Полный текст (2 817 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ابن عيسى»
وورد أبو الحسن من اليمن والشام، لمّا كان نفي إليه عقيب قصّة ابن المعتز، وتقلّد الوزارة، لم يره أهلا لديوان السواد، ولأنّ صنعته لم تكن بالتامّة التي تفي بهذا الديوان، ولم يمكنه صرفه لمكانة كانت له في الدار «٢» ، فكان يقصده بالغضّ في المجالس، ولا يرفعه الرفعة التي يستحقّها صاحب ديوان السواد، [وإذا أراد عملا من الديوان أو خراجا أو حسابا وقّع إلى كتّاب الديوان، واستدعاهم، وخاطبهم وهو حاضر، لا يكلّمه في ذلك، فيغضّ منه بهذا، الغضّ الشديد] «٣» ، فإذا أراد عملا يعلم أنّ صناعة أبي عيسى لا تفي به وأنّه لا يمكنه الكلام عليه، خاطبه فيه على رؤوس الأشهاد، ليبين نقصه ويفتضح،، وإذا أراد مهمّا أحضر كتّاب الديوان فخاطبهم فيه، ليكون ذلك نهاية الغضّ منه.
فلمّا طال ذلك على أبي عيسى، جلس عنده يوما حتى لم يبق في مجلسه غيره [١٤ ط] ، وغير إبراهيم بن عيسى أخي الوزير «٤» .
فقال له عليّ بن عيسى: هل من خاجة؟
فقال: نعم، إذا خلا مجلس الوزير.
стр. 72
قال: فأخبرت عن إبراهيم إنّه قال: لما سمعت هذا قمت وانصرفت.
فلما كان من الغد جئت إلى أخي، فوجدت أبا عيسى في صدر المجلس، حيث يستحقّ صاحب الديوان أن يكون وهو يأمر، وينهى، وينبسط، ويتكلّم، والخطاب معه في الأعمال دون الكتّاب، وقد صار في السماء.
فدعتني نفسي إلى مسألة الوزير عن ذلك، فجلست إلى أن لم يبق في مجلسه غيري، فقال: شيء تقوله يا بنيّ؟
[فقلت: شيء من الفضول أريد أن أسأل الوزير عنه] «١» .
فقال: إن كان فضولا فلا تسل عنه.
قال: قلت لا بدّ.
فقال: هات.
قلت: استخلاك أمس أبو عيسى فأخليته، ثم رأيتك اليوم تعامله بضدّ ما كنت تعمله قبل هذا، فما سبب ذلك؟
فقال: نعم، إنّه خاطبني بخطاب عظم به في عيني، وكبر به في نفسي، وعلمت صدقه فيه، فرجعت له، قال لي، وقد خلا بي: أيّها الوزير، أنا رجل شيخ من شيوخ الكتّاب، عارف بمقدار ما أحسنه من صناعة [١٦ ب] الكتابة، وتقصيري فيها عن الغاية، وليس يخفى عليّ ما يعاملني به الوزير من الغضّ والهتك والتعريض للفضيحة في الصناعة، ومخاطبة الكتّاب في الديوان إذا أراد مهمّا، ومخاطبتي إذا نزل معضل، ويجب أن يعلم الوزير أيّده الله، أنّ حالي، ومالي، وباطني، أكثر ممّا يقع له، ويعرفه من ظاهري على كثرته، وأنّي ما أتصرّف طلبا للفائدة، ولا خوفا
стр. 73
من الفقر، وإنّما أريد الزيادة في الجاه، واتّصال نفوذ الأمر والنهي، وقد عشت طول هذه السنين، آمرا، ناهيا، مستورا في صناعتي، ما تعرّض لي أحد من الوزراء، ولا تعرّضت لهم، وسلمت عليهم، وسلموا عليّ، ومهما عمله الوزير فيّ من الغضّ فليس يمكنه أن يزيل من نفوس الخاصّة والعامّة، أنّي خلفت إسماعيل بن بلبل على الوزارة، وتقلّدت كذا وكذا، وأخذ يعدّد كبار الأعمال التي وليها، وأنّ مثل هذا لا يناط بعاجز، ولا أن يستخرج من النفوس عظم محلّي فيها، مع سعة الحال، وكثرة الضياع والمال، ولا يمكنه في طمس محلّي أكثر مما قد عمله، وأنا بين أمور، إمّا توصّلت إلى إزالة ذلك عنّي بما لعلّه يثقل على الوزير، أو آثرت صفاء نيته فاستعفيت من العمل، ولزمت بيتي، فلم أكن فيه خاملا ولا ساقطا، ثم حصلت حيث أختار، من الكون في جملة أولياء الوزير أو أعدائه، فإمّا أعفاني ممّا يستعمله معي، وردّني إلى العادة التي يستحقّها من نصب في مثل منصبي، أو أعفاني من العمل لألزم بيتي.
فقلت له: يا أبا عيسى، لن ترى بعد هذا شيئا تنكره، ولن أكون لك إلّا على أفضل محبّتك، فبكّر إليّ ليبين لك مصداق ذلك.
فلمّا جاءني اليوم، عاملته بما رأيته.
стр. 74
١٥ حكايات عن وقار الوزير علي بن عيسى وزماتته
ويشبه قول عليّ بن عيسى لأخيه: إن كان فضولا فلا تسل عنه، ما كان يبلغنا عنه من الزماتة الشديدة، والوقار العظيم، ومطالبة نفسه باحتشام الخلق، واستعمال ذلك مع أهله وولده.
حدّثني أبو الحسن بن الأزرق، قال: بلغني عن بعض أكابر ولده [١٥ ط] أنّه دخل إليه في آخر عمره، وهو مستلق، فلمّا رأى ابنه جلس منتصبا.
وأخبرني أبي ﵀، وأبو الحسين بن عيّاش: أنّهما كانا يشاهدان أبا الحسن في آخر الأوقات في المجالس الحافلة، يجلس عند باب مفتوح، وبين البابين مسورة «١» يستند إليها، وعلى الباب ستر قد أرخي حتى بلغ الأرض وغطّى المسورة، وصار حجابا بين الناس وبينها، وهو ملتزق بالسّتر احتشاما للناس أن يستند بحضرتهم، وما زال الناس على هذا. «٢»
стр. 75
١٦ حكاية عن تزمت القاضي أبي جعفر بن البهلول
حدّثني أبو الحسن بن أبي طالب بن أبي جعفر بن البهلول «١» ، قال:
كنت وأنا صبيّ، أجيء، وألعب، بحضرة جدّي «٢» ، فيصيح [١٧ ب] عليّ.
قال: ما دخلت إليه قط، وهو مكشوف الرأس، إلّا أخذ القلنسوة من خلف مسورته، ولبسها، وجلس متزمّتا «٣» عليّ [وسنّي إذ ذاك عشر سنين، أو حواليها] «٤» ، إلى أن أنصرف، فأراه إذا بعدت، وقد وضعها [عن رأسه] «٥» .
стр. 76
١٧ بين الوزير علي بن عيسى والوزير أبي عليّ بن مقلة
ويشبه فعل أبي الحسن عليّ بن عيسى بأبي عيسى أخي أبي صخرة، ما أخبرني به الثقة، قال:
أخبرني جماعة من الكتّاب، أنّه بلغه «١» أنّ المقتدر قد عمد «٢» على صرفه بأبي عليّ بن مقلة «٣» ، وكان يخلفه إذ ذاك على عدّة دواوين، فاستدعاه، وطالبه بأعمال يعملها له من الدواوين، فوعده بإحضارها.
فلما كان بعد أيّام، خاطبه بحضرة الناس يريد الغضّ منه، فقال له:
طلبت منك أعمالا فما أحضرتها، وأنا أعلم تعذّرها عليك، فإن كان الأمر كذلك، فأفصح عن نفسك.
فقال ابن مقلة: قد أحضرتها، ووضعها بين يديه.
فأخذ يقرؤها، ويعجّب مشايخ الكتاب الحضور من خطائه فيها، ويواقفه على ضعف صناعته، ويفضحه في موضع موضع يخرّجه، ويقول له في عرض الخطاب؛ هذه حياكة: ليست كتابة، ويضرب
стр. 77
على عمل عمل، ويرسم في أضعافه، كيف يجب أن يعمل، والكتّاب الحاضرون يعجبون من حسن ما يورده أبو الحسن، وضعف ما أورده أبو عليّ، إلى أن ضرب على جميع الأعمال، ثم قال له: قم فاعملها على هذا، وحرّرها، وجئني بها، فقام أبو عليّ [يجرّ رجله] «١» .
فلمّا ولّى عن حضرة أبي الحسن، قال: إنّ أمرا عجز عنه عليّ بن محمد بن الفرات، ونحن فيه مرتبكون، تقوم به أنت؟ لشيء عجيب «٢» .
قال: فلما كان في اليوم الرابع أو الخامس من هذا الحديث، قبض على عليّ بن عيسى، وسلّم إلى أبي عليّ، وقلّد الوزارة، فاعتمد الغضّ من أبي الحسن، فما قدر على ذلك بأكثر من المكاره، والمخاطبة له في وجهه بما يرتفع عنه أرباب المروءات.
فمن ذلك، انّ هذا المخبر أخبرني، قال: حدّثني أبو أحمد الشيرازيّ الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر «٣» قال:
كنت بحضرة أبي عليّ بن مقلة يوما في وزارته وقد دخل عليه عليّ بن عيسى فجلس بين يديه، وكان أبو عبد الله العلويّ الموسويّ حاضرا «٤» ، وأبو
стр. 78
عليّ الحسن بن هارون «١» .
فقال أبو عليّ بن مقلة للحسن بن هارون: اكتب رقعة عن أبي عبد الله يصف فيها اختلال ضيعته، ويسأل فيها الاحتساب له بمظلمة، وإطلاق معونة له.
ففعل الحسن بن هارون ذلك في الحال، وعرض الرّقعة، فوقّع بإخراج الحال، وأنفذ إلى الكاتب بأن أخرج الحال [١٦ ط] مصدقا [١٨ ب] لما في الرقعة. ففعل ذلك.
فوقّع تحت إخراج الحال بإطلاق عشرين كرّا حنطة وعشرين كرّا شعيرا معونة له، والاحتساب بما ذكر مبلغه في المظلمة، وقال لأبي عليّ الحسن ابن هارون: سلّمه إلى أبي عبد الله.
قال، فاستحسن الحاضرون كرمه في ذلك على رجل علويّ، وأخذ أبو الحسن عليّ بن عيسى يشكر له ذلك ويصوّبه له.
فقال له مجيبا: فلم لم تفعل مثل هذا يا أبا الحسن في وزارتك؟
قال، فنهض أبو الحسن، وقال: استودع الله الوزير، ولم يجب بحرف واحد.
стр. 79
١٨ تزمت الوزير علي بن عيسى وتخشنه
ومن زماتة أبي الحسن عليّ بن عيسى وتخشّنه «١» ، انّه كان يحبّ أن يبين فضله في هذا على كلّ أحد، أخبرني به غير واحد:
إن أبا عمر القاضي «٢» دخل إليه يوما في بعض وزاراته، وعلى أبي عمر قميص دبيقيّ ششتريّ فاخر «٣» ، فأراد أبو الحسن أن يخجله فقال له: يا أبا عمر بكم اشتريت شقّة هذا القميص؟
فقال: بمائتي دينار «٤» .
فقال أبو الحسن: ولكنّي اشتريت لي هذه الشقّة التي قطعت منها هذه الدرّاعة وهذا القميص الذي تحتها بعشرين دينارا.
فقال له أبو عمر مسرعا كأنّه قد أعدّ له الجواب: الوزير أعزّه الله يجمّل الثياب، ولا يحتاج إلى المبالغة فيها، [ونحن نتجمّل بالثياب، فنحتاج إلى المبالغة فيها] «٥» لأنّا نلابس العوام، ومن نحتاج إلى التفخيم عليه، وإقامة الهيبة في نفسه بها، والوزير أيّده الله يخدمه الخواصّ، أكثر من خدمة العوام، ونعلم أنّه يدع هذا عن قدرة.
قال: فكأنّما ألقم أبا الحسن حجرا، وسكت عنه.
стр. 80
١٩ الوزير علي بن عيسى يفرض على ملك الروم أن يحسن معاملة الأسارى المسلمين
حدّثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن «١» ، قال حدّثني مكرّم ابن بكران، عن «٢» أبي يحيى بن مكرّم القاضي «٣» ، قال:
كنت خصيصا بأبي الحسن عليّ بن عيسى، وربما شاورني في شيء من أمره، قال: دخلت عليه يوما وهو مغموم جدّا، فقدّرت أنّه بلغه عن المقتدر أمر كرهه، فقلت هل حدث شيء؟ وأومأت إلى الخليفة.
فقال: ليس غمّي من هذا الجنس، ولكن ممّا هو أشدّ منه.
فقلت: إن جاز أن أقف عليه فلعلّي أقول فيه شيئا.
فقال: نعم، كتب إليّ عاملنا بالثّغر، أنّ أسارى المسلمين في بلد الروم، كانوا على رفق وصيانة إلى أن ولي آنفا، ملك الروم، حدثان،
стр. 81
فعسفا الأسارى، وأجاعاهم، وأعرياهم، وعاقباهم، وطالباهم بالتنصّر، وأنّهم في جهد جهيد، وبلاء شديد، وليس هذا ممّا لي فيه حيلة، لأنّه أمر لا يبلغه سلطاننا، والخليفة لا يطاوعني، فكنت أنفق الأموال، وأجتهد، وأجهّز الجيوش حتى تطرق القسطنطينية.
فقلت [١٩ ب] أيّها الوزير، هاهنا رأي أسهل ممّا وقع لك، يزول به هذا.
فقال: قل يا مبارك.
فقلت: إنّ بانطاكية عظيما للنصارى يقال له البطرك «١» ، وببيت المقدس آخر يقال له القاثليق «٢» ، وأمرهما ينفذ على ملك الروم، [حتى انّهما ربّما حرما الملك فيحرم عندهم، ويحلّانه فيحلّ] «٣» . وعند الروم انّه من خالف منهم هذين فقد كفر، وانّه لا يتمّ جلوس الملك ببلد الروم إلّا برأي هذين، وان يكون الملك قد دخل إلى بيعتهما، وتقرّب بهما، والبلدان في سلطاننا [١٧ ط] ، والرجلان في ذمّتنا، فيأمر الوزير بأن يكتب إلى عاملي البلدين بإحضارهما، وتعريفهما ما يجري على الأسارى، وانّ هذا خارج عن الملك، وانّهما إن لم يزيلا هذا، لم يطالب بجريرته غيرهما، وينظر ما يكون من الجواب.
قال: فاستدعى كاتبا، وأملى عليه كتابين في ذلك «٤» ، وأنفذهما في الحال، وقال: سرّيت عنّي قليلا، وافترقنا.
فلما كان بعد شهرين وأيّام، وقد أنسيت الحديث، جاءني
стр. 82
فرانق «١» من جهته يطلبني، فركبت وأنا مشغول القلب بمعرفة السبب في ذلك، حتى وصلت إليه، فوجدته مسرورا، فحين رآني قال: يا هذا، أحسن الله جزاءك عن نفسك ودينك وعنّي.
فقلت: ما الخبر؟
قال: كان رأيك في أمر الأسارى أبرك رأي وأصحّه، وهذا رسول العامل قد ورد بالخبر، وأومأ إلى رجل كان بحضرته، وقال له: خبّرنا بما جرى.
فقال الرجل: أنفذني العامل مع رسول البطرك والقاثليق، برسالتهما إلى قسطنطينية «٢» وكتبا إلى ملكيها: إنّكما قد خرجتما عن ملّة المسيح بما فعلتماه بالأسارى وليس لكما ذلك، فإنّه حرام عليكما، ومخالف لما أمرنا به المسيح من كذا وكذا، وعدّدا أشياء في دينهما، فإمّا زلتما عن هذا، واستأنفتما الإحسان إلى الأسارى، وتركتما مطالبتهم بالتنصّر، وإلّا لعنّا كما على هذين الكرسيّين وحرمنا كما.
قال: فمضيت مع الرسول، فلما صرنا بقسطنطينية، حجبت عن الملكين أيّاما، وخليا بالرسول «٣» ، ثمّ استدعياني إليهما، فسلّمت عليهما، فقال لي ترجمانهما: يقول لك الملكان، إنّ الذي بلغ ملك العرب من فعلنا بالأسارى، كذب وتشنيع، وقد أذنّا في إدخالك دار البلاط لتشاهد أساراكم، فترى أحوالهم بخلاف ما بلغكم، وتسمع من شكرهم لنا، ضدّ ما اتّصل بكم.
стр. 83
قال: ثم حملت إلى دار البلاط، فرأيت الأسارى، وكأنّ وجوههم قد أخرجت من القبور، تشهد بالضرّ [الشديد والجهد الجهيد] «١» وما كانوا فيه من العذاب [إلى حين قدومنا] «٢» إلّا أنّهم مرفّهون في ذلك الوقت، وتأمّلت ثيابهم، فإذا جميعها [٢٠ ب] جدد، فعلمت أنّي منعت من الوصول تلك الأيّام حتى غيّر زيّ الأسارى [وأصلح أمرهم] «٣» .
وقال لي الأسرى: نحن للملكين شاكرون، فعل الله بهما وصنع، وأو مأوا إليّ: إنّ الأمر كان كما بلغكم، ولكنّه خفّف عنّا، وأحسن إلينا، بعد حصولك هاهنا.
وقالوا لي كيف عرفت حالنا؟ ومن تنبّه علينا، وأنفذك بسببنا؟
فقلت لهم: ولي الوزارة عليّ بن عيسى فبلغه ذلك، فأنفذ من بغداد، وفعل كذا وكذا.
قال: فضجّوا بالدعاء إلى الله تعالى للوزير، وسمعت امرأة منهم تقول: مرّ يا عليّ بن عيسى لا نسي الله لك هذا الفعل «٤» .
قال: فلما سمع ذلك عليّ بن عيسى أجهش بالبكاء، وسجد حمدا لله ، وبرّ الرسول، وصرفه.
فقلت له: أيّها الوزير، أسمعك دائما تتبرّم بالوزارة، وتتمنى الانصراف عنها في خلواتك خوفا من [١٨ ط] آثامها، فلو كنت في بيتك، هل كنت تقدر أن تحصّل هذا الثواب ولو أنفقت فيه أكثر مالك؟ فلا تفعل، ولا تتبرّم بهذا الأمر فلعلّ الله يمكّنك ويجري على يديك أمثال هذا الفعل، فتفوز بثوابه في الآخرة، كما تفرّدت بشرف الوزارة في الدنيا.
стр. 84
٢٠ ابن رزق الله، التاجر البغدادي يوقف في بلاد الروم أكسية لتدفئة أسارى المسلمين
حدّثني أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن داسه البصريّ، قال: حدّثني عليّ بن إبراهيم بن حمّاد القاضي: إنّ بعض مشايخ العرب «١» أخبره عن رجل من المسلمين، أسر، ثم رجع إلى دار الإسلام، قال:
لما حملنا إلى بلد الروم مرّت بنا شدائد، فحصلنا عدّة ليال لا ننام من البرد، وكدنا نتلف، ثم دخلنا قرية، فجاءنا راهب فيها بأكسية وقطف «٢» ثقيلة دفيّة، فغطّى جميع الأسارى، كلّ واحد بواحدة، فعشنا تلك الليلة، فأقامونا في تلك القرية أيّاما، فكانت سبيلنا هذه، ثم نقلونا إلى أخرى، فعادت حالنا في العري والبرد إلى الأولى.
فسألنا عن السبب في ذلك، فقالوا: إنّ رجلا ببغداد من التجّار يقال له ابن رزق الله، صهر ابن أبي عوف «٣» ، توصّل إلى أن حصلت له هذه الأكسية والقطف عند الراهب، بغرامات مال جليل، وسأله أن يغطّي بها من يحصل في قريته من أسارى المسلمين، وضمن له أن ينفق على بيعة في بلد الإسلام بإزاء هذا في كل سنة شيئا ما دامت الأكسية محفوظة للأسارى، فالراهب يفعل ذلك في هذه القرية، وما قبلها وما بعدها ليس فيها شيء من هذا. فأقبلنا ندعو لابن رزق الله كلما نفحنا البرد، ولحقتنا الشدّة، ونحن لا نعرفه.
стр. 85
٢١ شخص متعطل زوّر كتابا عن لسان الوزير ابن الفرات، إلى عامل مصر
حدّثني أبو الحسين، عبد الله بن أحمد بن عيّاش القاضي:
إنّ رجلا دامت عطلته، فزوّر كتبا عن عليّ بن محمد بن الفرات «١» ، وهو وزير، إلى أبي زنبور «٢» [٢١ ب] عامل مصر، وخرج إليه، ولقيه بها فأنكرها أبو زنبور، لإفراط التأكيد فيها، وكثرة الدعاء للرجل، وأنّ محلّه عنده لم يكن يقتضي ذلك الترتيب، واستراب بالخطاب أيضا.
فوصل الرجل بصلة يسيرة، وأمر له بجراية، وقال: تأخذها إلى أن أنظر في أمرك.
وأنفذ الكتب في خاصّ كتبه إلى ابن الفرات، وشرح له الصورة، وكان فيها: إنّ للرجل حرمة وكيدة بالوزير، وخدمة قديمة.
قال: فوصلت الكتب إلى أبي الحسن بن الفرات، وأصحابه بين يديه فعرّفهم الصورة، وعجّبهم منها، وقال: ما الرأي في أمر الرجل؟
فقال بعضهم: تقطع يده لتزويره على الوزير.
стр. 86
وقال بعضهم: يقطع إبهامه.
وقال بعضهم: يضرب ويحبس.
وقال بعضهم: يكشف لأبي زنبور أمره، ويتقدم إليه بطرده، ويقتصر به على الحرمان مع بعد الشقّة «١» .
فقال ابن الفرات: ما أبعد طباعكم عن الجميل، وأنفرها من الحرّية «٢» ، رجل توسّل بنا، وتحمّل المشقّة إلى مصر، وأمّل بجاهنا الغنى، ولعلّه كان لا يصل [١٩ ط] إلينا، ولا حرمة له بنا فيأخذ كتبنا، فخفّف عنّا بأن كتب لنفسه ما قدّر أنّ به صلاحه، ورحل ملتمسا للرزق، وجعلنا سببه، يكون أحسن أحواله عند أجملكم محضرا الخيبة؟
ثم ضرب بيده إلى الدواة، وقلب الكتاب المزوّر، ووقّع عليه «٣» بخطه:
هذا كتابي، ولا أعلم لأيّ سبب أنكرته. ولا كيف استربت به، كأنّك عارف بجميع من خدمنا في النكبة، وأوقات الاستتار، وقديم الأيّام، وقد أحطت علما بجميعهم، فأنكرت أبا فلان هذا- أعزّه الله- من بينهم، وحرمته بي أوكد ممّا في هذا الكتاب، وسببه عندي أقوى ممّا تظنّ، فأجزل عطيّته، وتابع برّه «٤» ووفّر حظّه من التصرّف فيما يصلح له، وافعل به واصنع، وأصدر الكتاب في الحال.
فلما كان بعد مدّة طويلة، دخل عليه رجل جميل الهيئة، حسن الزيّ والغلمان، فأقبل يدعو له، ويبكي، ويقبّل الأرض بين يديه،
стр. 87
وابن الفرات لا يعرفه، ويقول: يا بارك الله عليك- وكانت هذه كلمته- ما لك؟
فقال له: أنا صاحب الكتاب المزوّر إلى أبي زنبور، الذي حقّقه تفضّل الوزير، فعل الله به وصنع.
قال: فضحك ابن الفرات، وقال: فبكم وصلك؟
قال: وصل إليّ من ماله، وبتقسيط قسّطه لي، وبتصرّف صرّفني فيه، عشرون ألف دينار.
قال ابن الفرات: الحمد لله، الزمنا، فإنّنا ننفعك بأضعافها.
قال: فلزمه وفاتشه، فوجده كاتبا، فاستخدمه، وأكسبه مالا عظيما، وصار ذلك سببا لحرمة الرجل به.
стр. 88
٢٢ أبو عمر القاضي يعامل بالجميل رجلا زوّر عنه رقعة بطلب التصرّف
حدّثني أبو أحمد بن أبي الورد [شيخ من أبناء القضاة لقيته سنة تسع وأربعين وثلاثمائة ببغداد] «١» ، قال حدّثني أبي [٢٢ ب] وكان خصيصا بأبي عمر القاضي «٢» .
إنّ رجلا زوّر عنه رقعة إلى أبي القاسم ابن الحواريّ «٣» ، يسأله تصريفه وكانت بينهما مودّة.
وصار الرجل بالرقعة إلى أبي القاسم، فأخذت منه وحجب، فجلس يتوقّع الجواب.
فاتّفق أن جاء القاضي أبو عمر وأنا معه ليسلّم على ابن الحواريّ، ودخلنا، فوجد القاضي الرقعة بحضرته مشبهة بخطه، فوجم لذلك، وتشوّف «٤» لمعرفة الخبر، وكان فيه من الوقار والرصانة والفضل المشهور الذي ضرب به المثل، [ما لم يتبين لابن الحواريّ معه ذلك عليه، وفطنت أنا لدربتي بأخلاقه] «٥» .
وحانت لابن الحواريّ التفاتة، فرأى الرقعة في يده، فقال: أيّها القاضي الساعة وصلت، وأنا أفعل ما التمسته في معنى الرجل.
стр. 89
فشكره أبو عمر، وخاطبه بما أو همه فيه انّها رقعته، من غير أن يطلق ذلك، وكان أفعل الناس لهذا، وأقدرهم على أن يتكلّم دائما في الأمور بما يحتمل معنيين، ويحتاج إلى تفسير للمقصد، توقّيا منه، ودهاء.
وقال أبو عمر: فليطلب الرجل، إن كان حاضرا ويدخل، فطلبوه وأدخلوه، وقد امتقع لونه.
فقال له ابن الحواريّ: أنت الموصل لرقعة القاضي أعزّه الله؟
فقال: نعم.
فقال له أبو عمر: إنّه أعزّه الله قد وعد بتصريفك والإحسان إليك، فالزمه.
قال: وتحدّثا ساعة، ونهض أبو عمر، وقال لي سرّا: [٢٠ ط] جئني به. فتأخّرت وونّسته «١» ، وحملته إليه، فدخلت عليه به وهو خال ينتظرنا وحده.
فقال له: ويلك، أتزوّر على خطّي، وأنا حاكم، وخطّي ينفذ في الأموال والفروج والدماء؟ ما كان يؤمنك أن أعرّف أبا القاسم أمرك فتصير نكالا.
فبكى الرجل وقال: والله، أيّها القاضي، ما حملني على ذلك إلّا عدم القوت، وشدة الفقر، وأنّي وثقت بكرمك ففعلت ذلك، إذ كان غير متّصل بحكم ولا شهادة، وقدّرت أيضا أنّ ذلك ينستر عنك، وأنتفع أنا من حيث لا يضرّك.
فقال له أبو عمر: الله إنّ الفقر حملك على هذا؟
فقال: إي والله، فبكى أبو عمر، وسارّ خادما له، فغاب الخادم قليلا،
стр. 90
ثم جاء بصرّة فيها مائة دينار، ومنديل فيه دست ثياب، فسلّمه إلى الرجل.
فقال له أبو عمر: اتّسع بهذا، والبس هذا، والزم أبا القاسم فإنّي أؤكّد عليه أمرك، واحلف لي أن لا تزوّر على خطّي أبدا.
فحلف له الرجل على ذلك وانصرف.
فلما كان بعد شهور جاءنا مسلّما على أبي عمر بمركوب حسن وثياب فاخرة، فأخذ يشكر أبا عمر ويدعو له، وهو لا يعرفه، وقد ذكرته أنا.
فقال له أبو عمر: يا هذا على أيّ شيء تشكرني؟
فقال: أنا صاحب الرقعة إلى أبي القاسم ابن الحواريّ، الذي [٢٣ ب] وصلني القاضي بماله، وأحياني بجاهه، وقد صرّفني أبو القاسم طول هذه المدة، فبلغت حالي إلى هذا، وأنا أدعو الله للقاضي أبدا.
فقال أبو عمر: الحمد لله على حسن التوفيق.
стр. 91
٢٣ أراد أن يزوّر على رجل مرتعش اليد
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش القاضي، قال:
رأيت صديقا لي على بعض زواريق الجسر ببغداد، جالسا في يوم ريح شديد، وهو يكتب.
فقلت ويحك في مثل هذا الموضع، ومثل هذا الوقت؟
فقال: أريد أن أزوّر على رجل مرتعش، ويدي لا تساعدني، فتعمدت الجلوس هاهنا لتحرّك الزورق بالموج في هذه الريح، فيجيء خطّي مرتعشا، فيشبه خطّه.
стр. 92
٢٤ الوزير ابن مقلة يزوّر عليه أخوه
حدّثني أبو الحسين «١» ، قال:
حضرت أبا عليّ بن مقلة، وقد عرضت عليه، وهو وزير، عدّة تسبيبات، وتوقيعات، قد زوّرها عليه أخوه أبو عبد الله «٢» ، وارتفق عليها «٣» ، وكان أبو عبد الله حاضرا، فاستقبح أن يفضحه فيها.
فلمّا كثرت عليه، التفت إليه، فقال: يا أبا عبد الله، قد خفّفت عنّا، حتى ثقّلت، وخشينا أن نثقّل عليك، فأحبّ أن تخفّف عن نفسك هذا التعب.
قال: فضحك أبو عبد الله، وقال السمع والطاعة للوزير.
стр. 93
٢٥ عمران المملكة أساس صلاح الرعية
حدّثني القاضي أبو الحسن عليّ بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ قال:
استتر في دورنا عند أبي، أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، المعروف بابن حنزابة «١» ، وكنت حدثا، فكان يستدعيني دائما، ونتحدّث، وألعب معه الشطرنج.
فقال لي يوما، وقد جرى حديث نقصان [٢١ ط] دخل المقتدر عن خرجه: نظرت، فإذا دخل المملكة كذا وكذا، وخرجها كذا وكذا، وإذا دخل ضياع عمّي أبي الحسن، وما قبض معها من ضياعنا، كان في وقت قبضها، كذا وكذا، وهو اليوم ثلث ذلك، ولو مكّنت من ضياعنا وحدها، لعمّرتها، فعاد ارتفاعها إلى ما كان عليه، فوفر ما بين الارتفاعين يعمّر الدنيا كلها، وإنّما أملاكنا شقص «٢» يسير من الأرض، فكيف لو كان للدنيا من يهتمّ بعمارة جميعها؟
قال القاضي أبو الحسن: وما سمعت أعظم من هذا، وذلك قبل تقلّد أبي الفتح الوزارة.
وكان أبو الحسن، يحفظ مبلغ المال، وأخبرني به، فذهب عنّي.
стр. 94
٢٦ الوزير ابن الفرات يحسن إلى خياط
حدّثني أبي ﵁، قال:
بلغني أنّ أبا الحسن بن الفرات، اجتاز وهو متوسّط الحال، في بعض الدروب الضيّقة «١» راكبا، وبين يديه غلامان، فسال عليه ميزاب من دار فصيّره آية ونكالا.
فقال لأحد غلمانه: اطلب لي موضعا أدخله.
فدقّ على قوم بابهم، وكان صاحب الدار خيّاطا، فلما رأى شارة أبي الحسن، وهيأته، أعظمه وخدمه، وأدخله وأجلسه، وأخذ ثيابه فدفعها إلى زوجته لتغسلها [٢٤ ب] ، وجلس يحادثه، وبادر الغلام الآخر إلى دار أبي الحسن فجاءه بخلعة ثياب قبل أن يفرغ من غسل ذلك القماش، فلبسها، وأمر بترك تلك الثياب على القوم، وانصرف.
وضرب الدهر ضربه، وولي الوزارة الأوّلة «٢» .
فاجتاز يوما راكبا في موكب عظيم، فقام الناس ينظرونه، وقام الخيّاط، فلما رآه عرفه، فقال لأهل سوقه: إنّ لي مع هذا الرجل قصّة طريفة، وأخبرهم بها.
فقالوا له: إنّه كريم، ولو قصدته لانتفعت.
فلمّا كان من غد قصده الخيّاط، فصادف مصيره إلى بابه ركوب ابن الفرات، فدعا له، وقال: لي بالوزير حرمة.
стр. 95
فتأمّله ابن الفرات، فعرفه، وتذكّر قصّته، فأمر بإجلاسه.
فلما عاد استحضره وسأله عن خبره، وخبر زوجته، وأولاده.
فأخبره [ووصف خلّة] «١» .
فقال له: أيّما أحب إليك الجائزة أو الخدمة لنا؟
فقال: بل خدمة الوزير.
فأمر له بألف دينار، وأن يجعل رئيسا على الخيّاطين في داره، ففعل به ذلك.
فما مضت عليه مديدة حتى صار صاحب عشرات ألوف «٢» .
стр. 96
٢٧ الوزير المهلبي يحسن إلى كوّاز
وقد شاهدت أنا، قريبا من هذا، من الوزير أبي محمد، الحسن بن محمد المهلّبي ﵀، وذلك: إنّ أبا محمد عبد الرحمن بن نصر السكّريّ البصريّ، صاحب البريديّين، وتقلّد شرطة البصرة دفعات، دعاه في وزارته، فجاء إليه إلى داره في شارع المربد.
فلمّا أراد الرجوع من داره إلى مسماران «١» - وكان أبو محمد المهلّبي ﵀، قد نزلها- استقبح الاجتياز بالجامع مع أنّه شارب، فعدل في الأزقّة إلى سيحان «٢» ، ليركب منها طيّاره.
فلما بلغ حيث تعمل الكيزان، حقنه بوله، فدخل دار قوم ضعفاء، فبال، فدعا له صاحب الدار.
فقال له: هذه الدار لك؟ قال: لا، هي بأجرة معي.
قال: كم أجرتها؟ قال: خمسة دراهم في الشهر.
قال: وكم تساوي؟ قال: خمسمائة درهم.
قال: وكم رأس مالك في عمل الكيزان؟ قال: مائة درهم.
فدفع إليه في الحال ألف درهم، وقال: اشتر منها الدار، وردّ [٢٢ ط] الباقي في رأس مالك، وركب.
стр. 97
٢٨ من مكارم أخلاق الوزير أبي محمد المهلبي
وكان ﵀ «١» ، من بقايا الكرام، ولقد شاهدت له مجلسا في شهر رمضان، سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، كأنّه من مجالس البرامكة، ما شهدت مثله قط قبله ولا بعده، وذلك:
إنّ كاتبه على ديوان السواد، أبو الحسين عبد العزيز بن إبراهيم، المعروف بابن حاجب «٢» النعمان، سقط من روشن «٣» في دار أبي محمّد على دجلة، فمات في اليوم الثامن من السقطة.
فجزع عليه أبو محمد، وجاء من غد إلى أولاده، لأنّهم كانوا دفنوه «٤» عشيّا، وكنت معه [وحضر، وقد أعدّوا له دستا يجلس فيه، فلما دخل عدل عنه ولم يجلس فيه] «٥»
، فعزّاهم بأعذب لسان، وأحسن بيان [٢٥ ب] ، ووعدهم الإحسان، وقال: أنا أبوكم، وما فقدتم من ماضيكم غير شخصه.
ثم قال لابنه الأكبر أبي عبد الله: قد ولّيتك موضع أبيك، ورددت
стр. 98
إليك عمله، ووليّت أخاك أبا الحسين، وكان هذا صبيّا سنّه إذ ذاك عشر سنين أو نحوها [كتبة حضرة ابني أبي الغنائم] «١» ، وأجريت عليه كذا وكذا- رزقا كثيرا، وقد ذهب عنّي- فليلزمه، فإن سنيهما متقاربة، ليتعلّم بتعلّمه، وينشأ بنشأته، فيجب حقّه عليه.
ثم قال لأبي العلاء صاعد بن ثابت، خليفته على الوزارة «٢» : اكتب عهدا لأبي عبد الله، واستدع كلّ من كان أبو الحسين ﵀، مستأجرا منه شيئا، فخاطبه في تجديد الإجارة للورثة، فإن أكثر نعمته، إنّما كانت دخالات وإجارات ومزارعات، وقد انحلّت الآن بموته، ومن امتنع فزده من مالي، واسأله، ولا تقنع إلّا بتجديد العقد كيفما جرت الحال.
ثم قال لأبي المكارم بن ورقاء، وكان سلف «٣» الميت: إنّ ذيل أبي الحسن طويل، وقد كنت أعلم إنّه يجري على أخواته وأولادهنّ وأقاربه شيئا كثيرا في كلّ شهر، وهؤلاء الآن يهلكون بموته، ولا حصّة لهم في إرثه، فقم إلى ابنة أبي محمد المادرائي- يعني زوجة المتوفّى-، فعزّها عنّي، واكتب عنها جريدة «٤» بأسماء جميع النساء اللواتي كان أبو الحسن يجري عليهنّ، وعلى غيرهنّ، من الرجال وضعفاء حاشيته.
وقال لأبي العلاء: إذا جاءك بالجريدة، فأطلقها عاجلا لشهر، وتقدّم
стр. 99
بإطلاقها على الإدرار، فبلغت الجريدة ثلاثة آلاف وكسرا في الشهر، وعملت في المجلس وأطلق مالها وامتثل جميع ما رسم به أبو محمد.
فلم يبق أحد إلّا بكى رقّة واستحسانا لذلك.
ولقد رأيت أبا عبد الله محمد بن الحسن الداعي العلويّ «١» ﵀، ذلك اليوم، وكان حاضرا المجلس، وقد أجهش بالبكاء، وأسرف في شكر أبي محمّد، وتقريظه، على قلّة كلامه إلّا فيما يعنيه، وعلى سوء رأيه- كان- في أبي محمد، ولكنّ الفضل بهره، فلم يمنعه ما بينهما، أن نطق بالحق.
وقلت أنا، لأبي محمد في ذلك اليوم: لو كان الموت يستطاب في وقت من الأوقات، لطاب لكل ذي ذيل طويل، في أيّام سيّدنا الوزير [أطال الله بقاءه] «٢» ، فإنّ هذا الفعل، تاريخ الكرم، [وغاية تسامي الهمم] «٣» [٢٣ ط] وبه يتحقّق ما يروى عن الأسلاف من الأجواد، والماضين من الكرماء الأفراد، وغير ذلك، ممّا حضرني في الحال.
ثم نهض أبو محمّد ﵀، فارتفعت الضجّة من النساء، والرجال، وأهل الدار، والشارع، بالدعاء له، والشكر.
стр. 100
٢٩ الوزير المهلبي وأبو عبد الله الأزدي الموصلي
حدّثني أبو محمد، يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزديّ الموصليّ:
إنّ أبا [٢٦ ب] عبد الله، والده، ﵀ «١» ، توسّط بين أبي محمد المهلّبي، وناصر الدولة، في مال يحمله إلى معزّ الدولة، من صلح الموصل، فأنفق من المال أربعين ألف درهم، لإضافة لحقته.
وسبّب عليه المهلّبيّ بالمال كاملا، وهو لا يعرف الخبر، وكانت بينهما مودّة وأنس، فصحّح أبو عبد الله الموجود، ودافع بما أنفق.
وجلس يوما في داره ليحتال العوض ويردّه، فجاءته رقعة أبي محمد يدعوه للشرب، فدافع، فعاوده، فركب، فأكلا، وجلسا للشراب.
فقال له أبو عليّ الأنباري «٢» : أرى فيك يا سيّدي أبا عبد الله فتورا، وكانت بينهما مودّة، [وأبو عليّ- إذ ذاك- يخلف الوزير أبا محمد على الوزارة] «٣» وعنده ابنته «٤» ، فحدّثه أبو عبد الله بالحديث، وإن قلبه مشغول، إلى أن يتمّ له العوض ويردّه، وسأله كتمان ذلك.
وتبيّن المهلّبيّ في أبي عبد الله ذلك الفتور، فسأله عنه فورّى عن الصدق وكبرت نفسه عن إخباره بذلك، فأمسك عنه، وقام أبو عبد الله إلى البول،
стр. 101
فقال أبو محمد لأبي عليّ الأنباريّ: أما ترى فتور أبي عبد الله وهو صديقك، وقد رأيته يسارّك، وأظنه قد خرج إليك بسبب كسله، فما هو؟
فحدّثه أبو عليّ بالحديث.
فلما عاد، قال له أبو محمد: يا أبا عبد الله، أيّدك الله، ما أنصفتني في المودّة، ولا أنصفت نفسك في السياسة، تهتم بسبب أربعين ألف درهم، أملك إسقاطها عنك، فتكاتمني ذلك، حتى كأنّها عليك لغريب، أو بحقّ واجب.
وأخذ أبو عبد الله يجحد، ويقطّب في وجه أبي عليّ، ثم أخرج سرّه.
فقال المهلّبيّ، لأبي عليّ، يجب الساعة أن ينفذ إلى الجهبذ، أن يكتب له- أيّده الله- روزا بها «١» ، وأن تجعل أنت لها وجوها في الخرج، وتولّد بها نفقات واجبات- كما تعلم- على الأمير معزّ الدولة «٢» ، لتسقط عن أبي عبد الله- أيّده الله- ولا نغرمها نحن.
قال: فاستدعى الجهبذ وأخذ روزه، وسلّمه إليه.
ثم قال له المهلّبيّ: أيّ شيء ضرّك أو ضرّني من هذا، سقط عنك همّ وثقل، وعنّي بقضائي بعض حقك، وخرج المال من مال الأمير، عد الآن إلى شربنا.
فما برح ليلته تلك من عنده، وسقط المال عنه.
стр. 102
٣٠ عطايا الوزير المهلبي متواصلة
وقد أخبرني جماعة من ندماء أبي محمد:
إنّه فرّق في ليلة من اللّيالي عليهم، وعلى جماعة كانوا حضورا معهم، من مغنّين وملهين وغير ذلك، من الدراهم والثياب، ما يبلغ قيمة الجميع خمسة آلاف دينار.
ورأيته أنا، غير مرّة، قد وهب للجهنيّ «١» ولأبي الفرج الأصبهانيّ «٢» خمسة آلاف درهم [وأربعة آلاف درهم] «٣» ، ولغيرهما [٢٧ ب] دائما.
стр. 103
٣١ الوزير القاسم بن عبيد الله يأمر أستاذه بالارتفاق
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال: حدّثني أبو إسحق إبراهيم بن السريّ الزجّاج «١» ، قال:
كنت أؤدّب القاسم بن عبيد الله «٢» ، وأقول له: إن بلّغك الله مبلغ أبيك، ووليت الوزارة، ماذا تصنع بي؟ فيقول: ما أحببت. فأقول له: تعطيني عشرين ألف دينار «٣» ، وكانت غاية أمنيتي، فيقول: نعم [٢٤ ط] .
فما مضت إلّا سنون، حتى ولي القاسم الوزارة، وأنا على ملازمتي له، وقد صرت نديمه، فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد، ثم هبته.
فلما كان في اليوم الثالث من وزارته، قال لي: يا أبا إسحق، لم أرك أذكرتني بالنذر؟.
فقلت: عوّلت على رعاية الوزير أيّده الله، وأنّه لا يحتاج إلى إذكار لنذر عليه، في أمر خادم واجب الحقّ.
فقال لي: إنّه المعتضد، ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك في مكان
стр. 104
واحد، ولكنّي أخاف أن يصير لي معه حديث، فاسمح لي بأخذه متفرّقا.
فقلت: يا سيّدي، أفعل.
فقال: اجلس للناس، وخذ رقاعهم، للحوائج الكبار، واستجعل عليها «١» ، ولا تمتنع عن مسألتي شيئا تخاطب فيه، صحيحا كان أو محالا، إلى أن يحصل لك مال النذر.
قال: ففعلت ذلك، وكنت أعرض عليه، كلّ يوم، رقاعا، فيوقّع فيها لي، وربّما قال: كم ضمن لك على هذا؟ فأقول: كذا وكذا، فيقول: غبنت «٢» ، هذا يساوي كذا وكذا، ارجع فاستزد، فأراجع القوم، ولا أزال أماكسهم، ويزيدوني حتى أبلغ الحدّ الذي رسمه لي.
قال: وعرضت عليه شيئا عظيما، فحصلت عندي عشرون ألف دينار [وأكثر منها] «٣» ، في مديدة.
فقال لي بعد شهور: يا أبا إسحق، حصل مال النذر؟
فقلت:. لا، فسكت.
وظللت أعرض، فيسألني في كل شهر أو نحوه، هل حصل المال؟
فأقول: لا، خوفا من انقطاع الكسب، إلى أن حصل عندي ضعف ذلك المال.
وسألني يوما، فاستحييت من الكذب المتّصل، فقلت: قد حصل ذلك ببركة الوزير.
فقال: فرّجت والله عني، فقد كنت مشغول القلب، إلى أن يحصل لك.
стр. 105
قال: ثمّ أخذ الدواة، فوقّع لي إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صلة فأخذتها، وامتنعت أن أعرض عليه شيئا، ولم أدر كيف يقع منه.
فلما كان من غد جئته، وجلست على رسمي، فأومأ إليّ، أن هات ما معك، يستدعي منّي الرقاع على الرسم.
فقلت: ما أخذت رقعة من أحد، لأنّ النذر قد وقع الوفاء به، ولم أدر كيف أقع من الوزير.
فقال: سبحان الله، أتراني كنت أقطع شيئا قد صار لك عادة [٢٨ ب] ، وعلم به الناس، وصارت لك به منزلة عندهم وجاه، وغدوّ ورواح إلى بابك، ولا يعلم سبب انقطاعه، فيظن ذلك لضعف جاهك عندي، أو تغيّر رتبتك؟ أعرض عليّ على رسمك، وخذ بلا حساب.
فقبّلت يده، وباكرته من غد بالرقاع، وكنت أعرض عليه كل يوم شيئا إلى أن مات، [وقد تأثّلت حالي وكبرت] «١» .
стр. 106
٣٢ الوزير عبيد الله بن سليمان يبيح جزءا من مال الدولة لأحد صنائعه
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال: حدّثني شيخ من شيوخنا، ذكره هو، وقد غاب «١» عنّي اسمه «٢» ، قال: حدّثني أبو عبد الله بن أبي عوف «٣» ، قال:
استتر عندي، عبيد الله بن سليمان «٤» ، فدخلت إليه يوما، في حجرة كنت أفردتها له من داري، فقام إليّ، فقلت له ممازحا كما جرى على لساني: يا سيّدي اخبأ لي هذا، إلى وقت انتفع به فيه.
قال: فلمّا كان بعد مدّة، انتقل من عندي، فما مضت الأيّام حتى ولي الوزارة.
فقال لي أهلي: لو قصدته، وكانت حالي إذ ذاك صغيرة.
فقلت لهم: لا أفعل، أنا في ستر، وقصدي له الآن كأنّه اقتضاء
стр. 107
لثمن معروف أسديته إليه، وما أرضى لنفسي بهذا، ولو كان لي عنده [٢٥ ط] خير لابتدأني به، فبتّ ليلتي تلك مفكرا، وكان هذا يوم الخلع.
فلما كان في السّحر جاءني فرانقه «١» برقعة بخطّه، يعاتبني على تأخّري عنه، ويستدعيني.
فصرت إليه، فإذا هو جالس، والخلق عنده، فلما صرت مع دسته، قام إليّ قياما تاما، وعانقني، وقال لي في أذني: هذا وقت تنتفع فيه بقيامي لك، وجلس، وأجلسني معه على طرف الدست، فقبّلت يده، وهنّأته ودعوت له.
ومضت ساعة، فإذا قد استدعاه المعتضد «٢» ، فقام، وأمرني أن لا أبرح.
فجلست، وامتدّت العيون إليّ، وخوطبت في الوقت، بأجلّ خطاب، وعظّمت.
ثم عاد عبيد الله ضاحكا، وأخذ بيدي إلى دار الخلوة، فقال: ويحك إنّ الخليفة [الساعة] «٣» استدعاني بسببك، وذلك انّه كوتب بخبر قيامي لك في مجلس الوزارة، فلمّا استدعاني الآن بدأ لينكر عليّ وقال: تبتذل مجلس الوزارة بالقيام لتاجر؟ ولو كان هذا لصاحب طرف كان محظورا «٤» ، أو وليّ عهد كان كثيرا، وأخذ يتحاور في ذلك «٥» .
فقلت: يا أمير المؤمنين، لم يذهب عنّي حقّ المجلس، وتوفية الرتبة
стр. 108
حقّها، ولكنّ لي عذرا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يسمعه، ثم ينفذ حكمه فيّ، وأخبرته بخبري معك وقت استتاري عندك، فقال: أمّا الآن، فقد عذرتك، فلا تعاود، فانصرفت.
ثم قال لي عبيد الله: يا أبا عبد الله إنّي قد شهرتك شهرة، إن لم تكن معك مائة ألف دينار [٢٩ ب] معدّة للنكبة، هلكت، فيجب أن نحصّلها لك لهذه الحال فقط، ثم نحصّل لك نعمة بعدها، تسعك وعقبك.
فقلت: أنا عبد الوزير، وخادمه، ومؤمّله.
فقال: هاتم «١» فلانا الكاتب، فجاء.
فقال: أحضر التجّار الساعة، وتقصّ «٢» عليهم في تسعير مائة ألف كرّ «٣» من غلّات السلطان بالسواد بما يساوي، وعرّفني.
فخرج، وعاد بعد ساعة، وقال: قد قرّرت ذلك معهم.
فقال له: بع على أبي عبد الله، هذه المائة ألف كر، بنقصان دينار واحد ممّا قرّرت به السعر مع التجّار، وبعه له عليهم بالسعر المقرّر معهم، وطالبهم بأن يعجّلوا له «٤» فضل ما بين السعرين اليوم، وأخّرهم بالثمن إلى أن يتسلّموا الغلّات، واكتب إلى النواحي بتقبيضهم إيّاها.
قال: ففعل ذلك، فقمت عن المجلس، وقد وصل إليّ مائة ألف
стр. 109
دينار في بعض يوم، وما عملت شيئا.
ثم قال: اجعل هذه أصلا لنعمتك، ومعدّة للنكبة، ولا يسألنّك أحد من الخلق شيئا إلّا أخذت رقعته، وواقفته على أجرة لك عليها، وخاطبتني.
قال: فكنت أعرض عليه في كل يوم ما يصل إليّ فيه ألوف دنانير، وأتوسّط الأمور الكبار، وأداخل في المكاسب الجليلة، حتى بلغت النعمة إلى هذا الحد.
وكنت ربما عرضت عليه رقعة، فيقول لي: كم ضمن لك على هذه؟
فأقول: كذا وكذا.
فيقول: هذا غلط، هذا يساوي كذا وكذا، ارجع فاستزد.
فأقول له: إنّي أستحي.
فيقول: عرّفهم أنّي لا أقضي لك ذلك إلّا بهذا القدر، وأنّي رسمت لك هذا.
قال: فأرجع، فأستزيد ما يقوله، فأزاد.
стр. 110
٣٣ الوزير عبيد الله بن سليمان ورقاع إسماعيل القاضي
حدّثني أبي ﵁، قال: سمعت القاضي أبا عمر، يقول:
عرض إسماعيل القاضي «١» ، وأنا معه، على [٢٦ ط] عبيد الله بن سليمان، رقاعا في حوائج الناس، فوقّع فيها.
فعرض أخرى، وخشي أن يكون قد ثقّل عليه، فقال له: إن جاز أن يتطوّل الوزير أعزّه الله بهذا، فوقّع له.
فعرض أخرى، [وقال: إن أمكن الوزير أن يجيب إلى هذا، فوقّع، ثم عرض أخرى] «٢» ، وقال: إن سهل على الوزير أن يفعل ذلك، فوقّع له، فعرض أخرى، وقال شيئا من هذا الجنس.
فقال له عبيد الله: يا أبا اسحق، كم تقول إن أمكن؟ وإن جاز؟
وإن سهل؟ من قال لك إنّه يجلس هذا المجلس، ثم يتعذّر عليه فعل شيء على وجه الأرض من الأمور، فقد كذبك، هات رقاعك كلّها، في موضع واحد.
قال: فأخرجها إسماعيل من كمّه، وطرحها بحضرته، فوقّع فيها، وكانت مع ما وقّع فيه قبل الكلام نحو ثمانين «٣» رقعة.
следующие страницы →