← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

١١٠ سر إن اسطعت في الهواء رويدا أنشدنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن، قال؛ أنشدنا أبو العلاء المعري «١» ، لنفسه يرثي بعض أقاربه: غير مجد في ملّتي واعتقادي ... نوح باك ولا ترنّم شاد وشبيه صوت النعيّ إذا قيس ... بصوت البشير في كلّ ناد أبكت تلكم الحمامة أم غنت ... على فرع غصنها الميّاد صاح هذه قبورنا تملأ الأرض ... فأين القبور من عهد عاد خفّف الوطء ما أظنّ أديم الأرض ... إلّا من هذه الأجساد وقبيح بنا وإن قدم العهد ... هوان الآباء والأجداد سر إن اسطعت في الهواء رويدا ... لا اختيالا على رفات العباد ربّ لحد قد صار لحدا مرارا ... ضاحكا من تزاحم الأضداد ودفين على بقايا دفين ... في طويل الأزمان والآباد فاسأل الفرقدين عمّن أحسّا ... من قبيل وآنسا من بلاد كم أقاما على زوال نهار ... وأنارا لمدلج في سواد تعب كلّها الحياة فما أعجب ... إلّا من راغب في ازدياد إنّ حزنا في ساعة الموت أضعاف ... سرور في ساعة الميلاد خلق النّاس للبقاء فضلّت ... أمّة يحسبونهم للنّفاد إنّما ينقلون من دار أعمال ... إلى دار شقوة أو رشاد والقصيدة طويلة. تاريخ بغداد للخطيب ٤/٢٤٠

стр. 1717

١١١ شعر البتي يكتب على التكك حدّثني التنوخي، قال: حدّثني أبو الحسن أحمد بن علي البتّي «١» ، قال: أمرني بهاء الدولة «٢» أن أكتب أبياتا يكتبها بعض الجواري على تكّة إبريسم، فكتبت: لم لا أتيه ومضجعي ... بين الروادف والحضور وإذا نسجت فإنّني ... بين الترائب والنحور ولقد نشأت صغيرة ... بأكفّ ربّات الخدور تاريخ بغداد للخطيب ٤/٣٢٠

стр. 1718

١١٢ البتي يصف الفقاع أنشدني التنوخي، قال: أنشدني البتّي لنفسه، يصف الفقّاع «١» : يا ربّ ثدي مصصته بكرا «٢» ... وقد عراني خمار مغبوق «٣» له هدير إذا شربت به ... مثل هدير الفحول في النوق كأنّ ترجيعه إذا رشف ... الراشف فيه صياح مخنوق تاريخ بغداد للخطيب ٤/٣٢٠

стр. 1719

١١٣ إخوانيات حدّثني علي بن المحسّن التنوخي، قال: قرأت في كتاب من أبي الحسين أحمد بن محمد بن جعلان «١» ، إلى أبي «٢» جوابا في المكاتبات القديمة: وقرأت الأبيات التي تجري مجرى الدرّ المنظوم، والماء المسجوم، وكنت في الحال كما قال الشاعر: يكلّ لساني عن مديحك بالشعر ... وأعجز أن أجزي صنيعك بالشكر فإن قلت شعرا كنت فيه مقصّرا ... وإن رمت شكرا تهت فيه فما أدري على أنّ ما تولي وتسدي وتبتدي ... كقدرك، والنقصان منّي على قدري وقد تكلّفت ما ليس من عملي، وكنت كجالب التمر إلى هجر «٣» ، والمتفاصح على أهل الوبر «٤» ، وقلت: يا كاتبا أهدى إليّ كتابه ... طرفا يحار الطرف في أثنائها كالدر أشرق في سموط عقوده ... والزهرة الزهراء غب سمائها فأفادني جذلا وبالي كاسف ... وأجار نفسي من جوى برحائها وحسبت أيّام الشباب رجعن لي ... فلبست حلي جمالها وبهائها لا يعدم الإخوان منك محاسنا ... كلّ المحاسن قطرة من مائها تاريخ بغداد للخطيب ٤/٤١١

стр. 1720

١١٤ القاضي أحمد بن محمد بن سماعة أخبرني علي بن المحسّن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر «١» ، قال: لما توفي الحسن بن علي بن الجعد «٢» ، استقضي «٣» على مدينة المنصور «٤» ، أحمد بن محمد بن سماعة «٥» . وهذا الرجل من أهل الدين والعلم، قريب الشبه بأبيه «٦» ، عفيف في نفسه. وصرف عن مدينة المنصور، سنة ثلاث وخمسين ومائتين «٧» . تاريخ بغداد للخطيب ٥/١٠

стр. 1721

١١٥ أبو العباس بن عقدة الكوفي المحدث حدثنا علي بن أبي علي البصري «١» ، عن أبيه «٢» ، قال: سمعت أبا الطيّب، أحمد بن الحسن بن هرثمة «٣» ، يقول: كنّا بحضرة أبي العباس بن عقدة الكوفي المحدّث «٤» ، نكتب عنه، وفي المجلس، رجل هاشمي إلى جانبه، فجرى حديث حفّاظ الحديث. فقال أبو العباس: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف حديث، من حديث أهل بيت هذا، سوى غيرهم، وضرب بيده على الهاشمي. تاريخ بغداد للخطيب ٥/١٦

стр. 1722

١١٦ محدث يحفظ ستمائة ألف حديث حدّثنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسّن التنوخي، من حفظه، قال: سمعت أبا الحسن، محمد بن عمر العلوي «١» يقول: كانت الرئاسة بالكوفة في بني الفدان، قبلنا، ثم فشت رئاسة بني عبيد الله، فعزم أبي على قتالهم، وجمع الجموع، فدخل إليه أبو العباس بن عقدة «٢» ، وقد جمع جزءا فيه ستّ وثلاثون ورقة، فيها حديث كثير، لا أحفظ قدره، في صلة الرحم، عن النبي ﷺ ، وعن أهل البيت، وعن أصحاب الحديث، فاستعظم أبي ذلك، واستكثره. فقال له: يا أبا العباس، بلغني من حفظك للحديث ما استنكرته واستكثرته، فكم تحفظ؟ فقال له: أنا أحفظ منسّقا من الحديث، بالأسانيد، والمتون، خمسين ومائتي ألف حديث، وأذاكر بالأسانيد، وبعض المتون، والمراسيل، والمقاطيع ستمائة ألف حديث. تاريخ بغداد للخطيب ٥/١٧

стр. 1723

١١٧ القاضي أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أخبرنا علي بن المحسن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال: مات أبو هشام سنة تسع وأربعين ومائتين «١» ، فاستقضي أحمد بن محمد ابن عيسى البرتي «٢» ، وكان رجلا من خيار المسلمين، دينا عفيفا، على مذهب أهل العراق «٣» ، وكان من أصحاب يحيى بن أكثم «٤» . وكان قبل ذلك تقلّد واسطا، وقطعة من أعمال السواد، وروى كتب محمد بن الحسن «٥» ، عن أبي سليمان الجوزجاني، عن محمد بن الحسن، وحدّث بحديث كثير. تاريخ بغداد للخطيب ٥/٦٢

стр. 1724

١١٨ القاضي أبو بشر الهروي حدّثني القاضي أبو القاسم التنوخي، قال: أبو بشر أحمد بن محمد بن محمد الهروي «١» فقيه على مذهب الشافعي «٢» ، وكان يخدم أمير المؤمنين القادر بالله «٣» ، قبل الخلافة، ودرس عليه مذهب الشافعي. وروى أبو بشر حديثا كثيرا، وأخبارا، وآدابا، وأشعارا، وكتبا مصنّفة، ومولده بهراة «٤» سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وكان يعرف بالعالم، وتقلّد الحسبة بجانبي مدينة السلام، وتقلّد قضاء

стр. 1725

طسوجي مسكن «١» وقطربّل «٢» ، وبلاد أذربيجان «٣» . وتوفي في يوم الثلاثاء السابع عشر من ربيع الأول سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. تاريخ بغداد للخطيب ٥/٨٩

стр. 1726

١١٩ شيخ القراء أبو بكر بن مجاهد، يغنّي حدّثني علي بن أبي علي البصري «١» ، قال: حدّثني أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم القاضي «٢» ، قال: حدّثني أبو بكر بن الجعابي «٣» ، قال: كنت يوما عند أبي بكر بن مجاهد «٤» في مسجده، فأتاه بعض غلمانه، فقال له: يا أستاذ إن رأيت أن تجمّلني بحضورك غدا دارنا. فقال له أبو بكر: ومن معنا؟ فقال له: أصحابنا المسجدية، ومن يرى الشيخ. فقال أبو بكر: ينبغي أن تدعو أبا بكر- يعنيني- فأقبل الفتى عليّ يسألني. فقلت له: هو ذا تطفّل بي؟ لو أرادني الرجل لأفردني بالسؤال. فقال: دع هذا يا بغيض. فقلت له: السمع والطاعة. فقال لي الرجل: إنّ الأستاذ قد آثرك، فمن تؤثر أن أدعو لك؟ فقلت له: الحسين بن غريب «٥» .

стр. 1727

قال: السمع والطاعة، ونهض الفتى. فلما كان من الغد، وافى إلى مسجد أبي بكر، فسألنا النهوض معه إلى منزله. فقال أبو بكر لأصحابه: قوموا، وامضوا متقطّعين، وخالفوا الطرق، ففعلوا. ثم أقبل على الفتى، فقال له: اسبقنا، فإنّي أنا وأبو بكر نجيئك. فقلت أنا له: أيش عملت في إحضار ابن غريب؟ فقال لي: قد أخذت الوعد عليه من أمس، وأنا أنفذ إليه رسولا ثانيا، ومضى، وجلس أبو بكر، ففرغ من شغيلات له. ثم إنّا نهضنا جميعا، وعبرنا إلى الجانب الغربي، وصعدنا درب النخلة، وكانت دار الفتى فيه، فوجدناه مترقّبا لنا. فدخلنا، فدعا بماء، فغسلنا أيدينا، ثم أتى بجونة «١» ، فوضعها بين أيدينا. فقلت في نفسي: ما أزرى مروءة هذا الفتى، أيش في الجونة، ممّا يطعمنا؟ ففتحها، فإذا فيها بزماورد «٢» ، وأوساط «٣» ، ولفّات «٤» ،

стр. 1728

وسنبوسج «١» ، فأكلنا أكلا عظيما مفرطا، والجونة على حالها، وما فيها من هذا الطعام على غاية الكثرة والوفور. وشلنا أيدينا «٢» ، فاستدعى الحلوى، فأتي بفالوذج غرف «٣» ، حار، بماء ورد، على مائدة كبيرة، فأكثرنا منه، فعجبت من ظرف طعامه، ونظافته، وطيبه، وحسنه، وتمام مروءته، من غير إجحاف، ولا إسراف، وغسلنا أيدينا. فقلت له: أين ابن غريب؟ فقال لي: عند بعض الرؤساء، وقد حال بيننا وبينه. فشقّ عليّ، وتبيّن أبو بكر بن مجاهد ذلك مني، فقال لي: هاهنا من ينوب عن ابن غريب.

стр. 1729

فتحدّثنا ساعة، فقلت له: لا أرى للنائب عن ابن غريب خبرا، ولا أثرا، فدافعني. فصبرت ساعة، ثم كرّرت الخطاب عليه، وألححت، ولست أعلم من هو النائب بالحقيقة عن ابن غريب. فقال للفتى: هات قضيبا «١» ، فأتاه به. فأخذه أبو بكر، ووقّع، واندفع يغنّي، فغنّاني نيفا وأربعين صوتا، في غاية الحسن، والطيبة، والاطراب، فأشجاني، وحيّرني. فقلت له: يا أستاذ متى تعلّمت هذا؟ وكيف تعلّمته؟ فقال: يا بارد تعلّمته لبغيض مثلك، لا يحضر الدعوة إلّا بمغنّ. ومضى لنا يوم طيّب معه. تاريخ بغداد للخطيب ٥/١٤٦

стр. 1730

١٢٠ القاضي أحمد بن يحيى بن أبي يوسف أخبرنا علي بن المحسن، قال: أخبرنا طلحة بن يحيى بن محمد بن جعفر «١» قال: استقضي أحمد بن يحيى بن أبي يوسف القاضي «٢» ، في سنة أربع وخمسين ومائتين «٣» ، وكان متوسّطا في أمره، شديد المحبّة للدنيا، وكان صالح الفقه على مذهب أهل العراق «٤» ، ولا أعلمه حدّث بشيء، ثم عزل، واستقضي ثانية، وعزل، وولي الأهواز «٥» ، ثم وجه به إلى خراسان «٦» ، فمات بالري «٧» . تاريخ بغداد للخطيب ٥/٢٠٢

стр. 1731

١٢١ الصديق لا يحاسب أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي، قال: أخبرنا أبو الحسن منصور ابن محمد بن منصور الحربي «١» ، قال: سمعت أبا محمد الزهري «٢» ، يقول: كان لثعلب» عزاء ببعض أهله، فتأخّرت عنه، لأنه خفي عنّي، ثم قصدته معتذرا. فقال لي: يا أبا محمد ما بك حاجة إلى أن تتكلّف عذرا، فإنّ الصديق لا يحاسب، والعدو لا يحتسب له. تاريخ بغداد للخطيب ٥/٢٠٥

стр. 1732

١٢٢ صبرك على أذى من تعرف خير من استحداث ما لا تعرف حدّثني علي بن أبي علي البصري «١» ، قال: حدّثنا منصور بن محمد الحربي «٢» ، قال: سمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد الزهري «٣» ، يقول: كانت بيني وبين أبي العباس ثعلب «٤» ، مودّة وكيدة، وكنت أستشيره في أموري. فجئته يوما أشاوره في الانتقال من محلة إلى أخرى، لتأذّيّ بالجوار، فقال لي: يا أبا محمد، العرب تقول: صبرك على أذى من تعرف، خير لك من استحداث ما لا تعرف «٥» . تاريخ بغداد للخطيب ٥/٢٠٦

стр. 1733

١٢٣ عبد الحميد الكاتب وتجويد الخط أخبرنا علي بن أبي علي المعدّل «١» ، قال: حدّثنا محمد بن عمران المرزباني «٢» قال: حدّثنا علي بن سليمان الأخفش «٣» ، قال: قال أحمد بن يوسف الكاتب «٤» : رآني عبد الحميد بن يحيى «٥» ، أكتب خطّا رديئا، فقال لي: إن أردت أن يجود خطّك، فأطل جلفتك وأسمنها، وحرّف قطّتك، وأيمنها، ثم قال: إذا جرح الكتّاب كان قسيّهم ... دويّا وأقلام الدويّ لهم نبلا قال الأخفش: قوله جلفتك: أراد فتحة رأس القلم. تاريخ بغداد للخطيب ٥/٢١٦

стр. 1734

١٢٤ أبو الحسن بن الأزرق التنوخي قال لي علي بن المحسن: ولد أبو الحسن بن الأزرق «١» ببغداد في المحرم لعشر خلون منه من سنة سبع وتسعين ومائتين «٢» ، سمعته يذكر ذلك، وحمل عن جماعة من اهل الأدب، منهم علي بن سليمان الأخفش «٣» ، وابن دريد «٤» ، وابن شقير النحوي «٥» ، ونفطويه «٦» ، وكان حافظا للقرآن، قرأه كله مرارا على ابن مجاهد «٧» بقراءة أبي عمرو بن العلاء «٨» ، وأخذ شيئا من النحو عن أبي بكر بن السراج «٩» ، وأبي إسحاق الزجّاج «١٠» ، وحمل قطعة من اللغة والنحو

стр. 1735

عن ابن الأنباري «١» ، ونفطويه، وقرأ الكلام والأصول على أبي بكر بن الإخشيد «٢» ، ثم على أبي هاشم الجبائي «٣» ، ودرس من الفقه قطعة على أبي الحسن الكرخي «٤» ، ومات يوم الجمعة لستّ وعشرين ليلة خلت من المحرّم سنة سبع وسبعين وثلاثمائة «٥» وكان منزله بالجانب الشرقي من مدينة السلام، بقرب باب البستان «٦» . تاريخ بغداد للخطيب ٥/٢٢٢

стр. 1736

١٢٥ أبو بكر بن المرزبان يعاتب جدّ أبي عمر بن حيويه أخبرنا علي بن أبي علي المعدّل «١» ، قال: حدّثنا محمد بن العباس الخزاز «٢» ، قال: كتب أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان «٣» إلى جدّي يعاتبه: أجميل بالمرء يخلف وعدا ... أو يجازي الوصول بالقرب بعدا ما مللناك إذ مللت ولم ننفكّ ... نزداد مذ عقلناك ودّا فعلام استحقّ هجرك من ليس ... يرى منك يا ابن حيويه بدّا يحفظ العهد حين نقضك للعهد ... ويأتي الذي تحبّ مجدّا يا أبا بكر بن يحيى نداء ... من أخ لم تزل لديه مفدّى لك مذ دام صرف وجهك أيّام ... طوال أعدّها لك عدّا وتناسيت ما سألت وقد أسلفت ... فيما سألت مدحا وحمدا خاطبا منك دعوة واستماعا ... لفظ من لا نرى له الدهر ندّا فتناهى إليّ أمس حديث ... كاد يقضي عليّ حزنا ووجدا زعموا أنّ أحمد الخير ما زال ... لديكم يشدو ثلاثا ويشدى

стр. 1737

فلماذا جفوتنا بعد وصل ... ونقضت العهود عهدا فعهدا ألبخل عراك؟ فالبخل قد كان ... إلى راحتيك لا يتهدّى أو ملال، فليس مثلك من ملّ ... أخا لا يحلّ في الحبّ عقدا دائم الودّ لا يصدّ ولو جار ... عليه خليله وتعدّى فاعطف الوصل نحو من منح الوصل ... وراجع فالوصل أولى وأجدى أيّ شيء أنكى لقلب محبّ ... حال منه نحس المطالع سعدا أدرك الحاسد الشمات وقد كان ... قديما لهجرنا يتصدّى طالما يبتغي القطيعة بالحيلة ... بيني وبينكم ليس يهدى لو تراه لخلته نال ما أمّل ... يختال لاهيا يتقدّى أنت أعطيته أمانيه جورا ... وزمانا قد كان في ذاك أكدى فاستمع ما أقول إنّي وعهد الله ... أهوى استماع أحمد جدّا واقتراحي بعد انبساطي إليه ... «تلك هند تصدّ للهجر صدّا» تاريخ بغداد للخطيب ٥/٢٣٨

стр. 1738

١٢٦ ابن سيرين يحبس في الدين أخبرنا علي بن أبي علي المعدّل «١» ، قال: أخبرنا محمد بن العباس الخزاز «٢» ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم الأنباري «٣» ، قال: حدّثني أبي «٤» ، قال: حدّثنا أحمد بن عبيد «٥» ، قال: أخبرنا المدائني «٦» ، قال: كان سبب حبس ابن سيرين «٧» في الدّين، انّه اشترى زيتا بأربعين ألف درهم، فوجد في زقّ منه فأرة، فقال: الفأرة كانت في المعصرة، فصبّ الزيت كلّه. وكان يقول: عيّرت رجلا بشيء منذ ثلاثين سنة، أحسبني عوقبت به، وكانوا يرون انّه عيّر رجلا بالفقر، فابتلي به. تاريخ بغداد للخطيب ٥/٣٣٥

стр. 1739

١٢٧ عضد الدولة يذم أهل بغداد حدثني علي بن أبي علي البصري «١» ، قال: سمعت أبي «٢» يقول: قال عضد الدولة يوما، وأنا حاضر «٣» وقد جرى ذكر أهل بغداد، وكان يذمّهم كثيرا ويثلبهم «٤» : ما وقعت عيني في هذا البلد، على أحد يستحقّ التفضيل، أو أن يسمّى برجل، غير نفسين، ولما ميّزتهما، علمت أنّهما ليسا من أهل بغداد. قال أبي: فتشوّفت لمعرفتهما، ولم أسأله عنهما، وبان له ذلك في وجهي. فقال: أما أحدهما، وأولاهما بالتفضيل، فأبو الحسن بن أم شيبان «٥» ، والآخر محمد بن عمر- يعني العلوي «٦» - وهما كوفيّان. تاريخ بغداد للخطيب ٥/٣٦٤

стр. 1740

١٢٨ سفيان الثوري يعاتب ابن علاثة على ولايته القضاء أخبرنا علي بن المحسن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال: حدّثني عبد الباقي بن قانع «١» ، قال: حدّثني بعض شيوخنا، قال: استأذن ابن علاثة «٢» ، على سفيان الثوري «٣» بعد أن ولي القضاء، فدخل عمّار بن محمد، ابن أخت سفيان «٤» ، يستأذن له على سفيان، فلم يأذن له، وكان سفيان يعجن كسبا «٥» للشاة، فلم يزل به عمّار حتى أذن له. فدخل ابن علاثة، فلم يحوّل سفيان وجهه إليه، ثم قال له: يا ابن علاثة، ألهذا كتبت العلم؟ لو اشتريت صيرا «٦» بدرهم- يعني سميكا- ثم درت في سكك الكوفة، لكان خيرا من هذا. تاريخ بغداد للخطيب ٥/٣٨٩

стр. 1741

١٢٩ جاء الرسول ببشرى منك تطمعني أخبرني عليّ بن أبي عليّ المعدّل «١» ، قال: حدّثنا محمد بن عبد الرحيم الأزدي «٢» ، الكاتب، قال: حدّثنا الحسين بن القاسم الكوكبي «٣» ، قال: أنشدني أحمد بن صدقة «٤» ، لأبي الشيص «٥» : جاء الرسول ببشرى منك تطمعني ... فكان أكبر ظنّي أنّه وهما فما فرحت ولكن زادني حزنا ... علمي بأنّ رسولي لم يكن فهما كم من سريرة حبّ قد خلوت بها ... ودمعة تملأ القرطاس والقلما تاريخ بغداد للخطيب ٥/٤٠٢

стр. 1742

١٣٠ لا ينقص الكامل من كماله ما جرّ من نفع إلى عياله أخبرنا علي بن أبي علي البصري «١» ، قال: حدّثنا محمد بن العباس الخزاز «٢» ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم الأنباري «٣» ، قال: حدّثنا محمد بن المرزبان «٤» ، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد، قال: رأى رجل محمد بن كناسة «٥» ، يحمل بيده بطن شاة، فقال له: أنا أحمله لك، فقال: لا ينقص الكامل من كماله ... ما جرّ من نفع إلى عياله تاريخ بغداد للخطيب ٥/٤٠٦

стр. 1743

١٣١ على الباغي تدور الدوائر ذكر القاضي التنوخي، في كتابه نشوار المحاضرة «١» ، قال: حدّثني إبراهيم النصيبي «٢» ، عن جار له يقال له، أبو القاسم الصفّار، قال: خرجت من نصيبين، بسيف نفيس، كنت ورثته عن أبي، وقصدت العباس بن عمرو «٣» ، أمير ربيعة «٤» ، لأهديه له، وهو في رأس العين «٥» . فصحبني شيخ من شيوخ الأعراب، وسألني عن خبري، فأخبرته، وقد كنّا قريبين من رأس العين، فدخلناها وافترقنا.

стр. 1744

وكان يأتيني ويراعيني، ويظهر لي البرّ، ويسألني عن حالي، فأخبرته أنّ الأمير قبل هديتي، وأعطاني ألف درهم وثيابا، وأنّي أريد الخروج يوم كذا وكذا، فمضى. فلما كان ذلك اليوم، خرجت من الدار، راكبا حمارا، فلما صرت في الصحراء، إذا أنا بالشيخ راكبا دويبة ضعيفة، متقلّدا سيفا. فلما رأيته استربت به، وأنكرت وجهه، وأيقنت بالشر في عينيه، فقلت: ما تصنع [ها هنا] «١» . فقال: قضيت حوائجي، وأريد الخروج صحبتك، وصحبتك عندي آثر من صحبة غيرك. فقلت: على اسم الله. فمضينا، وهو يجتهد أن آنس به، وأدنو منه، وكلما دنا منّي، تباعدت عنه، إلى أن سرنا شيئا كثيرا من الطريق، وليس معنا ثالث، إلّا الله تعالى؛ فقصر عني، فحثثت حماري لأفوته، فما أحسست إلّا بركضه في إثري، فالتفتّ، [وإذا هو] «٢» قد جرّد سيفه، وقصدني، فرميت بنفسي عن الحمار، وعدوت. فلما خاف أن أفوته، صاح: يا أبا القاسم، إنما مزحت معك. فلم ألتفت إليه، فضرب دابته، وزاد في الجري، ولاح لي ناووس، فقصدته، وقد كاد الأعرابي أن يلحقني، فلما دخلت الناووس، وقفت وراء بابه. قال: ومن صفة هذا الناووس، أنّه مبني بحجارة، وباب هذا الناووس حجر واحد عظيم، قد نقر، وحفّف، فلا تستمكن اليد منه، وله من

стр. 1745

خارج الباب حلقة، وليس من داخله شيء تلزم به اليد، وإنما يدفع من خارجه، فينفتح، فيدخل إليه، فإذا خرجت، وجذبت الحلقة، انغلق الباب، وتمكّن الذي يكون من خارجه. فاختبأت وراء باب الناووس، فجاء الأعرابي، فشدّ دابته في حلقة الباب، ودخل يطلبني في الناووس، وكان مظلما، فلم يرني، ومشى إلى داخل، فخرجت من خلف الباب، وجذبت الحلقة، حتى صار مغلقا، فرأى الموت عيانا. فصاح من الناووس: يا أبا القاسم، اتّق الله، فإنّي تالف لا محالة. فقلت: تتلف أنت، أهون من أن أتلف أنا. قال: أخرجني، وأنا أعطيك أمانا، وأستوثق لك بالأيمان، انّي لا أتعرض لك بسوء، واذكر الحرمة. فقلت: أنت لم ترعها، وأيمانك كاذبة فاجرة، لا أثق بها. وأخذ يكرّر هذا، فقلت: لا تهذ، فإني أركب الآن دابتك، وأجنب حماري، والوعد بيننا بعد أيام هاهنا، فلا تبرح [حتى أجيء، وإن احتجت إلى طعام، فعليك بجيف العلوج، فنعم الطعام لك] «١» . قال: فأخذ يبكي، ويستغيث، ويصيح: قتلتني، والله. فقلت: إلى لعنة الله. فركبت دابته، وجنبت حماري، فوجدت على دابته خرجا فيه ثيابه، فأتيت نصيبين، فبعت ثيابه ودابته، وكتمت أمري «٢» .

стр. 1746

فلما كان بعد شهور «١» ، عرض لي المسير إلى رأس العين، فخرجت إلى تلك الطريق، وبدا لي ذلك الناووس، فقصدته، ودخلته، فإذا بالأعرابي صار عظاما نخرة «٢» ، فحمدت الله على سلامتي، وهلاكه. فحرّكته برجلي، وقلت على سبيل العبث: كيف خبرك يا فلان؟ فإذا بشيء يتخشخش تحت رجلي، فمسسته «٣» ، فإذا هو هميان، فأخذته، وأخذت سيفه، وخرجت من الناووس، وفتحت الهميان، فإذا فيه خمسمائة درهم، وبعت السيف بمائة درهم. تحفة المجالس ونزهة المجالس ٢٤٢

стр. 1747

١٣٢ من يعمل مثقال ذرة خيرا يره روى القاضي التنوخي أيضا، في كتابه نشوار المحاضرة «١» ، عن شخص «٢» انّه قال: كان لأبي مملوك يقال له مقبل، فهرب منا، ولم نعرف له خبرا منذ سنين كثيرة. ثم تغرّبت عن بلدي، ووقعت إلى نصيبين، وأنا إذ ذاك شاب، ما نبتت لحيتي. فأنا ذات يوم مجتاز، وفي كميّ منديل مملوء دراهم، وأنا في سوق نصيبين، إذ رأيت غلامنا مقبل. فحين رآني، بشّ بي، وفرح، وأظهر سرورا عظيما، [وأقبل يسألني عن أبي وأهلنا، فأعرفه موت من مات، وخبر من بقي. ثم قال لي: يا سيدي متى دخلت إلى هاهنا، وفي أي شيء؟ فعرّفته، فأخذ يعتذر من هربه منّا، ثم قال: أنا مستوطن هنا وأنت مجتاز] «٣» وقال: يا سيدي، تجيء إلى دعوتي اليوم؟ [فإني أحضر لك نبيذا طيبا، وغناء حسنا] «٤» . فقلت: نعم.

стр. 1748

فمشى قدّامي، ومشيت خلفه، وطال الطريق عليّ، وأنا أقول له: ويحك أين بيتك؟ فيقرّب عليّ المدى. حتى بلغ آخر نصيبين، في درب خراب يقارب الصحراء، فدقّ بابا، فخرج رجل، ففتح الباب، فدخل، ودخلت. فحين حصلت في الدهليز، ردم الباب «١» ، واستوثق منه، فأنكرت ذلك، ودخلت، فإذا أنا بثلاثين رجلا، بسلاح، بلا بارية ولا غيرها، وإذا هم لصوص، وهو عين «٢» لهم، فأيقنت بالبلية والشرّ. فقام إليّ واحد منهم، وقال: انزع ثيابك. فطرحت ما كان عليّ، إلّا السراويل، فجاءوا ليأخذونه، فسألتهم في ذلك، فتركوه. وحلّوا منديل كمّي، وأخرجوا ثلاثين درهما، وقالوا لمقبل: امض، فخذ لنا شيئا نأكله. فتقدّم مقبل، فسارّ أحدهم، وهو رئيسهم. فقال له ذاك: إنّه لا بد من قتله، فجئنا بما نأكله، فإذا جئتنا به، قتلناه. فعلمت أنّ مقبلا، أشار عليهم بقتلي، فطارت روحي جزعا. وقال لهم الغلام: لا أمضي أو تقتلوه. فقلت لهم: يا قوم، أيش ذنبي؟ ولم أقتل؟ قد أخذتم ما لي وثيابي، دعوني أروح. ثم قلت له: يا مقبل، هذا من حقّي عليك، وحقّ أبي، ويحك، ألا ترحمني؟

стр. 1749

قال: فكاشفني، وقال للقوم: إنّكم إن لم تقتلوه، وإلّا يخرج ينبّه عليكم السلطان، فيقتلكم كلّكم. قال: فجذبني واحد منهم، واستلّ سيفه، وسحبني من صدر الدار التي كانوا فيها، [إلى البالوعة] «١» ليذبحني عليها. فوقعت عيني على غلام منهم، كان على قدر سنّي، فقلت له: ارحمني، فأنت غلام مثلي، وإن خلّصتني من يد هؤلاء، أجرت بي، فاستدفع البلاء من الله تعالى، بخلاصي. قال: وبكيت، وبقيت أحلف لهم، انّي لا أنبّه عليهم أبدا، ولا أتكلّم إن تركوني. قال: فألهم الله ، ذلك الفتى، أن طرح نفسه عليّ، وقال: والله، لا يقتل وأنا حيّ، فإما قتلتموني قبله، وإلّا فلا تقتلوه. قال: وتعصّب له أستاذه، وقال: غلامي أجاره، فلا تقتلوه. فشتموه، وشتموا غلامه، وتعصّب لهما جماعة، وجاءوا فأخذوني من البالوعة، وقد كاد الرجل يذبحني، فأجلسوني في صدر صفّة، وجلسوا حولي، وشتموا ذلك الغلام، ومنعوا الباقين عنّي. وقالوا: نحن جياع، فأتونا بشيء نأكله، وقتل هذا لا يفوت. فقال الباقون: القول ما قالوا، فكفّوا عني. ومضى، فاشترى خمسين رأسا، وخبزا كثيرا، وجبنا، وزيتونا «٢» ، وجاءهم به، فجلسوا يأكلون، وأنا أتخوّف أن يتغافلني منهم إنسان، فيقتلني.

стр. 1750

فقلت لذلك الفتى، فترك الأكل، وجلس هو وأستاذه يحفظاني، إلى أن أكلت الجماعة، ووكّلا بي قوما من أصحابهم ممّن أكل، وجلسا يأكلان. واستدعياني للأكل معهما، فأردت إيجاب الذمام عليهما، فأكلت معهما أكل معرض، لقمة واحدة، أو لقمتين، بلا شهوة ولا عقل. فقال لهم: الآن أكلتم، وترك هذا خطأ، فاقتلوه. فعاد الكلام في قتلي، وأقبل أولئك يمنعون، وتزايد الأمر إلى أن جرّد بعضهم السيوف على بعض، وجعلني أولئك وراءهم، وأقبلوا يجادلون عني، وأولئك ينخسوني من خلفهم بأطراف السيوف، وأنا أروغ خوفا من أن يصل إليّ بعض ذلك، فيقتلني، وأنا أحلف لهم أنّي إن سلمت لم أنبّه عليهم، إلى أن كادوا يتجارحون. ودخل بعضهم بينهم، وقالوا: لا يكون هذا ميشوما عليكم، فدعوه. فتوافقوا على الكفّ عني، وجلسوا يشربون، فلما أرادوا أن يخرجوا، قالوا: يتوكّل به من يتعصّب له، حتى نخرج نحن، فإن صاح، بلي به من خلّصه. فقال لي الفتى وأستاذه: قد سمعت يا فتى، فلا تكافنا على الجميل بقبيح. فحلفت لهم بالله، أنّي لا أنبه عليهم، فخرجت الجماعة، إلّا الغلام وأستاده، فلما بعدت الجماعة، خرج النفسان «١» .

стр. 1751

فما كان لي همّة، إلّا غلق الباب وراءهما، وترسه، ووقعت مغشيا عليّ، وذهب عقلي عني إلى قريب من نصف الليل، فأفقت وقد لحقني البرد، فلم أزل أرتعد فزعا وبردا، إلى وجه السحر، وسمعت صوت الدبادب «١» ، فخرجت عريانا، حتى أتيت إلى بيتي. وآليت على نفسي، أن لا أمضي إلى موضع لا أخبره، ولا مع من لا أعرف باطنه، وحمدت الله على العافية «٢» . تحفة المجالس ونزهة المجالس ٢٤٤

стр. 1752

١٣٣ عاقبة البغي روى القاضي التنوخي، في كتابه أخبار المذاكرة، ونشوار المحاضرة، عن عبيد الله بن محمد الخفاف، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني صديق لي من أولاد الجند، قال: كنت مجتازا يوما في الكرخ ببغداد، فرأيت امرأة لم أر أحسن منها قط، فوقفت أنظر إليها، وإذا بها قد ولّت، وإذا بعجوز معها قد جاءتني، فمازحتني عنها، وقالت: تقولك لك: تجيء في دعوتي؟. فقلت: لا يمكنني أن أمضي مع أحد، ولكن تجيء في دعوتي أنا. فقالت: لا، بل تجيء أنت. فحملني فرط شهوتي لها [أن مضيت معها] ، إلى أن حصلنا في طرف من أطراف بغداد، ووافت إلى باب، فدقّته. فقالوا: من هذا؟ فقالت: أنا، صيد. فحين قالت ذلك، وجب قلبي، فولّيت. فقالت: إلى أين يا فتى، ما بدا لك منّا؟ فقلت: خير، ودخلت البيت، فإذا بدار فارغة، قليلة الآلات جدا، وإذا بجارية سوداء قد جاءت بطشت وماء، فغسلت وجهي، ورجلي، واسترحت، وجاءوني بطعام غير نظيف، فأكلت منه لفرط الجوع. وخرجت الجارية، وإذا هي من أحسن النساء وجها، وجاءوني بنبيذ، فجلست أشرب، وهي معي. فأهويت إليها، فمكّنتني من عناقها، فلما تجاوزت ذلك، قالت:

стр. 1753

أنا لا أدخل في حرام، واصبر حتى يجيء من يزوّجني بك. وجاءت المغرب، وصار الوقت بين الصلاتين، وإذا بالباب يدقّ. فقالت: ويه، ويه. فقلت لها: ما الخبر؟ فقالت: قد جاء أخي وغلامه، وإن رآك لم آمن عليك، قم إلى ذلك البيت فاختبئ فيه، حتى إذا ناموا جئتك. فأدخلتني بيتا، فلما حصلت فيه، زرفنت بابه «١» ، فأيقنت أنّي مقتول، وأنّ ذلك لغرض كان في ثيابي ومالي، فتبت إلى الله من الحرام، وعاهدته إن خلّصني، أن لا أدخل في شيء من ذلك. قال: وأقبلت أسمع ما يجري من خلف الباب، فإذا بالداخل غلام أسود، لم أر قط أهول منه خلقة، ولا أعظم، وهو يقبّل المرأة، وهي تترشّفه ترشّف عاشقة له، وجلسا يتحدّثان، وجاءوه بما أكله، وشربه، ثم جامعها دفعات. وقال لها في خلال ذلك: أيش حصل اليوم؟ فقالت: ما وقع اليوم غير رجل مخذول، لم يكن في كمّه شيء، قال: وأخرجت ثيابي، فسلّمتها إليه، فشتمها وضربها. وقال: هذا أيش، نحن أردنا صاحب كيس كبير. فقالت: كما اتفق، ولم تزل تقبّل رجله، وتبكي، وتعتذر إليه، إلى أن رضي عنها. وأيقنت أنا بالهلاك، وأقبلت على الدعاء. وما زالا يشربان، وهو يجامعها في خلال ذلك، إلى أن عددت أنّه قد

стр. 1754

جامعها عشر دفعات، وسكر. فقالت له: قد أخذ النبيذ منك يا سيدي، قم فافرغ من هذا الميشوم، حتى نتخلّص منه. فتشهّدت حينئذ. ففتح الباب، ودخل الأسود إليّ بسيف مسلول، فما زال يضربني موشّحا، وأنا أصيح، فلا يسمع أحد صياحي، إلى أن بردت، وانقطع صياحي، ولم يشك الأسود في موتي، فجذبني وطرحني في البئر، وإذا تحتي فيها أشلاء «١» ثلاثة، فصرت أنا قريبا من رأسها، فوق القوم، فخرج ولم يغلق الباب. فقالت له: ما عملت؟ قال: فرغت منه. فنام إلى جانبها، وقامت العجوز، فجللتهم، ولم يكن في الدار غيرهم. فلما كان بعد نصف الليل، حملتني حلاوة الحياة، على طلب الخلاص فقمت، فإذا البئر إلى صدري، وإذا أنا قويّ، فتسلّقت، وخرجت منها إلى البيت. ووقفت أتسمّع، فلم أسمع لهم حسّا، إلّا غطيطا يدل على نومهم، فخرجت قليلا قليلا، حتى فتحت الباب، وخرجت من الدار، وما شعروا بي، فجئت إلى بيتي قبل طلوع الشمس. فقالوا: ما دهاك؟ فقلت: كنت البارحة عند صديق لي، وبكّرت من عنده، فلقيني لص يستقفي «٢» ، فمنعته ثيابي، فأخذها، وعمل بي هذا.

стр. 1755

فأقمت شهورا أعالج، إلى أن عوفيت، فلما خرجت، وتصرّفت، لم يكن لي همّ إلّا طلب المرأة في الطريق والأسواق. فاجتزت يوما بالكرخ، فرأيتها، فلم أكلّمها، وعدت إلى منزلي، وكنت قد غيّرت زيّي، وطوّلت لحيتي، حتى تغيّرت هيأتي عليها، ومشيت ويدي مكتوفة إلى ظهري، على مذهب الخراسانية، وجئت أطلبها، وصادفتها في الموضع. فحين رأتني العجوز، أقبلت عليّ، وبدأتني بالكلام، فأجبتها بالفارسية، وعلمت أنها لم تعرفني. وجئت معها، فحملتني إلى الدار بعينها، وجرت القصة على الرسم الأول، إلى أن قالت: قد جاء أخي وغلامه، قم لا يراك، فأقامتني إلى البيت بعينه، فدخلته، وأغلقت عليّ، ووقفت أسمع، وكان تحت ثيابي سيف لطيف ماض. فقال لها الأسود، بعد أن وطئها خمس عشرة مرة: أيش جبت اليوم؟ قالت: بطة سمينة، خراساني معه هميان ملآن. قال: فأين هو؟ قالت: في وسطه. فقال: غاية «١» . فأخرجت أنا السيف، ووقفت خلف الباب أنتظره، فأكل، وشرب حتى سكر، وجاء، فدخل، فخالفت طريقه، ومضى يريد صدر البيت، فصرت خلفه، وضربته في ساقه ضربة محكمة، أجلسته منها، وثنّيتها بأخرى، فما قدر أن ينهض، وواليت ضربه، حتى قطّعته، فلما برد،
следующие страницы →