضمر، أي: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، وهو عملهم وطريقتهم، التي دأبوا فيها، أي: داموا عليها، (ذلك) : مبتدأ، و (بأنَّ الله) : خبر، وقال سيبويه: خبر، أي: الأمر ذلك، والفاء سببية. يقول الحق ﷻ : عادة هؤلاء الكفرة العاصين المعاصرين لك، في استمرارهم على الكفر والمعاصي، كعادة آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ، ثم فسر دأبهم فقال: كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ الدالة على توحيده، المنزلة على رسله، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ كما أخذ هؤلاء، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ لا يغلبه في دفعه شيء. ذلِكَ العذاب الذي حل بهم، بسبب ذنوبهم وكفرهم لأن اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ فيبدلها بالنقمة، حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ أي: حتى يبدلوا ما بأنفسهم، من حال الشكر إلى حال الكفر، أو من حال الطاعة إلى حال المعصية، كتغيير قريش حالهم: من صلة الرحم، والكف عن التعرض لإيذاء الرسول ومن تبعه، بمعاداة الرسول، والسعي في إراقة دم من تبعه، والتكذيب بالآيات والاستهزاء بها، إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد البعثة، وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقولون، عَلِيمٌ بما يفعلون. دأبهم في ذلك التغيير كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ لمّا بدلوا وغيَّروا، ولم يشكروا ما بأيديهم من النعم، وَكُلٌّ من الفرق المكذبة كانُوا ظالِمِينَ فأغرقنا آل فرعون، وقتلنا صناديد قريش بظلمهم، وما كنا ظالمين. الإشارة: إذا أنعم الله على قوم بنعم ظاهرة أو باطنة، ثم لم يشكروا الله عليها، بل قابلوها بالكفران، وبارزوا المنعم بالذنوب والعصيان، فاعلم أن الله تعالى أراد أن يسلبهم تلك النعم، ويبدلها بأضدادها من النقم، فمن شكر النعم فقد قيّدها بعقالها، ومن لم يشكرها فقد تعرض لزوالها. فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود، فمن أعطي ولم

стр. 933

يشكر، سُلب منها ولم يشعر، والشكر: أَلا يُعْصَى الله بنعمه، كما قال الجنيد رضى الله عنه. والله تعالى أعلم ومن جملة كفران النعم، نقض العهد، كما أبان ذلك بقوله: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٥ الى ٥٩] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) قلت: (فهم لا يؤمنون) : جملة معطوفة على جملة الصلة، والفاء للتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعى تحقق المعطوف، و (الذين عاهدت) : بدل بعضٍ من (الذين كفروا) ، و (فشرد) : جواب (إما) ، والتشريد: تفريق على اضطراب. يقول الحق ﷻ : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ منزلة الَّذِينَ كَفَرُوا، تحقق كفرهم، وسبق به القدر، فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أبدًا لِمَا سبق لهم من الشقاء. نزلت فى قوم مخصوصين، وهم بنو قريظة، الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ أي: أخذت عَليهم العهد ألا يعاونوا عليك الكفار، ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أي: يخونون عهدك المرة بعد المرة، فأعانوا المشركين بالسلاح يوم أُحد، وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم، فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركب كعبُ بن الأشرف في ملأ منهم إلى مكة، فحالفوا المشركين على حرب رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فقتل مقاتلتهم وسبا ذراريهم، وَهُمْ لا يَتَّقُونَ شؤم الغدر وتبعته، أو: لا يتقون الله في ذلك الغدر ونصرته للمؤمنين وتسليطه إياهم عليهم. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة السلام: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ أي: مهما تصادفهم وتظفر بهم فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ أي: فرِّق عنك من يُناصبك بسبب تنكيلهم وقتلهم، أو نكِّل بهم مَنْ خَلْفَهُمْ بأن تفعل بهم من النقمة ما يزجرُ غيرهم لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي: لعل من خلفهم يتعظون فينزجروا عن حربك. وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ معاهدين خِيانَةً أي: نقض عهد بأمارات تلوح لك، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ أي: فاطرح إليهم عهدهم عَلى سَواءٍ أي: على عدل وطريق قصد في العداوة، ولا تناجزهم بالحرب قبل العلم بالنبذ، فإنه يكون خيانة منك، أو على سواء في العلم بنقض العهد، فتستوي معهم في العلم بنقض العهد، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ أي: لا يرضى فعلهم، وهو تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال.

стр. 934

وَلا يَحْسَبَنَّ، يا محمد، الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا قدرتنا، ونجوا من نكالنا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ أي: لا يفوتون في الدنيا والآخرة، فلا يعجزون قدرتنا، أو لا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم، بل اللَّهُ محيط بهم أينما حلوا. والله تعالى أعلم. الإشارة: شرفُ الإنسان وكمالُه في خمسة أشياء: الإيمان بالله، وبسائر ما يتوقف الإيمان عليه، والوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، والرضى بالموجود، والصبر على المفقود. وذله وخسته فى خمسة أشياء: الكفر والجحود، ونقض العهود، وتعدى الحدود، وعدم الرضى بالموجود، والجزع على المفقود. وقال القشيري في قوله تعالى: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ... الآية: أي: إنْ صَادَفْتَ واحداً من هؤلاء الذين دأبهم نقض العهد، فاجعلهم عبرة لمن يأتي بعدهم، لئلا يسلكوا طريقَهم، فيستوجبوا عُقُوبتهُم. كذلك مَنْ فَسَخْ عقده مع الله بقلبه، برجوعه إلى رخص التأويلات، ونزوله إلى السكون مع العادات، يجعله الله نكالاً لمن بعده، بحرمان ما كان خوَّلَه وتنغيصه عليه. ثم قال عند قوله: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً: يريد، إذا تحقَّقْت خيانة قوم منهم، فَصَرِّح بأن لا عهدَ بينك وبينهم، فإذا حصلت الخيانة زال سَمتُ الأمانة، وخيانةُ كل أحدٍ على ما يليق بحاله. هـ. ثم أمر بالاستعداد للحرب لمن نقض العهد، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦٠] وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (٦٠) يقول الحق ﷻ : وَأَعِدُّوا لَهُمْ، أي: لناقضي العهد، أو لمطلق الكفار، مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، أي: ما قدرتم عليه من كل ما يتقوى به في الحرب. وعن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «ألاَ إنَّ القُوَّة الرَّمْي» «١» قالها ثلاثا، ولعله ﵊ خصه بالذكر لأنه أعظم القوى، وَأعدوا لهم أيضاً مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ اي: من الخيل المربوطة للجهاد، وهو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، بمعنى مفعول، أو مصدر، أو جمع ربيط كفصيل وفصال.

стр. 935

والمراد: الحث على استعداد الخيل العتاق التي تربط وتعلف بقصد الجهاد، وهو من جملة القوة، فهو من عطف الخاص على العام، للاعتناء بأمر الخيل لما فيها من الإرهاب. ولذلك قال: تُرْهِبُونَ بِهِ أي: تخوفون بذلك الأعداء، أو بما ذكر من الخيل المربوطة، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ، يعني: كفار مكة، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أي: من غيرهم من الكفرة، كفارس والروم وسائر الكفرة، لا تَعْلَمُونَهُمُ أي: لا تعرفونهم اليوم، اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ، وسيمكنكم منهم، فتقاتلونهم وتملكون ملكهم، وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، في شأن الاستعداد وغيره مما يستعان به على الجهاد، يُوَفَّ إِلَيْكُمْ جزاؤه، وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ بتضييع عمل أو نقص أجر، بل يضاعفه لكم أضعافاً كثيرة، بسبعمائة أو أكثر. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأعدوا، لجهاد القواطع والعلائق التي تعوقكم عن الحضرة، ما استطعتم من قوة، وهو العزم على السير من غير التفات، ومن رباط القلوب في حضرة الحق، تُرهبون به عدو الله، وهو الشيطان، وعدوكم، وهي النفس، وآخرين من دونهم: الحظوظ واللحوظ وخفايا خدع النفوس، لا تعلمونهم، الله يعلمهم كالرياء والشرك الخفي، فإنه يدب دبيب النمل، وما تنفقوا من شيء يُوف إليكم أضعافاً مضاعفة، بالعز الدائم والغنى الأكبر، وأنتم لا تُظلمون. وقال الورتجبي: أَعلم الله المؤمنين والعارفين استعداد قتل أعداء الله، وسمى آلة القتال بقوة، وتلك القوة قوة الإلهية، التي لا ينالها العارف من الله إلا بخضوعه بين يديه، بنعت الفناء في جلاله، فإذا كان كذلك يلبسه الله لباس عظمته ونور كبريائه وهيبته، ويغريه إلى الدعاء عليهم، ويجعله منبسطاً، حتى يقول في سره: إلهي خذهم، فيأخذهم بلحظة، ويسقطهم صرعى بين يديه بعونه وكرمه، ويسلي قلب وليه بتفريجه من شرور مُعارضيه ومنكريه، وذلك سهم رمى نفوس الهمة عن كنانة الغيرة، كما رمى نبى الله ﷺ إلى منكريه حين قال: «شاهت الوجوه» ، وهذا الرمي من الله بقوله: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى. سمعت أن ذا النون المصري رضى الله عنه كان في غزو، وغلب المشركون على المؤمنين، فقيل له: لو دعوت الله، فنزل عن دابته وسجد، فهُزم المشركون في لحظة، وأُخذوا جميعاً، وأُسروا، وقُتلوا. وأيضاً: وأعدوا: أي: اقتبسوا من الله قوة من قوى صفاته لنفوسكم حتى يقويكم في محاربتها. قال أبو علي الروذباري، في قوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، فقال: القوة هي الثقة بالله، قيل ظاهر الآية: إنه الرمي بسهام القِسي. وفي الحقيقة: رمي سهام الليالي في الغيب بالخضوع والاستكانة، ورمي القلب إلى الحق معتمداً عليه، راجعاً إليه عما سواه. هـ.

стр. 936

ثم بيّن أن المعول على الله ونصرته، لا على السلاح والآلات بقوله: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، أي: قواك بقوته الأزلية، ونصرك بنصرته الأبدية، ووفق المؤمنين بإعانتك على عدوك. ثم بيَّن سبحانه أن نصرة المؤمنين لم تكن إلا بتأليفه بين قلوبهم، وجمعها على محبة الله ومحبة رسوله، بعد تباينها بتفرقة الهموم في أودية الامتحان، بقوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ. وقال القشيري: الإشارة بقوله: تُرْهِبُونَ: إلى أنه لا يجاهد على رجاء غنيمةٍ ينالها، أو إشفاء صدر عن قضية حقد، بل قصده أن تكون كلمة الله هي العليا. هـ. ثم دلّ على الصلح لمصلحة، فقال: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦١ الى ٦٣] وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يقول الحق ﷻ : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ أي: وإن مالوا للصلح فَاجْنَحْ لَها أي: فصالحهم، ومل إلى المعاهدة معهم، وتوكل على الله فلا تخف منهم أن يكونوا أبطنوا خداعاً فإن الله يعصمك من مكرهم وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ «١» ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم، الْعَلِيمُ بأحوالهم. وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ بعد الصلح فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ أي: فحسبك الله وكافيك شرهم، هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ أي: قواك ونصرك بِنَصْرِهِ تحقيقاً، وَبِالْمُؤْمِنِينَ تشريفاً، أو بِنَصْرِهِ قدرة وَبِالْمُؤْمِنِينَ حكمةً، والقدرة والحكمة منه وإليه، فلا دليل عليه للمعتزلة حيث نسبوا الفعل للعبد، وقالوا: العطف يقتضي المغايرة. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ مع ما كان فيها فى زمن الجاهلية من المعصية والضغائن والتهالك على الانتقام، حتى لا يكاد يأتلف فيهم قلبان، ثم صاروا كنفس واحدة، وهذا من معجزاته ﷺ . قال تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، في إصلاح ما بينهم، ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لتناهى عدواتهم إلى حد لو أنفق منفق فى إصلاح

стр. 937

ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة بينهم، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بقدرته البالغة فإنه المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء. إِنَّهُ عَزِيزٌ تام القدرة، لا يَعصي عليه ما يريده، حَكِيمٌ يعلم كيف ينبغي أن يفعل ما يريده. قيل: أن الآية نزلت في الأوس والخزرج، كان بينهم إِحنٌ وضغائن لا أمد لها، ووقائع هلكت فيها ساداتهم، فأنساهم الله ذلك، وألَّف بينهم بالإسلام، حتى تصادقوا وصاروا أنصار الدين. وبالله التوفيق. الإشارة: وإن مالت النفس وجنودها إلى الصلح مع صاحبها بأن ألقت السلاح، ومالت إلى فعل كل ما فيه خير وصلاح، وعقدت الرجوع عن هواها، والدءوب على طاعة مولاها، فالواجب عقد الصلح معها، وتصديقها فيما تأمر به أو تَنْهَى عنه، مما يرد عليها، مع التوكل على مولاها، فإن خدعت بعد ذلك، أو رجعت إلى مألوفها، فالله يكفي أمرها، ويقوى صاحبها على ردها، إما بسبب شيخ كامل، أو أخ صالح، فإن الصحبة فيها سر كبير، لا سيما مع أهل الصفاء، الذين صفت قلوبهم، وألف الله بينهم بالمحبة والوداد، وحسن الظن والاعتقاد، وإما بسابق عناية ربانية وقوة إلهية. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه بالاكتفاء بالله وعدم الالتفات إلى ما سواه، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦٤] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) قلت: (حسبك) : مبتدأ، و (الله) : خبر، ويصح العكس، و (من اتبعك) : إما عطف على (الله) ، أي: كفاك الله والمؤمنون، أو في محل نصب على المفعول معه، أو في محل جر عطف على الضمير، على مذهب الكوفيين، أي: حسبك وحسب من اتبعك الله، والأول: أصح. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ أي: كافيك الله، فلا تلتفت إلى شىء سواه، أي: لَمّا مَنَنْتُ عليك بائتلاف قلوب المؤمنين في نصرتك، فلا تلتفت إليهم في محل التوحيد، فإني حسبك وحدي بغير معاونة الخلق، فينبغي أن تفرد القدم عن الحدوث في سيرك مني إليَّ، وأنا حسب المؤمنين عن كل ما دوني، وإن كان مَلَكاً مُقّرَّباً أو نبياً مرسلاً، ولا ينبغي في حقيقة التوحيد النظر إلى غيرى، وإنما أيدتك بواسطة المؤمنين، وذَكَرتُهم معي تشريفاً لأمتك، وستراً لقدرتى، وإظهارا لكمال حكمتي، وإلا فقدرتي لا يفوتها شيء، ولا تتوقف على شيء «جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل» . قال البيضاوي: نزلت الآية تأييداً في غزوة بدر، وقيل: أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم عمر رضى الله عنه، فنزلت. ولذلك قال ابن عباس- رضى الله عنهما-: نزلت في إسلامه.

стр. 938

الإشارة: ما خوطب به النبي ﷺ يخاطب به ورثته الكرام، من الاكتفاء بالله وعدم الالتفات إلى ما سواه، وتصحيح عقد التوحيد، والاعتماد على الكريم المجيد. والله تعالى أعلم. ثم أمره بالتحريض على الجهاد، فقال: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٥ الى ٦٦] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) قلت: التحريض: هو الحث على الشيء والمبالغة في طلبه، وهو من الحرض، الذي هو الإشفاء على الهلاك. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي: حثهم عَلَى الْقِتالِ أي: الجهاد. ثم أمرهم بالصبر والثبات للعدو بقوله: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وهذا خبر بمعنى الأمر، أي: يقاتل العشرون منكم المائتين، والمائة الألف، وليثبتوا لهم، ولا يصح أن يكون خبراً محضاً إذ لو كان خبراً محضاً لَمَا تخلف في الواقع، ولو في جزئية إذ خبره تعالى لا يخلف. قال الفخر الرازي: حَسُن هذا التكليف لما كان مسبوقا بقوله: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلاً لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إذايته. هـ. وإنما كان القليل من المؤمنين يقاوم الكثير من الكفار بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ، أي: لأنهم جهلة بالله واليوم الآخر، فلا يثبتون ثبات المؤمنين، رجاء الثواب والترقي في الدرجات، قتلوا أو ماتوا، بخلاف الكفار فلا يستحقون من الله إلا الهوان والخذلان. ولمّا كلفهم بهذا في أول الإسلام، وشقَّ ذلك عليهم، خفف عنهم فقال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فلا يقاوم الواحدُ منكم العشرة، ولا المائةُ الألفَ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ،

стр. 939

وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ أمرهم بمقاومة الواحد لاثنين. وقيل: كان فيهم قلة، فلما كثروا خفف عنهم، وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة للدلالة على أن حكم القليل والكثير واحد، والضعف: ضعف البدن، لا ضعف القلب. قال بعض الصحابة- ﵃: لما نزل التخفيف ذهب من الصبر تسعة أعشار، وبقي العشر. ولذلك قال تعالى هنا: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ، أي: بالنصر والمعونة، فكيف لا يغلب من يقاومهم ولو كثر عدده؟. الإشارة: ينبغي لأهل التذكير أن يُحرضوا الناس على جهاد نفوسهم، الذي هو الجهاد الأكبر، وإنما كان أكبر لأن العدد الحسي يقابلك وتقابله، بخلاف النفس فإنها جاء تحت الرماية خفية عدو حبيب، فلا يتقدم لجهادها إلا الرجال، فينبغي للشيوخ أن يحضوا المريدين على جهادها، ويهونوا لهم شأنها فإنَّ النفس لا يهول أمرها إلا قبل رمي اليد فيها، فإذا رميت يدك فيها بالعزم على قتلها ضعفت ولانت، وسهل علاجها، وإذا خِفت منها، وسوَّفت لها، طالت عليك وملكتك. ولا بد في جهادها من شيخ يريك مساوئها، ويعينك بهمته على قتلها، وإلاّ بقيتَ في العَنَتِ معها، والشغل بمعاناتها حتى تموت بلا حصول نتيجة جهادها، وهي المعرفة بسيدها وخالقها. والله تعالى أعلم. ثم عاتبهم على أخذ الفداء من الأسارى، فقال: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٧ الى ٦٩] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) يقول الحق ﷻ : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى يقبضها حَتَّى يُثْخِنَ أي: يبالغ فِي الْأَرْضِ بالقتل حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولي أهله. تُرِيدُونَ بقبض الأسارى عَرَضَ الدُّنْيا حطامها بأخذ الفداء منهم، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أي: يريد لكم ثواب الآخرة، الذي يدوم ويبقى، أو يريد سبب نيل الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه، وَاللَّهُ عَزِيزٌ يغلب أولياءه على أعدائه، حَكِيمٌ يعلم ما يليق بكمال حالهم ويخصهم بها، كما أمر بالإثخان، ومَنَعَ مِنْ أخذ الفداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخيَّر بينه وبين المنِّ لما تحولت الحال، وصارت الغلبة للمؤمنين. رُوي أنه ﵊ أُتِيَ يوم بدر بسَبْعِينَ أسِيراً، فيهم العَبَّاس وعَقيلُ بن أَبي طَالِبٍ. فاستأْذن فِيهِمْ فقال أبو بكر رضى الله عنه: قَومُكَ وأهلُك، اسْتَبِقهِمْ، لعلَّ الله يَتُوب عَلَيْهِمْ، وخُذْ مِنْهُمْ فدْيةً تُقَوِّي بِها أصحابك. وقال عمر

стр. 940

رضى الله عنه: اضْربْ أعْنَاقَهُمْ، فإنهم أئِمَّةُ الكُفْر، وإنَّ الله أغْنَاكَ عَنِ الفِدَاءِ، فمكِّني من فُلاَن- لنَسِيبٍ لَهُ- ومكِّنَ عَليّاً وحَمْزَةَ مِنْ أخويهما، فَلْنَضْربْ أَعنَاقَهُمْ، فلم يَهْو ذلك رسول الله ﷺ ، وقال: «إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنَ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تكُونَ أَلْيَنَ من كُلّ لين، وإن الله ليُشَدِّدُ قُلوب رِجَالٍ حتَّى تَكُونَ أَشَدَّ من الحِجَارَةِ، وإن مَثلَكَ يا أَبَا بَكْر مَثَلُ إبراهيم، قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» ، ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نوح، قال: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» «٢» . فخيَّر أصحابه، فأخذوا الفداء، فنزلت، فدخل عمر رضى الله عنه على رسول الله ﷺ ، فإذا هو وأبو بكر يَبْكِيانِ، فقال: يا رسول الله: أخْبِرْنيِ، فَإنْ أجد بُكاء بَكَيْتُ، وإلا تَبَاكيْتُ؟ فقال: «أبكِي على أصْحَابِكَ في أخْذِهُمُ الفداء، ولقد عُرض عليَّ عذابُهم أدْنَى مِنْ هذِهِ الشَّجَرة» «٣» لِشَجَرَة قَرِيبَةٍ. والآية دليل على أن الأنبياء- ﵈ يجتهدون، وأنه قد يكون الخطأ، ولكن لا يقرون عليه. قاله البيضاوي. قال القشيري: أخذ النبي ﷺ يوم بدر منهم الفداء، وكان ذلك جائزاً لوجوب العصمة، ولكن لو قتلهم كان أَوْلى. هـ. وقال ابن عطية: إنما توجه العتاب للصحابة على استبقاء الرجال دون قتلهم، لا على الفداء لأن الله تعالى قد كان خيَّرهم، فاختاروا الفداء على أن يقتل منهم سبعين، كما تقدم في سورة آل عمران «٤» . ثم قال: والنبي ﵊ خارج عن ذلك الاستبقاء. انظر تمامه في الحاشية. فإن قلتَ: إذا كان الحق تعالى خيَّرهم فكيف عاتبهم، وهم لم يرتكبوا محظوراً؟ فالجواب: أن العتاب تابع لعلو المقام، فالخواص يُعاتبون على المباح، إن كان فعله مرجوحاً، والحق تعالى إنما عاتبهم على رغبتهم في أمر دنيوي، وهو الفداء، حتى آثروا قتل أنفسهم على أخذه، ويدل عليه قوله: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا، وهذا إنما كان في بعضهم، وجُلهم إنما اختاروا الفداء استبقاء لقرابة الرسول ﵊. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى في تمام عتابهم: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أي: لولا حكم الله سبق إثباته فى اللوح المحفوظ، وهو ألا يعاقب المخطئ في اجتهاده، أو أنه سيحل لكم الغنائم، أو ما سبق في الأزل من العفو عنكم، لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ من الفداء أو من الأسارى، عَذابٌ عَظِيمٌ. روى أنه ﵊ قال، حين نزلت: «لو نزل العذاب ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ» وذلك لأنه أيضاً أشار بالإثخان.

стр. 941

ثم أباح لهم الغنائم وأخذ الفداء فقال: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ من الكفار، ومن جملته: الفدية، فإنها من الغنائم، حَلالًا طَيِّباً أي: أكلا حلالا، وفائدته: إزاحة ما وقع في نفوسهم بسبب تلك المعاتبة، أو حرمتها على المتقدمين. رُوي أنه لما عاتبهم أمسكوا عنها حتى نزلت: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ، ووصفة بالطيب تكسينا لقلوبهم، وزيادة في حليتها. وفي الحديث عنه ﷺ : «أُعطيتُ خمساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أّحّدٌ من الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: أُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ مسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وطهُوراً، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وخُصصتُ بِجَوَامعِ الكلمِ» «١» . أو كما قال ﵊. ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفته إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: يغفر لكم ما فرط، ويرحمكم بإباحة ما حرم على غيركم توسعةً عليكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما ينبغي للفقير المتوجه أن يكون له أتباع يتصرف فيهم ويستفيد منهم، عوضاً عن الدنيا، حتى يبالغ في قتل نفسه وتموت، ويأمن عليها الرجوع إلى وطنها من حب الرئاسة والجاة، أو جمع المال، والتمتع بالحظوظ، فإن تعاطي ذلك قبل موت نفسه كان ذلك سبب طرده، وتعجيل العقوبة له، حتى إذا تداركه الله بلطفه، وسبقت له عناية من ربه، فيقال له حينئذٍ: لولا كتاب من الله سبق لمسك فيما أخذت عذاب عظيم. ثم بشّر الأسارى بخلف ما أخذ منهم من الفداء بأكثر منه، فقال: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٧٠ الى ٧١] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) قلت: (أسرى) : جميع أسير، ويجمع على أسارى. وقرىء بهما، و (خيراً مما) : اسم تفضيل، وأصله: أًخْيَر، فاستغنى عنه بخير، وكذلك شر أصله: أشر، قال في الكافية: وغالباً أغناهم خير وشر ... عن قولهم: أخيرُ منه وأشر. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى الذين أخذتم منهم الفداء: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً أي: إيمانا وإخلاصا يكون فى المستقبل، يُؤْتِكُمْ خَيْراً أي: أفضل وأكثر مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ من الفداء.

стр. 942

رُوي أنها نزلت في العباس رضى الله عنه كلّفه رسول الله ﷺ أن يفدي نفسه، وابني أخويه: عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال: يا محمد تركتني أتكففُ قريشاً ما بقيت، فقال له ﵊: وأين الذهب الذي دفعتَهُ لأُمِّ الفضلِ وقتَ خُرُوجك، وقلت لها: لا أدْري ما يصيبني في وَجْهي هذا، فإن حَدَثَ بي حدثٌ فهو لك، ولعبدِ الله، وعُبيد الله والفضل، وقُثَم، قال له وما يُدْريكَ؟ قال: أخبرني به ربي تعالى، قال: فأشهدُ أنكَ صادِقٌ، وأن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، واللَّهِ لم يطلعْ عليه أحدٌ إلا الله، ولقد دفعته إليها في سَوَادِ اللِّيْلِ. قال العباس: فأبْدَلَني الله خيراً من ذلك، أعطاني رسول الله ﷺ من المال الذي قدم من البحرين ما لم أقدر على حمله، ولي الآن عشرون عبداً، إن أدناهم يضرب- أي: يتجر- في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم، ما أحب أَنَّ لي بها جميعَ أموالِ أهل مكَّة، وأنا أنتظرُ المغفره مِنْ ربكم، يعني: الموعود بقوله تعالى: (يغفر لكم والله غفور رحيم) «١» . وَإِنْ يُرِيدُوا الأسارى خِيانَتَكَ بنقض ما عهدوك به، فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ بالكفر والمعاصي فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وأمكنك من ناصيتهم، فقُبِضوا وأُسروا ببدر، وَاللَّهُ عَلِيمٌ لا يخفى عليه شيء، حَكِيمٌ فيما دبر وأمضى. الإشارة: يقال للفقراء المتوجهين إلى الله، الذين بذلوا أموالهم ومهَجَهم، وقتلوا نفوسهم في طلب محبوبهم: إن يعلم الله في قلوبكم خيراً، كصدق وإخلاص، يؤتكم أفضل مما أخذ منكم، من ذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس. وهو الغناء الأكبر، والسر الأشهر، الذي هو الفناء فى الله، والغيبة عما سواه، وثمرته: المشاهدة التي تصحبها المكالمة، وهذا هو الإكسير والغنا الكبير، فكل من باع نفسه في طلب هذا فقد ربحت صفقته وزكت تجارته، مع غفران الذنوب، وتغطية المساويء والعيوب. وبالله التوفيق. ثم بيّن فضائل المهاجرين والأنصار، ومنزلة من آمن ولم يهاجر، والذين هاجروا بعد الحديبية، تتميما للتحريض على الجهاد، فبدأ أولا بالمهاجرين والأنصار، فقال:

стр. 943

[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٧٢ الى ٧٣] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا أوطانهم في الخروج مع رسول الله ﷺ ، لنصرة الدين بالجهاد، وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ فصرفوها في الإعداد للجهاد، كالكراع والسلاح، وأنفقوها على المجاريح، وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بمباشرة القتال، وَالَّذِينَ آوَوْا رسول الله ومن هاجر معه، وواسوهم بأموالهم، وَنَصَرُوا دين الله ورسوله، أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في التعاون والتناصر، أو في الميراث. وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة، دون الأقارب، حتى نسخ بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «١» . ثم ذكر من لم يهاجر فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ لا في النصرة، ولا في الميراث، حَتَّى يُهاجِرُوا إليكم، وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ على المشركين فِي إظهار الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ أي: فواجب عليكم نصرهم وإعانتهم، لئلا يستولي الكفر على الإيمان، إِلَّا عَلى قَوْمٍ كان بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عهد ومِيثاقٌ، فلا تنقضوا عهدهم بنصرهم، فإن الخيانة ليست من شأن أهل الإيمان. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا يخفى عليه مَن أوفى ومن نقض. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في الميراث. ويدل بمفهومه، على منع التوارث والمؤازرة بينهم وبين المسلمين. إِلَّا تَفْعَلُوهُ أي: إلا تفعلوا ما أُمرتم به من موالاة المؤمنين ونصرتهم، أو نصرة من استنصر بكم ممن لم يهاجر، تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ باستيلاء المشركين على المؤمنين، وَفَسادٌ كَبِيرٌ بإحلال المشركين أموال المؤمنين وفروجهم، أو: إلاّ تفعلوا ما أُمرتم به من حفظ الميثاق، تكن فتنة في الأرض، فلا يفي أحد بعهد أبداً، وفساد كبير بنهب الأموال والأنفس. الإشارة: أهل التجريد، ظاهراً وباطناً، هم الذين آمنوا وهاجروا حظوظهم، وجاهدوا نفوسهم بسيوف المخالفة، وآوَوا من نزل أو التجأ إليهم من إخوانهم أو غيرهم، أو آووا أشياخهم وقاموا بأمورهم، ونصروا الدين بالتذكير

стр. 944

والإرشاد والدلالة على الله، أينما حلوا من البلاد، أولئك بعضهم أولياء بعض في العلوم والأسرار، وكذلك في الأموال. فقد قال بعض الصوفية: (الفقراء: لا رزق مَقْسُومٌ، وَلاَ سِرٌّ مَكْتُومٌ) . وهذا في حق أهل الصفاء من المتحابين في الله. والذين آمنوا ولم يهاجروا هم أهل الأسباب من المنتسبين، قد نهى الله عن موالاتهم في علوم الأسرار وغوامض التوحيد لأنهم لا يطيقون ذلك لشغل فكرتهم بالأسباب أو بالعلوم الرسمية، نعم، إن وقعوا في شبهة أو حيرة، وجب نصرهم بما يزيل إشكالهم، لئلا تقع بهم فتنة أو فساد كبير في اعتقادهم. والله تعالى أعلم. ثم أثنى على المهاجرين والأنصار، فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٧٤] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) قال البيضاوي: لما قسم المؤمنين ثلاثة أقسام، - أي: مهاجرين، وأنصار، ومن آمن ولم يهاجر- بين أن الكاملين في الإيمان منهم هم الذين حققوا إيمانهم، بتحصيل مقتضاه من الهجرة، والجهاد، وبذل المال، ونصرة الحق، ووعد لهم الوعد الكريم، فقال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ لا تبعة له، ولا فتنة فيه. ثم ألحق بهم في الأمرين من يلتحق بهم ويتسم بسمتهم فقال: [سورة الأنفال (٨) : آية ٧٥] وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) أي: من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار. هـ. ثم نسخ الميراث المتقدم، فقال: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول الحق ﷻ وَأُولُوا الْأَرْحامِ من قرابة النسب، بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ في التوارث من الأجانب، وظاهره: توريث ذوي الأرحام، كالخال والعمة وسائر ذوي الأرحام، وبه قال أبو حنيفة، ومنعه مالك، ورأى أن الآية منسوخة بآية المواريث التي في النساء، أو يراد بالأولية: غير الميراث، كالنصرة وغيرها. وقوله: فِي كِتابِ اللَّهِ أي: في القرآن، أو اللوح المحفوظ. إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أمر المواريث وغيرها، أو عليم بحكمة إناطتها بنسبة الإسلام والمظاهرة أولا، وبالقرابة ثانياً، والله تعالى أعلم.

стр. 945

الإشارة: الناس ثلاثة: عوام، وخواص، وخواص الخواص. فالعوام: هم الذين لا شيخ لهم يصلح للتربية. والخواص: هم الذين صحبوا شيخ التربية، ولم ينهضوا إلى مقام التجريد. وخواص الخواص: هم الذين صحبوا شيخ التربية وتجردوا ظاهراً وباطناً، خربوا ظواهرهم، وعمّروا بواطنهم، وهم الذين خاضوا بحار التوحيد، وذاقوا أسرار التفريد. وهم الذين أشار المجذوب الى مقامهم بقوله: يا قارئين علم التوحيد ... هنا البحور اليَّ تغبى هذا مقام أهل التجريد ... الواقفين مع ربي فأهل التجريد، كالمهاجرين والأنصار، وأهل الأسباب من أهل النسبة، كمن لم يهاجر من الصحابة، ومن تجرد بعدُ ودخل معهم، التحق بهم. قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ، ومن لا نسبة له كمن لا صحبة له، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه، وسلم تسليماً، وآخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمين «١» .

стр. 946

سورة التّوبة «١» (مدنية) . ولها أسماء أخر: سورة براءة لتبرئها من المنافقين، والمقشقشة، أي: المبرئة من النفاق، والبحوث لبحثها عن أحوال المنافقين، والمبعثرة والمنقرة والمثيرة، والحافرة لأنها بعثرت ونقرت وأثارت وحفرت عن أحوال المنافقين، والمخزية والفاضحة، والمنكلة، والمشردة، والمدمدمة، وسورة العذاب لأنها أخزت المنافقين، وفضحتهم، ونكلتهم، وشردتهم، ودمدمت عليهم، وذكرت ما أعد الله لهم من العذاب. وآياتها: مائة وثلاثون، وقيل: وتسع وعشرون. ومناسبتها: قوله: إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ «٢» ، فذكر فى هذه السورة نقض ذلك الميثاق. واتفقت المصاحف والقراء على ترك البسملة فى أولها، فقال عثمان رضى الله عنه: أشبهت معانيها معانى الأنفال، أي: لأن فى الأنفال ذكر العهود وفى براءة نبذها. وكانتا تدعى القرينتين فى زمن رسول الله ﷺ ، فلذلك قرنت بينهما ووضعتهما فى السبع الطوال «٣» ، وكان الصحابة قد اختلفوا: هل هما سورة واحدة أو سورتان؟ فتركت البسملة بينهما لذلك. وقال عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه: البسملة أمان، وبراءة نزلت بالسيف، فلذلك لم تبدأ بالأمان. وقال البيضاوي: لما اختلف الصحابة فى أنهما سورة واحدة، وهى سابعة السبع الطوال، أو سورتان، تركت بينهما فرجة، ولم تكتب بسم الله. هـ. ثم ابتدأ بنقض عهود المشركين، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١ الى ٢] بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) قلت: (براءة) : خبر عن مضمر، أي: هذه براءة، و (مِنَ) : ابتدائية، متعلقة بمحذوف، أي: واصلة من الله، و (إلى الذين) : متعلقة به أيضا، أو مبتدأ لتخصيصها بالصفة، و (إلى الذين) : خبر.

стр. 947

يقول الحق ﷻ : هذه بَراءَةٌ أي: تبرئة مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ واصلة إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فقد تبرأ الله ورسوله من كل عهد كان بين المشركين والمسلمين، لأنهم نكثوا أولاً، إلا أناساً منهم لم ينكثوا، وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، وسيأتي استثناؤهم. قال البيضاوي: وإنما علقت البراءة بالله وبرسوله، والمعاهدة بالمسلمين للدلالة على أنه يجب عليهم نبذ عهود المشركين إليهم، وإن كانت صادرة بإذن الله واتفاق الرسول فإنهما برئا منها. هـ. وقال ابن جزي: وإنما أسند العهد إلى المسلمين لأن فعل الرسول ﷺ لازم للمسلمين، وكأنهم هم الذين عاهدوا المشركين، وكان النبي ﷺ قد عقد العهد مع المشركين إلى آجال محدودة، فمنهم من وفّى، فأمر الله أن يتم عهده إلى مدته، ومنهم من نقض أو قارب النقض، فجعل له أجل أربعة أشهر، وبعدها لا يكون له عهد. هـ. وإلى ذلك أشار بقوله: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ آمنين لا يتعرض لكم أحد، وبعدها لا عهد بيني وبينكم. وذكر الطبري: أنهم أسلموا كلهم في هذه المدة ولم يسح أحد. هـ. وهذه الأربعة الأشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، لأنها نزلت في شوال، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من الآخر، لأن التبليغ كان يوم النحر لما رُوي (أنها لمّا نزلت أرسل رسولُ الله ﷺ عليا رضى الله عنه راكبِاً العَضْبَاءَ ليَقْرأَهَا عَلى أهل المَوْسِم، وكان قد بعث أبا بكر رضى الله عنه أميراً على الموسم، فقيل: لو بَعَثْتَ بها إِلى أَبَي بكرٍ؟ فقال: «لا يؤدي عني إلا رجل مِنِّي» فَلَمَّا دَنَا عَليٌّ رضى الله عنه سَمِعَ أَبُو بَكرٍ الرُّغاءَ، فوقف، وَقَال: هذا رُغاء ناقة رسول الله ﷺ ، فوقف، فلمَّا لَحِقَهُ قال: أَمير أو مَأمُورٌ؟ قال: مَأمُورٌ، فلما كان قبل الترْويَة خَطَبَ أبو بكر رضى الله عنه، وحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكَهِم، وقَامَ علي- كرم الله وجهه- يومَ النَّحر، عند جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فقال: يا أَيُّها الناس، إني رَسُولُ رَسولِ الله ﷺ إليكم، فقالوا: بماذا؟ فَقَرأَ عليهمْ ثلاثين أوْ أرْبعين آيةً من أول السورة، ثم قال: أمرْتُ بأربَعٍ: أَلا يَقْرب البَيْتَ بعد هذا مُشركٌ، ولا يَطُوف بالبيت عُريَانٌ، ولا يَدخُلُ الجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٍ، وأن يتمّ إلى كُلّ ذِي عَهْدٍ عَهْدُهُ.) «١» . ولعل قوله ﷺ : «ولا يؤدي عني إلا رجل مني» خاص بنقض العهود لأنه قد بعث كثيراً من الصحابة ليؤدوا عنه، وكانت عادة العرب ألاّ يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل منها. قاله البيضاوي مختصراً. ثم قال تعالى لأهل الشرك: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي: لا تفوتونه، وإن أمهلكم، وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ في القتل والأسر في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة.

стр. 948

الإشارة: قد وقع التبرؤ من أهل الشرك مطلقاً، أما الشرك الجلي فقد تبرأ منه الإسلام والإيمان، وأما الشرك الخفي فقد تبرأ منه مقام الإحسان، ولا يدخل أحدٌ مقام الإحسان حتى لا يعتمد على شيء، ولا يستند إلى شيء، إلا على من بيده ملكوت كل شيء، فيطرح الأسباب وينبذ الأرباب، ويرفض النظر إلى العشائر والأصحاب، حتى لا يبقى في نظره إلا الكريم الوهاب، فمن أصرّ على شركه الجلي أو الخفي فإن الله يمهل ولا يهمل، فلا بد أن يلحقه وباله: إما خزي في الدنيا، أو عذاب في الآخرة، كلٌّ على ما يليق به. وقال القشيري: إنْ قَطَعَ عنهم الوصلة فقد ضَرَبَ لهم مدةً على وجه المُهْلَةِ، فأَمَّنهُم في الحَالِ ليتأهبوا لتَحمُّل مقاساةِ البراءةِ فيما يستقبلونه في المآلِ. والإشارةُ فيه: أنهم إنْ أقلعوا في هذه المهلة عن الغَيِّ والضلال، وجدوا في المآل ما فقدوا من الوصال، وإنْ أبَوْا إلا التمادي في تَرْكِ الخدمة والحرمة، انقطع ما بينه وبينهم من الوصلة. هـ. والله تعالى أعلم. ثم أمر بإظهار تلك البراءة للناس، فقال: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣ الى ٤] وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) قلت: (وأذان) : مبتدأ، أو خبر، على ما تقدم في براءة، وهو فَعال بمعنى إفعال كالعطاء بمعنى الإعطاء، أي: وإعلام من الله ورسوله واصل إلى الناس، ورفع «رسوله» إما عطف على ضمير برىء، أو على محلّ «إِنّ» واسمها، أو مبتدأ حُذف خبره، أي: ورسوله كذلك. يقول الحق ﷻ : وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ واصل إلى الناس، يكون يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وهو يوم النحر لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، ولأن الإعلام كان فيه. ولما روى أنه- ﵊ وقف يوم النحر، عند الجمرات، في حجة الوداع، فقال: «هذا يوم الحج الأكبر» «١» ، وقيل: يوم عرفة لقوله- ﵊: «الحج عرفة» «٢» . ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.

стр. 949

وذلك الإعلام بأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ- ﵊ كذلك. قال البيضاوي: ولا تكرار فإن قوله: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ: إخبار بثبوت البراءة، وهذا إخبار بوجوب الإعلام بذلك، ولذلك علقه بالناس ولم يخص بالمعاهدين. هـ. فَإِنْ تُبْتُمْ يا معشر الكفار ورجعتم عن الشرك، فَهُوَ أي: الرجوع خَيْرٌ لَكُمْ، وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي: أعرضتم عن التوبة وأصررتم على الكفر فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ لا تفوتونه طلباً، ولا تعجزونه هرباً في الدنيا، وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ في الآخرة. ولما أمر بنقض عهود الناكثين استثنى من لم ينقض فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ أي: لكن الذين عاهدتم مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وهم بنو ضمره وبنو كنانة، ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً من شروط العهد، ولم ينكثوا، ولم يقتلوا منكم، ولم يضروكم قط، وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً أي: لم يعاونوا عليكم أحداً من أعدائكم، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى تمام مُدَّتِهِمْ، وكانت بقيت لهم من عهدهم تسعة أشهر. ولا تجروهم مجرى الناكثين إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، وهو تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من باب التقوى. قاله البيضاوي. الإشارة: من أعظم شؤم الشرك: إن الله ورسوله تبرآ من أهله مرتين: خاصة وعامة، فيجب على العبد التخلص منه خفياً أو جلياً، ويستعين على ذلك بصحبة أهل التوحيد الخاص، حتى يُخلصوه من أنواع الشرك كلها، فإن صدر منه شيء من ذلك فليبادر بالتوبة، فإن تولى وأصر على شركه، كان ذلك سبب هوانه وخزيه، وبالله التوفيق. ثم أمر بجهاد المشركين، بعد الأربعة الأشهر التي أمهلهم فيها، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ٥] فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يقول الحق ﷻ : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ أي: انقضى الأشهر الْحُرُمُ وهي الأربعة التي امهلهم فيها، فمن قال: إنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فهي الحرم المعروفة، زاد فيها شوال، ونقص رجب، وسميت حرماً تغليباً للأكثر، ومن قال: إنها ذو الحجة إلى ربيع الثاني، فسميت حرماً لحرمتها ومنع القتال فيها حينئذٍ. وغلط من قال: إنها الأشهر الحرم المعلومة لإخلاله بنظم الكلام ومخالفته للإجماع لأنه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم. انظر البيضاوي.

стр. 950

فإذا انقضت الأربعة التي أمهلتهم فيها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الناكثين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ من حل أو حرم، وَخُذُوهُمْ أسارى، ويقال للأسير: أخيذ، وَاحْصُرُوهُمْ واحبسوهم، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ كل ممر وطريق لئلا ينبسطوا في البلاد، فَإِنْ تابُوا عن الشرك وآمنوا، وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ تصديقاً لتوبتهم وإيمانهم فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ أي: فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشيء من ذلك. وفيه دليل على أنَّ تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله، بل يقاتل كما فعل الصديق رضى الله عنه بأهل الردة. والآية: في معنى قوله ﷺ : «أمرت أن أُقَاتِل النَّاس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويُقيموا الصَّلاة، ويُؤتوا الزَّكَاةَ ... » الحديث «١» . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، هو تعليل لعدم التعرض لمن تاب، أي: فخلوهم لأن الله قد غفر لهم، ورحمهم بسبب توبتهم. الإشارة: فإذا انقضت ايام الغفلة والبطالة التي احترقت النفس فيها، فاقتلوا النفوس والقواطع والعلائق حيث وجدتموهم، وخذوا أعداءكم من النفس والشيطان والهوى، واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد يتعرضون فيه لكم، فإن أذعنوا، وانقادوا، وألقوا السلاح، فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم. ولما أمر بقتال المشركين وأخذهم أينما ثقفوا، استثنى من أتى يطلب الأمان، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ٦] وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) قلت: «أحد» : فاعل بفعل يفسره: «استجارك» . يقول الحق ﷻ : وَإِنْ أتاك أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ المأمورين بالتعرض لهم، حيثما وجدوا، اسْتَجارَكَ يطلب جوارك، ويستأمنك، فَأَجِرْهُ أي: فأمنهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ويتدبره، ويطلع على حقيقة الأمر، لعله يُسلم، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أي: موضع أمنه إن لم يسلم، ولا تترك أحداً يتعرض له حتى يبلغ محل أمنه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ أي: ذلك الأمر الذي أمرتك به بسبب أنهم قوم لا علم لهم بحقيقة الإيمان، ولا ما تدعوهم إليه، فلا بد من إيجارهم، لعلهم يسمعون ويتدبرون فيكون ذلك سبب إيمانهم.
следующие страницы →