← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

٨٧ معقود العسل ودهن اللوز حدّثنا أبو الحسن محمد بن شجاع المتكلّم البغداديّ، قال [٧٩] : حدّثنا أبو سلمة العسكريّ، أحد غلمان أبي عليّ الجبائي «١» ، قال: كنت بحضرته يوما، وهو يصلّي، ونحن جلوس نتحدّث، فقال رجل منّا: اليوم كنت عند صديق لي، فأطعمني معقود العسل ودهن اللّوز. فقالوا: [إنّ جبّى] ليس بها من يكون هذا عنده، إلّا العامل، ولست ممّن يأكل طعام العمّال. فمرّ الرجل يشوّش الكلام. وسلّم أبو عليّ من صلاته، فقال: لا يهوّسكم الرجل، لعلّه كان اليوم عند الصيدلاني وتناول لطريفك «٢» ؟ فقال الرجل: هكذا كان.

стр. 2697

٨٨ أندلسي تتلمذ للجاحظ وحدّثنا أبو الحسين «١» أيضا، قال: حدّثنا أبو محمد الحسن بن عمرو، قال: كنت بالأندلس «٢» ، فقيل لي: إنّ بها تلميذا لأبي عثمان الجاحظ «٣» ، يعرف بسلام بن زيد، ويكنى أبا خلف. فأتيته، فرأيت شيخا همّا «٤» ، فسألته عن سبب اجتماعه مع أبي عثمان، ولم يقع أبو عثمان إلى الأندلس؟ فقال: كان طالب العلم [بالمشرق] «٥» يشرف عند ملوكنا [بلقاء أبي عثمان] «٦» ، فوقع إلينا كتاب التربيع والتدوير «٧» ، فأشاروا إليه، ثم أردفه عندنا كتاب البيان والتبيين «٨» ، فبلغ الرجل الصكاك «٩» بكتابة هذين الكتابين. قال: فخرجت، لا أعرّج على شيء، حتى قصدت بغداد، فسألت عنه، فقيل لي: هو بسر من رأى.

стр. 2698

فأصعدت إليها، فقيل: قد أنحدر إلى البصرة. فانحدرت إليه، وسألت عن منزله، فأرشدت، فدخلت إليه، وإذا هو جالس وحواليه عشرون صبيا، ليس فيهم ذو لحية غيره. قال: فدهشت، فقلت: أيّكم أبو عثمان؟ فرفع يده، وحرّكها في وجهي، وقال: من أين؟ فقلت: من الأندلس. قال: طينة حمقاء، فما الاسم؟ قلت: سلام. قال: اسم كلب القراد، ابن من؟ قلت: ابن زيد. قال: بحق ما صرف، أبو من؟ قلت: أبو خلف. قال: كنية قرد زبيدة، ما جئت تطلب؟ قلت: العلم. قال: ارجع بوقت، فإنّك لا تفلح. قلت له: ما أنصفتني، فقد اشتملت على خصال أربع: جفاء البلدية، وبعد الشقّة، وغرّة الحداثة، ودهشة الداخل. قال: فترى حولي عشرين صبيا، ليس فيهم ذو لحية غيري، ما كان يجب أن تعرفني بها؟ قال: فأقمت عليه عشرين [٨٠] سنة. قال: وكان سلام هذا يحسن العلم «١» .

стр. 2699

٨٩ الناس أربعة قال» : وبلغني عن أبي بكر بن مجاهد «٢» ، أنّه قال: الناس أربعة: مليح يتبغّض لملاحته [فيحتمل] «٣» ، وبغيض يتملّح، فذاك الحمّى، والداء الذي لا دواء له، وبغيض يتبغّض، فيعذر لأنّه طبيعة، ومليح يتملّح، فتلك الحياة الطيّبة.

стр. 2700

٩٠ كيفية صيد الفيل واستئناسه حدّثنا أبو الحسين، قال: كنت بتانة من بلاد الهند «١» ، فسمعتهم يتحدّثون: أنّ ملوك الهند، يغالون في الأفيلة «٢» الحربية، على قدر عظم بطشها، فربما بلغ الفيل الفاره، المنقطع النظير، مائة ألف دينار، ودائما يبلغ الفيل الواحد منها عشرة آلاف دينار. قال: فإذا بلغ الملك، أنّ فيلا قد تغرّب، وله بطش عظيم، وأنّه يصلح للحرب، أمر بصيده. قالوا: وليس له حيلة في صيده، إلّا بأن يخرج قوم من الفيّالين، ومعهم فيلة أنثى، أهلية معلّمة، فيها فضل خنث وتأنيث، والأفيال، فيها من الفطنة أمر عظيم. قال: فيخرج الفيّالون، وهي معهم، إلى حيث قد بلغهم موضعا يتغرّب الفيل فيه، فيقاربون الموضع، ويلجأون إلى موضع يختبئون فيه، في شجرة عظيمة، لا تمكن الفيل فيها حيلة، أو شيء يحفرونه ويغطّونه، ويدعون الفيلة الأنثى ترعى. فحين يشمّ الفيل رائحتها، يقصدها، وتقصده، فتلاعبه، وتطاعمه بخرطومها، وتؤانسه، ولا تبرح من حيث هي، ويرعيان في موضع فيّالها، والفيّالون مختبئون شهرا، لا يفرّقون بينهما.

стр. 2701

فإذا كان بعد شهر- أقلّ أو أكثر «١» - على حسب علمهم باستحكام الألفة، استدعوا الفيلة، في وقت تشاغل الفيل عنهم فيه، فتجيئهم فيركبونها. فحين يراهم الفيل، ويراها، يتبعهم، فيروم أن يؤذي الفيّالين، فتضع هي خرطومها عليه وتلاعبه، وتسرع، ويسرع خلفها. فإذا رأوه قد ولّى، ردّوها إليه، فتلاعبه، فيرجع معها. فلا يزالون يمشون به خلفها، يومين أو ثلاثة، إلى أن يروا منه ضجرا، أو شدّة في أذيّتهم، فيقفون ليلة في موضع، ويتهاربون عن ظهرها إلى موضع يختبئون فيه. فلا يقصدهم الفيل لتشاغله بها، ويحرزون أنفسهم في المختبأ، ويدعونه معها دون تلك المدة. ثم يسيرون بها [٨١] على ذلك الوجه، فيتبعها الفيل. فيسيرون بها يومين أو ثلاثة، أو حسب ما يمكن، إلى أن يبدو ضجره، فينزلون على رسمهم. فلا يزالون كذلك، حتى يقرّبونه من البلد، في مدّة على حسب بعد المسافة أو قربها. فإذا بلغوا المدينة، أخرج ملكها جميع أهل البلد، أو أكثرهم، وجمعهم، وصعد عامّتهم على السطوح، النساء، والصبيان، مزيّنين. فحين يرى الفيل اجتماعهم، يستوحش، وينفر، ويولّي، ويطلب الصحراء، فترجع [الفيلة إليه فتردّه] . فإذا رأى الناس، نفر، فترجع إليه فتردّه، فلا تزال كذلك معه،

стр. 2702

حتى تدخله بين الناس، وتقرّبه منهم. ويقيمونه «١» الفيّالون أيّاما، كذلك، حتى يألف الناس، فإذا ألفهم أمر الملك بجمع أصحاب الدبادب، والطبول، والصنوج. فحين يسمع، ينفر نفورا شديدا، أشدّ من ذلك، ويهرب، فتمضي الفيلة خلفه، فحين يراها، وقد بعد عن الصوت قليلا، يقف لها، فتداعبه، وتردّه، وتداريه. فحين يقرب من الصوت يهرب، ثم يرجع معها، هذا دأبه معها، تفعل به ذلك أيّاما متتابعات، إلى أن يألف الصوت. فإذا ألف المناظر والأصوات، أدخل الفيّالون الفيلة إلى البلد، ويتبعهم الفيل. فيجيئون إلى ساحة كبيرة، معدّة له، فيها أربعة أوتاد ساج، أثقل ما يكون، وأعظمه، متقاربة، منصوبة على أساسات شديدة. فتدخل الفيلة ما بين تلك الأوتاد، وتقف، فيدخل وراءها، ويقف معها، فينزل الفيّالون، وفي أطول تلك الأوتاد حلق عظام وثيقة، في كل دقل حلقة، وفيه قيد عظيم ثقيل، فيضعون القيد في قائمة من قوائم الفيل، فيحصل مقيدا مضبوطا بين تلك الأوتاد، لا يمكنه قلعها، ولا أن يطرح ثقله على شيء، لتساوي أجزائه في التقييد إليها. فلا يزال على ذلك أيّاما، والفيلة إلى جانبه، فإذا مسّه الجوع، جاءه الفيّالون بالأرز والسمن المطبوخ، فأطعموه إياه، بأن يرمون به إليه من بعد، فللجوع يأكله. ولا يزالون يدارونه، ويتقرّبون منه [٨٢] ، على تدريج، حتى يأكله

стр. 2703

من أيديهم بعد مدة، فإذا أكل من أيديهم، فهي العلامة في استئناسه. فحين يأكل من أيديهم مرارا كثيرة، ويستمرّ على هذا، يركبونه، ويضعون الحديد في رأسه، أيّاما، ويمرّونها عليه، حتى يألفها، ويعلّمونه، ويكلّمونه. فإذا مضت أيام على هذا، حلّوا قيوده، وهم فوقه، فيمشي، ويصرّفونه بحسب ما يصرّفونه عليه، ويصير في حكم الأهلي. ٩١ ملك الصنف يملك ألفي فيل قال: وسمعت أنّ ملك الصّنف «١» ، وهو البلد الذي يجيء منه العود الصّنفي، له ألفا فيل، إذا خرجت تمتد نحو فرسخ.

стр. 2704

٩٢ الفيل يقوم بعمل الجلاد قال: وسمعت أنّ الملك، إذا أراد قتل إنسان، سلّمه إلى الفيل، فيكلّمه الفيّال في أن يقتله. قال: فيقتله بألوان من القتل، منها: أنّه ربما لفّ خرطومه على رجل الرجل، ويضع إحدى يديه على ساق الرجل الأخرى، ثم يعتمد عليه، فإذا هو قد خرق الرجل بنصفين، من أوله إلى آخره. وربما ترك الرجل، واستعرضه بالعرض، ثم وضع يده على بطنه، فيسحقه «١» .

стр. 2705

٩٣ صاحب عمان يهدي فيلا لمعز الدولة قلت: أنا رأيت بالبصرة، في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة «١» ، فيلا، لطيفا، حمله صاحب عمان «٢» ، إلى معز الدولة «٣» ، فاجتاز بالبصرة، وحمل إلى دارنا، فأدخل إلى صحنها، فرأيناه. وسمعت عددا كبيرا من أهل البصرة، يخبرون- إذ ذاك- أنّ هذا الفيل اجتاز في سوق الجامع، فقرب منه صبيّ دون البالغ، فصاح به الفيّالون ليتنحّى عن طريق الفيل، فدهش الصبي، وأدركه الفيل، فلفّ خرطومه عليه، وشاله، فرفعه إلى الفيّالين، فأخذوه منه، فصاح الصبي، وطار عقله، فما أنزلوه إلّا بدراهم. وأنهم اجتازوا، بعد ذلك بأيّام، فأدركت الفيل ضجرة، فقبض على صبي، فشاله بخرطومه، ورقّاه في الهواء، ثم استقبله بنابه، فأدخله في جسمه، فقتله.

стр. 2706

٩٤ وما قتل الأحرار كالعفو عنهم حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: حدّثنا الفضل بن باهماد السيرافيّ، بها «٢» ، وكان مشهورا بسلوك أقاصي بلدان البحر، قال: قال لي رجل من بعض بياسرة «٣» بلاد الهند، والبيسر: هو المولود على ملّة الإسلام في بلاد الهند، أنّه كان في بلد من بلاد [٨٣] الهند، وكان فيه الملك حسن السيرة، وكان لا يأخذ مواجهة، ولا يعطي مواجهة، وإنّما يقلب بيده إلى وراء ظهره، فيأخذ ويعطي بها، إعظاما للملك، وسنّة لهم هناك، وأنّه توفي، فوثب رجل على ملكه، فاحتوى عليه، وهرب ابن كان له، يصلح للملك، خوفا على نفسه من المتغلّب. ورسوم ملوك الهند، أنّ الرجل إذا قام من مجلسه، لأيّ حاجة عرضت له، كانت عليه صدرة «٤» ، قد جمع فيها كلّ نفيس فاخر، من اليواقيت والجواهر، مضربا بالإبريسم، في الصدرة، ويكون قيمة ذلك ما إن [لو] أراد أن يقيم به ملكا أقامه. قال: ويقولون، ليس بملك، من قام من مجلسه، وليس معه ما إن حدثت عليه حادثة فهرب به، أمكنه إقامة ملك عظيم منه. فلما حدثت على الملك، تلك الحادثة، أخذ ابنه صدرته، وهرب بها.

стр. 2707

فحكى عن نفسه، أنّه مشى ثلاثة أيام، قال: ولم أطعم طعاما، ولم يكن معي فضّة ولا ذهب، فأبتاع به مأكولا، وأنفت أن استطعم، ولم أقدر على إظهار ما معي. قال: فجلست على قارعة الطريق، وإذا برجل هنديّ، مقبل، على كتفه كارة، فحطّها، وجلس حذائي. فقلت: أين تريد؟ فقال: الجدام الفلاني. ومعنى الجدام: الرستاق. فقلت له: هذا الجدام الفلاني أريد، فنصطحب. قال: نعم. فطمعت أن يعرض عليّ شيئا من مأكوله، قال: فحلّ الكارة، وأكل، وأنا أراه، ولم يعرض عليّ، وأنفت أن أبتدئه بالسؤال. وقام يمشي وقد شدّها، فمشيت معه، وتبعته، طمعا في أن تحمله الإنسانية والمؤانسة على العرض «١» ، فعمل بالليل، كما عمل معي بالنهار. قال: وأصبحنا من غد، ومشينا، فعاملني بمثل ذلك، [وظلّ] على هذا سبعة أيام، لم أذق شيئا. فأصبحت في اليوم الثامن، ضعيفا، لا قدرة لي على الحركة، فرأيت جداما في حاشية الطريق، وقوما يبنون، وقيّما عليهم، يأمرهم. قال: ففارقت الرجل، وعدلت إلى الوكيل، فقلت: استعملني بأجرة تعطنيها عشيا، مثل هؤلاء. فقال: نعم، ناولهم الطين.

стр. 2708

قال: فكنت آخذ الطين، فلعادة الملك، أقلب يدي إلى ظهري [٨٤] ، وأعطيهم الطين، فكما «١» أذكر أنّ ذلك خطأ عليّ [يسبّب] سفك دمي، أبادر بتلافي ذلك، فأردّ يدي بسرعة، قبل أن يفطنوا بي. قال: فلمحتني أمرأة قائمة، فأخبرت سيدها بخبري، وقالت: لا بدّ أن يكون هذا من أولاد الملوك. قال: فتقدّم إليها، بحبسي عن المضيّ مع الصنّاع، فاحتبستني، وانصرف الصنّاع. فجاءني بالدهن والعروق، لأغتسل بهما، وهذه مقدمة إكرامهم، وسنّة لإعظامهم، فتغسّلت بذلك. فجاءوني بالأرز والسمك، فطعمت. فعرضت المرأة نفسها عليّ للتزويج، فعقدت عليها، ودخلت بها من ليلتي، وأقمت معها أربع سنين، أربّ «٢» حالها، وكانت لها نعمة. فأنا يوما، جالس على باب دارها، فإذا أنا برجل من بلدي، فاستدعيته، فجاءني. فقلت له: من أين أنت؟ قال: أنا من بلد كذا وكذا، وذكر بلدي. فقلت: ما تصنع هاهنا؟ فقال: كان فينا ملك حسن السيرة، فمات، ووثب على ملكه رجل ليس من أهل بيت الملك، وكان للملك الأوّل ابن يصلح للملك، فخاف على نفسه، فهرب، وإنّ المتغلّب أساء عشرة رعيته، فوثبوا عليه، فقتلوه، وانبثثنا في البلدان نطلب ابن ذلك المتوفّى، لنجلسه مكان أبيه،

стр. 2709

فما نعرف له خبرا. قال: فقلت له: تعرفني؟ قال: لا. فقلت: أنا طلبتكم. قال: وأعطيته العلامات، فعلم صحّة ما قلت له، فكفّر لي «١» . قلت: اكتم أمرنا، إلى أن ندخل إلى الناحية. فقال: أفعل. قال: فدخلت إلى الامرأة، وأخبرتها الخبر، وحدّثتها بالصورة، وبأمري كلّه. وأعطيتها الصدرة، وقلت: فيها كذا، ومن حالها كذا، وأنا ماض مع الرجل، فإن كان ما ذكره صحيحا، فالعلامة أن يجيئك رسولي، ويذكر لك الصدرة، فانهضي معه، وإن كانت مكيدة، كانت الصدرة لك. قال: ومضى مع الرجل، وكان الأمر صحيحا، فلما قرب من البلد، استقبلوه بالتكفير، وأجلسوه في الملك، وأنفذ إلى الزوجة من حملها، وجاءت إليه. فحين اجتمع شمله، واستقام ملكه، أمر فبنيت له دار [٨٥] عظيمة، وأمر أن لا يجتاز في عمله مجتاز، إلّا حمل إليها، ويضاف ثلاثة أيّام، ويزوّد لثلاثة أيّام أخر. وكان يفعل ذلك، وهو يراعي الرجل الذي استصحبه في سفره، ويقدّر أن يقع في يده. وأراد أن يبني الدار شكرا لله تعالى، على الخلاص ممّا كان فيه، وأن

стр. 2710

يكفي الناس المؤونة التي كانت لحقته. [فلما كان] بعد حول، استعرض الناس، قال: وقد كان يستعرضهم في كل شهر، فلا يرى الرجل، فيصرفهم. فلما كان ذلك اليوم، رأى الرجل بينهم، فحين وقعت عليه عينه، أعطاه ورقة تنبول «١» ، وهذه علامة غاية الإكرام، ونهاية رتبة الإعظام، إذا فعله الملك بإنسان من رعيته «٢» . قال: فحين فعل الملك بالرجل ذلك، كفّر له، وقبّل الأرض، فأمره الملك بالنهوض، ونظر إليه، فإذا هو ليس يعرف الملك، فأمر بتغيير حاله، وإحسان ضيافته، ففعل، ثم استدعاه. فقال له: أتعرفني؟ قال: وكيف لا أعرف الملك، وهو من حاله، وعظم شأنه، وعلوّ سلطانه. قال: لم أرد هذا، أتعرفني، من قبل هذه الحال؟

стр. 2711

قال: لا. قال: فأذكره الملك الحديث والقصّة، في منعه الطعام سبعة أيام في السفر. قال: فبهت الرجل. وقال: ردّوه إلى الدار، وونّسوه «١» ، وزاد في إكرامه، وحضر الطعام، فأطعم الرجل، فلما أراد النوم، قال الملك، لامرأته: امضي فغمّزيه «٢» ، حتى ينام. قال: فجاءت المرأة، ولم تزل تغمّزه، إلى أن نام، فجاءت إلى الملك، وقالت: قد نام. فقال: ليس هذا نوما، حرّكوه، [فحرّكوه] فإذا هو ميت. قال: فقالت له المرأة: أيش هذا؟ قال: فساق إليها حديثه معه، وقال: وقع في يدي، فتناهيت في إكرامه، والهند لهم كبود عظام، وتوهّمهم هو المعروف المتعالم عنهم، فدخلت عليه حسرة عظيمة، إذ لم يحسن إليّ ذلك الوقت، فقتلته الحسرة. وقد كنت أتوقّع موته قبل هذا، ممّا توهمه واستشعره من العلّة في نفسه، والحسرة والأسف، فقتلته «٣» .

стр. 2712

٩٥ الجبارية في الهند حدّثنا أبو الحسين «١» ، قال: حدّثني أبي «٢» ، قال: رأيت بالهند قوما، يقال لهم: الجباريّة، يأكلون الميتة، ويقذرهم جميع أهل الهند، عندهم أنّهم إذا ماسّوهم نجسوا. قال: فهم يمشون، وفي أعناقهم طبول يطبّلون بها، لتسمع أصواتها، فيتنحّون عن طريقهم، فإذا لم يتنحّ الرجل عند سماع الطبل، فلا شيء على الجباريّ [٨٦] ، وإن لم يضرب الجباريّ الطبل، حتى يلاصق جسده، جسد غيره، قتله الذي يلتصق جسده به، ولا يعدى عليه، لأنّ هذا من شرطهم، وسنّتهم. قال: ولا يشرب أحد من ماء هؤلاء الجبّارية، ولا يأكل من طعامهم، ولا يخالطهم، فهم ينزلون في ظاهر البلد ناحية. قال: وهم أرمى الناس، ومعاشهم من الصيد.

стр. 2713

٩٦ البابوانية في الهند قال: وهناك قوم يقال لهم البابوانية، يجرون مجرى المستقفين «١» هاهنا، والسلطان يطلبهم، فإذا وقعوا في يده، وظفر بهم، فعل بهم، كما يفعل باللصوص والعيّارين. قال: وهم يصطادون الناس، لا يعرضون لغير ذلك. قال: والواحد منهم، يتبع التجّار الذين يطرأون إليهم من المسلمين والذمّة، فإذا رأى الواحد من التجّار، في طريق خال، قبض عليه، فحين يقبض عليه، وقد علم التاجر بأمره، فيسكت، لأنّه إن استغاث، أو نطق قتله الهندي، وقتل نفسه في الحال، لا يتألم لذلك، لاعتقادهم المشهور في القتل. قال: ويراهم الناس، وقد اصطادوا الرجل، فلا يعرضون لخلاصه، لئلّا يقتله، ويقول لهم الرجل: الله، الله، إن عارضتموه، فلا يمكن لسلطان ولا غيره، انتزاعه من يده، في تلك الحال، لئلّا يعجل بقتله. قال: فأخبرني رجل من الهند، أنّ رجلا من البابوانية، قبض في طريق سفر على رجل لقيه منفردا من التجار. فقال له: اشتر نفسك. فتوافقا على أن يشتري نفسه منه بألف درهم. فقال له التاجر: تعلم أنّي خرجت ولا شيء معي، ومالي في البلد، فتصير معي إلى داري في البلد، لأؤدّي ذلك إليك.

стр. 2714

قال: فأجابه، وقبض على يده، ولم يزل يمشي معه، حتى اجتازا في طريقهما، بقرية الجبارية [وكان] طريقهما في سكة منها، فسلكاها. فحين حصلا فيها، فطن التاجر للحيلة في الخلاص، وقد كان عرف مذهب الهندي في الجبارية، فلم يزل يمشي معه، حتى رأى بابا مفتوحا، من دور الجبارية، فجذب يده بحميّة شديدة، من يد البابوانيّ، وسعى فدخل دار الجباريّ. فقال له: ما لك؟ قال: أنا مستجير بك، من يد بابوانيّ اصطادني، وتعرّيت منه. قال: لا بأس عليك [٨٧] ، فاجلس. فصاح البابواني: يا جباريّ، يا جباريّ، اخرج إليّ. قال: وهم لا يدخلون دور الجبارية، لاستقذارهم إيّاهم. قال: فخرج، ووقف، بينهما عرض الطريق، لأنّه لا يجوز لأحدهما أن يدنو من صاحبه. فقال له البابوانيّ: أعطني صاحبي. قال: قد استجار بي، فهبه لي. قال: لا أفعل، هذا رزقي، فإن لم تعطنيه، لم ندع جباريا [إلّا «١» ] قتلناه. قال: فطال الكلام بينهما، إلى أن قال الجباريّ، أسلمه إليك في الصحراء فامض برّا «٢» ، تسبقه إلى الموضع الفلانيّ. قال: فمضى.

стр. 2715

ودخل الرجل على [التاجر] ، وقال له «١» : اخرج لا بأس عليك. فخرج معه، وأخذ الجباريّ قوسه، وخمسين نشّابة، قال: ونشّابهم من القصب. قال: فعلق المسلم بكمّ الجباريّ، ولصق به، علما منه بأنّ البابوانيّ لا يدنو منه. فلما صارا إلى الصحراء، قال له الجباريّ: تهبه [لي] ؟ واجتهد به، فلم يفعل. قال: فإني لا أسلمه، أو لا يبقى معي سلاح. قال: شأنك. قال: وهم لا يخطئون البتة في الرمي، ففوّق سهمه نحوه، فحين أطلقه، تلقّاه البابواني بشيء كان معه، فاعترض السهم بالشيء، فقطعه باثنين، وسلم منه. فتحيّر الجباريّ. قال: فلم يزل يرميه بنشّابة نشّابة، ويفعل بها البابواني، مثل ذلك، إلى أن ذهب النشاب، ولم يبق منه إلّا نشّابتان. فضعفت نفس التاجر، وأيقن بالهلاك، وقال للجباريّ: الله، الله، في دمي. قال: فقال له البابوانيّ: لا يقع لك أنّك قد أفلتّ، ثم أخذ سهما. فقال له الجباريّ: لا تقدر على ذلك، وسأريك من رميي، ما تتحدّث به أبدا، انظر إلى هذا الطائر الذي يطير في السماء، فإنّي أرميه، فأصرعه

стр. 2716

على رأسك، ثم أرميك فلا أخطيك «١» . قال: فشال» البابواني رأسه، ينظر إلى الطير، فرماه الجباريّ، فأصاب فؤاده، فخرّ صريعا يضطرب، ومات. وقال للتاجر: ارجع الآن آمنا. فرجع إلى داره، وأقام عندهم، إلى أن اجتازت بهم صحبة «٣» ، رحل معها التاجر، إلى مأمنه.

стр. 2717

٩٧ سرق ماله بالبصرة، واستعاده بواسط حدّثنا أبو الحسين، قال: حدّثني رجل من أهل دار الزبير «١» بالبصرة، دقّاق «٢» ، قال: أورد عليّ رجل غريب، سفتجة بأجل «٣» ، فكان يتردّد إلى أن حلّت، ثم قال: دعها عندك، وآخذها متفرقة. فكان يجيء في كلّ يوم، فيأخذ بقدر نفقته، إلى أن نفدت. وصارت بيننا معرفة، وألف الجلوس عندي، وأنست به، وكان يراني أخرج كيسي من صندوق لي، فأعطي منه النقدات «٤» التي تحل عليّ. فقال لي يوما: إنّ قفل الرجل، صاحبه في سفره، وأمينه في حضره، وخليفته على حفظ ماله، والذي ينفي الظنّة عنده عن عياله، فإن لم يكن وثيقا، تطرّقت الحيلة عليه، وأرى قفلك هذا وثيقا، فقل لي ممّن ابتعته، لأبتاع مثله. فقلت: من فلان القفّال، في جوبات «٥» الصفّارين.

стр. 2718

قال: فما شعرت، إلّا وقد جئت [٨٨] ، وطلبت صندوقي، لأخرج منه شيئا من الدراهم، فحمل إليّ، ففتحته، فإذا ليس فيه شيء من الدراهم. فقلت لغلامي- وكان غير متّهم عندي-: هل أنكرت من الدرابات شيئا؟ فقال: لا. فقلت: ففتّش، هل ترى في الدكان نقبا؟ ففتّش، فقال: لا. فقلت: فمن السقف حيلة؟ فقال: لا. فقلت: اعلم أنّ دراهمي قد ذهبت؟ فقلق الغلام، فسكّنته، وأقمت في دكّاني، لا أدري ما أعمل، فتأخّر عنّي الرجل، فلما تأخّر، اتهمته، وتذكرت مسألته لي عن القفل. فقلت للغلام: أخبرني كيف تفتح الدكان وتغلقه؟ فقال: رسمي، إذا أغلقت الدكان، أغلقه درابتين، درابتين، والدرابات «١» في المسجد، أحملها دفعات، اثنتين وثلاثا، في كلّ دفعة، فأشرجها، ثم أقفل، وكذا أفتحها. فقلت: البارحة، واليوم كذا فعلت؟ فقال: نعم. فقلت: فإذا مضيت لتردّ الدرابات، أو تحضرها، على من تدع الدكان؟ قال: خاليا.

стр. 2719

فقلت: فمن هاهنا وقع الشرّ. وذهبت ومضيت إلى الصانع الذي ابتعت منه القفل، فقلت له: جاءك إنسان منذ أيام، اشترى منك مثل هذا القفل؟ قال: نعم، وحكى من صفته كيت وكيت، فأعطاني صفة صاحبي. فعلمت أنّه جاء، واختبأ للغلام وقت المساء، حتى إذا انصرفت أنا، ومضى وهو يحمل الدرابات، دخل الدكان فاختبأ فيه، ومعه مفتاح القفل الذي اشتراه، الذي يقع على قفلي، وأنّه أخذ الدراهم، وجلس طول ليلته، خلف الدرابات، فلما جاء الغلام، وفتح درابتين أو ثلاثا، وحملها ليرفعها، خرج هو، وأنّه ما فعل ذلك، إلّا وقد خرج إلى بغداد. قال: فسلّمت الدكان إلى الغلام، وقلت له، من سأل عني، فعرّفه أنّي خرجت إلى ضيعتي. قال: وخرجت، ومعي قفلي ومفتاحه. فقلت: أبتدىء بطلب الرجل بواسط، فلما صعدت من السميرية «١» ، طلبت خانا في الجسر، أنزله، فأرشدت إليه، فصعدت، وإذا بقفل مثل قفلي، سواء، على بيت. فقلت لقيّم الخان: هذا البيت من ينزله؟ فقالى: رجل قدم من البصرة، أوّل أمس. فقلت: أي شيء صفته؟ فوصف صفة صاحبي [٨٩] ، فلم أشكّ أنّه هو، وأنّ الدراهم في بيته.

стр. 2720

فاكتريت بيتا إلى جنبه، ورصدت البيت حتى انصرف القيّم، وقمت، ففتحت القفل بمفتاحي. فحين دخلت البيت، وجدت كيسي بعينه، ملقى فيه، فأخذته، وخرجت وقفلت البيت، وتركته. ونزلت إلى السفينة التي جئت فيها، وأرغبت الملّاح في زيادة أجره، حتى حملني، وانحدرت في الحال، وما أقمت بواسط إلّا ساعتين من النهار. ورجعت إلى البصرة بمالي «١» .

стр. 2721

٩٨ صيرفي بغدادي متحصن من اللصوص حدّثنا أبو الحسين، قال: حدّثني رجل من أهل بغداد، أنّ بعض من تاب من اللصوصية، حدّثه، قال: كان في الناحية الفلانية، صيرفي، كثير المال، يطلبه اللصوص، فلا تتمّ عليه حيلة، ولا يقدرون عليه. قال: فتواطأ عليه جماعة لصوص، كنت أحدهم، فقالوا: كيف نعمل في دخول داره؟ فقلت: أمّا الدخول، فعليّ لكم، وأمّا ما بعد ذلك فلا أضمنه. قالوا: فما نريد إلّا الدخول. قال: فجئت، وهم معي، عشاء، فقلت لواحد منهم: تصدّق «١» ، فإذا خرجت الجارية إليك بشيء، فتباعد، وتعام «٢» عليها، لتجيء إليك تعطيك الصدقة، وكن على خطى من الباب، لأدخل أنا، وهي متشاغلة معك، قد بعدت عن الباب، فلا تراني إلى أن أدخل، فأختبىء. قال: ففعل ذلك، وحصلت مختبئا في مستراح الدهليز. فلما عادت الجارية، قال لها [مولاها] : قد احتبست. قالت: حتى أعطيت السائل الصدقة. قال: ليس هذا قدر دفعك إليه. قالت: لم يكن على الباب، فلحقته في الطريق، وأعطيته.

стр. 2722

فقال: وكم خطوة مشيت من الباب؟ قالت: خطى كثيرة. قال: لعنك الله، أخطأت عليّ، قد حصل معي في الدار لصّ، لا أشك فيه. قال: فحين سمعت هذا، قامت قيامتي، وتحيّرت. فقال لها: هات القفل. فجاءته به، فجاء إلى باب دهليز الدار، والصحن بعد باب الدار، فقفله من عنده، ثم قال لها: دعي اللص الآن يعمل ما يشاء. قال: فلما انتصف الليل، جاء أصحابي، فصفروا على الباب، ففتحت لهم باب الدار، فدخلوا الدهليز [٩٠] ، وأخبرتهم بالخبر. فقالوا: ننقب الستبة، ونخرج إلى الصحن. ونقبوا، فلما فرغوا، قالوا: ادخل معنا. فقلت: إنّ نفسي قد نبت عن هذا الرجل، وأحسست بشرّ، وما أدخل البتة. فاجتهدوا بي، وقالوا: لا نعطيك شيئا. فقلت: قد رضيت. فدخلوا، فحين حصلوا في الصحن، وأنا في الدهليز، أتسمّع عليهم، مشوا فيه، فإذا للمولى زبية «١» ، في أكثر الصحن، محيطة به، يعرفها هو وعياله، فيتّقون المشي عليها ليلا ونهارا، وهي منصوبة للحفظ من هذا وشبهه، وعليها بارية، من فوق خشب رقيق جدا. فحين حصلوا عليها، سقطوا إليها، فإذا هي عميقة جدا، لا يمكن الصعود منها.

стр. 2723

فسمع المولى صوت سقوطهم، فصاح: وقع هؤلاء، وقام هو وجاريته يصفّقون ويرقصون. وتناولوا حجارة معدّة لهم، فما زالوا يشدخون رؤوسهم وأبدانهم بها، وأصحابي يصيحون، وأنا أحمد الله على السلامة، إلى أن أتلفهم. وهربت أنا من الدهليز، ولم أعرف لأصحابي خبرا، كيف دفنوا، أو كيف أخرجوا. فكان ذلك سبب توبتي من اللصوصية «١» .

стр. 2724

٩٩ البراءة المزورة حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني رجل من البغداديين، قال: كنت وأنا حدث، حسن الوجه، فلما اتّصلت لحيتي، وهي طريّة بعد، طلبت التصرّف «١» ، فكتب لي إلى أبي أحمد النعمان بن عبيد الله، فلقيته في عمله «٢» ، فأكرمني، وبالغ في برّي، وأمرني بالجلوس، فجلست، وكلما أردت القيام احتبسني إلى أن لم يبق عنده أحد إلّا خواصّه. ثم أحضر المائدة فأكلنا، فلما فرغنا، قمت لأغسل يدي، فحلف، أن لا أغسلها إلّا بحضرته، فغسلتها، وقمت. فقال: إلى أين؟ فقلت: إلى منزلي. فقال: أنت هاهنا غريب، ولعلّك في خان. فقلت: هو كذلك. فقال: وموضعنا أطيب، وهو خير، وخيشنا بارد، فأقم عندنا. فقلت: السمع والطاعة. ولم أعرف ما في نفسه، فدخلت الخيش «٣» ، فلما حصلت عنده فيه، جعل يستدنيني، ولا أعلم غرضه، إلى أن صرت بقربه، فضرب بيده، يولع [٩١]

стр. 2725

بي «١» ، فعلمت أنّ شرطه في اللواط، أصحاب اللحى الطريّة «٢» . فصعب عليّ ما تمّ من ذلك، وقلت: كيف أصنع؟ ليس إلّا التطايب. قال: فقلت له، يا سيدي أي شيء تريد؟ قال: أريد أن أفعل كذا وكذا. فقلت: يا سيدي، براءتي معي، وقبضت على لحيتي. قال: لا تفعل، هذه براءة مزوّرة. قلت: كيف؟ قال: لأنّي ما وقّعت فيها بقلمي.

стр. 2726

١٠٠ من شعر سيدوك الواسطي أنشدني أبو طاهر المعروف بسيدوك الواسطي «١» لنفسه: هات اسقنيها كلمح البرق ما مزجت ... إلّا لتسيير سقلاطونها فينا إذا لواعب آذريونها عبثت ... بجلّنار سناها هزّ نسرينا أدير في الكأس ذرّ الشمس إذ رقصت ... والماء نغرف من نار كماشينا وأنشدني لنفسه من أبيات: ما أكثر الشعراء مذ قتل الندى ... والشعر أعوز من دموع الأرقم وأنشدني لنفسه قصيدة يمدح بها أبا الحسن عمران بن شاهين، أمير البطيحة «٢» وفيها [ذكر] الهدري الذي يقاتل به، هو وأصحابه، وهو شبيه الحراب، يقول: تسبي النفوس حراب ما أدرت بها ... كأس المنيّة إلّا رحت ذا طرب تظلّ من فضّة حتى إذا وردت ... أصدرتها من دم الأبطال من ذهب من كلّ مقليّة الجنبين ماضية ... قدّت من الشمس أو قدّت من اللهب

стр. 2727

١٠١ من شعر أبي إسحاق الصابي أنشدني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار، قال: أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن هليل الصابي «١» الكاتب لنفسه: تورّد دمعي فاستوى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكاس عيني تسكب فو الله ما أدري أبا لخمر أسبلت ... جفوني أم من دمع عيني أشرب وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: ما زلت في سكري ألمّع كفّها ... وذراعها بالقرص والآثار حتى تركت أديمها وكأنّما ... غرس البنفسج منه في الجمّار قال: وأنشدني لنفسه: فديت من سارقني لحظها ... من خيفة الناس بتسليمته لما رأت بدر الدجى زاهيا ... وغاظها ذلك من شيمته سلّت له البرقع عن وجهها ... فردت البدر إلى قيمته «٢» [٩٢] وأنشدني، قال: قرأت على ظهر دفتر: كنّا نزوركم والدار دانية ... في كلّ وقت فلما شطّت الدار صرنا نقدّر وقتا في زيارتكم ... وليس للشوق في الأحشاء مقدار

стр. 2728

١٠٢ الحسن بن عون الموسوس حدّثني أبو الحسن محمد بن غسّان الطبيب «١» ، قال: كان عندنا بالبصرة في البيمارستان، رجل موسوس، يعرف بالحسن ابن عون، من أولاد الكتّاب، حبس في البيمارستان للعلاج، في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. وطال حبسه سنين، ثم صلح، فاستخدم في البيمارستان، إلى أن تكامل صلاحه. وكنت أختلف إلى البيمارستان، لتعلّم الطب، فكنت أشاهده كثيرا، فأوّل يوم علمت أنّه يقول الشعر، سمعته وهو يقول: أدافع همّي بالتعلّل والصبر ... وأمنع نفسي بالحديث عن الفكر وأرجو غدا حتى إذا ما غد أتى ... تزايد بي همّي فأسلمني صبري فلا الهمّ يغنيني ولا العمر ينقضي ... ولا فرج يأتي سوى أدمع تجري إلى الله أشكو ما أقاسي فإنّه ... عليم بأني قد تحيّرت في أمري «٢» وعرفت حاله في أدبه، بإنشاده إيّاي كلّ يوم قطعة من شعره، يعملها بحضرتي. وشاهد عمل الجلنجبين بالورد في البيمارستان، فقال: وأنشدنيه لنفسه: أنظر إلى الورد في أكفّهم ... يطبع للقاطفين من ورقه

стр. 2729

كالقلب نار الهوى تحرّقه ... والقلب يهوى الهوى على حرقه وحملت إليه شيئا من المأكول، اشتهاه عليّ، فكتب إلى جانب حائط: حصرت من ظرف ما بعثت به ... وقلت: يا سيّدي ومولاي لو أنّ أعضاء شاكر نطقت ... بالشكر أثنت عليك أعضايّ ما بقيت؟؟؟ «١» للكرام كلّهم ... ويا صباحي كمثل ممساي لو أنّ ما بي ببعض أعداي ... بكيت ممّا أرى بأعداي

стр. 2730

١٠٣ حكاية ديوث حدّثنا القاضي أبو القاسم عمر بن حسان بن الحسين: أنّه بلغه عن رجل قليل الغيرة، رديء الدين، كان يجمع بين زوجته، وبين أهل الفساد في منزله. قال: عشق امرأته، رجل، وكان ينفق عليها في منزله، وأحلفها بحضرته [٩٣] ، أنّها لا تطاوع زوجها على الجماع. قال: وكانا ليلة على شأنهما، في أسفل الدار التي للزوج، فصعدت المرأة إلى السطح هناك، واحتبست، فلما جاءت، خاصمها العشيق، وقال: لعله فعل بك زوجك كذا. فقالت: وحلفت، أنّه ما جرى من ذلك شيء. وسمع الزوج الكلام، فقام يصلّي في السطح، ويصيح: الله أكبر، ليسمع العشيق، ويعلمه، أنّه لم يكن ليصلّي، وهو جنب، حتى يصلح بينه وبين المرأة، بذلك «١» .

стр. 2731

١٠٤ حجاب شديد وهذا ضدّ ما حدّثني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن البهلول التنوخي «١» : أنّ امرأة من أهلهم بالأنبار «٢» ، كانت قد جاوزت الأربعين سنة، وخرجت من بيتها إلى بغداد، في محنة عرضت لها، فلما حصلت في الطريق رأت جملا يدير دولابا. فقالت: ما هذا؟ فقيل لها: دولاب الجمل. فحلفت بالله، أنّها ما رأت جملا قط.

стр. 2732

١٠٥ كتاب المافروخي عامل البصرة حدّثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن طريف، المعروف بأحمد الطويل، قال: كتب إليّ أبو محمد عبد العزيز المافروخي «١» ، وأنا أتقلّد حصن مهدي «٢» ، والفرض، والأعمال التي كنت أتقلّدها مع ذلك، وهو يتقلّد البصرة، يسألني إطلاق تمر له، اجتاز عليّ، ويعرّض بأنّ مكافأة ذلك، لا تذهب عليه. فأطلقت له التمر، بلا ضريبة، ولا مؤونة، وكتبت إليه أعاتبه على هذه اللفظة. فكتب إليّ كتابا، يعتذر، حفظت منه قوله: وصل كتابك الذي أبان الله به فضلك، وسهّل إلى سبل المكارم سبقك، وفهمته فهم معجب به، ومتعجّب منه، وسرّني صدوره» ، لا لقدر الحاجة في نفسي، ولا في نفسك، ولكن لما أنفذه من بصيرتي فيك، وقوّاه من معرفتي بك. ووجدتك، وقد اضطربت من لفظة ذكرت أنّي ضمّنتها كتابي، وهي الإلماح والتلويح، بالمكافأة والتعويض. ومعاذ الله أن ينطلق بذلك لساني، أو تجري به يدي، لأنّ مثله لا يجري

стр. 2733

إلّا عن ذي عطن ضيّق، إلى ذي باع في المحامد قصير، ولا هذه صورتك، ولا صورتي. وإذا كانت [٩٤] الأنفس واحدة، والأموال مشتركة، فأي فائدة لي في أن أتناولك ببعض مالك، أو أردّ إليك ما هو لك. فإن تكن الصورة كما يخيّل لي، فأنت أيّدك الله، المليم دوني، وإن كنت- بحمد الله ومنّه- من كلّ ما يقع عليه اللوم بعيدا. وإن تكن الأخرى، وهبت زلّتي لمعذرتي، فإني بشر غير معصوم، والخطأ والنسيان جاريان عليّ «١» .

стр. 2734

١٠٦ للوزير المهلبي في كلّة قصب حرّكتها الريح أنشدني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان الكاتب الشيرازي «١» ، قال: أنشدنا أبو محمد المهلبي «٢» في وزارته، وعمله بين أيدينا، وقد نصبت له في داره بالأهواز كلّة قصب «٣» ، وحرّكتها الريح. فاستحسن ذلك، وقال: رأيت مرّ الهوا [عليها] ... ............... .... «٤» فشمت منها اختلاس لحظ ... وخلت فيها وجيب قلب

стр. 2735

١٠٧ زوّر مناما فجاء مطابقا للحقيقة وحدّثني أبو الفضل «١» ، قال: حدّثني رجل من شيوخ المتصرّفين ببلدنا، يقال له: عبّاد بن الحريش، قال: لما كتب عليّ بن المرزبان، عمّ أبيك «٢» ، لعمرو بن الليث «٣» ، ورقت حاله عنده، حتى قلّده عمالة شيراز «٤» ، صادر المتصرّفين على أموال ألزمهم إيّاها، وكنت ممّن أخذ خطّه عن العمل الذي كان يليه بثمانين ألف درهم. قال: فأديت منها أربعين ألف درهم، ونفدت حيلتي وحالي، ولم يبق لي في الدنيا إلّا داري التي أسكنها، ولا قدر لثمنها، فيما بقي عليّ، فلم أدر ما أعمل. وفكّرت فوجدت عليّ بن المرزبان، رجلا سليم الصدر، فعملت رؤيا، وأجمعت رأيي على أن ألقاه بها، وأجعلها سببا لشكوى حالي، والتوصّل إلى الخلاص. قال: فجلست، وعملت الرؤيا، وحفظتها، واحتلت خمسين درهما، وبكّرت من الغد، قبل طلوع الفجر، فدققت بابه.
следующие страницы →