Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
١٦٠ سلامة الحاجب يلوم قوما طعنوا في العدول
قال «١» ، وكنت عنده «٢» في آخر كونه ببغداد، وقبيل دخول الديلم [إليها] «٣» ، وبحضرته قوم يطعنون على الشهود، ويعيبونهم.
فقال لهم سلامة: ما رأيت أعجب من أمركم، من فيكم يطمئن أن يشتري من ابنه، أو من أخيه، ضيعة بعشرة آلاف دينار، ولا يشهد عليه [٢١٨] العدول؟
فقالوا: ما فينا أحد بهذه الصورة.
قال: أفتستظهرون لأنفسكم، وأعقابكم، في هذا القدر الكثير من المال، وما هو أكثر منه، إلّا بالشهادة، وتعتاضون بخطوطهم في جلد يساوي دافق فضّة، من ذلك المال العظيم، حتى تأخذوا الصكّ، بدلا من المال، فتجعلونه تحت رؤوسكم، لشدّة حفظه.
قالوا: نعم.
قال: فمن كان هذا حكمه عندكم، لم تطعنون فيه؟.
стр. 1087
١٦١ أبو علي بن مقلة الوزير يزيل أثر الحلوى بالحبر
حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن رجاء بن أبي الضحّاك، وكان يعرف بالديناريّ «١» ، لأن أمّه ديناريّة، تقرب إلى امرأة أبي عليّ بن مقلة، المعروفة بأم الفضل الديناريّة.
وسمعت أبا القاسم الحسن بن عليّ بن مقلة «٢» ، يحدّث بهذا الحديث، واللفظ مقارب، قالا:
كان أبو عليّ بن مقلة «٣» ، يوما، يأكل، فلما شيلت المائدة، وغسل يده، رأى على ثوبه نقطة صفراء من الحلوى الذي أكله، ففتح الدواة، واستمدّ منها بيده، ونقطها على الصفرة، حتى لم يبق لها [٢١٩] أثر، وقال: ذاك عيب، وهذا أثر صناعة، ثم أنشد:
إنّما الزعفران عطر العذارى ... ومداد الدويّ عطر الرجال
стр. 1088
١٦٢ من نظم ابن أبي الضحاك
أنشدني «١» لنفسه:
وأشجار نارنج كأنّ ثمارها ... حقاق عقيق قد ملئن من الدرّ
تطالعنا بين الغصون كأنّها ... خدود العذارى في ملاحفها الخضر
أتت كلّ مشتاق بريّا حبيبه ... فهاجت له الأحزان من حيث لا يدري
وأنشدني لنفسه أيضا في النارنج:
شجر كأيّام الشباب ... تعجّلت قبل المشيب
وكأنّما نارنجها ... وجه الحبيب على رقيب
تهدي إليك جميع ما ... أرضاك من حسن وطيب
لم لا تحنّ لها القلوب ... وقد غدت مثل القلوب
стр. 1089
١٦٣ للبديهي البغدادي في وصف النارنج
أنشدني أبو الحسن، أحمد بن عبيد الله البغداديّ، المعروف بالبديهيّ «١» ، لنفسه: [٢٢٠]
أنظر إلى النارنج في أغصانه ... نزها لأعيننا وعطرا في اليد
ككباب نار في قباب زبرجد ... متوقّد بالطيب أيّ توقّد
ورق كآذان الجياد قدودها ... قد أثقلت بقلائد من عسجد
стр. 1090
١٦٤ أبو الحسن بن جميل يستخلف متخلفا
حدّثني أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين الأهوازي، الكاتب «١» ، قال:
كنّا خمسة كتّاب، قد نشأنا بين يدي أبي الحسن بن جميل، في الديوان بالأهواز، وتعلّمنا عليه، وكان فينا رجل متخلّف في صناعته، فأراد ابن جميل، أن يغيب عن صاحبه، واستخلف ذلك المتخلّف، فاغتممنا لتقديمه علينا.
وكان الرجل، يدخل إلى الصاحب، فإذا سأله عن شيء لم يفهمه، وإن فهمه لم يحسن أن يجيب عنه، وإن أجاب عنه، اضطرب ولم يقم بالحجّة.
فلما طال ذلك على الصاحب، قال: قد أضرّت بنا غيبة ابن جميل عنّا، [٢٢١] اكتبوا إليه، حتى يبادر.
قال: فعلمنا- حينئذ- أنّه استخلفه، ليكتب لصاحبه، إذا غاب، في موضعه، ولا يطمع في أن ينوب عنه «٢» .
стр. 1091
١٦٥ أبو الفضل عامل أرجان يقدّم نوبة الحمّى
حدّثنا أبو عليّ محمد بن الحسن بن جمهور، العمّي «١» ، الكاتب، الصلحيّ، البصريّ، صاحب الستارة، المشهور بالأدب، والشعر، وتصنيف الكتب، قال:
كنت أكتب لأبي الفضل غيلان بن إسماعيل، وهو بأرجان يتقلّدها.
فقيل له: قد قدم أبو المنذر النعمان بن عبد الله «٢» ، يريد فارس «٣» ، والوجه أن تلقاه في غد.
وكان أبو الفضل يحمّ حمّى الربع «٤» ، فقال: كيف أعمل، وغدا يوم حمّاي، ولا أتمكّن من لقاء الرجل، ولكن الوجه أن أحمّ اليوم، حتى أقدر أن ألقاه غدا، يا غلام، هات الدوّاج «٥» حتى أحمّ الساعة.
وإذا عنده، أنّه إذا أراد أن يقدّم نوبة الحمّى، ويحمّ، تأخّرت عنه الحمّى في غد، وصحّ.
стр. 1092
١٦٦ ابن الجريح يقتل أسدا
حدّثني الأستاذ أبو أحمد الحسين بن محمد الدلجيّ «١» ، قال:
كنت بنواحي المذار «٢» ، في جماعة، منهم رجل من الشاكرية، يعرف بابن الجريح [٢٢٢] ، فخرج علينا أسد، فابتدر له هذا الرجل، بسيفه ودرقته، يحاربه، ودخل معه الأجمة، فلم نعرف له خبرا، حتى خرج علينا، وقد قتل الأسد، وحمله على ظهره، وكان بيننا وبين الأجمة مسافة صالحة، فلما انتهى إلينا، طرحه عن ظهره.
فما درينا من أيّ شيء نعجب، من رجل قتل سبعا وحده، أو من حمله إيّاه، على ظهره، طول تلك المسافة.
стр. 1093
١٦٧ الخليفة المعتضد يقتل أسدا
وحدّثنا «١» ، قال: بلغني عن خفيف السمرقنديّ «٢» ، أنّه قال:
كنت مع مولاي المعتضد، في بعض متصيّداته، وقد انقطع عن العسكر، وليس معه غيري، فخرج علينا أسد، فقصدنا.
فقال لي المعتضد، يا خفيف، أفيك خير؟
فقلت: لا، يا مولاي.
فقال: ولا حتى تمسك فرسي، وأنزل أنا إلى الأسد؟
فقلت: بلى.
فنزل، وأعطاني فرسه، وشدّ أطراف منطقته، واستلّ سيفه، ورمى القراب إليّ، فأخذته، وأقبل يمشي إلى الأسد، واستقبله بضربة، وثنّاه المعتضد بأخرى، ففلق هامته، فخرّ صريعا، ودنا [٢٢٣] منه وقد تلف، فمسح السيف في صوفه، حتى نظّفه، ورجع إليّ، فأغمد السيف، وركب.
ثم عدنا إلى المعسكر، وصحبته، فإلى أن مات، ما سمعته يتحدّث بحديث الأسد، ولا لفظ فيه بلفظة.
فلم أدر من أي شيء أعجب، من شجاعته وشدّته، أم من قلّة حفله بما صنعه، وكتمانه، أم من كرمه وعفوه عنّي، وما عاتبني على ضنّي بنفسي.
стр. 1094
١٦٨ لا جزاك الله من طارق خيرا
حدّثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن أمّ المكاتب البغداديّ، المعروف والده بأبي اللّيث الهمذاني، قال: حدّثني محمد بن بديع العقيليّ، أحد قوّادهم ووجوههم في الحيّ، وكان ورد إلى معزّ الدولة، فأكرمه وأحسن إليه، قال:
رأيت رجلا من بني عقيل، وفي ظهره كلّه شرط كشرطات الحجام، إلّا أنها أكبر، فسألته عن ذلك.
فقال: إنّي كنت هويت ابنة عمّ لي، فقالوا: لا نزوّجك إلّا أن تجعل في الصداق الشبكة، فرس سابقة كانت لبعض بني بكر بن كلاب، فتزوّجتها على ذلك.
وخرجت في أن أحتال في سلب الفرس [٢٢٤] من صاحبها، لأتمكّن من الدخول بابنة عمّي.
فأتيت الحيّ الذي فيه الفرس، في صورة حدّار، وما زلت أداخلهم، ومرّة أجيء الخباء الذي هي فيه كأنّي سائل، إلى أن عرفت مبيت الفرس من الخباء.
واحتلت حتى دخلت البيت من خلفه، وحصلت خلف النضد، تحت عهن «١» كانوا نفشوه ليغزل.
فلما جاء الليل، وافى صاحب الخباء، وقد زاولت «٢» له المرأة عشاء،
стр. 1095
وجلسا يأكلان، وقد استحكمت الظلمة، ولا مصباح لهم، وكنت ساغبا «١» ، فأخرجت يدي، وأهويت إلى القصعة، وأكلت معهم.
فاحسّ الرجل بيدي، فأنكرها، فقبض عليها، فقبضت على يد المرأة، فقالت له المرأة، ما لك ويدي؟، فظنّ أنّه قابض على يد امرأته، فخلّى يدي، فخلّيت يد المرأة.
وأكلنا، فأنكرت المرأة يدي، فقبضت عليها، فقبضت يد الرجل، فقال لها: ما لك؟ فخلّت عن يدي، فخلّيت عن يده.
وانقضى الطعام، واستلقى الرجل نائما، فلمّا استثقل، وأنا مراصدهم، والفرس مقيّدة في جانب البيت [٢٢٥] ، فأثبتّها، والمفتاح تحت رأس المرأة.
فوافى عبد له أسود، فنبذ حصاة، فانتبهت المرأة، فقامت إليه، وتركت المفتاح في مكانه، وخرجت من الخباء إلى ظاهر البيت، ورمقتها بعيني، فإذا هو قد علاها.
فلمّا حصلا في شأنهما، دببت، وأخذت المفتاح، وفتحت القفل، وكان معي لجام شعر، فأوجرته الفرس، وركبتها، وخرجت عليها من الخباء.
فقامت المرأة من تحت العبد، ودخلت الخباء، وصاحت.
فذعر الحي، وأحسّوا بي، وركبوا في طلبي، وأنا أكدّ الفرس، وخلفي خلق منهم.
فأصبحت، وليس ورائي إلّا فارس واحد برمح، فلحقني وقد طلعت الشمس، وأخذ يطعنني، فلا تصل إليّ طعناته، ولا فرسي تنجيني، إلى حيث لا يمسّني من الرمح شيء.
стр. 1096
حتى وافينا إلى نهر عظيم، فصحت بالفرس، فوثبته، وصاح الفارس بالفرس التي تحته، فقصّرت، ولم تثب.
فلما رأيته عاجزا عن العبور، وقفت، لأريح الفرس وأستريح، فصاح بي، فأقبلت عليه بوجهي.
فقال: يا هذا، أنا صاحب [٢٢٦] الفرس التي تحتك، وهذه ابنتها، فإذ ملكتها، فلا تخدع عنها، فإنّها تساوي عشر ديات، وعشر ديات، وعشر ديات، وما طلبت عليها شيئا قط، إلّا لحقته، ولا طلبني عليها أحد إلّا فتّه، وإنّما سمّيت الشبكة، لأنّها لم ترد قط شيئا إلّا أدركته، فكانت كالشبكة في صيده.
فقلت له: إذ نصحتني، فو الله لأنصحنّك، كان من صورتي البارحة، كيت وكيت، وقصصت عليه قصة امرأته، والعبد، وحيلتي في الفرس.
فأطرق، ثم رفع رأسه، وقال: ما لك، لا جزاك الله من طارق خيرا، طلّقت زوجتي، وأخذت قعدتي «١» ، وقتلت عبدي.
стр. 1097
١٦٩ دكين البدوي يسلّ فرس معز الدولة
وحدّثنا ابن أبي الليث الكاتب، قال: حدّثني رجل من بني النمر بن قاسط، يسمى دكين، بدويّ، شاهدته بالأنبار، قال:
كان معزّ الدولة، لما حصل بسنجار، يشدّ «١» فرسا له جليل القيمة، بين يديه، في أقرب المواضع إلى مبيته. فعيّنت عليه، وطمعت في سلّه، وأعملت الحيلة في ذلك [٢٢٧] ، فلم أتمكّن.
إلى أن جئت ليلة من الليالي، فوجدت بعض السوّاس، وقد نزع جبّة صوف عليه، وهو نائم، وقد طرحها إلى جنبه، فلبستها، وجئت إلى الفرس، وأخذت المخلاة من رأسه، لأحلّه، وأركبه.
فلما طرحت المخلاة، استيقظ معزّ الدولة، وأحسست بحركته، فأخذت الغربال، وطرحت به باقي الشعير الذي كان في المخلاة، وسرّدته «٢» ، وأعدته إلى المخلاة، وأوهمته أنّي أحد السوّاس، وقد فعلت ذلك متفقّدا للفرس.
فلما رآني أفعل ذلك، صاح بالفارسيّة، بكلام فهمت معناه: حسبه من الشعير، لا تردّه إلى رأسه.
فتركت المخلاة، ومرح الفرس يطلبها.
فقال معزّ الدولة بالفارسيّة: قصّر عليه.
فتمكّنت من الحيلة، وأهويت إلى الرسن، فحللته، موهما له أنّي أقصّره، واستويت على ظهره وصحت به، فخرجت من العسكر.
стр. 1098
وصاح الأمير معزّ الدولة، وركب سرعان العسكر في طلبي، فما زلت أركض، وخلفي جماعة [٢٢٨] ، حتى حصلت في شعب طويل، وهم ورائي.
فاستقبلني قوم من العلّافة «١» ، رأيتهم على بعد، من ضوء مشاعلهم، ومعهم عسكر.
فقلت في نفسي: يا دكين، اليوم يومك، وراءك عسكر، وأمامك عسكر، فإن ملكوك، لم يوصلوك إلى معزّ الدولة، إلّا ميتا، وليس غير الإقدام على ما تقدّر فيه النجاة.
فقام في نفسي أن أحمل على من هو أمامي، وليس لهم علم بخبري، فسللت سيفا كان معي، فوق ثيابي، وتحت الجبة التي لبستها من ثياب سوّاس معزّ الدولة، وحرّكت وهم لا يروني، لأنّهم في الضوء، وأنا في الظلمة.
فلما قربت منهم، صحت بهم صياحا عظيما، فقدّروني ابتداء خيل قد كبستهم، تريدهم.
وأقبلت أحمل على واحد، واحد، وأنا أضرب، فيتوقّاني، وأحذره، إلى أن تخلّصت منهم، وجريت.
ولحقت بهم الخيل التي كانت خلفي، وتشاغلوا بمساءلتهم عنّي قليلا، ففت الفريقين.
وحملت الفرس إلى الشام، فبعته على سيف الدولة، بثلاثة آلاف درهم، [٢٢٩] ودحت في البلاد، إلى أن صرت إلى بغداد، ومعزّ الدولة، يطلب قوما من العرب، ليفرض «٢» لهم وينفذهم إلى بعث.
فحملني المسيّب بن رافع العقيليّ، في جماعة، إليه، عرضهم عليه، فأثبتني.
стр. 1099
فلما وقفت بين يديه، اقتحمتني عينه، لأنّي دميم. فقال: بيست دينار.
فعلمت أنّه أراد، عشرين دينارا.
فكلّمه المسيّب، والمهنّا، العقيليان، فزادهما ثلاثة دنانير.
فقالا له: رجل له فضل، ومنزلة، وهو من أصله، ومن شجاعته «١» .
فقال: لو كان هذا كله حقا، ما كان يقدر أن يصنع؟
فقلت لبعض النقباء: أيّ شيء قال؟
ففسّره لي.
قال: فقلت: أيها الأمير، أقدر أضع نفسي على فرس بين يدي ملك مثلك، فأحتال في أمره، حتى آخذه سائسا، ثم أركبه، وقصصت عليه قصّته مع فرسه بسنجار، وذكر بيعه وثمنه.
فقال: وأنت صاحب الفرس بسنجار؟
فقلت له: نعم.
فضحك، وقال: نزّلوه أربعين دينارا «٢» .
ففعلوا.
стр. 1100
١٧٠ مختارات من الشعر
حدّثني [٢٣٠] أبو الحسن «١» ، قال:
اجتزت بطريق سرّ من رأى، فدخلت القصر المعروف بالأحمديّ «٢» ، لأشاهد آثاره، فلما توسّطته، رأيت مكتوبا على حائط فيه:
في الأحمديّ لمن يأتيه معتبر ... لم يبق من حسنه عين ولا أثر
غارت كواكبه وانهدّ جانبه ... ومات صاحبه واستفظع الخبر
وأنشدني لنفسه:
رفقا أقيك بمقلة ... كلّفتها طول السهاد
أصبحت منها في السواد ... وفي السواد من الفؤاد
وأنشدني أبو القاسم الصرويّ «٣» ، قال: أنشدني أبو الحسن الموسويّ، العلويّ، لنفسه:
يا نازلا في السواد ... من مقلتي وفؤادي
стр. 1101
١٧١ رجال الدولة يتآمر بعضهم على بعض
حدّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله «١» ، قال: أخبرني جماعة من شيوخ الكتّاب ببغداد:
إنّ القاسم بن عبيد [٢٣١] الله «٢» ، كان قد أوجس في نفسه من اختصاص الحسين بن عمرو النصرانيّ «٣» ، كاتب المكتفي «٤» ، فوضع عليه من يأتيه بأخباره، حتى أظهر لمغنّية كان ابن الحسين بن عمرو يتعشّقها، أنّه يعشقها، وملأ عينها، وكان يتسقّطها أحاديث الحسين بن عمرو وابنه، لكثرة ملازمتها له، حتى غلبه عليها، فاضطرّ ابن الحسين بن عمرو، أن يداخل القاسم من أجلها، واجتذبه، وصار كالنديم له، فملأ عينه بالإحسان، وضرّب بينه وبين أبيه، وكان يأتيه بأخباره.
فجاء يوما، فأعلمه، أنّه قد شرع مع المكتفي في الوزارة، وضمن القاسم وأسبابه، بمال عظيم، ذكر مبلغه، وأنّه تقرّر الأمر مع الخليفة أن
стр. 1102
يستوزر إبراهيم بن حمدان الشيرازي «١» ، كاتب الحسين بن عمرو- قال أبو الفضل، وهو جدّ أبي القاسم عليّ بن الحسين بن إبراهيم المعروف بالمشرف «٢» - على ما كان ينظر فيه للمكتفي، ويلبسه السواد، ويخاطب بالوزارة، لأنّه لم يرغب هو في الإسلام، ولم يجز [٢٣٢] استيزار ذمّي، وأن تكون الدواوين، والأمور، كلّها إليه، ويؤمر الوزير أن يصدر عن أمره، ولا يصل إلّا في أيّام المواكب، والمجالس الحافلة، للعرض فقط، وإقامة الرسم، ويلبس السواد، والسيف، والمنطقة، وأنّ فارس- داية المكتفي- هي التي قررت ذلك مع الخليفة، وأنّه قد وعدهم ليوم بعينه، قريب، ذكره، ليقبض على القاسم وأسبابه، ويسلمون إلى الحسين بن عمرو.
وشاور القاسم أبا العباس بن الفرات «٣» ، كيف يصنع؟
فقال له: عندي ما يكفيك هذا الأمر.
قال: وما هو؟
قال: كتاب بخطّ الحسين بن عمرو، الذي يعرفه الخليفة، إلى أبيك «٤» ، كتبه إليه من بعض الوجوه التي خرج إليها المكتفي، في أيّام المعتضد، وهو إذ ذاك كاتبه، يخبر أباك، عن بخل المكتفي، وسقوط نفسه، وعيوبه، وفواحشه، وضعفه، ونقصه، بكلّ عظيمة، ويشير على أبيك، أن ينهي ذلك إلى المعتضد، وأن يسرع في استدعائه إلى [٢٣٣] الحضرة، لئلّا يفتضح الملك.
والوجه لك، أن تعمل ثبتا «٥» بجميع أملاكك، وما تحويه يدك، ودارك،
стр. 1103
وملكك من جميع الأشياء، وتصير إلى الخليفة، وتستخليه، فإذا خلا، طرحت نفسك بين يديه على الأرض، وبكيت، وأخرجت الثبت، وسألته أن يقبل جميعه منك، عفوا حلالا، ويقرّك على خدمته، أو أن يؤمنك على جسمك، ونفسك، وأن لا يسلمك إلى الحسين بن عمرو، فإنّه غير مأمون عليك، فإذا سألك عن سبب ذاك، أعلمته أنّ الحسين بن عمرو، أظهر السرّ، فبلغك، وأخرجت الكتاب إليه، وقلت له: يا أمير المؤمنين، كيف تأمن على نفسك، ودولتك، من هذا اعتقاده فيك؟ فإنّه إذا قرأه، مع ما قد سمعه منك، انحلّ، ورجع لك، وانقلب على الحسين بن عمرو، وإذا سألك عن الكتاب، عرّفته أنّه كان في خزائن أبيك، يحفظه على الحسين بن عمرو لك، ويسلمه إليك، وكان المعتضد يخافه حتى هلك، وأنّك أنسيت أمره إلى الآن، فأظهرته، واضمن [٢٣٤] الحسين بن عمرو، وإبراهيم الشيرازيّ، وأسبابهما، كذا وكذا ألوفا، تقدر على استخراجها منهم، فإنّ الخليفة يجيبك، وإذا وعدك، فعرّفه أنّ هذا أمر قد ظهر وفشا، وتحدّث به الناس، وكثرت معه الأراجيف، وأنّه إن أخّر تسليمهم إليك، وقفت الأمور على العمّال، وطمع فيها كلّ أحد، فأضرّ ذلك به، ووقفت أمور الوزارة، وسخفت من تأخر تسليمهم إليك، فإنّه يسلمهم.
قال: فركب القاسم في الحال، إلى المكتفي، وعمل جميع ما قاله له أبو العبّاس، فجرى الأمر على ما ظنّه.
وعاد القاسم، وقد أذن له الخليفة في القبض على الحسين بن عمرو وأسبابه، فقبض عليهم، واستصفى أموالهم، فلما أحسّ بنفادها، أنفذ الحسين بن عمرو، وإبراهيم الشيرازي، إلى الأهواز «١» ، على سبيل النفي، ووكّل بهما، فلما حصلا بالأهواز، قتلهما الموكلون، وقيل أنّهما جعلا في
стр. 1104
بيت، وسدّ، ومنع من دخول الماء إليهما، والغذاء، فلما علم بموتهما، فتح الباب، ونقلا إلى بيت آخر، وأظهر إنّ أجلهما أدركهما [٢٣٥] .
قال: فلما خرج القاسم، وقد ظفر، وتمّ له التدبير، قبّل رأس أبي العبّاس بن الفرات، وعينيه، وشكره، وقال: أنت أبي، وعضدي، وما أشبه ذلك من القول.
فحسده ابن فراس «١» ، على ذلك، وقال للقاسم: أيّها الوزير، سل أبا العبّاس من أين له هذا الكتاب؟
فسأله.
فقال أبو العبّاس: كنت منذ دهر، مجتازا في بعض الطرقات، فرأيت في دكان نطّاف رفّا عليه ظهور معلقة «٢» ، ليجعل فيها ما يبيعه من الناطف «٣» على الناس، وما رأيت قطّ شيئا مكتوبا، إلا أحببت قراءته، وقد أفدت من ذلك، دفعات كثيرة، فوائد كبارا.
قال: فلحظت الظهور، فوقعت عيني منها، على عنوان هذا الكتاب، فعرفت خط الحسين بن عمرو، فتتبّعت نفسي قراءة الكتاب، فقلت لغلامي:
امض، فاشتر هذا الناطف، في ذلك الظهر، وأومأت إلى هذا الكتاب، ففعل، وجاءني به، فقرأته، فوجدت فيه العظائم، فقلت في نفسي: هذا
стр. 1105
أشر الناس، يكتب لرجل، ويتخلّفه بمثل هذا الكتاب، فلعلّه أن يلحقني [٢٣٦] يوما، شرّ من هذا الرجل، فأدفعه بهذا الكتاب، أو أنعى عليه عيوبه، فمسحت آثار الناطف منه، واحتفظت بالكتاب، فهو عندي منذ كذا وكذا سنة، فلمّا حدّثني الوزير الآن بهذا الحديث، علمت أنّه موضع إظهار الكتاب، فأظهرته.
فلما انصرف ابن الفرات عن المجلس، قال ابن فراس، للقاسم- وكان يشنعه عنده دائما، فلا يلتفت إليه- قد بان لك مقدار شرّ ابن الفرات، هذا شرّ عليك من الحسين بن عمرو، لأنّه عدوّ مدغل، مندسّ بين ثيابك، والحسين، كان عدوّا مكاشفا، وأنت على اتّقائه أقدر، ما يؤمنك أن يكون ابن الفرات، قد تحفّظ عليك، في مدة استرسالك إليه، ما هو أكثر من هذا، أو قد حصل خطّك بألوان من الذمّ، وأنت ناس، كما فعل بالحسين ابن عمرو؟ ما يؤمنك أن يكون عنده من خطوطك، أو خطوط أبيك، ما يجري هذا المجرى؟ فإنّ الناس، ربما سخطوا على أصحابهم، واستأمنوا إلى بثّهم عند نصحائهم، وإنّما يترقّب منك ابن الفرات [٢٣٧] ، إعراضا، أو أدنى خلاف عليه في شيء لا يؤثره، وتؤثره أنت، فيظهر للخليفة عنك، وعن أبيك، ما هو أعظم من هذا، فتهلك، وإن أمسكت عنه، فأنت ربيب في حجره، وعنده أنّه قد ردّك إلى الوزارة برأيه، ويقتطع الدنيا، ويفوز بها، وبفائدتها، وتكون التبعة عليك، وإن أوحشته، قتلك بمثل هذا الفعل، فاقبل رأيي، وعاجله، واحتل عليه، بسمّ تدسّه إليه، وتتخلّص منه.
قال: فوقع ذلك في نفس القاسم. وما زال ابن فراس يقوّي رأيه، إلى أن عمل له سمّا في تفّاحة، وأشمّه إيّاها، فأتلفته.
وكان هذا الكتاب، أشأم كتاب سمع به.
стр. 1106
١٧٢ أبو جعفر بن بسطام له قصة في رغيف
وحدّثني أبو محمد «١» ، قال: حدّثني بعض شيوخ الكتاب ببغداد، عمّن حدّثه:
إنّه سمع أبا الحسن بن الفرات «٢» ، يقول لأبي جعفر بن بسطام- وكان سيّء الرأي فيه-: ويحك يا أبا جعفر، لك قصّة في رغيف، ما هي؟
فقال: ما لي قصّة في رغيف.
فلم يزل به أبو الحسن، إلى أن قال له: إن أخبرتني بذلك، كان [٢٣٨] خيرا لك، قال: نعم، إنّ أمي، كانت عجوزا صالحة، وعوّدتني- منذ ولدت- أن تجعل تحت مخدّتي التي أنام عليها، في كلّ ليلة، رغيفا فيه رطل، فإذا كان من غد، تصدّقت به عنّي، وأنا أفعل هذا إلى الآن.
قال: فقال ابن الفرات، ما سمعت بأعجب من هذا، اعلم أنّني من أسوإ الناس رأيا فيك لأمور أوجبت ذلك، وعدّد بعضها، وأنا منذ أيام مفكّر في القبض عليك، ومطالبتك بمال، فأرى منذ ثلاث ليال، في منامي، كأنّي قد استدعيتك لأقبض عليك، فتحاربني، وتمتنع عليّ، فأتقدّم بمحاربتك، فتخرج إلى من يحاربك، وبيدك رغيف، كالترس، فتتّقي به السهام، فلا يصل إليك منها شيء، وأشهد الله ، أنّني قد وهبت لله تعالى، ما في نفسي عليك، وأنّ رأيي لك، أجمل رأي، من الآن، فانبسط.
قال: فأكبّ أبو جعفر، على يديه ورجليه، يقبّلها «٣» .
стр. 1107
١٧٣ ما يرد في المرافق يذهب في المصادرة
حدّثني أبو طاهر المحسّن بن محمد بن الحسن، الجوهريّ «١» ، الشيرازيّ، المعروف بابن المقتفي، وهو أحد [٢٣٩] الشهود بمدينة السلام، قال: قال لي أبو الفضل العباس بن فسانجس «٢» :
كسبت في مدّة تصرّفي مع السلطان، بفارس، خمسين ألف ألف درهم، وصادرني عليّ بن بويه «٣» ، في مدّة مقامي بشيراز، على ستمائة ألف دينار، متفرّقة، سوى ما استخرجه من خراج ضيعتي، ثم اقتطعها بالحقّين.
وأنا أقول: لو لم نعتبر في الزمان، إلّا بهذه الحكاية، لكفى، لأنّ أبا الفضل، ما تقلّد أكثر من كتابة فارس، وخلافة العمّال بها، عليها، أو على بعضها، في بعض الأوقات، فظفر بهذا المال.
وقد تقلّد أبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس «٤» ، دواوين العراق
стр. 1108
مجموعة، ثماني وعشرين سنة، ثم الوزارة ثلاثة عشر شهرا، وبلغ المبالغ التي لم يبلغ إليها أبوه قط.
فلما أرهق بالمطالبات، في وقت النكبة، واستقصي عليه، بلغت مصادرته ألف ألف ومائتي ألف درهم، تكشّف «١» بإدائها.
стр. 1109
١٧٤ الخليفة المعتضد يتخبر على وزيره
حدثني أبو محمد، يحيى بن محمد بن فهد، قال: حدّثني [٢٤٠] بعض المشايخ:
إنّ القاسم بن عبيد الله، كان يخاف المعتضد، ويخفي شربه، ولعبه، لئلّا يتصوّره بصورة حدث، متوفّر على لذّاته، يخلّ بالعمل، فيفسد رأيه فيه، وكان مع ذلك، بالشباب، والحداثة، يشتهي اللعب، فإذا أمكنه أن يخفيه جدّا، استرق الليلة، أو اليوم، من عمره، فشرب.
قال: فأراد الشراب ليلة من الليالي، على الورد، فاحتال في جمع شيء كثير منه، وحصله خفيّا، وجمع من المغنّيات جمعا كثيرا، وفيهن واحدة كان يشتهيها، ويتحظّاها.
وجلس وليس معه غيرهنّ، فشرب، وخلط بالورد الدراهم الخفاف «١» ، ونثر عليه، والناس يسمون ذلك «شاذكلى» «٢» ، ولبس ثياب قصب مصبّغات، من ثياب النساء، وأدخل تلك المغنّية معه، لشدّة شغفه بها، ومضت ليلة طيّبة، فقطع الشرب في نصف الليل، خوفا من الخمار «٣» ، ونام.
وركب إلى المعتضد من غد، وأقام في الخدمة، إلى حين وقت انصرافه.
فلمّا أراد الانصراف، دخل ليراه المعتضد، وينصرف، فاستدناه [٢٤١] المعتضد، إلى أن صار بحيث لا يسمع كلامه غيره، فقال له: يا قاسم
стр. 1110
لو دعوتنا البارحة، فكنا نلعب معك شاذكلى، ولكنّك احتشمت، لأجل المصبّغات التي لبستها أنت وعشيقتك.
قال: فكاد القاسم أن يموت جزعا.
فقال له: ما لك قد جزعت؟ وأيّ شيء في هذا؟ لو علمنا أنّه يلحقك هذا، ما أخبرناك بشيء، ولا آذيت قلبك، امض في ودائع الله.
قال: فعاد القاسم إلى داره كئيبا، وجمع نصحاءه، وأخبرهم الخبر، وقال: ما أراد المعتضد بهذا، إلّا ليعرّفني أنّ هذا القدر من أخباري ليس يخفى عليه، وإن كان على الحقيقة قد علم هذا القدر، فكيف تخفى عليه مرافقي «١» ، وما هو أظهر من هذا من أخباري؟ وكيف يكون عيشي؟
وانّه لا ينستر عليه مثل هذا؟ وما تروني أصنع «٢» ؟
فأخذوا يطيّبون قلبه، ولا يزداد إلّا جزعا، إلى أن قال لهم: إن لم أعرف من رقى هذا الخبر، انشقّت مرارتي، وقتلت نفسي.
فقالوا له: نحن نبحث ونتعرّف.
فابتدر أحدهم، وقال [٢٤٢] : أنا أكفيك، أيّها الأمير، هذا.
قال: وجعل ذلك الصاحب، يطوف حوالي دار الخليفة، ليجد من يشبه صاحب خبر، فيخمّن عليه، فما ظفر بشيء يومه ذلك.
فلما كان من الغد، طاف الدواوين، ومجالس أصحاب البريد والخبر، يومه أجمع، فما ظفر بشيء.
فلما كان اليوم الثالث، طاف دار الوزارة، ومقاصيرها، فلم يظفر بشيء.
стр. 1111
فلما كان في اليوم الرابع، وقف على دابّته في باب العامّة، متحيّرا، لا يدري، ينتظر أن يخرج الوزير راكبا، فيركب معه في الموكب، فيتفقّد الوجوه، إذ كان لم يبق له شيء يجده، وإذا هو برجل شاب يحبو على ركبتيه زمانة، كما يكون الزّمن الذي يتصدّق، وقد جاء قبل طلوع الشمس بشيء كثير، فزحف، ودخل على البوّابين، فلم يمنعوه.
قال الرجل: فحين بلغ العتبة، وقف مع البوّابين، يحدّثهم ساعة، وأنا أصغي إليه، ويسألهم عن أخبارهم، ويدعو لهم، وهم على بشاشة، إلى أن أخذ بهم في غير ذلك الحديث [٢٤٣] .
إلى أن قال: من بكّر اليوم إلى الدواوين، ومن دخل؟ ومن حجب؟
فقالوا له: فلان وفلان.
فحين سمعت ذلك، علمت أنّه صاحب خبر «١» ، فأتبعته بصري، إلى أن جاز البوّابين، ودخلت وراءه، فبلغ إلى أصحاب الستور، فكانت صورته معهم كصورته مع أولئك، فأخبروه بما لم أكن أعلم، مع اختصاصي بخدمة الوزير، من وصول الناس إليه، وحجبهم عنه.
وتجاوز إلى دهليز العامّة، فنزلت عن دابّتي، وهو لا يفطن لي، فبلغ إلى موضع الحجّاب، فولع به الحجّاب، ولم يحدّثهم بشيء ولم يحدّثوه، ودعا لهم، وتصدّق منهم، فأعطوه.
стр. 1112
فتجاوزهم إلى الصحن، وأنا أراه، فلم يزل يحبو، ويطوف، على خزانة، خزانة، من خزائن الفرش، والشرب، والكسوة، وحجر الغلمان، والخدم، ويبحث عن الأخبار، ويحدّث بكل شيء، وأنا أسمع، حتى استفدت ما لم أكن أعرفه من تخبّر دار الوزير.
ثم جاء إلى باب الحرم، فدعا للخادم الموكّل بالباب، فتصدّق عليه، وأعطاه، وجلس هناك يتطايب، وكلّ من دخل [٢٤٤] وخرج، من جارية، أو خادم، يسأله عن خبره، ويولع به، ويهب له شيئا، ويستخرجهم أخبار الدار، وينقل ما فيه، ويقول: قولوا لستّنا فلانة تهب لي ما وعدتني به، وقولوا لستي فلانة، تتصدّق عليّ، وسلوا ستّي القهرمانة الفلانية عن خبرها، وأقرؤوها سلامي، وأنا أشاهده، وأتعجّب منه، حتى استنفذ من أخبار جواري القاسم، ومبيته، وعند من بات منهم البارحة، وما بين الجواري من السرور والأنس، وأخبار كسوتهم، وأشياء من هذا الجنس، كلّ شيء طريف.
ثم زحف، ودخل دار الخلوة التي يخلو فيها الوزير، وكان يركب منها، فهشّ به فرّاشو الحجرة، والخاصة، والخدم، والغلمان الأصاغر، وضاحكوه، ودعا لهم، وأخذ من بعضهم برّا، وسألهم عن خبر الوزير في خلوته تلك، وشربه.
وقال له بعضهم: هو مغموم غمّا شديدا منذ يومين، لا نعرف سببه، فما يشرب، ولا يأكل، ولا نام، ولا خلا.
وكلّ ذلك، وهو يظهر في مسائلته التطايب [٢٤٥] ، وأنّه كالمتغيّر المعتوه، ويحمل أولئك ألفاظه على هذا، فيخبره منهم الضعيف العقل، والمزّاح، والأخرق، وهو يحتمله، إلى أن فرغ من أهل حجرة الخلوة.
ثم خرج، فزحف أشدّ زحف، على هيأته، لا يعرّج على شيء، حتى
стр. 1113
جاء إلى مجلس الكاتب، فأقام هناك طويلا، ففعل كفعله.
ثم خرج من الباب، وقد ملأ زنبيلا كان معه، من الخبز والحلوى والطعام، وملأ جيبه من الدراهم.
فلما صار على باب الدار، قلت للبوّابين: تعرفون هذا؟
فقالوا: رجل زمن أبله، يجيء فيتصدّق، وخلقه طيب، فكلّ من في الدار، يستطيبه، ويبرّه.
قلت: قد رحمته، واشتهيت آخذ له شيئا، ففيكم من يعرف بيته؟
فقالوا: لا.
فركبت، واتّبعته، ولحقت به، ووقفت كأنّني أحدّث غلامي، وأسير خلفه على تؤدة، حتى جاء إلى الجسر، فعبره زحفا، وأنا وراءه، ودخل الخلد، ودخلت معه، وولج في خان، فقلت لغلامي: اتبعه، فاعرف بيته في الخان، ففعل، وعاد إليّ، فوصفه لي [٢٤٦] .
فوقفت متحيرا، لا أدري ما أعمل، ولا من أسأل عنه، وأخاف أن أنفّره، فيهرب.
وطال وقوفي، وهممت بالانصراف، فإذا به قد خرج بريئا، نظيفا، بثياب مرويّة «١» ولحية بيضاء، وطيلسان، وعمامة قد جعلها فوق حاجبيه، فلولا قرب عهدي به، وبرؤيته، لما عرفته، وإذا هو يمشي لا قلبة «٢» به.
فتأمّلت لحيته، وإذا هي ملبّسة فوق لحيته، وقد أخفاها بعمامته، وإنّما فطنت لذلك، لشدّة تأمّله، وصرف اهتمامي إلى ذلك، مع قرب عهدي برؤيته.
стр. 1114
ومشى، فدخلت إلى مسجد، وغيّرت عمامتي، وأمرت غلامي أن يأخذ دابّتي ويقف لي عند الجسر بها، ونزعت خفّي، ولبست تمشك «١» غلامي، ومشيت، فاتّبعته، بسرعة مشيته.
ومضى حتى أتى دار ابن طاهر «٢» ، فخرج إليه الخادم، فما منهما من كلّم صاحبه، بأكثر من أنّه أخرج رقعة لطيفة، فسلّمها إلى الخادم، ودخل الخادم، ورجع هو، فلم أتبعه، وامتددت إلى درجة يعقوب، فركبت في سميرية، وصعدت [٢٤٧] إلى دار الوزير.
فدخلت إليه، وهو يطلبني للأكل، فأكلت معه، وقام الناس، فجلست.
فقال لي: قل.
فقلت: فعلت البارحة كذا وكذا، وجرى في دار حرمك كذا، وقالت فلانة كذا، وقالت جاريتك الفلانية وخاطبتك بكذا، وفلان الخادم الصغير فعل كذا.
قال: وكنت قد سمعت في خلال ذلك، أخبار الحاشية، بعضهم من بعض، لا أظن صاحب الخبر عرفها، ولكن كما أنجرّت الأحاديث، فأخبرته بذلك كلّه.
فقال لي: ويحك، أيش تقول؟ من أين لك هذه الأحاديث؟
فقلت: من حيث خرج حديث الشاذكلى.
فقال: أخبرني.
стр. 1115
فقلت: الجائزة.
فقال: احتكم.
فأخبرته بخبر الزمن، على جهته.
فجذبني، وقبّل بين عينيّ، وأمر لي بمال جليل.
وقال: أريد أن تحصّله، من حيث لا يعرف خبره.
فقلت: أنا على ذلك، فتقدّم إلى بعض الغلمان الخاصّة، أن يطيعني، فجمع بيني وبين غلام منهم، وتقدّم إليه بذلك.
فلما كان من الغد، باكرت الدار، وجلست [٢٤٨] أنتظر الرجل، فإذا به قد جاء على زيّ أمس، في البزّة والزمانة، ودخل، فلم أعرض له، حتى دخل حجرة الخلوة، فاتّبعته.
وقلت للغلام: خذ هذا، فأخذه، وقفلنا عليه بابا من الحجرة، فاضطرب، وبكى.
ونزل الوزير، فأسررت إليه الخبر، ففضّ شغله، ودخل الحجرة، واستدعى به، فجاء يزحف، فوكزت عنقه، وقلت له: قم يا عاضّ «١» ، فامش مشيا صحيحا، كما رأيتك تمشي بالأمس.
فقال: أنا رجل زمن.
فأحضرت له مقارع، فلما رأى المصدوقة «٢» ، قام، فمشى.
فقال له القاسم: اصدقني عن خبرك، وإلّا قتلتك الساعة.
فقال: أنا صاحب خبر المعتضد عليك، منذ كذا وكذا شهرا، أفعل كذا، وأصنع كذا، وذكر مثل ما أخبرته به، وأنّه يجمع الأخبار، ويكتب بها في كلّ نصف نهار، من كلّ يوم، ويوصل رقعة لطيفة بذلك إلى الخادم
стр. 1116
الموكّل بدار ابن طاهر، فيمضي بها ذلك الخادم إلى المعتضد، فإنّ الخادم، هو الواسطة بينهما، وإنّه إذا كان في [٢٤٩] رأس كل شهر، سلّم إليه الخادم ثلاثين دينارا عينا.
قال: فعرّفني، أيّ شيء أنهيت من أخباري، طول هذه المدة؟
فذكر له أشياء كثيرة، منها خبر الشاذكلى.
فحبسه القاسم في ذلك البيت، فلما كان في الليل قتل «١» ، ودفن، فانقطع خبره عن المعتضد.
فلما كان بعد شهر، وأكثر، قال لي القاسم: استرحت من ذلك الكلب، ما أرى عند المعتضد من خبري شيئا، ولا أرى عليه أثرا يدلّ على وقوفه على شيء من أمري.
стр. 1117
١٧٥ أبو بكر بن رائق وإعجابه بغناء ابن طرخان
حدّثني أبو الفتح أحمد بن عليّ بن هارون المنجّم، قال: حدّثني أبي «١» ، قال:
كان أبو بكر بن رائق، شديد الإعجاب، بغناء أبي القاسم بن طرخان «٢» ، وكان أهلا لذلك، وكان أطيب الناس حلقا، وأحسنهم صنعة، وكان يجسّ الطنبور جسّا، أطيب من الضرب، تكاد القلوب إذا سمعته، أن تخرج من أضلاعها، استطابة له.
وكان إذا ابتدأ يجسّ، ابتدأ ابن رائق، يشرب أقداحا [٢٥٠] ، إلى أن يجيء الغناء.
فقال لي يوما: يا أبا الحسن، ما ترى هذا الجسّ الذي ليس على وجه الأرض أطيب منه، أيّ شيء يشبه عندك؟
فقلت: أيّها الأمير، يشبه رسول الحبيب، يستأذن لزيارته.
فأعجبه ذلك.
стр. 1118
ثم حدّثت بهذا الحديث، عبيد الله بن محمد الصروي «١» ، فعمل بحضرتي، في ذلك شعرا، وأنشدنيه:
قامت تذود كرى المحبّ ... وقد غفا عن مقلتيه
وتجسّ قبل الصوت مثنى ... عودها شوقا إليه
فكأنّه في قلبه ... إذ نبّهته ومسمعيه
نغم الرسول مبشرا ... بقدوم من يهوي عليه
١٧٦ علي بن هارون المنجم يلقي على المغنّي درسا في الغناء
وحدّثني أبو الفتح، قال:
كنت بحضرة أبي «٢» ، وبحضرته مغنّ يغنّي، فمرّ في بعض لحنه بميم فبيّنها.
فقال له أبي: إذا مررت في ألحانك، بميم، أو نون، فزمّها، واعصرها، وأنا ضامن لك طيبة ذلك، غارم لك كلّما يجني عليك.
قال: فأعاد الصوت، وزمّ الميم زمّا شديدا [٢٥١] ، فتضاعفت طيبته.
стр. 1119
١٧٧ من شعر الوزير المهلبي
سمعت الوزير أبا محمد المهلّبيّ «١» ، يتحدّث يوما في مجلس أنس حضرته، قال:
كنت قد خرجت من الأهواز، مع أبي جعفر الصيمري «٢» ، نريد السوس «٣» ، وهو إذ ذاك عاملها لمعزّ الدولة، وكانت والدة أبي الغنائم- إذ ذاك- بالسوس، وأنا في عنفوان استهتاري بها، وقد اشتدّ شوقي إليها، يعني تجنّي جاريته «٤» .
فلما صرنا في الرمل الذي في الطريق، هاجت ريح عظيمة، فسفت علينا تلك الرمال، فذكرت بيتي الفرزدق، وهما:
وركب كأنّ الريح تطلب عندهم ... لها سلبا من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الريح وهي تلفّهم ... إلى شعب الأكوار من كل جانب «٥»
стр. 1120
فعملت:
وريح تغيم الجو مما تثيره ... وتستلب الركبان ريط العصائب
نصبت لها نفسي وأنصبت صاحبي ... إلى أن نزلنا في ديار الحبائب [٢٥٢]
قال: وأنشدني لنفسه:
أتحسب العين أنّها طرحت ... على فؤادي ثقلا من الشغف
ما أبله العين في توهّمها ... بأنّها عرّيت من التلف
١٧٨ بين القاضي الإيذجي والمفجع الشاعر
أخبرني أبو عليّ الحسن بن سهل بن عبد الله الإيذجيّ، وكان يخلف أبي على القضاء «١» بإيذج «٢» ، وعلى رامهرمز «٣» ، ثم لم يزل على الحكم، ونادم أبا محمد المهلّبي في وزارته «٤» ، فغلب عليه، وعلا محله عنده، وتخالع،
стр. 1121
وتهتّك، بما لا يجوز للقضاة، وكان يدعى بالقضاء، ويخاطبه أبو محمد، في الوزارة، في كتبه، بسيّدي القاضي، وكان له محلّ مكين في الأدب، قال:
وردت البصرة، وأنا حديث السنّ، لأكتب العلم، وأتأدّب، فلزمني أبو عبد الله المفجّع «١» ، وكنت أقتصر عليه، فكتب إليّ يوما، وقد قرص «٢» الهواء:
يا أيّهذا الفتى وأنت فتى الدهر ... إذا عزّ أن يقال فتى
طوبى لمن كان في الشتاء له ... كأس وكيس وكسرة «٣» وكسا [٢٥٣]
وكتب في الرقعة: قد بقيت كاف أخرى، لولا أنّي أحبّ تقليل المؤونة، عليك، لذكرتها، يعني الكس.
فبعثت إليه، بجميع ما التمسه.
стр. 1122
١٧٩ أبو خليفة يصطفي شعر عمران بن حطّان
وحدّثني [أبو عليّ الإيذجيّ، قال: كان أبو خليفة «١» ] ، صديقا لأبي وعمّي، منذ أيّام وفد إلى كور الأهواز، في فتنة الزنج «٢» .
فلما قدمت البصرة، قدمتها مع أبي، فأنزلنا أبو خليفة داره، وأكرمنا، ومكّنني من كتبه، فكنت أقرأ عليه، كلّما أريد، وأسمع كيف شئت وأحبّ، وأكتب وأنسخ لنفسي أصوله.
فإذا كان الليل، جلسنا، وتحادثنا، فربما رمت القراءة عليه، فيجيبني، فإذا أضجرته بكثرة القراءة عليه، يقول: يا بنيّ، روّحني، فأقطع القراءة.
وإذا استراح، أخرج من كمّه دفترا، من ورق أصفر، من الورق العتيق، فيقول: إقرأ عليّ من هذا، فإنّه خطّي، وما تقرأه عليّ، فهو غير خطّي.
فكنت أقرأ عليه منه، وكان فيه ديوان عمران بن حطان «٣» ، وكان يبكي، على مواضع منه.
فأنشدته ليلة، القصيدة التي منها: [٢٥٤]
стр. 1123
يا ضربة من تقيّ ما أراد بها ... إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنّي لأذكره يوما فأحسبه ... أحظى البريّة عند الله ميزانا
فبكى عليهما، لمّا انتهيت إليهما، حتى كاد أن يغمى عليه، فاستطرفت ذلك، وعجبت منه.
فلما كان من الغد، اجتمعت مع المفجّع، فحدّثته بذلك، واغتررت به، للأدب، واستكتمته إيّاه، فأشاعه، وعمل:
أبو خليفة مطويّ على دخن «١» ... للهاشميّين في سرّ وإعلان
ما زلت أعرف ما يخفي وأنكره ... حتى اصطفى شعر عمران بن حطان
وأنشدنيها لنفسه، وأنشدها غيري، فكتبها عنه بعض أهل الأدب، في رقعة لطيفة، وجعلها في مقلمته.
وحضرنا عند أبي خليفة في مجلس عام، فنفض الرجل [٢٥٥] مقلمته ليرى ما فيها، فسقطت الرقعة، وانصرف، فوجدها أبو خليفة، وقرأها، فاشتدّ ذلك عليه، وقال: إنّ الإيذجيّ، قبحه الله، وترحه، شاط بدمي، عليّ بأبي العباس الساعة- يعني والدي- فجاءه، فحدّثه الحديث، فوقعت في ورطة، وكادت الحال أن تنفرج، بيني وبين أبي، ومنعني أبو خليفة القراءة، واحتشمني «٢» ، فحملت إليه ثيابا لها قدر، وأهديت إليه من مآكل الهند «٣» ، واعتذرت إليه، فرجع، وقبل عذري، وعاود تدريسي، ومكّنني من القراءة عليه، فقرأت كتاب الطبقات، وغيره، ممّا كان عنده.
стр. 1124
وقال: فلا أظهر الرضى عنك، أو تكذّب نفسك. ففعلت ذلك، وأعطيت المفجّع ثوبا دبيقيّا، حتى كفّ عن إنشاد الأبيات، وجحدها، واعتذر إلى أبي خليفة.
وقال لي أبو عليّ عقيب هذا: أكثر رواة علم العرب، فيما بلغني عنهم، إمّا خوارج، أو شعوبيّة، كأبي حاتم السجستاني «١» ، وأبي عبيدة معمر بن المثنى «٢» ، وفلان، وفلان، وعدّد جماعة «٣» .
стр. 1125
محتويات الكتاب
٥: مقدمة المحقق
٧: مقدمة المؤلف
٩: ١: الأمين لا يتّهم
١٠: ٢: يرى مناما فيمزّق كتابا
١١: ٣: القاضي أبو خازم يتأنّى في أحكامه
١٣: ٤: أبو جدي، كنية التيس
١٤: ٥: لأبي عليّ الحاتميّ في الأمير سيف الدولة
١٥: ٦: ما قاله أحد ملوك الهند
١٦: ٧: من شعر أحد الكتاب في بيمارستان البصرة
١٧: ٨: مدائح قيلت في أبي القاسم التنوخي والد المحسّن
١٨: ٩: من نظم عضد الدولة
١٩: ١٠: من رسالة لأبي القاسم التنوخي
٢٠: ١١: كان قتل أبي يوسف البريدي أبرك الأشياء على سيف الدولة
٢٦: ١٢: لأبي علي الحاتمي، يمدح
٢٧: ١٣: يعطي ويمنع، لا بخلا ولا كرما
٢٨: ١٤: بحث في معرفة السارق
٢٩: ١٥: آيات لإعادة الآبق
٣٠: ١٦: السرج واللجام في جهاز كل عروس
٣١: ١٧: الوزير عبيد الله بن سليمان والجهبذ اليهودي سهل بن نظير
следующие страницы →