Полный текст (2 817 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
١٠٤ حجاب شديد
وهذا ضدّ ما حدّثني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن البهلول التنوخي «١» :
أنّ امرأة من أهلهم بالأنبار «٢» ، كانت قد جاوزت الأربعين سنة، وخرجت من بيتها إلى بغداد، في محنة عرضت لها، فلما حصلت في الطريق رأت جملا يدير دولابا.
فقالت: ما هذا؟
فقيل لها: دولاب الجمل.
فحلفت بالله، أنّها ما رأت جملا قط.
стр. 2732
١٠٥ كتاب المافروخي عامل البصرة
حدّثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن طريف، المعروف بأحمد الطويل، قال:
كتب إليّ أبو محمد عبد العزيز المافروخي «١» ، وأنا أتقلّد حصن مهدي «٢» ، والفرض، والأعمال التي كنت أتقلّدها مع ذلك، وهو يتقلّد البصرة، يسألني إطلاق تمر له، اجتاز عليّ، ويعرّض بأنّ مكافأة ذلك، لا تذهب عليه.
فأطلقت له التمر، بلا ضريبة، ولا مؤونة، وكتبت إليه أعاتبه على هذه اللفظة.
فكتب إليّ كتابا، يعتذر، حفظت منه قوله:
وصل كتابك الذي أبان الله به فضلك، وسهّل إلى سبل المكارم سبقك، وفهمته فهم معجب به، ومتعجّب منه، وسرّني صدوره»
، لا لقدر الحاجة في نفسي، ولا في نفسك، ولكن لما أنفذه من بصيرتي فيك، وقوّاه من معرفتي بك.
ووجدتك، وقد اضطربت من لفظة ذكرت أنّي ضمّنتها كتابي، وهي الإلماح والتلويح، بالمكافأة والتعويض.
ومعاذ الله أن ينطلق بذلك لساني، أو تجري به يدي، لأنّ مثله لا يجري
стр. 2733
إلّا عن ذي عطن ضيّق، إلى ذي باع في المحامد قصير، ولا هذه صورتك، ولا صورتي.
وإذا كانت [٩٤] الأنفس واحدة، والأموال مشتركة، فأي فائدة لي في أن أتناولك ببعض مالك، أو أردّ إليك ما هو لك.
فإن تكن الصورة كما يخيّل لي، فأنت أيّدك الله، المليم دوني، وإن كنت- بحمد الله ومنّه- من كلّ ما يقع عليه اللوم بعيدا.
وإن تكن الأخرى، وهبت زلّتي لمعذرتي، فإني بشر غير معصوم، والخطأ والنسيان جاريان عليّ «١» .
стр. 2734
١٠٦ للوزير المهلبي في كلّة قصب حرّكتها الريح
أنشدني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان الكاتب الشيرازي «١» ، قال:
أنشدنا أبو محمد المهلبي «٢» في وزارته، وعمله بين أيدينا، وقد نصبت له في داره بالأهواز كلّة قصب «٣» ، وحرّكتها الريح.
فاستحسن ذلك، وقال:
رأيت مرّ الهوا [عليها] ... ............... .... «٤»
فشمت منها اختلاس لحظ ... وخلت فيها وجيب قلب
стр. 2735
١٠٧ زوّر مناما فجاء مطابقا للحقيقة
وحدّثني أبو الفضل «١» ، قال: حدّثني رجل من شيوخ المتصرّفين ببلدنا، يقال له: عبّاد بن الحريش، قال:
لما كتب عليّ بن المرزبان، عمّ أبيك «٢» ، لعمرو بن الليث «٣» ، ورقت حاله عنده، حتى قلّده عمالة شيراز «٤» ، صادر المتصرّفين على أموال ألزمهم إيّاها، وكنت ممّن أخذ خطّه عن العمل الذي كان يليه بثمانين ألف درهم.
قال: فأديت منها أربعين ألف درهم، ونفدت حيلتي وحالي، ولم يبق لي في الدنيا إلّا داري التي أسكنها، ولا قدر لثمنها، فيما بقي عليّ، فلم أدر ما أعمل.
وفكّرت فوجدت عليّ بن المرزبان، رجلا سليم الصدر، فعملت رؤيا، وأجمعت رأيي على أن ألقاه بها، وأجعلها سببا لشكوى حالي، والتوصّل إلى الخلاص.
قال: فجلست، وعملت الرؤيا، وحفظتها، واحتلت خمسين درهما، وبكّرت من الغد، قبل طلوع الفجر، فدققت بابه.
стр. 2736
[فصاح بي خادم] كان له يجري مجرى حاجب، من خلف الباب:
من أنت؟
قلت: عبّاد بن الحريش.
قال: في هذا الوقت؟
قلت: نعم.
ففتح لي، فدخلت، وشكوت حالي، وقلت: هذه خمسون درهما، لا أملك غيرها، فخذها، وأدخلني إليه قبل تكاثر الناس عليه، فإن فرّج الله عنّي، فعلت بك وصنعت.
قال: فدخل، واستأذن لي، وتلطّف حتى أدخلني إليه، وهو يستاك.
فقال: ما جاء بك في هذا الوقت؟
فدعوت له [٩٥] ، وقلت: بشارة رأيتها في النوم البارحة.
فقال: وما هي؟
فقلت: رأيتك كأنك تجيء إلى شيراز، من حضرة الأمير، وتحتك فرس أشهب عظيم، لم يرقط أحسن منه، وعليك السواد «١» ، وقلنسوة الأمير على رأسك، وفي يدك خاتمه، وحواليك مائة ألف إنسان من فارس وراجل، وقد تلقّاك أمير البلد، فترجّل لك، وأنت تجتاز، وطريقك كلّه أخضر منوّر مزهر، والناس يقولون: إنّ الأمير قد استخلفه على جميع أمره.
قال: وقصصت الرؤيا، وهذا معناها.
فقال: خيرا رأيت، وخيرا يكون إن شاء الله، فما تريد؟
قال: فشكوت حالي، وذكرت أمري.
стр. 2737
فقال: أنظر لك بعشرين ألف درهم، وتؤدّي عشرين ألف درهم.
قال: فحلفت بالطلاق، أنّه لم يبق لي إلّا مسكني، وبكيت، وقبّلت يده، واضطربت بحضرته، فرحمني، وكتب لي إلى الديوان، بإسقاط ذلك عنّي، وانصرفت.
ولم تمض، إلّا شهور، حتى كتب عمرو بن الليث، إلى عليّ بن المرزبان، يستدعيه، ويأمره بحمل ما اجتمع له من الأموال، وكان قد جمع له، ما لم يسمع قط باجتماع مثله في وقت واحد، من أموال فارس، فإنّه جمع له ستين ألف ألف درهم.
قال: فحملها إلى سابور «١» ، وخرج، وتلقّاه عمرو بن الليث، بجميع قوّاده، وأهل عسكره.
وهاله عظم ذلك المال، فاستخلفه على فارس، وأعمالها، حربا وخراجا، وفوّض إليه الأمور كلّها، وأذن إليه في الحلّ والعقد بغير استئمار، وخلع عليه سوادا له، وحمله على فرس أشهب عظيم الخلقة، كان يعظمه عمرو، ويكثر ركوبه، ودفع إليه خاتمه، وردّه إلى فارس.
قال: فوافاها في زمن الربيع، ولم يحل الحول على قصّتي معه.
فخرج أمير البلد- وقد صار من قبله- ليستقبله، وخرج الناس، فتلقّوه على ثلاثين فرسخا، وأكثر، وخرجت فتلقيته على العطفة التي في طريق خراسان، وبينها وبين البلد، نصف فرسخ.
قال: فوافى وهو على الصفة التي ذكرتها له في المنام الموضوع، والدنيا على الحقيقة خضراء بآثار الربيع وزهره، وحوله أكثر من مائة ألف إنسان [٩٦] ، وعليه قلنسوة عمرو بن الليث، وفي يده خاتمه، وعليه السواد،
стр. 2738
وتحته الفرس الأشهب، وقد تلقّاه أمير البلد، فترجّل له.
قال: فحين رأيته، ترجّلت، ودعوت له، فلما رآني تبسّم، وأخذ بيدي، وأحفى السؤال بي «١» ، ثم تفرّق الجيش بين يديه، فلحقته إلى البلد، فلم أستطع القرب منه، لازدحام الدواب، فانصرفت وباكرته من غد، في مثل ذلك الوقت، الذي كنت جئته ليلة الرؤيا.
فقال لي الحاجب: من أنت؟
فقلت: عبّاد.
فقال: ادخل، واستأذن.
فدخلت وهو يستاك، فضحك إليّ، وقال: قد صحّت رؤياك يا عبّاد.
فقلت: الحمد لله.
فقال: لا تبرح من الدار، حتى أنظر في أمرك.
قال: وكان بأهله بارا، ورسمه إذا ولي عملا، أن لا ينظر في شيء من أمر نفسه، حتى ينظر في أمر أهله، فيصّرف من يصلح منهم للتصرّف، أو يبّره، وإذا فرغ منهم، عدل إلى الأخص، فالأخصّ، من حاشيته، فإذا فرغ من ذلك، نظر في أمر نفسه.
قال: فجلست في الدار إلى قرب العصر، وهو ينظر في أمر أهله، والتوقيعات تخرج، بالصلات، والأرزاق، وكتب التقليدات، إلى أن صاح الحاجب: عبّاد بن الحريش، فقمت إليه.
فقال: إنّي ما نظرت في أمر أحد، غير أمر أهلي، فلما فرغت منهم، بدأت بك قبل الناس كلّهم، فاحتكم، ما تريد؟
فقلت: ترد عليّ المال الذي أدّيته، وتقلّدني العمل الذي صرفتني عنه.
стр. 2739
قال: فوقّع لي بردّ المال، وتقليد العمل، وقال: امض، فقد أوغرت لك العمل «١» ، فخذ ارتفاعه كلّه.
قال: وكان يستدعيني في كل مديدة، ويحاسبني، ولا يأخذ منّي شيئا، وإنّما يكتب لي روزات «٢» من مال العمل، ويصلح حسبانات، ويقبلها، ويخلّدها الديوان، وأرجع إلى العمل.
وكنت كذلك إلى أن زالت أيّامه، فرجعت إلى شيراز، وقد اجتمع لي مال عظيم، صودرت منه على شيء يسير، وجلست في بيتي [٩٧] ، وعقدت نعمة بالمال، ولم أطلب تصرّفا إلى الآن.
стр. 2740
١٠٨ من مكارم البرامكة
حدّثني أبو الفضل «١» ، قال: حدّثني أبو الحسن، ثابت بن سنان الحرّاني الطبيب «٢» :
أنّه رأى رقعة يتواردونها، بخطّ جبريل بن بختيشوع المتطبّب «٣» ، فيها ثبت ما وصل إليه، من يحيى بن خالد البرمكي «٤» ، وبنيه «٥» ، وجواريه، وأولاده، من ضيعة، وعقار، ومال، وغير ذلك، يحتوي على سبعين ألف ألف درهم، وتفصيل ذلك، شيئا شيئا، وأنّهم يحفظونها للعجب والاعتبار.
قال: فاستهولت ذلك، وانصرفت، فحدّثت بذلك، بعض الرؤساء ببغداد، وكان بحضرته أبو الحسن علي بن هارون المنجم «٦» ، فقال: وأيّ شيء تتعجّب من هذا؟
стр. 2741
حدّثني أبي «١» ، عن أبيه «٢» ، قال: كنت بحضرة المتوكل «٣» ، في يوم مهرجان «٤» ، أو نيروز «٥» ، وهو جالس، والهدايا تحمل إليه، من كل شيء عظيم، ظريف مليح، إلى أن ضربت دبادب «٦» الظهر، وهمّ بالقيام، فدخل بختيشوع الطبيب «٧» ، وهو ابن جبريل بن بختيشوع الأكبر، فحين رآه المتوكل استدناه جيّدا، حتى صار مع سريره، وأخذ يمازحه، ويلاعبه، ويقول:
أين هديّة اليوم؟
فقال له بختيشوع: يا أمير المؤمنين، أنا رجل نصراني، لا أعرف هذا اليوم، فأهدي فيه.
فقال: دع هذا عنك، ما تأخّرت إلى الآن، إلّا أنّك أردت أن تكون هديّتك خير الهدايا، فيرى فضلها على الهدايا.
стр. 2742
فقال: ما فكّرت في هذا، ولا حملت شيئا.
فقال له: بحياتي عليك.
فضرب بيده إلى كمّه، فأخرج منه، مثل الدواة، معمولا من عود هندي، لم ير قط مثله، كالأبنوس «١» سوادا، وعليه حلية ذهب محرّق «٢» ، لم ير قط أحسن منها عملا، ولا من الدواة.
قال: فقدّر المتوكل، أنّ الهدية هي الدواة، فاستحسنها.
فقال: لا تعجل يا مولاي، حتى ترى ما فيها.
ففتحها، وأخرج من داخلها، ملعقة كبيرة محرّقة، من ياقوت أحمر.
قال: فخطفت أبصارنا، ودهشنا، وتحيّرنا.
فبهت المتوكل، وأبلس «٣» ، وسكت ساعة متعجبا، مفكّرا، ثم قال:
يا بختيشوع، والله، ما رأيت لنفسي، ولا في خزانتي، ولا في خزائن آبائي، ولا سمعت، ولا بلغني أنّه كان للملوك من بني أميّة، ولا لملوك العجم مثلها، فمن أين لك هذه؟ [٩٨] .
فقال: الناس لا يطالبون بمثل هذا، وقد أهديت إليك، ما قد اعترفت بأنّك لم تر، ولم تسمع، بمثله حسنا، فليس لك مسألتي عن غيره.
قال: بحياتي أخبرني.
فامتنع، إلى أن كرّر عليه إحلافه بحياته، دفعات، وهو يمتنع.
فقال: ويحك، أحلّفك بحياتي، دفعات، أن تحدّثني حديثا، فتمتنع، وقد بذلت لي ما هو أجلّ من كلّ شيء.
قال: فقال له: نعم يا مولاي، كنت حدثا، أصحب أبي جبريل
стр. 2743
ابن بختيشوع إلى دور البرامكة، وهو إذ ذاك طبيبهم، لا يعرفون خدمة طبيب غيره، ولا يثقون برأي غيره، ويدخل إلى حرمهم، ولا يستتر أكثرهم عنه.
قال: فصحبته يوما، وقد دخل إلى يحيى بن خالد، فلما خرج من عنده، عدل به الخادم، إلى حجرة دنانير «١» جاريته، فدخلت معه، وأفضينا إلى ستارة منصوبة، في صدر مجلس عظيم، وخلفها الجارية، فشكت إليه شيئا وجدته، فأشار عليها بالفصد»
، وكان لا يفصد بيده، وإنّما يحمل معه من يفصد من تلامذته، ورسم الفصد عليهم خمسمائة دينار.
قال: فندبني ذلك اليوم للفصد، وأخرجت يدها من وراء الستارة، ففصدتها، وحملت إليّ في الحال خمسمائة دينار عينا، وأخذتها، وجلس أبي إلى أن يحمل إليها شراب تشربه بحضرته، ورمّان أشار عليها باستعماله.
قال: فحمل ذلك في صينية عظيمة مغطّاة، وتناولت منه ما أرادت، وخرج الظرف مكشوفا، فرآه أبي، فقال للخادم: قدّمه إليّ، فقدّمه إليه، فكان في جملته جامة فيها رمّان، وفيها هذه الملعقة، فحين رآها أبي قال:
والله ما رأيت مثل هذه الملعقة، ولا الجامة.
قال: فقالت له دنانير: بحياتي عليك، يا جبريل، خذها.
قال: ففعل، وقام ينصرف.
стр. 2744
فقالت له: تمضي، ففي أيّ شيء تدع هذه الملعقة؟
قال: لا أدري.
قالت: أهدي إليك غلافها.
فقال: إن تفضّلت.
فقالت: هاتم «١» تلك الدواة.
فجاءوا بهذه الدواة، فوضع أبي فيها الملعقة، وحملها، والجامة في كمه، وانصرفنا.
فقال له المتوكل: جامة تكون هذه ملعقتها، يجب أن تكون عظيمة القدر، فبحياتي، ما كان من أمر الجامة؟
فاضطرب [٩٩] ، وامتنع امتناعا عظيما، إلى أن أحلفه مرارا بحياته.
فقال: أعلم، إذا قلت أيّ شيء كانت، طالبتني بها، فدعني أمضي، وأجيء بها، وأتخلّص منك دفعة واحدة.
فقال: افعل.
قال: ومضى، فلم يهن المتوكل الجلوس، ولم يأخذه القرار، حتى جاء بختيشوع، وأخرج من كمّه جامة، على قدر الزبديّة «٢» ، أو الجامة اللطيفة، من ياقوت أصفر، فوضعها بين يديه.
стр. 2745
١٠٩ يوسف بن وجيه صاحب عمان
وحدّثني أبو الفضل «١» ، قال:
كنت مقيما بسيراف «٢» ، أتصرّف، واجتاز بها يوسف بن وجيه «٣» ، يريد البصرة، ومحاربة البريدي «٤» ، وضامنها «٥» - إذ ذاك- ابن مكتوم الشيرازي، وهو مدبّرها حربا وخراجا «٦» من قبل الأمير عليّ بن بويه «٧» ، فتلقّاه، وخدمه خدمة ارتضاها، ونزل بظاهر البلد، فحمل إليه ابن مكتوم، كلّ شيء من الألطاف والهدايا.
قال: فقال له يوما: والله، ما وردت هذا البلد، إلّا وفي نفسي الاجتراء عليه، وتخليف جيش به، ثم الخروج إلى البصرة، ولقد كاتبني جميع وجوه البلد في ذلك، وأشاروا عليّ بهذا، ولكني قد استحيت منك أن أفعل، فإنّك بدأتني بالخدمة، وأنا في أطراف عملي، وليس بكثير أن أهب لك هذا البلد.
قال: وقد كان بلغنا أنّ أهل البلد كاتبوه بذلك، ولم نتحقّق هذا، ولمّا قرب، أشار أهل البلد، على ابن مكتوم، بالانصراف، وأن لا يحضر،
стр. 2746
وخوّفوه أن يقبض عليه، وأرادوا بذلك أن يتمّ التدبير لهم، في تملّك يوسف ابن وجيه البلد.
فلم يجسر ابن مكتوم على ذلك، وقال: لأن يقبض عليّ، وليس لي إليه ذنب يقتلني به، أحبّ إليّ من أن أصيّر لنفسي ذنبا عند عليّ بن بويه، فيقتلني به، فإنّه يظن أنّي واطأت على خروج البلد من يده لأكسر مال الضمان، ويقول لي: كان يجب الصبر، إلى أن يدخل، فيقبض عليك، أو تجيئني بعد واقعة يخدش فيها رجل، ولم يبرح، وأخلد إلى خدمته [الخدمة] العظيمة، فنفعه ذلك، وتخلّص.
قال: فلما كشف له يوسف، ما كان في نفسه، دعا له، وشكره، وتذلّل.
فقال له يوسف: وقد كنت عملت أن لا أشرب، إلى أن أفتح هذا البلد الذي أقصده، ولكن قد اشتقت إلى الشرب، شهوة لأن أشرب [١٠٠] معك، لما رأيته من ظرفك وفتوّتك، فتعود العشيّة إلى الشرب، ومعك من تأنس به من أصحابك.
قال: فانصرف، واختار جماعة من وجوه البلد، ووجوه المتصرّفين «١» ، كنت واحدا منهم.
وجاءنا رسول يوسف بعد الظهر، فركب، ونحن معه، حتى أوصلنا إلى حضرته، فأجلسنا في فازة بهنسي «٢» لم أر قبلها مثلها حسنا، في صدرها سدّة «٣» أبنوس مضبّبة بالذهب، ومساميرها ذهب، وعليها دست ديباج
стр. 2747
فاخر جدا، وبين يديها بساط جهرمي «١» فوقه حصير واسع، كبير، عظيم، طبرانيّ «٢» ، ومخاد، وصدر منه «٣» .
وخرج يوسف، فجلس، وجلسنا معه، وأحضرت مائدة فضّة بزرافين «٤» ، تسع عشرين نفسا، فجلسنا عليها، ونقل علينا من الطعام، ما لم أر مثله حسنا، في أواني كلها صينيّ.
قال: وتأملت، فإذا خلف كلّ واحد منّا، غلام صغير، مليح، قائم بشرابي ذهب، وكوز بلّور فيه ماء، فأكلنا.
فلما تمّ أكلنا، نهض يوسف، فخرج من وراء الفازة، إلى موضع، وجاءنا فرّاشون بعددنا، بطساس وأباريق فضّة، ومجامع فضة، فغسلنا أيدينا دفعة واحدة.
ومضى أولئك الغلمان الأصاغر، وجاء غيرهم بعددنا، ومعهم المرايا المحلّاة الثقيلة، والمضارب البلّور، والمداخن «٥» المحلّاة الحسنة، فتبخّرنا دفعة [واحدة] .
وتركنا ساعة في موضعنا، ثم استدعينا، فأدخلنا إلى فازة ألطف من تلك، ديباج، وفيها [سدة] صندل محلّاة بفضّة، فيها دست ديباج، وحصر
стр. 2748
طبرية، مثل تلك الحصر، وفيها نحو ثلاثين مطاولة «١» ، مسبكة، ذهب كلّها، عليها تماثيل العنبر، على هيأة الأترج والبطّيخ، والدستنبو «٢» ، وغير ذلك.
قال: فدهشنا، وتحيّرنا، وإذا في أربع جوانب تلك المطاولات، أربع أجاجين «٣» بيض، كبار، عظام، كل واحدة كالقدس «٤» الكبير، والجميع مملوءة ماء ورد، وفيه أمر عظيم من تماثيل الكافور، وغلمان قيام بعددنا، يروّحون، وغلمان أخر بعددنا، بأيديهم مناديل الشراب، وبين يدي كلّ واحد، صينيّة ذهب، ومغسل، ومركن «٥» ذهب [١٠١] ، وخرداذي «٦» بلّور، وقدح بلّور، وكوز بلور، والجميع فارغ.
قال: فأمر يوسف، بإخراج الأنبذة، في مدافات «٧» بلّور، تسمى بالفارسية: جاشنكير، فأخرجت عدّة أنبذة من العنب، ممّا يعمل في جبل عمان، لم نظن أنّه يكون في تلك [النواحي] بحسنها وطيبها.
فاختار ابن مكتوم، نبيذا منها، فملئت الظروف منه، وقام على رأس كل واحد منّا، غلام يسقيه، ويتفقّد نقله «٨» ، ويتفرّد بخدمته، إلى أن شربنا أقداحا.
ثم أجرى يوسف، حديث عليّ بن بويه، فقال لابن مكتوم، وقد خرج من حديث إلى حديث: أحبّ أن تخبرني عن أخي أبي الحسن عليّ بن بويه،
стр. 2749
أيّ شيء اعتقد في إمارته هذه؟
قال: إنّ له ألفي غلام أتراك، وأربعة آلاف بغل، وألفي جمل.
قال: وأخذ يكثر عليه من هذا.
فقال له: ويحك، هؤلاء عيال، وسبب خرج، لم أسأل عن هذا، إنّما سألت أيّ شيء أدّخر، ممّا يتنافس فيه الملوك.
قال: فقال له: وصل من الكنوز العتيقة، والأموال التي استخرجيها إلى تسعين ألف ألف درهم.
قال: فقال: ولا هذا أردت، إنّما أردت الذخائر والجواهر، وما يخفّ، وما يحمله الملوك معهم، محملا لطيفا، إذا حزبهم أمر.
قال: فقال ابن مكتوم: لا أعلم، إلّا أنّي سمعت، أنّ الجبل الذي كان للمقتدر، قد وصل إليه.
فقال: وما الجبل؟
قال: فصّ ياقوت أحمر، فيه خمسة مثاقيل، إلّا أنّي ابتعت له جوهرتين، بمائة وعشرين ألف درهم.
فقال: قد أنست بك، واقتضى أن أريك، ما صحبني في هذه السفرة، من هذا الجنس، إن نشطت لذلك.
قال: فشكره، ودعا له، وقال: إي والله، أنشط لذلك، وأتشرّف به.
قال: فدعا بغلام، وقال: امض، فهات الربعة «١» الفلانية.
قال: فجاءه بربعة كبيرة.
قال: وكانت بين يديه خرائط «٢» خراسانية، مطروحة في المجلس،
стр. 2750
فاستخرج من واحدة منهنّ، مفتاح ذهب، وتأمّل أوّلا، ختم الربعة، ثم فتحها بالمفتاح، وأخرج إلينا قضيبا عليه خواتيم، نحو خمسمائة خاتم، يواقيت، وفيروزج، وعقيق، لم نر مثله، فأرانا إيّاه، وقال: [١٠٢] ليس هذا بشيء، فدعوه.
قال: فتركناه، ثم أخرج إلينا عقدا، فيه ثلاث وتسعون حبّة جوهر، كل واحدة منها، على قدر بيض الحيّة والعصفور، فدهشنا من عظمها.
فقال: إنّ هذا العقد، في خزانة خالي أحمد بن هلال «١» وخزانتي من بعده، منذ كذا وكذا سنة، والجوهر إلينا يصل أوّلا، ثم يتفرّق من عندنا إلى البلاد، ونحن مجتهدون، في أن نجد سبع حبّات تشابه هذا، فيحصل في العقد مائة حبّة، فما نقدر على ذلك، منذ كذا وكذا سنة.
قال: ثم أخرج إلينا فصّا من الماس، فلبسه في الحال، وأدناه من فصّ عقيق كان في يد ابن مكتوم، فجذبه كما يجذب المغناطيس الحديد، حتى تكسّر فصّ ابن مكتوم.
قال: ثم استخرج منديلا لطيفا، فحلّه، وأخرج قطنا، ففرّقه بيده، واستخرج منه شيئا خطف أبصارنا، وأضاء المجلس له، حتى دهشنا، وسلّمه إلى ابن مكتوم، وقال: تأمّله.
قال: فتأمّلناه، فإذا هو ياقوت أحمر، على كبر الكفّ، وقدّها من الطول والعرض.
قال: فدهشنا.
فقال يوسف بن وجيه: أين هذا، يا ابن مكتوم، من الذي وصفته؟
قال: فانكسر ابن مكتوم.
стр. 2751
وما زلنا نقلّب تلك الكفّ، ونشرب عليها ساعة.
قال: ثم أخرج إلينا من الربعة، حشائش، ذكر أنّها سموم قاتلة في الحال، وحشائش، ذكر أنّها تبرىء من تلك السموم في الحال.
قال: وأخرج أشياء، هائلة، طريفة، لم يعلق بحفظي منها، إلّا ما ذكرته، لدهشتي بما رأيت.
قال: فلما جاء المساء، جاءنا بشموع عنبر، فوضعت تتّقد.
قال: وشربنا إلى نصف الليل، وانصرفنا.
وشخص يوسف إلى البصرة، وحاربه البريديّ، فهزمه، وأفلت في مركب، وأحرقت باقي مراكبه «١» ، فلم يحب الاجتياز بسيراف، فتوّه في البحر، وسلك وسطه، يريد عمان.
قال: وبلغنا الخبر، وأنفذ ابن مكتوم، صاحبا له، إلى عمان، يتوجّع له، ويتعرّف خبره، وكاتبه على يده.
قال: فدخل صاحبنا إلى عمان، قبله بأيّام، ثم وردها يوسف، فلما وقف على الكتب تذكّر عهد ابن مكتوم، وذكره بالجميل، ووهب لصاحبه خمسة آلاف درهم، وأنفذ إلى ابن مكتوم هديّة قيمتها مائة ألف درهم [١٠٣] تجتمع على طرائف البحار، وأنفذ إلى كل واحد من الجماعة الذين كانوا حضورا دعوته مع ابن مكتوم، عدّة أثواب من صنوف الثياب، وأفخرها، وأحسنها، وكنت ممّن وصل إليه ذلك.
стр. 2752
١١٠ وصيف كامه يحسن إلى أهل قم
حدّثني أبو الفضل «١» ، قال: حدّثنا شيخ كان لنا بفارس، من أهل قم «٢» ، قال:
ورد إلينا وصيف كامه»
، أميرا على بلدنا، فتلقّيناه، فرأينا من فضله، وعقله، وجلالة قدره، كلّ عظيم.
قال: فأقبل علينا بخطاب جميل، ووعدنا، ومنّانا، وعرّفنا رأي السلطان في العدل والإحسان، ثم أقبل يسأل عن أمور بلدنا، مسألة عالم به، ويسأل عن شيوخه، إلى أن انتهى في السؤال، إلى رجل، لم يكن جليلا، ولا مشهورا، ولا عرفه منّا إلّا واحد كان في المجلس.
قال: فأقبل يعظّم من أمره، ويسأل عن معيشته، وأولاده.
قال: فاسترقعناه.
قال: ثم قال لنا: أحضروني إياه إحضارا جميلا، فإني أكره أن أنفذ إليه من يستدعيه، فأروّعه.
قال: فأحضرناه، فحين وقعت عينه عليه، قام إليه قياما تاما، وأجلسه في الدست معه.
قال: فسقط من أعيننا، وقلنا جاهل لا محالة.
стр. 2753
قال: ثم أقبل عليه، يسأله، عن زوجته، وبناته، وبنيه، والشيخ يجيب جواب ضجر، باهت، معظّم لما عمله.
فقال له: أحسبك قد نسيتني؟ وأنكرت معرفتي.
فقال: كيف أنكر الأمير- أيّده الله- مع عظمه وجلالته؟
فقال له: دع هذا، أتعرفني جيدا؟
قال: لا.
قال: أنا مملوكك وصيف.
ثم أقبل علينا فقال: يا مشايخ قم، أنا رجل من الديلم، كنت سبيت في وقت كذا وكذا، في الغزاة التي غزاهم فيها فلان الأمير، وكان سنّي إذ ذاك عشر سنين أو نحوها.
فحملت إلى قزوين، فاتّفق أنّ هذا الشيخ كان بها، فاشتراني، وحملني إلى قم، وأسلمني مع ابنه في الكتّاب، وأجراني مجراه، في حسن التربية، وفعل بي وصنع، وجعل يعدّد له ما يذكره، وأنّه أحسن ملكته، حتى إنّه ما تأذى منه قط، ولا ضربوه، ولا شتموه، وإنّهم كانوا يكسونه، كما يكسون ابنهم، ويطعمونه كما يطعمونه.
ولم أزل معهم في أحسن عشرة، إلى أن بلغت، وكانوا يهبون لي الدراهم لشهواتي [١٠٤] ، ويعطوني أكثر ممّا أحتاج إليه.
وكنت- مذ كنت صبيا- كلما وقع بيدي شيء، جمعته عند بقّائى في المحلّة، يعرف بفلان.
قال: ثم سأل عنه، فقيل: هو باق.
فلما بلغت واشتددت، طلبت السلاح، وعملت به، ومولاي- مع هذا- يشتري لي كل ما أريده، ويمكنني «١» من شهواتي، ويحسن إليّ،
стр. 2754
ولا يعترض في شيء أريده عليّ.
قال: واتفق، أنّ بعض الجند رآني، فقال: هل لك في أن تخرج معي إلى خراسان، فأركبك الدوابّ، وأفعل بك، وأصنع.
فقلت: أصحبك، على شرط أن لا أكون مملوكك، ولا تتملّكني، ولكن أشتري لنفسي دابّة، وسلاحا، وأتبعك غلاما لك، مالكا لنفسي، فمتى رأيت منك ما أكره، فارقتك، ولم يكن لك الاعتراض عليّ.
فقال: افعل.
قال: فجئت إلى البقّال، فحاسبته، وكان قد اجتمع لي عنده شيء كثير، فأخذته، واشتريت منه دابّة وسلاحا، وأخذت إليك «١» ، ومعي دراهم، وصحبت الجندي، وأبقت من مولاي هذا.
ومضيت إلى خراسان بأسرها، وتقلّبت بي الأمور، وترقّت حالي مع الأيّام، حتى بلغت هذا المبلغ، وأنا في رقّ هذا الشيخ، وأنا أسألكم الآن، مسألته أن يبيعني نفسي.
قال: فأكبر الرجل ذلك، وقال: أنا عبد الأمير، والأمير حرّ لوجه الله، وأتجمّل بولائه، وأفتخر أنا وعقبي بذلك.
قال: فقال: يا غلام، هات ثلاث بدر «٢» .
وأحضرت، وصبّ المال، وسلّمه إلى الشيخ، ثم استدعى له من الثياب، والدواب، والبغال، والطيب، والآلات، ما تزيد قيمته على قدر المال.
ثم استدعى ابنه، فأحضر، وأكرمه، وتطاول له «٣» ، ووهب له عشرة آلاف درهم، وثيابا كثيرة، ودواب، وبغالا.
стр. 2755
واستدعى البقال، ووهب له خمسمائة دينار، وثيابا كثيرة.
قال: ثم أنفذ هدايا، إلى بنات الشيخ، وزوجته، وعيال البقّال.
قال: ثم قال للشيخ: يا فلان، انبسط في هذا السلطان الذي قد رزقك الله [إياه] ، انبساط من يعلم أنّ الأمير مولاه، واعلم بأنّك لا تحلّ شيئا فأعقده، ولا تعقد شيئا فأحلّه.
قال: ثم التفت إلينا، وقال: يا مشايخ قم، أنتم سادتي، وشيوخي، وما على الأرض، أهل بلد، أحبّ إليّ منكم، ولا أوجب حقا [١٠٥] منكم، فانبسطوا في حوائجكم، انبساط الشريك الذي لا فرق بيني وبينه، إلّا فيما حظرته الديانة، وليس بيني وبينكم فرق، إلّا في ثلاث: طاعة السلطان، وصيانة الحرم، ومخالفتكم في الرفض، فإنّي قد طوّفت الآفاق، وسلكت الجبال والبحار، وبلغت أقاصي المشرق والمغرب، فما رأيت على دينكم أحدا غيركم، ومحال أن يجتمع الناس كلهم على ضلالة، وتكونوا أنتم من بين أهل الآفاق على حقّ.
قال: ثم سأل كل واحد منّا، عن حوائجه، ونظر إليه فيها بطرف، ونظر للشيخ بضعف ما نظر به لأجلنا.
قال: فخرجنا من عنده، وقد نبل في عيوننا نبلا شديدا، وانقلبت المواكب إلى باب الشيخ، فأقبل الناس إليه في الحوائج، وإلى ابنه، فصارا رئيسي البلد، ولم يكن وصيف يردّ هما في شيء يسألانه من قليل ولا كثير، إلى أن خرج عن قم «١» .
стр. 2756
١١١ وصيف كامه يعين عاملا على فارس
قال: وحدّثني أبو الهذيل، أنّ وصيفا لما ولي فارس، أقام بشيراز، وكان يتواضع للناس، تواضعا شديدا، ويحسن السيرة، ويتحبّب إلى العامّة جدّا، حتى كان يعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم.
قالوا: وما رأينا أميرا أعقل منه، ولقد رأيته يوما، قد حضر جنازة رجل من السوق، راكبا دابّة، وعليه درّاعة «١» بيضاء وعمامة، وليس بين يديه، إلّا ثلاثة من الشاكريّة «٢» ، فوقف في جملة الناس، يصلّي على الرجل.
قال: وكان عندنا حائك، يعرف بفلان، يظهر الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قال: فرأيته، وقصد أن جاء فوقف إلى جنبه [في] الصلاة، وزاحمه، حتى وضع مرفقه في صدر وصيف، وزحمه به.
فجاء بعض من كان معه، ينكر ذلك، وينحّي الرجل، فنظر إليه نظرا شزرا، جزع معه الغلام، وتنحّى، وتركه والحائك.
قال: فرأيته، وقد تجمّع في مكانه، ووسّع للحائك، حتى أتمّوا الصلاة.
стр. 2757
١١٢ الوزير يتيم في حجر كل كاف
بلغني من جهة وثقت بها، عن أبي إسحاق إبراهيم بن السريّ الزجّاج «١» ، قال:
حضرت مجلس أبي القاسم عبيد الله بن سليمان «٢» ، وأبو زنبور الكاتب «٣» ، يعذله في إفضائه إلى أبي العبّاس بن الفرات «٤» ، وتفويضه الأمور إليه، ويخاطبه بكلّ عظيم في ذلك.
إلى أن قال له: الناس يقولون، أيها الوزير: إنّك يتيم في حجر ابن الفرات.
فقال عبيد الله: أنا يتيم، في حجر كلّ كاف.
стр. 2758
١١٣ أبو أحمد الشيرازي والصفراء
حدّثني «١» بعض إخواني الثقات عندي [١٠٦] ، قال: حدّثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب «٢» ، قال:
لما صحبت أبا عليّ بن مقلة «٣» إلى بغداد، واستكتبني، كان يتعمّد نفعي بكلّ شيء، ويوصل إليّ أموالا جليلة، فلم أكن أحفظها، وكانت كلها تخرج عن يدي، في القيان، والشراب، وأتلفها.
قال: فهويت جارية من القيان صفراء، واشتهر أمري معها، وأتلفت كلّ كسبي عليها، حتى بلغ أبا عليّ، وكان يعذلني، ويوبخني، ويمنعني من مفارقة حضرته، وأن أخلّ بها.
قال: فأفلتّ يوما من حضرته، ومضيت إلى بيتي، وقد حصّلها غلامي، وأعدّ لي مجلسا بالفاكهة الكثيرة، والتحايا الظراف، والشراب الفاخر.
قال: فشربت ليلتي معها، وخفت أن أخلّ بالوزير، فحملتني الشهوة للجلوس مع المغنّية، على أن كتبت إلى الوزير رقعة، أعتذر فيها من التأخر، وأقول: إنّ الصّفراء تحركت عليّ، واضطراب جسمي، فلم أقدر على المجيء، وأباكر الخدمة في غد، وأسأل قبول عذري.
قال: فعاد إليّ الجواب، بخط أبي عليّ بن مقلة، في أضعاف السطور،
стр. 2759
بأجلّ خطاب، وألطف مداعبة.
وقال فيه: يا هذا، ظلمت الصفراء، أنت تحركت على الصفراء، ليس هي تحركت عليك، وقد علمت مغزاك في التأخّر، وبحسب ذلك أجبتك، وقد بعثت إليك منديلا مختوما فاستعن بما فيه.
قال: ففتحت المنديل، وإذا فيه، رطل ندّ «١» ، وشيء كثير من الكافور «٢» ، والمسك «٣» ، ومائتا دينار عينا «٤» .
وأنشدني أبو الحسن عليّ بن هارون بن المنجم، لنفسه في معنى الصفراء، بيتين ما سمعت أظرف [منهما] في معناهما، وهما يقاربان قول ابن مقلة، وهما:
قال الطبيب وقد تأمل سحنتي ... هذا الفتى أودت به الصفراء
فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... قولا ومعنى ما أراد خطاء
стр. 2760
١١٤ لا يمكن التجلد على عذاب الله
حدّثني بعض البغداديين، قال:
ضرب عندنا رجل من أهل العصبيّة، خمسمائة سوط «١» ، في وقت واحد، فلم يتأوّه، ولم ينطق.
فلما كان بعد أيّام، حمّ حمّى صعبة، وضرب عليه معها رأسه «٢» ، فأقبل يصيح، كما يصيح البعير، ويقول: العفو، العفو، يكرّرها.
فلما كان من غد، اجتمع إليه قوم من أهل الحبس، فقالوا: فضحتنا، أنت تضرب بالأمس خمسمائة سوط، فلا تصيح، تحمّ ساعة من ليلة، فتصيح؟
فقال: عذاب الله ، أشدّ العذاب، وما كنت لأتجلّد عليه.
стр. 2761
١١٥ الغلط الذي لا يتلافى
قال: وأتي [١٠٧] بعض الولاة، برجلين، أحدهما قد ثبت عليه الزندقة «١» ، والآخر قد وجب عليه الحدّ «٢» .
فسلّم الوالي الرجلين، إلى بعض أصحابه، وقال: اضرب عنق هذا،- وأومأ إلى الزنديق- واجلد هذا، كذا وكذا.
قال: فتسلّمهما وخرج.
فوقف المحدود، وقال: أيها الأمير، سلّمني إلى غيره، فإنّ هذا الأمر، لا آمن فيه الغلط، [والغلط] فيه لا يتلافى.
قال: فضحك منه الأمير، واستطابه، وأمر بإطلاقه، فأطلق، وضربت عنق الزنديق.
стр. 2762
١١٦ المهدي والمتهم بالزندقة
قال: وأتي المهدي بن المنصور، برجل قد رمي بالزندقة، فسأله عن ذلك.
فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا ﷺ ، رسوله، وأنّ الإسلام ديني، عليه أحيا، وعليه أموت، وعليه أبعث.
فقال له المهدي: يا عدوّ الله، إنّما تقول هذا مدافعة عن نفسك، هاتم السياط، فأحضرت، وأمر بضربه، فضرب، وهو يقرّره.
فلما أوجعه الضرب، قال له: يا أمير المؤمنين، اتّق الله، فقد حكمت عليّ، بخلاف حكم الله تعالى، وخلاف حكم رسوله ﷺ .
فإنّ الله بعث محمدا ﷺ ، يقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا الله، فإذا قالوها، عصموا دماءهم، وأموالهم، إلّا بحقهما، وحسابهم على الله، وأنت قد جلست تطالبني، وتضربني، حتى أكفر، فتقتلني.
قال: فخجل المهدي، وعلم أنّه قد أخطأ.
فأمر بإطلاقه «١» .
стр. 2763
١١٧ شر السلطان يدفع بالساعات
حدّثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي علان الأهوازي، قال: حدّثني جدّي أبو القاسم بن أبي علان «١» ، وقد جرى حديث السلطان، وأنّ شرّه يدفع بالساعات، قال:
ورد علينا أبو يوسف البريدي «٢» ، كاتب السيدة «٣» ، يطالبني، وأبا يحيى الرامهرمزي «٤» ، أن نضمن منه ضياع السيّدة، وتشدّد علينا ونحن ممتنعون.
إلى أن أخلى لنا مجلسه، في يوم خميس، وناظرنا مناظرة طويلة، وشدّد علينا أمرا عظيما، فكدنا معه أن نجيبه، وكان علينا في ذلك ضرر عظيم.
فقلت لأبي يحيى: يجب أن نجتهد في رفع المجلس اليوم، لنتفكر إذا انصرفنا، كيف نعمل.
قال: وكان أبو يوسف محدّثا طيّبا.
قال: فجرّه أبو يحيى، إلى المحادثة، واستلب هو الحديث، وسكت أبو يحيى.
قال: وكانت عادة أبي يوسف، في كلامه، أن يقول في كل قطعة من حديثه: أفهمت؟
стр. 2764
قال: وكان كلّما قال أبو يوسف، لأبي يحيى، أفهمت؟ يقول أبو يحيى: لا، فيعيد الحديث، ويخرج منه إلى حديث آخر.
قال: فلم يزل [١٠٨] كذلك، حتى حمي النهار، وقربت الشمس من موضعنا.
فرجع أبو يوسف إلى حديث الضمان، ومطالبتنا بالعقد.
فقلت له: إنّه قد حمي النهار، وهذا لا يتقرّر في ساعة، ولكن نعود غدا، ورفقنا به، فقال: انصرفوا، فانصرفنا، واستدعانا من غد، فكتبنا إليه رقعة، إنّه يوم الجمعة، وهو يوم ضيق، ونحتاج إلى الحمام والصلاة، وقلّ أمر يبتدأ به يوم الجمعة، قبل الصلاة، فيتم، ولكنّا نباكرك يوم السبت، فاندفع.
واستدعانا يوم السبت، فصرنا إليه، وقد وضعنا في نفوسنا، الإجابة، لمّا أيسنا من الفرج.
فحين دخولنا إليه، ورد إليه كتاب، فقرأه، وشغل قلبه، وقال:
انصرفوا اليوم، فانصرفنا، ورحل بعد ساعة، لأنّ الكتاب كان يتضمن ذكر صرفه.
فبادر قبل ورود الصارف، وكفينا أمره.
стр. 2765
١١٨ كيفية إغراء العمال بأخذ المرافق
قال «١» : وورد إلينا، في وقت من الأوقات، بعض العمّال، متقلّدا للأهواز، من قبل السلطان، وقد أسماه، ونسيه الذي حدّثني.
قال: فتتبّع رسومنا «٢» ، ورام نقض شيء منها، وكنت أنا وجماعة من التنّاء «٣» في تلك المطالبة، وكان فيها ذهاب غلّاتنا في تلك السنة، لو تمّ علينا، وذهاب أكثر قيم ضياعنا.
قال: فقالت لي الجماعة: ليس لنا غيرك، تخلو بهذا الرجل، وتبذل له مرفقا «٤» ، وتكفينا إيّاه.
قال: فجئته، وخلوت به، وبذلت له مرفقا جليلا، فلم يقبله، ودخلت عليه بالكلام في غير وجه، فما لان، ولا أجاب.
قال: فأيست منه، وكدت أن أقوم خائبا.
قال: فقلت له في عرض الكلام: يا هذا الرجل، أنت مصمّم في هذا الأمر على خطأ شديد، لأنك تظلمنا، وتزيل رسومنا، من حيث لا يحمدك السلطان، ولا تنتفع أنت بذلك.
ومع هذا، فأخبرني، هل تأمن أن تكون قد صرفت»
، وكتاب صرفك،
стр. 2766
في الطريق، يرد عليك بعد يومين أو ثلاثة، فتكون قد أهلكتنا، وأثمت في أمرنا، وفاتك هذا المرفق الجليل.
ولعلّنا نحن نكفى، ويجيء غيرك فلا يطالبنا، أو يطالبنا فنبذل له هذا المرفق، فيقبله، ويكون الضرر، إنّما يدخل عليك وحدك.
قال: فحين سمع هذا، اعتقد أنّ لي ببغداد، من يكاتبني بالأخبار، وأنّني قد أحسست باختلال أمره، وأخذ يخاطبني من أين وقع لي أنّه قد وقع هذا؟
قال: فقوّيته، وثبتّه في نفسه، فأجاب إلى أخذ المرفق، وإزالة المطالبة.
فسلّمت [١٠٩] إليه رقاع الصيارف بالمال، وأخذت منه حجّة بإزالة المطالبة، وانصرفت، وقد بلغت ما أردت.
قال: فسلمت، فلما كان بعد خمسة أيام، لا تزيد يوما، ورد عليه الكتاب بالصرف.
قال: فدخلت عليه، فأخذ يشكرني، ويخبرني بما جرى، وبما ورد عليه، فأوهمته أنّي كنت قد قلت له ذلك، على أصل.
وكفيت تلك المطالبة.
стр. 2767
١١٩ يحتال على القواد الأتراك بسرّ من رأى
حدّثني أبو الطيّب محمد بن أحمد بن عبد المؤمن، الوكيل على أبواب القضاة بالأهواز، قال: قال لي بعض المكدّين «١» ببغداد، عن شيخ لهم أيسر، وعظمت حالته، حتى استغنى عن الشحذ، فكان يعلّمهم ما يعملون، فسألناه عن سبب نعمته، فقال:
كنت تعلمت السريانية، حتى كنت أقرأ كتبهم التي يصلّون بها.
ثم لبست زيّ راهب، وخرجت إلى سرّ من رأى، وبها قوّاد الأتراك، فاستأذنت على أحدهم، فأدخلت.
فقلت له: أنا فلان الراهب، صاحب العمر الفلاني «٢» ، وذكرت عمرا بعيدا بالشام، وأنا راهب فيه منذ ثلاثين سنة.
وكنت نائما، فرأيت النبي ﷺ ، وكأنّه قد دخل إلى عمري، فدعاني إلى الإسلام، فأجبته.
فقال لي: امض إلى فلان القائد، حتى يأخذ عليك الإسلام، فإنّه من أهل الجنة، فجئت لأسلم على يديك.
قال: ففرح التركي فرحا عظيما شديدا، ولم يحسن أن يأخذ عليّ الإسلام، فتعتع في كلامه، وقطعت الزنّار وأسلمت بحضرته.
قال: فوصلني ما قيمته خمسة آلاف درهم، من الدراهم، والثياب، وغيرها وعدت إلى منزلي.
стр. 2768
فلما كان من غد، بكّرت إلى قائد منهم، بزيّ الرهبان، وقلت له، كما قلت للأوّل، وأعطاني أكثر من ذلك، حتى طفت على جماعة منهم، فحصل لي من جهتهم أكثر من خمسين ألف درهم.
فلما كان في بعض تلك الأيّام، صرت إلى أحدهم، واتّفق أنّه كانت عنده دعوة، فيها وجوههم، فلمّا دخلت، وقصصت الرؤيا، وتأمّلتهم، وإذا في الجماعة واحد ممّن كنت لقيته بالرؤيا.
قال: فقامت عليّ القيامة، فلما فرغت من حديث الرؤيا، وأظهرت الإسلام على يد التركي، وأمر لي بالجائزة، وخرجت، أتبعني ذلك القائد بغلامه.
فلما بعدت عن الدار، قبض عليّ [١١٠] ، وحملني إلى منزل التركي الأول، فقامت قيامتي، وأحسست بالمكروه، وبذلت للغلام جميع ما كان معي، ليدعني أنصرف، فلم يفعل.
وجاء التركي، وهو منتش «١» ، فقال: «يابا، حصلت تسخر بالأتراك واحد واحد، وتأخذ دراهمهم» «٢» ؟
قال: فقلقت فزعا، وقلت: يا سيدي، أنا رجل صفعان، فقير، مكدّ، وأنا فعلت هذا لآخذ شيئا.
قال: فقال لي: أظننت أنّني أفضحك في بلدك؟ ما كنت بالذي أفعل، وقد جازت السخرية عليّ، حتى تجوز على الجماعة، كما جازت عليّ، ولكن أليس أنت؟
قال: فطايبته، وتصفّعت له، فضحك منّي، واستدعى بالنبيذ،
стр. 2769
وشرب، ولاعبته، فاستخفّ روحي، وحبسني عنده، وخلع عليّ، وأعطاني دراهم، ودعا جماعة من قوّاد الأتراك وخرجت عليهم في زيّ الصفاعنة، فعطعطوا عليّ، وضحكوا.
فحدّثهم التركي، بالحديث، فضحكوا.
قال: فأخذت منهم، على تلك الحال، مالا ثانيا جليلا، وانصرفت إلى بغداد وابتعت به عقارا، منه أعيش إلى الآن.
تمّ الجزو الثامن ويتلوه التاسع والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين [١١١] بلغ مقابلة صحح بقدر الطاقة من الأصل المنقول منه.
стр. 2770
[الفهارس]
محتويات الكتاب
٥// مقدمة المحقق
٧// مقدمة المؤلف
٩/١/فرجة بين الصدر والقبر
١٠/٢/الوزير علي بن عيسى يستحث عاملا على حمل الخراج
١٢/٣/كيف تمكّن عبيد الله بن يحيى بن خاقان من المتوكل
١٧/٤/الواثق ومحمد بن عبد الملك الزيات
٢٠/٥/أبو خازم القاضي يطالب الخليفة المعتضد بما في ذمته للوقف
٢٣/٦/الوزير ابن الفرات يحاسب عاملا
٢٧/٧/أبو العباس ابن الفرات يهدّد عاملا قد ألطّ بالمال
٢٩/٨/الوزير عبيد الله بن سليمان، يحرم عاملا من التصرّف
٣٠/٩/وزير ينفى لأنّه طرب لغناء صوت
٣٢/١٠/أحمد بن طولون يقتل الحسن بن مخلد بالسم
٣٥/١١/جرأة وزير على أخذ أموال السلطان
٣٨/١٢/الوزير ابن الفرات يستولي على أموال المصادرات
٤٣/١٣/الصناعة نسب
٤٥/١٤/كيف اتصل الفضل بن مروان بالمأمون ووزّر له
٤٨/١٥/الخليفة المعتصم يصادر وزيره
٤٩/١٦/العمارة والتوفير، أولى واجبات الوزير
٥١/١٧/السبب في علو حال عبيد الله بن يحيى بن خاقان مع المتوكل
следующие страницы →