← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

العتمة، أتفرّج [١٨٢] في القمر، فنزل خادم من دار لا أعرفها. فصاح: يا ملّاح؟ فقدّمت «١» . فسلّم إليّ امرأة، نظيفة، حسنة، ومعها صبيّتان، وأعطاني دراهم صحاحا، وقال: احمل هؤلاء إلى المشرعة الفلانية، بباب الشمّاسية. فصعدت بهم قطعة من الطريق، فكشفت المرأة وجهها، فإذا هي من أحسن الناس وجها، كالقمر، فاشتهيتها، فعلّقت مجاذيفي في الكرك «٢» ، وأخرجت السفينة إلى وسط دجلة، وتقدّمت إلى المرأة، فراودتها عن نفسها، فأخذت تصيح. فقلت لها: والله، لئن صحت، لأغرقنّك الساعة. فسكتت، وأخذت تمانعني عن نفسها، واجتهدت بأن أقدر عليها، فما قدرت. فقلت لها: من هاتان الصبيتان منك؟ فقالت: بناتي. فقلت لها: أيّما أحب إليك، تمكّنيني من نفسك، أو أغرق هذه؟ وقبضت على واحدة منهن. فقالت: أمّا أنا، فلا أطيعك، اعمل ما شئت. فرميت إحدى الصبيّتين في الماء، فصاحت، فضربت فاها، وصحت معها: والله لا أطلّقك ولو قتلتني، ليشتبه ذلك، على من عساه [١٨٣] يسمع الصياح في الليل.

стр. 1052

فسكتت، وأخذت تبكي، ثم تركتها ساعة، وقلت لها: دعيي أفعل بك وإلّا غرّقت الأخرى. فقالت: والله، لا فعلت. فأخذت الصّبية الأخرى، فرميت بها في الماء، فصاحت، وصحت معها، ثم قلت لها: ما بقي الآن إلا قتلك، فدعيني، وإلّا قتلتك، وأخذت بيدها، وشلتها لأرمي بها إلى الماء. فقالت: أدعك. فرددتها إلى السماريّة، فمكّنتني من نفسها، فوطئتها. وسرت، لأمضي بها إلى المشرعة، فقلت في نفسي: هذه الساعة تصعد إلى دارها، أو إلى الموضع الذي تأوي إليه، فتنذر بي، فأؤخذ، وأقتل، وليس الوجه إلّا تغريقها، فجمعت يديها، ورجليها، ورميت بها إلى الماء. فحين غرقت، فكّرت فيما ارتكبته، وعظم ما جنيته، فندمت، وكنت كرجل كان سكرانا، فأفاق. فقلت: أيّ شيء أعمل؟ ليس إلّا أن أنحدر إلى البصرة، وأغوص في أنهارها، فلا أعرف. فانحدرت، فلما صرت حذاء الجسر، أخذتني بطني، وقلت: أصعد، وأتفسّح [١٨٤] ، وأعود إلى سماريّتي. فصعدت، فأنا جالس أتغوّط، فما أحسست حتى قبض هؤلاء عليّ. قال: فقال له الأبزاعجي، مطايبا: يا هذا، أيّ معاملة بين مثلك وبيني، انصرف بسلام. فظنّ لجهله، أنّ ذلك حقيقة، فولّى لينصرف. فصاح به، وقال: يا فتى، هوذا تنصرف، وتدعنا من حقّا «١» ؟ فلا

стр. 1053

أقلّ من أن ترجع لنحلّفك، أنّك لا تعود إلى مثل هذا. فرجع. فقال: خذوه، فأخذوه. فقال: اقطعوا يده. فقال: يا سيّدي، أليس قد أمنتني؟ فقال: يا كلب، وأيّ أمان لمثلك؟ قد قتلت ثلاثة أنفس، وزنيت، وأخفت السبيل. قال: فقطعت يداه، ورجلاه، ثم ضربت عنقه، وأحرق جسده بالنار في مكانه. ١٤٢ لماذا لقب بالأبزاعجي أخبرني من أثق إليه من أهل بغداد، أنّ الأبزاعجيّ، إنّما لقّب بذلك، لأنّه كان يخدم قائدا من غلمان الموفق «١» ، تركيّا، وكان يسمى أبزاعج، فلقب بالأبزاعجيّ لذلك.

стр. 1054

١٤٣ وكيل دعاوى يحرم من أجره فيعرقل حسم الدعوى حدّثني أبو بكر بن عثمان الصيرفيّ، الشاعر، قال: سمعت عمر ابن أكثم «١» ، يقول: كان قوم يريدون تثبيت وفاة [١٨٥] ، وعدد ورثة، عند أبي عمر القاضي «٢» ، وكانوا قد ضمنوا للوكيل خمسين دينارا على ذلك. فلما ثبت عند القاضي، عدد الورثة، بشهادة شاهدين، ساموه أن يأخذ منهم البعض، ويدع عليهم البعض. فأخذ ما عفوا به «٣» ، وتقدّم إلى القاضي، وخصومهم في المجلس، وقال: قد وكّلني هؤلاء- أعز الله القاضي- وقد أخرجت نفسي من الأولين. فقال: تكلّم. فقال: شهد الشاهدان، عند القاضي، أنّهما لا يعلمان وارثا، غير من ذكروه، وعندي شاهدان عدلان، يعلمان وارثا آخر. فقال: أحضرهما. فقاموا، ودافع بالحكم، ولم يزل يدفع بهم شهرا، إلى أن جاءه الورثة، فقالوا: قد أهلكتنا.

стр. 1055

فقال: بما كسبت أيديكم، والله لأدفعنّ بأمركم سنة، أو تعطوني خمسين دينارا مستأنفة، لأمسك. وأعطوه ما طلب، وتقدّم، فقال: لا بيّنة لي. فحكم القاضي لهم. ١٤٤ إذا صرف الأمين زائدا عن الحاجة ألزم بتعويضه من ماله وحدّثنا أبو بكر «١» ، قال: حدّثنا عمر بن أكثم، قال: تقدّم يتيم كان في حجر أمين من [١٨٦] أمناء القاضي أبي جعفر بن البهلول «٢» ، إليه، وقد بلغ وفكّ حجره، فقال: أيها القاضي، إنّ فلانا الأمين، ضيّع من مالي هذا، كذا وكذا، وأنا أطالبه به. فقال: هاه، هاه «٣» ، أتقول [هذا] لأمين ثابت الأمانة عندي؟ فقال: أيّها القاضي، لم أقل خان فيه، ولكنّه أنفق عليّ أكثر مما كنت أحتاج إليه، بكذا وكذا، وهذا تضييع. فدعا أبو جعفر الأمين، فسأله، فأقّر بذلك. فألزمه المال في ذمّته.

стр. 1056

١٤٥ رؤيا عبد الملك بن مروان وتفسيرها حدّثنا «١» أبو القاسم بن بشر الآمدي «٢» ، قال: قال لي أبو أحمد طلحة ابن الحسن بن المثنى «٣» ، يوما، وقد تجاذبنا على خلوة، الحديث فيما بينه وبين أبي القاسم البريديّ «٤» ، وتدبير كلّ واحد منها على صاحبه في القبض عليه، وأنا أشير عليه أن يهرب عن البصرة، ولا يقيم، وأنّه لا يجب أن يغترّ «٥» . قال: لست أفكّر في هذا الرجل، لألوان كثيرة، منها رؤيا رأيتها منذ ليال كثيرة، فقلت: ما هي؟ قال: رأيت ثعبانا عظيما، قد خرج عليّ من هذا الحائط- وأومأ

стр. 1057

بيده إلى حائط في مجلسه- وهو [١٨٧] يريدني، فطلبته، وضربته، فأثبتّه في الحائط، فتأوّلت أنّ ذلك الثعبان، البريديّ، وأنّي أغلبه. قال: فحين قال: فأثبتّه في الحائط، سبق إلى قلبي، أنّ البريديّ، هو الثابت، وأنّ الحائط، حائطه، دون أبي أحمد، فأردت أن أقول له: إنّ الخبر مستفيض، بما كان عبد الملك رأى في منامه، كأنّه وابن الزبير، قد اصطرعا في صعيد من الأرض، فطرح ابن الزبير عبد الملك تحته على الأرض، وأوتده بأربعة أوتاد فيها، وإنّه أنفذ راكبا إلى البصرة، فلقي ابن سيرين، فقصّ عليه الرؤيا، كأنّها له، وكتم ذكر ابن الزبير. فقال له ابن سيرين: هذه الرؤيا ليست رؤياك، ولا أفسّرها لك. فألحّ عليه. فقال: يجب أن تكون رؤيا عبد الملك، فإن صدقتني، فسّرتها لك. فقال: هو كما وقع لك. فقال: قل له: إن صحّت رؤياك هذه، فستغلب ابن الزبير على الأرض، ويملك الأرض من صلبك، أربعة ملوك. فمضى الرجل إلى عبد الملك، فأخبره، فعجب من فطنة ابن سيرين، وقال: ارجع إليه، وقل له: من [١٨٨] أين قلت هذا؟ فرجع الرجل إليه. فقال له: إنّ الغالب في النوم مغلوب، وتمكّنه على الأرض غلبة عليها، والأوتاد الأربعة، التي أوتدها في الأرض، هم ملوك يتمكّنون في الأرض، كما تمكّنت الأوتاد. قال أبو القاسم الآمديّ: فأردت أن أقول لأبي أحمد، هذا، وما وقع

стр. 1058

لي من القياس عليه، في تعبير رؤياه، فكرهت ذلك، لأنّه كان يكون سوء أدب، وقباحة عشرة، ونعيا لنفسه. فما مضت الأيّام، حتى قبض البريدي عليه، وكان من أمره ما كان «١» . ١٤٦ أبو أحمد بن المثنى ومناماته التي لا تخطئ وكان ممّن حضر عندي، لمّا حدّثني أبو القاسم بهذا الخبر، أبو القاسم عمر بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحسن بن المثنى، فقال: كانت لجدّي «٢» ، منامات طريفة لا تخطئ، فمنها: إنّي كنت بحضرته، وأنا صبيّ، في تربة جدّي لأمي، وعم أبي، أبي الحسين «٣» ، [فقال لنا: إنّي رأيت البارحة مناما، فقد أبصرت ثلاثة قبور قد احتفرت، أوّلها لحسان، والثاني لابي الحسين أخي، والثالث لي من بعده، وقد أبصرت حسّان نائما في قبره، وأبصرت أبا الحسين قاعدا في القبر، أمّا أنا فقد كنت أقعد في القبر وأقوم في حركة دائبة، وكأنّ هاتفا يهتف بي، إنّ عمرك وعمر أخيك

стр. 1059

واحد، وقد توفّي أخي منذ سنة] «١» وما أظن بيني وبين أخي إلا سنة. قال: فقال له من حوله: يبقي الله الشيخ، ويفعل به ويصنع. قال: فانصرف من التربة، فلما كان في اليوم السابع من ذلك الحديث، [١٨٩] قبض عليه أبو القاسم البريديّ، في يوم الخميس، غرّة شعبان، سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، فأقام في يده دون ثلاثة أشهر، ثم قتله في حبسه، في شوّال، بحيلة احتالها له، عبدان المتطبب، لعنه الله، في شيء سقاه. فقال أبو القاسم الآمدي: كنت حاضرا ابتداء المجلس، ولما أخبر رؤياه، تأوّلها تأوّلا غير ما وقع، وهو: إنّ نوم حسّان في قبره سلامة متينة، وإنّ قعود أبي الحسين، لأنّ الحال التي مات بها، أشدّ من حال حسان، لأنّه فلج سنين، فعاش مبتلى، قد نقص من صحته، ورأى في نفسه ما لا يحبّه، وإنّ وفاة أبي أحمد تكون بحال هي أشدّ من ذلك كله، بحسب قعوده وقيامه في المشقّة، وفرق ما بين القعود والنوم والراحة. فمات أبو أحمد، مقتولا، بعد الحبس والنكبة، والفقر والذلّة.

стр. 1060

١٤٧ قاضي شيراز يحكم بين صوفيّ وصوفية حدّثني أبو القاسم عبد الرحيم بن جعفر السيرافي، الفقيه، المتكلم، المعروف بابن السماك ﵀، قال: حضرت بشيراز، عند قاضيها أبي سعد بشر بن الحسن [١٩٠] الداودي، وقد ارتفع إليه صوفيّ وصوفيّة. قال: وأمر الصوفيّة هناك مفرط جدّا، حتى يقال إنّ عددهم ألوف، رجال ونساء. قال: فاستعدت المرأة على زوجها إلى القاضي، فلمّا حضرا، قالت له: أيّها القاضي، هذا زوجي يريد أن يطلّقني، وليس له ذلك، فإن رأيت أن تمنعه. قال: فأخذ أبو سعد، يعجّبني من هذا الكلام، وينبّهني على مذاهب الصوفيّة فيه. ثم قال لها: كيف ليس له ذلك؟ قالت: لأنّه تزوّج بي، ومعناه قائم، والآن يذكر أنّ معناه قد انقضى منّي، وأنّ معناي قائم فيه ما انقضى، فيجب أن يصبر، إلى أن ينقضي معناي فيه، كما انقضى معناه منّي. فقال لي أبو سعد: كيف ترى هذا الفقه؟ ثم أصلح بينهما، وخرجا من غير طلاق.

стр. 1061

١٤٨ ابن خفيف شيخ الصوفية بشيراز يتكلّم على الخطرات والوساوس أخبرني جماعة من أهل العلم: أنّ بشيراز رجلا يعرف بابن خفيف البغداديّ، شيخ الصوفيّة هناك، يجتمعون إليه، فيتكلّم على الخطرات «١» والوساوس «٢» ، ويحضر [١٩١] حلقته ألوف من الناس، وأنّه فاره، فهم، حاذق، وأنّه قد استغوى الضعفى من الناس، إلى هذا المذهب. قال: فمات رجل صوفي من أصحابه، وخلّف زوجة صوفيّة، فاجتمع النساء الصوفيات- وهنّ خلق كثير- ولم يختلط بمأتمها غير هنّ. فلما فرغوا من دفنه، دخل ابن خفيف، وخواصّ أصحابه- وهم عدد كثير- إلى الدار، وأخذ يعزّي المرأة، بكلام من كلام الصوفيّة، إلى أن قالت: قد عزيت «٣» . فقال لها: هاهنا غير؟ فقالت: لا غير. قال: فما معنى التزام النفوس، آفات الهموم، وتعذيبها بعذاب الغموم؟ ولأيّ معنى نترك الامتزاج، لتلتقي الأنوار، وتصفو الأرواح، وتقع الإخلافات، وتنزل البركات؟

стр. 1062

قال: فقالت النساء: إذا شئت. قال: فاختلط جماعة الرجال، بجماعة النساء، طول ليلتهم، فلما كان سحرا خرجوا. قوله: هاهنا غير؟، أي: هاهنا غير موافق في المذهب؟ فقالت: لا غير، أي ليس من مخالف. قوله: نترك الامتزاج، كناية عن الوطء، من الممازجة. وقوله: لتلتقي [١٩٢] الأنوار، على أصلهم إنّ في كل جسم نورا إلهيا. وقوله: الإخلافات، أن يكون خلف لكل من مات أو غاب من أزواجكنّ. وهذا عندي عظيم، ولولا أنّ جماعة أخبروني، يبعدون عندي عن الكذب، ما حكيته، لعظمه عندي، واستبعاد مثله أن يجري في دار الإسلام. وبلغني أنّ هذا ومثله، شاع، حتى بلغ الأمير عضد الدولة، فقبض على جماعة منهم، وضربهم بالسياط، وشرّد جماعة منهم، وشتّت جموعهم، فكفّوا.

стр. 1063

١٤٩ من شعر أبي فراس الحمداني لأبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان «١» ، لما أسر «٢» : ما للعبيد من الذي ... يقضي به الله امتناع ذدت الأسود عن الفرائس ... ثم تفرسني الضباع «٣» وله إلى سيف الدولة، قصيدة اخترت منها قوله: أيدرك ما أدركت إلا ابن همّة ... يمارس في كسب العلى ما أمارس يضيق مكاني عن سواي لأنّني ... على قبّة المجد المؤثّل جالس «٤» [١٩٣] وقال، وقد حضر العيد، وهو ببلد الروم أسير: يا عيد ما جئت «٥» بمحبوب ... على معنّى القلب مكروب يا عيد قد عدت على ناظر ... عن كل حسن فيك محجوب يا وحشة الدار التي ربّها ... أصبح في أثواب مربوب قد طلع العيد على أهلها ... بوجه لا حسن ولا طيب ما لي وللدهر وأحداثه ... لقد رماني بالأعاجيب «٦»

стр. 1064

وله في الأسر قصيدة أوّلها: أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر ... أما للهوى نهي عليك ولا أمر «١» ويقول فيها: تكاد تضيء النار بين جوانحي ... إذا هي أذكتها الصبابة والفكر معلّلتي بالوعد «٢» والموت دونه ... إذا متّ عطشانا «٣» فلا نزل القطر وإنّي لنزّال بكلّ مخوفة ... كثير إلى نزّالها النظر الشزر [١٩٤] وأصدى إلى «٤» أن ترتوي الأرض والقنا ... وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر ولا أصبح الحيّ الخلوف بغارة ... ولا الجيش ما لم يأته قبلي النذر ويا ربّ دار لم تخفني منيعة ... طلعت عليها بالردى أنا والفجر وحيّ رددت الجيش حتى ملكته ... هزيما ورّدتني البراقع والخمر وما راح يطغيني بأثوابه الغنى ... ولا بات يثنيني عن الكرم الفقر وما حاجتي بالمال أبغي وفوره ... إذا لم أفر عرضي فلا وفر الوفر أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى ... ولا فرسي مهر ولا ربّه غمر ولكن إذا حمّ القضاء على امرىء ... فليس له برّ يقيه ولا بحر [١٩٥] ويقول فيها: وقال أصيحابي الفرار أو الردى ... فقلت هما أمران أحلاهما مرّ ولكنّني أمضي لما لا يعيبني ... وحسبك من أمرين خيرهما الأسر ولا خير في دفع الردى بمذلّة ... كما ردّها يوما بسوءته عمرو «٥»

стр. 1065

١٥٠ أبو سعيد الشيباني يتغزل أنشدني في ربيع الآخر من سنة ست وستين وثلاثمائة، أبو سعيد مساعد ابن الجهم الشيبانيّ، لنفسه: قال: وقلتها منذ سبعين سنة، وذكر لي أنّ له في الوقت ستا وتسعين سنة. يا مقلة لحظها عقاربها ... سماء عيني دمعي كواكبها تجول في حلبة مشهّرة ... تكبو بركبانها ركائبها كأنّها والدماء تتبعها ... شهب خيول شقر جنائبها أنشدني من» هذه الأبيات، شعرا جيدا، في سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وقال: شهب جنائبها. وهذا أصحّ «٢» ، لأنّه أراد [١٩٦] به، أنّه يبكي دمعا، ثم يتبعه دما، والدليل عليه قوله: كأنّها والدماء تتبعها

стр. 1066

١٥١ القاضي أبو الحسين ابن أبي عمر يحزن لموت يزيد المائي حدّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان، الشيرازيّ، الكاتب، قال: حدّثني أبو بكر الجعابي الحافظ، قال: دخلت يوما على القاضي أبي الحسين بن أبي عمر «١» ، وهو مغموم حزين، فقلت له: لا يغمّ الله القاضي، فما الذي آذاه؟ فقال: مات يزيد المائيّ. فقلت: يبقي الله قاضي القضاة أبدا، ومن يزيد، حتى إذا مات اغتمّ عليه قاضي القضاة، هذا الغمّ كلّه؟ فقال: ويحك، مثلك يقول هذا، في رجل أوحد في صناعته، قد مات ولا خلف له، ولا أحد يقاربه في حذقه؟ وهل فخر البلد، إلّا بكثرة كون رؤساء الصنّاع، وحذّاق أهل العلم فيه؟ فإذا مضى رجل، لا مثل له في صناعته، ولا بد للنّاس منها، فهل يدلّ هذا، إلّا على نقصان العالم، وانحطاط البلدان؟ ثم قال بعد ذلك: وأخذ يعدّد فضائله، والأشياء الطريفة التي عالج بها، والعلل [١٩٧] الصعبة التي زالت بتدبيره، وذكر من ذلك أشياء كثيرة، لم يعلق أكثرها بحفظي. قال: وكان منها، أن قال: لقد أخبرني، منذ مدّة طويلة، رجل من جلّة أهل هذا البلد، أنّه كان قد حدث بابنة له علّة طريفة، فكتمتها عنه،

стр. 1067

ثم أطلعته عليها، فكتمها هو مدّة، ثم انتهى أمر البنت إلى حدّ الموت. قال: فقلت: لا يسعني كتمان هذا أكثر من هذا. قال: فكانت العلّة، أنّ فرج الصبيّة، يضرب عليها ضربا عظيما، لا تنام منه الليل، ولا تهدأ النهار، وتصرخ من ذلك أعظم صراخ، ويجري في خلال ذلك، منه دم يسير، كماء اللحم، وليس هناك جرح يظهر، ولا ورم كبير يزيد. قال: فلما خفت المأثم، أحضرت يزيد، فشاورته. فقال: تأذن لي في الكلام، وتبسط عذري فيه؟ قلت: نعم. فقال: لا يمكنني أن أصف شيئا، دون أن أشاهد الموضع، وأفتّشه بيدي، وأسائل المرأة عن أسباب، لعلّها كانت الجالبة للعلّة. قال: فلعظم الضرورة، وبلوغها التلف [١٩٨] ، مكّنته من ذلك. فأطال مساءلتها، وحديثها، بما ليس من جنس العلّة، بعد أن جسّ الموضع من ظاهره، وعرف بقعة الألم، حتى كدت أن أثب به «١» . ثم تصبّرت ورجعت إلى ما أعرفه من ستره، فصبرت على مضض. إلى أن قال: تأمر من يمسكها؟ ففعلت. ثم أدخل يده إلى الموضع، دخولا شديدا، فصاحت الامرأة، وأغمي عليها، وانبثّ الدم، وأخرج في يده حيوانا، أقلّ من الخنفساء، فرمى به. فجلست الجارية في الحال، واستترت، وقالت: يا أباه، استرني فقد عوفيت.

стр. 1068

قال: فأخذ الحيوان في يده، وخرج من الموضع. فلحقته، وأجلسته، وقلت: أخبرني ما هذا؟ فقال: إنّ تلك المساءلة، التي لم أشكّ أنّك أنكرتها، إنّما كنت أطلب شيئا، أستدلّ به على سبب العلّة، إلى أن قالت لي: إنّها في يوم من الأيّام، جلست في بيت دولاب بقر في بستان لكم، ثم حدثت العلّة بها، من غير معرفة، من ذلك اليوم، فخلت، أنّه قد دبّ إلى فرجها من القراد الذي يكون على البقر، وفي بيوت البقر، قراد «١» قد تمكّن [١٩٩] من أوّل داخل الفرج، فكلّما امتصّ الدم من موضعه ولّد الضربان، وأنّه إذا شبع، نقط من الجرح الذي يمتصّ منه إلى خارج الفرج، هذه النقط اليسيرة من الدم. فقلت: أدخل يدي وأفتّش. فأدخلت يدي، فوجدت القراد، فأخرجته، وهو هذا الحيوان، قد كبر، وتغيّرت صورته، لكثرة ما يمتصّ من الدم، على طول الأيّام. قال: وأراني الحيوان، وإذا هو قراد. قال: وبرأت الصبيّة. قال: فقال لي أبو الحسين القاضي: فهل ببغداد اليوم، من له من الصناعة مثل هذا، أو ما يقاربه؟، فكيف لا أغتمّ بموت من هذا بعض حذقه؟

стр. 1069

١٥٢ أبو المغيرة الشاعر يروي خبرا ملفقا حدّثنا أبو المغيرة، محمد بن يعقوب بن يوسف، الشاعر، البغداديّ، الأسديّ، قال: حدّثني أبو موسى عيسى بن عبيد الله البغداديّ، قال: حدّثني صديق لي، قال: كنت قاصدا للرملة «١» وحدي، فانتهيت إليها، وقد نام الناس، ليلا، فعدلت إلى المقبرة، ودخلت بعض القباب التي على القبور، وطرحت درقة «٢» كانت معي، فاتكأت [٢٠٠] عليها، وعلّقت سيفي أريد النوم، لأدخل إلى البلد نهارا، فاستوحشت من الموضع، وأرقت. فلما طال أرقي، أحسست بحركة، فقلت: لصوص يجتازون، فإن قصدت لهم، لم آمنهم، ولعلّهم أن يكونوا جماعة، فلا أطيقهم، فانخزلت مكاني، ولم أتحرّك، وأخرجت رأسي من بعض أبواب القبّة، على تخوّف شديد، فرأيت دابّة كالدبّ، يمشي، فأخفيت نفسي، فإذا به قد قصد قبّة حيالي، قريبة منّي، فما زال يتلفّت طويلا، ويدور حولها، ويتلفّت، ساعة، ثم دخلها. فارتبت به، وأنكرت فعله، وتطلّعت نفسي إلى علم ما هو عليه. فدخل القبّة، وخرج غير متثبّت، ثم دخل وخرج، بسرعة، دفعات، ثم دخل، وعيني عليه، فضرب بيده إلى قبر في القبة ليحفر. فقلت: نباش، لا شك فيه.

стр. 1070

وتأمّلته يحفر بيديه، فعلمت أنّ فيها آلة حديد يحفر بها. فتركته إلى أن اطمأنّ، وأطال، وحفر شيئا كثيرا، ثم أخذت سيفي ودرقتي، ومشيت على أطراف أناملي، حتى [٢٠١] دخلت القبة، فأحسّ بي، وقام إليّ بقامة إنسان، وأومأ إليّ ليلطمني بكفه، فضربت يده بالسيف، فأبنتها، وطارت. فصاح: أواه، قتلتني، لعنك الله. وعدا من بين يديّ، وعدوت وراءه، وكانت ليلة مقمرة، حتى دخل البلد، وأنا وراءه، ولست ألحقه، إلّا أنّه بحيث يقع بصري عليه، إلى أن اجتاز في طرق كثيرة، وأنا في خلال ذلك أعلّم الطرق، لئلا أضلّ، حتى إذا جاء إلى باب دار، فدفعه، ودخل، وغلقه، وأنا أتّبع. فعلّمت الباب، ورجعت أقفو الأثر، والعلامات التي علّمتها في طريقي، حتى انتهيت إلى القبّة التي كان فيها النبّاش، فطلبت الكف، فوجدتها، وأخرجتها إلى القمر، فبعد جهد، انتزعت الكفّ المقطوع من الآلة الحديد، فإذا هي كفّ كالكفّ، وقد أدخل أصابعه في الأصابع، وإذا هي كفّ فيها نقش حناء، وخاتمان ذهب. فحين علمت أنّها امرأة، اغتممت، وتأمّلت الكفّ، وإذا أحسن كفّ في الدنيا، نعومة، ورطوبة، وسمنا [٢٠٢] وملاحة، فمسحت الدم منها، ونمت في القبّة التي كنت فيها. ودخلت البلد، من غد، أطلب العلامات، حتى انتهيت إلى الباب. فسألت: لمن الدار؟ فقالوا: لقاضي البلد. واجتمع عليها خلق، وخرج منها رجل شيخ بهيّ، فصلّى الغداة بالناس، وجلس في المحراب.

стр. 1071

فازداد عجبي من الأمر، وقلت لبعض الحاضرين: بم يعرف هذا القاضي؟ فقال: بفلان. فأطلت الحديث في معناه، حتى عرفت أنّ له ابنة عاتقا «١» ، وزوجة، فلم أشكّ، أنّ النبّاشة ابنته. فتقدّمت إليه، وقلت له: بيني وبين القاضي- أعزّه الله- حديث، لا يصلح إلّا على خلوة. فقام إلى داخل المسجد، وخلا بي، وقال: قل. فأخرجت إليه الكفّ، وقلت: أتعرف هذه؟ فتأملها طويلا، وقال: أما الكفّ فلا، وأمّا الخواتيم، فخواتيم ابنة لي، عاتق، فما الخبر؟ فقصصت عليه الحديث بأسره. فقال: قم معي، وأدخلني داره، وغلق الباب، واستدعى طبقا، وطعاما، واستدعى امرأته. فقال له الخادم: تقول [٢٠٣] لك: كيف أخرج ومعك رجل غريب؟ فقال: لا بدّ من خروجها تأكل معنا، فهنا من لا أحتشمه. فأبت عليه، فحلف بالطلاق لتخرجين، فخرجت باكية، فجلست معنا. فقال لها: أخرجي ابنتك. فقالت: يا هذا، قد جننت، فما الذي حلّ بك؟ فقد فضحتني، وأنا امرأة كبيرة، فكيف تهتك صبيّة عاتقا؟ فحلف بالطلاق لتخرجنّها، فخرجت.

стр. 1072

فقال: كلي معنا. فرأيت صبيّة كالدينار المنقوش، ما مقلت مقلتاي مثلها، ولا أحسن منها، إلّا أنّ لونها أصفر جدا، وهي مريضة، فعلمت أنّ الذي لحق يدها، قد فعل بها ذلك. فأقبلت تأكل بيمينها، وشمالها مخبوءة. فقال: اخرجي اليسرى. فقالت: قد خرج فيها خراج عظيم، وهي مشدودة. فحلف لتخرجنّها. فقالت امرأته: يا رجل، استر على نفسك، وعلى ابنتك، فو الله- وحلفت بأيمان كثيرة- ما اطّلعت لهذه الصبيّة على سوء قط، إلّا البارحة، فإنّها جاءتني، بعد نصف الليل، فأيقظتني [٢٠٤] ، وقالت: يا أمّي، الحقيني، وإلّا تلفت. فقلت لها: ما لك؟ فقالت: قد قطعت يدي، وهوذا أنزف الدم، والساعة أموت، فعالجيني، وأخرجت يدها مقطوعة. فلطمت، فقالت: لا تفضحيني ونفسك بالصياح، عند أبي والجيران، وعالجيني. فقلت: لا أدري بما أعالجك. فقالت: خذي زيتا، فاغليه، واكوي به يدي. ففعلت ذلك، وكويتها، وشددتها، وقلت: الآن حدّثيني ما دهاك. فامتنعت. فقلت: والله، لئن لم تحدّثيني، لأكشفن أمرك إلى أبيك. قالت: إنّه وقع في نفسي منذ سنتين، أن أنبش القبور، فتقدّمت

стр. 1073

إلى هذه الجارية، فاشترت لي جلد ماعز غير محلوق الشعر، واستعملت لي كفّين من حديد، وكنت إذا نمتم، أفتح الباب، وآمرها أن تنام في الدهليز ولا تغلق الباب، وألبس الجلد، والكفّين الحديد، وأمشي على أربع، فلا يشكّ من لعلّه يراني من سطح أو غيره، أنّي كلب. ثم أخرج إلى المقبرة، وقد عرفت من النهار [٢٠٥] ، خبر من يموت من الجلّة، وأين قد دفن، فأقصد قبره، فأنبشه، وآخذ الأكفان، فأدخلها في الجلد، وأمشي مشيتي، وأعود والباب غير مغلق، فأدخل، وأغلقه، وأنزع تلك الآلة، وأدفعها إلى الجارية، مع ما قد أخذته، فتخبئه في بيت لا تعلمون به، وقد اجتمع ثلاثمائة كفن، أو ما يقاربها، لا أدري ما أصنع بها، إلّا أنّي كنت أجد لذلك الخروج، والفعل، لذّة لا سبب لها، أكثر من أن أصابتني بهذه المحنة. فلما كان الليلة، تسلّط عليّ رجل، أحسّ بي، وكان كأنّه جالس، أو حارس لذلك القبر، فحين بدأت أنبشه، جاءني، فقمت لأضرب وجهه بكفّي الحديد، فأشغله بها عنّي، وأعدو، وأنجو، فداخلني بالسيف، فضربني، فتلقّيت الضربة بشمالي، فأبان كفّي. فقلت لها: أظهري أنّه قد خرجت على كفك خراج، وتعاللي، فإن الذي بك من صفار، يصدّق قولك، حتى إذا مضت أيّام، قلنا لأبيك، لا بد أن تقطع يدك، وإلّا خبث جميع [٢٠٦] بدنك، فتلفت، فيأذن لنا في قطعها، فنوهم أنّا قطعناها [من] جديد، وينستر أمرك. فعملنا على هذا، بعد أن استتبتها، فتابت، وحلفت بالله، لا عادت. وكنت على بيع هذه الجارية، وأراعي فيما بعد مبيت هذه الصبيّة، وأبيّتها جانبي، ففضحتني أنت، وفضحت نفسك. فقال لها القاضي: ما تقولين؟

стр. 1074

فقالت: صدقت أمّي، وو الله، لا عدت أبدا، وتابت. فقال لها القاضي: هذا صاحبك الذي قطع يدك، فكادت أن تتلف جزعا. ثم قال: يا فتى، من أين أنت؟ فقلت: رجل من أهل العراق. قال: ففيم وردت؟ قلت: أطلب الرزق. فقال: قد جاءك حلالا، هنيئا، نحن قوم مياسير، ولله علينا ستر، فلا تهتكه، والله، ما علمت هذا من حال ابنتي، فهل لك أن تتزوّجها، وأغنيك بمالي عن الناس، وتكون معنا، وفي دارنا؟ قلت: نعم فرفع الطعام، وخرجنا إلى المسجد والناس مجتمعون، ينتظرونه. فخطب، وزوّجني، وقام رجع، فأدخلني إلى [٢٠٧] الدار. ووقع حبّ الصبيّة في نفسي، حتى كدت أموت عشقا لها، وافترعتها، وأقامت معي شهورا، وهي نافرة عنّي، وأنا أونّسها، وأبكي حسرة على يدها، وأعتذر إليها، وهي تظهر قبول عذري، وأنّ الذي بها غمّا على يدها. إلى أن نمت ليلة، وانبسطت في نومي، على رسمي، فأحسست بثقل على صدري شديد، فانتبهت جزعا، فإذا بها باركة على صدري، وركبتها على يدي، مستوثقة، وفي يدها موسى، وقد أهوت لتذبحني، فاضطربت ورمت الخلاص فتعذّر، وخشيت أن تبادرني، فسكنت. فقلت لها: كلّميني، واعملي ما شئت، ما الذي يدعوك إلى هذا؟ قالت: أتظنّ أنّك قطعت يدي، وهتكتني، وتزوّجت بي، وتنجو سالما؟ والله لا كان هذا.

стр. 1075

فقلت: الذبح قد فاتك، ولكنّك تتمكّنين من جراحات توقعينها بي، ولا تأمنين أن أفلت فأذبحك، أو أهرب وأكشف هذا عليك، ثم أسلمك إلى السلطان، فيكشف جنايتك الأولى [٢٠٨] ، والثانية، ويتبرّأ منك أهلك، وتقتلين. فقالت: افعل ما شئت، فلا بدّ من ذبحك، وقد استوحش كل منّا من صاحبه. فنظرت، وإذا الخلاص منها يبعد عليّ، ولا آمن أن تجرح موضعا من بدني، فيكون فيه تلفي، فقلت: الحيلة أعمل فيها. فقلت: أو غير هذا. فقالت: قل. فقلت: أطلّقك الساعة، وتفرجين عني، وأخرج من البلد، فلا تريني، ولا أراك أبدا، ولا ينكشف لك حديث في بلدك، ولا فضيحة، وتتزوّجين من شئت، فقد شاع عند الناس، أنّ يدك قطعت لخراج خبثها، وتربحين الستر. فقالت: تحلف أنّك لا تقيم في البلد، ولا تفضحني فيه أبدا؟ قال: فحلفت بالأيمان المغلظة. فقامت عن صدري، تعدو، خوفا من أن أقبض عليها، حتى رمت الموسى بحيث لا أدري، وعادت، فأخذت تظهر بأنّ الذي فعلته، مزاح، وتلاعبني. فقلت: إليك عنّي، فقد حرمت عليّ، ولا تحلّ لي ملامستك، وفي غد، أخرج عنك. فقالت: الآن علمت صدقك، وو الله، لو لم تفعل [٢٠٩] ، لما نجوت من يدي.

стр. 1076

وقامت، فجاءتني بصرّة، وقالت: هذه مائة دينار، خذها نفقة، واكتب رقعة بطلاقي، ولا تفضحني، واخرج. فخرجت في سحرة «١» ذلك اليوم، بعد أن كتبت إلى أبيها، أنّي قد طلّقتها، وأنّي خرجت حياء منه. ولم ألتق بهم إلى الآن. ١٥٣ من شعر أبي المغيرة أبو المغيرة، راوي هذا الخبر «٢» ، شاعر طويل اللسان، مطبوع، هجّاء، وله مدائح كثيرة، وديوان واسع، وأنشدني لنفسه أشياء، منها: عرّضني للردى هواه ... من معدن السحر مقلتاه وقد لوى نحوه فؤادي ... صدغ على الخدّ قد لواه كأنّه عقرب ولكن ... يلسع كل الورى سواه يا عاذلي في هواه رفقا ... عذري من الحسن ما تراه

стр. 1077

١٥٤ أبو أحمد الدلجي يرى مناما صادقا حدّثني الأستاذ أبو أحمد الحسين بن محمد بن سليمان، الكاتب المعروف بالدلجيّ «١» ، قال: رأيت في المنام ذات ليلة- وأنا إذ ذاك أخلف سهل بن بشر «٢» على أعمال الأهواز- كأنّي قد خرجت إلى بعض الصحارى، فصعدت [٢١٠] جبلا شاهقا، فلما بلغت ذروته، قربت من القمر، أو قرب القمر منّي، حتى لمسته بيدي، وكأنّ في يدي خشبة، قد أدخلتها فيه، وأنا أخضخضها فيه، حتى نقبته، وقطّعته قطعا، ثم أخذت بتلك الخشبة، غيما، كان قريبا من القمر، فما زلت ألطّخه، حتى طيّنته كلّه، وكأنّ صاحبا لي يقول: ما تصنع؟ فقلت له: قد قتلت القمر، وأنا أطيّنه بهذا الغيم. وانتبهت، فاشتغل بذلك قلبي، فبكّرت إلى أبي الحسن أحمد بن عمر الطالقاني، الكاتب، فلما رآني، قال: رأيت لك البارحة مناما طريفا، وأردت أن أجيئك الساعة، فأفسّره لك. فقلت: فإنّي رأيت البارحة مناما قد شغل قلبي، فجئت لأحدّثك به.

стр. 1078

فقال: ما رأيت؟ فقصصت عليه الرؤيا. فقال: لا تشغل قلبك بها، فستلي مكان سهل بن بشر، وتحتوي على منزله، عن قريب. فقلت: من أين لك هذا؟ وما الذي رأيت أنت؟ فقال: رأيت البارحة في منامي، كأنّي مجتمع مع رجل صالح، قد هجس في نفسي أنّه بعض الصحابة، أسأله [٢١١] أن يدعو الله لي، فقال لي: الدلجيّ صديقك؟ فقلت: نعم فقال: قل له: الأهواز وقف عليك، فاتّق الله، ولا تؤذي زوجتك، ولا شكّ أنّ هذا المنام تفسير منامك. فاستكتمته المنام، وافترقنا، وعدت. وما كنت أرى أنّني أؤذي زوجتي في شيء، إلّا في تسرّي الجواري، وكانت عندي واحدة منهنّ، قد أقامت نحو سنة، وكادت أن تغلبها عليّ، فبعتها على مشتر في الحال، ووهبت ثمنها لزوجتي، وكان ألوف دراهم. فلما كان بعد ذلك بسنة- أكثر أو أقل- ورد الوزير ابن بقيّة، الأهواز، مع عزّ الدولة، وقبض على القائد بختكين آزاذرويه «١» ، والأتراك، وسهل بن بشر، ثم أطلق القائد، وسمّي بالحاجب الأجل «٢» ، وردّت الضمانات إليه، وقلّدني مكان سهل بن بشر.

стр. 1079

فما زال في حبس أبي أحمد، مدة، ثم أخذ من يده، وحمل إلى بغداد «١» ، وحدث من ملك الأمير عضد الدولة بغداد ما حدث، فأطلق «٢» ، وقلّد عسكر مكرم، وتستر، وجنديسابور وأعمال ذلك «٣» ، ونكب [٢١٢] أبا أحمد، وألزمه مالا، فلزم منزله بالأهواز، وكان يؤدّي المال، إلى أن خالف سهل بن بشر، ودخل الأهواز بالجيش داعيا إلى عضد الدولة «٤» ، ومعهم أبو أحمد خوفا على مهجته من سهل بن بشر. وأقام «٥» بأرجان، سنة وشهرا، ثم واطأ الديلم بالأهواز، على أن يشغبوا، ويقولوا: إنهم لا يرضون بالوزير وزيرا «٦» ، ولا يقنعون إلّا بصرفه، وتقليد غيره الوزارة، وإلّا لم يرضوا بإمارة الأمير عزّ الدولة «٧» ، واستحلف القوّاد، وسائر الجيش بكور الأهواز، وبايعوه، وحلفوا له، وأظهر أنّه يريد المسير إلى بغداد، للمطالبة بذلك، وذلك في شعبان سنة خمس وستين وثلاثمائة «٨» . فأنكر ذلك، الأمير عزّ الدولة، وأنفذ إبراهيم بن إسماعيل، من أجلّ حجّابه، برسالة إلى الديلم، فندموا على ما فعلوا، وأذعنوا بالطاعة، فقبض

стр. 1080

على سهل بن بشر، وحمله إلى بغداد، إلى الأمير عزّ الدولة، فخلع عليه «١» ، وضمّنه الأهواز، واليا لها ولكورها. فصارت [٢١٣] الأهواز، كالوقف عليه، لا يصلح لها غيره، ولا يعرف فيها عند الحاجة سواه. ١٥٥ أبو مسلم الأصبهاني الكاتب يرى مناما صادقا حدّثنا أبو مسلم محمد بن أحمد بن مهديّ، الأصبهاني، الكاتب، قال: رأيت في المنام- وقت استحلاف سهل بن بشر، القوّاد، والديلم، على الشغب، والمطالبة بصرف الوزير الناصح نصير الدولة «٢» - كأنّي قد خرجت إلى صحراء عظيمة، فرأيت معسكرا هائلا، بالخيم «٣» ، والشرع «٤» ، والفازات «٥» ، وفي وسطه نهر يسقيه، وعلى حافتي ذلك النهر غائط عظيم،

стр. 1081

وجميع أهل ذلك المعسكر، من القوّاد وغيرهم، قد اجتمعوا، يأكلون من تلك العذرة، فجاء الحاجب الأجلّ «١» من بينهم، وقد أكل من تلك العذرة، فغسل فاه، وما حواليه بالماء، وتمضمض، وركب، ولم يفعل الباقون ذلك. وكأنّي أعجب من هذا، إذ وقعت عيني على شراع فوق سطح، فقلت: لمن هذا؟ للدلجيّ؟، قال: وأبو أحمد الدلجيّ إذ ذاك بأرجان. فقالوا: هذا له، وقد قدم. فقلت: أمضي، وأراه، وأسلّم عليه [٢١٤] . فتوجّهت، إلى أن بلغت إلى أسفل الموضع الذي فيه الشراع، فهبّت ريح عظيمة، فقلعت تلك الخيم التي كانت في المعسكر، فما رأيت منها شيئا باقيا، فنظرت فإذا نساء، وصبيان، ورجال، وشيوخ، يمسكون الشراع. فقلت: من هؤلاء؟ فقال لي قائل: هؤلاء الطالبيّون، يمسكون شراع الدلجيّ، حتى لا تقلعه الريح. وانتبهت، فقصصت من غد، الرؤيا على سيما الدرعيّ، صاحب الشرط، وقلت: هذا الذي فيه هؤلاء، لا يجيء منه شيء، سيلي الدلجيّ، ويجيء من أرجان «٢» . فقال: ويحك ما تقول؟ فقصصت عليه الرؤيا. فقال: إحسان الدلجيّ إلى الطالبيّين، هو الذي يأخذ بيده. فما كانت إلّا أيّام، حتى ورد إبراهيم الحاجب، فقبض على سهل

стр. 1082

ابن بشر، وحمله مقيّدا، وسار بالجيش إلى بغداد. فأمّا الحاجب الأجل بختكين، فقد كاتب الأمير والوزير بالخبر، وأشار بمعاجلة سهل بن بشر، والقبض عليه، وذكر أنّه وافقه، إشفاقا من وثوب الديلم عليه [٢١٥] ، فنجا من المحنة بذلك الفعل، وكان ذلك تأويل مضمضته، وغسله فاه من العذرة. وأمّا الباقون، الذين غمرهم ذلك الأمر، فكانوا: الحسين بن أحمد ابن بختيار «١» ، القائد الديلمي، وتكيدار بن سليمان، القائد الجيلي، فلما حصلا بواسط، قبض عليهما، ونفيا، وأخذت نعمتهما «٢» ، وورد أبو أحمد الدلجيّ، الحضرة، فتقلّد الأهواز وكورها. فكان «٣» يحدّثنا بهذا، بحضرة أبي أحمد، بعد دخوله الأهواز بمدّة.

стр. 1083

١٥٦ الوزير المهلبي يطالب أحد عماله بحمل الخراج سمعت أبا محمّد المهلّبيّ، يملي كتابا، إلى سعد بن عبد الرحمن «١» - وهو إذ ذاك، ضامن عمالة البصرة منه، في شركة أبي الحسين أحمد بن محمّد بن عبد الله بن الحسين الأهوازي «٢» ، وأبي عليّ الحسن بن عليّ بن مهديّ الأصبهانيّ «٣» ، ابن أخت سعد بن عبد الرحمن- يخاطبه في معنى المال، وتأخّره، وحثّه بخطاب جميل بين الليّن والخشن. وقال في آخره: لو سكت عن مطالبتك بالمال، ما سكت الأمير [٢١٦] معزّ الدولة، فيجب أن تؤدّيه محمودا، خيرا من أن تؤدّيه مذموما، فاعمل على أنّي صديق أشرت بأدائه، [ومدافعته عنك، بهذا القدر، ما كنت أغلو عليه به] «٤» ، فإنّ من أرضى أصدقاءه في أيّام النعم، أرضوه في أيّام المحن، واعلم أنّه ليس بين مخاطبتي [هذه] لك، وبين أن أخاطبك بضدّها، ممّا يخاطب به العمّال المطالبون، الملطّون «٥» ، والمعاملة بما يقتضي ذلك، إلّا أن يرد جواب كتابي فارغا من ذكر حمل المال، وأعوذ بالله، فاختر لنفسك، أو فدع، والسلام.

стр. 1084

١٥٧ أبو محمد المهلبي الوزير يتحدّث عن الكرم سمعت أبا محمّد المهلّبيّ، يقول يوما، في شيء جرى بحضرته، من ذكر الكرم والكرام، بين جماعة من الناس: [كرم الكريم] يستر عليه، ما تكشفه النوائب من سوءاته. ١٥٨ إعظام من لا دين له ولا دنيا عنده، حمق حدّثني أبو محمد بن داسة «١» ، قال: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن إسحاق الآمدي، ويعرف بابن أبي صفوان، شيخ كان يخلف القاضي أبا القاسم التنوخيّ، على القضاء بواسط وأعمالها، وعلى أعمال كور الأهواز، في أوقات متفرقة، قال: أخبرني من حضر مجلس [٢١٧] أبي عمر القاضي، وقد دخل إليه ابن غسان، صهره. فقال له: من أين أقبلت؟ فقال: من عند فلان. فقال أبو عمر: إعظام من لا دين له، ولا دنيا عنده، حمق.

стр. 1085

١٥٩ البخل خير من مسألة البخيل حدّثنا أبو القاسم عمر بن حسان بن الحسين، الشاهد، البغداديّ- وقد تولّى القضاء بديار مضر من قبل قاضي القضاة، وهو مشهور المحلّ- قال: كنت عند سلامة «١» ، أخي نجح الطولوني، وأنا شاب، وفي مجلسه جماعة يذمّون البخل، وكان سلامة ينسب إلى البخل، وما كان بخيلا، وإنّما كان محصّلا لحاله، مصلحا لماله. فلما انصرفوا، قال: يا أبا القاسم، لا تسمع هذا الكلام، ولا تعوّل عليه، فتهلك، واعلم أنّ البخل خير من مسألة البخيل.

стр. 1086

١٦٠ سلامة الحاجب يلوم قوما طعنوا في العدول قال «١» ، وكنت عنده «٢» في آخر كونه ببغداد، وقبيل دخول الديلم [إليها] «٣» ، وبحضرته قوم يطعنون على الشهود، ويعيبونهم. فقال لهم سلامة: ما رأيت أعجب من أمركم، من فيكم يطمئن أن يشتري من ابنه، أو من أخيه، ضيعة بعشرة آلاف دينار، ولا يشهد عليه [٢١٨] العدول؟ فقالوا: ما فينا أحد بهذه الصورة. قال: أفتستظهرون لأنفسكم، وأعقابكم، في هذا القدر الكثير من المال، وما هو أكثر منه، إلّا بالشهادة، وتعتاضون بخطوطهم في جلد يساوي دافق فضّة، من ذلك المال العظيم، حتى تأخذوا الصكّ، بدلا من المال، فتجعلونه تحت رؤوسكم، لشدّة حفظه. قالوا: نعم. قال: فمن كان هذا حكمه عندكم، لم تطعنون فيه؟.

стр. 1087

١٦١ أبو علي بن مقلة الوزير يزيل أثر الحلوى بالحبر حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن رجاء بن أبي الضحّاك، وكان يعرف بالديناريّ «١» ، لأن أمّه ديناريّة، تقرب إلى امرأة أبي عليّ بن مقلة، المعروفة بأم الفضل الديناريّة. وسمعت أبا القاسم الحسن بن عليّ بن مقلة «٢» ، يحدّث بهذا الحديث، واللفظ مقارب، قالا: كان أبو عليّ بن مقلة «٣» ، يوما، يأكل، فلما شيلت المائدة، وغسل يده، رأى على ثوبه نقطة صفراء من الحلوى الذي أكله، ففتح الدواة، واستمدّ منها بيده، ونقطها على الصفرة، حتى لم يبق لها [٢١٩] أثر، وقال: ذاك عيب، وهذا أثر صناعة، ثم أنشد: إنّما الزعفران عطر العذارى ... ومداد الدويّ عطر الرجال

стр. 1088

١٦٢ من نظم ابن أبي الضحاك أنشدني «١» لنفسه: وأشجار نارنج كأنّ ثمارها ... حقاق عقيق قد ملئن من الدرّ تطالعنا بين الغصون كأنّها ... خدود العذارى في ملاحفها الخضر أتت كلّ مشتاق بريّا حبيبه ... فهاجت له الأحزان من حيث لا يدري وأنشدني لنفسه أيضا في النارنج: شجر كأيّام الشباب ... تعجّلت قبل المشيب وكأنّما نارنجها ... وجه الحبيب على رقيب تهدي إليك جميع ما ... أرضاك من حسن وطيب لم لا تحنّ لها القلوب ... وقد غدت مثل القلوب

стр. 1089

١٦٣ للبديهي البغدادي في وصف النارنج أنشدني أبو الحسن، أحمد بن عبيد الله البغداديّ، المعروف بالبديهيّ «١» ، لنفسه: [٢٢٠] أنظر إلى النارنج في أغصانه ... نزها لأعيننا وعطرا في اليد ككباب نار في قباب زبرجد ... متوقّد بالطيب أيّ توقّد ورق كآذان الجياد قدودها ... قد أثقلت بقلائد من عسجد

стр. 1090

١٦٤ أبو الحسن بن جميل يستخلف متخلفا حدّثني أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين الأهوازي، الكاتب «١» ، قال: كنّا خمسة كتّاب، قد نشأنا بين يدي أبي الحسن بن جميل، في الديوان بالأهواز، وتعلّمنا عليه، وكان فينا رجل متخلّف في صناعته، فأراد ابن جميل، أن يغيب عن صاحبه، واستخلف ذلك المتخلّف، فاغتممنا لتقديمه علينا. وكان الرجل، يدخل إلى الصاحب، فإذا سأله عن شيء لم يفهمه، وإن فهمه لم يحسن أن يجيب عنه، وإن أجاب عنه، اضطرب ولم يقم بالحجّة. فلما طال ذلك على الصاحب، قال: قد أضرّت بنا غيبة ابن جميل عنّا، [٢٢١] اكتبوا إليه، حتى يبادر. قال: فعلمنا- حينئذ- أنّه استخلفه، ليكتب لصاحبه، إذا غاب، في موضعه، ولا يطمع في أن ينوب عنه «٢» .
следующие страницы →