Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
فما كان لي همّة، إلّا غلق الباب وراءهما، وترسه، ووقعت مغشيا عليّ، وذهب عقلي عني إلى قريب من نصف الليل، فأفقت وقد لحقني البرد، فلم أزل أرتعد فزعا وبردا، إلى وجه السحر، وسمعت صوت الدبادب «١» ، فخرجت عريانا، حتى أتيت إلى بيتي.
وآليت على نفسي، أن لا أمضي إلى موضع لا أخبره، ولا مع من لا أعرف باطنه، وحمدت الله على العافية «٢» .
تحفة المجالس ونزهة المجالس ٢٤٤
стр. 1752
١٣٣ عاقبة البغي
روى القاضي التنوخي، في كتابه أخبار المذاكرة، ونشوار المحاضرة، عن عبيد الله بن محمد الخفاف، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني صديق لي من أولاد الجند، قال:
كنت مجتازا يوما في الكرخ ببغداد، فرأيت امرأة لم أر أحسن منها قط، فوقفت أنظر إليها، وإذا بها قد ولّت، وإذا بعجوز معها قد جاءتني، فمازحتني عنها، وقالت: تقولك لك: تجيء في دعوتي؟.
فقلت: لا يمكنني أن أمضي مع أحد، ولكن تجيء في دعوتي أنا.
فقالت: لا، بل تجيء أنت.
فحملني فرط شهوتي لها [أن مضيت معها] ، إلى أن حصلنا في طرف من أطراف بغداد، ووافت إلى باب، فدقّته.
فقالوا: من هذا؟
فقالت: أنا، صيد.
فحين قالت ذلك، وجب قلبي، فولّيت.
فقالت: إلى أين يا فتى، ما بدا لك منّا؟
فقلت: خير، ودخلت البيت، فإذا بدار فارغة، قليلة الآلات جدا، وإذا بجارية سوداء قد جاءت بطشت وماء، فغسلت وجهي، ورجلي، واسترحت، وجاءوني بطعام غير نظيف، فأكلت منه لفرط الجوع.
وخرجت الجارية، وإذا هي من أحسن النساء وجها، وجاءوني بنبيذ، فجلست أشرب، وهي معي.
فأهويت إليها، فمكّنتني من عناقها، فلما تجاوزت ذلك، قالت:
стр. 1753
أنا لا أدخل في حرام، واصبر حتى يجيء من يزوّجني بك.
وجاءت المغرب، وصار الوقت بين الصلاتين، وإذا بالباب يدقّ.
فقالت: ويه، ويه.
فقلت لها: ما الخبر؟
فقالت: قد جاء أخي وغلامه، وإن رآك لم آمن عليك، قم إلى ذلك البيت فاختبئ فيه، حتى إذا ناموا جئتك.
فأدخلتني بيتا، فلما حصلت فيه، زرفنت بابه «١» ، فأيقنت أنّي مقتول، وأنّ ذلك لغرض كان في ثيابي ومالي، فتبت إلى الله من الحرام، وعاهدته إن خلّصني، أن لا أدخل في شيء من ذلك.
قال: وأقبلت أسمع ما يجري من خلف الباب، فإذا بالداخل غلام أسود، لم أر قط أهول منه خلقة، ولا أعظم، وهو يقبّل المرأة، وهي تترشّفه ترشّف عاشقة له، وجلسا يتحدّثان، وجاءوه بما أكله، وشربه، ثم جامعها دفعات.
وقال لها في خلال ذلك: أيش حصل اليوم؟
فقالت: ما وقع اليوم غير رجل مخذول، لم يكن في كمّه شيء، قال:
وأخرجت ثيابي، فسلّمتها إليه، فشتمها وضربها.
وقال: هذا أيش، نحن أردنا صاحب كيس كبير.
فقالت: كما اتفق، ولم تزل تقبّل رجله، وتبكي، وتعتذر إليه، إلى أن رضي عنها.
وأيقنت أنا بالهلاك، وأقبلت على الدعاء.
وما زالا يشربان، وهو يجامعها في خلال ذلك، إلى أن عددت أنّه قد
стр. 1754
جامعها عشر دفعات، وسكر.
فقالت له: قد أخذ النبيذ منك يا سيدي، قم فافرغ من هذا الميشوم، حتى نتخلّص منه.
فتشهّدت حينئذ.
ففتح الباب، ودخل الأسود إليّ بسيف مسلول، فما زال يضربني موشّحا، وأنا أصيح، فلا يسمع أحد صياحي، إلى أن بردت، وانقطع صياحي، ولم يشك الأسود في موتي، فجذبني وطرحني في البئر، وإذا تحتي فيها أشلاء «١» ثلاثة، فصرت أنا قريبا من رأسها، فوق القوم، فخرج ولم يغلق الباب. فقالت له: ما عملت؟
قال: فرغت منه.
فنام إلى جانبها، وقامت العجوز، فجللتهم، ولم يكن في الدار غيرهم.
فلما كان بعد نصف الليل، حملتني حلاوة الحياة، على طلب الخلاص فقمت، فإذا البئر إلى صدري، وإذا أنا قويّ، فتسلّقت، وخرجت منها إلى البيت.
ووقفت أتسمّع، فلم أسمع لهم حسّا، إلّا غطيطا يدل على نومهم، فخرجت قليلا قليلا، حتى فتحت الباب، وخرجت من الدار، وما شعروا بي، فجئت إلى بيتي قبل طلوع الشمس.
فقالوا: ما دهاك؟
فقلت: كنت البارحة عند صديق لي، وبكّرت من عنده، فلقيني لص يستقفي «٢» ، فمنعته ثيابي، فأخذها، وعمل بي هذا.
стр. 1755
فأقمت شهورا أعالج، إلى أن عوفيت، فلما خرجت، وتصرّفت، لم يكن لي همّ إلّا طلب المرأة في الطريق والأسواق.
فاجتزت يوما بالكرخ، فرأيتها، فلم أكلّمها، وعدت إلى منزلي، وكنت قد غيّرت زيّي، وطوّلت لحيتي، حتى تغيّرت هيأتي عليها، ومشيت ويدي مكتوفة إلى ظهري، على مذهب الخراسانية، وجئت أطلبها، وصادفتها في الموضع.
فحين رأتني العجوز، أقبلت عليّ، وبدأتني بالكلام، فأجبتها بالفارسية، وعلمت أنها لم تعرفني.
وجئت معها، فحملتني إلى الدار بعينها، وجرت القصة على الرسم الأول، إلى أن قالت: قد جاء أخي وغلامه، قم لا يراك، فأقامتني إلى البيت بعينه، فدخلته، وأغلقت عليّ، ووقفت أسمع، وكان تحت ثيابي سيف لطيف ماض.
فقال لها الأسود، بعد أن وطئها خمس عشرة مرة: أيش جبت اليوم؟
قالت: بطة سمينة، خراساني معه هميان ملآن.
قال: فأين هو؟
قالت: في وسطه.
فقال: غاية «١» .
فأخرجت أنا السيف، ووقفت خلف الباب أنتظره، فأكل، وشرب حتى سكر، وجاء، فدخل، فخالفت طريقه، ومضى يريد صدر البيت، فصرت خلفه، وضربته في ساقه ضربة محكمة، أجلسته منها، وثنّيتها بأخرى، فما قدر أن ينهض، وواليت ضربه، حتى قطّعته، فلما برد،
стр. 1756
تقدّمت فحززت رأسه، وفصلته عن بدنه، لتزول عنّي الشبهة في أمره، ووقفت موضعي.
فلما أبطأ خروجه على الجارية، قالت للعجوز: قومي انظري أيش خبره؟
فقامت العجوز المسماة صيد، تطلبه، وجاءت إلى البيت، تقول:
يا سيدي، لم ليس تخرج؟ أين أنت؟
فما تكلمت.
فدخلت إلى البيت، فضربتها في ساقها أيضا، فقعدت زمنة، فحين جلست، جررت برجلها، فأخرجتها إلى برّا، وقلت: مرحبا يا صيد، إلى كم تصطادين ولا تصادين؟ وقتلتها.
وخرجت إلى الدار، وتكلمت بلسان فصيح، وقد كنت أكلمهم بلسان الخراسانية، فأيقنت الجارية بالهلاك.
ثم قلت لها: أنا الرجل الذي فعلت بي كذا وكذا.
قالت: فأين الأسود؟
فقلت: قتلته، وهذا رأسه.
قالت: سألتك بالله، إلّا قتلتني بعده، فلا حاجة لي في الحياة.
فقلت: ليس تحتاجين إلى مسألتي في هذا، فإني أفعله، ولكن أين الأموال؟ وإلّا عذبتك، ولم أقتلك، وأخرجتك إلى السلطان، فحصلت في العقوبات.
فقالت: افتح ذلك البيت، وذلك البيت.
ففتحت أبوابا، فخرج عليّ منها أمر عظيم.
فقلت: الأموال.
وما زلت أقرّرها، وكلّما امتنعت، ضربتها بالسيف، إلى أن عرّفتني
стр. 1757
مواضع الدفائن، وأوقفتني على جميع ما عندها من الذخائر، فقتلتها حينئذ.
وخرجت سحرا، وقد قلعت الدفائن، وأخذت منها ما أطقت حمله من فاخر ما وجدته، ولم أقرب الناحية إلى الآن، ولا أدري إلى أي شيء انتهى خبر القتلى والأسود والدار.
فكان ما وصل إليّ من ذلك ما قيمته ألوف كثيرة.
تحفة المجالس ونزهة المجالس ٢٨٥
стр. 1758
١٣٤ الأنصاري وعبد الله بن عامر عامل العراق
قال القاضي أبو علي المحسّن بن أبي القاسم علي التنوخي:
خرج رجلان من المدينة، يريدان عبد الله بن عامر بن كريز «١» ، للوفادة عليه، أحدهما من ولد جابر بن عبد الله الأنصاري «٢» ، والآخر من ثقيف، وكان عبد الله عاملا بالعراق لعثمان بن عفان ﵁.
فأقبلا يسيران، حتى إذا كانا بناحية البصرة، قال الأنصاري للثقفي:
هل لك في رأي رأيته؟
قال: اعرضه.
قال: ننيخ رواحلنا، ونتوضّأ، ونصلّي ركعتين، نحمد الله فيهما، على ما قضى في سفرنا.
قال له: نعم، هذا الرأي الذي لا يردّ.
قال: ففعلا.
ثم التفت الأنصاري إلى الثقفي، فقال له: يا أخا ثقيف، ما رأيك؟
стр. 1759
قال: وأيّ موضع رأي هذا؟ أمضيت سفري، وأنضيت بدني، وأتعبت راحلتي، ولا مؤمّل دون ابن عامر، فهل لك من رأي غير هذا؟
قال: نعم، إنني لما صلّيت، فكّرت، فاستحييت من ربي، أن يراني طالب رزق من عند غيره.
ثم قال: أللهم رازق ابن عامر، ارزقني من فضلك، ثم ولى راجعا إلى المدينة.
ودخل الثقفيّ البصرة، فمكث على باب ابن عامر أيّاما، فلما أذن له، دخل عليه، وكان قد كتب إليه من المدينة بخبرهما.
فلمّا رآه رحّب به، وقال: ألم أخبر أنّ ابن جابر خرج معك؟ فأخبره بما كان منهما.
فبكى ابن عامر، وقال: والله، ما قالها أشرا ولا بطرا، ولكن رأى مجرى الرزق، ومخرج النعمة، فعلم أنّ الله هو الذي فعل ذلك، فسأله من فضله، ثم أمر للثقفيّ بأربعة آلاف، وكسوة، وطرف، وأضعف ذلك للأنصاري، فخرج الثقفي، وهو يقول:
أمامة ما سعى الحريص بزائد ... فتيلا ولا عجز الضعيف بضائر
خرجنا جميعا من مساقط روسنا ... على ثقة منّا بجود ابن عامر
فلمّا أنخنا الناعجات ببابه ... تأخّر عنّي اليثربيّ ابن جابر
وقال: ستكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم للخلق قاهر
فإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لربّي الذي أرجو لسدّ مفاقري
فلمّا رآني قال: أين ابن جابر؟ ... وحنّ كما حنّت عراب الأباعر
فاضعف عبد الله- إذ غاب- حظّه ... على حظّ لهفان من الحرص فاغر
لباب الآداب ١٤٣
стр. 1760
١٣٥ عابدة الجهنية تحضر مجلس عضد الدولة وتنشد قصيدة في مدحه
عابدة «١» بنت محمد الجهنيّة، امرأة عم أبي محمد الحسن بن محمد المهلّبي الوزير «٢» .
قال ابن النجار: كانت أديبة، شاعرة، فصيحة، فاضلة، روى عنها القاضي أبو علي المحسّن بن علي بن محمد التنوخي.
قال التنوخي: حضرت بغداد في مجلس الملك عضد الدولة، في يوم عيد الفطر سنة سبع وستين وثلاثمائة، والشعراء ينشدونه التهاني، فحضرت عابدة الجهنية، امرأة عم أبي محمد المهلبي الوزير- كان- فأنشدت قصيدة لم أظفر منها بشيء.
وقال التنوخي: أنشدتني عابدة لنفسها، وهذه امرأة فاضلة، كانت تهجو أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي «٣» ، لما ولي الوزارة:
شاورني الكرخي لما دنا ... النيروز والسن له ضاحكه
فقال ما نهدي لسلطاننا ... من خير ما الكف له مالكه
قلت له كل الهدايا سوى ... مشورتي ضائعة هالكه
стр. 1761
اهد له نفسك حتى إذا ... أشعل نارا كنت دوباركه
قال التنوخي: الدوباركة، كلمة أعجمية، وهم اسم للعب على قدر الصبيان يحلها أهل بغداد سطوحهم ليلة النيروز.
وقد كانت تنشدني أفحل من هذا، فكتبت ذلك عنها في مواضع من كتبي «١» .
نزهة الجلساء ٧٥
стр. 1762
١٣٦ عاتكة المخزومية تحضر مجلس عضد الدولة وتنشد قصيدة في مدحه
عاتكة بنت محمد بن القاسم بن محمد بن يحيى بن حابس بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن الحارث بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية، أم «١» الحسن بن محمد بن عبد الله «٢» السلامي الشاعر «٣» .
قال ابن النجار: كانت شاعرة فصيحة، مدحت عضد الدولة ببغداد، وروى عنها القاضي التنوخي.
قال التنوخي: حضرت مجلس عضد الدولة ببغداد، من يوم عيد الفطر سنة ٣٦٧، وحضر الشعراء فأنشدوا التهاني.
وحضرت أم أبي الحسن البغدادي السلامي «٤» ، فأنشدته لنفسها قصيدة طويلة، بعبارة فصيحة، وإنشاد صيّت مستقيم، ولسان سليم من اللحن، لم أصل إلى جميعها، تقول فيها عند ذكرها [الممدوح] :
شتّان بين مدبّر ومدمّر ... صيد الليوث حصائد الغزلان
روّعته من بعد دهر راعني ... وسقيته ما كان قبل سقاني
فلقد سهرت لياليا ولياليا ... حتى رأيتك يا هلال زماني
نزهة الجلساء ٧٧
стр. 1763
١٣٧ الشاعرة المخزومية ابنة خال السلامي الشاعر
ابنة خال السلامي الشاعر «١» ، كذا في تاريخ ابن النجار «٢» .
ثم روي عن أبي علي التنوخي، قال:
أخبرني محمد بن عبد الله السلامي، أنه كانت له ابنة خال بغدادية، مخزومية، تقول الشعر.
وقال: أنشدتني لنفسها من قصيدة لها إلى سيف الدولة «٣» ، وإنها ماتت سنة ٣٦٧:
لولا حذاري من أن ألام على ... عتاب يوم منه وإعتابه
لسرت والليل هودجي وذباب ... السيف في نحره إلى بابه
نزهة الجلساء ١٠٩
стр. 1764
١٣٨ أنسب بيت قالته العرب
أخبرنا التنوخي، قال: أخبرني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني «١» ، قال:
أخبرني الحرمي ابن أبي العلاء «٢» ، قال: حدّثنا الزبير بن بكار «٣» ، قال: حدّثني خلف بن وضّاح، أنّ عبد الأعلى بن عبد الله بن صفوان الجمحي، قال:
حملت دينا بعسكر المهدي «٤» ، فركب المهدي «٥» يوما، بين أبي عبيد الله «٦» ، وعمر بن بزيع «٧» ، وأنا وراءه في موكبه، على برذون
стр. 1765
قطوف «١» .
فقال: ما أنسب بيت قالته العرب؟
فقال أبو عبيد الله، قول امرئ القيس «٢» .
وما ذرفت عيناك إلّا لتضربي ... بسهميك في أعشار «٣» قلب مقتّل
قال: هذا أعرابي قح.
فقال عمر بن بزيع: قول كثير «٤» يا أمير المؤمنين:
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثّل لي ليلى بكل سبيل
فقال: ما هذا بشيء، وما له يريد أن ينسى ذكرها، حتى تمثّل له؟
فقلت: عندي حاجتك يا أمير المؤمنين!
стр. 1766
قال: الحق بي قلت: لا لحاق بي، ليس ذلك في دابتي.
قال: احملوه على دابة.
قلت: هذا أوّل الفتح، فحملت على دابة، فلحقته.
فقال: ما عندك؟
قلت: قول الأحوص «١» :
إذا قلت إنّي مشتف بلقائها ... فحمّ التلاقي بيننا زادني سقما
فقال: أحسنت، حاجتك؟
قلت: عليّ دين.
فقال: اقضوا دينه.
فقضي ديني.
مصارع العشاق ٢/١٩٢
стр. 1767
١٣٩ وقد يجمع الله الشتيتين
أخبرنا القاضي عليّ بن المحسّن «١» ، حدّثني أبي «٢» ، حدّثنا عبيد الله بن محمد الصروي «٣» ، حدّثني أبي، حدّثني صديق لي ثقة:
إنّه كان ببغداد رجل من أولاد النعم، ورث مالا جليلا، وكان يعشق قينة، فأنفق عليها مالا كثيرا، ثم اشتراها، وكانت تحبه كما يحبها، فلم يزل ينفق ماله عليها، إلى أن أفلس.
فقالت له الجارية: يا هذا، قد بقينا كما ترى، فلو طلبت معاشا.
قال: وكان الفتى لشدة حبه الجارية، وإحضاره الأستاذات ليزيدوها في صنعتها، قد تعلم الضرب والغناء، فخرج صالح الضرب والحذق فيهما.
فشاور بعض معارفه، فقال: ما أعرف لك معاشا أصلح من أن تغنّي للناس، وتحمل جاريتك إليهم، فتأخذ على هذا الكثير، ويطيب عيشك.
فأنف من ذلك، وعاد إليها، فأخبرها بما أشير به عليه، وأعلمها أن الموت أسهل عنده من هذا.
فصبرت معه على الشدّة، مدّة، ثم قالت له: قد رأيت لك رأيا.
قال: قولي.
قالت: تبيعني، فإنّه يحصل لك من ثمني ما إن أردت أن تتّجر به، أو تنفقه في ضيعة، عشت عيشا صالحا، وتخلصت من هذه الشدّة، وأحصل
стр. 1768
أنا في نعمة، فإن مثلي لا يشتريها إلا ذو نعمة، فإن رأيت هذا، فافعل.
فحملها إلى السوق، فكان أوّل من اعترضها، فتى هاشمي من أهل البصرة، ظريف، قد ورد بغداد للّعب والتمتّع، فاستامها، فاشتراها بألف وخمسمائة دينار عينا.
قال الرجل: فحين لفظت بالبيع، وأعطيت المال، ندمت، واندفعت في بكاء عظيم، وحصلت الجارية في أقبح من صورتي، وجهدت في الإقالة، فلم يكن إلى ذلك سبيل.
فأخذت الدنانير في الكيس، لا أدري أين أذهب، لأنّ بيتي موحش منها، ووقع عليّ من اللطم والبكاء ما هوّسني.
فدخلت مسجدا، وأخذت أبكي، وأفكّر فيما أعمل، فغلبتني عيني، فتركت الكيس تحت رأسي، فانتبهت فزعا، فإذا شاب قد أخذ الكيس، وهو يعدو، فقمت لأعدو وراءه، فإذا رجلي مشدودة بخيط قنّب، في وتد مضروب في أرض المسجد، فما تخلّصت من ذلك، حتى غاب الرجل عن عيني.
فبكيت، ولطمت، ونالني أمر أشدّ من الأمر الأول، وقلت: فارقت من أحبّ، لأستغني بثمنه عن الصدقة، فقد صرت الآن فقيرا ومفارقا.
فجئت إلى دجلة، فلففت وجهي بإزار كان على رأسي، ولم أكن أحسن العوم، فرميت نفسي في الماء لأغرق.
فظنّ الحاضرون أنّ ذلك لغلط وقع عليّ، فطرح قوم نفوسهم خلفي، فأخرجوني، فسألوني عن أمري، فأخبرتهم، فمن بين راحم ومستجهل.
إلى أن خلا بي شيخ منهم، فأخذ يعظني، ويقول: ما هذا؟ ذهب مالك، فكان ماذا حتى تتلف نفسك؟ أو ما علمت أنّ فاعل هذا في نار
стр. 1769
جهنم؟ ولست أوّل من افتقر بعد غنى، فلا تفعل، وثق بالله تعالى، أين منزلك؟ قم معي إليه.
فما فارقني حتى حملني إلى منزلي، وأدخلني إليه، وما زال يؤنسني، ويعظني، إلى أن رأى مني السكون، فشكرته، وانصرف.
فكدت أقتل نفسي، لشدة وحشتي للجارية، وأظلم منزلي في وجهي، وذكرت الدنيا والآخرة، فخرجت من بيتي هاربا إلى بعض أصدقائي القدماء، فأخبرته خبري، فبكى رقة لي، وأعطاني خمسين درهما.
وقال: اقبل رأيي، اخرج الساعة من بغداد، واجعل هذه نفقة، إلى حيث تجد قلبك مساعدك على قصده، وأنت من أولاد الكتاب، وخطّك جيّد، وأدبك صالح، فاقصد بعض العمال، واطرح نفسك عليه، فأقلّ ما في الأمر، أن يصرّفك في شغل، أو يجعلك محررا بين يديه، وتعيش أنت معه، ولعل الله أن يصنع لك.
فعملت على هذا، وجئت إلى الكتبيّين، وقد قوي في نفسي أن أقصد واسطا، وكان لي بها أقارب، فأجعلهم ذريعة إلى التصرّف مع عاملها.
فحين جئت إلى الكتبيين، إذا بزلّال مقدّم، وإذا خزانة كبيرة، وقماش فاخر كثير، ينقل إلى الخزانة والزلّال، فسألت عن ملاح يحملني إلى واسط، فقال لي أحد ملّاحي الزلّال: نحن نحملك إلى واسط بدرهمين، ولكن هذا الزلّال لرجل هاشمي من أهل البصرة، ولا يمكننا حملك معه على هذه الصورة، ولكن تلبس من ثياب الملاحين، وتجلس معنا، كأنّك واحد منّا.
فحين رأيت الزلّال، وسمعت أنّه لرجل هاشمي من أهل البصرة، طمعت أن يكون مشتري جاريتي، فأتفرّج بسماعها إلى واسط، فدفعت الدرهمين إلى الملاح، وعدت فاشتريت جبّة من جباب الملاحين، وبعت الثياب التي عليّ، وأضفت ثمنها إلى ما معي من النفقة، واشتريت
стр. 1770
خبزا وأدما، وجلست في الزلّال.
فما كان إلا ساعة، حتى رأيت جاريتي بعينها، ومعها جاريتان تخدمانها، فسهل عليّ ما كان بي، وما أنا فيه، وقلت: أراها، وأسمع غناءها، من هاهنا إلى البصرة، واعتقدت أن أجعل قصدي البصرة، وطمعت في أن أداخل مولاها، وأصير أحد ندمائه، وقلت: لا تخليني هي من المواد، فإنّي واثق بها.
فلم يكن بأسرع من أن جاء الفتى الذي اشتراها، راكبا، ومعه عدة ركبان، فنزلوا في الزلّال، وانحدرنا.
فلما صرنا بكلواذى، أخرج الطعام، فأكل هو «١» ، وأكل الباقون على سطح الزلّال، وأطعموا الملاحين.
ثم أقبل على الجارية، فقال: إلى كم هذه المدافعة عن الغناء، ولزوم الحزن والبكاء؟ ما أنت أول من فارق مولى كان له، فعلمت ما عندها من أمري.
ثم ضربت لها ستارة في جانب الزلّال، واستدعي الذين في سطحه، وجلس معهم خارج الستارة، فسألت عنهم، فإذا هم إخوته وبنو عمه، فأخرجوا الصواني ففرّقها عليهم، وفيها النبيذ، وما زالوا يرفقون بالجارية، إلى أن استدعت العود فأصلحته، واندفعت تغني من الثقيل الأول، بإطلاق الوتر الذي في مجرى الوسطى:
بان الخليط بمن عرفت فأدلجوا ... عمدا لقتلك ثم لم يتحرّجوا
وغدت كأنّ على ترائب نحرها ... جمر الغضا في ساعة يتأجّج
ثم غلبها البكاء، فقطعت الغناء، وتنغّص على القوم سرورهم، ووقعت
стр. 1771
أنا مغشيا عليّ، فظنّ الملّاحون أنّي قد صرعت، فأذّن بعضهم في أذني، فأفقت بعد ساعة، وما زالوا يدارونها، ويرفقون بها، ويسألونها الغناء، إلى أن أصلحت العود، واندفعت تغني في الثقيل الثاني:
فوقفت أسأل بالذين تحملوا ... وكأنّ قلبي بالشفار يقطّع
فدخلت دارهم أسائل عنهم ... والدار خالية المنازل بلقع
ثم شهقت، فكادت تتلف، وارتفع لها بكاء عظيم، وصعقت أنا، فتبرّم بي الملّاحون وقالوا: كيف حملنا هذا المجنون؟ وقال بعضهم: إذا بلغتم بعض القرى فأخرجوه وأريحونا منه.
فجاءني أمر أعظم من كل ما أصابني، وجاءني في نفسي التصبّر، والحيلة في أن أعلم الجارية بمكاني بالزلّال، لتمنع من إخراجي، فأفقت.
وبلغنا إلى قرب المدائن، فقال صاحب الزلّال: اصعدوا بنا إلى الشط، فطرحوا إلى الشط، وصعدت الجماعة، وكان المساء قريبا، وصعد أكثر الملاحين يتغوّطون، وخلا الحديدي، وكان الجواري فيمن صعد إلى مستراح ضرب لهن.
فمشيت سارقا نفسي، حتى صرت خلف الستارة، فغيّرت طريقة العود عما كانت عليه إلى طريقة أخرى، ورجعت إلى موضعي من الزلّال.
وفرغ القوم من حاجتهم في الشط، ورجعوا والقمر منبسط، فقالوا لها:
هو ذا ترين وقتنا، فتكلّفي الغناء، ولا تنغّصي علينا، فأخذت العود، فجسته، وشهقت، وقالت: قد والله، أصلح هذا العود مولاي، على طريقة من الضرب كان بها معجبا، وكان يضربها معي، وو الله، إنّه معنا في الزلّال.
فقال لها مولاها: والله، يا هذه، لو كان معنا ما امتنعنا من عشرته، فلعلّه أن يخفّ بعض ما بك، فننتفع بغنائك، ولكنّ هذا بعيد.
стр. 1772
فقالت: لا أدري ما تقولون، هو والله معنا.
فقال الرجل للملاحين: ويلكم هل حملتم معنا إنسانا؟
فقالوا: لا.
فأشفقت أن ينقطع السؤال، فصحت: نعم، هو ذا أنا.
فقالت: كلام مولاي، والله.
وجاء بي الغلمان إلى الرجل، فلما رآني، قال: ويحك، ما هذا الذي أصابك، وصيّرك في مثل هذا الحال؟
فصدقته عن أمري، وبكيت، وعلا نحيب الجارية من خلف الستارة، وبكى هو وإخوته بكاء شديدا، رقّة لنا.
ثم قال: يا هذا، والله، ما وطئت هذه الجارية، ولا سمعت غناءها إلا اليوم، وأنا رجل موسّع عليّ، ولله الحمد، وردت بغداد لسماع الغناء، وطلب أرزاقي من الخليفة، وقد بلغت من الأمرين، ما أردت، ولما عملت على الرجوع إلى وطني، أحببت أن أستبيع من غناء بغداد شيئا، فاشتريت هذه الجارية، لأضمّها إلى عدة مغنيات عندي بالبصرة، وإذ كنتما على هذه الحال، فأنا- والله- أغتنم المكرمة والثواب فيكما، وأشهد الله، أنّي إذا صرت إلى البصرة، أعتقتها، وزوّجتك منها، وأجريت عليكما ما يكفيكما ويسعكما، على شريطة، إن أجبتني إليها.
قلت: ما هي؟
قال: أن تحضرنا كلما أردنا الغناء، خلف ستارتنا، وتنصرف بانصرافك إلى دار أفردها لكما، وقماش أعطيكما إياه.
فقلت: يا سيدي، وكيف أبخل بهذا على من هو المعطي لي، وعلى من ردّ عليّ حياتي؟ وأخذت يده أقبلها، فمنعني، ثم أدخل رأسه إلى الجارية، فقال: يرضيك هذا؟ فأخذت تدعو له وتشكره.
стр. 1773
فاستدعى غلاما، فقال: خذ بيد هذا الرجل، وغيّر ثيابه، وبخّره، وقدّم إليه ما يأكله، وجئنا به.
فأخذني الغلام، ففعل بي ذلك، وعدت، وتركت بين يدي صينيّة، واندفعت الجارية تغني بنشاط وسرور وانبساط، واستدعت النبيذ، فشربت وشربنا، وأخذت أقترح عليها الأصوات الجياد، فتضاعف سرور الرجل.
وما زلنا على ذلك، أيّاما، إلى أن بلغنا نهر معقل، ونحن سكارى، فشدّ الزلّال في الشط، وأخذتني بولة، فصعدت إلى ضفة نهر معقل لأبول، فحملني السكر على النوم فيها، ودفع الزلّال، وأنا لا أعلم، وأصبحوا فلم يجدوني، ودخلوا البصرة، ولم أنتبه إلا بحر الشمس، فجئت إلى الشط، فلم أر لهم عينا ولا أثرا.
وقد كنت أجللت الرجل أن أسأله بمن يعرف، وأين داره في البصرة، واحتشمت أن أسأل غلمانه عن ذلك، فبقيت على شاطئ نهر معقل، كأوّل يوم بدأت بي المحنة، وكأنّ ما كنت فيه منام.
واجتازت بي سميريّة، فركبت فيها، ودخلت البصرة، وما كنت دخلتها قط، فنزلت خانا، وبقيت متحيّرا، لا أدري ما أعمل، ولم يتوجّه لي معاش.
إلى أن اجتاز بي يوما إنسان عرفته من بغداد، فتبعته لأكشف له حالي، وأستميحه، فأنفت من ذلك، ودخل الرجل إلى منزله، فعرفته، وجئت إلى بقّال كان هناك، على باب الخان الذي نزلته، فأعطيته دانقا، وأخذت منه ورقة دواة، وجلست أكتب رقعة إلى الرجل.
فاستحسن البقّال خطّي، ورأى رثاثة حالي، فسألني عن أمري، فأخبرته انني رجل ممتحن فقير، وقد تعذّر علي التصرّف، وما بقي معي شيء، ولم أشرح له أكثر من ذلك.
стр. 1774
فقال: أتعمل معي في كل يوم على نصف درهم، وطعامك، وكسوتك، وتضبط حساب دكاني؟
قلت: نعم.
فقال: اصعد.
فمزّقت الرقعة «١» وصعدت فجلست معه، فدبّرت أمره، وضبطت دخله وخرجه، وكان غلمانه يسرقونه، فأدّيت إليه الأمانة.
فلما كان بعد شهر، رأى الرجل دخله زائدا، وخرجه ناقصا، فحمدني، وكنت معه إلى أن حال الحول، وقد بان له الصلاح في أمره، فدعاني إلى أن أتزوج بابنته، ويشاركني في الدكان، ففعلت.
ودخلت بزوجتي، ولزمت الدكان، والحال تقوى، إلا أنّي في خلال ذلك، منكسر النفس، ميت النشاط، ظاهر الحزن، وكان البقال ربما شرب، فيجذبني إلى مساعدته، فأمتنع، وأظهر أن سبب ذلك حزني على موتى لي.
واستمرّت بي الحال على هذا سنين كثيرة، فلما أن كان ذات يوم، رأيت قوما يجتازون بجون ونبيذ، اجتيازا متصلا، فسألت عن ذلك، فقيل لي: اليوم يوم الشعانين، ويخرج أهل الظرف واللعب، بالنبيذ والطعام والقيان إلى الأبلّة، فيرون النصارى، ويشربون، ويتفرجون.
فدعتني نفسي إلى التفرّج، وقلت: لعلّي أن أقف لأصحابي على خبر، فإنّ هذا من مظانّهم.
فقلت لحميّ: أريد أن أنظر هذا المنظر.
فقال: شأنك، وأصلح لي طعاما وشرابا، وسلم إليّ غلاما وسفينة، فخرجت، وأكلت في السفينة، وبدأت أشرب حتى وصلت إلى الأبلّة،
стр. 1775
وأبصرت الناس، وابتدأوا ينصرفون، وانصرفت.
فإذا أنا بالزلّال بعينه، في أوساط الناس، سائرا في نهر الأبلّة، فتأمّلته، فإذا بأصحابي على سطحه، ومعهم عدة مغنّيات.
فحين رأيتهم لم أتمالك نفسي فرحا، فصرت إليهم، فحين رأوني عرفوني، وكبّروا، وأخذوني إليهم، وقالوا: ويحك، أنت حي؟ وعانقوني، وفرحوا بي، وسألوني عن قصتي، فأخبرتهم بها على أتم شرح.
فقالوا: إنّا لمّا فقدناك في الحال، وقع لنا أنّك سكرت، ووقعت في الماء فغرقت، ولم نشك في هذا، فمزّقت الجارية ثيابها، وكسرت عودها، وجزّت شعرها، وبكت، ولطمت، فما منعناها من شيء من هذا.
ووردنا البصرة، فقلنا لها: ما تحبين أن نعمل لك؟ فقد كنا وعدنا مولاك بوعد تمنعنا المروءة من استخدامك معه في حال فقده، أو سماع غنائك؟.
فقالت: تمكنوني من القوت اليسير، ولبس الثياب السود، وأن أعمل قبرا في بيت من الدار، وأجلس عنده، وأتوب من الغناء، فمكّناها من ذلك، فهي جالسة عنده إلى الآن.
وأخذوني معهم، فحين دخلت الدار، ورأيتها بتلك الصورة، ورأتني شهقت شهقة عظيمة، ما شككت في تلفها، واعتنقنا، فما افترقنا، ساعة طويلة.
ثم قال لي مولاها: قد وهبتها لك.
فقلت: بل تعتقها، وتزوّجني منها، كما وعدتني، ففعل ذلك، ودفع إلينا ثيابا كثيرة، وفرشا، وقماشا، وحمل إليّ خمسمائة دينار.
وقال: هذا مقدار ما أردت أن أجريه عليك في كلّ شهر، منذ أول يوم دخولي البصرة، وقد اجتمع هذا لهذه المدة، فخذه، والجائزة لك مستأنفة في كلّ شهر، وشيء آخر لكسوتك، وكسوة الجارية، والشرط في المنادمة،
стр. 1776
وسماع الجارية من وراء ستارة، باق عليك، وقد وهبت لك الدار الفلانية.
قال: فجئت إليها، فإذا بذلك الفرش الذي أعطانيه، فيها، والجارية.
فجئت إلى البقّال، فحدّثته بحديثي، وطلّقت ابنته، ووفّيتها صداقها، وأقمت على تلك الحال مع الهاشميّ سنين، فصلحت حالي، وصرت ربّ ضيعة، ونعمة، وعادت حالي، وعدت إلى قريب مما كنت عليه.
فأنا أعيش كذلك إلى الآن مع جاريتي.
مصارع العشاق ٢/٢٢٩
стр. 1777
١٤٠ أعمرو علام تجنبتني
أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي التوزي «١» ، وأبو القاسم علي ابن المحسّن التنوخي، قالا: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، قال: حدّثنا محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني محمد بن عبد الله ابن أبي مالك بن الهيثم الخزاعي «٢» ، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي «٣» ، قال:
حدّثني إبراهيم بن ميمون «٤» ، قال:
حججت في أيام الرشيد «٥» ، فبينا أنا بمكّة، أجول في سككها، إذا أنا بسوداء قائمة ساهية، فأنكرت حالها، فوقفت أنظر إليها، فمكثت كذلك ساعة، ثم قالت:
أعمرو علام تجنّبتني ... أخذت فؤادي فعذّبتني
فلو كنت يا عمرو خبرّتني ... أخذت حذاري فما نلتني
قال: فدنوت منها، فقلت: يا هذه، من عمرو؟
стр. 1778
فارتاعت من قولي، وقالت: زوجي.
فقلت: وما شأنه؟
قالت: أخبرني أنّه يهواني، وما زال يدسّ إليّ، ويعلق بي في كلّ طريق، ويشكو شدّة وجده، حتى تزوّجني، فلبث معي قليلا، وكان له عندي من الحبّ، مثل الذي كان لي عنده، ثم مضى إلى جدّة «١» ، وتركني.
قلت: فصفيه لي.
فقالت: أحسن من تراه، وهو أسمر، حلو، ظريف.
قال: فقلت: فخبّريني، أتحبّين أن أجمع بينكما؟
قالت: فكيف لي بذلك، وظنّتني أهزل بها.
قال: فركبت راحلتي، وصرت إلى جدّة، فوقفت في المرفإ «٢» ، أتبصّر من يعمل في السفن، واصوّت: يا عمرو، يا عمرو، فإذا أنا به خارج من سفينة، وعلى عنقه صنّ «٣» ، فعرفته بالصفة.
فقلت: أعمرو علام تجنّبتني؟
فقال: هيه، هيه، رأيتها، وسمعته منها؟ ثم أطرق هنيهة، ثم اندفع يغنّيه، فأخذته منه، وقلت له: ألا ترجع؟
فقال: بأبي أنت، ومن لي بذلك؟ ذلك والله أحب الأشياء إليّ، ولكن منع منه طلب المعاش.
قلت: كم يكفيك كلّ سنة؟
قال: ثلاثمائة درهم.
стр. 1779
فأعطيته ثلاثة آلاف درهم، وقلت: هذه لعشر سنين، ورددته إليها، وقلت له: إذا فنيت، أو قاربت الفناء، قدمت عليّ فبررتك، وإلّا وجّهت إليك.
وكان ذلك أحب إليّ من حجّي.
قال محمد بن عبد الله، قال إسحاق: والناس ينسبون هذا الصوت إلى إبراهيم، وكان إبراهيم أخذه من هذا الفتى «١» .
مصارع العشاق ١/٢٤٠
стр. 1780
١٤١ دواء الحب غالي
أخبرنا التنوخي عليّ بن المحسّن، قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه «١» ، قال: أخبرنا أبو بكر المحوّلي «٢» ، قال: أنشدني حمّاد بن إسحاق «٣» ، للوليد ابن يزيد «٤» :
ولقد قال طبيبي ... وطبيبي غير آل «٥»
أشك ما شئت سوى ... الحبّ فإنّي لا أبالي
سقم الحب رخيص ... ودواء الحب غالي
مصارع العشاق ١/٢٣٤
стр. 1781
١٤٢ وكل غريب للغريب نسيب
وأخبرنا أبو القاسم عليّ بن المحسن التنوخي أيضا بقراءتي عليه، قال: حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال:
قال أبو عبد الله، محمد بن زياد الأعرابي: إن قيس بن الملوح، وهو المجنون، لما نسب بليلى، وشهر بحبها، اجتمع إليه أهلها، فمنعوه من محادثتها، وزيارتها، وتهددوه بالقتل.
وكان يأتي امرأة من بني هلال، ناكحا في بني الحريش، وكان زوجها قد مات، وخلّف عليها صبية صغارا، فكان المجنون إذا أراد زيارة ليلى، جاء إلى هذه المرأة فأقام عندها، وبعث إلى ليلى، فعرفت له خبرها، وعرّفتها خبره.
فعلم أهل ليلى بذلك، فنهوها أن يدخل قيس إليها.
فجاء قيس كعادته، فأخبرته المرأة الخبر، وقالت: يا قيس، أنا امرأة غريبة عن القوم، ومعي صبية، وقد نهوني أن أؤويك، وأنا خائفة أن ألقى منهم مكروها، فأحبّ أن لا تجيء إليّ هاهنا.
فأنشأ يقول:
أجارتنا إنّا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب
فلا تزجريني عنك خيفة جاهل ... إذا قال شرّا أو أخيف لبيب
قال: وترك الجلوس إلى الهلالية، وكان يترقّب غفلات الحي في الليل.
فلما كثر ذلك منه، خرج أبو ليلى، ومعه نفر من قومه، إلى مروان ابن الحكم، فشكوا إليه ما نالهم من قيس، وما قد شهرهم به، وسألوه
стр. 1782
الكتابة إلى عامله عليهم بمنعه من كلام ليلى، وبخطبه إليهم.
فكتب لهم مروان كتابا إلى عامله، يأمره فيه بأن يحضر قيسا، ويتقدّم إليه في ترك زيارة ليلى، فإن أصابه أهلها عندهم، فقد أهدر دمه.
فلما ورد الكتاب على عامله، بعث إلى قيس وأبيه، وأهل بيته، فجمعهم وقرأ عليهم كتاب مروان، وقال لقيس: اتّق الله في نفسك، لا يذهب دمك هدرا.
فانصرف قيس وهو يقول:
ألا حجبت ليلى وآلى أميرها ... عليّ يمينا جاهدا لا أزورها
وأوعدني فيها رجال أبوهم ... أبي وأبوها خشنت لي صدورها
على غير شيء غير أنّي أحبّها ... وأنّ فؤادي عند ليلى أسيرها
فلما أيس منها، وعلم أن لا سبيل إليها، صار شبيها بالتائه العقل، وأحب الخلوة، وحديث النفس، وتزايد الأمر به، حتى ذهب عقله، ولعب بالحصا والتراب، ولم يكن يعرف شيئا إلا ذكرها، وقول الشعر فيها، وبلغها هي ما صار إليه قيس، فجزعت أيضا لفراقه، وضنيت ضنى شديدا.
وإنّ أهل ليلى خرجوا حجّاجا، وهي معهم، حتى إذا كانوا بالطواف، رآها رجل من ثقيف، وكان غنيا كثير المال، فأعجب بها، على تغيّرها، وسقمها، فسأل عنها، فأخبر من هي، فأتى أباها، فخطبها إليه، وأرغبه في المهر، فزوّجه إيّاها.
وبلغ الخبر قيسا، فأنشأ يقول:
ألا تلك ليلى العامرية أصبحت ... تقطّع إلّا من ثقيف وصالها
стр. 1783
هم حبسوها محبس البدن وابتغى ... بها المال أقوام تساحف مالها «١»
إذا التفتت والعيس صعر «٢» من البرى «٣» ... بنخلة خلّى عبرة العين حالها «٤»
مصارع العشاق ٢/٢٨٧
стр. 1784
محتويات الكتاب
٥ مقدّمة المحقق
٧ ١ الخليفة المستكفي ينقل قاضيا وينصب بدلا منه
١٠ ٢ لماذا سمّي زوج الحرّة
١٣ ٣ البيضاوي أزرق كوسج
١٥ ٤ القاضي ابن قريعة يستخلف التنوخي على قضاء الأهواز
١٦ ٥ أبو القاسم الصاحب بن عباد يشتهي مشاهدة ثلاثة من بغداد
١٧ ٦ أبو الفضل الزهري محدّث، وآباؤه كلّهم محدّثون
١٩ ٧ المؤلّف التنوخي يتحدّث عن نفسه
٢١ ٨ ذو الكفايتين أبو الفتح بن العميد يحيي سهرة تنتهي باعتقاله
٢٤ ٩ من شعر الحسن بن حامد
٢٥ ١٠ الشاعر ابن سكّرة يدخل محمدا، ويخرج بشرا
٢٦ ١١ ابن سكرة الهاشمي يهجو القاضي أبا السائب
٢٧ ١٢ يسقط من موضع عال فيسلم، ثم يعثر بعتبة الباب فيقع ميتا
٢٨ ١٣ بين أبي إسحاق الطبري وأبي الحسين بن سمعون
٢٩ ١٤ أبو القاسم الخبز أرزي يهدي للتنوخي سبحة سبج
٣٠ ١٥ عبد الصمد يدقّ السّعد في العطّارين
٣٢ ١٦ طلسم في صعيد مصر يطرد الفار
٣٤ ١٧ حجر عجيب الخواصّ في ضيعة عين جاره
٣٦ ١٨ مشهد النذور بظاهر سور بغداد
стр. 1785
٣٩ ١٩ ألوان غريبة من الورد
٤٠ ٢٠ ذكر خبر بناء مدينة السلام
٤١ ٢١ مدينة السلام لم يمت فيها خليفة قط
٤٤ ٢٢ الصنم الموجود على رأس القبّة الخضراء
٤٥ ٢٣ الأبواب الحديد على مدينة المنصور
٤٦ ٢٤ الماء المنبثق من قبّين يهدم طاقات باب الكوفة في مدينة المنصور
٤٨ ٢٥ عدد الخدم والفراشين في قصر الخلافة
٤٩ ٢٦ من شعر صاحب النشوار
٥٠ ٢٧ الوزير ابن الفرات يقيّد، ويغلّ، ويلبس جبّة صوف نقعت بماء الأكارع.
٥٧ ٢٨ الوزير ابن الفرات يتناول رقعة فيها سبّه وشتمه وتهديده
٦٢ ٢٩ الوزير أبو علي بن مقلة يشيد بمآثر الوزير ابن الفرات
٦٤ ٣٠ الوزير العباس بن الحسن يستشير كبار الكتاب في اختيار من يخلف المكتفي
٦٩ ٣١ الوزير ابن الفرات يتحدّث عن تلوّن المقتدر واختلاف رأيه
٧٢ ٣٢ من أقوال الوزير أبي الحسن بن الفرات
٧٣ ٣٣ الوزير أبو علي بن مقلة يتحدّث عن سياسة الوزير ابن الفرات ووفور عقله
٧٥ ٣٤ وزير يسرق سبعمائة ألف دينار في عشر خطوات
٧٧ ٣٥ الظلم إذا زاد رفع نفسه
٧٨ ٣٦ ما يرتفع لابن الفرات ولعلي بن عيسى من ضياعهما
٨٠ ٣٧ عادة ابن الفرات في كلامه «بارك الله عليك» وعادة علي ابن عيسى «والك»
стр. 1786
٨٣ ٣٨ الوزير علي بن عيسى، يرأف بأحد المطالبين، ويعفيه من المطالبة
٨٥ ٣٩ الملك عضد الدولة يغضب على أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف
٨٩ ٤٠ أبغي الشفا بك من سقمي ومن دائي
٩٠ ٤١ أشاع الدمع ما كنت أكتم
٩٤ ٤٢ بنو عذرة أرقّ الناس قلوبا
٩٦ ٤٣ علامة من كان الهوى في فؤاده
٩٧ ٤٤ زعموا أنّ الفراق غدا
٩٨ ٤٥ عاشق ينتحر بمحضر من الخليفة عبد الملك بن مروان
١٠١ ٤٦ ثلاثة مجانين في بني عامر
١٠٢ ٤٧ ليلى والمجنون
١٠٤ ٤٨ تعلّقت ليلى وهي ذات ذؤابة
١٠٥ ٤٩ مجنون ليلى يفقد عقله
١٠٧ ٥٠ من أطاع الواشين لم يتركوا له صديقا
١٠٨ ٥١ ألا حجبت ليلى
١١٠ ٥٢ رددت قلائص القرشي
١١٢ ٥٣ أنتم شغلي، وعندكم عقلي
١١٥ ٥٤ كالسهم أصبح ريشه ممروطا
١١٨ ٥٥ قضاها لغيري وابتلاني بحبّها
١٢٠ ٥٦ وقفت على ربع لعزّة ناقتي
١٢٢ ٥٧ امرأة من أهل النار
١٢٩ ٥٨ شقيقان عشيقان
стр. 1787
١٣٥ ٥٩ حلف بالطلاق لا يحضر دعوة أبدا
١٣٧ ٦٠ أبو البلاد يجنّ، فيعلو حبيبته بالسيف
١٤٠ ٦١ ولكم في القصاص حياة
١٤٢ ٦٢ يقتل عشيقته فيفترسه الأسد
١٤٨ ٦٣ حلف بالطلاق، لا يشيّع جنازة أبدا
١٥١ ٦٤ منفصل عنّي وما قلبي عنه منفصل
١٥٣ ٦٥ ألا إنّ هندا أصبحت منك محرما
١٥٥ ٦٦ جعلت من وردتها تميمة في عضدي
١٥٧ ٦٧ عشق، فعفّ، فكتم، فمات
١٥٨ ٦٨ عبد الله بن عجلان وهند بنت كعب
١٦٠ ٦٩ عشقت، فجنّت، فماتت
١٦٢ ٧٠ ربّ لا تسلبني ديني، ولا تفتنّي بعد أن هديتني
١٦٦ ٧١ مت عشقا
١٦٨ ٧٢ إلّا أن يشاء ابن معمر
١٧٠ ٧٣ لماذا سمّي العراق عراقا
١٧١ ٧٤ من لم ير بغداد، لم ير الدنيا
١٧٢ ٧٥ من محاسن الإسلام
١٧٣ ٧٦ إذا خرجت من العراق، فالدنيا كلّها رستاق
١٧٤ ٧٧ فلم أر فيها مثل بغداد منزلا
١٧٥ ٧٨ السريّ الرفاء يمدح بغداد
١٧٦ ٧٩ سويق الحمص في بغداد
١٧٧ ٨٠ القاضي أبو طاهر محمد بن نصر
١٧٩ ٨١ عتاهية بن أبي العتاهية
стр. 1788
١٨٠ ٨٢ اقطع العمر بظن حسن
١٨٢ ٨٣ يا هاشميّ ويا مولى ويا عربي
١٨٣ ٨٤ الخليفة المنتصر، وما كتب بالفارسية على البساط
١٨٥ ٨٥ محمد بن الحسن يصرف ما ورثه من والده على تعلّم العلم
١٨٦ ٨٦ محمد بن الحسن والخليفة هارون الرشيد
١٨٨ ٨٧ محمد بن الحسن ومالك بن أنس
١٩٠ ٨٨ رأي الشافعي في محمد بن الحسن
١٩١ ٨٩ سفهني ولم أكن سفيها
١٩٣ ٩٠ محمد بن عبد الرحمن المخزومي قاضي مكة
١٩٥ ٩١ عليل يعاد فلا يوجد
١٩٦ ٩٢ لماذا سمي أبو محمد بن عبيد بالعسكري
١٩٧ ٩٣ إن نعش نلتقي
١٩٨ ٩٤ لماذا سمّي بالبياضيّ
١٩٩ ٩٥ القاضي ابن أبي موسى
٢٠١ ٩٦ فصوص زمرّد في غلف درّ
٢٠٢ ٩٧ من شعر أبي العلاء المعرّي
٢٠٤ ٩٨ تهجّوا
٢٠٥ ٩٩ أبو هشام الرفاعي يقضي ببغداد
٢٠٦ ١٠٠ المبرّد والقبعض
٢٠٨ ١٠١ القاضي أبو عمر
٢١١ ١٠٢ ثمّ أيش؟
٢١٢ ١٠٣ القاضي ابن البهلول التنوخي ١
٢١٤ ١٠٤ القاضي ابن البهلول التنوخي ٢
стр. 1789
٢١٧ ١٠٥ وأقبلت نحوك مستعجلا
٢١٨ ١٠٦ فها خطّي خذوه بألف ألف
٢١٩ ١٠٧ بين جحظة وصاحب النشوار
٢٢٠ ١٠٨ أبو الحجّاج الأعرابي يهجو ابن أبي دؤاد
٢٢١ ١٠٩ القاضي أبو الحسن بن الخرقي
٢٢٣ ١١٠ سر إن اسطعت في الهواء رويدا
٢٢٤ ١١١ شعر البتّي يكتب على التكك
٢٢٥ ١١٢ البتّي يصف الفقّاع
٢٢٦ ١١٣ إخوانيات
٢٢٧ ١١٤ القاضي أحمد بن محمد بن سماعة
٢٢٨ ١١٥ أبو العباس بن عقدة الكوفي المحدّث
٢٢٩ ١١٦ محدّث يحفظ ستمائة ألف حديث
٢٣٠ ١١٧ القاضي أحمد بن محمد بن عيسى البرتي
٢٣١ ١١٨ القاضي أبو بشر الهروي
٢٣٣ ١١٩ شيخ القرّاء أبو بكر بن مجاهد، يغنّي
٢٣٧ ١٢٠ القاضي أحمد بن يحيى بن أبي يوسف
٢٣٨ ١٢١ الصديق لا يحاسب
٢٣٩ ١٢٢ صبرك على أذى من تعرف، خير من استحداث ما لا تعرف
٢٤٠ ١٢٣ عبد الحميد الكاتب وتجويد الخط
٢٤١ ١٢٤ أبو الحسن بن الأزرق التنوخي
٢٤٣ ١٢٥ أبو بكر بن المرزبان يعاتب جد أبي عمر بن حيويه
٢٤٥ ١٢٦ ابن سيرين يحبس في الدين
стр. 1790
٢٤٦ ١٢٧ عضد الدولة يذمّ أهل بغداد
٢٤٧ ١٢٨ سفيان الثوري يعاتب ابن علاثة على ولايته القضاء
٢٤٨ ١٢٩ جاء الرسول ببشرى منك تطمعني
٢٤٩ ١٣٠ لا ينقص الكامل من كماله ما جرّ من نفع إلى عياله
٢٥٠ ١٣١ على الباغي تدور الدوائر
٢٥٤ ١٣٢ من يعمل مثقال ذرة خيرا يره
٢٥٩ ١٣٣ عاقبة البغي
٢٦٥ ١٣٤ الأنصاري وعبد الله بن عامر عامل العراق
٢٦٧ ١٣٥ عابدة الجهنية، تحضر مجلس عضد الدولة، وتنشد قصيدة في مدحه
٢٦٩ ١٣٦ عاتكة المخزومية، تحضر مجلس عضد الدولة، وتنشد قصيدة في مدحه
٢٧٠ ١٣٧ الشاعرة المخزومية ابنة خال السلامي الشاعر
٢٧١ ١٣٨ أنسب بيت قالته العرب
٢٧٤ ١٣٩ وقد يجمع الله الشتيتين
٢٨٤ ١٤٠ أعمرو علام تجنّبتني
٢٨٧ ١٤١ دواء الحب غالي
٢٨٨ ١٤٢ وكلّ غريب للغريب نسيب
следующие страницы →